سياسة ملء البطون
سيسيولوجيا الجماعة الإنقاذية (1 – 2)
بقلم : مؤيد شريف
أزعم أن أحداً من الجماعات السياسية (المنشغلة) والمنخرطة في التحديات الوجودية المتصلة بالمجتمع والدولة في السودان ، لم تصل بعد بعد لفهم المؤثرات الثقافية والمقومات المجتمعية المكونة لوجدان الكيان السوداني الفريد بكل ما يعتمله من تنوع وتلاق طبعي وإستبعاد مُستَطبع ، إذ تُعبر حالة الفشل والتأزم عن قصور (الإنشغال) الداخلي بكلياته عما هو متراكم ومستجد من قضايا ملحة ومسائل وطنية وجودية .
واذا كان هذا التوصيف أو الزعم معمما ومنسحبا علي الكل السوداني من دون إستثناء ، فإن الجماعة الإنقاذية المسيطرة والقابضة حصراً علي المشهد والأوضاع في السودان منذ قرابة العشرون عاماً مثلت التجسد النهائي في أكثر الصور كارثيةً للحالة المستدامة من هامشية وإنعزالية المجتمعات السودانية عن حقها في التأثير أو التقرير في قضاياها ومصائرها وإحتكارية (النخبة) السياسية المحدودة .
ويستمر الزعم أن ذات التجمعات السياسية المتداولة للأمر في السودان لم تفلح في الوصول لـ (مفتاح) الدخول المناسب لمجتمعاتها المحلية والأقوامية ، وربما لا يُعاد ذلك فقط للبنية الطائفية التقليدية الموسومة بها علي الدوام ، وإنما بسبب تأخريتها عن حركة المجتمع الذي تدعي الإنتماء إليه ، حتى أن كثير منها بدت ، في مراحل من تأريخها ، معبرة عن نزعية مناطقية وجهوية تخطتها المجتمعات المتحركة والمتلاقية ، وحدث أن حركة المجتمعات باتت أكثر خفة ومرونة وقدرة علي إبتدار (طبيعةً ومن غير تصنع) ما يجمعها عند جغرافية معينة وثقافة وسط وتبادلية تفاعلية سمحة ، وبدا الأمر وكأنه حركة لا إرادية وغاية في العفوية السليمة لذات المجتمعات في طريقها للبحث عن حالة من السودانية من دون كثيف تنظير أو عميق أشبكة فكرية ، كما ولم يمنعها عنف السلطة ، أو ما إستزرعته من هرمونات السياسة الفاسدة والفارزة والمقسمة عن مواصلة مسير الإلتقاء والتجمع والتفاعل ، ولو فعلت ، في حد أدنى ، لصرنا قبلاً وانتهينا علي بلقنة أو صوملة أو لبننة .
جاء الدخول المفاجئ لـ(مشروع) الإسلام السياسي علي المشهدين الإجتماعي والسياسي أكثر كارثية من أي مهدد سابق أو لاحق آخر بسبب قطعه لمسير المجتمعات نحو بناء وتشكيل النموذج الجمعي المرتقب ، وكان ذلك من خلال بذرة التفرق والتفتيت الموجودة في أصل تصورهم والمُدعى باستلاله من أصل لدين نمارس شعائر عباداته في بيت لله ندعوه (جامعا) ، دين يحمل في داخله حرية وإنطلاقاً للناس كافة باجسادهم وعقولهم وتفكرهم وتأملهم ، دين يدخل نبيه الكريم (عليه أفضل الصلاة والسلام) فاتحاً منتصرا علي من ناصبوه عداءا وأعملوا أيديهم أذى فيه وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين) وكفروا برسالته وقعدوا له كل مقعد ، فيرد عليهم أن إذهبوا فأنتم الطلقاء ، وأن تكون طليقاً فهذا مستوى أعلى في الحرية ، موجودٌ في أصل ما يدعوه من دعوة ، ومحظورٌ في أصل ما يتصوروه من سياسة للدعوة !.
دلف (مشروعهم) وإنحشر عند وبعد عهد من إستبطان وإستيطان (الدولة) وتمثلها في جميع مضاربها الإقتصادية والعسكرية ، وتمكنوا في عهد من حكم العوام ونخبة العسكر ، وقام تمكنهم علي المال وملء البطون لا بالمجتمع ، وإنقلابهم لم يكن فقط إنقلاباً سياسياً تُحال على إثره السلطة إلي جماعتهم ، بل كان إنقلاباً وخضة إجتماعية وطنية عميقة وطارئة وصادمة حتى في تمثلاتها ومجرياتها ومخرجاتها ، ومثل إنقلابهم الإجتماعي إعترافاً صريحا منهم أن المجتمع الذي يستهدفون لا تحركه إستمالاتهم المستطالة ولا الغموض المقدسن ، وأن لا أمل في أن يحملهم يوماً ما بشرعيته الي سدة الحكم ، وأنه عصيٌ علي أن يُغير جلدع ويُلبس قشرة للغير ، فكان القرار بأن يُنزع الجلد عنه عنوةً وتُلبس عليه القشرة قسرا : فلا الجلد نُزع ولا القشرة إستقرت ، وإمتلأ الجسد بالشروخ والتقرحات من جراء معافرتهم والحاحهم في إستزراع ما لا يمكن إستزراعه من مستجلب مستلف غريب المنشأ والمنسج والنسيج .
بادروا صراحةً قولاً وفعلا ومنذ بداياتهم بمعاداتهم للسودانية ، واعتبروها عائقاً أمام (مشروعهم) ومقابلاً للاسلامية التي يتعهدون ؛ وكان هذا المعتقد والقائل بضرورة جر وسوق السودانية وصولاً بها لاسلاميتهم جذر بنائهم المائل ، وبدوا كمن يواجه مجتمعاً بكامله وتجزيئه ، ليقوم كل ما أشادوا تالياً علي ذات العوج المعوج في جذره ، إذ أن الاسلامية ليست مقابلاً للسودانية ، كما وليست السودانية في تضاد والاسلامية من بنت جنسها وطبيعتها ، إلا أنهم عجزوا عن أن يستقوا لانفسهم من أصل أنفسهم شيئا !.
"عاش أبو فلان" التي إدعوا أنهم ما جاءوا إلا لتقويم ما فيها من عوج لا تختلف كثيرا في الدلالة عن "سير سير يا فلان" ، وفي كلٍ مثقفين يرسلون عقولهم في إجازة في حضرة زعيم الحزب والطائفة أو ولي النعمة كما وصف الدكتور الأفندي ، والطائفية التي أقعدتنا أزماناً طوال عادوا ليرتدوا إلي أكثر صورها خطورة وفجورة (طائفية العرق) ممتزجة بسلطوية عسكرية بائنة ، وفي ذلك إشارة لإرتدادهم حتى عن أصل (مشروعهم) المُدعى الي مبتدأ النقطة التي عندها وجدونا عند لحظة إنقلابهم ، وأغلب الظن إن لم يكن أكيده أننا كنا أفضل حالاً بكثير عند تلك اللحظة من راهنها ، فالفتنة كانت نائمة ، واليوم تطل علينا برأسها في كل ساعة وحين ، ففضلاً أعيدونا الي صفوف الخبز والبنزين ، إن كان في إستطاعتكم ، فهي علي أي حال أفضل من قوائم الموتى وصفوف المنتظرين ..
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة