أول الحرب كلام:
(4 من 5)
كردفان والبوادر الأولى للحرب الأهلية
د. حامد البشير ابراهيم
hamidelbashir@yahoo.com
رابعاً: في عام 2004 ظهرت منظمة في ولاية غرب كردفان مناهضة للدولة المركزية تحمل اسم شهامة, إليها عدد كبير من أبناء المسيريّة الأشاوس الذين عرفوا ببلائهم وبشدة مراسهم الذي استمدوه من نمط الحياة البدوية القاسية في اطار السافنا الغنية والمتنوعة منذ اكثر من خمسة قرون. وكانت أهم أهداف تلك المنظمة تحقيق العدالة لأهل المنطقة واثنياتها الذين عانوا ظلماً وظلامات من الانقاذ (وربما قبل الانقاذ أيضاً). وكذلك إحتجاجاً على تذويب ولايتهم غرب كردفان ودمجها في شمال كردفان وفي جنوب كردفان في اطار تسوية نيفاشا القاضية بإعادة جنوب كردفان إلى صورتها قبل عام 1989م. ومنطقة المسيريّة التي نشأت فيها منظمة شهامة كان أهم ما يميزها هو الغياب التام للتنمية والخدمات والبنيات التحتية والتي كان آخرها خط السكة الحديد الذي أنشأ في الستينات من القرن الماضي وبعد ذلك بقيت المنطقة احتياطياً دفاعياً تحركه الانقاذ بمختلف المسميات (الدفاع الشعبي وقوات المراحيل وغيرها). وعند توقيع اتفاقية نيفاشا وجد أبناء المسيريّة أن أبيي قد أصبحت عربوناً تقدمت به الانقاذ مرضاة للمجتمع الدولي. وزاد من غبن شباب المسيريّة وغيرهم من أبناء المنطقة أن البترول الذي ينتنجه حوض المجلد وهو عصب البترول السوداني لم يوفر الا لشريحة صغيرة منهم وظائف عمالية في قاعدة الهرم الوظيفي والمهنى في هذا القطاع الحيوي الذي اهدته منطقتهم للسودان. وقد تم توزيع المغانم والوظائف الكبرى والوسيطة في قطاع البترول جهوياً واثنياً وتنظيمياً وفي الغالب ما تلتحم هذه الحيثيات الثلاث في شخص واحد هو الذي سيحوز على وظيفة البترول. أثار إبن المسيريّة والإسلامي ورجل الأعمال البارز محمد عبد الله جار النبي ذلك الأمر في البرلمان القومي قبل ثلاثة أعوام حينما قررت وزارة الطاقة إضافة سؤالاً في اورنيك التقديم للوظيفة في قطاع البترول عن القبيلة والإنتماء القبلى. ورغم ان الموضوع قد ناقشة البرلمان – وفي ذلك أسف جسيم – لكن مع ذلك لم تقدم الدولة ممثلة في شخوص وزرائها تعليلاً لذلك الأورنيك اللعين الذي يعبر عن الدرك السحيق الذي صارت إليه الدولة القومية في السودان. وفي كل شبر ذهبت اليه في كردفان كان ذلك الأورنيك هو حديث الناس في كل خلاويهم وقراهم وفرقانهم وفي الأسواق والأندية أيضاً. وحديث الناس عن الظلم الذي وقع عليهم والتمييز من قبل الدولة ضدهم لا ينقطع وأصبح يتبادله أطفال المدارس وربات البيوت في جلسات القيلولة. إنّ حراكاً اجتماعياً رافضاً لسياسات الانقاذ الانتقائية ينتظم الأرياف والمدن في كردفان. وهذا يعنى توفر البيئة التي تؤدى إلى ميلاد الرفض ثم المقاومة ثم الصراع ثم المواجهة، وهو ما نخشاه للوطن الصغير والكبير على السواء.
وعلى صعيد آخر فإنّ هنالك من يرى أن منظمة شهامة تماثل في النشأة والتكوين حركة العدل والمساواة التي يقف وراءها تنظيم المؤتمر الشعبي (كما أشيع)، وأن قائد حركة شهامة (المتوفى رحمه الله) كان ينتمى لذلك التنظيم أيضاً. ولكن في تقديري لا يهم في عرف الظواهر الاجتماعية والسياسية من يقف خلفها اذ أن ذلك ليس شرطاً كافياً لبروزها ونضوجها بل ربما كان شرطاً لفعاليتها ونجاحها. وعليه فإن الظروف الاجتماعية والسياسية الموضوعية التي أدت إلى بروز حركة شهامة هي التي يجب ان نوليها إهتمامنا بالتفكير والتدبر والتحليل لمعرفة الأسباب والدوافع ولرسم المعالجات الكفيلة بتحقيق الرضا والاستقرار الاجتماعي في المنطقة. ويكون السؤال الكبير الذي يجب ان ينال اهتمام الدولة قبل المجتمع هو: لماذا ظهرت حركة شهامة في المنطقة؟ وما هي دوافعها؟ وما هي أهدافها؟ وإلى أيّ مدى وجدت تلك الأسباب والأهداف أذناً صاغية عند الجماهير التي خاطبتها في منطقة المسيريّة الغنية بالنفط وبالثروة الحيوانية والأرض الزراعية لكن في ذات الوقت فقيرة في البنيات التحتية والخدمات بصورة اكثر من مثيلاتها في كردفان بكثير؟ وهل هناك قليل من الموضوعية في خطاب منظمة شهامة؟ وما هي الشريحة العمرية (الديمغرافية) من السكان الذين إستمالتهم وانتموا إليها؟ وهل كان بعضهم يحارب من قبل في قوات الدفاع الشعبي والمراحيل ولم يجد الاهتمام المناسب من الدمج واعادة التأهيل الاقتصادي من الدولة؟
ان بروز حركة شهامة قبل ثلاثة سنوات واعادة ميلادها وتنشيطها حالياً ما هو إلا دلالة أخرى على أنّ المرجل في كردفان يغلى بطيئاً (لكن باستمرارية) وبالطبع ليس بالدرجة التي تحسه حواس الخرطوم التي أصبحت لا يحركها الا صوت الرصاص والدانات.
ان موت شهامة الذي أعلنت عنه الدولة وأجهزتها يجب الا يكون مدعاة للتراخي في مأخذ الأمر بكلياته مأخذ الجد، وحتى إن ماتت شهامة فذلك لا يعنى في عرف الحركات الاجتماعية والسياسية – موت الفكرة أو موت النبض والاحساس الجمعى الرافض لسياسات الإنقاذ في المنطقة وفي كل كردفان. إنّ ما ارتأته أجهزة الدولة بأنه موت لحركة شهامة هو في حقيقته إستراحة لحراك إجتماعي سياسي سرعان ما يتجدد وقد تجدد بالفعل بالبعث المفاجئ – كطائر العنقاء – للحركة خلال الأشهر الماضية.
خامساً: لقد برزت إلى حيز الوجود قبل حوالي عام أو أكثر بقليل ظاهرة اجتماعية – سياسية وسط الشباب جديرة بالاحترام والدراسة في ولايات جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور ذات الوجود الكبير لقبائل البقارة (الحوازمة، المسيريّة, الرزيقات، الهبانية، التعايشة, السلامات والبني هلبة وغيرهم). والظاهرة بإختصار تتمثل في انخراط إعداد كبيرة من شباب هذه القبائل في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي حتى الأمس القريب كانت في "خانة العدو" للدولة ولأجهزتها الاعلامية وربما لهؤلاء الشباب أيضاً. ما هي دوافع هذا التحول الكبير والذي يشبه الزحف نحو الحركة الشعبية في بعض المناطق من كردفان. وكما ذكرت فإن هذه الظاهرة تستحق الاحترام في مردوداتها الحركية والتي تعنى عملياً الخروج بالولاء والإلتزام السياسي من متلازمة القبيلة بالحزب السياسي إلى رحاب أوسع من ذلك بكثير حيث الغلبة والترجيح تكون للطرح وللبرنامج السياسي ولاستشراق المستقبل في ذلك ولتخطى الحواجز والبلوكات الاثنية والقبلية في تحديد الخيارات السياسية، ولاريب إنّ مثل هذه الخيارات والتجاوزات الاثنية والجهوية هي من نوع السلوك الذي يبنى الأوطان ويصب في اتجاه الوحدة والتماسك القومي ونبذ الانتماءات الاثنية والشعوبية.
ان ما يستحق التأمل هو جوهر الظاهرة كظاهرة اجتماعية ذات مدلولات ودلالات ربما كانت مؤشراً لحراك أو لتطورات لاحقه في الجسم الاجتماعي – السياسي في المنطقة. وبذات القدر تنامت عضوية تنظيم شهامة الذي أعلنت الدولة موته قبل مدة من الزمن. وقد نما إلى علمي من كثير ممن إلتقيتهم من أبناء الأهل في جنوب كردفان والذين هم أيضاً قد أصبحوا بدورهم اعضاء فاعلين في تكوينات الحركة الشعبية (من الدبيبات والحاجز والسنجكايه والقرى المجاورة) وجميعهم يتحدثون لغة فيها كثير من المرارة وعدم الرضاء عن أداء الدولة التي في نظرهم قد فقدت حياديتها وإتزانها. وقد زارني عدد كبير من هؤلاء الشباب في منـزلي بقريتي الحاجز عند عودتي في اكتوبر لتقبل العزاء في والدتي رحمها الله. وقد حكوا لي عن تنظيمهم ونظرتهم ورؤواهم للمستقبل أمام مرأي ومسمع من الحكومة ومن وزرائها في جنوب كردفان. وحينما استفسرت بعض المسؤولين التنفيذيين عن تفسيرهم لهذه الظاهرة, قلّلوا من شأنها لدرجة أشفقت عليهم وعلى حكومتهم اكثر من اشفاقي على الظاهرة والتي هي طبيعية في المقام الأول والأخير. ان ردود المسؤولين والتقليل من شأن هكذا ظاهرة وعدم مقدرتهم على التحليل والقراءة بين سطورها هو دلالة على ان الحاكمين الشموليين في كل مكان وعبر التاريخ لا يهتدون الا بالتقارير الأمنية الضحلة والمسطحة ويقرؤونها عند كل صباح ولكن لا يهتمون بقراءة التقارير المكتوبة على أسارير ووجوه الجماهير الساخطة والتي هي أصدق من تلك التي يسطرها (الكتبة) الذين يدركون سلفاً ماذا يريد الحاكم او المسؤول أن يسمع وان يقرأ.
ان تنظيم الحركة الشعبية وخاصة جناحه العسكري قد شمل الآن عشرات الآلاف من أبناء الحوازمة والمسيريّة الرزيقات وغيرهم في حزام التواصل الإثني أو ما يعرف بحزام البقارة. وبتأمل وتفحص الملامح الديموغرافية فإن الشريحة المنضوية جميعها من الشباب في الفئة العمرية 18-25 سنة ويمتازون بدرجة عالية من الوعى. وأن جميع هذه المجموعات من الشباب مصابه بالاحباط السياسي نتيجة للحرمان وغياب الادماج في الحراك السياسي والاجتماعي وفي ديناميات وتفاعلات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حولهم. ان هذا النوع من الدمج الاجتماعي الضروري لشرائح الشباب هو ما يعرف بمصطلح (social inclusion) والذي هو المفهوم المضاد والترياق للعزل الاجتماعي social exclusion والتهميش الذي يعانيه الشباب. وهؤلاء بالتحدث معهم أتضح أنهم جميعاً يرون أن الدولة قد فقدت ملامحها القومية وأصبحت الحكومة ما هي الا جهازا إثنياً يتم الاختيار لـه من بطانة الحظوة الاثنية والجهوية والتنظيمية. وجميعهم يتحدثون بمرارة عن الإجحاف والظلم الجهوى والاثنى وغياب التنمية والخدمات وتفشي الفقر والعوز والحرمان الذي أضحى من أهم ملامح الحياة في الريف. ان هذه البيئة – كما يرى الشباب – هي التي ولدت تلك التيارات خاصة وأنهم قد رؤوا بأم أعينهم أن الدولة "تحترم الذي يرفع في وجهها السلاح" أو هكذا يقول حالها في التعامل مع من يرفعون السلاح مقارنة بالذين يرفعون المذكرات ويوالون الاحتجاجات المدنية والذين غالباً ما تبح حناجرهم وتذهب أصواتهم أدراج الرياح. ان كل ما قال به شباب القبائل في هذا الخصوص يعتبر مرافعة ضد الدولة وضد الأحزاب الحاكمة والمعارضة على السواء، لكن المسؤولية الاكبر تقع على الدولة وعلى جهازها الحاكم. وبالتأكيد إن كانت هناك دولة جادة باسطة لنفوذها وذات رؤية في الحكم وإدارة البلاد لدرست كل هذه القراءات والحجج دراسة متأنية وخاطبت هذه الفئة العمرية من الشباب المحبط في تلك الانحاء من البلاد وربما في كل البلاد. وتكون مخاطبة الدولة لهم في شكل مشروعات تنموية تخاطب حاجياتهم الآنية والمستقبلية وأن يتم استيعابهم وشمولهم بتسوية وبإصلاح سياسي هيكلي شامل يفكك الدولة الاثنية لصالح مجموع السودانيين في الوطن السوداني. وعلى الدولة ان تتخلى عن سياسة تأليب فعاليات وكيانات الدولة المحلية والمجتمع المحلي ضد الشرائح المستنيرة من الشباب في الريف والتي درجت على توصيفهم بالشيوعيين في اعادة لإنتاج وصمة الستينات والسبعينات أيام الحرب الباردة والتي كان يلوكها النظام الشمولي آنذاك والذي قبرته الجماهير في أبريل - رجب 1986م. صحيح ان هذا يؤكد ان الأنظمة الشمولية تنتمى لذات القبيلة وان اختلفت الشعارات والمسميات والمساحيق التي يحبذها نظام شمولى دون آخر: و بما أنّ الكفر ملّة واحدة فالشمولية أيضاً ملة واحدة. وعلى الدولة أن تفكر بصورة ايجابية موضوعية استقرائية للمستقبل، وأن هذه الظاهرة وسط الشباب هي في علم الثورات تمثل الحراك الأولي الذي يسبق العاصفة في تلك الانحاء من كردفان بل وفي كل كردفان وفي كل السودان.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة