جيلي أنا..جيل البطالات!!*
البراق النذير الوراق
والحقيبة لها سحرها الخاص، بجمال معانيها وعمق دلالاتها ودقة وصفها، وشعراؤها لم يتركوا واردة في الكلمات إلا أتوا بها، وجمع من الشعراء والمغنين والملحنين أنتجوا أزهى آيات الغناء الحديث، ونفر منهم افردوا للموسيقى حيزا لم يكن لولاهم، والاستقلال صنعه رجال صدقوا ما عاهدوا عليه شعبهم، أما أكتوبر فهي أبهي عمل ثوري في التاريخ الحديث للبلاد، وابريل حلم الجياع ، ونيفاشا هي المعجزة التي لم يأت بها الأوائل، وكتاب، مفكرون، وقادة وسياسيين، وأطباء، مهندسون ودبلوماسيين، صحفيون وتجار وإداريين وموظفين، وآخرين من دونهم الله يعلمهم.
هذا أيها السادة هو جيل البطولات المستجيش ضراوة ومصادمة، جيل لم يترك لنا ما نفعله، جيل صنع كل شئ حتى عيوبنا، وطفق بعضا منه يلعن اليوم الذي أتى بنا إلى هذه الدنيا، لا لشئ سوى أنه(هذا البعض) يظن وبعض الظن إثم، أننا فقط جيل البطالات، نعم جيل البطالات الذي لا هم له سوى سندوتشات البيرقر مع الحسناوات، ولا هم لحسناواته سوى أن يراهم رفاقهم من الذكور ملكات جمال حتى وإن كان ذلك بإستخدام السموم، والجامعات بالنسبة له ليست إلا كافيتريات لساعات اللقاء الطوال، والسياسة آخر اهتماماته، والثقافة ترف فكرى، ولحظة في جلسات السمر مع الأصدقاء أعظم من أي زيارة عائلية، والسيجارة هي الملاذ الآمن، والدنيا كلها لا تساوى جناح ذبابة إلا في وجود الانترنت.
هذا هو جيلي أنا، جيل ما بعد القطب الواحد، والجيل الذي رأى النور عندما توارت حدائق الحيوان، وسوق الزنك، والتعريفة، جيلي الذي لم يساوره شك في أن الأيام ليست دول، وان ما هو موجود لابد أن يكون موجوداً، وما هو غير ذلك وجب أن يكون كذلك، لم يتسن لنا ولا يجب، أن نختار إلا ما اختاره لنا إخواننا الذين أطلقوا الصرخة الأولى قبلنا، حتى طريقة ملبسنا لا تعجبهم، وكلامنا فيه (ميوعة)، وما يطربنا ليس إلا زعق بلا طائل، وقصص الغرام عندنا أكذوبة كبيرة، وشعرنا هو اللغو بعينه.
ينسون إن هذا الجيل ولد في أخر زاوية من حمى أوجاع مخاض العمر، ولم يدرس على يد مستر كوك، وعاش في زمان رفعت فيه المسئولية حتى من الدولة، وأصبح فيه التعليم جزء من مشروع كبير يدار بعقلية نابليون، والنظام فوضى والمشي في الأسواق بحساب، ينسون إن هذا الجيل هُزم قبل بداية المعركة، وقاوم بلا سلاح، ولكنه أصر على خوض المعركة ولكن بطريقته هو، يرث ما يريد أن يرثه، وأما الزبد فلن يتركه يذهب جفاء، بل سيلقيه في قرار مكين إلى غير رجعة.
سنعيش رغم الداء كما قال الشابى، وسنغنى لك يا وطني كما غنى الخليل، كحريق المك في قلب الدخيل، مثلما غنّت مهيرة ومثلما أُستشهد في مدفعه عبدالفضيل، سنغنى ولكن بطريقتنا نحن، أصحاب الكلمة والأقلام منا، ورواد المقاهي، ولاعبي البلياردو، ومهندسي الكمبيوتر والمصورون، والعاملين في المناطق النائية، والباحثين عن الحبيبة، والجالسين في الحدائق العامة يتسامرون، وفى قاعات الدرس وأركان النقاش، والباعة منا والزراع والصناع، والواقفين فى صفوف التوظيف، وشباب جيلي في كل شوارع بلادي، سنغنى لك يا وطني ليس على الطريقة التي يخططون، ولكن بطريقتنا نحن، والتي نظن أنها كم نسجت شالاً غطى هامتك العالية، في زمان تمددت فيه ليالي برد الشموليات القارص لحين إشعار مسطور بدنو ديمقراطية مشحونة بالدفء والحرية.
*هذه المادة نشرت بصحيفة الايام 27/3/2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة