قنبلة...هذا زمانها
البراق النذير الوراق
فى خلال الأشهر الماضية ذاع صيت أغنية يرددها بعض الشباب وحتى الأطفال، فقد لفت انتباهى أنه لا يقام حفل فى الحى إلا وكانت تلك الأغنية(قنبلة) عروسة الأغانى، وبالمقابل فقد درج موقع إذاعى بعينه على تكرير أغنية بلهجة دارفورية قحة(بنيتى حسابا)، والأغنيتين لم يسلما من التعليقات المتواصلة من قبل المهتمين.
واقع الأمر إن الأغنية هى نتاج لعملية مرتبة تبدأ بالصياغة الشعرية، ويتبعها لحن موسيقى، وتنتهى إلى مؤدى يستطيع أن يخرج بتلك الأشعار من جمودها ككلمات، إلى جمل لحنية منمقة، مستخدماً صوته كأداة للقيام بتلك المهمة. وهذه الكلمات عادة لا تخرج عن واقع المجتمع الذى يحيط بعملية صناعتها حتى الوصول إلى شكلها الأخير، وبنهاية المطاف، فإن حركة المجتمع للأمام لها الصوت النهائى فى إعتماد أى شكل أو مادة خرجت من رحم أحد الفنون لتبقى ولا تندثر، ويصحبها بالتالى هذا المجتمع نحو المستقبل، وبذلك يتكون التراث والفن المعتق، والإرث التاريخى..الخ، أما الزبد فيذهب جفاء غير مأسوف عليه.
الأغانى والهتافات النيرونية من لدن(فلترق كل الدماء) نتجت لظروف معلومة، ولكنها لم تصمد أمام الحراك الإجتماعى الذى رفضها جملة، ومن جانب آخر فإن غناء الحقيبة بقى كالذهب الأصيل، قد يتغير شكله الخارجى من حيث اللحن والأداء، ولكن تكوينه اللفظى يظل كما هو، وفى نفس التوقيت الذى برزت فيه (مِيِل وعرّج كتّر أمراضى) صاحبتها من الجانب الآخر(طيارة جات بى فوق شايلة القنابل فوق) والتى ظهرت فى خضم الحرب العالمية الثانية، وكلتاهما بقيتا من التراث الممتع العذب.
أغنية قنبلة وعلى الرغم من إحترامنا لكل الآراء التى شجبتها، إلا أنها لاتخرج عن واقعنا الإجتماعى الماثل، فالحروب والنزاعات والتفلتات الأمنية تحاصرنا، وأهلنا فى أجزاء كثيرة من السودان حفظوا شكل القنابل، واتقنوا حرفة الإختباء من الطائرات الحربية، وأطفالنا يطلبون بإلحاح(مسدس لعبة) بدلاً عن كوب حليب، فكيف يتسنى لنا أن نغنى للمحبوب الجالس فى شاطئ النيل الخصيب، وشاطئ النيل هذا ملئ بالجثث وبقايا الطائرات الحربية، والنيل نفسه عبرته الدبابات لتلقى داناتها على المحبوب، والشاعر والمغنى، والطفل الذى كان يمكن أن يردد تلك الأغنية فى الشوارع الآمنة.
وبالمقابل فإن أغنية بنيتى حسابا تُعْبّر بكل تجرد ووضوح، عن الواقع الذى يقهر المرأة ويُعبئها فى قارورة مجتمعية، مصممة خصيصاً لخدمة المفهوم الذكورى الإستعلائى، وينسى الداعون للمحافظة على هذا الوضع الإجتماعى المسئ، إن المجتمع نصفين، فإذا ألغي أحدهما لا يصلح بالتالى ليسمى مجتمع، بل يصبح أقرب إلى غابة من الإقطاعيات، الرجال فيها أسياد، والنساء عبيد، ولكن من يعى.
فى الثمانينيات من القرن الماضى خرجت العديد من الأغانى الثورية، بعضها كان موجود منذ أكتوبر، فنفض عنه الغبار ليخرج فى أبريل مرة أخرى، والبعض الآخر خرج بعد قيام ثورة أبريل، وردد الشارع يا شعباً لهباً ثوريتك، وأصبح الصبح، والسودان الوطن الواحد...الخ. فليتأمل المتأمل فى هذه الكلمات، ويجيب عن السؤال التالى، أيها يصلح فى زماننا هذا؟، وحين يفشل فى الإجابة، حينها فقط يتأكد أن قنبلة، وبنيتى حسابا، وغيرها من الأغانى، أستحقت، وعن جدارة، أن تولد فى هذا الزمن.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة