وهل يقبل الواحد القسمة على إثنين ...؟؟؟ رسالة إلى طلاب الجامعات(4)...!!!
(( ومن يصبح حاكماً لمدينة حرة ولم يدمرها فليتوقع أن تقضى هى عليه ,لأنها ستجد دائماً الدافع للتمرد بإسم الحرية وبإسم أحوالها القديمة ))
من كتاب الأمير لميــــكافيللى
ناقشنا فى الحلقة السابقة ( الثالثة ) , فىبحثنا عن الظلم ومسبباته ومآلات ذلك , حقبة ما يُعرف بالفتح التركى والغزو الانجليـزى وما أكتنف تلك الحقبة من ممارسات ظالمة وأساليب فاسدة أدت فى نهاية المطـاف إلى إندلاع أول إنتفاضة مُسـلحة فىتاريخ السودان وجعلت منه دولة مستقلة يحمكها أبناءها (دولة المهدية ) , وأستمر الحال بها لأكثر من عقد من الزمان , إلى أن أتى المغتصب الانجليزى وقوض بنيانها , ولأننا قصدنا معالجة ظاهرتى الفساد والظلم الذين لحقا بالمجتمع السودانى جراء حكم الاجنى له, لذا تعاملنا معهما بوصفهما حلقة ٍ واحدة أو قل حلقتين فى سلسلةٍ واحدة.
ولعل المستعمر الانجليزى عندما حلّ بالبلاد أدرك طبيعة شعبها منذ الوهلة الاولى , وذلك بما وجه إليه من صفعة قوية إنتهت بمقتل إبنه وفلذة كبده ( غردون باشا ) ,الامر الذى صدم الغزاة الجدد , مما جعلهم ( فيما بعد ) يُحكِمون قبضتهم بقوة مستخدمين فى ذلك كل أساليب القمع والبطش , وممتثلين كل فنون الخسة والغطرسـة لاجل كسر شوكة المجتمع وإخماد صوته , وقدم تم لهم البقاء لأكثر من خمس عقود ولكن بمخاضٍ عسـير , تخللتها كما ذكرنا فى الحلقة السابقة العديـد من الحركات الثورية المسلحة والانتفاضات الفردية الباسلة ,والمقاومة السياسية المنظمة ( مؤتمر الخريجين ) وما تبع ذلك من ظهورٍ للاحـزاب السياسية المختلفة والتى تُوج نضالها مجتمعهً فى خـروج المستعمر البغيــــض ...
وفى هذه الحلقة الرابعة نحطُ رحالنا فى أرض السودان المسـتقل , أرض المليــون ميل مربع , السودان ذلك الوطن الجمــيل الواحد الذى لايقبل القسمة على إثنين ,.... السودان بكل تنوعه وبهائه وفسيفسائه التى نقشت خطوطها أجيالا إمتدت من آمادٍ ضاربة بجذورها فى القدم , من بعنخى إلى كوش إلى نبتة ومروى وسنار ودارفور إلى الداجو والمسبعات والدينكا والشلك والنوير ومملكة الزغاوة إلى ديارالشايقية والجعليين ببسالة المك نمر , إلى مهيرة بت عبود والمهدى بجســـــــــارته , إلى دقنة والنجومى وأبى قرجة والفكى على الميراوى وودحبوبة , عبد الفضيل الماظ وعلى عبد اللطيـف , عبيد حاج الامين , إبراهيم أحمد وأحمد خير, الاستاذ محمود محمد طه , السيد عبد الرحمن والسير على الميرغنى , وننحنى إجلالاً للملايين الذين لاتتسع هذه الصفحات لتسطير أسماءهم والتى كتِبت بأحرفٍ من نور فى سِفر الخلود الذى خطوه بدمائهم الطاهرة , ونُسلم الراية الآن للزعيم ,الراحل المقيم إسماعيل الازهرى ورفيق دربه المحجوب ليعلقانها عالية مرفرفةً فى سماء الخرطوم وقد كُتبِ عليها:(( السودان المستقل بتاريخ ( 1/1 /1956 م ) , دولة موحدة , وهو ملك للجميع , متساوون فيه جميعاً فى الحقوق وعليهم جميعاً واجب الوطنية ,وهو غير قابل للقسمة وليس حِكراًلقبيلة دون الأخرى والحكم فيه ليس مُطلقاً , كما أن الخرطوم هى عاصمته الموحدة وقد أهلها لذلك موقعها المناسب ومكانتها التاريخية بالإضافة لتوفر البنيات الأسياسية لإدارة الدولة وتسيير شؤونها , وأن سكان الجنوب شركاء مع أهل الشمال فى الماء والنار والكلأ , وأن محافظـــات دار فــــــــــــور ليست تابعة لشاد ,كما أن اللون والعرق والإنتماء القبلى والجهوى والمعتقد الدينى ليست بأى حال من الأحوال معايير لإختيار من يتولى إدارة شؤون البلاد أو يجلس على كرسى الرئاســــــة ))
لقد خرج المستعمر وتسلمت الأحزاب الوطنية السلطة, وورثت تركة مثقلة من الهموم التى خلفها المستعمر,وجدول أعمال به قوائم طويلة تنتظر من يحكم , بدءاً بسودنة الوظائف وإرساء قواعد الخدمة المدنية وحل مشكلة البطالة وتوسيع فرص التعليم ومحو الأمية وبناء الجيش الوطنى وإنتهاءاً برسم السياسة الخارجية وما بين تلك وهذه الكثير الذى ينتظر....
وما أن شدّ المستعمر رحاله وإستعد للخروج حتى بدأت بواكير المشكلات تطل برأسها, وذلك بقيام مليشيات الانانيا بدخول الغابة , وهى مجموعات صغيرة متفرقة من القبائل الجنوبية التى تكونت من الفرقة الجنوبية فى القوات المسلحة التى كان مقرها مدينة توريت
وعلى الرغم من أن هذه المليشيات كانت تفتقر إلى القيادة المركزية فى بداية أمرها , إلا أنها كانت تقاتل من أجل مبدأ واحد هو محاربة (العرب ) بإعتبار إستئثارهم بتركة المستعمِر أى الوظائف ولعل كل تلك الافكار قد أسس لها حزب الاحرار الجنوبى الذى تأسس عام 1954و هو التنظيم الذى خرجت من عباءته كل الاحـزاب الجنوبية تقريباً وهو الحزب
الذى أعلن رفضه لمشروع لجنة السودنة بإعتبار أنها لم تضم أعضاءاً من جنوب السودان , وفى وقت لاحق كما سنرى أن تلك المجموعات قد إنتظمت وصارت لها مركزية وقيادات مؤثرة من ابرزها السيد جوزيف لاقو.
ربما حتى ذلك التاريخ أى عشية خروج الاستعمار , أن نجد العذر لمن تسلموا الحكم من أبناء البلد تجاه ما أطل برأسه من مشكلات أدت إلى حمل السلاح , وذلك أن المستعمر هو الذى غرس تلك الفتن وهو الذى دمر البلد ( إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) كما ورد على لسان ملكة سبأ فى القرآن الكريم ـ سورة النمل الآية34 ـ لقد فعلوا ذلك , ودمروا البلد ( أعد قراءة مبدأ ميكافيللى أعلاه وقارنه بمعنى الاية الكريمة ) لم يكن الانجليز بالغباء الذى يتصوره أحد من الناس بأنهم قد شربوا نخبهم وأنصرفوا لحالهم , هم لم يخرجوا إلا بعد أن غرسوا خنجراً مسموماً بخاصرة الوطن , فقد إستطاعوا أن يفرقوا بين الشمال والجنوب ويمايزوا بين أبناء الوطن الواحد فى ما يعرفه الجميع بسياسة المناطق المقفولة , فضلا عن دخول المدارس التبشيرية بالجنوب , أدى كل ذلك إلى إيجاد نوع من البيئة المناسبة التى شكلت وعى الإنسان الجنوبى تجاه الشمال , وسنلاحظ ـ فيما بعد ـ أن هذا الشعور العدائى قد عززته وبشكل صريح السياسات التى إنتهجتها جميع الحكومات الوطنية سواء أكانت مدنية أم عسكرية .
ما ذكرناه فى الفقرة السابقة يُمثل جزءاً من مخلفات الانجليز فيما يتعلق بالجنوب , ولمزيد من المعلومات يمكنك الرجوع لكتابات البروفسور محمد عمر بشير أوغيرها من الوثائق فالمادة مبذولة للجميع وفى مصادر متعددة .
أما فى الجـزء الشمالى من الوطن فقد إستطاع الانجليز التأسيس ( لما يمكن أن نسميه ) إلى وجود طبقة من النبلاء أو قل مجموعة من الأُسر الارستقراطية المحميـة بالقيادات الدينية
( وهما فى حقيقة الامر وجهان لعملة واحدة ) وهى ذات الطبقة التى ظلت تتحكم فى شئون البلاد خلال فترات طويلة ( حقبة ما بعد الاستقلال ) يدعمها فى مشروعها نخبة من أبناء الشعب الذين تتلمذوا على أيدى الانجليز , على أن دور تلك النخبة ظل مقصوراً على أداء المهام التنفيذية فقط , حيث أنّ كل السياسات كانت تُرسم داخل أقبية ودهاليز قصور الطبقات
( الراقية ) الامر الذى جعل السياسين ينظرون بعين واحدة ويفكرون بعقل غيرهم , أى أن ّّّّشؤون البلاد أصبحت تتحكم فيها إرادة محددة وهى إرادة الرموز الطائفية كما يعلم ذلك الجميع, والطائفية وإن حسنت نيتها إلا أنها كانت تخدم مصالح المستعمِر بوعى أو غير وعى , وذلك بما رسخته من تفرقة وتمايز بين القبائل من جهة ومن جهة ثانية تبعية عمياء مطلقة لخدمة مصالحها , وأهم من كل ذلك فقد أهملت الطائفية المصلحة القومية إهمالاً شبه كامل إن لم نقل كاملاً بالضبط , حيث أنها لم تسع لتعليم أبناء العامة ولا تطويرهم إلا بالقدر الذى يخدم مصالحها كما ذكرنا , ناهيك عن توقف المشاريع التنموية القومية الجديدة بل وتآكل المشروعات التى ورِثتها بشكل مذهل , أدت كل تلك السياسات وذلك الاهمال الذى أكتنف التجارب الحزبية الطائفية, إلى توليد نوع من عدم الثقة لدى العسكر فى كفاءة المدنيين ومقدرتهم على حكم البلاد ولذا نلاحظ أن كل فترة حزبية كانت تحمل بذور فنائها فى جيناتها من قبل أن تُولد ,والغريب أن كل حكومة عسكرية لاينبغى لها السيطرة إلابمباركة إحدى الجماعات الطائفية نفسها .
أدى كل ذلك التعاقب الرتيب للسلطة وما لازمه من إهمال مؤسف للمصلحة العامة وعدم الالتفات للقضايا الاساسية ( وأعنى بها التنمية الشاملة وقضية الجنوب وإرساء الدستور الذى يستوعب كل تنوع السودان ) إلى تفاقم الازمة فى الجنوب بزيادة دائرة الحرب وإتساع رقعتها بل ووضوح أجندتها بصورة أفضل مما سبق , وشبت جماعات الانانيا التى أشرنا إليها فى مكان سابق من هذا المقال ,عن الطوق ونضجت وأستوى عودها وأصبحت تتستوعب إلى جانبها شريحة من المثقفين الجنوبيين المؤثرين إلى جانب شريحة أخرى من أبناء الشمال الذين ينتمون إلى تلك النخبة التى كانت من رصيد ( النبلاء ) , وبدأت تنشأ تنظيمات جهوية أخرى (بدت خدمية مطلبية فى أول الامر ) ولكنها سرعان ما تسلحت مثل مؤتمر البجة وإتحاد جبال النوبة وكلها تزامنت نشأتها فىأوقات متقاربة ( فى سبعينيات القرن الماضى ) , ولو أننا أمعنا النظر إلى هذه المجموعات التى إنبجست فى ذلك الوقت يمكننا أن نخرج بالنتائج التالية :
أولاً : إثنياً يلاحظ أنها مجتمعة من أصول غير عربية ( النوبة ـ البجة ـ الجنوبين )
ثانياً : جِهَوِياَ تنتمى إلى الاطراف البعيدة عن مركز القرار ( كردفان ـ الشرق ـ الجنوب )
ثالثاَ : تشترك جميعها فى أن محافظاتها هى الاكثر تهميشاً ( سنأتى إلى دار فور لاحقاً )
رابعاً : تُمثل مجتمعةً نسبة مقدرة من إحتياطى الناخبين لمصلحة الحزبين الكبيرين .
نخلص من الملاحظات السابقة بالنتائج الآتية :
أولاً : أن التوافق الحاصل بين تلك المجموعات لم يكن من قبيل الصدفة أو من إلتقاء الطالع .
ثانياً : تاريخياً لم يُعرف عن أى من تلك المجموعات النزعة للإقتتال أو الميل نحو الإنتحاء السلبى .( أى الانفصال بإستثناءات طفيفة لايُعول عليها ) .
ثالثاً : وجود المبرر الموضوعى والمنطقى الذى أدى إلى ظهورها وحملها السلاح ( على فترات متباينة ) من تواريخ تأسيسها .
وخلاصة نعود لموضوع دراستنا وهى عن الظلم الذى تمت ممارسته من قبل الحكومات المتعاقبة على الخرطوم , فى مواجهة السواد الاعظم من أبناء الشعب , وما أدى إليه من قروح أليمةٍ ما زالت آثارها تستشرى وبشكلٍ سرطانى حتى اليوم , ويلاحظ من سياق التسلسل التاريخى الذى تناولنا به الاحداث أننا توقفنا عند ( سودان ما قبل الإنقاذ ) أى بعبارة أخرى من قبل أن (تكشــــــــــــر دارفور عن أنيابها ) , أما هــــــــذه فقصــــــــــة أُخـــــــرى سنفرد لها حلقة خاصــــــــــة فى لقــــــــــاءنا القادم إن شـــــــاء الله .
حاج على
الســـــــــــــــعودية
Saturday, August 23, 2008 hajalijuma@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة