غربا باتجاه الشرق
منيسوتا: صور سودانية امريكية!
مصطفي عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com
اخذ علي بعض القراء من رفقاء المهجر الامريكي – و بريدي الالكتروني يعج برسائلهم التي اعتز بها و بهم - انني كتبت مقالا قبل عدة اشهر بعنوان ( محن سودانية امريكية ) ثم الحقته بمقال آخر بعنوان ( ابتلاءات الكتابة ) و قبلهما ثالث بعنوان ( يا امة ضحكت من جهلها الامم ) تطرقت فيها الي بعض النماذج السالبة في مجتمعات السودانيين الامريكيين ثم اكتفيت بذلك دون ان اشير لا في متون المقالات نفسها و لا في مقالات لاحقة الي اي من الصور الايجابية التي تحفل بها هذه المجتمعات و كأنني لا اري في حياتنا نحن معشر السودانيين الامريكيين الا الوبال و الخبال بينما تعشي عيني عن رؤية البشريات و الاشراقات و الشموس الساطعة التي تتري و تتوالي لتقدم الدليل تلو الدليل علي نجاحات و فلاحات المهاجرين السودانيين من الجيلين الاول و الثاني.
و من الحق ان الصور السالبة التي وردت عنها الاشارات العارضة في المقالات السابقات لم ترد الا بحسبانها نماذج تعبر عن الاستثناء الشاذ لا القاعدة المطلقة وعن الفرع المعيب لا الاصل الثابت. و حاشا لله ان يخطر ببالي او ينقدح في عقلي - حتي في اكثر ساعاته غفلة - ان القاعدة و الاصل هو الفساد والخيبة وان الاستثناء هو الصلاح و الفلاح. و كيف يكون ذلك و تجليات الاشراق و مظاهره تحيط بي حتي في اضيق دوائر حياتي اليومية، في الحي السكني المحدود من ضاحية بيرنزفيل حيث مقامي بين الاف مؤلفة من الفرنجة و قلة من افراد تعد علي اصابع اليدين من السودانيين، ثم في مدينة منيابوليس كلها و في ولاية مينيسوتا باسرها. و نماذج انطلاقات السودانيين الامريكيين من الجيلين الاول والثاني في منيسوتا، عبر ديناميات التفاعل مع المجتمعات و البيئات الجديدة واجتياز الحواجز و اكتساب المعارف و تنمية المهارات و الالتحاق بمسيرة ما يعرف في هذه البلاد ب ( الحلم الامريكي ) مما يحتاج الي دفتر خاص. و لئن كان هناك من وقع علي ذهنه، وهو يقرأ بعض ما كتبت في السابق، ان سودانيي المهجر الامريكي انما هم (مجموعة من تنابلة المتعطلين و المتبطلين) ممن يتكففون دافع الضرائب الامريكي من خلال انظمة الاعانة الاجتماعية، كما جاء في رسالة احد القراء، فلابد ان ذلك مرده اخفاق في التعبير من عند انفسنا او التباسا في الفهم عند غيرنا، فتلك صورة لا تقترب من الحق الا بمقدار ما يقترب جليد الاسكيمو من صهد خط الاستواء.
و اذا كان صديقنا الاستاذ محمد علي محمد صالح قد آلي علي نفسه – من خلال سلسلته الواسعة الانتشار الموسومة ( سودانيون في امريكا) – الاعلام عن نماذج السودانيين من ذوي الاسماء البارزة و السهم المقدر في الحياة العامة الاكاديمية و الثقافية و المهنية علي المستوي الامريكي الوطني وعلي النطاق الدولي فلماذا لا اترك له مبادراته في ذلك الحقل واقودك – ايها القارئ الكريم – في جولة محلية حول ضاحية بيرنزفيل و ما جاورها من الاحياء في مدينة منيابوليس من ولاية منيسوتا لاطلعك علي امثلة محدودة لبعض اخبارنا و احوالنا نحن غمار السودانيين الامريكيين.
عبارة الجيل الثاني تعني عند المهاجرين في بلاد العم سام الابناء و البنات الذين ولدوا في دار الهجرة الامريكية او جاءوا ليها رضعا او ايفاعا في اشهرهم و سني حياتهم الاولي. واحد من هؤلاء هو شادي عبدالسلام بشري الذي لم يكمل بعد عامه الثامن عشر و كان قد جاء الي الولايات المتحدة و هو ابن ثلاثة اشهر محمولا علي يدي امه و ابيه الذين فصلهما نظام الانقاذ من عمليهما تحت طائلة ذلك البند الشهير ( الصالح العام )، فضربا في الارض يبتغيان من فضل الله حتي القيا عصا التسيار عند تمثال الحرية في مدخل خليج نيويورك. و هؤلاء اقرب جيراني اليّ اذ يقع دارهما علي بعد امتار قلائل من داري. و قد فاجأني شادي، الذي كنت اعلم عنه الامتياز والنجابة في دراسته، مؤخرا مفاجأة استراتيجية – كما يقول خريجو كليات الحرب العليا ––حين رأيت عنده اوراقا للقبول من جامعتين من ارقي و اشهر الجامعات الامريكية قاطبة: جامعة هارفارد و جامعة ستانفورد تعرضان عليه الالتحاق بها لتحصيل دراسته الجامعية بعد ان اكمل المرحلة الثانوية في مدرسة بيرنزفيل الثانوية بتفوق نادر. و الذين يعرفون انظمة و تاريخ مؤسسات التعليم العالي في امريكا يدركون حتما ما هي هارفارد. والدخول الي عرين تلك الجامعة عند الفرنجة دونه خرط القتاد فلا يلجها ابناؤهم و بناتهم الا كما يلج الجمل من سم الخياط. و في بلاد العم سام قول مأثور محفوظ و هو ( ان هارفارد تحكم امريكا و امريكا تحكم العالم )، و بصرف النظر عن دور هارفارد الخفي غير المعلن في التأثير المباشر وغير المباشر علي مجريات الحياة العامة فانه لمما يستدعي الانتباه حقا ان سبعة رؤساء للجمهورية تخرجوا من معاهدها و مدارسها العريقة و ها هو المرشح الديمقراطي باراك اوباما – الذي درس هو الاخر و تخرج فيها – يتهيأ لدخول البيت الابيض. لكأن هارفارد تقول لشعوب اليانكي: لا يهم ان كنت ابيضا او اسودا طالما لديك ملكات و قدرات الدخول الي هارفارد و التخرج منها فانك مؤهل و لا ريب لحكم الولايات المتحدة! و بحسب التايمز البريطانية و الموسوعة العالمية الحرة "وكيبيديا" فان هارفارد تحتل المرتبة الاولي في التصنيف العالمي للجامعات وتقف علي رأس افضل مائة جامعة في العالم متقدمة علي جامعتي اوكسفورد و كيمبريدج البريطانيتين. و هي اكثر جامعة في العالم من حيث عدد الخريجين و الباحثين الذين حصلوا علي جوائز نوبل و غيرها من الجوائز و الاوسمة العلمية الاشهر عالميا، و معلوم ان نحوا من اثنين و اربعين من حاملي جائزة نوبل علي مستوي المعمورة هم من الهارفارديين، و تصف عدد من المصادر العلمية جامعة هارفارد بانها ( افضل بيئة علمية في العالم). و مع ذلك فأن الابن شادي ما زال علي عادة الطلاب الامريكيين يراوح ذهابا و ايابا - مستكشفا مستطلعا - بين الجامعتين اللتين منحتاه بطاقات القبول الي رحابهما: هارفارد و ستانفورد، و الاخيرة تحتل المركز الثالث عالميا بعد هارفارد و كيمبردج، اذ لم يستقر قراره بعد علي خياره الاخير. و قديما قالوا: ( للنجاح الف اب ) و جميعنا في بيرنزفيل و منيابوليس آباء لشادي. و ابننا شادي يمتد نسبه من سكة ابيه الي آل الامام المهدي فجده لابيه المغفور له بشري حامد كان عضوا في الجمعية التأسيسية ممثلا لحزب الامة في ستينات القرن الماضي، و جده الاكبر حامد هو شقيق الامام محمد احمد المهدي و قد حارب و استشهد في معركة كرري. ووالدته هي المهندسة ثريا ابراهيم علي، شقيقة المفكر السوداني المعروف الدكتور حيدر ابراهيم علي مؤسس و مدير مركز الدراسات السودانية. كيف لا يتقدم شادي اذن، ببصيرة نافذة و بصر مفتوح، ليأخذ مكان الصدر بين مئات الالاف من انداده و اقرانه من فتية اليانكي وهو يجمع في اعراقه و كوامن جيناته بين عبقرية المهديين وروحهم الكاريزمية و ذكاء سناجكة الشايقية و ملكاتهم الابداعية؟!
و اذا كان شادي يمثل، خير تمثيل، الجيل الثاني للمهاجرين السودانيين فهاك – من طرف منيابوليس - هذا المثال الاخر لانجازات الجيل الاول: سألتني البروفيسر بربارة كروسبي، و كنا نحضر معا بمعهد هيوبرت همفري بجامعة منيسوتا ورشة عمل حول تطوير انظمة الحكم المحلي في الولاية، عما اذا كنت اعرف السوداني باكري الذي ظهرت صورته و اخبار انجازاته العلمية علي غلاف مجلة جامعة منيسوتا لهذا الشهر فلم اعر خبرها اهتماما و خلت انها مثل كثيرين تخلط السودان بالدول الاخري، ورددت بان اسم باكري ليس سودانيا و ربما كان افغانيا او تركيا او ايرانيا او حتي سنغاليا. و بعد اسبوع من ذلك التاريخ وانا مشغول بازالة الحشائش الزائدة في حديقة المنزل الامامية وقف علي مقربة مني جارنا العزيز المستر ريتشارد جونسون و زوجته كارين، و كلا منهما يمسك بزمام كلب ضخم، واخذا يتحدثان حول الموضوعات الروتينية التي يحب الامريكيون الكلام عنها بمناسبة و بدون مناسبة مثل توقعات الطقس وبرامج التلفزيون، ثم و بدون مقدمات اخذت كارين تتحدث عن منحة مقدارها خمسون الف دولار تقدم لها الاف الطلاب في جامعة منيسوتا و من ضمنهم ابنتها شارلين و لكن طالب دراسات عليا سوداني فاز بها بسبب اعماله الاكاديمية المتميزة. وهذه المرة كان لا بد ان اعير الامر بعض الاهتمام الذي لاحظته المرأة و ردت عليه بأن وعدت بسؤال ابنتها عن عدد المجلة واعارته لي اذا كانت لا تزال تحتفظ به، و ما هي الا ساعة زمان و كانت المجلة بين يدي. علي كامل غلاف المجلة الفاخرة رأيت صورة كبيرة لرجل وسيم بدا لي اول الامر كما لو كان يمنيا او جزائريا او ربما مصريا و تحت صورته عبارة: ( احلام الديمقراطية ) او ( حلم بعالم ديمقراطي )، ثم بخط اصغر: (السوداني محمد بكري). اذن فهو بكري و ليس باكري و هو سوداني و ليس افغاني! و برغم اقامتي الطويلة في مدينة منيابوليس و صلتي الوثيقة بجامعة منيسوتا التي قضيت في باحاتها ردحا من الزمن زميلا و باحثا و طالبا بمعهدها المتخصص في الشئون العامة المسمي: معهد هيوبرت همفري، و لا زلت – بعد ان غادرته بسنوات لاعمل في حكومة الولاية - ارتاد قاعاته و مكتباته و اشارك في ندواته وورش عمله، الا انه لم يسبق لي قط ان علمت بطالب دراسات عليا سوداني في ذلك المعهد باسم محمد بكري. و بعد ان التمست بعض المعلومات عن الرجل من سودانيي المهجر عرفت ان الاسم الكامل هو محمد عبدالخالق بكري فقمت بادخال الاسم في لغته العربية الي محرك البحث الالكتروني غوغل فأنبأني المحرك علي الفور ان صاحب الاسم نشط في مضمار الثقافة و السياسة و له بعض كتابات ابداعية و اعمال مطبوعة منها كتاب ( سيرة الاعدام السياسي في السودان) فضلا عن ديوان شعر بعنوان: ( منمنمات علي جلباب سيد الساحل).
و قد خصصت المجلة ( مجلة جامعة منيسوتا) مادتها الرئيسية لعدد ابريل لهذا الرجل و هي مادة مطولة تتطرق الي خلفية الرجل السودانية و المهنية و الاكاديمية و انجازاته و طموحاته و خططه المستقبلية، كما تتطرق الي المنحة و الجائزة الاكاديمية التي فاز بهما. و قد قالت المجلة عن بكري انه كان يعمل محررا في احدي الصحف السودانية قبل هجرته للولايات المتحدة. و قد اعادت احدي الفقرات في التحقيق الصحافي الذي اجري معه الي ذهني كتاب ( الايام) لطه حسين، فقد لمحت تشابها بين قوله انه ادرك ان اجادة اللغة الانجليزية شرط لازم لانطلاقته الاكاديمية و طموحاته العلمية فتفرغ لبعض الوقت في بداية مشواره الامريكي في مطلع الالفية الثالثة لدراسة اللغة و محاولة التمكن منها و بين قول طه حسين ذات الشئ عن اللغة الفرنسية ابان وجوده في فرنسا في الربع الاول من القرن العشرين. و اشارت المجلة الي ان بكري اكمل درجة بكالوريوس جديدة في علم السوسيولوجيا بعد ان تجاوز عمره الاربعين علي الرغم من انه حاصل اصلا علي الاجازة في الحقوق من جامعة سودانية، وذلك قبل ان يشرع في مسيرة الدراسات العليا والتي حصل في غضونها علي جائزة افضل اطروحة في الكلية و عنوانها: ( ازمة الديمقراطية في السودان: منظور سوسيولوجي لانهيار التجربة الديمقراطيه الاولي ١٩٥٣ – ١٩٥٨ )، وقد رشحه بعض الاساتذة بعد ذلك لجائزة اخري وهي جائزة جاك كنت كروك للدراسات العليا التي يتقدم لها كل عام الاف الطلاب و ينالها افراد يعدون علي اصابع اليد الواحدة و قيمتها خمسون الف دولار التي تمنح – بحسب المجلة – وفق معايير دقيقة ابرزها وفرة الادلة علي الامكانيات الاكاديمية الاستثنائية للمتقدم وهي التي فاز بها صاحبنا. و تعقيبا علي فوز بكري بهذه الجائزة صرح البروفيسور جوشيم سافيلسبيرج للمجلة باعتقاده ان ( بكري يتمتع بعقل نقدي تحليلي استثنائي وان له قدرة غير عادية علي التفكير العلمي الرشيد)، و اضاف انه لاحظ منذ قدوم بكري الي الكلية ( انه يحمل معه الي قاعات المحاضرات و المناقشات الاكاديمية قدرات معرفية مكثفة لا تجدها بسهولة عند الطلاب الاخرين). و تقول المجلة ان بكري يواصل حاليا مشوار الدراسات العليا في مجال العلاقات الدولية و يزمع التخصص علي مستوي الدكتوراه اما في مجال السياسة الخارجية و الامن القومي او في موضوع الديمقراطية في الشرق الاوسط و افريقيا.
و لولا ان ادركنا الصباح– ايها القارئ الكريم – لمضينا قدما فملأنا عليك الافق بنماذج لا عدد لها عن سودانيي ولايتنا الجميلة منيسوتا، رجالا و نساءً، من الجيل الاول ممن تخطوا العقبات و الصعاب بالتصميم و المثابرة و العمل الجاد في المجالات الاخري الانتاجية و الخدمية والاستثمارية والمهنية حتي اسلست لهم امريكا قيادها ووطأت لهم الاكناف في رحابها، ثم من شباب الجيل الثاني من ابنائنا و بناتنا الذين ما ان يغادرون قاعات الدرس في مدارسهم حتي ينتظمون في صفوف الحملة الانتخابيه لمرشح الرئاسة الاسود، الكيني الاب، باراك اوباما .. و لكن ذلك حديث آخر نعود اليه ان شاء الله!
نقلا عن صحيفة ( الاحداث )
مقالات سابقة:
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة