في الزول والزولة: مبحث لغوي تأثيلي
د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
زول كلمة يكاد يستخدمها السودانيون حصراً في عربيتهم الدارجة للدلالة على معنى كلمة " شخص" ، أو " إنسان " ، والمؤنث منها هو " زولة " ، ومنه ما جاء في الأغنية السودانية الشعبية: " البتولة حلاتا يا زولة ". وتنطق الواو في الحالين ممالة إلى الفتح ، على نحو نطق حرف ال O في الكلمة الإنجليزية goal .
هذا هو أشهر استخدامات هذه اللفظة وأكثرها شيوعاً في العربية المعاصرة فصيحها وعامياتها ، لدرجة أنّ لفظة " زول " صارت سمة تميز الشخص السوداني تحديداً حيثما كان داخل الوطن العربي بصفة خاصة ، وأضحى الكثيرون من العرب يرمزون للشخص السوداني بكلمة " زول " هذه ، وهي لفظة تجرى على لسان بعض الأخوة العرب وينطقونها أحياناً في غير قليل من التعجب والاستغراب ، وربما السخرية والاستهجان ، ويتلقاها السوداني حين يتلقاها منهم ويسمعها في غير قليل من الضيق والتبرم أيضاً بسبب ما يلبسها أولئك في بعض الأحيان من ظلال السخرية والتهكم.
ومما يدل على ذلك الضيق والتبرم اللذين يعتريان السودانيين بسبب تلك " الزولية " المستغربة وربما المستهجنة من قبل نفر من الآخرين ، وخصوصاً في بلدان المهجر العربي ، الكثرة الملحوظة لتناول الباحثين والكتاب والمعلقين السودانيين لمفردة " زول " هذه من خلال الصحافة الورقية والالكترونية على حد سواء ، فضلاً عن تناولهم بكثرة أيضاً لأحد أبرز متعلقات الرجل السوداني في زيه التقليدي ، ألا وهو غطاء الرأس المميز للسودانيين أو " العِمَّة " ، والاجتهاد الحثيث في تأصيلهما ، بمعنى محاولة ردهما إلى أصول عربية ، وذلك سعياً لتأكيد مشروعيتهما وأصالتهما في إطار مرجعية الثقافة العربية الإسلامية الجامعة.
فما هي حكاية " الزول " هذه ، وما هو موقعها من منظور الدرس والتمحيص الفيلولوجي الموضوعي ، والبعيد عن الانفعال العاطفي ، ومحض التعصب والتعصب المضاد ، والشوفينية الثقافية واللغوية على وجه التحديد ؟.
الجذر: " زَ. وَ. لَ " ، وكذلك: " زَ. وَ. رَ " ، بصيرورة اللام راءً في آخره ، يفيد في دلالته الأصلية في طفولة اللغة فيما يبدو ، معاني: " الحركة ، والتحول ، والتردد ، والاضطراب ، والتأرجح ، والتمايل الخ " مطلقا. ومن ذلك ما جاء في لسان العرب لابن منظور قوله: " زال به السراب: إذا ظهر شخصه فيه خيالاً . ومن قول كعب بن زهير:
يوماً تظلُّ حدابُ الأرضِ ترفعهُ من اللوامعِ تخليطٌ وتزييلُ
ومن ذلك قولهم في العامية السودانية " يزاوِلْ " بواو مكسورة ولام ساكنة: بمعنى يظهر ويختفي ، أو يتحرك جيئة وذهابا. ومنها قولهم في معرض الشتيمة والزجر: " يا ولد بتزاول مالك .. تزاول تيتلْ " أو " تزاول نعامة ". ومنه أيضاً قولهم في العامية السودانية ، وربما في عاميات عربية معاصرة أخرى غيرها مع الإبدال بين الحروف: " يلاوز " ، بمعنى يتردد ويضطرب ويحتار ما بين الاقدام والإحجام.
أما من شواهد هذا الأثل منطوقاً بالراء عوضاً عن اللام ، أي " زَ وَ رَ " ، فقوله تعالى في سورة الكهف: " وترى الشمس إذا طلعت تزّاورُ عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال " الآية ، وفيها معنى الميلان والازورار. ومنه أيضاً قول عنترة بن شداد في المعلقة يصف حصانه:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرةٍ وتحمحمِ
ثمّ إنّ دلالة هذا الجذر " ز. و. ل ... ز. و. ر " قد تطورت من مجرد الدلالة على الحركة ، لكي تفيد معاني التخييل ، والأثيرية ، والتشخيص ، وهو ما نجده في تعريف لسان العرب آنف الذكر: " زال به السراب: إذا ظهر شخصه فيه خيالا " ، ولعمري فإنه هو نفسه الذي يقال له في الانجليزية والفرنسية أيضاً silhouette ، الذي توسعت دلالته لكي يعبر بها عن ذلك الضرب من فن الرسم الذي يظهر الخيال باللون الأسود فقط دون الملامح والتفاصيل. لاحظ التشابه اللفظي والدلالي بين السابقة sil من هذه الكلمة التي هي أصلها ، بينما باقي اللفظة جميعه أريد به مجرد التصغير ، واللفظة العربية ثم السودانية " زول ". أم ترانا نبعد النجعة إذا ما غامرنا بالقول إن كلمة soul بمعنى " روح " الإنجليزية نفسها ربما تكون قد خرجت من ذات مشكاة " زول " العربية هذه وأمهاتها ؟ ذلك بأنهن هن الأصل بلا أدنى ريب ، لقدم اللغة العربية ، وأوليتها التاريخية.
وبلغني أيضاً أن إخواننا المصريين يسمون شبح الإنسان الميت ، أو ما يدعونه بالعفريت ، وهو ما نسميه نحن " البعّاتي " في كلامنا يسمونه: " السُّلْ " في بعض عاميتهم ، وهذه اللفظة كما هو واضح من ذات الحقل الدلالي ، لمقاربة السين للزاي. جاء في المزهر للسيوطي: " قيل لإعرابي أتقول الصّقر أم السّقر ؟ قال بل الزّقر ".
وكلمة " شخص " العربية نفسها ، التي هي مرادفة لمفردة " زول " التي نحن بصددها ، تعني في الواقع: التعيين المادي لذات الإنسان ، ولأي كائن آخر على سبيل التوسع والتعميم ، وكذلك الخيال الأثيري لذلك الإنسان أو الكائن على حد سواء ، ومن ذلك قول الحارث بن حلزة في المعلقة:
لم يغرّوكمو غروراً ولكن رفعَ الآلُ شخصَهَمْ والضّحاءُ
وفي معجم لسان العرب لابن منظور: " الشخص: سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد .. وكل شيء رأيت جسمانه فقد رأيت شخصه ". فمن الواضح أن فيها أيضا معنى " السلويت " الذي أشرنا إليه ، والذي هو نفسه " الزولويت " من الزول ، يا زول !.
أما العلاقة الدلالية وكذلك اللفظية بين كلمة " زول " والخيال ، والأثيرية ، أو اللطافة الروحانية ، فنجده كذلك في كلمة " وَزَرْ " العربية ، خصوصاً إذا ما اعتبرنا أن الأثل الأصلي لهذه اللفظة هو ثنائي الجذر في الأساس ، مثل معظم الألفاظ العربية ، أي أن الأصل فيه هما حرفا الزاي واللام ، التي رأينا للتو أنها من الممكن أن تستحيل إلى راء. و " الوَزَر " هو الروح الأعلى. قال الشاعر محمد بن مناذر الغرناطي الأندلسي:
هل علمت بابلُ أنا فئةٌ تجعل السحر من السحر رقى
ننقش الآية في أضلعنا فتقينا كل شر يتقـــــــــــــــى
من بنان الوزرِ الأعلى الذي يخجل السحر إذا ما نطقــا
والوزر المذكور في هذه الأبيات هو بحسب رأي العلامة الدكتور جعفر مرغني الذي سمعت منه الأبيات آنفة الذكر ، هو نفسه " أوزيريس " الإله المصري القديم ، الذي إنما هو روح محض. وبالطبع فإن اسم " أوزيريس " بعد اطراح الزائدة الإغريقية " يس " منه ، سيصير: أوزير .. أو وزر نفسها على التخفيف.
ومن المرجح أن هذه الخفة في الحركة واللطافة التي تفيدها دلالة الأثل " ز. و. ر/ز.و.ل" ، هي التي سوغت للعرب أن يجعلوا أحد معاني كلمة " زَوْل " بزاي مفتوحة وواو ساكنة ، كما هو مثبت في كتب اللغة: " الشخص الخفيف الحركات " أو: " الشخص الخفيف الظريف الذي يعجب الناس من ظرفه" أ.هـ (انظر مادة زول في لسان العرب لابن منظور ، والقاموس المحيط للفيروزبادي على سبيل المثال). ومن ذلك قول الراجز:
ومهمهٍ شديدة الأهوالِ قطعتها بفتيةٍ أزوالِ
ومن هذا المنطلق ، تكون مخاطبة شخص أو إنسان ما ، أو الإشارة إليه في العامية السودانية بلفظة "زول" ، آتية على سبيل التودد والملاطفة ، لما تنطوي عليه هذه اللفظة من معاني اللطف والظرف وفقاً لكتب اللغة. فهي شبيهة في هذا في المعنى من دون اللفظ بقول المصريين في عاميتهم: "جدع" ، وإنما هي مجرد صفة مشتقة من " الجدعنة " التي هي تمام المروءة عندهم ، كما تشبهها من حيث الدلالة أيضاً الكلمتان الإنجليزية guy والفرنسية type .
نخلص من ذلك إلى أنّ كون لفظة "زول" السودانية بمعنى شخص أو إنسان لها أصل مثبت من كلام العرب القدماء ، هو مما لا خلاف حوله ، وهو أمر يمكن إثباته بكل سهولة بالرجوع إلى المصادر المعتمدة ، وإنما يتعذر على من يقول بعكسه إثبات دعوى مفارقة هذا الاستخدام لكلام العرب وخروجه عنه.
هذا ، وقد أورد باحث سوداني في مقال نشره على أحد مواقع الشبكة العنكبوتية مؤخراً – ساءه فيما يبدو أن يسخر الساخرون من كلمة زول - أورد سبعة عشر شاهداً من كتب اللغة والأدب العربي تؤكد فصاحة كلمة " زول " هذه ، نذكر منها قوله: " والزول الخفيف الحركات. قال أبو منصور الثعالبي في حديثه عن الممادح والمحاسن حين ذكر أطوار الإنسان: فإذا كان حركاً ظريفا متوقدا فهو: زول". أ.هـ. وقوله: " والزول الفتى ، قال محمد بن عبد الله الكاتب المشهور بالمفجّع يمدح علياً رضي الله عنه:
أشبه الأنبياء كهلاً وزولاً وفطيماً ويافعاً وغذيّا
قلتُ: وأقرب الألفاظ المتداولة في العاميات العربية المعاصرة صرفياً ودلالياً من كلمة " زول " السودانية ، كلمة " زلمة أو زلمي " الشامية (بالمعنى الواسع) ، التي تدل هي الأخرى على معنى الشخص أو الإنسان. غير أنّ المدهش هو أنّ هذه اللفظة لا تثير بين سائر العرب المعاصرين ذلك الاستغراب الذي تثيره كلمة " زول " وقد مضى بيان فصاحتها وعراقة استخدامها في لغة العرب. على أنني وقعت على شاهد واحد فقط في القاموس المحيط ، يدل بصورة غير مباشرة على أنه ربما كانت لكلمة " زلمة " علاقة ببني البشر. جاء في القاموس المحيط:
"مزلّمْ في صفات الإنسان: يقال للرجل إذا كان خفيف الهيئة .. وللمرأة ( أي مزلّمة ) التي ليست بطويلة .. والمزلّم الرجل القصير عن ابن الإعرابي " أ.هـ. أما الزلمة في اللغة ، فهي ذلك النتوء الخلقي الذي يكون متدلياً من حلق الشاة أو العنز ، فإذا ما كان في الأذن فهو زنمة بالنون كما جاء في لسان العرب لابن منظور.
وتأتي لفظة " زول " ، وخصوصاً " زولي " بمعنى " محبوبي أو معشوقي " في كثير من شعر الغزل الدارجي في السودان ، والشعر المغنى على وجه الخصوص. وقد حدثني أحد الأخوة الليبيين قبل بضعة أعوام أن" زولي " بمعنى محبوبي ، موجودة أيضاً في بعض شعر الغناء في ليبيا. وبالطبع فإنّ وجود هذه الصيغة " زولي " بمعنى حبيبي ، فضلاً عن كلمة " الزول " مجردة من ياء النسب في فن الغناء السوداني ، هو من باب أولى. ومن ذلك أغنية عبد القادر سالم:
أتمنى يوم زولي القبيل
يقطع معاي درباً عديل
وأغنية هاشم مرغني:
زولي أنا يا زولي ...
وأغنية عمر إحساس من كلمات الشاعر المبدع الذي رحل عن دنيانا الفانية مؤخراً: " عبد الله الكاظم ":
زولي هوي .. زولي هوي
زولي اللخدر .. كان شفتو بخدر الخ .
ثم أغنية النعام آدم:
الزول الوسيم في طبعو دايماً هادي ...
ونختم بأبيات امرئ قيس السودان ، الشاعر الشعبي الذائع الصيت ، أحمد عوض الكريم أبو سن الشهير ب " الحاردلو " ، مما يتغنى به الفنان المثقف: عبد الكريم الكابلي:
الزول السمح فات الكبار والقبلو
كان شافوهو ناس عبدلّه كانوا يعقروا
السبب الحماني العيد هناك أحضرو
درديق الشبيكي البنّتو في سدْرو
هذا ، وأبشروا ولا تبتئسوا أيها الأزوال وأيتها الزولات ، أينما كنتم داخل أرض الوطن ، أو منتشرين في بلاد الشتات and don’t loose heart ، فكل ما هو آتٍ آت.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة