غربا باتجاه الشرق
كلام لا يصلح للنشر!
مصطفي عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com
في مقال للسفير، صاحب القلم الذهبي، الدكتور خالد محمد فرح نشرته ( الأحداث) نهاية الشهر المنصرم، بعنوان ( خواطر و مراجعات حول الاحتفال بذكري المبارك إبراهيم )، أورد خالد أبياتا علي لسان إحدي الشاعرات السودانيات تمدح أحد الأولياء بكسلا، يُرجح السفير أن يكون السيد الحسن الميرغني، و قد جاء في الأبيات: ( مرحبتين حباب الغوث / الساكن جبال اللوس / هو في كسلا ومتسرِّي في الفردوس ). و قد وقفت لبعض الوقت متأملا نصف البيت الأخير ( متسري في الفردوس ). ثم ناديت علي الصديقين الاستاذين خالد أحمد بابكر و عبد المنعم عجب الفيا، و كلاهما أديب فذ ذي قدم في مضمار الانتاج الثقافي العام و النقدي المتخصص، المتصف بالجودة و الإتساق المنهجي، وقد بلغا فيه شأوا عظيما. و أن كان إسم عبد المنعم قد طبق أفاقا أرحب، كون مسيرته الإبداعية القاصدة إمتدت لعقدين من الزمان و يزيد. ناديتهما ليجيبا علي بعض تساؤلاتي حول معني و مفهوم ( التسري ) و أصولها و مصادرها في اللغة العربية و الثقافة السودانية. و كان من مؤدي تلك التساؤلات أن دخلنا ثلاثتنا في حوار عابر للقارات بين إفريقيا، حيث خالد، و آسيا حيث عبد المنعم، و أمريكا حيث صاحبكم. قال خالد يخاطبني: ( جالك كلامي الذي كنت قد قلته لك من قبل حول سودنة الأفكار و المعاني الدينية؟ فالشاعرة هنا جعلت من فكرة الاستمتاع بالحور العين الذين وعد الله سبحانه و تعالي بهن عباده المتقين في الجنة، و كأنها من قبيل " التسري " من قولهم " في العامية السودانية: أتخذ " سرية " )! عظيم، و لكن ما معني " سرّية "؟ الذي إستقر في ذهني من زمن بعيد هو أن السرية في لغة الكلام الشعبي المحلي أمرأة يعاشرها الرجل معاشرة الزوجة ولكن في السر. و هي ممارسة داعمة و مكملة لمؤسسة الزواج التقليدي في المجتمعات السودانية الشمالية بوجه أخص. و لا بد إذن أن الكلمة قد جاءت الي الوجود لتعبر عن العلاقة المشار اليها و التي تمارس في الخفاء بصرف النظر عن وجود نوع من الرباط شرعي أو عدمه. و لكن هناك من قال بأن السرية، في حقيقة الأمر، ليست من السر بل من السرور، و أن ( التسري ) الوارد في عدد وفير من مصادر الفقه و غيرها من الكتب الاسلامية يرتد في أصله و فصله الي السرور و الابتهاج، وليس إلي الاستخفاء في التماس المتعة و إتيانها. وواضح أن المعني الأول هو ما قصدته فعلا الشاعرة مادحة السيد الحسن الميرغني من قولها ( متسري في الفردوس )، إذ ليس من المتصور عقلا و دينا أن تكون لمن بلغوا مقام الفردوس و توهطوا علياء الجنان من المتقين ثمة حاجة الي إقامة علاقات نسائية في السر!
و قد غاص عبد المنعم – جزاه الله خيرا - في معجم الصحاح للجوهري و معجم القاموس المحيط للفيروزابادي وغيرهما من فطاحل المعاجم ليأتينا ببعض الخبر من أمر السرية و السريات في الثقافة السودانية و العربية إجمالا. و بعض هذه المعاجم يقول أن السرية من السر بالكسر وهو الكتمان. و هكذا فإن نطق السودانيين للكلمة بالكسر صحيح. غير أن صاحب معجم الصحاح يقول بأن تسرية الجارية من ( السرو )، و لكنه لا يفصح أكثر من ذلك. أما صاحب القاموس المحيط فكان أكثر وضوحا إذ يقول: (( السُرية، بالضم: الأمة، بفتح الألف و الميم، التي بوأتها بيتا، منسوبة الي السر بالكسر وهو الجماع. و قد ( تسرّر ) و ( تسري ) و ( إستسر )، و السر ما يُكتم و هو الجماع و النكاح))، إنتهي نص الفيروزابادي الذي زاد الامر تعقيدا و أن كان قد عاد ليدور بنا من جديد في مدارات السرية و الاستخفاء. و يلاحظ أن الدكتور عون الشريف في ( قاموس العامية) لم يورد كلمة سرية في هذا المعني، بالرغم من أنه أورد اللفظ نفسه في معان أخري مثل سرية الجيش! و أنا أعجب لإغفال عون لهذه اللفظة بالرغم من رسوخها في أغوار الثقافة الاجتماعية السودانية و كثافة أستخدامها من تاريخ سحيق و حتي النصف الثاني من الألفية الذاهبة.
و بطبيعة الحال فإن إتخاذ السريات - سواء بمعني السر أو بمعني السرور - لمقابلة المتطلبات الأضافية للمقتدرين من الرجال قد إنتهي كواقع و ممارسة في مجتمعاتنا الحاضرة و أصبح أثرا بعد عين كنتيجة حتمية للتطور الاجتماعي و الحقوقي، و بروز أنواع جديدة من أشكال العلاقات الملبية للحاجات والمتطلبات المستطردة. و في بعض الدول العربية المجاورة بلغت هذه الأشكال الجديدة مبلغا مثيرا للإنتباه من حيث تعدد المسميات و النماذج والقدرة اللامتناهية علي إيجاد المسوغات و الأطر الدينية المستوعبة لها. و قد نشر موقع شبكة سي إن إن العربي بتاريخ العشرين من أغسطس 2008 خبرا مطولا، نشرته في ذات الوقت صحيفة ( الوطن) السعودية عن الجدل الذي نشب مؤخرا في المملكة العربية السعودية حول أشكال العلاقات الرجالية النسائية الجديدة التي تأخذ من الوجهة الشرعية صفة الزواج بحسب تقويم بعض الفقهاء، و من ذلك زواج المسيار و زواج المسفار و زواج الصيفي و زواج الكاميرا و زواج السياحي و زواج النهاريات و زواج الحيلة. و جميعها مسميات و صفات لأنواع من الزيجات المؤقتة تقوم علي هامش زيجات تقليدية ينهض علي أمرها في الغالب الأعم رجال ذوو أسر مستقرة. أما الجدل الذي يشير اليه خبر شبكة السي إن إن فإنه يتلخص في ظهور شكل مستجد من أنواع العلاقة التي أسبغ عليها بعض الفقهاء صفة الزواج الشرعي وهو الزواج المسمي ب ( زواج الوناسة )، حيث يقيم الرجل علاقة جميلة مع أمرأة يستلطفها و تستلطفه، دون الحاجة الي ممارسة جنسية. و بينما إعتبر بعض العلماء السعوديين هذا النوع من الزواج جائزا من الوجهة الشرعية فإن علماء آخرين أنكروه و أبطلوه ووصفوه بأنه لا يعدو أن يكون علاقة باطلة. و لكن المصدرين، السي إن ان العربي و ( الوطن ) السعودية، نقلا عن عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية الشيخ صالح السدلان أنه أفتي بأن زواج الوناسة ( و يسمي أيضا التونيس أو التأنيس)، مباح عند أهل العلم و مقبول من حيث إكتمال الأركان و صحة الشروط الشرعية.
و لأن الصلة تبدو ضعيفة و شبه منعدمة بين الموضوع الذي أبتدرنا به مقالنا و الموضوع الذي أنتهينا إلي خبره، فإنني أبادر بتجسير الهوة و إماطة اللثام عن الهدف الأساسي. فبما أن العبد الفقير لمولاه ينتمي إلي الجيل الذي أتي الي الوجود بعد إنقراض و إختفاء نظام ( السريّات ) الداعم والمكمل لمؤسسة الزواج التقليدي، فأنني أرغب في أن أري علماءنا الاجلاء في السودان يترسمون خطي العالم الجليل صالح السدلان، أطال الله عمره، في تحليل و إجازة زواج الوناسة. أهو علي الأقل نتونس!
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة