القاضي احمد هارون مطلوب العدالة
عادل فيصل راسخ
adilrasikh@hotmail.com
 |
| احمد هارون |
نظام الإنقاذ غريق يتشبث بكل ما هو طافٍ، وحالة التفاف الساق بالساق، سيمها في عشيرة المحتضر وقبيلته الممتدة لا تخطئها العين. وحبل من الاتهامات الذي استطال وطوق النظام ليصل عنق البشير. فماذا نحن فاعلون ؟!!.
في مثل هذه الأزمات والكرب تتفتق ذهنية متعهدي حلول الأزمات، وتأتي هذه المرة لتغطي العورة المكشوفة؛ العدالة ومؤسساتها المغدورة حين من الدهر. فيطلق وزير العدل تصريحه لوكالة رويترز يؤكد فيه دون حياء وبوجه أريق ماءوه " إن الحكومة دعت خبراء أجانب لدراسة النظام القضائي في السودان لمعرفة ما إذا كان قادراً على محاكمة متهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور".
وقبل أن يتردد صدي التصريحات و تفدر ، وقبل أن تلتقي لجنة الخبراء لتبحث في تبرئة ساحة النظام القضائي في السودان، وتؤكد جدارته ليطمئن الضمير العالمي إلى أن العدالة يمكن تحقيقها بواسطة القضاء السوداني، يسارع متعهدي حلول الأزمات بتقديم وصفة جديدة بلهوجة اقرب للفهلوة فتسارع الحكومة بتعيين مدعي عام لجرائم الحرب في دارفور، وكأن المجتمع الدولي مصاب بداء الغفلة. لقد مر أكثر من عامين ولم تنظر المحاكم السودانية في قضية تتصل بالانتهاكات في دارفور، ولذا فإن توقيت تعين المدعي العام لجرائم دارفور يوحي بوجود دافع غير ضمان المحاسبة وتحقيق العدالة.
اضطهاد الآخرين، وعزوة العلو، مبعثه البناء الفكري للتنظيم الإسلامي الذي تربى في كنفه البشير تنظيم يصور لعضويته أنهم مبعوثو العناية الإلهية لشعب السودان والعالم كافة. وتحقيق المرامي يحفز لتمتد أيادي السلطة القوية، لإخضاع القضاء لرغبات ونزوات السلطة التنفيذية، و استخدامه كأداة لإخراس الأصوات المعارضة، وتنفيذ العنف القانوني بتشكيل المحاكم الخاصة، والصورية والإيجازية، التي تنعدم فيها كل أسباب العدالة لإرهاب الشعب والخصوم، وحرصت هذه المحاكم أن تقترن معظم أحكامها بعقوبة الجلد إمعاناً في إذلال المواطن، كما جرت العادة أن تنفذ عقوبة الجلد فور النطق بالحكم ودون النظر لحق الاستئناف.
ولنظام البشير، سجل حافل في إذلال شعبة فقد وطد لسلطانه بدق الأعناق وأيادي ملطخه بالدماء حتى المرفقين.
ففي عام 1989و1990 أصدرت محكمة إيجازية حكم بإعدام مجدي محجوب، وبطرس جرجس، وآركانجلو بتهمة حيازة النقد الأجنبي، وتم تنفيذ أحكام الإعدام وسادت عقب تنفيذ الأحكام أجواء حزينة لفت الشارع السوداني، وحسرة لم تبرح النفوس أباح النظام وبسرعة العودة مرة أخرى لسياسة التعامل بالنقد الأجنبي الذي كانت عقوبته الإعدام قبل اشهر في تخبط اقتصادي أهدر أرواح بريئة بعجله شيطان السلطة. وفي عام 1990وسياسة التمكين المضرجة بالدماء على أشدها، أصدرت محاكم عسكرية سرية شكلها البشير، أحكام بالإعدام على 28 ضابط في جلسات لم تستغرق سوى ساعات بتهمة الإعداد للانقلاب عسكري ضد نظام الحكم، واعدم الضباط بعد ساعات من صدور الحكم، والحق بقائمة الإعدام اللواء عثمان بلوله المعتقل بسجن الأبيض قبل تنفيذ محاولة الانقلاب ؟!!.
لاحقت المحاكم الخاصة النشطاء النقابيين، وفي نوفمبر 1990 أصدرت محكمة خاصة،حكماً بالإعدام على الطبيب مأمون محمد حسين، بعد إدانته بتهمة التحريض على الإضراب بواسطة نقابة الأطباء وحال دون تنفيذ الحكم علية ،حملة التضامن العالمية التي قادتها منظمات حقوق الإنسان وبعض الحكومات. وتتابعت الأحكام الصادرة من محاكم إيجازية، لتصدر محكمة إيجازية حكمها بالإعدام على المنشق من الحركة الإسلامية، وأحد نشطاء حركة دارفور داؤد يحي بولاد، الذي تربي على مفاهيم السلطة الإسلامية في المدرسة الترابية، وكان ساعد السلطة لوقت ليس بالبعيد ولم يغفر له المنهل الواحد.
وهذا بمثابة استعراض قصير لسجل طويل من ماضي النظام في العنف القانوني، أوصل النظام لأن تطالب العدالة الدولية برأسه. ولكن مفاجآت حكام الخرطوم القاتلة، وأذانه المهدله لسماع نصائح متعهدي حلول "البصيرة أم حمد"، تلجم المجتمع الدولي بتحدي جديد ، حيث أصدرت محاكم خاصة بأمدرمان والخرطوم بحري أحكام بالإعدام على ثمانية و ثلاثين شخصاً من أبناء دارفور منهم قصر، بتهمة الاشتراك في أحداث مهاجمة أمدرمان في العاشر من مايو2008.
البشير يفكك الهيئة القضائية بدعاوى عقائدية ويشرد القضاة مستخدماً مرسومة العسكري (الدستوري) الثالث.
إن تفجر الأزمة، وامتداد ولاية المحكمة الجنائية الدولية للسودان، أسها وأساسها افتقار القضاء السوداني لاستقلاله، وتسلط السلطة التنفيذية عليه ورأسها المتهم عمر البشير. فنظام البشير أقام دولته، ومشروعة الحضاري، على مصادرة السلطة القضائية بمرسومة الدستوري الثالث الذي نصت المادة 3(ز) فيه على أن سلطات رئيس الدولة (( الأشراف على السلطة القضائية وتشكيل مجلس القضاء العالي، وتعيين رئيس القضاء، ونوابه وقضاة المحكمة العليا، وقضاة محاكم الاستئناف والمديرية، والمحاكم الجزئية)) أي أن السلطة متروكة كاملة للبشير في تعيين وعزل القضاة، وتماديا في عنجهية الاضطهاد حرم المرسوم الدستوري الثاني: المحاكم من النظر بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة في أي قرارات أو أوامر تصدر بموجب قانون الطوارئ.
بدأ البشير سلطانه، بمذبحة القضاء الكبرى، حيث أحال "للصالح العام" ثلاثمائة قاضي من مختلف الدرجات بما فيهم رئيس القضاء، واستهدف المشروع العقائدي، القضاة من النساء فلم تبقي قاضية واحدة بالهيئة القضائية. وإحصائيات أخرى أوردتها منظمات معنية بحقوق الإنسان، أفادت بأن عدد القضاة الذي تم إقصائهم من وظائفهم، وصل إلى400 قاضى من أصل 650 قاضي يعملون بالهيئة القضائية.
وفي عملية إحلال وإبدال كبرى، تم تعيين قضاة في مختلف الدرجات من الموالين للجبهة الإسلامية واستنفر تنظيم الجبهة عضويته من دول الخليج، ونظمت السلطة التنفيذية حملة لاستيعاب عدد كبير من أبنائها المخلصين من خريجي الجامعات، وضمن هذه المجموعات تم استيعاب أحمد هارون مطلوب العدالة الأول في جرائم الحرب بدارفور، حيث عمل قاضي قبل أن يختار طريق المنازلة العسكرية في دارفور ولعل في استعراض الوجيز من سيرته، ما يدلل عن نوعية القضاة الذين استوعبهم النظام لتحقيق مراميه عبر السلطة القضائية.
وانحط قدر الهيئة القضائية، للدرجة التي أصبح فيها القضاة يفاخرون بانتمائهم لمنسقية الدفاع الشعبي، التي تتولي تدريب القضاة للجهاد والاحتراب، ولتكتمل السيطرة على الهيئة القضائية وقضاتها سُمح للقضاة بالمضاربة في الأموال، وإقامة المشروعات الاستثمارية، فدخل القضاة قطاع الفنادق حالقين غير مقصرين، وانشأوا مزارع الألبان لتحمل لافتات كبيرة وضعت على منافذ التوزيع " ألبان واجبان أبقار القضاة" !!.
ولذا أصبح الحديث عن هيئة قضائية مستقلة تقيم العدل بالقسطاط ، ضرب من التهريج في نظر المواطن العادي، فما بالك بدول العالم التي مافتأت شعوبها تمد يد المعونات كل يوم لضحايا حروبات السلطة تجاه مواطنيها، وصور معسكرات النازحين البائسة تتصدر نشرات الأخبار.
ولكي تكتمل الحلقة الشريرة من مسلسل الانتهاكات، حصنت الأحكام الفضفاضة الخاصة بالحصانة التي حوتها كثير من التشريعات أفراد القوات المسلحة( بما في ذلك قوات الدفاع الشعبي والتي تندرج تحتها عناصر الجنجويد)، وكذلك الشرطة وأجهزة الأمن من المسائلة القانونية. وأصبح القمع واستخدام الأجهزة الأمنية، أدوات للانتقام من المعارضين وبث الرعب في المواطنين سياسة رسمية للدولة، فحرم المواطنون من حقوقهم المدنية، والاقتصادية، وفصلوا من وظائفهم الحكومية، وتعرضوا للمضايقة ومنعوا من السفر وقيدت حركة تنقلاتهم وتجوالهم، وصودرت ممتلكاتهم.
وأصبح التعذيب سياسة رسمية للدولة أنشأت له المراكز المتخصصة، التي عرفت على نطاق العالم ببيوت الأشباح. وشهد السودان نزوح كبير لسكانه للدول المجاورة، وشكلت ظاهرت نزوح السودانيين ولجوئهم للدول المجاورة أزمة إنسانية، عالجها المجتمع الدولي بسياسات إعادة التوطين فاستوعبت الولايات المتحدة، ودول أروبا، واستراليا أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين.
اختار نظام البشير مصادمة المحكمة الجنائية الدولية للمرة الثانية، وبالتالي وضع نفسه وشعب السودان في مواجهة الفصل السابع من نظام مجلس الأمن الدولي المعني بالمحافظة على الأمن والسلم العالميين، ويذهب طائعاً لمواجهة المجتمع الدولي.
لعل البشير ومستشاروه لم يتناولوا بقدر من التأني _الغير معهود فيهم_ دراسة الموقف الليبي من قضية لوكربيي حيث خضعت ليبيا للإرادة الدولية بتسليم المتهمين للقضاء الاسكتلندي، بعد لأي استمر سنين. ولم يتم الانتباه، والاستفادة من التعامل السوري مع لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الحريري، حيث خضع الرئيس السوري لتحقيقها القضائي، و قيل العبرة لمن يعتبر فقد سيق بسلوفدان ميلسوفيتش رئيس يوغسلافيا في 1999 م. وتشارلس تايلور الرئيس الليبيري في عام 2003م للعدالة، و التحق بهم أخيراً زعيم البوسنة السابق رادوفان كاراديتش،الذي وقع قبل اشهر في قبضة العدالة بعد ثلاثة عشر عاماً من الاختفاء.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة