هَلْ حُـشِرَ الإنقاذُ حَقاً
فِي دُبْــر ِ إوَزّةْ ؟؟؟
(الحلقـــة الثالثة)
مصعب المشرّف
mosaab5@gmail.com
ملخص الجزء الثاني:
جرى التطرق إلى فكرة وجود أطماع لدى بعض قادة الإنقاذ في خلافة البشير وجرى تفنيد ذلك من واقع أن المطلوب هو رأس الإنقاذ كله وليس راس البشير وحده. وجرى التحذير من مغبة التنازلات على طريقة رقصة الاستربتيز التي رقصها من قبل صدام حسين وغيره . وكذلك التحذير من أن قرار المدعي العام من جهة، وقرار محكمة الجنايات الدولية من جهة أخرى ، وموقف الغرب من نظام الإنقاذ من جهة ثالثة ؛ هو أصدق بروفة على القرار الجاهز الذي يقبع في الأدراج بتسليم أبيي المسيرية شمال بحر العرب لقمة هنيئة سائغة مريئة إلى فم الجنوب. وأن الشمال لن يهدأ له بال يومئذٍ...
المواقف الغربية :
في الغرب رحبت الولايات المتحدة وكل الدول الأوربية بقرار المدعي العام .. وهو ترحيب لم يكن أحد يستبعده . فهؤلاء لهم أجندة ثابتة معروفة إزاء عوامل إستقرار الشعوب الأفريقية ، وسعيها الذاتي للنهوض بإمكاناتها . حيث لا تعترف العقلية الأوروبية بحق الأفريقي في الانفراد بتقرير مصيره بنفسه ولسان حالها يردد ((ليس علينا في الأميين من سبيل)).
أفريقيا:
يحمد للجانب الأفريقي أن ردة الفعل جاءت سريعة . مما يدل على مدى اتضاح الرؤية لدى العديد من القادة ؛ لاسيما منهم الرئيس الكيني (مواي كيباكي) الذي صرح بأن أي خطوة تتخذ باتجاه اتهام البشير سيكون لها ((إنعكاس سلبي)).
كذلك البيان الذي صدر عن الاتحاد الأفريقي يوم 21 يوليو الجاري وطلب فيه من مجلس الأمن إرجاء قرار المحكمة بحق البشير وتجميد التهم التي وجهها إليه مدعيها العام .
وقد جاء بيان وزراء خارجية الاتحاد الأفريقي بعد اجتماع لهم في أديس ابابا قويا . حيث وصفوا الطلب لاعتقال الببشير وتوجيه التهم إليه ((بأنه يهدد عملية السلام في المنطقة)).
كما جاء تصريح وزير الخارجية النيجيري (أوجو مادويكوي) قويا على نسق وخطى بيان وزراء خارجية الاتحاد لمصلحة البشير.
كذلك كان لزيارة العديد من كبار المسئولين الأفارقة للخرطوم خاصة وزير خارجية بوركينا فاسو (جبريل باسول) ومبعوث الأمم المتحدة والاتحاد الفريقي ؛ الذي كان لآرائه وقع جيد لمصلحة البشير ثم إعلانه مبادرة لإعادة إحياء مباحثات السلام بين الحكومة ومتمردي دارفور .
وعلى الرغم من التوقعات بأن مراس متمردي دارفور سيكون صعبا في اية مفاوضات سلام مقبلة مع الحكومة السودانية على ضوء قرار المدعي العالم لمحكمة الجنايات لإحساسهم بضعف موقف الحكومة . إلا أنه ينصح بأن تمضي الحكومة قدما في هذا الشأن وتعلن على الملأ طرح مبادرات إيجابية حتى لا تتهم بانها تعرقل جهود السلام وحيث لا يطالبها أحد بتنازلات لا ترغب بها.
إيجابيات الموقف الأفريقي:
على الرغم من أن متحدثة بإسم الأمم المتحدة سارعت يوم الثلاثاء 22 يوليو بالقول أن المنظمة الدولية لا تستطيع التدخل في قرار المحكمة الجنائية الدولية بوصفها جهة مستقلة .. إلا أنه لا يخفى على المراقب أن سرعة ردود افعال المنظمة الدولية دليل على حجم وقع الموقف الأفريقي القوي المساند للبشير وحكومته. لاسيما وأن الدول الأفريقية تمثل العدد الأكبر في عضوية محكمة الجنايات الدولية وحيث يبلغ عدد الأعضاء من الدول الأفارقة في هذه المحكمة 31 دولة مقارنة بـ 13 دولة فقط من آسيا على سبيل المثال.
فهل تمتلك الدبلوماسية السودانية ممثلة في دبلوماسييها حول العالم وفي المنظمات الإقليمية والدولية القدرة على استثمار هذا الموقف الأفريقي القوي لمصلحتها أم سيذهب الدعم هباءا منثورا ؟؟؟؟
هل ستظل الدبلوماسية السودانية تمارس نشاطها وفقا لأساليب العصر الحجري ؟ أم أنها وضعت خططا تواكب وتلبي متطلبات العصر في فنون الاتصال والتواصل وكسب تعاطف الرأي العالمي؟؟؟
هل من ندوات سيجري تنظيمها في الجامعات ومقار أحزاب المعارضة والأحزاب الحاكمة على حد سواء . وجمعيات الحقوق المدنية حول العالم ووسائل الإعلام فيه ؟؟ أم أن المسألة ستقتصر على اتصالات هاتفية وزيارات روتينية لمكاتب المسئولين في الإدارات المعنية بالشئون الأفريقية بوزارات الخارجية في الدول الأجنبية التي للسودان تمثيل دبلوماسي فيها ؟؟؟
المصيبة في إستراتيجية الدبلوماسية السودانية الموروثة عن التخلف وديكتاتوريات سابقة ؛ أنها تعتقد أن الرأي العام في بلاد خلق الله هو رأي الحكومات والمسئولين والحزب الحاكم وحدهم . ولا تعبأ بكسب واستدراج الرأي العام المدني وأحزاب المعارضة والتنظيمات الأخرى ... كأنّ شعوب العالم قاطبة على علاتها نسخة طبق الأصل من الدول الشمولية المتخلفة التي تحكم شعوبها المغلوب على أمرها بالحديد والنار ....
ولأجل ذلك نرى الدبلوماسية السودانية تعاني من أنها دائما ما تستسهل الأمر وتلجأ لممارسة دبلوماسية الغرف المغلقة . إما لسبب عدم تمرسها من جهة . أو عدم قناعتها بوجود رأي عام مدني خارج الحلقة الحاكمة الضيقة من المسئولين يمكن التعويل عليه ، بوصفه يشكل أهمية في صياغة التوجهات الخارجية لحكومات عديدة وفقا لما نشأت ودرجت عليه العقلية السائدة لهذه الدبلوماسية السودانية المهترئة غير المبدعة من قناعات وتوجهات في بلادها.
.............
وهل لدى الإعلام الحكومي السوداني إمكانيات / خطط / رؤى / مفردة قومية عربية / مفردة إسلامية / لغة تخاطب إنسانية يستطيع بمقتضاها مخاطبة الغير ، وكسب الراي العام العربي والإسلامي والآسيوي واللاتيني على اقل تقدير لمصلحة السودان والحكومة ؟؟؟
أم سيجدها فرصة مواتية للردح وتقبل العزاء في الداخل ثم تحزيم البطون وملء المباخر بالجمر وبخور التيمان. وشد جلود الدلاليك وتسخينها فوق حرارة المناقد . والتطبيل للحكومة وتبخير عمائم ورؤوس الكبار في داخل ((أمْ دُرْ و ربُوع سودانّا)) فقط أو فقطاً وفقطَنْ لا غير ؟؟
...........
هل هناك أمل في التغيير والطفرة من دبلوماسية ((المَفْرُوكْ و لَحْسَ الأصابع)) . وإعلام ((حَجّيتَكْ ما بَجّيتَكْ)) ... و ((الله أكبر .. وياهو ديل)) .. و ((دخلوها وصقيرا حام)) ؟؟ أم أن الحال سيظل على ما هو عليه حتى يرث الله الأرض وما عليها؟؟
عربيا:
في الجانب الرسمي لم نسمع سوى تصريح لوزير الخارجية السوري يندد ويشجب قرار المدعي العام للحمكة الجنائية .... ثم دعوة وجهتها نقابة المحامين الأردنيين لمجابهة ما أسمته بـ ((الغزو القضائي)) للعالم العربي..... وتوجهات لزيارة وفد يمثل هذه النقابة إلى الخرطوم حسب ما أورده موقع ((البلقا العربية)) الألكتروني.
أما الجامعة العربية فهي بلا شك أضعف من ان تتخذ موقفا سريعا أو بطيئا إيجابيا دون صدور ضوء أخضر من الولايات المتحدة ... وقد بادر أمينها العام عمرو موسى بمحاولة لتغطية العورات وسترها حين زار الخرطوم واجتمع بالبشير. مما أعطى الانطباع بأن هناك اهتماما ولو من باب ((تطييب الخواطر)) من جانب الأمانة العامة للجامعة العربية .. ولكن إعلانه المضحك ((بوضع خطة عمل لحل الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية. وأنها لاقت صدى طيب في الخرطوم )). كان بمثابة من ينطبق عليه المثل المصري القائل ((أللّي على راسو بَطْحَهْ بيحَسّسْ عليها)). أو كما يقول المثل العربي (يكاد المريب يقول خذوني)) ...
وعلى أية حال فالفشل والشلل والخنوع العربي هو الديدن وليس بجديد . ولن يكون حال البشير معهم بأفضل من حال غيره من زعماء ورؤساء وحكام عرب .....
وقد كان بإمكان الجامعة العربية ؛ لو كان بيدها ذرة من إمكانية إتخاذ موقف رجولي واضح أن تخرج أمانتها العامة ببيان شبيه ببيان الأمانة العامة للاتحاد الأفريقي ؛ بدلا عن تصريحات مائعة مكشوف دواخلها. أو أن تدعو لاجتماع وزراء الخارجية العرب على أقل تقدير ...
والمصيبة والطامة الكبرى أن الجامعة العربية عادة ما تندد وتشجب في العلن ؛ بعد لأي وجهد واجتماعات تعقد وتفض لأعضائها وإرجاءات وتحفظات وتعديلات في كلمات وحروف هنا وهناك ما أنزل الله بها من سلطان .. ثم ما أن يتمخض الجبل ويلد الفأرة المعهودة؛ حتى يختلي أمينها لعام بالعضو صاحب الوجعة والمصيبة وواطي الجمرة في الخفاء لينصحه بضرورة إبداء المرونة ، وقبول تنازلات وإدارة الخد الأيمن لتلقي صفعات أخرى . أو حتى طأطأة الرؤوس والإستدارة لتلقي الصفع فوق القفا والركل على المؤخرة ..... فقد جبل العرب على التنازل منذ أن وطيء هولاكو سواد العراق واجتاح بغداد في 13/2/1258م .
المحصلة النهائية
الفيتو الصيني.
ربما يعول النظام على فيتو صيني وروسي إذا جرى الطلب من مجلس الأمن تنفيذ قرار الجلب ... وهو رجاء في محله لاسيما وأن استثمارات الصين في السودان قد بلغت أرقاما مالية قياسية مقارنة باستثماراتها في بقية أنحاء الدول الأفريقية والشرق الأوسط ... كما أن الموقف الأفريقي الرسمي يعطي إشارات إيجابية للصين ويشجعها على المضي قدما في استخدام حق النقض .. أو التنسيق مع روسيا في صفقة لتبادل الأدوار معها ، بوصف روسيا الأقدر على مواجهة الولايات المتحدة واستخدام هذا الحق دون خشية عواقب اقتصادية نظرا لعدم وجود علاقات تجارية قوية معها مقارنة بالصين . ولحاجة أوروبا للنفط والغاز الروسي ، ولوجود خلافات عميقة تتعلق بخطة نصب الولايات المتحدة قواعد لصواريخ بالستية ومتوسطة المدى في بعض الدول الأوروبية القريبة من روسيا.
تدخل الولايات المتحدة.
لم يتبقى لدى بوش الصغير وقت طويل أو قوات ذات جاهزية قتالية حتى يخطط لشن حرب على دولة بحجم مساحة السودان وعدد سكانه .. بل ولم تعد للولايات المتحدة بعد ما شهدته من ويلات البقاء في العراق شهية لغزوات جديدة في الوقت الراهن.
وبالتالي فإنه ليس من المنتظر أن تسارع الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع أو الثمان القادمة إتخاذ قرار بغزو عسكري شامل لشمال ووسط السودان بحجة تنفيذ قرار المحكمة الجنائية . أو مجرد التهديد بذلك ؛ خاصة إذا لم ينجح مكين في دخول البيت الأبيض.
أما أوباما ؛ ووفق تصريحاته الأخيرة عند زيارته للعراق وأفغانستان. فقد أبدى اهتماما أكثر بأفغانستان كحل وسط بينه وبين اللوبي الجمهوري في الكونغرس . وبما يعطي هؤلاء تطمينات بأن مصانع السلاح وغيره من الإحتياجات العسكرية التي يستثمر بها قادة وممولي الجمهوريون ستظل عجلة الإنتاج تدور فيها لمدة ثمان سنوات قادمة على أقل تقدير وتفيض على خزائنهم بالربح الوفير.
........
وحيث المرجح فوز أوباما في الانتخابات القادمة. واحتمال بقائه في البيت الأبيض لدورتين متتاليتين . فربما اكتفى أوباما بعقوبات اقتصادية مشددة ضد السودان . وربما توجية عدد من الضربات العسكرية النوعية لأماكن محددة في السودان ، كما فعل كيلنتون في مواجهة العراق وأفغانستان كفاتحة شهية للاستراتيجية الأمريكية العامة التي كانت تخطط سلفا لغزو البلدين فيما بعد على يد بوش الصغير .... فالحزبان الجمهوري والديمقراطي في نهاية الأمر وجهان لعملة واحدة هي المصالح واقتسام الكيكة ... ولا يجب انتظار تغيير دراماتيكي في السياسة الخارجية العامة وإنما المسألة تقتصر في تبادل لعب الأدوار كل بحسب ما سُخّرَ له... والأمر من قبل ومن بعد في يد وول ستريت ومقاولي الديمقراطيين من جهة وشركات نفط ومصانع أسلحة الجمهوريين من جهة أخرى.
التنازل المطلوب:
ربما يكون التنازل الأكبر المطلوب الآن أو غداً من عمر البشير ، هو الموافقة لقوات من حلف الأطلسي وعلى رأسها الولايات المتحدة المشاركة بنسبة 50% في قوات الأمم المتحدة الحالية في دارفور وتفويض قيادة هذه القوات إلى هذا الحلف لاحقاً.
هذا على ما يبدو هو أقل ما يمكن أن يقبل به الأطلسي حاليا من عربون لحفظ ماء وجهه وتكريسه شرطيا في أفريقيا كما في غيرها من قارات . ولكن دون أن يمنح وعودا أو عهودا بإلغاء قرار الإتهام أو مفعول مذكرة الجلب ، التي ستصدرها المحكمة الجنائية الدولية لا محالة في مواجهة البشير.... وبالتالي يترك الأمر سيفاً على الرقاب ومرهون بمدى وعلامات ونسب النجاح في اختبارات حسن السير والسلوك.
وسيكون أفصى ما يعد به الأطلسي شفاهة ، عبر وسيط عربي موثوق به ، هو تعليق قرار الجلب إلى أجل غير مسمى .....
ومما لاشك فيه أن الإنقاذ قبل البشير سيطير فرحا. وتتفشى كل أورامه ، ويذهب المغص ويخر ساجداً لله في ركعتين خفيفتين .. وربما لن يبخل في توزيع شي من التمور وفول الحَاجّاتْ بَهْجَةً على الشعب الغلبان لو انتهى الأمر على هذا النحو السعيد ؛ لأن البديل صعيب وكئيب قد ينتهي بقلب نظام الحكم بالقوة ، ووقوع الإنقاذ (كما البعث في العراق) تحت طائلة قوانين الإجتثاث التي لا ترحم كبيراً ولا صغيراً ذكراً كان أم أنثى ......
ووفقا لذلك الحل يكون المجال متاحا للإنقاذ بالخروج من المزنق إيـّاه الذي حُشِرَ فيه بيده لا بيد عمرو .
((النهاية))
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة