صداع الديوك !!
بقلم : عمار فتح الرحمن
ammarfathi@hotmail.com
نخطئ - أحياناً - في قراءاتنا للتصريحات الصادره من قيادات الحركة الشعبيه ، واخرها حديث امينها العام باقان اموم حول فشل " حكومة الوحده الوطنيه " – وبالمطلق - فشل الدولة السودانيه في معالجة الاوضاع الأمنيه والسياسية وبالضروره الانسانيه في اقليم دارفور – وبالمجمل - في جميع اركان البلاد ، ودعوته الصريحه لاهمية دخول الاطراف الدوليه وتفويض المجتمع الدولي لإنهاء الازمه هناك بماتراه مناسباً من صيغ تكفل الحل وتعالج الهم ، ويتلقف البعض هذه الدعوه التي تلتصق مباشره في ذهنه وترتبط بنظرية المؤامره او الخيانه ، والتفريط في التراب الوطني ، بالرغم من أن الامر يبدوا أبسط حالاً من ذلك بكثير فللحركة الشعبيه برنامجها وأجندتها السياسيه التي تختلف في كثير من تفاصيلها عن الرؤيه الشماليه علي وجه العموم ، وتتشابك هذه الاجنده وتتقاطع لتتعدي الحدود الجغرافيه التي تتحرك في فضاءها الحركه ، وتنقلها بحركات غير منتظمه من قضية لاخري بناءاً علي حجم مشاكلها الداخليه ومدي الرضي والثقه في الطرف الاخر وعليه يتم صوغ مواقفها الاخري ، وما من شك في أن الخلافات والعقبات التي تقف في طريق تنفيذ اتفاق ( سلام نيفاشا 2005 ) تبقي كبيرة وخطيره وتدفع بالحركه الي التعلق باستار قضايا أخري لتقوية موقفها وتدعيم خطواتها وتتعمد احياناً أن يصيب جهدها أطراف داخلية وخارجية ، معززة هذا التحرك بإستحضار ذكري اتفاقيات سابقه كان لها ذات الزخم الا انها لم تكن متخمه بذات القدر من الالتزامات ولم تكن محفوفة بنفس مخاطر الانفصال والانشقاق ، الا انها ذهبت ادراج الرياح وباتت هباءاً منثورا بسبب المكايدات والمغامرات التي لم تراعي مصالح البلاد ، فكانت النتيجة كارثيه بكل المقاييس فمن فدراليه الي كونفدراليه كانت مرفوضة جملةً وتفصيلاً قبل وقت قصير الي حق تقرير المصير وشبح الانفصال .
التعنت والإستهتار والنظرة الضيقه من قبل شريك الحكم الشمالي ( المؤتمر الوطني ) أزال ماكان موجود من ثقه وباعد الهوة بين أبناء الوطن الواحد ، فزادت حجم المطالب التي كانت حتي الامس القريب ضرباً من ضروب الخيال والتعجيز ، وتباري المتنافسون السياسين – بلاشرف – لكسب ود الاخرين من " المهمشين " لتسويق نجاح هذا الأتفاق او ذاك باعتباره انجاز وطني و معجزة كونيه ، فظهر الي العلن " حق تقرير المصير " الذي بات واقعاً – مع مرارته – أقرته والتزمت به كافة القوي السياسيه منذ مطلع التسعينات وأمسي التعامل والتعاطي معه واجب وطني فرضته – وللأسف - " المؤامرات والمكايدات واللامبالاه " ، بعد أن كان التعايش في وطن واحد أمر ممكناً وبسيطاً لو أن الاحزاب أحترمت اتفاقاتها وعملت علي تحقيقها.بل أنها أكتفت بوضع السلام والاستقرار في زجاجة قذفت بها في بحر الاماني بل لعله بئر الاوهام .
ثلاثة عقود ونصف الرابع مضي وانقضي علي أتفاقية اديس ابابا للسلام ( 1973 ) بين الشمال والجنوب – باولوية الاتجاهات لاأكثر – وإسترجاع هذا التاريخ البعيد يفيد في إستخلاص العبر والحكم ، فحينها كان المحيط الاقليمي مساعداً ومعينا ، والمجتمع الدولي متساهلاً من ناحيه ومشغولاً " بصراع الجبباره " بين قطبي الكره الارضيه - الولايات المتحده الامريكيه والاتحاد السوفيتي – من الناحية الاخري ، وكانت المطالب محدودة ومعقوله وتصب في مجملها علي معالجة الخلافات وتوفير اسباب التنمية والنهضه والمشاركة المجزيه في قيادة الدولة وإدارة ثرواتها ، ونجح الأمر بدرجة مقبوله لولا تحكم المزاج وتقلب الحال ، الذي أضاع علي البلاد الاستقرار وأدخلها في نفق الخلافات ومأساة الصراعات ، وهو ما كان سيستدرك بعد سنوات قليله عبر اتفاقية السلام السودانيه ( الميرغني – قرنق 1988 ) الذي وُصف حينها بانه " اتفاقاً عظيماً " لو عُمل به بما كان يتطلبه ويستحقه من جدية وحسم ، باعتباره كان قادرا علي تجنيب الوطن الكثير من المشاكل التي مازالت تُقعد تقدمه وتُقيد حركته وتجعل مستقبله معلقٌ بين السماء والارض في إنتظار لطف الاقدار ، الا أن التلكؤ والبطء في إتخاذ القرار والتمسك بالانفراد والإستئثار بالإنجاز وٌُأد ذلك الاتفاق ووٌُأد معه الديمقراطية ايضاً .
ذلك كله يجعلنا أشد حرصاً من ذي قبل علي الالتزام الكامل بالاتفاقيات والتعهدات ، والسعي بخطي حثيثه لجعل الوحده خياراً جاذباً بحق دون شعارات و بلاتزييف ، لان الذي تشهده الساحة السياسية في وقتنا الراهن تجعل الوحده ابعد ماتكون عن الجاذبيه ، فالامر لن يتم دون جهد وتحرك حقيقي ، يلافي اخطاء الماضي ويوفر الارضيه المناسبه للوحده الطوعيه الجاذبه ، والاستفاده من الاصوات والجهود الاقليميه والدوليه الداعمه للوحده السودانيه إستناداً الي تجارب الانفصال الفاشله التي شهدها العالم ، في ظل الحاجة الماسه إلى عقود من الاستقرار حتى تستطيع بلدان العالم تركيز اهتمامها على النمو الاقتصادي لبناء نظام عالمي جديد مستقر وآمن ومزدهر و" عادل " ، وعلينا أن نستفيد من ان العالم الان مدرك أكثر من أي وقت مضي لحقيقة ثابته وهي أن اعلان إستقلال بعض الاقاليم او الدول في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان يتم بسهولة كبيره خصوصاً مع احتدام الصراع في عالم ثنائي القطبيه ، أما في الوقت الحاضر فإن الأمر على العكس من ذلك تماماً إذ أن كل الاقاليم المرشحة للاستقلال ، بما فيها كردستان والتبت وتايوان واخيرا ابخازيا وسوسيتيا الجنوبيه ، قد تشعل حرباً بإصرارها على إعلان استقلالها أو علي الأقل ستواجه مشكلات حقيقية في قدرتها على البقاء ، ومن يدري فربما تواجه الحالتين معا.وتبقي تجربة تيمور الشرقيه شاهداً علي مانقول بعد وقوع ذلك الاقليم – في ظل تقرير مصيره بالانفصال - تحت رحمة التدخلات الاجنبية والخارجيه غير حالة الحرب والصراع مع الدولة الأم . مع الاقرار بأن تجربة الجنوب تختلف بشكل كبير عن سابقيها ، وأن كانت تتشابه بدرجة أكبر مع وضع تيمور الشرقيه ، أي أن المخاطر المتوقعه تبقي خطيره ومرعبه ، وأن كانت الكارثه ستحل علي الطرفين دون استثناء – الشمال والجنوب - .
لابد أن نكون أكثر واقعية فنكتفي بدرجات انتقائية من الشراكة – تظل ممكنه ومتوفره - تراعي متطلبات الشمال ولاتغفل حقوق الجنوب وفقاً لطبيعة ما يواجهنا من تحديات ومشاكل . ويظل هدفنا واحداً وهو العمل علي ترويض جوانب الاختلاف والتبعاد وأختيار الاساليب الجاذبه وأنتهاج ثقافة وفاقيه ووحدويه ، بتعميق هذا الفهم لدي الاجيال الجديده التي لاتعرف عن العنصرية والتهميش ودواعي الانفصال الا مسمياتها وماتطفح به بعض الصحف والمواقع اللاكترونيه من غث ورخيص يدعو الي التقئ والاشمئزاز ، اما الاجيال الوسيطه التي اصيبت بالاحباط وشاركت في بعض جوانب الكارثه " فامرها عند ربي " .
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة