جانـجويد في الخـليج مــوديل 2008!
ذات يوم قررت الذهاب إلى أحد الأحياء النائية الكائنة في جنوب الدوحة لزيارة أحد الأصدقاء في سياق القيام بواجب اجتماعي ما يقول الجميع أنه على قدر كبير من الأهمية ومن ثم بدأت مهمة البحث عن سيارة تاكسي لتقلني إلى هناك رغم علمي المسبق بوجود أزمة مواصلات خانقة في ذلك الوقت!
قررت الإتكال على حظي العظيم ومن ثم رابطت على أحد الطرق العامة بقلب الدوحة لمـدة ساعة كاملة أملاً في العثور على سيارة تاكسي لكن دون جدوى ، نصبت عدداً من الكمائن الثابتة والمتحركة بالقرب من عدة مواقع استراتيجية لمدة نصف ساعة ، لكنني لم أفلح أبداً في إستيقاف أي عربة تاكسي!
ورغم استعمالي للغة الإشارة اليدويـة بشكل مفـرط ، إلا أن كافة سائقي سيارات التاكسي الخالية كانوا يتجاوزونني بسرعة بالغة دون أن يعيرونني التفاتة واحدة وكأنني قد تحولت إلى شبح لا يمكن رؤيته بالعين المجردة!
دارت في ذهني فكرة خبيثة فهمست لنفسي بحنق شديد: لو كانت الواقفة في مكاني إمرأة لوصلت إلى جنوب الدوحة قبل أزمان طويلة!
بدأت نظرية المؤامرة التي يؤمن بها جميع سكان الوطن العربي بلا استثناء تراودني بشكل ملح فقد خُيل لي أن هناك مؤامرة جماعية مدبرة من قبل جميع سائقي التاكسي في الدوحة تستهدف استبقائي لأطول فترة ممكنة في ذلك الوضع المهين وتعذيب شخصي الضعيف مع سبق الإصرار والترصد ، ومن ثم لجأت إلى حيلة العاجز حينما أخذت أركل كل ما تصادفه قدمي بقوة وأنا ألعن في سري كافة سائقي التاكسي في جميع أرجاء العالم دون فرز!
أخذ دماغي يفور مثل حلة القطر قام ، بدأ مخزون صبري ، القليل أصلاً ، في النفاد بسرعة كبيرة مع مرور الوقت ثم بدأت ألعن حظي العاثر بصوت مسموع بعد أن اقتنعت عملياً بأنه أسوأ حظ في الدنيا!
وحينما بلغ السيل الذبى وبلغت قمة اليأس والاحباط ، حلت اللحظة الحاسمة التي قررت فيها إلغاء الزيارة المرتقبة والرجوع إلى منزلي بفردة واحدة من خُفّي حُنين ثم مقاطعة ذلك الصديق مقاطعة نهائية إلى يوم الدين، عندها فُوجئت بعربة تاكسي قديمة تتوقف إلى جانبي دون سابق انذار، اندفعت إلى داخل السيارة الهرمة بسرعة البرق خشية أن يغير السائق رأيه لأي سبب من الأسباب ومن ثم بدأت رحلة الذهاب إلى الحي المنشود وأنا أشعر بارتياح شديد رغم انعدام التهوية والموسيقى داخل ذلك الصندوق العتيق المتحرك بقدرة قادر إلى جنوب الدوحة!
انهمكت في فرز وترتيب حبال أفكاري التي تشابكت بسبب الانتظار الطويل وتنقية ذهني من التخيلات والتصورات القبيحة التي ازدحم بها في اللحظات العصيبة السابقة!
بعد دقائق من الصمت العميق، سألني السائق الآسيوي الجنسية باللغة الآسيوعربية الفصحى : رفيك وين بلاد مال إنتا ؟
جاء ردي بنفس اللغة: صديك ، بلاد مال أنا سودان!
علّق السائق العجوز قائلاً: واللاهي سوداني كلو نفرات واجد زين ، سوداني مافي قرقر كتير، سوداني روح سيدا!
جاملت الرجل بنفس اسلوبه حينما سألته عن بلاده وأثنيت على أبناء جلدته الصفراء ثم عاد الصمت ليخيم بيننا من جديد بشكل أكثر عمقاً!
فجأة ودون أي مقدمات ، انحرف السائق إنحرافاً حاداً ليس بسيارته وإنما بدفة الحديث عندما سألني على حين غرة: ليش نفرات سوداني يسوي جنجال مع نفرات سوداني في بلاد مال دارفور؟!
ليش موت واجد في بلاد مال دارفور ؟! مش نفرات في بلاد مال دارفور كلش مسلمين ؟!
ثم علّق السائق باستهجان مكشوف: واللاهي هذا مافي كويس! هذا مافي تمام!
قلت للسائق العجوز بلهجة آسيوعربية ساخرة: شوف رفيك كلش بلاد منتهي بي نان نان متل سودان، باكستان ، افغانستان ، شيشان ، ايران كلو مشاكل مليان ! كلو مسكون شيطان! بلاد مال دارفور متروس مُشكل ، لأنو نفـرات واجـد خربان ! بعدين هذا يجيب انجليز ويجيب أمريكان ويجيب خرابيت وعجين وقوات هجين من كلش مكان!
ضحـك السـائق العجـوز ثم فاجأني بسـؤال صاعـق: رفيك إنتا جانجـويد والله شنو؟!
شعرت بصدمة قوية ، لأنه لا صلة لي بالجانجويد ( أي جان على ظهر جواد) ولا علاقة لي من قريب أو بعيد بالجن الأحمر أو الأزرق ولا بحصان الكابوي أو حصان طروادة ولا بالجياد الأصيلة أو المهجنة ، ولأنني لم أتجنجد في حياتي على أي شخص لأي أسباب عرقية أو عنصرية!
وعلى الرغم من أنني قد دافعت عن عدد كبير من المتهمين أمام الكثير من المحاكم الجنائية بحكم عملي في مهنة المحاماة إلا أنني وجـدت نفسي ، في تلك اللحظة، محشوراً داخل قفص اتهام متحرك! فمجرد الاشتباه في انتمائي إلى جماعة الجانجويد ، يعني بلغة الأمم المتحدة أنني متهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية وأنني مجرم حرب يستحق الإدانة أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي!
همهمت في سري: لا شك أن هذا السائق المسكين سوف يخشى بشدة على نفسه، ماله وسيارته لو تأكد بشكل أو بآخر من انتماءاتي الجانجويدية!
فكرت سريعاً في تلك الورطة السياسية المفاجئة التي وجدت نفسي فيها ثم قررت اللجوء إلى سياسة دفن الرؤوس في الرمال فقلت له بامتعاض واضح: شوف رفيك، سودان سيم سيم انديا ، سودان بلاد كبير ، نفرات كتير ، نفرات كُبار مال أنا موجود شمال سودان ، أول أنا روح سعـودية ، بعدين إمارات ، الحين دوحة ، بلاد مال خليج أنا كلو معلـوم، ليكن بلاد مال دارفـور أنا مافي روح ، مافي شوف ، مافي معلوم!
ردد السائق العجوز: زين، زين كناية عن الفهم العميق ثم استخدم اللغة الرأسية الفصحى فهز رأسه الكبير عدة مرات إلى أعلى وإلى أسفل ثم إلى اليمين وإلى اليسار ثم أكد فهمه الشديد مجدداً باستخدام اللغة الجسدية الفصحى حينما خض جسده الهرم في جميع الاتجاهات، وفي تلك اللحظة الإجرائية المعقدة، بدا لي ذلك الخليط العجيب من الإيماءات الرأسية والحركات الجسدية كتعبير واضح عن اقتناعه التام بنجاحي الباهر في إثبات براءتي أمام محكمته الخاصة ! عندها شعرت بارتياحٍ بالغ فقد خُيل لي أنني قد نجحت بامتياز في استخدام مهاراتي القانونية الفذة وأنني قد تمكنت في نهاية المطاف من أن أزيح عن كاهلي تهمة الانتماء إلى الجانجويدزم!
أخيراً وصلت إلى وجهتي المهببة في جنوب الدوحة، ترجلت من السيارة الآيلة إلى السقوط ، دفعت الأجرة الكبيرة التي طلبها السائق دون احتجاج أو مساومة ثم ، لأسباب سياسية بحتة، نفحته بقشيشاً معتبراً جعل أسارير وجهه تنطلق في جميع الاتجاهات ، وعندها أخرج السائق العجوز رأسـه الأشيب من نافـذة السـيارة ثم قال لي بابتهاج ظاهر : (شكراً جانجويد)!
وقبل أن أتمكن من التفوه بأي كلـمة احتجاجية، انطلق السائق الهرم بسيارته المتهالكة بسرعة بالغة لا تتناسب مطلقاً مع عمرها ولا طاقتها مخلفاً وراءه سحابة من الغبار الكثيف وكأن لسان حاله يقول لي بلهجة آسـيوعربية شـديدة الفصاحـة: خلي يولي ، هذا نفر زين ، ليكن راس مال أنا واجد مخ ، أنا مافي ترتور ، واللاهي هذا نفر سيم سيم جانجويد أنا يشـوف امس في تلـيفشن!
فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة