وهل يقبل الواحد القسمة على إثنين...؟؟؟ رسالة إلى طلاب الجامعات (2)
تحدثنا فى المقال السابق عن الظلم الذى يكتنف حياة المجتمعات الانسانية , وأوضحنا كيف أنه من صنع الانسان وذلك بما تسنه الطبقات المسيطرة من قوانين وتشريعات لتخدم بها مصالحها وتحميها بالتالى من أى مواجهة محتملة يمكن أن تنشب من الطرف الآخر, أى جمهور الفقراء المستضعفين .
ووعدنا بأننا سوف نواصل فى هذه الحلقة دراسة ذات الموضوع وذلك بإعطاء أمثلة على كيفية مقاومة الظلم والوقوف فى وجهه, ولكن قبل أن ندخل فى هذا الشأن دعنا نذكر بأنَ جميع الانظمة المسيطرة أو الطبقات الحاكمة والمتنفذة فى حياة الناس , تضع لكل أمر حسابه حيث أن المجرم الصغير قبل أن يرتكب جريمته يفكر ألف مرة فىكيفية إخفاءآثارها فما بالك بمجرم كبير يسرق حياة الملايين ؟؟!!
ومن أجل ذلك تبنى تلك الانظمة تراساناتها الامنية الشرسة وتسعى لجلب كل عناصر التقنية الحديثة لتأهيل وتدريب أفرادها بحيث تتمكن من حماية نفسها ومصالحها فتقوم بتثبيت آلات التصوير الحديثة فى أركان قصورها وزرع أجهزة الرادارات فى زوايا الطرقات والاماكن العامة حتى يتسنى لها أن تحصى عليك حتى أنفاسك وخلجاتك ووساوسك التى تهمس بها ,وحينما يأتى الزعيم الكبير والشيخ الجليل الوقور الى مخاطبة الجمهور بعد أن تحيط به جحافل من الكلاب المدربة, ويبدأ فى مخاطبة الناس فبعد الحمدلة والبسملة والتكبير والتهليل يبتدرهم بقوله تعالى (( إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يدُ الله فوق أيديهم ..... ))
يا إلهى !! ويا للعجب أنظر معى وتأمل هذا الاسلوب البديع فى الخطابة وهذه الرصانة فى اللغة وهذا الوقار الذى يجعل صاحبه من الذين فازوا باللإستظلال بظله , يوم لاظلَ إلا ظله!!! فأمثال هؤلاء الحكام والساسة لا تفوت على قرائحهم فى أنّ الدين له تأثيره فى إذكاء لهيب الحمية فى السامعين وإشعال الثورة فيهم , إنهم يستخدمون الدين وفق إرادتهم ويطوعون أياته بما يخدم مصالحهم حين تكون الحاجة إلى ذلك مُلِحة وعاجلة , وينسونه كلية وهم يأكلون مال اليتيم ويسرقون المال العام ويشيدون به القصور الشاهقة , ويقتلون بإسمه الابرياء ويرَملون النساء ويشرٍدون عشرات الآلاف من الاطفال فى الشوارع بلا مأوى وتعليم , ويرسلون بإسمه أبناءهم إلى أرقى الجامعات والمدارس على طريقة ( أطلبوا العلم ولو فى الصين ) ويدفعون لهم المصاريف الدراسية من عرق الغلابة المعدمين , ويستوصون الفقراء بالصبر وحسن المآب والمنقلب كل ذلك تتم ممارسته بعناية تامة وبآلة إعلامية متفننة تدفع أنت و أبيك ثمنها , وأبناءك الآتون من بعدك ليس لديهم حقٌ فى وراثتها ( لأنه ببساطة قد كُتبَ فى جيناتهم الفقر لا يُورثُ إلا الفقر..) ..... ويختتم كبيرهم حديثه بالوعود والأمانى , مخاطباً جمهرة الفقراء : بأن (.. عليكم بالصبر وما بعد الشقاء إلا سعادة...))
نعم إنها حقا سعادة الدارين وكيف لا وصاحبنا قد إنتفخت أوداجه وتوردت خدوده ( بالبروتين ) وإنتفخت بطنه وزاد وزنه لدرجة يصعب معها تحديد مركز ثقله , يقول له معاونوه:( إذا أحب الله رجلا زاده بسطة فى المال والجسم !!) هذا هو السلطان الذى يحكم الفقراء ويتحكم فى مصائرهم ويحدد مستقبلهم واؤلئك هم بطانته ومساعدوه يتغنون (فى حضرته ) دائمابأمجاده وحصافة عقله وبعد نظره وعدالة حكمه, وهؤلاء جميعا هم أعداءك الذين سرقوا منك المأكل والمشرب والمسكن وتركوك هائما على وجهك لاتدرى ماذا تفعل , سلبوا منك قوة التفكير السليم فأختلطت عليك الاشياء وأصبحت لا تدرك ماهى الاولَويات وما هو ترتيبها ,هل الاولوية للاكل و الشرب أم هى للسكن أم هى للدراسة أم الثقافة أم الزواج ؟؟؟
لكن الحق والحق نقول أنَ الاولوية والاولوية الملِحة هى أن تحدد أعداءك وبعد أن تحددهم تبدأ بفضحهم وكشف عوراتهم وتعريتهم من زيفهم وسلاحك فى كل هذا هوالوعى المستنير والبصيرة النافذة للاشياء الناقدة لها والعزيمة القوية التى لاتلين ولاتستكين وتذكر أنّ هذا المنهج هو أقوى الاسلحة المطروحة والمجربة لمقاومة الظلم والجبروت وتذكر أيضاً أنه لابد من أن يكون هنالك فرق مقدار من حيث الوعى بينك (بوصفك على قدرٍ عالٍ من المعرفة والثقافة ) وبين رجل الشارع العادى الذى يلهث وراء لقمة العيش الكريم لافراد أسرته, لكن أعلم أنه لابد من أن يكون هنالك جسراً من التواصل بينك وبينه, وأنت الذى يناط بك إقامة هذا الجسر وإرساء دعائمه , الناس شركاء فى الحياة ولهم جميعاً الحق فى العيش بكرامة تامة وبحرية مطلقة وهذا من آصل الحقوق, كما أنَ عليهم أيضاً واجبات , إذاً فأنت لستَ بمعزل عن الصراع ولامفصولا عنه , فلا تنأى بنفسك إلى الهامش لأن التاريخ لن يرحمك وثِق أن أى دورٍ تقوم به سيصبُ تراكماً إيجابياً فى مصلحة الضعفاء الذين تنتمى إليهم وأنَ التاريخ سوف يسجله لك بمدادٍ من ذهب .
لقد أسهبتُ كثيراً فى توضيح الاسلوب الاول من أساليب المقاومة لا لشئ وإنما لاهميته وقوة تأثيره , وكذلك لانه ينبع من داخلنا ولايحتاج إلى رأسمال أو قل مقومات تذكر من الخارج سوى أن نؤمن بالفكرة ونتبناها , ولنأخذ مثالا بسيطاً على هذا المنهج وذلك قبل أن نغادر لمناقشة المناهج الاخرى فى مقاومة الطغيان , أفرض أنك واحداً من مجموعة مكونة من ثلاثة أصدقاء وأن أحدكم أصبح نشازاً عليكم وذلك بإثارة المشاكل والفتن و زرع بذور التفرقة بينكم وبين زملائكم الآخرين , وأفرض أنكم فشلتم فى علاجه بالتى هى أحسن , تصَور معى كيف سيكون حاله إذا ما قمتم بعزله ومقاطعته .؟؟؟
وقبل أن ننتقل إلى معالجة أشكال النضال الاخرى دعنا نتأمل ما كتبه إفلاطـون عن الحكام:
((...ما لم يتولَ الفلاسفة الحكم فى الدول, أو أن يتحول من نسميهم ملوكاً وحكاماً إلى فلاسفة حقيقيين , وما لم نرَ القوة السياسية تتحد بالفلسفة وما لم تسن قوانين دقيقة تبعد من لم يجمعوا هاتين القوتين , فلن تنتهى الشرور من الدول بل من الجنس البشرى ..(( (1)
بالتأكيد لسنا مع إفلاطون بنسبة مائة بالمائة ولسنا من مروجى أفكاره , لكن الرجل كان علامة فارقة فى تاريخ الفكر الانسانى , فقط الان قم بإبدال كلمة الفلاسفة بالعلماء وكلمة الفلسفة بالعدالة فى العبارة السابقة وأقرأ النص من جديد....؟؟؟
(1) المصدر : جمهورية إفلاطون
فى الحلقة القادمة وربما الاخيرة سوف نتناول أشكال النضال الاخرى بما فى ذلك المقاومة المسلحة ودورها فى إسقاط الانظمة المتسلطة والدوافع التى أدت إلى حملها السلاح , مع ذكر أمثلة عليها من واقع مجتمعنا الســــــودانى .
حـاج على
الســـــــــــــعودية
ت: 00966507568107
الاثنين، 18 آب، 2008م
hajalijuma@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة