هجوم حركة العدل والمساواة على أمدرمان
10 مايو 2008
الدوافع – الدلالات – العــــبر
الخرطوم
25/6/2008م
مقدمة
أزمة دارفور التى لم تتخذ الحكومة لها حلاً منذ أكثر من خمس سنوات ظلت تتفاقم يوماً بعد يوم بسبب الإهمال لمطالب الأقاليم الطرفية المشروعة وشكاواها المتكررة الناجمة عن الغبن السياسى والظلم الإقتصادى والتهميش والإنتهاج المتمركز فى سلطان الحكم والإدارة لقطر بحجم قارة . ظلت الحكومة لا تسمع أذنها الا هدير المظاهرات أو صوت الطلق النارى ولا ترى عينها الا إذا أضرمت الحرائق و ارتفعت ألسنة اللهب هناك . بسبب هذا الإهمال التراكمى توالت الإنتكاسات وإدمان الفشل ، فهناك إنتكاسة فى تطبيق أحكام النظام الإتحادى المرسوم نصاً ودستوراً والذى فيه يكمن الحل المعول المتوازن وقد نادى به الراشدون منذ وقت بعيد ، وهناك ردَة فى تطبيق الشريعة الإسلامية والتى فيها الضوابط الرشيدة للحكم والنظام الصالح للمجتمع المسلم فى الوطن إذا روعيت صدقاً والتى نبذت وراء الظهور بل صارت شعاراً أجوف دون فعل أو محتوى . وهنالك إنتكاسة فى إحترام نظم الإدارة الأهلية السائدة هناك ففيها جزء من حل أزمة المجتمع فى الريف ، لكن تعرض رموزها لإبتزاز سياسى وفتنة . تفاقمت الأوضاع بصورة مزرية ، وهت الأعراف وضعفت الإدارة وفقدت هيبة الدولة وغاب الأمن والطمأنينة عن المواطنين ، ولم يبق الا عصا السلطان أداة للرهبة والقمع فى المدن الرئيسة . لم تشهد الأقاليم الطرفية مشروعات خدمية أو مؤسسات إجتماعية أو بنى تحتية خاصة بعد أن فتح الله على أهل السودان بركات من الأرض بإستخراج البترول منذ أكثر من عشر سنين ، ولكن ريعه قد ذهب جله فى مسالك فساد أو فى ترتيبات أمنية وفى حرب أهلية دامية من أجل البقاء على كرسى الحكم بالقوة
من جراء فرط الأمن فى إقليم دارفور وضمور سلطة الدولة فيه ، نشطت الحركات المسلحة (جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة) واستقرت عملياتها وشنت هجمات متتالية مستهدفة مراكز الشرطة والحاميات العسكرية للقوات المسلحة .
فى مارس من عام 2003 غزت الحركات المسلحة مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور ودمرت بضع طائرات عسكرية وقتلت جنوداً من الجيش والشرطة وأسرت ضباطاً من القوات المسلحة بمن فيهم قائد القوات الجوية هناك . من جراء هذا الحدث ومثله استعانت الحكومة بعصابات متفلتة وأعراب من أهل البادية من داخل السودان ومن دول الجوار الغربى ، أولتها الحماية والحصانة والمساندة التامة وأمدتها بعربات من ذوات الدفع الرباعى وأسلحة ورشاشات سريعة الطلقات وبدعم إدارى متواصل ، فتحولت القرى والمراعى مسارح للعمليات الحربية ولم تنج حتى معسكرات اللاجئين من الشظايا والشرر المتطاير . إرتكبت هذه القوات المتحاربة داخل الإقليم المنكوب فظائع وجرائم حرب تقع تحت طائلة القانون الدولى الإنسانى وأفرزت الحرب مأساة إنسانية أيقظت الضمير العالمى وأخذت الشعوب تضاغط حكوماتها لتدارك الأزمة وتصدرت قضية دارفور وسائط الإعلام المحلى والإقليمى والدولى .
إزاء هذه الإنتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان تدخلت الأسرة الرسمية الدولية بدءاً بالدول الكبرى على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودخلت القضية أروقة المنظمة الدولية (مجلس الأمن) وأصبحت حكومة السودان مسئولة سياسياً لدى المجتمع الدولى وقضائياً لدى محاكمة دولية إزاء تلك الجرائم التى أرتكبت تحت سمعها وبصرها .
كان من الرجاء تدخل المحيط الدولى المباشر مثل (جامعة الدول العربية ، الإتحاد الإفريقى ، منظمة المؤتمر الإسلامى) ولكن بعد لأى أرسلت وفود لتقصى الحقائق ودفعت الوفود بتقارير سالبة لرئاساتها ولكن لم يتغير شىء على الأرض و تحركت منظمات عالمية أخرى ناشطة مثل: جمعيات حقوق الإنسان ،اليونيسيف ، منظمة الغذاء العالمية ، منظمة الصحة العالمية ، مجموعة الأزمات الدولية وأقرت جميعها أن هنالك كارثة إنسانية تحيق بإقليم دارفور بغرب السودان ، وقامت مجموعات الضغط المدنية فى كل من امريكا والإتحاد الأوربى . زار السودان -إقليم دارفور- كل من وزير خارجية امريكا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا وألمانيا وختمت بزيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان واستمع لشكوى النازحين .
إزاء هذا الوضع السائد تطورت أزمة دارفور وخرجت عن الإطار القطرى والإقليمى وأصبحت أزمة دولية خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1556 لعام 2004 بأغلبية ثلاثة عشر صوتاً وامتناع أثنين دون إعتراض وقد أقر بأن الوضع فى السودان يمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين إشارة للنزاع المسلح بين حكومة السودان من جهة والحركات المسلحة (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة) من جهة أخرى .
حركة العدل والمساواة
تأسست حركة العدل والمساواة والتى يقودها د. خليل إبراهيم فى نوفمبر من عام 2001 وحملت السلاح فى وجه الحكومة مشيرة فى أدبياتها أن الحكومة القائمة لا تستجيب إلا لمنطق القوة واستدلت بمقولة الرئيس البشير الشهيرة التى ترمز لذلك فى قوله "نحن لا نفاوض إلا حاملى السلاح فقط ". دكتور خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة يبلغ من العمر خمسين عاماً وهو من مواليد عام 1958 بقرية الطينة بشمال دارفور ومتزوج لديه عدد من الأبناء والبنات بالمدارس والجامعات السودانية وينحدر من قبيلة الزغاوة كبرى قبائل إقليم دارفور والتى لها إمتداد وتداخل قبلى مع تشاد وليبيا ، تخرج فى جامعة الجزيرة كلية الطب وعمل فى مهنتها ثم هاجر الى السعودية للعمل فيها لكنه عاد منها بعد قيام ثورة الإنقاذ الوطنى مباشرة وهو ينتمى الى الحركة الإسلامية منذ ان كان طالبا بالمدارس الثانوية والجامعة وينتمى الى الإتجاه الإسلامى . عمل بمستشفى ام درمان قبل ان ينخرط فى العمل السياسى . فى اوائل التسعينات عين وزيراً للصحة فى حكومة ولاية دارفور الكبرى ثم وزيراً للتعليم بعد تقسيم الولايات ثم وزيراً فى ولاية النيل الأزرق ومستشاراً لدى حكومة الولاية ، كما عمل فى حكومة تنسيق الولايات الجنوبية وعمل فى الولايات الجنوبية مع قوات الدفاع الشعبى وأميراً لدى إحدى متحركاتها إبان الحرب الأهلية بالجنوب . وحركة العدل والمساواة تعد من أكبر الفصائل المحاربة لحكومة السودان وهى الحركة التى لها وجود كبير ونشط فى دارفور ووجود سياسى فى أقاليم السودان الأخرى خاصة فى الخرطوم وكردفان وشرق السودان .
فى نهار العاشر من مايو 2008 جرت أحداث واقعة فى أم درمان أصل العاصمة الوطنية للبلاد هزت السودان بأسره عندما دخلت قوات حركة العدل والمساواة مدينة أم درمان مدججة بالسلاح على مركبات بقيادة د. خليل ابراهيم قائد الحركة ، وكانت تلك مفاجأة للناس جميعاً حيث لم يكن فى خاطر البال أن تدخل قوة كبيرة على متن أرتال من العربات المدججة بالسلاح فى وضح النهار الى داخل العاصمة دون إعتراض أو تصد من القوات الحكومية عبر مئات الكيلومترات عن طريق صحراوى مكشوف سارت عليه من دار فور . لم تكن مدينة أم درمان من أهداف الغزو بل كانت عرضاً فى الطريق المؤدى عبر النيل الى الخرطوم المقر والمركز للسلطة السياسية ، فقد واصلت القوات الغازية مسيرها وشقت طريقها تجاه الخرطوم قبل أن تتصدى لها بعض القوات المسلحة على مشارف الجسور المؤدية للخرطوم .
1. دواعى الغزو
من خلال الرصد والتحليل واستقراء الحدث الذى جرى فى نهار العاشر من مايو 2008 نقدر دوافع أساسية للغزو منها أغراض سياسية وعسكرية وأقتصادية وثمة دواع وأسباب خارجية ، وفى الحدث عوامل ثانوية أخرى مكملة لكن نصوب الذكرعلى الدوافع الأساسية .
أ. دوافع سياسية
لقد إخترقت الحكومة صفوف الحركات المسلحة وسعت فى تفتيتها وأخذها بالتجزئة من أجل إضعافها وتوقيع إتفاقيات سلام منفردة بكسب ضئيل لإشخاص مستسلمين لا تعود لصالح أهل الإقليم . وقد جرى تهميش لحركة العدل والمساواة عند التفاوض وبثت الحكومة الدعاية عنها للمجتمع الدولى بأنها حركة أصولية أرهابية منسوبة للمؤتمر الشعبى ومحدودة القاعدة ، لذلك أرادت حركة العدل والمساواة أن ترسل رسالة قوية قبل عملية التفاوض التى يتبناها الإتحاد الإفريقى والأمم المتحدة حتى تستطيع أن تنال موقعاً لائقاً بها على قدر وزنها ،خاصة وأن الحكومة قد نكثت معها عهداً سابقاً فى كل من أبوجا 2004 وأبوجا 2005 وأسمرا وسرت . كما أن المجتمع الدولى يعطى وزناً لعبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان بصفته ممثلاً لطموحات أهل دارفور. كما أن المشروعية التى يحكم بها السودان اليوم هى الإسلام فان د.خليل ابراهيم إبن الحركة الاسلامية الذى شب وترعرع وجاهد فيها يرى نفسه هو الأحق بها عن الذين هم فى سدة الحكم ، وتريد حركة العدل والمساواة كذلك أن تشهد أنها لا تحصر همومها فى دار فور إذ كان يمكن لها أن تحتل عواصم دار فور بما هو أيسر ، وإنما تريد أن تعلن همها الوطنى وتؤكد أنها تريد العدل لكل ولايات السودان بإصلاح يمس العاصمة القومية من حيث تنبسط اللامركزية المطلوبة ويتمحور التوازن بين أقاليم السودان والتقاسم للسلطات والثروات دون حكم متمركز محتكر ظالم للأطراف ، هكذا أرادت الحركة أن توقع صدمة فى المركز ليستقيم تعادل الأطراف وترد الحقوق لها ومنها دار فور التى هى بعد الجنوب كانت الأشد ظلماً
ب. دوافع عسكرية
تريد حركة العدل والمساواة بهذا الغزو أن تظهر أنها الفصيل الرئيسى فى دارفور والأقوى عسكريا بين الفصائل الأخرى مثلما كان الجيش الشعبى لتحرير السودان وسط الفصائل الجنوبية وحاز بنصيب الشريك الأول مع الحكومة المركزية خاصة أن د. خليل قد إنتقد تمثيل تلك الفصائل العديدة فى مؤتمر سرت الذى دعا له الزعيم الليبى معمر القذافى ووصف الفصائل بأنها فصائل الكترونية من صنع الحكومة. كما ترى حركة العدل والمساواة أن مركز الحكم جبروت دكتاتورى عسكرى وأن الوصول الى القصر الرئاسى ممكن باستخدام القوة العسكرية وعلى مثال من هم فى الرئاسة من العسكريين فى الداخل (البشير , سلفاكير , مناوى ,موسى ) ، وفى الخارج مثال (ملس زناوى ،موسفينى، حسين هبرى ،إدريس دبى، كابيلا الأب...الخ) و خاصة أن حركة العدل والمساواة قد استحوذت على عتاد عسكرى وأصبحت لديها أسلحة ومعدات ومركبات عسكرية وقوة بشرية كبيرة نسبة لانتساب عدد مقدر من معاشيى القوات المسلحة السودانية ومن الخريجين العاطلين عن العمل .
ج. دوافع إقتصادية
لعل د.خليل قد توصل الى النتيجة التى وصل اليها د. جون قرنق سابقاً بعد أكثر من عشرين عاماً من القتال ؛ وهى أن الذى يريد أن يحل المسألة الإقتصادية السودانية و يزيل الفوارق الطبقية والظلم والتهميش عليه أن يضبط حكم الخرطوم لا أن يطلب حكم الأقليم ، فالصلاحيات الدستورية لا معنى لها بلا مقدرات مالية تعين على ممارستها، ومن ثم يريد أن يكون شريك قرار قومى فى الشأن الإقتصادى من داخل القصر الجمهورى . كما أن حركة العدل والمساواة إنطلقت من إقليم دار فور كبرى أقاليم السودان مساحة يكاد يبلغ عدد سكانه على عشرين فى المائة من سكان البلاد وان دارفور يمد السودان بواردات وفيرة من الثروة الحيوانية والحبوب الزيتية والصمغ العربى ومع ذلك دارفور بعد الجنوب أقل الاقاليم حظاً فى التنمية والتعليم والصحة والطرق المعبدة والإتصالات والكهرباء
د. عوامل خارجية
فى فبراير من هذا العام النظام التشادى- الذى دفعته بقوات الى عاصمته حكومة الخرطوم قديماً - تعرض لهجوم شنته قوات المعارضة التشادية بمساعدة منسوبة مباشرة من الحكومة السودانية وكاد الرئيس التشادى ادريس دبى أن يفقد سلطته الرئاسية والإطاحة به عندما وصلت المعارضة الشادية الى داخل انجمينا العاصمة التشادية ، وساعدت حركة العدل والمساواة حكومة الرئيس إدريس دبى على دحر المعارضة التشادية إبان الغزو على انجمينا فوجدت الآن سندا منه ومؤازرة ومدداً كما تقول الحكومة السودانية .
لقد شابت علاقات السودان الخارجية مع بعض دول جواره الافريقي سياسات تبادل الضرر بدعم المعارضة ومدها ، وأن التقارير أصبحت سالبة عن حكومة السودان حول حقوق الانسان وظلم مواطنيها وعدم التعاون فى شأن المطلوبين منها لدى العدالة الدولية وفى عرقلة وصول القوات الأممية لإسعاف أهل دارفور وذلك جعل المجتمع الدولى ينظر الى الحكومة السودانية مهددة للأمن العالمى الإنسانى .
2. وقائع الغزو
على اثر هذه الدواعى والحيثيات كان الغزو سهلاً على مركز السلطة بواسطة مركبات غير مصفحة ذات دفع رباعى محملة بأسلحة خفيفة ومتوسطة ورشاشات مضادة للطائرات ومدافع مضادة للدروع . إن المعلومات الواردة تضاربت فيها الأقوال بين الطرفين ولعل كلاً منهما له غرض فى بيان الأرقام ، لكننا نورد الآتى :
ا. كان عدد المركبات التى اقتحمت العاصمة من تلقاء الغرب ثلاثمائة وتسع مركبة حسب مصادر الحكومة ومائتى عربة على زعم حركة العدل والمساواة
ب. كان عدد القوات الغازية حوالى أثنين الف مقاتل تحركت من عند الحدود التشادية السودانية على بعد ألف وخمسمائة كلم مستخدمين الصحارى وطرق الإقتراب الوعرة حتى الوصول الى مسافة اثنين واربعين كيلومتراً شمال الخرطوم، ثم التقدم جنوباً صوب أم درمان- الخرطوم على الطريق المعبد من الشمال .
ج. كان الهجوم على العاصمة من ثلاثة محاور رئيسية : محور جنوب امدرمان مستهدفا قوات الإحتياطى المركزى، ومحور غرب ام درمان مستهدفا مراكز تدريب قوات الأمن بفتاشة، ومحور شمال ام درمان مستهدفا قاعدة وادى سيدنا الجوية ويقال انهم كانوا يقصدون الوصول الى مبنى الإذاعة والتلفزيون بأمدرمان ثم التحرك صوب الخرطوم الى القصر الرئاسى والقيادة العامة للقوات المسلحة ، لكن حتى الوصول الى ام درمان لم تجد القوة الغازية أية مقاومة تذكر حتى بلوغ المواقع العسكرية فى كل من المهندسين والمدرعات بالمنطقة العسكرية ام درمان عندئذ وقع صدام قبل عبور الجسور المؤدى الى الخرطوم ووقع صدام فى العرضة وسط ام درمان وكانت الخسائر وسط قوات الجيش وقوات الأمن كالآتى:
ا. تقول حركة العدل والمساواة إنها دمرت ست طائرات بمنطقة وادى سيدنا العسكرية و أسقطت طائرة انتينوف بصحراء كردفان غرباً و طائرة ميج 29 قتل فيها طيار روسى الجنسية ونقلت اذاعة صدى موسكو الخبر بان الطيار المقتول من خريجى المدرسة الجوية العليا بمنطقة ديازان كان يقوم بتدريب طيارين سودانيين على فنون الطيران على المقاتلة ميج 29 وقالت وكالة انترفاكس ان الطيار المقتول ذهب خبيرا اجنبيا بعد استقالته من القوات الجوية الروسية و لا علاقة له بالبعثة العسكرية الرسمية الروسية .
2. تقول الحكومة إن عدد الشهداء الذين قتلوا ثلاثمائة من العسكريين والمدنيين ويقول جهاز الأمن والمخابرات ان القتلى من الجهاز ستون شهيدا وان القتلى من حركة العدل والمساواة أكثر من ألف قتيل وانها دمرت لهم اكثر من 70% من العربات و أسرت أعداداً كبيرة منهم . لكن حركة العدل والمساواة تقول انهم قتلوا من القوات المسلحة وقوات الأمن والمخابرات أكثر من إثنين ألف قتيل وأسروا أثنى عشر ضابطا برتب كبيرة بينهم لواء واستولوا على ثمانين عربة جديدة وان شهداءهم لا يزيدون عن العشرين وقالوا إنهم لا صلة لهم بالأحداث الصغار المقاتلين والأسرى الذين عرضوا فى وسائل الإعلام وان صفوفهم يعرفها مراقبون كثيرون زاروها لا تسخر الصبيان .
3. القتلى من المدنيين جاء بسبب تعرضهم للنيران المتبادلة بين المقاتلين من الطرفين ولم يكونوا مستهدفين من القوات الغازية بل كانت المعاملة مع المواطنين بعفوية لطف وثقة متبادلة ، وقد قام الغزاة بدفع قيمة ما اشتروه من معلبات وفواكه من السوق المحلى ووقود المركبات من طلمبات الخدمة ولم يتعرضوا على ممتلكات الناس وحرماتهم .
3. العظات
من خلال تأمل الغزو ،تبدو عبر وعظات تستحق الوقوف عندها ملياً :
اولاً. لقد أبان الغزو للناس تلك الفرية التى ظلت تطلقها الحكومة بتوصيفها للحرب بدارفور بأنها صراع بين المزارعين والرعاة تارة وعراك بين الزرقة والعرب تارة أخرى ،متجاهلة بأن هنالك قضية مركزية ظالمة ينبغى أن تعترف السلطة السياسية القومية بها وتبسط اللامركزية العادلة .
ثانياً هنالك تطور نوعى كماً وكيفاً فى أسلوب القتال فلم تعد الحرب الأهلية فى إقليم دارفورحرب عصابات تنتهج تلك السياسة السائدة (اضرب واهرب) بل أصبحت حرباً تقليدية تستخدم فيها أوجه الحرب الأربعة كلها من تقدم وهجوم ودفاع وانسحاب وتكاد تبلغ المقاومة فى حركتها أن تكون قوة نظامية .
ثالثاً لم تعد دارفور أرض المعركة البعيدة بل انتقلت الحرب الأهلية نقلة بلغت قلب العاصمة مركز السلطة السياسية وتستهدف فيه الحركة قوى الحكومة الممثلة فى قوات الأمن دون سائر المواطنين .
رابعاً لم تعد المنشئات الإستراتيجية والمؤسسات الإقتصادية والخدمية من الأهداف ، فخلال الغزو لم تحرق طلمبات الوقود ولم تضرب البنوك ولم تنهب الأسواق والمحال التجارية ،وكانت للحركة قوة وأدوات عسكرية يمكن أن تحدث تخريباً هائلاً ولكنها لم تتخذ لذلك الغرض .
خامساً كشف الغزو ضعف الحكومة وقصورقواها النظامية فى التعامل المنظوم مع حدث عسكرى عظيم وعدم الإستفادة من المعلومات والتقارير الواردة منذ وقت مبكر للتهيؤ للخطر وصده فى مراحل الطريق الطويل قبل بلوغ الحضر المسكون مدنياً فى العاصمة .
سادساً. لم تتخذ الحكومة أى إجراء للتحرى عن الوقائع الشديدة الوقع او الملاحقة الحسابية والعقابية تجاه المقصرين مما يدل على ضعف نظم الحكم الحاضر وتفاعله مع الواقعات العظيمة .
.
4. المكاسب والخسائر
لاتوجد فى الحروب الأهلية مكاسب يحتفى بها فالكل خاسر من الوطن فالقاتل والمقتول هم اشقاء لأم واحدة هى السودان الخسران من التكاليف المادية تبدد هو من مال الشعب السودانى لكن الخسارة الكبرى والفشل الذريع كان من جانب الحكومة التى تزلزلت هيبة سلطة القيادة الفاعلة ، فالسياسة الأمنية القمعية التى كانت تسلكها الحكومة فى علاج القضايا السياسية انما أدت الى هذا الواقع المأساوى الذى تضرر منه الناس والوطن ، فلم يجد المواطن من الحكومة هيبة النظام العام ولا سياسة الرعاية والعناية العاداة ولم ير فيها التعقل والرشد فى التصدى للتحديات والمخاطر، بل ضربت له مثلاً سيئاً للحكم واضطراب الادارة . إن المال الذى كان يبذل بسخاء من أجل الحسم والقمع وبسط هيبة الدولة وما كان مجديا لو انبسط على الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية والبنى التحتية لتبدل الحال وقل السؤال وارتاح البال وكفى الله المؤمنين القتال ، لكن شهوة السلطة والغضب من النقد والتظلم والإنتقام وعدم التجرد من العصبية الجهوية والهوى الشخصى تقود الممسكين بالسلطة الى الحروب الأهلية وتوردهم من ثم الى موارد الهلاك .
5.عاقبات الحدث
ا. لقد أدى الحدث الى إرباك المؤسسة الدفاعية (الجيش، الشرطة ،الأمن) فقد كشفت العملية ضعف الأعداد والتجهيز والتنسيق والتخطيط بين الأجهزة المعنية وعدم الترابط بينها، كما أعقب الغزو تلاوم وتشاكس خاصة بين الأمن والقوات المسلحة فقد شاع ان جهاز الأمن حاول المفاخرة بالتصدى للخطر وحده والإلقاء باللائمة على القوات المسلحة بتهمة التراخى فى مواجهة الغزو ، كما روت ان القوات المسلحة تلوم جهاز الأمن بتغييبها عن الاستخبار وعزلها عن دائرة القرار ليفوز بنتائج النجاح . لقد خلف الغزوعلامة إستفهام كبيرة وسط المواطنين فلم يعد المرء يثق فى الحكومة بأن تقوم بتوفير الأمن والطمأنينة له، لاسيما وان القوات الغازية جاءت ظاهرة من مسافة بعيدة دون تصد أو مقاومة من قبل قوى االسلطان .
ب. ما الفى المواطنون سوء معاملة من قبل الغزاة بل جرى التعامل معهم بصورة طيبة فلم يفقد احد ممتلكاته الشخصية ولم يعتد الغزاة على الحرمات وكانوا يؤدون صلاتهم فى جماعة ويتعاملون بعفوية كأنهم بين أهليهم وذويهم مما جذب بعض العطف من المواطنين تجاههم وفيهم من قاموا بإعطائهم الهدايا من المأكولات والمشروبات بل من باشرهم بالتحايا و من هتف لهم بهتاف النصر.
ج. كان التعامل من قبل الحكومة تجاه الحدث عشوائياً ومجحفاً ازاء جمهور الشعب حيث طال الإعتقال والتعذيب ابرياء ليس لهم صلة بالغزو وكان يجرى الإعتقال على الأبرياء من المارة ومن فى وسائل النقل العام بسبب لهجتهم أوسحنتهم ويقع الإدعاء بغية إنتزاع إعترافات جزافية وبالقوة .وقامت أجهزة الآمن بعمليات مداهمة وتفتيش إنتقائى للمساكن يطال أبناء دارفور بالعاصمة على وجه العموم وأبناء الزغاوة على وجه الخصوص ويتم الاستهداف للبعض على أساس عرقى وقبلى وجهوى ثم يقتادون الى مبانى أجهزة الأمن معصوبى العينين حتى لا يعرفون من الذى قام بإعتقالهم وهنالك تمارس فيهم أبشع أنواع التعذيب ومنهم من فارق الحياة وذووهم لا يعرفون أماكنهم وحالتهم إن كانوا معتقلين ام أسرى ام قتلى خاصة بعد أن صدرت التوجيهات بالكلمات الرئاسية الى أجهزة الأمن بأن يلقوا بالقبض على كل من ينتمى الى حركة العدل والمساواة طالباً كان أو عاملاً أو موظفاً ولا يتركوا احدا يبيت فى منزله والاحاطة الامنية حملت الى المحابس المشبوهين والامهات والاخوات وسائر الاسرة
د. ثائرة الغضب عند الحكومة بعد انسحاب القوة الغازية لم تشفها حملة الاعتقالات المتعنصرة استهدافا فحسب بل هاجت هائجتها على المؤتمر الشعبى القوة السياسية المعارضة فاعتقلت قياداته حتى ناهزوا الثلاثين ولكن أدركت أن النبأ غمر عليها دعايتها المنتشرة فى الاعلام بعد الواقعة فادعت فى ذات اليوم أنه إجراء للتحريات مع تلك القيادات ولم تجد فى حديث المتحرى معهم ما يستر إنقلاب الرأى فى إعتقالهم وحبس مراكز المؤتمر ايضا فاطلقوا سراح قادة المؤتمر الشعبى فورا او بعد يوم او اثنين واستبقوا جملة من كان منهم أصوله من دارفور ومن غاظهم نشاطه وظلت الدعاية الرسمية تدعى ان حركة العدل والمساواة هى الجناح العسكرى للمؤتمر الشعبى تبريرا لأى إجراء قادم . ولئن كانت الحركة عادت الى دارفور محور انعطاف وتقدير أكبر فان المؤتمر الشعبى لم يخسر ولاءً شعبياً بل كسب انعطافاً بين الجمهور لا سيما فى الغرب ونفعه الاعلام الذى يصوب اليه بعد وقع الغزو ونفعته مواقفه المعتدلة دعوة للإتعاظ بالأحداث والسعى لحسن الجوار مع تشاد لا المكايدة العسكرية المتوالية ولحسن التفاوض فى سبيل تسوية أزمة دارفور مثل سابقة نظام مايو التصالحية فى السبعينات بعد غزوة المعارضة على العاصمة من ليبيا لا التمادى فى المقاتلة والحرب المستعرة بروح الثأرات المصطرعة .
هـ. لكن مازال الخطاب السياسى لدى الحكومة عقب الحدث تطغى عليه روح الإنتقام والرد دون المتاب إتعاظاً الى حوار قادم مع الحركات المسلحة ومع دول الجوار التى ساندت الغزو لإسكان التوتر المتفاقم بين المتواطنين والجيران من بنى الإنسان .
و. من جراء ما حدث فإن التأزم المشتد سوف يؤثر على الإستقرار السياسى ومن ثم على الوضع المعيشى وسوف تزداد وتيرة العنف ويتطور بوسائل مختلفة غير معهودة و ينسحب سلباً على تنفيذ الإتفاقيات المبرمة مع الحكومة وقد يؤدى الى تأجيل وقت الإنتخابات أو إلغائه لحين وجود حل سلمى لقضية دارفور كما سوف تتأثر علاقات السودان الخارجية وتتعقد أكثر خاصة مع دول الغرب ودول الجوارالعربى والإفريقى.
الخلاصة
إن قضية دارفور قضية سياسية ينبغى أن تلتمس الحلول لها من خلال الوسائل السياسية السلمية عبر الحوار والتفاوض المباشر وان يتم الحوار ولا يتعثر بين أبناء الوطن الواحد دون تدخل أجنبى وراء وسطاء الخير فأهل مكة أدرى بشعابها. ان أزمة دارفور جزء من أزمة السودان كله وهى عرض لمرض يعانى منه الوطن بكل انحائه ، فالبناء الدستورى البنيوى الذى يشمل الحقوق والواجبات والحرمات ومشاركة أهل السودان من أجل إيجاد الحل المرضى الذى يبسط نظم الحكم العادلة ويكفل الحرية والعدالة والمساواة للناس فى الوطن كافة هو المخرج من أزمات السودان التى طال أمدها.
إن القائمين على أمر السودان اليوم لا يعون حجم المخاطر المحيطة به وليسوا قادرين بمفردهم على مواجهتها ما استبدت بهم شهوة حكم السلطة، وآثروا القوة للبغى والظلم والإقصاء وسيلة مثلى لحل كل معضلة فى مبادلات التواطن والتآخى والتعاون بالقسط بين أهل السودان . إزاء هذه السياسات السائدة لا سبيل الى بر الأمان الا من خلال إجراء حوار هادىء بين سائر القوى السياسية السودانية بغية الوصول الى تسوية سياسية سلمية وأخذ العبرة والإدكاروالإتعاظ مما حدث الآن ومما سبق فى العهود الماضية من أجل القيام بإجراء مصالحة وطنية توحد السودان من شبح الفوضى والتشظى والإنقسام وترسم له الامان والنظام والنماء الأوفق.
الخرطوم
25/6/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة