خطابي لفخامة السيد الرئيس
عمر البشير، بطرفكم القرار التاريخي الشجاع
sfmtaha@msn.com د.شهاب فتح الرحمن محمد طه
جائتني الكثير من الردود علي خطابي لفخامة السيد الرئيس/عمر البشير بطرفكم القرار التاريخي الشجاع، استنكر فيه البعض ما فهموه أنه تحيز للبشير و أيضاً الاستنكار الشديد لفكرة تسليم دارفور للأمم المتحدة و أود أن أوضح الآتي:-
أولاً:-
لا أكتب في هذا المنبر الحُر لأؤيد البشير أو أدينه، لأنه ليس هناك متسع من الوقت لهذه الأدبيات قليلة الأهمية مع ضرورة الإشارة إلي أن القضية ليست قضية البشير لشخصه بل مؤسسة الرئاسة السودانية...لا أعتقد أن هناك متسع من الوقت حتى بطرف حزب المؤتمر الوطني الحاكم ليطبل للبشير... فالقضية أكبر من التهليلات أو تصفية الحسابات فهي قضية وطن بأكمله أصبح على شفى حفرة من نار... و لكن الأهم من ذلك كله أننا لا نريد، و من الآن، و لا حتى قطرة دم واحدة في دارفور.
ثانياً:-
للذين يسهبون في سرد الحقائق العلمية و القانونية عن المحكمة الجنائية الدولية و كيفية إنشائها و صلاحياتها و حدود اختصاصها فكلهم محقون و يكتبون عن دراية تامة....حقيقة المحكمة تستمد شرعيتها من ميثاق وقعت عليه 100 دولة...ولكـــن جميع هذه الدول الموقعة يعلم السياسيون فيها أنهم لن يكونوا ضيوف شرف في قفص الاتهام في تلك المحكمة...فلذا وافقوا عليها...فتلك المحكمة، و من البديهي، يقصد بها الدول التي لم توقع عليها و هي التي تعي تماما براكين الفتن النائمة فيها مثل مصر التي يستعر فيها الصراع بين مسلمين و أقباط... و أيضا بين إخوان مسلمين معارضين و أذيال إمبريالية حاكمة... و ثم التهميش و ما أدراك ما التهميش السياسي القاتل للزرقة النوبية، والاحتكار السياسي و السلطوي و الاقتصادي الكامل لأصحاب البشرة الأوربية الناصعة البياض و القادمين من شمال البحر الأبيض المتوسط....فهل يا ترى سيحمل أهل أسوان و الأقصر، أصل الحضارة الفرعونية، السلاح ضد القاهرة؟ أم أنهم سيسيرون مسار الدالاي لاما و غاندي؟....أما السعودية فحدث و لا حرج....فالدول التي لم توقع عليها هي دول لها أسبابها كالسودان الذي يملؤه الغبن و الحقد الدفين...و أمريكا التي أدمنت ذروة اللذة الدموية و عشقت نشوة الرعشة التدميرية و هي التي تعرف قدرها تماما و أنها لن يتطاول عليها أحد.
ثالثا:-
رجل الشارع العادي السوداني يعي تماما أنها محكمة انتقائية ليس بإمكانها بسط العدل المطلق، فهي ستقعد مغلولة اليدين تجاه الأمريكان و الإسرائيليين و لن تتجرأ حتى لإصدار أمر بتوقيف الجندي الإسرائيلي رينيه، مجرم الحرب، و الذي أطلق الرصاص علي الأسير الفلسطيني أشرف أبو رحمة و هو مكبل و معصوب العينين، و لغرائب الصدف و لحكمة يعلمها الله الجندي رينيه أصلاً من هولندا و هو طالب جامعي يدرس في جامعة دلفت (Delft) التكنولوجية في هولندا، بحسب صحيفة يدعوت أحرنوت، و جاء لأداء الخدمة العسكرية اليهودية و أمه هاوية (أقصد قاضية) في هولندا، فهل سيصلى نار لاهاي الحامية؟
رابعاً:-
المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة تقليدية مثل بقية المحاكم يكون لها مُعلن يذهب إلي السيد الرئيس في مكتبه بالقصر الجمهوري و يسلمه عريضة القاضي للمثول أمام المحكمة... أو حتي تسليم نسخة أمر القبض لسفير السودان في هولندا لأنها ليس لها بروتوكول اتصال دبلوماسي مع حكومة السودان و هي أصلاً ليست شريك في تأسيسها... و المحكمة أيضاً ليس لها شرطة محاكم تقوم بالقبض على المتهم و إحضاره للمحكمة في حالة رفضه المثول. فهذه المحكمة تطلق أمر التوقيف عبر الأثير و وكالات الأنباء و هي تتوقع أحد السيناريوهين:
1- أن يستجيب الرئيس عمر البشير و يحزم حقائبه و يتجه إلي مطار الخرطوم، في طريقه إلي لاهاي و يكون في وداعه السادة سلفاكير و علي عثمان و السادة الوزراء و قيادات المؤتمر الوطني، و تلك رابعة المستحيلات، و أوكامبو يعلم ذلك جيداً و لذا لجأ لمركز بوليس العالم، واشنطون، و آثر أن يسبقه الأمريكان بإعلان نواياه.
2- و السيناريو الثاني، و هو الوضع الطبيعي، و الخيار الأوحد للمحكمة، و هو أن تلجأ للمجتمع الدولي لإحضار البشير، و هنا يتبلور المجتمع الدولي و يتكور و يتمحور و يتقزم ليكون فقط أمريكا و بريطانيا ومن الممكن فرنسا.... و تلك المجموعة معروف وسائلها و التي أحدثها و أنجعها هي الفوضى الخلاقة حيث تقوم الطائرات الحربية لقوات التحالف بتدمير الجيش السوداني و القوات النظامية... و بذلك توفر الغطاء الجوي لمسلحي دارفور لدخول الخرطوم... و كل ما يهم إدارة الرئيس بوش هو فعل إي شيء لاستعادة كرامته الممرغة في تراب العراق و المحاولات اليائسة لإنقاذ الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة في نوفمبر القادم و للذين لا يعرفون حال الحزب الجمهوري الآن و ما سيضطر لفعله، عليهم متابعة إذاعة اليمين الجمهوري المتطرف و الاستماع لنجمها العنصري الخسيس رش ليمبو (Rush Limbaugh) www.rushlimbaugh.com و يضطلعوا علي مخططاتهم لكسب الانتخابات بأي وسيلة و انتزاع مقعد الرئاسة من المرشح الرئاسي الأقوى باراك أوباما... علي حساب دارفور و حساب كل السودان سيحاول بوش اصطياد عصفورين بحجر واحد... الأول هو قضية الانتخابات و دعم الحزب الجمهوري بفهم أن قضية دارفور تشغل حيز كبير في وجدان الشعب الأمريكي و سيكون لحسمها الدراماتيكي و علي الطريقة الأمريكية الخاطفة، و دون خسارة جندي أمريكي واحد، وقع إيجابي و كبير في الشارع السياسي الأمريكي... أما الثاني فهو تسليم قيادات الإنقاذ للمحكمة الجنائية الدولية ومن ثم تجميل صورة الأمم المتحدة التي شوهتها إدارة بوش و سلبت هيبتها و حولتها لمنظمة إغاثة كبيرة بسبب تجاوزها وتحقير دورها فيما يخص حرب العراق.
إن رفض قرارات المحكمة الجنائية الدولية لا يعني بالضرورة رفض العدالة... بل أن العدالة لن تبدأ و تنتهي بلاهاي... فهناك الوسائل الكثيرة التي تناسب المفاهيم و المكونات الوجدانية و الثقافية لشعوب النصف الجنوبي من الكرة الأرضية البسطاء...و هي غير تلك المفاهيم و الثقافات التي تعيشها شعوب النصف الشمالي البيضاء الطاغية... وهي التي إن أرادت سلام دارفور لأنجزته في سويعات... أما بالنسبة للأمريكان فكان الأجدر و الأفضل أن يلاقي مراسل صحيفة أجراس الحرية، عبد الفتاح عرمان، كل قيادات التمرد الدارفوري في الطابق الرابع من مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، في غرفة استقبال مكتب مبعوث الرئيس الأمريكي للسودان السيد ريتشارد وليامسون... يقفون و قفة رجل واحد و يطرحون قضية موحدة، ولكنه و للأسف الشديد و جد عبد الواحد لوحده، ذلك لأن أمريكا دائما تفكر في كسب الحرب و لم و لن تفكر في كسب السلام.
عبد الواحد محمد نور قال في الحوار الصحفي السريع، مع عبد الفتاح، أنهم سيستلمون السلطة في الخرطوم. ..و أعتقد أن ذلك ممكنا تحت غطاء طيران التحالف و لكن للأسف الشديد لن يجد عبد الواحد منطقة خضراء لتكون ملاذا للحكومة الانقلابية لأن الأمريكان لن يكون لهم مائة و أربعين ألف جندي علي الأرض و لا حتى جندي و احد... إذن فليبحث عبد الواحد عن منطقة صفراء غرب سوق ليبيا و ليستعد لمليشيات الإنقاذ التي يعرفها جيدا و برنامج ساحات الفداء المنقول علي الهواء مباشرة.
أكرر مطلبي في خطابي الموجه لفخامة الرئيس عمر البشير، بتاريخ 19 يوليو 2008، و الداعي لسحب سلطات الحكومة السودانية تماما من كل إقليم دارفور و تسليم زمام الأمور جملة و تفصيلاً لهيئة الأمم المتحدة و هي حتما ستكون الأكثر مقدرة علي قراءة ما يرده أهل دارفور و ليس من يدعون الوصاية عليهم... و أيضا يكون البشير قد أدي دوراً عالمياً رائداً و أنجز ضرورة إنسانية ملحة بإحياء هيئه الأمم المتحدة و اختبار خصوبتها بعد أن عقمها ثور أمريكا الأنطح جورج بوش و المراهق المتهور توني بلير. و لكن الأهم من ذلك كله أننا لا نريد من الآن و لا حتى قطرة دم واحدة في دارفور.
قد تبقى الأمم المتحدة في دارفور خمسة... أو عشرة أعوام... أو أكثر و حتما سترحل و الذي سيبقى على أرض دارفور و إلي الأبد هو شعب دارفور الأبي العنيد.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة