صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان لمستقبل البلاد: استراتجيات وسيناريوهات تطور السودان الجديد/د. الواثق كمير
Jun 30, 2008, 20:22

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان  لمستقبل البلاد:

استراتجيات وسيناريوهات تطور السودان الجديد

 

د. الواثق كمير

 

 

تقديم: الصادق المهدي ومشروع السودان الجديد مرة أخرى

 

الواثق كمير مع الراحل قرنق
أعددت هذه الورقة، في شكل ملاحظات وأسئلة، حول مشروع الحركة الشعبية للسودان لجديد واستراتيجيات وسيناريوهات تطوره المستقبلي وذلك بغرض نشرها لإشراك قواعد الحركة قاطبة وكل المهتمين والمهمومين بالمسألة السودانية، في الحوار حول هذا المشروع والنقاش الذي أتوقع أن يحتدم بشأنه خلال مداولات المؤتمر العام الثاني للحركة في مايو 2008. وقبل الانتهاء من كتابتها، فإذا بالسيد الصادق المهدي يعيد مجددا وبصورة أكثر حدة رفضه المبدئي لرؤية السودان الجديد، فعلى حد تعبيره "هذه الرؤى نحن ضدها وضد هذا الطرح"، وذلك في لقاء صحفي أجرته أسماء الحسيني في جريدة الصحافة بتاريخ 24 أبريل 2008.  وكل ما قاله السيد الصادق في ذلك اللقاء سبق وأن ردده مرارا وتكرارا، ولو بعبارات متنوعة. فقد أسهب في ذمه، في تعقيب مكتوب له على ورقة عن السودان الجديد قدمتها للمؤتمر العام لاتحاد الكتاب السودانيين في سبتمبر 2006. ولم تطاوع نفس السيد الصادق بأن ينعم على هذا السودان ولو بكلمة مدح واحدة! مما أطرب الطيب مصطفى حتى ذكره بأم الكبائر إذ ذكر بأن الصادق المهدي "قال في مشروع السودان الجديد وورقة كمير أكثر مما قال مالك في الخمر، بالرغم من أن الرجل لم يقل كل ما يعلم أو كل ما ينبغي أن يقال". وقد قمت بالرد على ذلك التعقيب في مقال مطول من خمس حلقات متتالية نشرتها جريدة الصحافة في أغسطس 2007، قصدت بها بأن تكون فاتحة لحوار عميق ومقدمة لعقد "مؤتمر فكرى" لمناقشة الموضوعات مصدر الخلاف في محاولة للإجابة على الأسئلة المطروحة حول مفهوم السودان الجديد ودولة المواطنة. ولكن السيد الصادق قرر أن لا يعير الورقة ولا ما تقدمت به من اقتراح أي اهتمام إلى أن جاء حديثه الأخير لجريدة الصحافة.

 

  فعلى كل حال، لم يضف السيد الصادق جديدا، في لقائه مع جريدة الصحافة،  على ما ذكره في تعقيبه ذلك. فقد نعت مشروع السودان الجديد بنفس الصفات الذميمة إلى عددها من قبل فهو "استئصالي" و"استفطابى" و"اقصائى" و"السودان البغيض"، إلى حد أنه "صناعة أجنبية". وقد أغناني يسن حسن بشير عن التعقيب مرة أخرى على هذا الحديث إذ تكفل هو بهذه المهمة في مقال بارع من حلقتين رائعتين بجريدة الأحداث في 29 أبريل و أول مايو 2008.   

 

 ولكن ما أوجعني حقا هي ألإيماءات العنصرية والتلميحات الاستعلائية الواضحة والتي لا تفوت على فطنة القارئ في ثنايا تشخيصه الممعن في الذاتية لوضع "الشماليين" في الحركة، ففي رأيه أن الشماليين هم الذين يطرحون رؤيتهم أو يدسونها دسا فتصبح "بقدرة قادر" مانيفستو الحركة الذي صدر في 1983 وفصل رؤية السودان الجديد في وقت لم يكن فيه ولو شمالي واحد في صفوف الحركة. وعلى هدى هذه الرؤية ضحى الجنوبيون بأرواحهم وتعرضوا لويلات الحرب من لجوء ونزوح وإعاقة، كل ذلك، فيما يبدو من وجهة نظر السيد الصادق، من "أجل" عيون الشماليين وما يعرضونه من "رؤى متطرفة"‘ على شاكلة أن د. منصور خالد هو الذي كان يكتب للزعيم الراحل خطاباته وخطبه. فالجنوبيين تعوزهم القدرة على المبادرة والقيادة بل عليهم الانصياع والتسليم بإرادة الشماليين. وهذا هو بالضبط نفس ما عبر عنه آخرون عندما عارضوا بشدة تولى جون قرنق لقيادة القوات المشتركة للتجمع الوطني بحجة أن الجنوبيين لا يجدون قبولا في الشمال، فالجنوبي لا يصلح لأن يكون قائدا بل كتب عليه أن يكون مرؤوسا ما دام على قيد الحياة تحت قيادة الشماليين. وفى اعتقادي أن السيد الصادق قد أدان رؤية السودان الجديد دون تحفظ لمجرد صدورها ممن لم يألفه قلبه وذهنه تحت ذريعة أنها فكرة ذات توجه معادي للإسلام وتهدف في نهاية الأمر إلى محو الهوية العربية-الإسلامية وإحلال الهوية الأفريقية مكانها. فقد سبق أن قلت بأن مثل هذه الأوصاف التي خص بها السيد الصادق الشماليين في الحركة هي نوع من القوالب جاهزة الإعداد، مثل "الشيوعيين" في الحركة، والتي اعتاد السياسيون الأقحاح على وضع خصومهم وكل من يخالفهم الرأي في داخلها بغرض تأليب الناس عليهم، وهى حيلة لا تشبه مفكر ثاقب النظر في قامة السيد الصادق.

 

وأختم هذا التقديم بسؤالين متلازمين للسيد الصادق: أولا: ما هي رؤيته لهذا "السودان العريض المتجدد" الذي يقدمه كبديل لمشروع السودان الجديد الذي يعبر، على حد قوله، عن رؤى متطرفة يطرحها الشماليون في الحركة؟ وأين موقع هذا السودان من جملة الرؤى التي ظل السيد الصادق يروج لها منذ الستينيات وتراوحت بين "السندكالية" و"الصحوة الإسلامية". وثانيا: فما سيكون قول الصادق إن أكد المؤتمر العام على التزام الحركة برؤية السودان الجديد وحدد استراتيجياتها وبرنامجها السياسي على ضوئها؟ فهل يا ترى حينئذ سيكون السودان الجديد مجرد تعبير عما ما يطرحه "الشماليون" في الحركة الشعبية؟ على كل حال، فليقرأ السيد الصادق كتاب السودان الجديد بعقل مفتوح تمهيدا لحوار منفتح نصل عن طريقه لأرضية مشتركة تجنب البلاد شرور الفتنة والتمزق.

 

مقدمة

 

رؤية الحركة الشعبية لمستقبل البلاد، منذ البدايات الأولى للحركة، هي بناء سودان موحد ولو على أسس جديدة: السودان الجديد، والتي عملت بانتظام على تفصيلها منذ ذلك الحين. وهكذا، كانت رؤية الحركة الشعبية وظلت على الدوام هي رؤية السودان الجديد، كمفهوم يرتكز على تحليل عميق وموضوعي للجذور التاريخية للأزمة السودانية. فرؤية السودان الجديد وفرت الوقود الفكري للحركة الشعبية والجيش الشعبي لقيادة النضال ضد كل أشكال الحكومات في الخرطوم منذ 1983، كما استرشدت الحركة بالرؤية في إقامة تحالفاتها مع باقي القوى السياسية السودانية وفى تأسيس علاقاتها الخارجية. وعليه، فإن البرنامج السياسي للحركة وأهدافها ورسالتها تقوم على هذه الرؤية، والتي وفرت أيضا الأدوات الصحيحة للتحليل مما ممكن الحركة من النجاح في تشخيص الوضع السياسي الداخلي بتعقيداته الإقليمية والدولية.  والأكثر أهمية، تظل رؤية السودان الجديد هي مصدر التأييد الشعبي المتزايد الذي كسبته الحركة في كل أنحاء السودان، وفى الشمال على وجه الخصوص. فقطاعات واسعة من السودانيين ترى في الحركة الشعبية القوة السياسية المنظمة الوحيدة التي تملك رؤية واضحة. وللمفارقة، يبدو أن استجابة الناس مع الرؤية ومناصرتهم للحركة الشعبية قد تكاثفت بصورة ملحوظة بعد الرحيل المفجع والمفاجئ لزعيم الحركة السابق د. جون قرنق دى  مابيور، الرجل الذي اعترف به الجميع كرمز وطني تاريخي عظيم. إذن، رؤية السودان الجديد هي التي تميز الحركة عن بقية القوى السياسية السودانية، فهي "الماركة المسجلة" للحركة الشعبية لتحرير السودان!

 

وبالتالي، فالطريق الذي ستسلكه الحركة والاتجاه الذي تتبعه لتحقيق أهداف السودان الجديد هما الجديران بأن يشكلا بؤرة الاهتمام وليس الرؤية في حد ذاتها فحسب. ولكن، من ناحية أخرى، لا يعنى هذا عدم وجود المتشككين في رؤية السودان الجديد في صفوف الحركة الشعبية، فقد كانت ولا تزال هناك اختلافات. وفى الواقع، حدثت خلافات تحولت إلى مواجهات عنيفة في لحظات تاريخية معينة في سياق تطور الحركة الشعبية والجيش الشعبي، منذ الأيام الأولى في 1983، ثم لاحقا فى1991. فهكذا، اصطدمت رؤية السودان الجديد وتبنى الأهداف والبرامج المتسق معها بصعوبات وعقبات منذ البدايات الأولى للحركة. فانشقت بعض قيادات الحركة مع بعض قيادات الآنانيا بحجة أن هدفهم هو القتال من اجل استقلال جنوب السودان. ثم جاء الانشقاق المدمر الذي أفضى إلى قتال دموي في صفوف الجيش الشعبي بعد "إعلان الناصر" في أغسطس 1991 الذي طالب بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلى أساسه تكونت الحركة الشعبية والجيش الشعبي-الفصيل المتحد والتي تحولت لاحقا إلى الحركة الشعبية والجيش الشعبي لاستقلال جنوب السودان. وقد تمت مناقشة صريحة وواضحة لهذه الاختلافات والخلافات خلال المؤتمر الأول للحركة الشعبية فى أغسطس 1994 والذي قرر في ضوئها وبلغة لا تحتمل التأويل أن تحقيق السودان الجديد وحق ممارسة تقرير المصير هما الهدفان التوأمان للحركة. كما أن النقاش الذي احتدم خلال المؤتمر أعاد التأكيد على أن تحقيق رؤية السودان الجديد، إن كان بواسطة تكامل النضال المسلح مع الانتفاضة الشعبية في المدن والمراكز الحضرية أو عن طريق تسوية سياسية متفاوض عليها، هو المفتاح لوصول الشعب السوداني إلى الحرية والمساواة والعدالة. وفى أعقاب توقيع اتفاقية السلام الشامل أعاد المجلس الوطني الانتقالي للحركة، وهو أعلى سلطة قرار في غياب المؤتمر العام للحركة، التأكيد على الالتزام برؤية السودان الجديد في اجتماعاته الأربعة بين عامي 2006 و2008.

 

الطبيعة المتفردة لرؤية السودان الجديد

 

دفعت الحركة الشعبية بمفهوم السودان الجديد كصمام أمان لوحدة الشعب السوداني، طواعية وعلى أسس جديدة، وسيادة أراضى البلاد، بدون إجحاف لحقوق شعوب السودان المختلفة في تقرير مصيرهم. فالفشل في بناء السودان الجديد، إذن، هو أقصر الطرق لتمزق البلاد. وبصرف النظر عن مضمونها، فتفرد رؤية السودان الجديد يرجع أيضا إلى كونها صادرة من حركة سياسية يشكل جنوب السودان قاعدتها الأساسية، وخلافا للحركات السابقة لها والتي رفعت شعار الانفصال عن الشمال ونادت بإقامة دولة جنوب السودان المستقلة. فتشدد الرؤية على حقيقة أن السودان للسودانيين كافة بلا تمييز، وبالتالي فانه حق وواجب كما أنها مسئولية كل جنوبي لدفع مستحقات تغيير السودان ككل. ومن ناحية أخرى، فرؤية السودان الجديد متجذرة في منظور أوسع يتجاوز حدود السودان بمعنى أن وحدة القارة الأفريقية لا يمكن تحقيقها إذا استمرأ الأفارقة تحطيم الوحدات القائمة. فالمفهوم يدلّل على إطار مرجعي ذو طبيعة عالميه يتعدى السودان ويمكن تطبيقه في مناطق نزاعات أخرى شبيهة داخل وخارج القارة الأفريقية، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل حالة وفق شروطها الموضوعية.

 

أصل ونشأة الرؤية

 

أزمة الحكم المزمنة في السودان، والتي كانت الحرب الأهلية في الجنوب إحدى مظاهرها، سعى قيادة الحركة الشعبية الحثيث والصادق من أجل الوصول إلى سلام دائم وعادل، كانت وراء فكرة السودان الجديد. فقد دفع إخفاق اتفاقية أديس أبابا في تحقيق السلام والازدهار قيادة الحركة إلى التمحيص وإعادة النظر في طرق وأساليب التعامل مع النزاع السوداني. فلماذا يتمادى السودانيون في الاقتتال فيما بينهم إن لم تكن القضايا المتنازع عليها بالغة الخطورة وترقى إلى هذا الحد من الخصومة؟ ومن ثم خلصت قيادة الحركة إلى أن التهميش بكل أشكاله والظلم والتفرقة والتبعية تشكل جذور المشكلة وهي الأسباب الرئيسية للنزاع، والتي لا يمكن التعامل معها باجتزاء وبأسلوب منح الصدقات وتقديم التنازلات لصالح المتمردين أو الثوار الساخطين كلما اشتعل النزاع في إقليم معين. فللسودانيين مشاكل في الشرق وفي الغرب وفي الوسط وفي أقصى الشمال. ولاحقا، أكد النزاع الدموي المستمر في دارفور صحة هذا التحليل. إن تعريف المشكلة بأنها "مشكلة الجنوب" تعد في حد ذاتها محاولة لتهميش الجنوبيين! وعليه، تمت إعادة تعريف المشكلة على أنها "مشكلة السودان" وليست "مشكلة الجنوب" كما دأبت الأنظمة المتعاقبة على الحكم في الخرطوم تقليديا في الترويج لها. إن الدولة السودانية متمثلة في هيكل السلطة في المركز هي التي تحتاج لإعادة هيكلة جذرية حتى تتمكن من استيعاب الأشكال المتعددة للتنوع السوداني والتعامل مع كافة أشكال الإقصاء والتهميش لشعوبها. فالسمكة تتعفن من رأسها لا من ذيلها!

 

 

أمراض السودان القديم

 

اتساقاً مع تعريف الأزمة السودانية بأنها "مشكلة السودان" وليست "مشكلة الجنوب" فحسب، فإن تصور الحل يكمن في تحوّل السودان ككل، وذلك بعد إجراء تحليل متعمق ودراسة متأنية للسودان القديم.

 

§        الحاجة للسودان الجديد تحتمها أمراض السودان القديم فهو الترياق المضاد الوحيد لهذه الأمراض.

§        يعانى هذا السودان من مشكلتين أساسيتين هما

 

a)           التصورات الذاتية المشوهة لمجموعات الأقلية الأفريقية-العربية الهجين عرقيا وثقافيا ودينيا وإلصاقها لنفسها هوية أحادية إسلامية-عربية، وفرض هذه المجموعات لهذه التصورات المشوهة كإطار لهوية السودان ككل في إغفال تام لتركيبته التعددية.

b)          فشل هذه الأنظمة في صياغة وتفصيل برنامج اقتصادي سليم لمعالجة التخلف الاقتصادي والتنمية غير المتكافئة.

 

§        التمييز والتباينات الحادة في المجالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المترتبة على هذا الإطار المشوه للهوية الوطنية.

 

الإطار النظري لرؤية السودان الجديد

 

1.     لا تكمن الأزمة السودانية في مجرد تعدد واختلافات الهوية، إنما في عواقب التصورات الذاتية المشوهة لها من ناحية المشاركة في تشكيل وتقسيم السلطة والثروة والموارد والخدمات وفرص التنمية والتوظيف.

2.     وبالتالي، لابد من اتخاذ تدابير تصحيحية لترسيخ الشعور الشامل بالانتماء كمواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة وعلى قدم المساواة.

3.     بينما أنه لا يمكن فرض الهوية بالتشريع وتغييرها في ليلة واحدة، إلا أنه من الممكن فوريا وضع إطار دستوري وقانوني يكفل المساواة في حقوق وواجبات المواطنة، مما يسمح عبر الزمن بتطوير هوية قومية شاملة يفخر بها وينتمي إليها جميع السودانيين.

4.     يتيح هذا الإطار النظري للسودان الجديد التأمل في ومعالجة أمراض السودان القديم (المعروضة أعلاه) ببناء سودان موحد، ديمقراطي،  وعلماني، أي إعادة هيكلة السودان دستوريا واقتصاديا وثقافيا. فالمرتكزات النظرية للرؤية في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للسودان الجديد هي:

 

              i.     بلورة هوية سودانية:

 

§         بلا شك أن السودان مجتمع متعدد الأعراق والثقافات. وإن إحدى مشاكل السودان القديم أنه كان، وما زال، يبحث عن ذاته ويطرح تساؤلات مضنية حول هويته الحقيقية، فنحن قطر عربي كما أننا قطر أفريقي، ولكن هل نحن هجين؟ هل نحن عرب أم أفارقة؟ فمن نحن؟

§         إذن، لا يصح تعريف الهوية السودانية وفقاً لعاملين اثنين فقط (العروبة والإسلام) مع استبعاد بقية المحددات الجوهرية المتجذرة في تنوع السودان التاريخي والمعاصر.

 

           ii.     الوحدة على أسس جديدة

 

§         إن الوحدة التي تأسست على هذه المكونات الجزئية وما صاحبها من تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية ستظل دوما هشة وغير قابلة للاستمرار. فلابد للترتيبات الدستورية والمؤسسية وبرامج وسياسات السودان الجديد من أن تعكس هذين النوعين من التنوع التاريخي والمعاصر. وهذا من المتطلبات الضرورية لبناء أمة عظيمة موحدة طوعيا في تنوعها بدلا عن أمة منقسمة على نفسها بسبب التنوع.

§         إن الإصرار والمثابرة على تماثل دين واحد مع الدولة، وبالتالي إقامة دولة دينية لا يقود إلا لإحداث شروخ عميقة في نسيج المجتمع السوداني مفضيا في آخر الأمر إلى شظى البلاد وتفسخ الدولة السودانية. ومرد ذلك ليس فقط لأن كل السودانيين لا يدينون بالإسلام، بل لا يوجد إجماع حول قوانين الشريعة حتى وسط المسلمين أنفسهم.

§         الدستور، وليس الدين، هو مصدر التشريع في السودان الجديد، دستور ديمقراطي يكفل حرية الأديان، ويشمل فصلا عن الحقوق الأساسية.

 

        iii.     إعادة هيكلة السلطة

 

§        وهذا يعنى ابتداءا إعادة هيكلة السلطة المركزية بصورة تضع في الاعتبار مصالح كل المناطق والقوميات المهمشة، سواء أولئك الذين حملوا السلاح أو الذين ظلوا يعارضون بصبر وفى صمت.

§        لامركزية السلطة وذلك بإعادة تعريف العلاقة بين المركز في الخرطوم والأقاليم ومنح سلطات أوسع لهذه الأقاليم في شكل فدرالي أو حكم ذاتي، أين ومتى ما كان ذلك ضروريا، حتى تتمكن الجماهير، وليس النخب الإقليمية، في ممارسة سلطات حقيقية من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترويج وتطوير ثقافاتهم المختلفة.

 

         iv.     الحكم الديموقراطى وحقوق الإنسان

 

§        سودان جديد ديموقراطى لا تكون فيه المساواة والحرية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية مجرد شعارات بل واقعا ملموسا يعيشه الناس.

§        تعميق حقوق الإنسان وكافة الحقوق الدستورية واحترام استقلال القضاء، بما في ذلك محكمة دستورية لا تنتهك حرمتها والالتزام بحكم القانون من قبل الحكومة والمحكومين وتأسيس خدمة مدنية ذات كفاءة واستقلال حقيقي على كل مستويات الحكم.

§        إعادة صياغة النظام التشريعي بأسلوب يضمن تحقيق التوازن والضبط ويكفل السلطات الممنوحة للأقاليم لكي لا يتم سحبها أو إضعافها بواسطة مراكز السلطة الأخرى.

 

             v.     التنمية المتوازنة والمستدامة

 

§        تطوير منظومة اقتصادية يتم من خلالها الاستخدام العقلاني والرشيد لموارد البلاد الطبيعية والبشرية الوفيرة لوقف التنمية غير المتكافئة ولوضع حد لكل أشكال التهميش والحرمان وللتوزيع العادل لثمار النمو والتنمية.

§        الاقتسام الملائم والعادل للثروة بين شعوب وقوميات السودان المختلفة جزء لا يتجزأ من منظومة التنمية المتوازنة.    

 

سيناريوهات تطور السودان الجديد

 

A.         السيناريو الرئيسي    

استرشدت الحركة الشعبية في نضالها من أجل التحرير وتحقيق السودان الجديد بجملة من المبادئ الأساسية والتي حددت الحركة عل ضوئها موقفها التفاوضي في كل جولات المحادثات مع حكومات الأمر الواقع في الخرطوم، منذ التوقيع على إعلان كوكادام في مارس 1986:

 

1.    تشكل وحدة البلاد على "أسس جديدة" حجر الزاوية لرؤية السودان الجديد، ولكن لا يمكن لهذه الوحدة أن تقوم حصرا على شروط مقررة أو شكل معد سلفا. بل تصبح الوحدة قابلة للحياة والتطبيق فقط في حالة الاتفاق على عناصر الإطار النظري للسودان الجديد، التي عرضناها أعلاه، وتنفيذها بمصداقية حتى تصير الوحدة جاذبة ومرغوب فيها.

2.    ولتنزيل المثل العليا التي ينطوي عليها السودان الجديد على أرض الواقع فلابد من النظر إلى المفهوم من منظور "تطوري". فابتدءا، يمكن الاتفاق على وتفصيل المبادئ المعيارية للانتماء والمساواة الكاملة في حقوق وواجبات المواطنة، بينما التنفيذ الكامل لهذه المبادئ يمكن فقط السعي لتحقيقه تدريجيا وعلى مراحل.

 

B.         السيناريوهات البديلة

 

1.  إن لم يتحقق السودان الجديد، فالسيناريوهات البديلة تشمل مختلف أشكال ودرجات ممارسة حق تقرير المصير، تتراوح بين درجات من الاستقلال والحكم الذاتي، بما في ذلك الترتيبات الفدرالية والكونفدرالية، أو تقسيم وتشظى البلاد، على الطرف النقيض. بمعنى آخر، من الممكن الاتفاق على درجة من "الانفصال" بحيث يكون كل كيان قائم بذاته، في حين تتم الدعوة إلى التعايش السلمي والتعاون المتبادل.

2.  وحتى في حالة الانفصال، ستستمر المبادئ المعيارية للسودان الجديد في إرشاد وتوجيه التطور الدستوري وأنظمة الحكم في الكيانين، الشمال والجنوب. بمعنى آخر، فمن منظور طويل الأجل يمكن للمرء أن يتصور قيام أطر وهياكل جديدة تتطور من خلالها أسس ومبادئ بناءة وأكثر رسوخا لأشكال ودرجات مختلفة من الوحدة المستدامة.

3.  من الجائز أيضا التسخير الفعال لعلاقات التعاون الإقليمي لتعزيز تحقيق المبادئ المعيارية والمرتكزات الأساسية للسودان الجديد.

 

استراتيجيات السيناريو الرئيسي: نحو السودان الجديد

 

I.            الكفاح المسلح والنضال السياسي، والتفاوض (1983-2005)

 

منذ العودة مجددا إلى الحرب الأهلية في 1983 وحتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005، قطعت الحركة الشعبية لتحرير السودان شوطا طويلا نحو تحقيق السودان الجديد:

 

 I.1     في أعقاب انقسام الناصر في 1991، انعقد المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية والجيش الشعبي يهدف معالجة الخلافات بغرض توحيد الصفوف والخروج بحركة قوية ومتماسكة قادر على التأثير في الوضع السياسي العام وإحداث تغيير جذري في كل البلاد. فالمؤتمر وضع الحركة الشعبية والجيش الشعبي في الطريق الصحيح نحو إدراك الهدف المتمثل في السودان الديمقراطي الموحد والتقارب مع بقية القوى السياسية في شمال السودان.

 

I.2   ظلت الحركة الشعبية دوما حريصة ومنذ البداية على التفاعل وخلق صلات مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية في الشمال، منذ بداية النصف الثاني من الثمانيات. ولعبت الحركة  دوراٍ محوريا  في جمع هذه القوى في وقت مبكر في كوكادام (إثيوبيا)، وتحديدا في مارس 1985، ولم يمض عامان على تأسيسها. . وهكذا، فقد أقامت الحركة الشعبية تحالفات مع جميع القوى السياسية الحديثة والتقليدية، بغرض المضي قدماً بعملية البناء الوطني.    ومباشرة في أعقاب انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في يونيو 1989، أصبحت عضواً فاعلاً في التجمع الوطني الديمقراطي، والذي ضم كل أطياف المعارضة، منذ عام 1990، (وتبوأ قائدها رئاسة القوات المشتركة للتجمع) والذي أفضى في نهاية الأمر إلى إعلان أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو 1995. ووفقا للإعلان، تم الاتفاق على ترتيبات دستورية فدرالية وكونفدرالية لفترة انتقالية تمتد لأربع سنوات يعقبها استفتاء على حق تقرير المصير للجنوب وأبيى وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. ويمثل الإعلان الوثيقة الأساسية لبرنامج عمل قومي يتم تنفيذه بعد إزاحة الجبهة الإسلامية عن السلطة كضرورة ملحة لتحقيق السلام ولتوفير الظروف الملائمة لبناء السودان الجديد.

 

I.3   ولكن، بعد تقييم موضوعي ودقيق للوضع السياسي داخليا وخارجيا اتخذ التجمع الوطني الديمقراطي بالإجماع قرارا بالموافقة على تبنى المفاوضات السياسية كإحدى الوسائل لإحداث التغيير المنشود في كل السودان. فبدلا عن "اقتلاع "النظام من الجذور" اختار التجمع الوطني الديمقراطي هدفا واقعيا يرمى إلى "تفكيك" النظام من الداخل عن طريق التحول الديمقراطي الذي تتضمنه هذه التسوية. إذن، فالفشل في اجتثاث الإنقاذ بواسطة الوسائل العسكرية والسياسية مهد الطريق للتوصل لتسوية النزاع سلميا عن طريق التفاوض، وان اتخذ مسارات متعددة (نيفاشا، أسمرا، أبوجا، القاهرة).

     

II.   الوضع بعد اتفاقية السلام الشامل: أسئلة صعبة وإجابات سهلة 

 

هل تلقى اتفاقية السلام الشامل بأي ظلال على صحة ودقة رؤية السودان الجديد؟

هل تجاوز الواقع السوداني الجديد الرؤية وتخطاها الزمن؟

هل استبدلت الحركة الشعبية رؤية السودان الجديد وقنعت باتفاقية السلام وتنفيذ بنودها، وبالتالي اختارت التقوقع والتقهقر نحو الجنوب في انتظار انفصاله الحتمي؟

هل نفضت الحركة يدها وتخلت نهائيا عن موقفها المبدئي المعلن حول العلاقة بين الدين والدولة؟

هل قامت الحركة بتقييم نقدي لمشاركة كوادرها في كل الهياكل المؤسسية الناجمة عن اتفاقية السلام، وبوجه خاص حكومة الوحدة الوطنية والأجهزة التنفيذية والتشريعية على كل مستويات الحكم، والمفوضيات المختلفة، ومؤسسة الرئاسة‘ نحو تحقيق أهداف الحركة؟

هل حق تقرير المصير مرادف ومطابق للانفصال؟    

 

ومع أن هذه الأسئلة، التي تعتمل في عقول وقلوب قواعد الحركة ومناصريها‘ تبدو صعبة عسيرة الهضم إلا أنه من السهولة بمكان الإجابة عليها لو كانت الحركة عازمة على استخدام اتفاقية السلام الشامل كمنصة انطلاق، وهذا هو في الواقع كل أمر الاتفاقية، لتحقيق هدفها الكبير: السودان الجديد.

II.1    تأسيسا على بروتوكول ماشاكوس (20 يوليو 2000)، تظل اتفاقية السلام الشامل علامة فارقة في تاريخ السودان السياسي المعاصر. فالاتفاقية تمثل نهاية لجمهورية السودان الأولى ومعلما بارزا في الانتقال نحو السودان الديمقراطي الموحد (السودان الجديد)، كما أن جوهر هذا الانتقال الذي تنطوي علية الاتفاقية هو التحول الديمقراطي من الشمولية وحكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية التعددية.

II.2    فابتدءا‘تجسد اتفاقية السلام الشامل العديد من ملامح السودان الجديد كما أطلق عليها زعيم الحركة الشعبية الراحل عبارة "السودان الجديد في حده الأدنى". وبالرغم عن أن ألاتفاقية تعد بمثابة "توافق" سياسي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، إلا أنها وفرت الإطار المطلوب لمواصلة النضال لتحيق هدف السودان الجديد عن طريق العمل السياسي البحت عوضا عن الوسائل العسكرية والسياسية لمرحلة ما قبل الاتفاقية. وبالتالي، فان الواقع السياسي الجديد الذي ترتب على الاتفاقية يوفر للحركة الشعبية فرصة ذهبية لترجمة رؤيتها للسودان الجديد إلى برنامج عمل سياسي، تقوم على ضوئه بإقامة تحالفاتها السياسية مع القوى التي تلتقي معها فكريا وسياسيا: قوى الهامش في الغرب والشرق وقوى السودان الجديد في الشمال، إضافة إلى عناصر التغيير وسط القوى التقليدية. 

II.3    فاتفاقية السلام الشامل لا تراهن على مجرد الثقة في المؤتمر الوطني أو أي قوة سياسية أخرى، بل تقوم على وجود الحركة الشعبية كشريك أصيل يتساوى مع الشريك الآخر في حقوق وواجبات تنفيذ الاتفاقية. فلا داع للقلق من أن ينكص المؤتمر الوطني عن التزامه بالاتفاقية لأن الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان لن يسمحان بذلك.  ففي الماضي كان السؤال هو: ماذا سيفعل الشمال؟ ما الذي ستعطيه الخرطوم للجنوب؟ ولكن في حقيقة الأمر السؤال هو: ما الذي يمكن أن نفعله جميعا؟ فبناء السودان الجديد في سياق أوضاع ما بعد اتفاقية السلام الشامل يعتمد بصورة أساسية على ما يمكن أن يفعله الجميع خلال الفترة الانتقالية.

II.4   تبعا لمقررات المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية في أغسطس 1994، تم إطلاق اسم "السودان الجديد" على خمس من المناطق المحررة: بحر الغزال، الاستوائية، أعالي النيل، جنوب النيل الأزرق، وجنوب كردفان. ولكن، بحد تعبير زعيم الحركة الراحل "لعله لا يساء فهمنا في بقية مناطق السودان القديم، والتي نضعها أيضا في بؤرة اهتمامنا. دعونا نستعير التشبيه مع الأظافر، فنحن كظفر جديد بدأ يشيخ ويتعفن بمرور الزمن تاركا المجال لنمو ظفر جديد من تحته، حتى يحين وقت يحتل فيه تماما مكان الظفر القديم. فإذن، دعونا نبدأ بالسودان الجديد "في حده الأدنى"ومن ثم سندرك في المستقبل إمكانية التقدم للأمام نحو السودان الجديد، أم الاكتفاء بهذا القدر من السودان الجديد. دعونا أولا نكمل تحرير المناطق الخمس التي أسميناها السودان الجديد، ولنقرر في المستقبل إن كنا نرغب في التقدم للأمام أم لا". ووفقا لترتيبات تقسيم السلطة الواردة في اتفاقية السلام الشامل، فقد تم بالكامل تحرير ثلاث من المناطق الخمس، وتحرير جزئي وغير مكتمل لمنطقتين أخريين، كما لم يراوح بروتوكول أبيى مكانه، بينما ظل باقي السودان القديم يهفو للتحرير. فان كانت هذه الانجازات تعد من ثمار الكفاح المسلح فيجب أن يكون هدف الحركة الشعبية في الفترة الانتقالية هو تحرير كل البلاد وصولا للسودان الجديد، ولكن بالوسائل السياسية البحتة.

II.5    طرحت الحركة الشعبية مفهوم السودان الجديد كتجسيد لرابطة سياسية-اجتماعية تمثل قفزة نوعية فوق السودان القديم، أو في المقابل الاتفاق على ترتيبات انتقالية تقود إلى استفتاء على تقرير المصير، كمبدأين شكلا أساسا لموقفها التفاوضي في كل جولات المفاوضات مع الحكومة في الخرطوم. ودونما تحقيق هذه القفزة نحو السودان الجديد، تقدمت الحركة بنموذج "كونفدرالى" كترتيب مؤقت ويعنى، في جوهره، قيام دولتين، واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب، تجمعهما سلطة مركزية تكون مسئولة عن "القواسم المشتركة"التي تم التوصل للاتفاق عليها. ويهدف هذا المقترح إلى وقف الحرب بقبول حقائق الواقع السودانى التي تنبي بأن البلاد حقيقة منقسمة على نفسها. فمن منظور الحركة الشعبية، وبكلمات زعيمها الراحل "المثابرة على تماثل دين بعينه مع الدولة أفضى وسيفضى إلى شروخ أعمق في نسيج المجتمع السوداني. إذن‘ لماذا نغرق أنفسنا في خلط المواضيع ونفرق بين شعبنا نتيجة لذلك؟ فنحن نعتقد أنه يجب ترك موضوع الشريعة لكل دولة لتقرر لنفسها في هذا الأمر". ومع ذلك، فانه من المحتمل أن يقود النموذج الكونفدرالى إلى السودان الجديد، في نهاية المطاف، عن طريق تمديد دائرة القواسم المشتركة عبر الوقت.   

II.6    نموذج "الدولة بنظامين"، الذي انطوت عليه الاتفاقية، تمت صياغته على غرار مقترح الدولة الكونفدرالية، بغرض إعطاء الفرصة لشريكي الاتفاقية وبقية القوى السياسية السودانية لإعادة التفكير خلال فترة انتقالية ممتدة حول كيفية المحافظة على واستدامة وحدة البلاد على المدى الطويل. ومع كل ذلك، فإن ما حدث لا يعدو أن يكون فقدانا لمعركة دون خسارة للحرب من أجل إقامة دولة المواطنة. فإعادة صياغة القوانين،  بما في ذلك إلغاءها، عملية طويلة ومعقدة وليست بحدث عابر. وما تحقق في اتفاقية السلام الشامل يمكن إخضاعه للتبديل والتطوير من خلال الانتخابات العامة في الفترة الانتقالية.

II.7   تظل الحركة الشعبية هي القوة السياسية الوحيدة التي تحظى بأكبر قاعدة من التأييد الشعبي وسط غير المسلمين في الشمال والجنوب، على حد سواء، كما أن موقف الحركة المبدئي من العلاقة بين الدين والدولة جذب إلى صفوفها قاعدة كبيرة من مختلف أنحاء السودان. والحركة الشعبية ملزمة بحكم رؤيتها للسودان الجديد وطبيعة جمهور مناصريها، وكذلك بفضل اتفاقية السلام الشامل، بالمثابرة والعمل الجاد من أجل وحدة البلاد على أسس جديدة وجعلها "وحدة جاذبة" خلال الفترة الانتقالية.  وحتى حينما لم تكن قوانين الشريعة الإسلامية مطبقة عمليا في جنوب السودان، منذ سنها في 1983، فقد دأبت الحركة الشعبية، كحركة تحرير، على الدعوة بانتظام إلى تحول ديمقراطي عميق يفضى إلى سودان موحد.

II.8 إن الطريق الوحيد الذي يضمن الحفاظ على وحدة الحركة الشعبية، وبالتالي وحدة السودان ككل، هو الالتزام الصادق برؤية السودان الجديد على مستوى البرامج والسياسات، والانخراط المكثف في العمل السياسي القومي في مركز السلطة. وهكذا، فانه لا يمكن للمتطلعين لوحدة السودان أو لانفصال الجنوب، على حد سواء، من تحقيق أهدافهم المتباينة بالانسحاب والتراجع من مركز السلطة حيث يقرر مصير الناس والأرض! وحقيقة، فان مطالبة الحركة الشعبية بحضور فاعل في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية في كافة أنحاء شمال السودان، ومشاركتها في كل مستويات الحكم في هذه الولايات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين الحركة من الترويج، على قدم المساواة مع شريكها في الحكم (المؤتمر الوطني)، لوحدة السودان، ولو على "أسس جديدة".  

II.9    وللمفارقة، فحتى "القوميين الجنوبيين" سيحصدون الريح في نهاية المطاف إن فشلت الحركة الشعبية في الاستخدام الصحيح والاستفادة من السلطات التنفيذية والتشريعية التي منحتها لها اتفاقية السلام الشامل على مستوى الحكم الاتحادي ومؤسسة الرئاسة. وهذا ببساطة لأن الاستفتاء على حق تقرير المصير لابد أن يمر عبر بوابة الهيئة التشريعية المنتخبة على المستوى القومي، وبالتالي ستكون نتيجة هذه الانتخابات مشؤومة ومخيبة للآمال بالنسبة للحركة الشعبية فيما إذا أخفقت الحركة في تحقيق أغلبية مريحة في البرلمان القومي. وحينها ستتحول اتفاقية السلام الشامل إلى اتفاقية أديس أبابا (2)!

II.10 إذن، فالانتخابات تضيف مسؤولية وطنية جديدة على كاهل الحركة الشعبية للمبادرة بعملية حوار وطني وتواصل سياسي مع القوى السياسية والاجتماعية بغرض الوصول إلى عقد اجتماعي يتضمن الاتفاق على قضايا اتفاقية السلام الشامل المتصلة بالمصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي كأساس لتوافق وطني وقومي. ولم لا؟ "فالوطنية" السودانية ليست بظاهرة "شمالية"! وحقا، فعلى حد تعبير الراحل د. جون قرنق فان "اتفاقية السلام الشامل تمّكن الحركة الشعبية لتحرير السودان من تأكيد شخصيتها القومية وتوسيع نشاطها وعضويتها في كل أنحاء السودان. فالحركة سوف تدعم وجودها في جنوب السودان، حيث تستحوذ على 70% من السلطة ، ولديها 45% من السلطة في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ، كما ستشارك في السلطة بنسبة 10% في كل الولايات الشمالية الأخرى. ومع تدعيم وجود الحركة في جنوب السودان وتوسيع عضويتها وتدعيم نشاطها في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والولايات الشمالية الأخرى، فإن كل ذلك يدلل على طاقات كامنة للحركة تؤهلها لأن تصبح حزب الأغلبية في الانتخابات القومية القادمة وعلى كافة المستويات المحلية والولائية والقومية". وستكون نتيجة هذه الانتخابات مشؤومة ومخيبة للآمال بالنسبة للحركة الشعبية فيما إذا قررت الحركة أن تهجر شمال السودان وترحل عنه، تاركة بذلك الفرصة لمنافس أفضل تأهيلاً وتمويلاً ليلعب دوراً مفصلياً في شمال البلاد، وأيضا دوراً سياسياً نشطاً وفعالاً في جنوب السودان!

 

II.11  كيف يمكن للحركة أن تقود حملة لإعادة الهيكلة السياسية والإدارية في السودان والتي تتطلب بناء مستويات الحكم الوسيطة حتى يتم نقل بعض سلطات الحكومة المركزية إليها وفقا لنصوص دستور السودان الانتقالي، ونقل السلطات بعيدا عن جوبا إلى الولايات والمحليات في الجنوب، كما ينص على ذلك دستور جنوب السودان الانتقالى؟

II.12  الهدفان التوأم: السودان الجديد وتقرير المصير لا يمكن النظر إليهما، كل بمعزل عن الآخر، بحيث يكفى تحقيق أي منهما، بل هما متلازمان ويدعمان بعضهما البعض. فحق تقرير المصير هو أداة لإقامة وحد البلاد على أساس طوعي، وذلك خلافا للوحدة الجبرية للسودان القديم. وبعبارة أعمق وأدق، هذا يعنى أن الشعب نفسه هو الذي سيحقق وحدة البلاد بإرادته الحرة، أي بناء دولة المواطنة السودانية عبر تقرير المصير. وبالتالي، إن كان تقرير المصير مرادفا أو مطابقا للانفصال، لبدت الحركة الشعبية وكأنها تسعى لتحقيق هدفين متناقضين في نفس الوقت: الانفصال ووحدة السودان!

II.13  الاستفتاء على حق تقرير المصير في الجنوب لا يمكن الوصول إليه بدون التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل. ولكن هذا التنفيذ الكامل للاتفاقية لا يمكن أن يتم إلا بواسطة الحركة نفسها، والتي بدورها لن تستطيع القيام بذلك إلا إذا كانت في السلطة المركزية على المستوى الاتحادي (فمشاركة الحركة حاليا لا تعدو أن تكون رمزية) وهو الأمر الذي لن يتأتى بدون مساندة وتأييد القوى السياسية التي تلتقي فكريا مع الحركة. ولكن، لا تستطيع هذه القوى أن تعمل سويا مع الحركة في غياب رؤية وبرنامج سياسي مشترك. ولاشك أن رؤية السودان الجديد، والبرنامج المستخلص منها، هي الرؤية الوحيدة القادرة على توفير أرضية مشتركة تجمع كل هذه القوى. وهكذا، فرؤية السودان الجديد لا غنىً عنها في سبيل تحقيق الهدفين التوأم للحركة الشعبية: السودان الجديد وتقرير المصير.

II.14 وفى سياق تطبيق رؤية السودان الجديد على أرض الواقع لابد للحركة الشعبية، وهو أمر تأخر موعد استحقاقه، أن تجعل من جنوب السودان- حيث تسيطر بصورة شبه تامة- أنموذجا تنطلق منه لتحقيق مبادئ السودان الحديد على المستوى القومي، خصوصا: إعادة هيكلة السلطة، الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، والتنمية المتكافئة والمستدامة.

 

 

 

التجديد التنظيمي: تقوية هياكل ومؤسسات الحركة الشعبية   

 

        i.      ستكون إعادة التأكيد على الالتزام برؤية السودان الجديد بلا معنىً يذكر بدون تفصيل ما يتوافق معها من استراتيجيات سياسية وبرامج وسياسات اقتصادية، والتي أيضا توفر المعايير لتقييم ومتابعة أداء الحركة الشعبية في الأجهزة التشريعية والتنفيذية و على جميع مستويات الحكم.

     ii.      من الضرورة بمكان، أيضا، بناء هيكل تنظيم قوى وفعال للحركة الشعبية على المستوى القومي حتى تتمكن من معالجة التحديات الجسيمة التي تواجهها. فاتفاقية السلام الشامل أدخلت الحركة في مرحلة/جمهورية جديدة تكتنفها حالات انتقال متعددة تستدعى أن تتم إدارتها بفاعلية كشرط ضروري لترسخ الحركة وجودها وتثبت أقدامها لتصبح قادرة على ممارسة دورها القيادي سياسيا وتنفيذيا والذي تتوقعه قواعدها ويتوق إليه مناصريها. حقا، إن النجاح النهائي لاتفاقية السلام الشامل يتوقف بدرجة كبيرة على عدة عوامل، وعلى الأخص تسريع معدلات النمو الاقتصادي، خلق فرص العمل، وبناء هياكل ومؤسسات سياسية قوية وفعالة ولها القدرة على التعبير عن مصالح من تمثلهم في سياق المؤسسات السياسية الرسمية. وهكذا، ففي سياق الانتقال من الحرب إلى السلام تتعرض الحركة الشعبية إلى أربعة أنماط من التحول:

 

a.     التحول من حركة سياسية-عسكرية إلى حركة سياسية خالصة: فكيف يمكن للحركة أن تتصدى لعملية التحول الديمقراطي في كل السودان بدون أن تكون هياكلها ومؤسساتها الداخلية ديمقراطية وشفافة وممثلة لكل قواعد الحركة؟ وهذا بالضرورة يتطلب خضوع الجيش الشعبي التام للسلطة المدنية حتى لا تفقد الحركة مصداقيتها بخصوص الالتزام بالحكم الديمقراطي المدني.

 

b.    التحول من حركة ذات قاعدة إثنية-إقليمية إلى حركة قومية من ناحية شمول العضوية وانتشارها: كيف يتثنى للحركة تحويل نفسها إلى تنظيم سياسي قوى ومتماسك ومختلف نوعيا وله القدرة على مواجهة تحديات مرحلة ما بعد اتفاقية السلام الشامل، بدون أن تسعى بنشاط لتمديد قاعدتها السياسية إما عن طريق جذب القوى السياسية ذات الأفكار المتشابهة إلى صفوفها أو بالعمل المشترك معها انطلاقا من أرضية مشتركة.

 

c.       التحول من حركة في المعارضة إلى حزب حاكم في الجنوب وشريك في الحكم الفدرالي والولائى:  ويكمن التحدي الأكبر في التحول، ليس فقط من المعارضة إلى الشراكة في الحكم، بل شريك أساسي في الحكومة الفدرالية. فالمشاركة الحالية في حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية فهي مجرد مشاركة رمزية. إذن، كيف يمكن للحركة، بدون أخذ المسؤولية على عاتقها، والعمل سويا مع القوى السياسية الأخرى، خصوصا تلك التي تلتقي معها فكريا، والفوز بأغلبية مريحة في الانتخابات المرتقبة، أن تضمن وتطمئن على التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل سلميا وعن طريق العملية السياسية الديمقراطية، وأن تجد رؤية السودان الجديد الفرصة قي النجاح كأساس لوحدة البلاد الطوعية؟ 

 

d.      التحول من النموذج الاقتصادي القائم على التخطيط المركزي إلى نظام اقتصادي أكثر استجابة للاحتياجات التنموية لبلد شاسع ومتنوع كالسودان: وفى هذا السياق، كيف يمكن للحركة أن تروج في بقية السودان لنمط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يقوم على مفهوم "نقل المدن للريف بدلا عن الهجرة إلى المدن" حيث ينتهي المهاجرون في "بيوت الكرتون" وتتدهور حياتهم وتتدنى مستوياتهم المعيشية، في الوقت الذي لم تظهر بعد أي مؤشرات لخطة تعدها حكومة الجنوب، التي تهيمن غليها الحركة الشعبية، لتعزيز القدرات البشرية والمادية للريف في جنوب السودان؟

 

هذه هي أم القضايا والمواضيع التي أتوقع أن يناقشها، والأسئلة التي ستتم الإجابة عليها خلال، المؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية لتحرير السودان.       


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج