إلقاء القبض على أوكامبو!
الثوب السوداني هو ذلك القماش الذي يبلغ طوله أربعة أمـتار ونصف وهو مساحة من البهجة تتألق بأجمل الألوان وبأزهي الفنون التشكيلية حيث تبدو بعض الثياب وكأنها أجنحة فراشات منمقة بصورة رائعة تثير الدهشة لدى الرجل العادي وغير العادي!
البعض يقولون إن الثوب السوداني غير عملي بالنسبة للمرأة العاملة، وتبدو المرأة التي ترتديه مثل طائر البطريق فهو يحد من حركتها ولا يمكنها من العمل بارتياح كما يستحيل على المرأة المتجلببة بكل ذلك الكم من القماش أن تمارس أي لعبة رياضية ولذلك أصبحت الأزياء الأجنبية الوافدة مثل العباءات البنطلونات ، الاسكيرتات والبلوزات هي الزي المفضل للمرأة السودانية في كثير من أرجاء السودان!
كثيرون يتعصبون للثوب السوداني ويعتبرون مجرد ارتداء الأزياء الأجنبية خيانة للتراث الشعبي السوداني الجميل، ولعل أحد أصدقائي وهو من المهووسين بالثوب السوداني لم يبالغ حين قال لي ذات يوم إنه ينفعل أشد الإنفعال عند رؤيته لأي ثوب سوداني حتى لو كان معلقاً في الدكان!
أما البعض الآخر فيمسكون العصا من وسطها ويقولون لا توجد حرب أزياء بين الثوب السوداني من جهة والعباءات والبنطلونات ، الاسكيرتات والبلوزات من جهة أخرى فدولاب المرأة السودانية يحتوي على خليط من هذا وذاك حيث يتعايش الثوب السوداني مع الاسكيرت والبلوزة في سلام ، فكل زي له مناسبته التي يصلح لها ولا وجود لأي تضارب بين اختصاصات الأزياء سواء أكانت سودانية أم أجنبية!
أما نحن فنقول لا شك أن الثوب السوداني هو من أهم رموز التراث الشعبي السوداني فهو من أجمل المكونات الجمالية لزي المرأة السودانية ، ورغم موجات الغزو المتعاقبة من الثياب الوافدة مثل العباءات ، البنطلونات ، الاسكيرتات والبلوزات إلا أن الثوب السوداني يظل في نظر أغلبية السودانيين رمزاً جمالياً سودانياً خالصاُ لا يجوز التنازل عنه بأي حال من الأحوال فهو فضلاً عن قيمته الجمالية يعكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة السودانية وهو يلعب الدور الأبرز في المناسبات الاجتماعية السارة وغير السارة على السواء فهو يدخل في مكونات شيلة العروس السودانية حيث تشتمل بعض الشيلات على دستة من الثياب السودانية الفاخرة الملونة أما في حالة وفاة الزوج فتقوم المرأة السودانية بارتداء ثوب الحداد الأبيض اللون ولا تخلعه مطلقاً طوال فترة العدة وهذه مفارقة لونية صارخة لأن النساء في كل أنحاء العالم يرتدين أثواب حداد سوداء اللون عند وفاة أزواجهن!
الثوب السوداني الجميل كان الملهم لأجمل الأغاني السودانية ، فقد غنى الفنان إبراهيم اللحو أغنية:
شوف عينى الحبيب بى حشمه لابس التوب
التـوب زاد جمـالك زيـنة يا المـحبوب
وغنى الفنان محمد وردي أغنية:
يا بلدي يا حبوب يا ابو جلابية وتوب
وغنى الفنان عثمان الأطرش أغنية:
حلـوة جـميلة وزيك ويـن يا بت بلدي
حشمة في توبك وتملي العين يابت بلـدي
في أواسط الثمانينات ، كان أحد زملائنا في جامعة الخرطوم ينتفض راقصاً بطريقة عجيبة كلما غنى الفنان أبو عركي البخيت أغنية شفتا التوب وست التوب وما لاقنى أجمل منو ، فكان جمهور الطلبة يخلي له الساحة لينفرد فيها برقصته المزاجية المتفردة حيث كان يرقص وكأنه طائر يحلق في أجواء لا يشاركه فيها أحد ، كان الحضور وأبو عركي وعازفوه ينسون أنفسهم ويحدقون في ذلك الراقص الجريء الذي يرقص منفرداً وبمزاج منقطع النظير على إيقاعات وموسيقى أغنية التوب وما أن تنتهي الأغنية حتى يفر على عجل من ساحة الرقص في ارتباك وخجل شديدين دون أن يبالي باصطدامه بعشرات الطلبة أثناء اندفاعه المفاجيء الذي كان يثير عاصفة من الضحكات والتعليقات المرحة!
وبخلاف الجلابية الرجالية السودانية التي لا يتغير إسمها أبداً، فقد درج تجار الثياب النسائية السودانية على إطلاق أسماء مختلفة على الثياب النسائية السودانية وعادةً ما تعكس أسماء الثياب السودانية الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة في البلاد، ومثلما لا يستطيع أحد أن يحدد مصدر إطلاق النكتة السودانية فلا أحد يستطيع تحديد مصدر إطلاق التسميات العجيبة للثياب السودانية التي يُصنع أغلبها في سويسرا وهنا تكمن المفارقة الأعجب وهي قيام سويسرا بصناعة الثياب السودانية المحتشمة رغم أن نساء سويسرا لا يرتدين إلا النذر اليسير من الثياب!
في ستينات القرن الماضي تم إطلاق إسم أبو كنار على أحد الثياب السودانية وأطلق على ثوب آخر إسم بوليس النجدة لأنه كان يشبه عربات النجدة التي تم إدخالها الخدمة آنذاك بألوانها الزرقاء وأضوائها الحمراء!
في السبعينات أطلق إسم توب الجيران على أحد الثياب السودانية نظراً لبساطته وقلة تكلفته ومناسبته لاستقبال الجيران قليلي أو عديمي الأهمية في معظم الأحوال!
في الثمانينات حملت الثياب السودانية أسماء من قبيل رسالة لندن، السلك الدبلوماسي، المطافيء، التكامل ، وردة قطيفة وردة سيد خليفة، عيون زروق، ضلوع الدكاترة وهو ثوب مخطط ولا أحد يعرف سر هذه التسمية العجيبة فلا اعتقد أن ضلوع الدكاترة تختلف عن ضلوع سائر البشر كما أن ضلوع الدكاترة غير قابلة للرؤية أصلاً لأنهم آخر من يعاني من المجاعة!
في أواخر القرن الماضي حينما أعادت الانقاذ نميري إلى السودان من منفاه في مصر ظهر ثوب سوداني بإسم عودة نميري!
أما آخر الثياب السودانية في هذا القرن فقد حملت أسماء ذات دلالات عصرية حديثة مثل ثوب الدش، الإنترنت ونيفاشا!
في الأسبوع الماضي حصلت سلطات الأمن السودانية على معلومة أمنية صٌنفت حسب تقديرها على أنها معلومة بالغة الخطورة تهدد الأمن العام وتشكل تهديداً سافراً للجبهة الداخلية وهي أن هناك ثوب نسائي سوداني قد ظهر في أحد أسواق الخرطوم بحري بإسم ثوب أوكامبو، داهمت قوات الأمن السوق المعني وتم إلقاء القبض على جميع ثياب أوكامبو رغم أن التجار قد دفعوا بأن الثوب المتهم يحمل إسم كارادتش وليس أوكامبو!
لقد أصبح هذا الخبر الغريب مصدر تندر بعض الإخوة العرب وغير العرب فقد تساءل أحدهم: كيف تتم مصادرة كل ثياب أوكامبو إذا كان الإسم الذي أطلق عليها مجرد إسم غير رسمي وغير مكتوب على الثياب نفسها وغير مسجل في أي مستند رسمي أو عرفي يتعلق بها ولا يعرف أحد من الذي أطلقه على وجه التحديد؟! من الذي سيعوض التجار عن خسائرهم المادية الناجمة عن مصادرة ثياب أوكامبو؟! ما مصير ثياب أوكامبو التي بيعت قبل المداهمة والمصادرة هل سيتم اعتقال النساء اللائي سيقمن بارتدائها في المستقبل؟! وما مصير الثياب الأوكامبية المصادرة هل ستتم إبادتها حرقاً أم سيتم تمزيقها ودفنها في باطن الأرض؟!
تساءل آخر بقوله: ماذا سيفعل الأمن السوداني إذا قام بعض التجار السودانيين بإطلاق إسم أوكامبو على أي نوع من السلع الاستراتيجية كالدقيق أو الزيت أو السكر أو إذا قام بعض المعارضين في الداخل أو الخارج بإطلاق إسم أوكامبو على أولادهم ؟!
أما الثالث فقد علّق قائلاً: لا شك أن إلقاء القبض على ثوب أوكامبو سيكسبه شهرة عالمية واسعة خارج السودان وسيجعل منه أشهر ثوب سوداني على الإطلاق داخل السودان لأنه أصبح أول ثوب سوداني يتم القبض عليه دون أمر قبض ودون محاكمة ودون فرصة لإطلاق السراح بالضمان أو بالوضع تحت مراقبة الشرطة!
فيصل على سليمان الدابي المحامي/الدوحة/قطر
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة