زفرات حرى
الطيب مصطفى
أيهم أحق بالحصانة القضائية: البشير أم الجنود الأمريكيون؟!
مهما كانت قيمة ما كنت أعتزم كتابته اليوم فلن تبلغ معشار قيمة وعظمة ما كتبه الفقيه الدستوري والخبير المصري الدكتور عبد الله الأشعل الذي لم يكتف بفضح ضعف حجة أمريكا وصنيعتها أوكامبو وإنما فضح الأسس والمعايير اللاأخلاقية التي تقوم عليها الدولة الأمريكية الحديثة سواء كانت تحت حكم الحزب الجمهوري أو الديمقراطي وواهم واهم من يفرق بين أوباما أو ما كين بعد أن انهارت قيمة العدل التي رفعها الله مكاناً علياً وسمى بها نفسه سبحانه وأقام عليها لكون وجعلها قيمة مطلقة لا فرق في تطبيقها بين الناس على أساس الدين أو العرق أو اللون أو اللغة.
بربكم تمعنوا في طريقة تعامل أمريكا مع محكمة الجنايات الدولية التي تستخدمها اليوم ضد السودان.. تأملوا مثلاً في حالة القائم بالأعمال الأمريكي المسكين البرتو فيرنانديز الذي يمارس عمله على أسس لا أخلاقية ويأتمر بأمر بلاده بلا وزاع من ضمير أو أخلاق وتأملوا كذلك في حالة هذا المغرور المنتفخ المتغطرس ريتشارد وليامسون الذي ضل سعيه في الحياة الدنيا ويحسب أنه يحسن صنعاً كونه ينتصر لبلده لا لضميره أو للقيم العليا التي تفرِّق بين الإنسان والحيوان.. تلك القيم التي كانت أمريكا ذات يوم تعمل بها وتدعو إليها قبل أن تسودها قيم شريعة الغاب حيث البقاء للأقوى Survival for the Fittest
أرجو من أصحاب الكتابات الملساء التي لا تنتصر لحق ولا تغضب كما أرجو حتى من المارينز السودانيين ــ الذين يعز عليهم أن يُغضِبوا من يُنعمون عليهم بتذاكر الدرجة الأولى والفنادق المخملية ــ أن يقرأوا وينتصروا للحق بعد أن صمتت أقلامهم إلا عن أحاديث الإفك.
أما أمريكا فوالله والله إني لأراها استحقت أن ينزل بها ما نزل بعادٍ وثمود فتلك سنن الله في الكون منذ خلق آدم ويؤمئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله العزيز الحكيم.
استميح الأخ كمال حسن بخيت عذراً في أن أنقل هذا المقال الرائع من صحيفته »الرأي العام«:
أيهم أحق بالحصانة القضائية: البشير أم الجنود الأمريكيون؟!
أسارع منذ البداية إلى نفي أي مقارنة بين الرئيس السوداني عمر البشير المدعى عليه أمام المحكمة الجنائية الدولية بالمخالفة لنظام هذه المحكمة وبين الجنود الأمريكيين الذين تصر واشنطن على أن يفلتوا من العقاب وهي تعلم مسبقاً أنهم يرتكبون بتعليمات رسمية أشد الجرائم خطورة مما يعاقب عليه القانون الأمريكي، ولكن هذه الجرائم ما دامت ضد العرب والمسلمين فإن المحاكمات والعقوبات في شأنها مسرحية هزلية كما ثبت من كل القضايا التي نظرها القضاء الأمريكي في هذا الملف.
ورغم أن واشنطن تقف خطوات بعيداً عن الضجة التي اثارتها مذكرة المدعي العام للمحكمة الجنائية بشأن اعتقال الرئيس السوداني، فإنه لا يجوز أن يقع بعض الكتاب والمراقبين في خطأ الاعتقاد بأن واشنطن بعيدة عن موقف المحكمة، حتى رغم أن واشنطن تعارض المحكمة منذ البداية، وقد شاركت واشنطن في مؤتمر روما الدبلوماسي لإنشاء المحكمة الدولية، وحاولت تسيير المؤتمر نحو أهدافها وتمكنت بالفعل من أن تدفع المشاركين في المؤتمر إلى الاعتقاد بأن قبول التعديلات الأمريكية سيؤدي إلى انضمام أمريكا إلى نظام المحكمة مما يدعم عملها في التطبيق، وكانت أخطر هذه التعديلات وضع توليفة الخلط بين السياسة والقانون، فاستحدثت دوراً يتلاعب فيه مجلس الأمن بالمحكمة وفق التطورات السياسية، حيث يستطيع المجلس أن يحيل أي قضية جنائية للمحكة، كما يستطيع أن يأمر المحكمة أن توقف أي إجراء في هذا الشأن، وهذا كله إذا قرر المجلس أن القضية تهدد السلم، ثم إذا قرر أن تأجيل الملف هو الذي يحقق السلم والأمن الدوليين، كما تمكنت واشنطن من إبعاد مسألة العدوان الحساسة من دائرة اختصاص المحكمة وتقديرها للأحداث التي تشكل جريمة العدوان. كما حدث مع الجرائم الثلاث الأخرى التي فصلها نظام المحكمة، وبعد انتهاء مؤتمر روما لم يسعد واشنطن أن ينتهي إلى نظام لإنشاء المحكمة، بل عمدت إلى محاربة المحكمة، رغم أن تحفظات واشنطن على المحكمة تناقض تمامًا الحقيقة، وهي أن نظام المحكمة قد صيغ على نفس خطوط النظام القانوني الأمريكي لمنع الإفلات من العقاب والخضوع لسيادة القانون، وهو من المفاهيم الأساسية في الدستور الأمريكي. ولكن إدارة بوش التي أدارت الولايات المتحدة بعقلية حكام العالم الثالث دمرت القسمات المشرقة للنظام السياسي الأمريكي وأهمها مبدأ الرقابة المتبادلة بين السلطات، بعد الفصل بينها وقدسية الحريات المدنية وذلك بعشرات التشريعات بذريعة مكافحة الإرهاب. فالإصرار على السيادة وعدم المساس بها من خلال الانضمام للمحكمة ظل الحجة الأساسية لمنع الانضمام، ومن الواضح أن واشنطن تريد السيادة لنفسها وتنزع السيادة عن غيرها، فقد عمدت واشنطن إلى عدد من الإجراءات لمحاربة المحكمة وتفريغ محتوى اختصاصها حتى لو كان ذلك يناقض أحكام القانون الدولي ونظام المحكمة نفسها، ونشير في هذا الصدد إلى أن واشنطن كانت ضمن سبع دول من بينها إسرائيل، صوتت ضد نظام المحكمة في مؤتمر روما الدبلوماسي، والسبب هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان جيداً أنهما يرتكبان الجرائم بشكل مستمر وأن جنودهما عرضة دائمة للمحاكمة أمام هذه المحكمة. ولما كان نظام المحكمة لا يسمح بإيراد تحفظات، فقد سحبت إدارة بوش توقيع إدارة كلينتون على نظام المحكمة في نفس اللحظة مع إسرائيل.
وقد اتخذت الولايات المتحدة ثلاثة إجراءات خطيرة لكي تضمن إفلات المجرمين من جنودها من سلطة المحكمة الجنائية، وذلك بمجرد تأكدها من فشل ضغوطها لمنع الدول من الانضمام إلى المحكمة، وبمجرد اكتمال النصاب القانوني لعدد التصديقات مما سمح ببدء سريان نظام المحكمة في 1/7/2002م
الإجراء الأول هو استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1422 في 12/7/2002 أي بعد 11 يوماً من سريان نظام المحكمة، وهو يقضي بإعفاء الجنود الأمريكيين العاملين في عمليات حفظ السلام في البوسنة بموجب اتفاقية دايتون للتسوية لعام 1996م من اختصاص المحكمة وشل سلطة تحريك الدعوى وفق نظام المحكمة، وهو انتهاك خطير لهذا النظام، كما أنه انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة حيث يرخص المجلس بسلطة الإفلات من العقاب وتشجيع هؤلاء المجرمين على التحرر من الخوف من الملاحقة القضائية، وهذا العمل غير الأخلاقي تمت الموافقة عليه بضغط لا أخلاقي أيضاً، وهو أن واشنطن علقت استمرار مشاركتها في عمليات حفظ السلام في البوسنة بموافقة المجلس على هذا الشرط. وكان من شأن عدم الموافقة عليه أن تنهار عملية السلام في البوسنة في ظروف كانت هذه القوات تلاحق المتهمين من الصرب في المنطقة كلها. وقد نجحت واشنطن في استصدار قرار ثان عام 2003م، ولكنها فشلت في إقناع المجلس بتكرار ذلك عام 2004م خاصة بعد غزو العراق وبداية ظهور جرائم معسكر أبو غريب وبدايات تسرب أخبار الجرائم في جوانتانامو.
الإجراء الثاني هو مسارعة واشنطن إلى إصدار قانون الكونجرس في 3/8/2002م الذي اشتُهر بأنه قانون غزو لاهاي أي مهاجمة المحكمة الجنائية في عقر دارها في مدينة لاهاي. وهذا القانون قدمه السيناتور Nethercut ويقضي بسحب الدعم العسكري والمساعدة الاقتصادية عن أي دولة تسعى إلى دعم المحكمة الجنائية بأي شكل وبطريقة ظاهرة ومتحمسة. أما الاجراء الثالث فهو قهر واشنطن أكثر من 100 دولة فيها أطراف في المحكمة على إبرام اتفاقات ثنائية تتعهد فيها هذه الدول بعدم تحريك الدعوى الجنائية ضد الجنود الأمريكيين أمام المحكمة. ويطلق على هذه المعاهدات معاهدات الإفلات من العقاب impunity agreements وهو ما يناقض النظام القانوني الأمريكي كما يناقض تمامًا فلسفة العدالة الجنائية الدولية، ورغم تمسك واشنطن بسيادتها بهذا الشكل وحرصها على أن يفلت المجرمون من جنودها من العقاب باستخدام بالغ السوء لرخصة المادة 98 من نظام المحكمة، والتي تقضي بأن المحكمة لا يجوز لها أن تُرغم دولة طرفاً في نظامها على انتهاك التزاماتها التعاهدية أو قوانينها. وذلك بتسليم أشخاص يتمتعون بالحصانة. فإن واشنطن لم ترَ حرجاً في استهداف رئيس في السلطة، فمن أحق بالحصانة من الملاحقة القضائية: المجرمون الأمريكيون الذين يرتكبون جرائم إبادة الجنس البشري العربي والإسلامي بالذات والثابتة جرائمهم، أم التلويح بملاحقة رئيس لدولة لا علاقة له بالمحكمة، وليس له علاقة بما يُدعى من جرائم، ودون اعتبار لما يمثله، وفي استهداف مباشر لدولة بأكملها ولنظامها، ودون إدراك لمخاطر انهيار عمليات السلام في الجنوب ودارفور، وغاية ما تراه واشنطن هو تشديد الادعاء لخلخلة النظام، حتى يتعهد البشير بتنفيذ إملاءاتها فتصبح الجرائم المنسوبة إليه فضائل يحصل بها على جائزة نوبل للسلام!
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة