عمارة دنقس
أسـد قرشي من رحم الفونج
سلسلة رموز وهموم سودانية
(9 من ......)
مصعب المشرّف
mosaab5@gmail.com
((الجـزء الثاني))
تفنيد مزاعم الأصل الشلكاوي
مماحكات أم ركوب أمواج؟؟
بدأ عهد السلطنة الزرقاء عام 1505م وانقضى عام 1821م ..... أي أنه لم يمضي على زواله حتى تاريخه سوى 187 سنة ، ولا نزال نتجادل فيما بيننا مختلفين حول أصل ملوك هذه السلطنة. وهل كانوا من الأصل الزنجي الخالص ... أم من أقحاح قريش ... أم من العرب الهجين والخلاسيين؟؟؟
187 سنة أو 503 عام ؛ لا تبدو في عرفنا نحن أهل السودان طويلة إذا تعلق الأمر بحفظ الأنساب على مستوى الفرد العادي والعائلة والقبيلة.... بل هناك في كردفان ودارفور من يحفظ عن ظهر قلب أنساب خيوله العربية وكلابه السلوقية وقد مضى على قدوم أجدادها للمنطقة أكثر من ألف عام ...... فما بالنا والأمر كذلك ؛ نختلف ونزرع أشواك الشكوك في أصل الملوك !؟
نحفظ تاريخ بني أمية وشجرة ملوكهم بفرعيها السفياني والمرواني .... وكذلك شجرة بني العباس بصلبها العربي ورحمها العجمي عن ظهر قلب ؛ رغم أسبقيتهما من حيث التسلسل الزمني الذي بدا عام 661م. ورغم اختلاف الموقع الجغرافي والبون الشاسع في المسافة والانتماء .... ومع ذلك نختلف على تاريخ واصول ملوك سلطنة الفونج السوداني الذي بدأ عام 1505م وجعل من سنار عاصمة له ... فـأيـة مـزاج هــذا؟؟؟؟
مات صلاح الدين الأيوبي عام 1193م. ومضت الآن على وفاته أكثر من 815 سنة ... ورغم أنه لا يمت لتاريخ السودان بصلة رحم أو قرابة ، إلا أن أي بائع ((تبش)) أو فارش ((نبق)) في مدن وقرى وحلال السودان ؛ يعلم تمام العلم النافي للجهالة أن صلاح الدين الأيوبي من أصل كردي ؛ وأنه مؤسس الدولة الأيوبية في مصر .... وكذلك الحال مع غيره ممن كانوا قبله أو جاءوا بعده سواء أكانت شجرة الدر أو سليم الأول وعبد الحميد الثاني .....
فلماذا نختلف هنا على أصول عائلة وقبيلة سودانية لا يزال أصلها ثابت وفرعها في السماء ... ماثلة امامنا بأفرادها واحفادها ؟؟؟؟
ثم لماذا يعمد البعض إلى هؤلاء الأحفاد، فيحاول إجبارهم او إقناعهم بانهم في الأصـل شلـك ؟!...... أو أنهم لا يمتون إلى بني امية العرب باية صلات على اقـل تقديـر ؟؟؟
فهل من مستفيد وراء كل هذا البهتان والمسعى الحرام بإمتحان الرجـل فـي أصلـه ونسبـه؟؟؟
على اية حال إذا كان الحامي والزنجي والنيلي في السودان ، ينعى على البعض من ذوي الأصول العربية، الإستئثار بخيرات البلاد .. والتعالي العرقي ورفض الاندماج مع الآخر رصيفا او صهرا وحسيبا ونسيبا .... وإحتكار هرم السلطة السياسية والثقافة وكعكة الثروة وملذات الدنيا ، وإدعاء ثواب الآخرة .... فإن علاج ذلك ((إن كان صحيحا)) لا يكون بمحاولة ســرد وفــرض الأكــاذيب عـنـد تنـاول التاريخ......
هـل مـن مستفيـد ؟؟؟؟ هل من متآمر يهدف إلى ((سلخ)) تاريخ السودان من محتواه الإسلامي والعربي ؟؟
أم هل نحن بالفعل لا علم لنا بما يجري بين أيدينا إلى هذا الحد المزري ؟؟؟
أم هل هي مجرد مماحكات داخلية قبلية وركوب أمواج ومحاولة بائسة لوراثة تاريخ لا يمت له مدعيه بصلة؟؟؟ ..
أم هو في أفضل الأحوال إنسياق مؤرخ ومثقف محلي برئ من ناهلي مناهج التعليم والتربية التلقينية ، تعوزه المراجع والمصادر المحلية ، ليجد نفسه مسحوبا على بطنه ؛ برضاه أو بدونه وراء تخمينات وافتراضات نسجت على نحو خبيث وبدهاء من قبل بعض المؤرخين والرحالة المأجورين في الغرب لأغراض خدمة المصالح التبشيرية المسيحية والصليبية المتشددة ،،،أيام تفوّق ذبابة التسي تسي النسبي على خليفة الله في أرضه وتحويلهم إلى شعب ((نيام نيام)) وسط أدغال ومستنقعات وسهول القارة السوداء ؟؟؟
إن نظرية المؤامرة واضحة جلية هنا ؛ تطل براسها على نحو مريب تكاد تقول فيه خذوني .... إنها محاولة يائسة من المبشر الصليبي لسلب المسلمين عموما ، وذوي الأصول العربية خصوصا نياشين وقلادات وأوسمة تضحياتهم الجسام إلى جانب غيرهم من ابناء السودان في بناء وتجميع وتكريس وحدة هذا الوطن بحدوده الحالية المعروفة . وعلى نحو يحرمهم من اية حقوق معنوية ومادية فيه ليخلوا الجو لهؤلاء التبشيريين من بعد ذلك ، فيبيضوا ويصفروا الثالوث والبهتان الكهنوتي العريض في اللاهوت الكنسي المحرّف لأجل مكاسب دنيوية.
وحيث نرصد من أمثال هؤلاء الرحالة ممن جاءوا ((يسترقون السمع)) ، الاسكتلندي ((جيمس بروس)) الذي زار مملكة سنار عام 1772م وكتب عن نشأتها ما يمكن تصنيفه على اعتبار أنه ((مجرد خرافات)).
وعلى نسقه ذهب الرحالة بوركهارت عام 1814م.
وهناك أيضا البروفيسور (بي.ام. هولت) وإسمه كاملا ((بيتر مالكولم هولت)) – إنجليزي – من مواليد لانكشير عام 1918م عمل في السودان مابين عامي 1941م – 1953م وله مؤلفان أحدهما بإسم ((تاريخ السودان الحديث ما بين سلطنة الفونج إلى اليوم)) والآخر بعنوان ((الدولة المهدية في السودان 1881م – 1898م)).
لكن أخطر هؤلاء المجاهرين بالعداء لذوي الأصول العربية المسلمين السودانيين هو المؤرخ الأمريكي الصليبي المعاصر البروفيسور ((روبرت كولينز)) - حصل على الدكتوراة عام 1959م وأصدر عن السودان ثمانية مؤلفات تاريخية خلال الفترة ما بين عامي 1962م و 2006م ...... لكن ربما يزول العجب عندما يعرف السبب ؛ وهو أنه يقيم في مدينة سانتا باربارا بولاية كاليفورنيا ، وعمل أستاذا للتاريخ في جامعتها . وحيث توجد بهذه البلدة الصغيرة إرسالية ((سانتا باربارا التي تعرف بـ ((ملكة الإرساليات التبشيرية)) The Queen Of The Missions ..... وهو (بالاشتراك مع J. Hillard Burr) صاحب كتاب ((دارفور : الطريق الطويل نحو الكارثة)) (Darfur: The Long Road To Disaster)
الـذي جــرى نشــره عام 2006م ليصبح فيما بعد تلمـود ((نيغرو بونتي)) ، وإنجيــل ((كونداليزا رايس)).
روبرت كولينز إرسالية سانتا باربارا التبشيرية
؛؛؛؛؛؛؛؛
تناقضات جيمس بروس
بداية وعلى نحو أسوأ من ((يروس)) نجد عالم الاثار الإنجليزي كراوفورد ، الذي ذهب إلى الإدعاء بأن انتساب ملوك سنار إلى بني أمية كان مجرد كذبة كبرى افتراها الإمام السمرقندي.
أما الرحالة الأسكتلندي الطبيب((جيمس بروس)) الذي زار سنار عام 1772م ؛ فقد رأي أنه في عام 1504م وصلت أمة سوداء غير معروفة من قبل وكانت تسكن على الضفة الغربية لنهر النيل الأبيض على خط عرض 13 بأعداد كبيرة من الزوارق الخفيفة على مناطق العرب ، وهزموا ودعجيب في معركة دارت رحاها قرب أربجي. وأجبروه على الاستسلام بعد ان فرضوا عليه ضريبة سنوية تبلغ نصف محصول أرضه من الذرة.
ومن واقع زيارته للعاصمة سنار ومشاهداته ... ابدى جيمس بروس إعجابه الشديد بفرسان وفروسية جنود ومقاتلي مملكة سنار...... وهنا تكمن أولى تناقضات جيمس بروس وأكثرها فضحا لأكاذيبه وبهتانه إذ كيف يعترف لجنود مملكة سنار بالفروسية والفروسية ليست سوى ثقافة عربية لا تمت بصلة إلى غيره من سكان أفريقيا حتى تاريخه.
والأغرب أنه وفقا لذلك فقد صدق البعض من أبناء الشلك خزعبلات بروس هـذه وأفضى قناعاته على النحو الآتي :
1) ان الشلك هم الذين أسسوا مملكة سنار.
2) أن الشلك هزموا ودعجيب في أربجي عام 1504م. ....
3) أن الشلك وصلوا مقرن النيلين وأطلقوا على ذلك المكان ((كاد أدوم)) ثم جاء العرب وحرفوها إلى ((الخرطوم)) ومن هؤلاء نجد السياسي الجنوبي المعروف ((بونا ملوال)).
ما يتعلق بمزاعم كروفورد
أبسط ما يقال عن عالم الآثار البريطاني Osbert Guy Stanhope Crawford أنه زار السودان ضمن فريق تنقيب بعد عام 1913م. وعلى نحو خاص زار ((جبل مويه)) ، ويعتبر رائدا في مجال المسح الجوي للأماكن الأثرية ...... ولم تطل إقامته بالسودان كثيرا إذ سرعان ما غادره للإشتراك في الحرب العالمية الأولى ..... وبالتالي فلا نجد له خلفية او أرضية خصبة تجعله يعارض الإمام السمرقندي الذي كان ((ملازما)) للملك عمارة دنقس وعاصر ((فـتـرة التكـوين)) لمملكة الفونج في سنار ، وقام بتوثيق نسب ملوك سنار ضمن كتابه ((أنسـاب قبائل العرب في مملكة سنار)) الذي ارسله الملك عمارة دنقس إلى السلطان سليم الأول أبان تواجده في مصوع (المشارإليه في الجزء الأول من هـذا المقال) .... وليس من راى كمن سمع ....
ثم أن ملوك سنار ليسوا فراعنة. ولم يكن عمارة دنقس وملوك سنار محنطين داخل اقبية وفي جوف إهرامات أو أشباه توت عنخ آمون حتى يحفر وبنبش هذا الخواجة الأثري في قبورهم ليثبت لنا وفقا لذلك ما إذا كانوا من العرب أو من غيرهم..... إضافة إلى كونه لم يتسع له المقام طويلا في السودان كما اسلفت ، ولم تتاح له فرصة الاتصال المعمق مع القبائل السودانية عموما .... وهذا بفرض ((سلامة النوايا)).
،،،،،،،،،،
ثم أنظر الربط الذي يبديه الغرب ((بين العربي من جهة والمسلم من جهة أخرى))، وتصنيفه لهما دائما وجهين لعملة واحدة بغض النظر عن جنسية المسلم. مما يدل على أن هذا الربط ليس وليد العصر ، وليس من ابتكار المحافظين الجدد أو من بنات طالبان والقاعدة وأحداث 11 سبتمبر.
،،،،،
وعليه فإن المرجح أن كل ما ذهب إليه كراوفورد من مزاعم ((إن لم يكن وفق إملاءات كنسية مباشرة )) ، إنما هي من وحي أفكاره وخيالاته الموتورة جراء تسبب هؤلاء السودانيون العرب في زوال مملكة مسيحية ؛ وإن كانت على مذهب اليعاقبة ((المصري)) الذي يواجه الاضطهاد حتى تاريخه ... ثم من ناحية أخرى إرضاءا لغرور العنجهية الاستعمارية البريطانية ، وكنيستها الأنجليكانية والثار لمصرع المرتزق غردون باشا (في خدمة الخديوي توفيق باشا) ، على يـد بعض ((السودانيين العاربة)) فوق عتبات الدرج الرئيسي لسراي الحاكم العام في الخرطوم ... هذا الغردون الذي نراه نحن مجرد مرتزق .... وينظر إليه بني جلدته في إنجلترا أبان العهد الفيكتوري وحتى زماننا المعاصر على انه ((قـدّيـس فـي بــزة جنرال)).
تفـنـيد تخمينات جيمس بروس
تمهيـد:
من المتفق عليه أن الرحالة جيمس بروس قد زار سنار عام 1772م ..... وبالتالي فإنه يعوزه من حيث المبدا عدم معاصرته لفترة إنشاء مملكة الفونج سواء مرحلة الإعداد ، أو بعد زوال مملكة علوة عام 1505م وإنشاء العاصمة سنار التي اختطها بنفسه الملك عمارة دنقس رحمه الله.
وطالما تواتر ان جيمس بروس زار سنار عام 1772م فلا شك ان زيارته تلك واكبت عهد الملك ((إسماعيل ود الملك بادي الرابع)) الذي حكم ما بين عامي 1769م – 1778م. وقد حدث في بداية عهده فيضان عظيم للنيل الأزرق على مدى موسمين متتاليين ودمر العديد من معالم المنطقة ومنشآتها ... وكان الشيخ محمد أبو الكيلك (شيخ الهمج) وزير الملك قد كبر سنه وأقعده المرض وتوفى في هذا العهد. فوجدها الفونج فرصة للتخلص من سيطرة الهمج على مقاليد الوزارة ومن ثم بدات الخلافات والنزاعات طريقها في المملكة بين الفونج والهمج.
مزاعم تأسيس الشلك لمملكة سنار.
يقول جيمس بروس أن الشلك جاءوا عام 1504م إلى منطقة سنار واربجي في النيل الأزرق مستخدمين القوارب عبر النيل الأبيض وأشعلوا حربا هزموا فيها العبدلاب وقتلوا الملك ود عجيب . ثم أسسوا مملكة الفونج وعاصمتها سنار.... وأن الفونج اعتنقوا الاسلام في عهد الملك بادي الثاني أبو دقن 1644 – 1680م.
والمضحك أن بروس يبدو هنا وكأنه يحاول أن يطفئ الحقائق بملء فمه ليس إلا ... فهو :-
أ) حريص على عدم الإشارة إلى أن تأسيس مملكة الفونج قد جاء نتاج إتحاد فرعين مسلمين من ذوي الأصول العربية .. وهي العقدة التي تؤرق مضجع الغرب منذ بداية الفتوحات الإسلامية وحتى سقوط القسطنطينية وحصار فينــا.
ب) ..... وهو نراه هنا قد أقحم حادثة مقتل الشيخ ودعجيب ملك العبدلاب على يد ملك الفونج ((عدلان ود عبد القادر)) 1605م – 1612م بعد خروج الشيخ ود عجيب عن طاعته فزعم أن الذي قتله إنما هم الشلك عام 1504 رغم أن الشيخ ود عجيب المقصود هنا لم يكن على مقاليد السلطة بعد.
و((الأعاجيب)) وأولاد الأعاجيب من شيوخ العبدلاب هم من نسل عبد الله جماع وهم على النحو الآتي توضيحه:
|
ترتيبه في
المشيخة |
الإسم بالكامل |
المصـيـر |
|
2 |
الشيخ عجيب ود عبد الله جماع(المانجلوك) |
قتله الملك عدلان تاسع ملوك الفونج 1605 – 1612م |
|
8 |
أرادب ود عجيب |
قتله الملك بادي الأحمر 1689 – 1715م |
|
10 |
عجيب ود عبد الله |
|
|
11 |
عبد الله ود عجيب |
قتل في حرب المسبعات على عهد الملك بادي أبو شلوخ 1724-1762م |
|
15 |
عبد الله ود عجيب |
قتل على يد وزير الفونج الشيخ إدريس على عهد الملك رانفي عام 1801م |
|
18 |
ناصر ودعجيب |
عزله إسماعيل باشا بعد احتلال السودان |
كذلك لا تبدو مزاعم بروس هذه جملة وتفصيلا منطقية لأسباب عديدة منها:-
أ) أن مملكة الفونج تأسست كذولة إسلامية عربية منذ البداية عام 1505م ولا علاقة للشلك بالإسلام ولا بالعروبة أو الثقافة العربية سواء من قريب أو من بعيد منذ تأسيس مملكتهم عام 1545م في الجنوب وحتى تاريخه.
ب) ثم أنه لا يوجد لدى الشلك حاجة ماسة أو دافع إستراتيجي أو تكتيكي للتوسع شمالا في ارض لا تعتبر من ضمن مجالهم الحيوي.
ت) بالإضافة إلى انه لا يوجد عداء أو تضارب مصالح بينهم وبين العرب في أربجي على بعد آلاف الأميال من المجال الحيوي لقبيلة الشلك في الجنوب ....
ث) ثم لماذا يخسر ملك الشلك خيرة شباب ورجال ومحاربي القبيلة ويرمي بهم بعيدا في خلاء الشمال وسط الخيل والليل والبيداء والسيف والرمح والقرطاس والقلم .... ويمنحهم ((هدية)) وإضافة مجانية للشمال . أوعلى نحو يجعلهم لقمة سائغة عرضة لهجمات العرب من الشمال والشرق والغرب ، والدينكا من الجنوب وربما الفور لاحقا من أقصى الغرب !؟؟... إن النصر في الحرب سهل ... ولكن احتلال أرض الغيـر والبقـاء فيهـا هـي المشكلة الكأداء.
ج) ثم أنه وفوق كل هذا وذاك فإن مملكة الشلك نشأت بعد تأسيس مملكة الفونج بـ 40 سنة إثر نزوجهم إلى الجنوب من كينيا..
فاية مبررات هذه التي تجعل قبيلة تقسم نفسها إلى نصفين ؟؟؟؟؟
إن مجرد النظر إلى موقع قبيلة الشلك في الخريطة المرفقة (حيث يتركز معظمهم في ولاية جونقلي حاليا) المرفقة. توضح أن على الشلك قبل أو بعد عام 1545م إذا أرادوا الوصول إلى الشمال على متن قوارب ، فينبغي عليهم ((شق)) طريقهم وسط أرض قبيلة الدينكا (في ولاية اعالي النيل حاليا) من نقطة إلتقاء نهر السوباط ببحر الغزال جنوبا ، وحتى حمى أرض الدينكا شمالا .... حيث يلاحظ هنا أن النيل الأبيض الذي يسمى بهذا الإسم بعد مقرن السوباط يمر داخل أرض الجنوب وسط أرض الدينكا.
ولا أعتقد أن الدينكا كانوا سيسمحون بعبور آلاف القوارب تحمل جيوشا مسلحة بأرضهم ، لأنه يهدد امن القبيلة بأسرها .. ثم أن النوير جنوب أرض الشلك لابد أنهم سينتهزون فرصة خلو أرض الشلك من الرجال والمحاربين فينقضوا على ما تبقى من ثروات ((بعد أن يكون الشلك قد باعوا ثلثيها من أجل صنع القوارب وإعداد الجيوش)) .. هذا بالطبع إذا فرض وسمح الدينكا لجيش الشلك بالمرور وسط أراضيهم ((بحسن نية)). ودون خوف من إستغلال الشلك لذلك في شن حرب إخضاع للدينكا لا هوادة فيها ، بعد أن يكونوا قد تغلغلوا في عمق أرض الدينكا.. ولم لا ؟؟؟
فإذا كان الشلك يطمعون في أرض الجزيرة المروية. وهي تبعد عنهم آلاف الأميال وليست من ضمن مجالهم الحيوي. فما هو المانع في أن يطمعوا بأرض وثروات جيرانهم من الدينكا ((والقريب أولى بالمعروف)) ....
ثم أنه لو فرضنا أن الدينكا على هذا النحو من ((حسن النية)) . فكيف يسمحون للشلك بالسيطرة على الأراضي شمال مناطق الدينكا ليضعوا الدينكا بذلك ((سندويتش)) بين الشلك في الجنوب والشلك في الشمال ؟؟؟؟
ثم أنه إذا كان الشلك والدينكا والنوير ، لم يستطيعوا الإتفاق خلال حربهم ضد الشمال في عهد جون قرنق ، قبل نهاية الديمقراطية الثانية في الخرطوم مابين عامي 1985 - 1989م ، وانقسموا إلى جناحي توريت والناصر ..... فهل يمكن تصور أنهم كانوا سيتفقون قبل أو بعد عام 1545م ، دون وجـود عـدو ((إفتراضي)) مشتـرك ؟؟؟؟
ثم أن قبائل الجنوب كانت ولا تزال حتى زماننا الحاضر ليست في حاجة إلى التوسع جغرافيا في أراضي الشمال البعيدة عن ((مجالهم الحيوي)). وحيث يشكلون فيه أقلية تجد نفسها وسط أرض خلاء لا مكان للإختباء فيه ... وربما لايمثل الشمال بالنسبة لهؤلاء سوى ((ملجـأ آمـن)) مستقر يهـربون إليه فقط ، خوفا من ويلات الحروب القبلية فيما بينهم ، أو بسبب الحـرب ضد جيش الحكومة ، التي تنشب بسبب التمرد على المركز في الخرطوم......
إن البعض ربما يستغرب إذا علم أنه حتى المجاعات التي ضربت الجنوب في فترات الثمانينيات ، لم تشجعهم على النزوح إلى الشمال بقدر ما فرضتها عليهم الحرب الأهلية ، مقارنة ببعض قبائل العرب في كردفان ودارفور الذين هرعوا إلى ((البحر)) حال تعرضهم للجفاف والمجاعة في تلك الفترة. وهم على ثقة بأن ((مجالهم الحيوي)) المتمثل في رصيفهم العربي من أولاد البلـد في البحـر أحرص عليهم من غيرهم في تشاد وبحر العرب.... وهنا يكمن السر في تعبير ((المجال الحيوي)).
ومن ناحية أخرى فإن الشلك لو كانوا قد فعلوا ذلك ، فإنهم لاشك كانوا سيرهقون أنفسهم ويستنفذون قدراتهم فيما لا طائل من ورائه . فتصبح القبيلة في أرضها الأصلية إما لقمة سائغة في فم الدينكا والنوير وغيرها من قبائل أخرى ، أو يستفرد ويتكالب العرب على ((النصف المتبقي الآخر)) العاري في خلاء سنار والشمال ، دون معين من قبيلتهم الأصلية البعيدة في جونقلي والتي يفصلها عنهم آلاف الأميال ، بالإضافة إلى أرض قبيلة اخرى أكبر وأقوى وأكثر التصاقا بالعرب وفيها مسلمون. وبالتالي لا يؤمن جانبها نظرا لتضارب مصالحها على الأرض في الظروف العادية مع مصالح الشلـك ...
ثم أن أهل الجنوب عامة والشلك خاصة لا يجيدون الحرب في الخلاء المكشوف بطبيعة الحال. ووفق خبراتهم المكتسبة من خلال النشأة والحياة داخل الغابة..... وحيث يتمتع العرب في الخلاء بميزة استخدام سلاح الفرسان في وجه الشلـك المشـاة.
لماذا يجهد الشلك انفسهم إبتداء فيهدرون ثروتهم الحيوانية لتغطية تكاليف صنع آلاف القوارب لتحمل جيشا بكامل اسلحته ومعداته ، يتحركون به من أرضهم مخترقين أرض الدينكا متوجهين مع تيار النيل الأبيض. ثم ينزلون على الضفة اليمنى منه جنوب أرض الجزيرة المروية الحالية ليواصلوا السير على الأقدام حتى أربجي على النيل الأزرق لحرب العرب العبدلاب؟؟
هل تستحق ((حفـنة من الفتريتة)) تكبد كل هذا العناء ، ودفع هذه التكاليف وإهدار دماء وقدرات ومواهب وأيدي عاملة وارواح شباب الشلك الذين هم في امس الحاجة إليها في ديارهم الأصلية للإنتاج ، وللدفاع عن مجالهم الحيوي الذي دائما ما تحوم حوله شبهات الأطماع ونذر الخلاف والحرب مع القبائل المتاخمة بسبب تضارب المصالح؟؟؟
هل ملوك الشلك وحكمائها على هذا النحو من التفكير والتخطيط حين يرسلون جيشا لا يمت بصلة للعرب . ولا يعتنق أفراده الإسلام إلى أرض في الشمال بعيدا عن مجالهم الحيوي لمجرد تاسيس دولة إسلامية عريبة تشكل إضافة عسكرية وثقافية وحضارية للعرب والمسلمين وتحارب بدلا عنهم العنج في مملكة علـوة ؟؟ فتزيلها وترفع على أنقاضها بيارق لا إله إلا الله محمدا رسول الله؟؟؟
إذا كان لدى الشلك هذه النزعة ((الخيرية)) والرغبة في التبرع و((إهداء)) أرواح فلذات اكبادهم رخيصة في سبيل راحة الآخرين و ((نشر العقيدة الإسلامية والثقافة العربية )) في أدنى النيل ؛ فلماذا لا يختصرون المسافة ويوفرون على أنفسهم التعب ، فيعتنقون الدين الإسلامي ويتبنون الثقافة العربية في أرض مملكتهم الأصلية إبتداء ؟؟؟ .... وهل يعقل ان يأمر الشلك الناس بالبر ويبيعون ابقارهم ويصرفون أموالهم ويموتون في سبيل نشر الدعوة الإسلامية والثقافة العربية ثم ينسـون أنفسهـم؟؟؟
أي منطـق وأي عـقـل بشـري سليـم فـي الراس يتقـبل ويصدق مثل هـكـذا تخـاريف وخـزعـبلات ؟؟؟؟
ويذهب جيمس بروس وغيره إلى الزعم بأن الشلك ، استغلوا حدوث مجاعة في الشمال عام 1504م. فهجموا على سكانه وهزموهم وفرضوا عليهم جزية سنوية من نصف انتاج الذرة. على أن يبدأ دفع الجزية فورا ...... مما يدل على تناقض سافر بين الحالين إذ كيف يجري فرض ((جزية)) من طعام على قبيلة تعاني من المجاعة ولا تجد طعاما لنفسها؟؟؟؟
ثم ينتهي ((كلام)) جيمس بروس بأن السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج إنما هي مملكة شلكاوية في الأصـل. وقد تلقف ذلك بعض مثقفي الشلك ممن تصالح مع الثقافة العربية ، فنشروا بضع مقالات باللغة العربية تكرس هذا الزعم من خلال مجلة ((أركماني)) ... وذهـب كذلك السيد ((بونا ملوال)) إلى الزعم بأن الخرطوم هي مدينة من أملاك الشلك. ويعزو ذلك إلى أن قوارب الشلك قد وصلت إلى مقرن النيلين قبل العرب والأتراك. وعندما راى الشلك مقرن النيلين قالوا ((كاد أدوم)) . ومن ثم جرى لاحقا تحريف الإسم إلى ((خرطوم)) على لسان العرب... ولكن بونا ملوال لم يفوته رغم ذلك الإعتراف بأن هؤلاء الشلك لم يقيموا في الخرطوم ولم يتخذوا أرضها موطنا لهم .... الأمر الذي يجعل من وصولهم إلى مقرن النيلين إن صحت الرواية مجرد ((سياحة)) و ((حب استطلاع)) لا غير.
لكن يتبقى منطق إطلاق إسم ما على أرض ما باللغة المحلية ثم الزعم بأن ذلك يعتبر ((صكا شرعيا)) و ((شهادة بحث)) بالملكية .. يتبقى هذا منطق معوج يذكرنا بمقولة الرئيس الليبي القذافي ، الذي علق على محاولات الإنجليز إدعاء الأصول الإنجليزية لبعض علماء المسلمين والعرب البارزين قائلا:- أنه إذا كانت الأمور توزن على هذا النحو ، فإن العرب بإمكانهم الإدعاء بأن الكاتب المعروف ((شكسبير)) كان عربيا. وأن إسمه الحقيقي ((شيخ زبير)) ولكن جرى تحريف الإسم لاحقا لينطق بلسان الإنجليز ((شكسبير)).
،،،،،،،،،،،
وربما لو كان الأمر على هذا النحو الذي ذهب إليه بونا ملوال ، فمن حق الشمال أن يدعي حقوق ملكية العديد من المدن والبلدات الجنوبية التي لها مسميات باللغة العربية.
،،،،،،،،،،،،
والغريب أن نهر النيل الأبيض بمختلف مسمياته من منبعه إلى موقع إقترانه بالنيل الأزرق ، لا يخلو من عـدة اقترانات أخرى أهمها إقترانه بنهر السوباط. ويقع هـذا الاقتران داخل ارض قبيلة الدينكا على مرمى حجر من أرض الشلك .. فلماذا لم يطلق الشلك عند مرورهم بهذا المكان ((كاد ادوم))؟؟؟..... هل المسألة هي مجرد تطلع إلى الأبعد أم أنها حلاوة وجاذبية الاحلام السعيدة ... أم إنها على رأي الماثور المصري: ((حـاوريني ياكيـكـه)) ؟؟؟..
ثم ان ((السودانيين العرب)) لم يطلقوا هذا الإسم على الخرطوم. وإنما أطلقته عليها السلطات التركية على يد الحاكم العام ((عثمان بيك)) في السودان عام 1826م. وهؤلاء لم يأتوا إلى الخرطوم من مدني نزهة في جوف قوارب . ولكنهم انتقلوا إليها لجعلها عاصمة إدارية للسودان بدلا من مدينة ودمدني التي لم يطب لهم فيها المقام بسبب المناخ وارتفاع معدل الأمطار ، وعلى نحو اصابت فيه جنودهم الحمى وتفشت وسطهم الملاريا والأوبئة .. وكان إسماعيل بن محمد علي باشا قد اختار ودمدني عاصمة له لقربها من سنار العاصمة ، التي كان يرى فيها المهدد الأول لاستقرار الحكم التركي في السودان .... ثم ان أرض الخرطوم هذه لم تكن خالية كما قد يتخيل البعض ، وإنما كان المكان الذي يوجد فيه القصر الجمهوري الحالي والكنيسة وسينمتا النيل الأزرق وكولوزيوم عبارة عن مزارع وجروف. ولا تزال هذه الجروف ماثلة للعيان حتى اليوم ، ويمتلكها سكان المنطقة من الأعراب منذ أكثر من ألف عام رغم أنها تقلصت ، بسبب التدافع والامتداد العمراني والأطماع الشخصية والمصادرات الحكومية. وكان إلى جنوب موقع الخرطوم الحالي عدة قرى متناثرة يسكنها شماليون .. منها على سبيل المثال ((الكلاكلة)) و ((بـري)) و((الجـريفات شـرقها وغـربها)) وغيرها. أما المكان الذي يوجد فيه الآن فندق هيلتون وسينما قاعة الصداقة والسينما الوطنية ، فكانت أرضه جزء من غابة الخرطوم المعروفة حتى وقت قريب..... وفي وسط المقرن داخل النيل شمال الخرطوم توجد جزيرة توتي التي سكنها المحس منذ تاريخ موغل في القدم. وكذلك الحلفاية في بحري وأبو سعد التي نزل بها المهدي رضي الله عنه ، قادما لتحرير الخرطوم وتحقيق السودان الأول للسودان في يناير من عام 1885م .....
وعليه فإن الحقيقة الوحيدة التي لا ينكرها أحد هي ؛ أن الخرطوم جرى تأسيسها عام 1826م على يد الاستعمار التركي. وأنهم هم الذين أطلقوا عليها هذا الإسم ، سواء لأنها تشبه خرطوم الفيل أو لأن النيل الأزرق يصب ماؤه على النيل الأبيض الكسول كخرطوم الماء فيعيد إليه النشاط ويدفعه معه إلى مواصلة الجريان نحو الشمال ..... وأن جل ما فعله ذوي الأصول العربية من اهل السودان هـو ((مجـرد)) تحريرها من ربقة هذا الاستعمار ... باذلين في سبيل ذلك المهج والأرواح رخيصة ، وهم يندفعون نحو قلبها بخيولهم وعلى أقدامهم بعـد تحطيمهم أسوارها وتحصيناتها القوية وكأنها بسكويت من نوعية ((الوفرز الهـش)) crispy wafers رغم أنها صممت وبنيت على يد مهندسي الامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس . وجعلت تحت إشراف وقيادة كبار الضباط من رتبة فريق فما دون في الجبش التركي . ورتبة لواء فما دون في الجيش البريطاني من خريجي الكليات الحربية في الاستانة ولندن ..... هذا بعض ما فعله ذوي الأصول العربية من اجل التراب السوداني ولا فخـر.
ولو كان للشلك باعا أو ذراعا في أرض الخرطوم لما تأخر غردون باشا وهو المشهود له بالأصولية الأنجليكانية ... لما تأخر في تسليمهم ((شهادة بحث)) وصكا بإمضائه وختم الملكة فكتوريا يثبت حقهم في الأرض . ولما توانى كتشنر وونجت باشا وهما في أوج زهوهم وسكرة طغيانهم من فعل ذلك.
لماذا الشلك وليس الدينكا؟؟؟
ربما كان الإدعاء مبلوعا بعض الشيء ، وقابلا للتمرير لو أن مؤرخي الغرب إدعوا أن الدينكا هم الذي أسسوا مملكة سنار بالنظر إلى إمكانية التمـدد الجغرافي الطبيعي لهذه القبيلة نحو الشمال ، وكثرة أعدادها وثروتها وأسبقية وجودها في المنطقة مقارنة بالشلك الأقل عددا .. ولكن صحابة مسيلمة الكذاب من مؤرخي الغرب ((إختاروا)) قبيلة الشلك دون الدينكا لسبب بسيط وهو وجود روابط عرقية بين الدينكا والعرب نتيجة التزاوج وكذلك وجود مسلمين في قبيلة الدينكا لا يستطيع أحـد تجاوزهم.
ثقافة الفروسية
والذي لم يكن يعرفه جيمس بروس أن الفروسية المرتبطة بركوب الخيل وفنون القتال على صهواتها ليست ثقافة زنجية أو نيلية ... وأن الشلك الذين إدعى أنهم من ملك واسس دولة سنار ليسوا براكبي خيل.
.... فالفروسية مزاج وفلسفة وثقافة قتال عربية 100% ولا تزال هذه الثقافة مقصورة على ذوي الأصول العربية في السودان.
عروبة مملكة سنار
قلنا من قبل أن فاقد الشيء لا يعطيه .. وأن كل إناء بمافيه ينضح .. والشاهد والمرصود تاريخيا أن مملكة الفونج كانت ذات توجهات عروبية قبل أن تكون توجهات ثقافية عربية .. والفرق كبير بين العروبة والثقافة العربية .... فالعروبة هي إنتماء للعرق العربي .. ولكن تبني الثقافة العربية لا يقتضي أن يكون الفرد عربيا..... ولا أعتقد أن علماء في مجال الثقافة العربية ازدحمت بهم مدارس سنار وضواحيها ، كانوا ليجدوا هذه الحفاوة والاستقبال والرعاية من ملوك غيـر عـرب أو مسلمين على اقـل تقديـر.
ثم أن مملكة الفونج لم تكن سلطة عسكرية محضة ، بقدر ما كان لها من علاقات ثقافية وعقائدية مع مكة المكرمة والمدينة المنورة والأزهر الشريف والبصرة والكوفة وبغدا د ومراكش في المغرب والزيتونة في تونس …. فأية ملوك من الشلك يفعلون ذلك ولماذا ؟؟؟
انتشرت على عهد مملكة سنار الطرق الصوفية. وتوافدت المذاهب الأربعة من كل حدب وصوب نحو العاصمة سنار ، تجد الاستقبال الحافل والعناية والرعاية ، والطريق المفروش بالورود والأزهار والرياحين . وشيدت القباب على قبور أولياء الله الصالحين . ونشأت مراكز تحفيظ وشرح وتدريس القرآن الكريم وأصول الفقه واللغة العربية ، في منارات دولة الفونج الثقافية سواء في العاصمة سنار أو مدينة الهلالية ورفاعة و العيلفون وقرّي. وأطلق العنان للمجاذيب في الدامر وأولاد سوار الدهب في دنقلا وغيرها الكثير على امتداد شريان النيل فأية ملوك من الشلك يشجعون ذلــك وينفقون عليه ولمــاذا؟؟؟
تواجد الشلك في الجنوب لم يتجاوز 475 عام
لم يعرف عن ملوك الشلك (الرث) أن أحدا منهم اعتنق الإسلام سوى الملك ((كور نيضوك)) الملك رقم (27) في سلسلة ملوك الشلك الذي تقلد الملك مابين عامي (1892م – 1903م) فكان اعتناقه الإسلام سببا في إقالته .... وعدا ذلك فإنهم ابتداء من تاسيس المملكة في عام 1545م ، لم يكونوا يعرفون ديانة سماوية ، وإنما كان الإله بالنسبة لهم يتنزل في ((الرث)) الملك وقد عاصر نشأة مملكة الفونج منهم الملوك المدرجين ادناه :
1- الملك نيكانقوا آكوارا 1545- 1575م
2- الملك كاك نيكانقو 1575- 1590م
3- الملك داك نيكانقو 1590 – 1605م
4- الملك نيدآور نيكانقو 1605 – 1615م
5- الملك اوشلو دك
6- الملك ديواد أوشلو
وتمتد السلسلة حتى ((الملك أني يور)) الذي عاصر الغزو الخديوي المصري للسودان وحكم ما بين عامي 1820م – 1825م
،،،،،،،،،،، إلى أن نأتي إلى بعض من تركوا بصمات عميقة في تاريخ السوادن عامة والشلك خاصة . وعلى راسهم ((الملك توقو دوكوض)) مؤسس مدينة فشودة الذي أصبحت عاصمة لمملكة الشلك.
و((الملك بور أكوج)) الذي حكم مابين عامي 1882م – 1892م ..... اي انه عاصر الثورة المهدية. ولكنه ثار على الخليفة عبد الله التعايشي فارسل إليه الزاكي طمل فاوقع به وقتله.
............. وعلى اية حال فإن من الواضح أنه لا توجد علاقة في الأسماء والدين واللغة والثقافة والمكان أو الزمان ، بين ملوك الشلك وملوك الفونج.
أول احتكاك بين الفونج والشلك
تؤكد المصادر المحلية في التاريخ السوداني ان اول من احتك بالشلك من الفونج كان الملك بادي الثاني أبو دقن ، الذي حكم مابين عامي 1644 – 1680م حيث شن الفونج في عهده هجمات شعواء ضد الشلك ، بسبب خلافات تتعلق بإعاقة الشلك لخطوط ومسارات التجارة بين الشمال والجنوب.
وعليه فإنني أرى ان ما ذهب إليه بعض المؤرخين والرحالة وعلماء الآثار الغربيين ؛ وعلى نحو خاص ذوي الأصول البريطانية أومن مواطني الولايات المتحدة ، إنما هو محض هـراء وزعم لا يستقيم مع حقائق الواقع .. وللأسف فقد وجد هذا الهراء والعبث التاريخي آذانا صاغية لدى البعض القلة من اكاديمي الشمال ، ربما لأسباب تتعلق بمحدودية المراجع وكذلك الثقافة الإنجليزية التي نهلوا في مواعينها تعليمهم المدرسي والجامعي فما فوق أو لدى بعض المثقفين والمتعلمين من أبناء الشلك وعلى راسهم بونا ملوال الذي يبدو أنه اعتقد ان الخرطوم كانت قبل اختيارها عاصمة لليلاد بقرار من الميرلاي في جيش الخديوية المصرية ((عثمان بك)) في بداية عهده بعد تعيينه واليا على السودان مابين عامي 1925 – 1926م .... كان بونا ملوال يعتقد أنها أرض خلاء وأن بعض الشلك الذي جاء إليها على متن قوراب ، ربما بقصد التجارة هم اول من اكتشفها وكأنها ((العالم الجديد)) ، وليست أرضا كانت ضمن أراضي معروفة مطروقة (في قلب الحدث) ، لحضارات نشات في المنطقة منذ 6000 ق.م ، على عهد دولتي نبتة ثم مروي ثم علوة المسيحية .... وذلك كله على ضوء ان قبيلة الشلك النازحة من كينيا لم تكمل مدة إقامتها في السودان حتى تاريخه ما يتجاوز الـ 475 سنة.
أين آثارهم في الأرض ؟؟
ثم انه لا يوجد معنى لحيازة دون تواجد بشري حقيقي على الأرض ... وأن الإنسان إذا حل بارض فإنه لابد ان يترك فيها آثارا ودمنا حتى لو كان تواجده بهذه الأرض مجرد مضارب على هيئة خيام من جلود الإبل والأغنام ...... فأين الآثار الدالة على تواجد غير النوبة والمسلمين وذوي الأصول العربية في سنار والخرطوم وحتى وادي حلفا ؟؟؟؟ ... لا أعتقد أن أحدا يستطيع الإدعاء بان الأهرامات وآثار جبل البركل كانت من بقايا حضارات الدينكا والشلك والنوير أو أن الخلاوى والتكايا والزوايا ومدارس ومعاهد تعليم القرآن والقباب التي تضم أولياء الله الصالحين هي من بقايا ومخلفات الشلك أو غيرهم من القبائل الحامية والنيلية والزنجية ... رغم انني اتحفظ شخصيا على هذه المسميات التي ابتدعها المؤرخ الغربي وأتبعه المسلم للأسف في هذا الدجل ...... وأجد نفسي على قناعة وإيمان بان كافة الأجناس البشرية في أفريقيا اليوم هي من أحفاد ((حام بن نوح)) عليه السلام. وذلك اتساقا مع النص القرآني الكريم الذي يؤكد أن الطوفان لم يترك بشرا على وجه الأرض سوى من ركب السفينة مع نوح عليه السلام . وأن ذرية نوح عليه السلام وحدها هي التي بقيت من هؤلاء بعد أن انقرض لاحقا نسل من تبعه من المؤمنين به من غير ذريته مصداقا لقول الله عز وجل في محكم كتابه الآية 77 من سورة الصافات ((وجعلنا ذريّته هم الباقين)) صدق الله العظيم
... وبالطبع لا نتوقع هكذا قناعة من غير المسلمين (أو من بعض المسلمين أنفسهم) لأسباب ترتبط في المقام الأول بعدم قناعاتهم العقائدية ، أو تأثرهم بأكاديمي الغرب وليس استنادا للحقيقة باية حال من الأحوال.
كان الشمال ولا يزال أصل ملوك النيل
لا نعرف بناء على العقيدة الاسلامية أصلا للبشر الحاليين غير أبناء نوح الثلاثة (( يافـث و سـام وحـام )).
عليه وحيث ان كوش بن حام (جد الحاميين) حين غادر ارض الشام متجها مع ابنائه واحفاده ونسائهم نحو افريقيا ، فإنما كان يؤسس لنشاة الجنس الحامي من الشعب الأفريقي لاحقا . ولا نشك ان أبناء واحفاد كوش من بعده ؛ بعد ان تكاثروا على مر آلاف السنوات صعدوا من الشمال نحو الجنوب بمحاذاة النيل ، ثم تفرعوا مع روافده وفرعيه الأزرق والأبيض. ومن هذا الأصل الحامي جاءت الأجناس الأفريقية الأخرى على مر العصور سواء الزنوج أو النيليون وغيرهم.
ولا نشك كذلك أن هناك العديد من الهجرات الأفريقية البنية قد حدثت لاحقا بين القبائل، جرى فيها تبادل المواقع حسب المصالح ، وتغيرات الطقس وسبل كسب العيش ، ومن واقع أن البقاء للأفضل. ونشبت جراء ذلك حروب شعواء تم خلالها إبادة العديد من القبائل أو تشتيت أفرادها فرادى وجماعات منزوية ترضى لنفسها بالقليل مقابل منح الكثير . ويقبل الآخرون ستضافتها لحاجتهم إلى خدمات أفرادها في الأعمال الهامشية يستهجن أداءها أهل القبيلة المضيفة ... ثم يمضي الحال على هذا المنوال. وربما تغيرت الظروف بهؤلاء فيطالبون بعد أن يتكاثروا بمرور عشرات أو مئات السنوات .. يطالبون بحقوق أكثر بوصفهم قد أصبحوا مواطنين . ولا ينتهي الحراك البشري عند حدود مطلبية معينة وإنما تتصاعد المطالب بحسب الظروف والأحوال ودوام الحال من المحال.
(نهاية الجزء الثاني)
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة