صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (1) محمّد خير عوض الله
Mar 17, 2008, 20:11

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (1)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

كثير من الحِكًم والأمثال تطلقها الشعوب ولا تعمل بها أو تستفيد منها ، فمثال " كثرة التكرار تعلّم الحمار " ليست صحيحة في كل الأحوال ، ففي كثير من الأحيان كثرة التكرار لم تعلّم قطاعات مستنيرة من هذه الشعوب ، كالسياسيين مثلاً ، وقد قلب بعضهم العبارة لتكون مقبولة كما يظن ، فقالوا  " كثرة التكرار تعلِّم الشطّار " والواقع أنّ الشطّار لا يحتاجون للتكرار ، ناهيك عن كثرته ، وعندنا في السائد شعبياً عن الذكي ، أنّه " يفهمها وهي طايرة " وقد استدعيت هذه المقدِّمة لمعرفة ما إذا كنّا ـ كشعوب ـ قد تعلمنا بالفعل من التكرار السياسي أم لا ؟ وفي الأثر أيضاً أنّ المؤمن لا يلدغ من جحرٍ واحد مرتين .. وهذا الأثر له صلة بما نقول الآن .. فالواقع أنّ التكرار لم يعلم الشعوب ولم يعلّم قطاعاته المستنيرة ، كما أنّ اللدغ من ذات الجحر يتمّ  ب"تكرار" أيضاً !! والسؤال المحوري في هذه المقالة يدور حول أسلوب الحكم ومنهج الحكم ووسائل الحكم في هذه البلاد العزيزة .. فهل ستلد الانتخابات القادمة نظاماً مستداماً ؟ هل سيعرف السودان الاستقرار ويضع عصا الترحال بين التقلبات السياسيّة الكثيفة التي أرهقته وأثقلت كاهله ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يدخل الشعب كله في ورش عمل لاستنطاق إجابته .. وللإجابة على هذا السؤال ، لابد من الإجابة على أسئلة عديدة تسبقه ، فهل الأحزاب السودانيّة صادقة في تعاطيها للسياسة أم مراوغة منافقة مخادعة ؟ لا بد من الإجابة بصدق وشجاعة .. هل الأحزاب السودانيّة مؤهلة للنهوض بالبلاد ؟ أم أنّها تعاني من أزمات وأمراض وعلل تحتاج لمن يداويها أولاً ، ثمّ ينهض بها ثانياً ، لتنهض هي بعد ذلك بالبلاد وتمنحها الاستقرار ؟ لا بد من الإجابة بصدق وشجاعة .. هل هناك اختلافات ثقافيّة وفكريّة وعقائديّة بين الأحزاب الشماليّة تعمّق من الخلاف السياسي القائم بينها ؟ أم أنّها فقط "أوهام الخمسينيات والستينيات" ؟ هل لا تزال هناك ايدولوجيا تفرض النظريّة الشيوعيّة وترفض أن يكون الحزب الشيوعي السوداني إلا كما كان في الستينيات ؟ أم أنّ الايدولوجيا قد انتهت ويتعيّن على الحزب الانصهار في البوتقة السياسيّة السودانيّة بدون عُقَد أو تكلّف مذهبي متوهم ؟ هل الأفكار التي قامت عليها "الأحزاب اليمينيّة" لا تزال موجودة وملحّة ؟ مثل الاتحاد مع مصر "الحزب الاتحادي" والاستقلال عن مصر "حزب الأمة" و" وصايا حسن البنا" التي أنجبت الحركة الإسلاميّة ؟ هل هذه الأشياء موجودة وضروريّة لإقامة الفوارق المتوارثة منذ خمسين عاماً ؟ لابد من إجابات صادقة وشجاعة ، لابد من دخول الشعب كلّه في ورش عمل وسمنارات تعيد فرز التكوين السياسي وبناءه من جديد ، بما يضمن أسس جديدة للبناء السياسي ، وبعدها يمكننا أن نتحدّث عن الاستقرار .. هناك " شغلة " أخرى لابد من اختبارها أيضاً ، وأقصد عرضها على الفحص بذات الطريقة السابقة ، وهي مسألة " المنهج " فالمنهج مطلوب  عرضه وشرحه وبسطه للناس بكل وضوح ، سواء كان المنهج داخل الأحزاب ، أو المنهج في إدارة السياسة ، فهل ستكون مناهج العمل الحزبي على ذات الطريقة المجرّبة ؟ طريقة تقديس الزعيم والتردد ألف مرّة في قول الحقيقة خوفاً من الزعيم ، أو خوفاً من الإقصاء ، والمنهج الحزبي أيضاً كان ولا يزال يقوم على إعلاء مصلحة الحزب على مصلحة الوطن ، وتعظيم المختلف عليه أكثر من توحيد وتجميع القواسم المشتركة المجمع عليها ، والمنهج في إدارة الحكم لا يخرج عن المنهج المعطوب داخل الأحزاب ، فالحاكم لا يتواضع للناس ، والشورى معمولٌ بها للزينة والديكور السياسي ، و"الرعيّة" هم خدم للزعامات ، تماماً كنظام الإقطاع في أوروبا ، ونظام الاستبداد في التاريخ العربي والإسلامي .. وهنا أود أورد جزاءاً من مقالة للمفكر المغربي محمّد عابد الجابري بمجلّة المجلّة في يوم 18 / 10 / 2007م ، يتحدّث فيها عن ذات الأدواء في منهج حياتنا السياسيّة ، وهي أدواء قديمة متوارثة ومؤطّر لها نظرياً وثقافياً ، يقول الجابري : " عناصر البنية السطحية للمجتمع العربي ثلاثة وهي: الخليفة، الخاصة، العامة.

1 - نقصد بـ "الخليفة" ما يعبر عنه في الأدبيات السياسية الأوروبية بـ "الأمير"، أي ما يقابل اليوم "رئيس الدولة" عندما لا يكون منتخبا انتخابا حرا... ومع أن مصطلح "الخليفة" قد ظهر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمي أبو بكر "خليفة رسول الله" أي الذي يخلفه في تسيير شؤون الدولة الجديدة، وقد كان واحدا من "الصحابة" أي ينتمي إلى منزلة "الخاصة"، فإن مفهوم "الخليفة" قد تطور ليصبح منذ زمن الأمويين "خليفة الله" وسلطانه في أرضه. ومن ثمة أصبحت، منزلة الخليفة تنتمي، لا إلى منزلة الخاصة، إذ هو فوقها ويعلو عليها، بل صارت تنتمي إلى منزلة الله. وكما أن العلاقة بين الله والعباد، في الإسلام هي علاقة مباشرة بدون توسط، فإن علاقة الخليفة بالناس هي كذلك مباشرة، من جنس علاقة "الراعي" بـ "الرعية" (علاقة راعي الغنم بقطيعه).

2 - أما "الخاصة" فهي أولا وقبل كل شيء خاصة الخليفة، أي أهله وجنده ومعاونوه وخدامه ومنفذو إرادته. ومهمتها حمل "العامة" على طاعة "الخليفة" سواء بالسيف أو بالقلم. ولا تشكل "الخاصة" طبقة مستقلة بنفسها، بل هي شرائح مختلفة متنوعة الأصول والمشارب والمهام يسودها التنافس والتدافع والكيد المتبادل إلخ... ولذلك كانت لا يجمعها إلا التفافها حول "الخليفة". وقد عبر ابن المقفع عن هذه الوضعية فقال: "وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك. فبالإمام يصلح الله أمرهم ويكبت أهل الطعن من ذلك ويجمع رأيهم وكلمتهم، ويبين لهم عند العامة منزلتهم، ويجعل لهم الحجة والأيدي في المقال على من نكب عن سبيل الحق".

3 - أما "العامة" فهي عموم الناس وأغلبية "الرعية" ومهمتها اتباع الراعي وطاعته بتوسط "الخاصة". يقول الجاحظ: "إن العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل الخلافة ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها... وإنما العامة أداة الخاصة تبذلها للمهن وتزجي بها الأمور وتطول بها العدو وتسد بها الثغور. ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان... وإنما العامة جُنة للدفع وسلاح للقطع، وكالقوس للرامي والفأس للنجار". ويكرر الماوردي التصور نفسه ويعبر عنه بقوله: "وحاجة الخاصة للعامة في الاستخدام كحاجة الأعضاء الشريفة إلى التي ليست بشريفة". مهمة "الخاصة" إذن، هي حمل "العامة" على طاعة "الأمير". إنها تقوم بالسلاح الذي تمتلكه، سلاح الكلمة والعلم والجاه والمال بنفس المهمة التي يقوم بها الجند بأسلحتهم المادية : الجند يقهر الأجسام، و"الخاصة" تحمل النفوس بالكلمة على الطاعة والانقياد.

إن هذه المواصفات التي تنطبق حرفيا على المجتمع العربي في القرون الوسطى مازالت قائمة تطبع المجتمع العربي المعاصر رغم كل ما قد يبدو على سطحه من مظاهر ينتسب بها شكليا فقط إلى العصر الحديث. وقد لا يعدو الاختلاف، في كثير من الأوضاع العربية الراهنة، مستوى التسمية فقط : فبدلا من "الخليفة" هناك الرئيس أو الملك، وبدلا من "الخاصة" هناك النخبة، وبدلا من "العامة" هناك الجماهير... إن العلاقات في المجتمع العربي المعاصر مازالت تتحدد بالأزواج التي تتشكل منها عناصر البنيتين المذكورتين : القبيلة، الغنيمة، العقيدة، من جهة، والخليفة، الخاصة، والعامة من جهة أخرى. وهكذا فالفرد العربي إنما يتحدد وضعه، أساسا بالأزواج التي تشكلها العناصر المذكورة. ولكي ندرك عمق ما يعنيه ذلك لابد من الإشارة إلى أن "الفرد" في الخطاب الأوروبي الحديث مقولة يتحدد معناها من خلال كونها المقابل/الضد لمقولتي "المجتمع" و"الدولة"، ومن هنا عبارة "الفرد والمجتمع" في الخطاب السوسيولوجي، التي تتحول إلى "المواطن والدولة" في الخطاب السياسي الحديث. وتلك معان ودلالات كانت غائبة تماما عن مجال الحضارة العربية الإسلامية. فـ"الفرد"، في الخطاب العربي القديم، مقولة عددية تقال في مقابل الزوج أو للدلالة على من كان وحده.إننا في السودان تركنا أجمل ما في التصوف ، من ترويض النفس وكسرها وإذلالها لخالقها ، وتهذيبها بالذكر ، تركنا ذلك وأخذنا أسوأ ما في ممارسة المتصوفة ، وهو تعظيم الزعامة وتقديس الخرافة ، ومددنا مساحة هذه الأمراض لندخلها إلى مجال السياسة ، على العلل السابقة التي ذكرها الجابري ، لنزيد على علل الجابري عللاً وأسقاماً خاصة بنا، وهي التي أقعدت بأحزابنا وأمسكت بتلابيبها .. وهو ما يجعلها تفشل في إدارة البلاد ، فيصحو أحد الضباط باكراً فيعتقلهم ويجلس مكانهم . المرّة القادمة نناقش بروفيسور الطيب زين العابدين والفريق محمّد زين العابدين ، فإلى اللقاء .

هل نتعظ بتجارب كينيا والصومال وتشاد؟

 

الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (2)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

قلنا في المرّة الماضية إننا نود أن نستجلي عبر هذه المقالات معرفة ما إذا كنّا ـ كشعوب ـ قد تعلمنا بالفعل من كثرة التكرار السياسي أم لا ؟ ودراسة تناقضنا مع الأثر القائل بأنّ المؤمن لا يلدغ من جحرٍ واحد مرتين، حيث يلدغ الشعب السوداني من ذات الجحر السياسي  ب"تكرار" رتيب ومقيت !! وقلنا إنّ التساؤل المحوري في هذه المقالات يدور حول أسلوب الحكم ومنهج الحكم ووسائل الحكم في هذه البلاد العزيزة .. فهل ستلد الانتخابات القادمة نظاماً مستداماً ؟ هل سيعرف السودان الاستقرار ويضع عصا الترحال بين التقلبات السياسيّة الكثيفة التي أرهقته وأثقلت كاهله ؟ وهل الأحزاب السودانيّة صادقة في تعاطيها للسياسة أم مراوغة منافقة مخادعة ؟.. وهل هي مؤهلة للنهوض بالبلاد ؟ أم أنّها تعاني من أزمات وأمراض وعلل تحتاج لمن يداويها أولاً ، ثمّ ينهض بها ثانياً ، لتنهض هي بعد ذلك بالبلاد وتمنحها الاستقرار ؟.. وهل هناك اختلافات ثقافيّة وفكريّة وعقائديّة بين الأحزاب الشماليّة تعمّق من الخلاف السياسي القائم بينها ؟ أم أنّها فقط "أوهام الخمسينيات والستينيات" ؟ لابد من إجابات صادقة وشجاعة ، ولابد من دخول الشعب كلّه في ورش عمل وسمنارات تعيد فرز التكوين السياسي وبناءه من جديد ، بما يضمن أسس جديدة للبناء السياسي ،ثمّ ربطنا واقعنا بالإطار العام المعطوب عبر التاريخ العربي الإسلامي واستشهدنا بتحليل للمفكر المغربي د. محمّد عابد الجابري نشرته مجلّة المجلّة في يوم 18 / 10 / 2007م ، ووعدنا بأن نناقش في هذه المرّة بروفيسور الطيب زين العابدين والفريق محمّد زين العابدين .

فقد كتب بروفيسور الطيب زين العابدين في مقالته بصحيفة الصحافة بتاريخ 1/9/2007م : " يقول المنافحون عن الحكم العسكري في السودان إنّ الجيش لا يتدخل في الحكم إلا عندما يثبت السياسيون فشلهم في إدارة البلاد، وان السياسيين هم الذين يغرون الضباط بالانقلاب على الحكومات المنتخبة، وهم الذين يصنعون سياسات الحكم بعد الانقلاب. وأجد نفسي مختلفا مع هذه الأطروحات جملة وتفصيلا." ثمّ بدأ يشرح مستنداً إلى فكرة خاطئة تقول إنّ الانقلابات في السودان تقوم فقط على مغامرات الضباط وإغراءات من الأحزاب ، وأنّ انقلاباً وحيداً صنعته المؤسسة العسكريّة ، هو انقلاب الفريق إبراهيم عبود .. وهذه أيضاً فكرة خاطئة ما كانت لتصدر من العلامة المخضرم ، فالانقلابات في السودان لم تكن مغامرات ضباط ، إنّما هي صناعة حزبيّة مائة بالمائة ، حتى التنفيذ ، فهو صناعة حزبيّة ، فالأحزاب تخطط للانقلابات وتنفذها عبر كوادرها في الجيش ، مهما تنصلت أو نثرت التعمية كما فعل الحزب الشيوعي حين صنع مايو مع آخرين ، أو في حالة انفراده بانقلاب هاشم العطا !! أمّا انقلاب الفريق عبود ، فإنّ المروي والمكتوب يؤكد أنّ الفريق عبود لم يكن يغامر أو يخطط لأي انقلاب ، إنّما الكيد السياسي بين الأحزاب هو الذي جعله "صدفةً" رئيساً للجمهوريّة ، منفذاً لتعليمات الحزب الحاكم عبر زعيمه ، رئيس الوزراء ، عبد الله خليل عليه رحمة الله .. ويعزز بروفيسور الطيب رأيه فيقول : " وليس صحيحا أن التدخل العسكري يأتي في المقام الأول بسبب فشل الأحزاب في إدارة البلاد وان أدى الفشل السياسي لتهيئة المناخ المناسب لنجاح المحاولة الانقلابية، لكن هناك ضباط مغامرون يطمحون إلى تولى السلطة السياسية بصرف النظر عن الأداء الحزبي في السلطة اقتداءً بالتجارب التي حدثت في العالم العربي وفى إفريقيا. " ونختلف مع أستاذنا على علمه ونزاهته ، فالتبسيط والاختزال يضر بمعالجة هذه القضيّة المهمّة والمحوريّة في تاريخنا السياسي المعاصر ، ففشل الأحزاب هو الذي يؤدي للانقلابات ،فالأحزاب تصطرع وتختلف وتقوم بتقسيم الرأي العام وتعجز في ميدان البناء السياسي نفسه ، ناهيك عن ميدان الصناعة والتنمية والعمران ، وهي نفسها لا ترضى بقواعد العمل الديمقراطي ولا تحترمه ،سواءاً بتسميم الرأي العام ، أو بممارسة الغدر ببعضها البعض ، بإنتاج وإخراج وتسويق الانقلاب ، أو الدفع بالجيش نحو التحرّك ، هذه هي معطيات الانقلابات فلم يكن الانقلاب في أساسه مغامرة ضابط تسانده مجموعة من الأصدقاء !! هذا اختزال وتبسيط لايسعف في معالجة القضيّة المهمّة والمحوريّة ، والغريب أنّ بروفيسور الطيّب تناقض مع نفسه في مقالة أخرى له قبل عامين من مقالته هذه !! فقد كتب في صحيفة الرأي العام في يوم الأربعاء 3/8/2005م ما نصّه : " كل انقلاب عسكري قضى على النظام الديمقراطي وقف من خلفه حزب أو بضع أحزاب ولا نكاد نجد حزبا واحدا لم تتسخ يداه  بالتحالف مع نظام عسكري أو بتأييده، ولا نكاد نجد حزبا لم يعمل لتكوين خلايا له  في داخل القوات المسلحة ليمتطيها يوما ما من أجل  الاستيلاء على السلطة. ولذلك لا  أجد أن الحركة الإسلامية في طبعتها الإنقاذية أتت شيئا إدا لم تسبقها إليه الأحزاب الأخرى ولكنها كانت أكثر نجاحا من الآخرين في التمكن من السلطة والحفاظ عليها وأكثر انتهازية في أساليبها السياسية." وهنا نتفق مع بروفيسور الطيب ، لأنّه هنا ينسف فكرته السابقة التي عزا فيها الانقلابات للمغامرات الفردية للضباط في الجيش ، وبدل أن كان الانقلاب عنده عبارة عن مغامرة من ضابط ، أصبح الانقلاب عمل وتخطيط حزب أو بضع أحزاب !! وهو هنا يحدثنا عن تشقيق كثيف للمؤسسة العسكريّة بواسطة الأحزاب السياسيّة ، ويحدثنا أنّ " كل " الانقلابات التي قضت على النظام الديمقراطي هي من صنع الأحزاب !! ومن بعد بروفيسور الطيب ننتقل لقراءة أخرى ، فقد استوقفتني إجابات سمينة وثمينة ، مليئة ومكتنزة ، جاءت في حوار بصحيفة الصحافة في يوم الأربعاء 5 سبتمبر 2007م، مع الفريق محمّد زين العابدين نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق ،وسأله الصحفي النابه الأستاذ صلاح شعيب : " بصفتك ناشطا سودانيا على مستوى التحليل السياسي.. هل تعتقد أنّ عصر الانقلابات العسكرية قد انتهى؟ " فجاءت إجابته : " في الواقع أن السؤال جيد ومهم، وقد تحتاج الإجابة عليه لحديث طويل، ولكني سأحول الاختصار ما أمكن، فكل شيء ينتهي إذا انتهت الدوافع والأسباب له، ولا يمكن أن نقول إن ظاهرة الانقلابات قد انتهت. والتدخل العسكري لاستلام السلطة قد يحدث بطلب من رئيس الجمهورية عندما يتضمن الدستور ما ينص على التدخل. وقد يحدث انقلاب لأسباب أخرى مثل التطلعات الشخصية أو الحزبية. وعموما تكون الفرصة سانحة عند ضعف الأحزاب الحاكمة. وعند وجود الأحزاب القوية الفعَّالة التي تتمكن من التخطيط الاقتصادي الجيد مع السيطرة على مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، فإنها يمكن أن تحول دون حدوث الانقلاب. ويساعد في إيقاف التدخل العسكري وجود المجتمع الواعي ومؤسساته القوية، وقوة الدولة لا تقاس بقدرتها على القيام بالقمع أو الردع، ولكن بمدى متانة وتماسك منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية. والصراع والانشقاقات في أوساط النخب في المجتمع وعدم الالتفاف حول الأهداف القومية لبناء الدولة القومية، يعتبر من الأسباب الرئيسية لضعف الدولة، كما أنّ عدم وجود معارضة سياسية لها توجهات وطنية يؤدي إلى نتائج سلبية." انتهى كلامه ، وهو كما تلاحظ يقذف بإشاراته لمكامن الخلل ، وما أكثرها ، والمؤكد أنّ الأحزاب ما اكتفت بعجزها في الجوانب السياسيّة وقيامها بالانقلابات وممارساتها للغدر ببعضها البعض ، فما منحت نفسها استقراراً ولم تمنح البلاد أي جهد مشكور سوى التقلبات الكثيفة والإفرازات السالبة التي تنتهي بحروب وفقر ومرض، وما اكتفت كذلك بعجزها في التنمية ورفاهية وخدمة الشعب ،ولكنها عجزت أيضاً في صهر الشعب في بوتقتها كمؤسسات مدنيّة ، برغم نجاحات أخرى لمؤسسات أقل نفوذاً وأكثر هشاشة كمساهمة التجربة الصوفيّة القائمة على صهر الشعب السوداني عبر الدروشة والعاطفة الروحيّة..  وهذه المقالات لا تهدف لتجريم زعيم  أو حزب معيّن  ، إنّما قصدها النقد الهادف الذي يفضي للتصحيح فقط ، وذلك بأن ينفتح نقاش كثيف على أعتاب الانتخابات القادمة يؤسس لمرحلة مقبلة نظيفة معقّمة حتى لا تعود  هذه الأدواء القاتلة التي أقعدت ببلادنا زماناً طويلاً جعلت بقاءها على الخريطة الآن في محل اختبار حقيقي ومزعج . نواصل

 

 

الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (3)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

من المؤكد أنّ الانتخابات القادمة لن تكون  كسابقاتها ، لأنّها تأتي والبلاد تتشكّل من جديد ، وتتقاذفها كثير من المهددات الداخليّة والخارجيّة ، ولذلك تعتبر المرحلة الحاليّة من عمر السودان ، مرحلة مصيريّة فاصلة ، تستوجب يقظة سياسيّة عالية ، وتستوجب يقظة ضمير غير مسبوقة ، وتستوجب حراكاً ثقافياً ومعرفياً وطنياً مخلصاً وأميناً ، وتستوجب همّة الشعب والزعامات والرموز كافة ، بتجرد حقيقي ، ومن خلال الرصد الجزئي الذي تتبناه هذه المقالة ، فإنّ حراكاً نوعياً بدأ يدب في الساحة من خلال (1) محاولات ومجهودات جمع الصف الوطني (2) سمنارات وورش عمل وندوات حزبيّة وغير حزبيّة (3) مقالات وحوارات في معظم الصحف اليوميّة (4) الاتفاقات واللقاءات الحزبيّة المتعمّقة . ويهمنا هنا أن نطالب بالمزيد من الحراك والتفاكر حول مستقبل البلاد

من المؤكد أنّ الانتخابات القادمة لن تكون  كسابقاتها ، لأنّها تأتي والبلاد تتشكّل من جديد ، وتتقاذفها كثير من المهددات الداخليّة والخارجيّة ، ولذلك تعتبر المرحلة الحاليّة من عمر السودان ، مرحلة مصيريّة فاصلة ، تستوجب يقظة سياسيّة عالية ، وتستوجب يقظة ضمير غير مسبوقة ، وتستوجب حراكاً ثقافياً ومعرفياً وطنياً مخلصاً وأميناً ، وتستوجب همّة الشعب والزعامات والرموز كافة ، بتجرد حقيقي ، ومن خلال الرصد الجزئي الذي تتبناه هذه المقالة ، فإنّ حراكاً نوعياً بدأ يدب في الساحة من خلال (1) محاولات ومجهودات جمع الصف الوطني (2) سمنارات وورش عمل وندوات حزبيّة وغير حزبيّة (3) مقالات وحوارات في معظم الصحف اليوميّة (4) الاتفاقات واللقاءات الحزبيّة المتعمّقة . ويهمنا هنا أن نطالب بالمزيد من الحراك والتفاكر حول مستقبل البلاد الذي نخشى أن يفاجئنا جميعاً بما لا يسر .. ففي الورشة التي نظمتها أمانة الانتخابات بالقطاع السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي المسجّل طرح الدكتور أيمن زكريا أمين أمانة الانتخابات بالحزب تساؤلاً دار حوله الكثير من النقاش والجدل فيما بعد حول إمكانية أن تكون الانتخابات القادمة، مهدداً للأمن القومي في ظل الواقع السياسي المنقسم، وبالنظر إلى التجربة الكينية .. وهذا التساؤل المزعج استطاع أن يشير بقوّة لعمق الهوّة ، فالانتخابات قد تصبح مهدداً لأمن واستقرار وبقاء البلاد !! والسبب "مكابرة" الزعامات والأحزاب وانقسام الرأي الداخلي ، وتعويم المشترك الوطني ، هذه الحيثيات القاتلة موجودة اليوم قبل إجراء الانتخابات ، أي قبل التحدث عن الفساد والارتشاء والشراء والتزوير !! ومن هنا كان تساؤل دكتور أيمن مزعجاً ، خاصةً وهو يرى القتل والإبادة تفعل فعلها في جارته كينيا !! وفي ذات الورشة يدخل الخبير الاستراتيجي الدكتور مضوي الترابي عميقاً في هذه المخاوف ، عبر ورقته " النظام الديمقراطي والإرادة الجماهيرية ومهددات الأمن القومي" فقد دعا للتفكير في إرجاء قيام الانتخابات إلى ما بعد العام 2011 م متسائلاً: ماذا لو قامت الانتخابات في موعدها وارتبكت النسب بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وجاءت الانتخابات بمن لا يعمل على تنفيذ الاتفاقية ؟ ولفت إلى أنّ هناك محللين غربيين يتحدثون عن ضرورة أن يحدث تراضٍ حول قانون الانتخابات ومن ثم تقوم الانتخابات بعد العام 2011 م، خاصة أن في الدستور ما يسمح بذلك التراضي. وأشار د. مضوي إلى أنّ تأجيل الانتخابات من شأنه أن يجعل من المنافسة الانتخابية منافسة حقيقية ويجنب البلاد الغبن المحتمل إذا قامت في موعدها المحدد الآن، مهما كانت نزاهة نتائجها .وحذر د. مضوي من أنّ قيام الانتخابات في موعدها ربما نقل إلى البلاد سيناريو كينيا، أو سيناريو جورجيا وأوكرانيا، وفي أحسن الظروف فان المخاطر المحتملة للانتخابات التي تتم بتغييب الإرادة الشعبية والقوانين التي يمكن أن تسن بالأغلبية الميكانيكية، قد تؤدي إلى تدخلات كبيرة جداً تغيب الإرادة الوطنية لصالح قوى ومصالح دولية لا علاقة للمواطنين بها ، وأردف أنّ هناك 60 دولة لها تقاطعات مع الأمن القومي السوداني ستدعم البعض في الانتخابات القادمة مادياً إذا أحست أنّ المال سيحسم الانتخابات التي تصبح في هذه الحالة- حسب د. مضوي- سلعة لمن يدفع أكثر وليست وسيلة للتراضي وهو ما يؤدي إلى ضرب النسيج الاجتماعي في مقتل !! " صحيفة الرأي العام الثلاثاء 12/2/2008م ، 5 صفر 1429هـ العدد 3740  " وهذا الحديث يثير مخاوف كبيرة ، ويؤكد حاجة البلاد ـ قبل الانتخابات ـ  لإكمال التراضي ، وإزالة الغبن وإسكات المدافع ، وتجربة الانتخابات الكينيّة لا تزال ماثلة !! وهنا يستوقفنا أيضاً حديث خبير في هذا الشأن ، يعمل ضمن منظومة لتحديد وتأطير وصياغة المشترك الوطني بين التنظيمات لتفادي كارثة الانتخابات الكينيّة ، هو الدكتور عبد الله إدريس الرئيس المناوب لمفوضيّة الدستور "مع القيادي الحكيم أبيل ألير" يقول في إفاداته لصحيفة الرأي العام " : " فهمنا الذي أوضحناه لكافة المسؤولين من البداية أنّ المفوضية معنية فيما يتعلق بالقوانين التي أوكلت إليها بتحقيق الحد الأدنى من الإجماع الوطني.لذلك وضعنا سياسة أن نتصل بكافة القوى السياسية خاصة التي ليس لها تمثيل في المؤسسات القائمة مثل حزب الأمة القومي والمؤتمر الشعبي.. هذه النقطة أساسية ومهمة وأكدت عليها اتفاقية السلام، كما أكد عليها القرار الجمهوري الخاص بإنشاء المفوضية، ومن هنا فإن مقياس نجاحنا وفشلنا يعتمد على قيامنا بهذه المهمة ، وواقع الحال انه لو كان علينا أن نعمل فقط مع المؤتمر والحركة لأصبح وجودنا لا معنى له والميزانية التي ترصد لنا مضيعة فلوس، فالبرلمان ممثل فيه الشريكين ويمكن أن يقوم بهذه المهمة.. نحن إحساساً منا بهذا الواجب اخترنا التشاور مع كافة القوى السياسية..وعندما بدأنا في هذا العمل حددنا موجهات عامة أولها الإجماع الوطني أو الحد المعقول منه ، وعندما أقول الحد الأدنى اعني بذلك بالإضافة إلى الوطني والشعبية الأحزاب الأخرى التي لها وزنها..وإذا لم ننجح إلا مع المؤتمر والحركة نكون قد فشلنا في واجبنا ، الموجه الثاني أن نضع مسودة لضمان انتخابات تتسم بالحيدة والنزاهة والشفافية: لتحقيق الهدف الأول فضلنا أن نتبع نهجا مختلفا عن القوانين السابقة.. فضلنا ألا نكتب مسودة من عندنا وإنما نذهب إلى الأحزاب ونطلب منها تقديم تصور للقانون.. وبدأنا بالأحزاب التي ليس لها تمثيل في المفوضية.. قمنا بتبويب لمواقف كل حزب،وإيجاد القواسم المشتركة ومنها بدأنا إعداد مسودة أولى ..مثلا هناك بعض التيارات ترى ألا تمثل المرأة أصلاً وبعضها يرى أن تمثل بـ «50%» فنعمل على إيجاد حل يرضى هذه الأطراف " وسأله محرر الصحيفة : هل أصبحت هذه الأحزاب على قناعة بأن الانتخابات القادمة ستكون نزيهة؟ فأجاب : " إننا نضع كافة الضوابط التي تضمن من ناحية قانونية نزاهة الانتخابات.. أولا حاولنا أن ننشئ مفوضية للانتخابات تكون محايدة، ثانيا توسعنا في تحديد الأساليب الفاسدة وقد كانت في القانون الحالي حوالي خمس أو ست مواد ولكنها الآن تصل إلى عشرين مادة،ثالثا تم النص على أن تكون الانتخابات خاضعة لمراقبة محلية ودولية ولم نضع أي قيود على المراقبين الدوليين في التحرك، ونحن طالبنا أية جهة تريد انتخابات نزيهة أن تمدنا بالضمانات التي تراها حتى نضعها في القانون ، هذا عن النصوص والتحوطات القانونيّة ، أمّا عن الناحية العملية في نزاهة الانتخابات فهي تعتمد على المتابعة والشفافية والأيام ستكشف ذلك، والتجارب من حولنا خاصة التجربة الكينية توضح أنّ أي غبار حول نزاهة الانتخابات سيؤدي إلى نتائج عكسية وكارثية على البلد ، وأنا أقول انه من المهم أن تقوم الانتخابات، حتى لو كانت نسبة نجاحها «70%» أو «80%» لأن قيامها أحسن من عدمه..عدم قيام الانتخابات يعني أنّ هناك نقصاً أساسياً في اتفاقية السلام ،كما أنّ عملية التحول الديمقراطي التي يتحدث عنها الناس مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالانتخابات .. أمّا عن أخذنا بكل الضمانات التي اقترحتها القوى السياسية ، أستطيع أن أؤكد ذلك، بدليل أن المسودة الآن ليس عليها أي اختلاف باستثناء نقطتين عن تمثيل النساء وتوزيع الدوائر الجغرافية. وأحب أن أقول إنّ هذا الخلاف يعود إلى أنّ أي حزب يريد النظام الذي يحقق له مصلحته وهذا طبيعي..ونحن لا نريد منهم أن يتخلوا عن مصالحهم ولكن نريد منهم أن يحافظوا على مصلحة الوطن . "  صحيفة الرأي العام : الأحد 10 /2/ 2008م، 3 صفر 1429هـ العدد 3738  " ومن خلال هذه الإجابات المختارة ، نقف على مجهود مشكور من هذا الرمز القانوني مع رفاقه في المفوضيّة ، ولكننا نطالب بمزيد من الجهد ، لأنّ الكارثة الكينيّة لا ترغِّب في انتخابات أجواءها مسمومة ، وآلياتها معطوبة ، إننا نطالب مولانا مع رفاقه ، بأن يسعوا جهدهم في تعميق المشترك الوطني ، و تأمين أجواء التحوّل ، حتى لا تكابر التنظيمات وتواصل في تعميق خلافاتها فتكون كل الخيارات كارثيّة ، مثل تأجيل الانتخابات أو قيامها على إيقاع الحرب والتمزق و الانقسام الحاد . نواصل

 

 

 

الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (4)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

نواصل في هذه المقالة رصد الحراك الفكري والإعلامي المنثور بين يدي التحوّل الديمقراطي الوشيك ، فبعد أن كانت الانتفاضات الشعبيّة هي التي تنهي كل حكم عسكري في البلاد ، فإنّ التطوّرات الداخليّة هذه المرّة هي التي تقود حالياً للتحوّل القادم عبر انتخابات النصف الأول من العام المقبل ، وهو ما يجعل الأقلام تجهر بالصوت العالي تنادي بعمليات الإصلاح التي ينبغي أن تستبق الانتخابات ، حتى لا يتكرر فشلنا السياسي عبر أحزاب فاشلة ، شاخت وباخت في داخلها ، وتستجيب بسهولة للتدخل الخارجي ، فمثلما قال الخبير  الدكتور مضوي الترابي صراحةً أنّ هناك 60 دولة لها تقاطعات مع الأمن القومي السوداني ستدعم البعض في الانتخابات القادمة مادياً إذا أحست أن المال سيحسم الانتخابات

 التي تصبح في هذه الحالة- حسب د. مضوي- سلعة لمن يدفع أكثر وليست وسيلة للتراضي وهو ما يؤدي إلى ضرب النسيج الاجتماعي في مقتل " الرأي العام الثلاثاء 12 فبراير 2008م، 5 صفر 1429هـ  العدد  3740 " فإنّ رئيس البرلمان الحالي ، الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر تحدّث عن هذا الاختراق بثقة فقال " هناك تحركات تقودها قوى غربية تتوجس من المؤتمر الوطني، جاءت الآن لتدرس الساحة السياسية في السودان، وتسعى لإقناع جميع القوى بما فيها الحركة الشعبية للتحالف معا ضد المؤتمر الوطني، وهو أمر متاح، لكننا نريد للحركة الشعبية أن تكون شريكا للمؤتمر الوطني في تنفيذ اتفاقية السلام، لأنه إذا غاب المؤتمر الوطني أو غابت الحركة الشعبية فلن تنفذ الاتفاقية بالصورة التي نريدها، وهو ما يوجب على الطرفين أن يبذلا جهودهما لإنجاح الاتفاقية عبر الانتخابات القادمة، ومتاح بالطبع لكل القوى السياسية أن تدخل الانتخابات وفق المعايير التي تحددها " صحيفة الصحافة 13/2/2008م العدد 5263  ولنا أن نتخيّل حجم الصراع والمكايدات التي قد تنشأ أثناء الحملات الانتخابيّة ، أو بعدها ، وهو أمر ظلّ يعيشه السودان ويكتوي به طيلة حياته الوطنيّة ، وهو ذات الكيد الذي أقعد البلاد وأنجب الانقلابات !! ومن اليوم بدأت روح الأنانيّة السياسيّة تحجز مساحاتها على المسرح السياسي الذي سيبدئ عرضه العام المقبل ، وفي هذا يقول  رئيس تحرير صحيفة إيلاف الدكتور خالد التيجاني النور:" المأزق الذي يعطل قانون الانتخابات يشكل نموذجاً مثالياً لضبط القوى السياسية السودانية " متلبسة بتهمة الكذب الضار»، فطالما سمعنا كبار زعمائنا يحدثون شعبهم المكلوم بصراعاتهم التي أقعدت الوطن بأن لا أحد منهم في الواقع يصارع من أجل السلطة، ولا أحد منهم يهمه من يحكم السودان، ولكن المشكلة الكبرى أمامهم هي أنهم يريدون أن يضعوا أسساً تحدد كيف يحكم السودان، والشعب المسكين من فرط يأسه من صلاح أحواله يكاد يصدقهم، ولكن ها هي معركة قانون الانتخابات تكشف الوجه القبيح للنظام السياسي السوداني ، فلو كانت القوى السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مشغولة حقاً بوضع أسس للحكم الصالح فإنهم أمام امتحان التواضع على قانون للانتخابات يسع طموحات السودانيين بكل ألوان طيفهم ومللهم ونحلهم، يحقق تطلعاتهم في نظام سياسي مستقر، ولكن المشكلة التي تواجه الانتخابات أن كل حزب ـ كما ذهب إلى ذلك الرئيس المناوب لمفوضيّة الدستور ـ  يريد أن يفصّل نظاماً انتخابياً على مقاسه وليس على مقاس وطن، ولذلك يتعطل القانون، وقد يؤدي ذلك إلى عرقلة إجراء الانتخابات في موعدها المضروب، بنص دستوري، أو إجرائها على أية حال لنستورد النموذج الكيني في العنف والفوضى بعدما استوردنا منها اتفاقية السلام .. والمشكلة هنا واضحة هي أن النظام السياسي السوداني السائد منذ أكثر من نصف قرن، وبكل قواه الحاكمة والمعارضة، لم يتعلم شيئاً ولم ينسَ شيئاً، ولذلك يعيد إنتاج أزماته بطرائقَ شتى، وبالطبع لا أحد يزعم أن هذه القوى مجرد جمعيات خيرية تعمل فقط «من أجل الوطن»، ولا أحد ينكر عليها البحث عما يحقق مصالحها، ولكن حتى تتحقق هذه المصالح فما من سبيل أمامها إلا أن تهذب مطامحها وتشذب مطامعها باتفاق على قواعد للعبة السياسية مستفيدة من كل خيبات وعثرات النظام السياسي السائد الذي فشل في إرساء قواعد راسخة للاستقرار السياسي للبلاد ، بالطبع لا ينقص القوى السياسية وزعماؤها الفهم ولا المعرفة ولا الإدراك لكل هذه المعاني وأهمية ترسيخها، ولكن لا أحد يريد أن يقدم القدوة بتقديم تنازلات بحجم الوطن، لا بقدر خصومه السياسيين، ولا أحد يريد أن يصبر على مكاره البقاء بعيداً عن السلطة من أجل ترسيخ قيم الحرية والتحول الديمقراطي التي ينادي بها الجميع، ولكن المؤسف أن قادة النظام السياسي السوداني قديماً وحديثاً ظلوا يصنعون القيم التي ينادون بها من العجوة فإذا جاعوا إلى السلطة أكلوها، كما كان يفعل مشركو مكة بأصنامهم ، والتحول الديمقراطي الذي يتغنى به الجميع لن يتحقق فقط لأن هناك من يصرون على رفعه شعاراً، ولن يتحقق بهذا القانون أو ذاك، حتى ولو جئنا بأصلح قوانين العالم ودساتيره، مالم تكن تعبر فعلاً عن قناعات راسخة وممارسة فعلية للسلوك الديمقراطي، ولا أحد يجهل حاجة القوى السياسية السودانية جميعها للإصلاح فهو الفريضة الغائبة،  " صحيفة الصحافة 12 /2 / 2008م .. إنّها كلمات تقطر حسرة ، وليس أمامنا غير التحسّر ، فالأحزاب والزعامات بالفعل غير مرجوّة ،وهاك كلام الكاتب الكبير الأستاذ مصطفى البطل حيث يقول : " إنّ أمر الانتخابات المقبلة يبقي في نظري، و نظر الكثيرين، أجل وارفع شأنا من أن يترك للأحزاب السياسية التي يعلم رعاة الضأن في الفلوات مدي الاضطراب الذي يستغرقها وانهماك قادتها في إخماد حرائقها التي لا تنطفئ إلا ريثما تشتعل، وانشغالهم بالتصدي لمحاولات الحزب الحاكم المنظمة لإنهاكها واستنزاف طاقاتها و شراء كادراتها القابلة للبيع والشراء في بورصة الخرطوم. ثم إنّ العمل في سبيل تأمين مسيرة التحول الديمقراطي هو همٌ وطني جامع في المكان الأول و ينبغي أن يكون محلا لاهتمام كافة القوي السودانية الوطنية المنظمة منها وغير المنظمة. و ربما كان من اللائق و نحن نحث الخطي نحو هذا المنعرج التاريخي البالغ الحساسية، في ظل ما نراه من ضمور بنيات الأحزاب القائمة، أن يتداعي لفيف من الشخصيات و القوي الفاعلة في إطار تنظيم مدني مفتوح يضم النابهين من أهل القدرات و الخبرات في حقول القانون والإدارة و تحليل السياسات العامة و غيرها تكون من ابرز مهامه مراقبة الحكومة وإخضاع ممارسات أجهزتها التنفيذية للفحص المنهجي المنتظم بغرض تأمين استقامتها علي صراط التقوى السياسية في التخطيط و التطبيق. " صحيفة الأحداث ، وسودانايل 20/2/2008م " وإذا كان راعي الضأن ـ  فضلاً عن المتابع السياسي ـ يعلم ضعف الأحزاب واضطرابها كما يقول البطل ، فإنّ التفسير الأوحد المشاع عن هجرة القيادات من هذه الأحزاب المعلولة ، المبني على الشراء في بورصة الخرطوم ، هو تفسير غير كاف ، بل غير مقنع ، فالراحل الشريف الهندي رحمه الله عاش زاهداً ورحل أكثر زهداً ، والكواكب التي كانت حوله يستعصي تطبيق هذا التفسير عليها ، ومبارك الفاضل لو كان قد خرج عن حزبه ودخل لأجل المال لما خرج من القصر والبورصة تنثر له كنانتها !! علينا أن نتواضع على الحقائق ونعمل على وضع دراسات تعمل على " توطين الكادر " والبطل في مقالته هذه من فرط يأسه في الأحزاب يدعوا لتأسيس كيان مدني ليراقب ترتيبات التحوّل وتصرفات الحكومة ، وفي تقديري الأوفق هو التداعي لإصلاح هذه الأحزاب ، وفق تشكيل جديد يقوم على دمجها ـ بعد أن زالت الايدولوجيات اليمينية و اليساريّة ـ والإصلاح يشتمل أيضاً على تغيير الزعامات والعقليات والخلفيات ، حيث تمّ تجريب خيباتها مراراً ، فالانتخابات القادمة ـ بدون الإصلاح المطلوب ـ تكون تكراراً مقيتاً وهدراً للمال والوقت والجهد ، وتوريثاً غبياً للفشل ، وطعناً جباناً في ظهر المستقبل .  نواصل

 

 

 

الانتخابات القادمة: رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (5)

 

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

 كتب القيادي الاتحادي البارز الأستاذ فتح الرحمن شيلا يقول: " يجدر بنا أن نسأل أنفسنا لماذا انعكس الأمر فبعد أن كان حزبكم جاذباً يستقبل ، عاد طارداً يودع بالعشرات ، والقيادات يطبق عليها الصمت أو العجز ، وهي لا تحرك ساكناً ، كيف كان التقييم عند هجرة عشرات الأعضاء من المكتب السياسي إلى المؤتمر الوطني ؟" وقال في فقرة أخرى : " الذي يلفت الانتباه أن التحولات كانت تتم لضيق مساحة حرية الرأي إلى مساحات أكبر ولكن التحول الذي يحدث الآن ظاهرة تختلف كثيراً عن كل التجارب السابقة ، لأن الانضمام للحزب الاتحادي كان يحظى بالنصيب الأوفر ، بينما الذي يحدث الآن ليس تحولاً فردياً بل تعتبر هجرة جماعية ، ليس على المستوى القاعدي ، بل على مستوى قمة قيادات الحزب ، حيث شهدت الأعوام السابقة انضمام قيادات نافذة ومؤثرة وذات شخصية اعتبارية ، والسيد محمد سرالختم الميرغني مثالاً لذلك ، حيث لا ينكر عاقل ولا جاهل مكانته السياسية والدينية وارتباطه الكبير بجماهير الختمية بالبحر الأحمر ، لانتمائه لأسرة الميرغني ، مع عشرات من قيادات أخرى في الإقليم الأوسط والشرقي والخرطوم ، آخر المفاجآت ضمت قيادات نافذة على مستوى قيادات الحزب ، وبعضهم ينتمي للطريقة الختمية ، ومن القيادات التي لا يمكن وصفها بالعجز أو الضعف أو الإغراء المادي ، والسيد على محمد الحسن أبرسي مثالاً " صحيفة الأحداث 24 / 2 / 2008م  ، وقد قلنا في المرة السابقة مستشهدين بالراحل الشريف الهندي وغيره من القيادات ، إنّ التفسير الأوحد  المشاع عن انقسام الأحزاب ، أو هجرة القيادات والكوادر من أحزابها ، بأنّه بسبب الإغراء بالمال والوظيفة ، هو أمر غير مقنع في تفسير كل الظاهرة ، فلا بد أنّ خللاً كبيراً يسكن في هذه الأحزاب التي يهجرها قادتها النافذون !! ثانياً : لا يمكن أن تكون هذه القيادات المنقسمة والمهاجرة بهذه الكثافة ، خائرة بائرة ضعيفة وهشّة مطعونٌ في استقامتها ، يسهل البيع والشراء فيها على طريقة سوق المويلح !! أي أحزاب هذه التي تشيع عن قياداتها هذه الأوصاف !! والحقيقة كما أراها ، أنّ القيادات التي انضمّت للمؤتمر الوطني ، أو خرجت عن أحزابها ، أو كوّنت أحزاباً جديدة منقسمة عن الأحزاب الأم  ، " مبارك الفاضل ودكتور جلال الدقير .. الخ "  كلّها في تقديري قيادات مؤثرة وناضجة ومؤهلة وفاعلة ولم تخرج إلا لاعتلالات كبيرة اضطرتها للخروج ، أو لرؤية مغايرة تبنتها في التبكير بالتحوّل السلمي في التداول السياسي مع المؤتمر الوطني وبقية مكوّنات المسرح ، هذه الأسباب في تقديري هي التي تعطي تفسيراً حقيقياً لهجرة الكوادر وانقسامات الأحزاب ، وليس هدفنا هنا هو تبرئة هذه الكوادر ممّا لصق بها من تهم ، فهي قد تجاوزت ذلك بالصبر ودفع فاتورة البقاء على مسرح الأحداث بتفاني وتروّ ، ولكن شاهدنا هنا هو الالتفات لأصل المشكل ، وهو العطب السياسي الكبير الذي يعشعش في هذه التنظيمات ، هذه الأحزاب تعاني من شلل الأطفال منذ ولادتها ، ارجع لتاريخها ، ستجد خروج الكوادر وهجرة القيادات والانقسامات ، هي سنّة قديمة ، وهذا ليس هو الخلل ، هذا عرض من أعراض المرض ، إنّما المرض في أساسه غياب الفكر وغياب الديمقراطيّة داخل الأحزاب نفسها ، وهذا هو الذي يؤرّق هذه المقالة ويجعلها تقذف بالصيحة أعلاه في العنوان ، والتساؤل مهم وجوهري ، وإجابته ضروريّة للغاية، فالانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ هذا التساؤل لابد من التوافر على إجابته بصورة صادقة ومتجرّدة ، هل ستتم عمليات دمج كبير وإصلاح شامل لهذه الأحزاب ؟ أحزاب قامت على فكرة الاندماج مع مصر أو الاستقلال عنها ، أحزاب قامت على زعامات اجتماعيّة قديمة ، أحزاب قامت على دستور لينين ، أحزاب قامت على دستور حسن البنا ، أحزاب قامت على مرجعيّة القوميّة العربية وميشيل عفلق !! بيتنا السياسي قديم خرب ، بأثاث مهترئ وديكور متخلّف ، ويجوز لنا أن نسميه بالسكن العشوائي السياسي !! ويجوز لنا أن نستدعي الكادر الحزبي بكل ألوانه ليضع خطّة إسكانيّة لتوطين العمل السياسي وفق خطط ورؤى علميّة ، صدقني الترميم والتخريم لا يفيد مع " بيوت الطين القديمي " هذه !! والقضيّة عند الفيلسوف الإسلامي دكتور التيجاني عبد القادر أكبر من هذا التشخيص ، فهو يرجع المشكل لخلل في الشخصيّة السودانيّة كلها حين يقول معلّقاً على فشلنا الرياضي : " كنت أقول لو كان بإمكاننا أن ننجح في إدارة الرياضة نجاحا يؤهلنا للفوز بكأس الأمم الأفريقية لكان بإمكاننا أن ننجح كذلك في إدارة "سودانير" وفى إدارة السكك الحديدية وفى إدارة مشروع الجزيرة، وفى الخروج من مشكلة دار فور، لأن النجاح في الرياضة وغيرها لا يسقط من السحاب كما تسقط الأمطار، وإنما يتولد عن الإرادة والتخطيط والصدق مع النفس وعلو الهمة، وهذه قدرات ومهارات نادرة في الحالة السودانية الراهنة، ولا يتوقع للقطاع الرياضي أن يكون استثناء في هذا الجانب " " صحيفة الأحداث 25/2/2008م " ولك أن تتخيّل أنّ ما يعرف بالتجمّع الوطني الديمقراطي ، الذي بحّ صوته منادياً بالتحوّل الديمقراطي ، وبدد في سبيل ذلك أعمار الشباب الذين يظنون في السراب ماءاً ، هذا التجمّع الموهوم ، منذ أن عاد للخرطوم ، ومع كل الحراك السياسي الكثيف  لم تستطع هيئته أن تجتمع ولو مرّة واحدة ؟! البلد على مفترق طرق ، ووحدتها في محل اختبار وشيك ، ودارفور توشك أن تصبح مستعمرة غربية ، والانتخابات " التحوّل الديمقراطي " متبقي لها عام واحد !! أجندة وطنيّة جسيمة ومهددات وخيمة والتجمّع في الخرطوم لا يعقد اجتماعاً منذ عودته !! والدكتور فاروق أبو عيسى يحاول أن يلطّف ويخفف ولا يستطيع فيقول " للتجمع الوطني الديمقراطي ظروفا صعبة ومعقدة ولكن أي حديث عن التجمع غير موجود فهو غير صحيح، فالتجمع موجود ومكوناته مازالت موجودة فاعلة، مشكلته انه كان يعمل بنهج معين في الخارج، بأجندة معينة في المرحلة الماضية، الآن وبعد انتقاله إلى الداخل هنالك أوضاع جديدة فهو حتى الآن لم يتمكن من عقد اجتماع هيئة قيادته حتى يستطيع أن يعدل ويبدل في أجندته وإستراتيجيته بما يتواءم مع هذه المتغيرات " صحيفة الصحافة 25/2/2008م العدد 5275 طيّب متى يعدّل ويبدّل أجندته ؟ يوم القيامة ؟ ولا أظن أنّ رجاءاً يمكن أن يكون في هذا التجمّع ، فقد بحّ صوته وهو ينادي بالتحوّل الديمقراطي ، وحين وفّرت مصر وليبيا طاولة تجبر نظام الخرطوم على التنازل عن الانفراد بالسلطة والاستجابة لداعي " التحوّل الديمقراطي" ، استجاب النظام "الشمولي" ، وسمى مفاوضيه ولم يفعل التجمّع شيئاً سوى أنّه أضاع جهد ووقت وزيري خارجيّة مصر وليبيا "عمرو موسى وعلي التريكي " وأضاعوا أكثر من ذلك سنوات طويلة في سبيل " التحوّل الديمقراطي" واليوم قطع "النظام الشمولي" شوطاً بعيداً جداً في بناء " التحوّل الديمقراطي " والتجمّع " الديمقراطي" غير معني بذلك تماماً ،لا من قريب ولا من بعيد ، فلو كان مهموماً ومشغولاً بذلك ـ عن صدق ـ  لعقد عشرات الاجتماعات منذ أن عاد ، ولما أضاع وقت وجهد مصر وليبيا والسودان قبل أن يعود !!   

 

 

الانتخابات القادمة : رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟  (6)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

ما يدعو للقلق في البنية الفكريّة الهشّة التي تقوم عليها الممارسة السياسيّة في البلاد ، ليس هو فقط أسلوب المنافقة والغدر الذي تمارسه الأحزاب السودانيّة ببعضها البعض ، في الفترات الديمقراطيّة والشموليّة معاً حيث "النضال الوطني" المتوهّم ، فالأحزاب تصنع الانقلابات وتأتي بالعسكر ثمّ تزجّ بالشباب في معارك "النضال الوطني واجتثاث العسكر"!! ما يدعو للقلق في معالجة هذه الإشكاليّة ـ بجانب نفاق وخداع الأحزاب ـ المخادنة التي تمارسها الصحافة أيضاً !! ما ألحظه أنّ صحافتنا منذ الانتفاضة وحتى اليوم تجانب المهنيّة بشكل واضح ومخل ، بحيث أصبحت حمولة الرأي والمزاج والولاء والكره والحب والبغض ، وغيرها من الصفات ، صارت تؤثر في الرسالة الصحفيّة بشكل واسع ومخل ، والمؤسف أنّ حمولة الرأي لم تعد قاصرة على " صفحات الرأي " إنما تتوزّع بصورة فجّة في باقي الصفحات ، حتى الأخبار والتقارير ، بجانب التحقيقات التي لا تنجو من الرأي بحكم طبيعة المعالجة فيها .. هذا الخلل ـ للأسف الشديد ـ يعمل "مع الخلل الحزبي" في إعاقة النمو والتطوّر السياسي ، وعليه تصبح أحلامنا في بلوغ مرحلة "الرشد السياسي" أحلاماً بعيدة ، وإذا واصلنا بطريقة الاستدلال التي تتبعها هذه المقالة ، فإننا نجد شد الرأي العام بصورة سالبة في علاقة الحوار القائمة بين حزب الأمّة وحزب المؤتمر الوطني ، فتجد المقالات والأعمدة والحوارات ومنتديات الانترنت ، وغيرها ، معظمها ، يقسو على حزب الأمّة ويهجوه ، وكأنّه يقوم بمنكرات لا تغتفر ، في حين أنّ الحوار بين الحزبين قديم ، وفي حين أنّ الحوار هو الوسيلة الحضاريّة الأولى في حل الخلافات وإزالة الغبن والاحتقان ومعالجة الأخطاء ، ومن ثمّ بناء المشترك الوطني بين التنظيمات الحاكمة والمعارضة ، وأعطيك الآن عينة لأجواء هذا الحوار في رأي عام معلول ، فقد جاء في تغطية صحيفة الصحافة للمؤتمر الصحفي للسيد الصادق المهدي في أعقاب حوار حزبه مع حزب المؤتمر الوطني ما يلي : " أعلن الصادق المهدي أمس، انتقال حزبه من خانة الجهاد المدني إلى النضال المشترك مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم من أجل ما أسماه بـ(التراضي الوطني)، وهو ما يثير حفيظة البعض ويعتبره انقلابا في سياسات الحزب الذي ظل يقود تيار المعارضة بالخارج والداخل باعتباره أكبر الأحزاب شعبية وفقا لآخر انتخابات ديمقراطية أجريت في البلاد، وتحولا من نضال ضد نظام الإنقاذ إلى تفاهمات مع المؤتمر الوطني عبر لجنة ثنائية مشتركة تبحث قضايا مثيرة للجدل ، وتحدث المهدي في مؤتمر صحفي أمس، حضره جمع غفير كانت الغلبة فيه لأنصاره وبعض موفدي الأحزاب السياسية الأخرى المعارضة، وكأنما الجميع جاء لمعرفة حقيقة الاتفاق الذي توصل إليه حزب الأمة القومي والمؤتمر الوطني، فجانب من هؤلاء تعرض لصدمة الانقلاب السياسي الذي أثاره حوار الحزبين، وآخرون يسيطر عليهم القلق خشية خسارة حليف كبير ومهم في تحالف المعارضة، وصحافيون متلهفون لسماع أنباء عن مشاركة قريبة في الحكومة أو تحالف استراتيجي أو على الأقل توضيحات قوية لاتفاق الحزبين ." " صحيفة الصحافة الخميس 6/3/:2008م   العدد رقم: 5285"  إنني لا أدافع عن السيد الصادق ولكني أدافع عن نهج الحوار والبحث الجاد في بناء المشترك الوطني وتعزيزه ، ولكنّك إذا فتحت الانترنت قبالة حوار " الأمّة والوطني" فإنّك ستجد العجائب التي تزيد من شلل الرأي العام وتغذيته بالسموم وأوهام لا تقف على ساقين ، فالنضال عند البعض لا يساوي غير "مع أو ضد" ، ومن ثمّ نتائجه تساوي الاجتثاث أو الجحيم !! والنضال عندهم وفق ذلك لا يمكن معه أي تلاقي أو حوار ، وهذا هو التخلّف بعينه ، وهذه لغة سبقت سيرة سيدنا نوح الذي تحاور مع قومه قرابة الألف عام ، ولكننا اليوم في عام 2008م وبعد كل هذا التطوّر الحضاري في المفاهيم والممارسات الإنسانيّة ، وبعد أن توصل العقل السوداني لمعادلة إنهاء أطول حرب في إفريقيا عبر الحوار ، وبعد أن جلست المهددات عند كل أبواب السودان الأربعة ، وبعد أن تغيّرت أساليب التعاطي الدولي مع السيادة الوطنيّة ، وبعد أن توصّل الطيف السياسي لمعادلة تقرير المصير التي ستقول قولتها قريباً في وحدة البلاد ، بعد كل هذه التطورات والتحولات الكبيرة ، تجد العاملين في تغذية الرأي العام يجتهدون في تغذيته بالسموم بقصد وبغير قصد ، في حين أنّك تجدهم في حالة حوار الحزب الشيوعي مع المؤتمر الوطني لا يدلقون معشار مادلقوه من حبر مسموم في حوار الأمّة والوطني !! ففي حوار صحيفة الأحداث مع الدكتور الشفيع خضر عضو اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي ، سأله المحرر عن حوار حزبه مع الوطني ، لم يقل للمحرر : " كما تعلم فإنّ الجلوس مع المؤتمر بالنسبة ، لنا خطاً أحمراً ، نحن لا نقبل من المؤتمر غير مغادرة الساحة وتسليم البلد للشعب على ما كانت عليه قبل 30 يونيو 1989م "  لم يقل مثل هذا الحديث الأجوف الأخرق الذي يأخذنا فجأةً لأجواء الفصام النكد ، الذي تجاوزناه ، لكنّه أجاب بالقول  " نحن قررنا التعامل مع الحوارات الجارية الآن بشكل جدي باعتبار أن هناك أزمة في البلاد متمثلة في الوضع الراهن الناتج عن الاتفاقيات التي أفضت إلى حكومة الشريكين وتكوين البرلمان وبالتالي فرض درجة من درجات الاعتراف.. نحن كحزب أيدنا اتفاقية نيفاشا ووقعنا مع التجمع اتفاقية القاهرة لذلك لابد من التفاعل مع هذا الحراك السياسي على الرغم من اعتراض بعض العضوية داخل الحزب " ويقول عن مستقبل التلاقي السياسي : " تاريخ السودان الانتخابي مليء بالتحالفات المختلفة.. ونحن في الحزب الشيوعي نرى أنه إذا كان هناك إمكانية لتحالف قوى واسعة بغض النظر عن الأيديولوجيات المطروحة لكنها تتلاقي في عملية إفشاء السلام والديمقراطية، وتعمل من أجل الوحدة وتدعو للحل السلمي الديمقراطي ." " صحيفة الأحداث العدد 126  الثلاثاء   12/2/2008م " إنّك لا تملك غير احترام هذا الفكر المستنير الواعي المدرك للراهن السياسي الحرج ، وإنّه بالفعل حديث يصدر عن مسؤولية وطنيّة حقيقيّة ، وليس من شيء يجعلنا نقول إنّه حديث لاستمالة الرأي العام ، لأنّ الرأي العام المعلول في السنوات الأخيرة تتم تغذيته بالسموم ، والقراءات الخاطئة المبنيّة على لغة الخلاف ومبدأ الاختلاف ، وليس على حقائق الواقع ، أنظر مثلاً السفير السابق إبراهيم طه أيوب الذي استطلعت صحيفة الصحافة رأيه حول الانتخابات المقبلة ، فأورد محرر الصحيفة رأيه على النحو التالي : " إبراهيم طه أيوب الدبلوماسي والسفير السابق يطلق لتشاؤمه العنان وهو يقول لي إنّ المؤتمر الوطني لا يرغب في قيام الانتخابات ويبرر ذلك بأن لا مصلحة للمؤتمر الوطني في قيام الانتخابات باعتباره موجوداً ومتربعاً علي السلطة ويمارس الإقصاء تجاه الآخرين بما في ذلك شريكه في السلطة الحركة الشعبية، كما أنّ هنالك انقسامات وصراعات داخل المؤتمر الوطني " وفي فقرة لاحقة جاء : " ورغم تأكيده على إنهاء الشمولية والتوجه نحو التحول الديمقراطي كما جاء في اتفاق السلام إلا أنّ محدثنا يشكك في مجمل هذه العملية، وجهة نظر إبراهيم طه أيوب ربما تجد رواجاً وسط قطاعات من جماهير طال رزوحها تحت الشمولية وبالتالي اليأس من قيام انتخابات إلا أنّ الأمل في تغيير الواقع يجعل المتوفر الممكن هو الضغط في اتجاه قيام الانتخابات ولكن ما هو التصور الممكن لنجاح هذه العملية وبالتالي الخروج من هذا المطب؟ صحيفة الصحافة 26/2/2008م العدد 5276 " وهذه عينة أيضاً توقفك على الاجتهاد الخاطئ والتعنّت والتعسّف وتكبد المشاق في تغيير الحقائق وكأنّ الشعب خارج الوعي وقاصر عن الإدراك والمتابعة !! ونسأل المحرر وسعادة السفير السابق : هل صحيح أنّ المؤتمر لا يرغب في الانتخابات أم أنّه هو الذي أتى بها عبر اتفاق نيفاشا ؟ وكيف كان موقفه التفاوضي في مسألة الانتخابات ؟ الكل يعرف أنّ المؤتمر كان يصر على التبكير بعملية التحوّل الديمقراطي والاحتكام للشعب ، فلماذا التزييف ؟ وهل المؤتمر يمارس "إقصاء الحركة الشعبيّة" أم هو الذي جعلها شريكاً في الحكم ؟ مهما استفضت في القول عن أنها انتزعت حقها أو أنّ الوسطاء أجبروا المؤتمر ، إلا أنّ الحقيقة الواضحة أيضاً أنّ المؤتمر فاوض لسنوات وشهور ووقع عن قناعة وكان بإمكانه أن يرفض وقد رأيناه يرفض أشياء ولا يتنازل عن أشياء بحسب رؤيته التفاوضيّة ، فلماذا التزييف ؟! والتزييف الأكبر يبثه المحرر بقوله عن : " اليأس من قيام الانتخابات إلا أنّ الأمل في تغيير الواقع يجعل المتوفر الممكن هو الضغط في اتجاه قيام الانتخابات " هذا تزييف غريب ، فهو يصوّر للرأي العام تهرب المؤتمر من قيام الانتخابات ولكن الأمل ـ بحسب رأيه ـ في جهود الضغط في اتجاه قيام الانتخابات !! المحرر هنا يقلب حقائق الواقع مائة وثمانين درجة وكأنّه هو الوحيد الذي يعايش الأحداث !! نحن هنا لا نقصده في شخصه لذا حجبنا اسمه ، إنّما المقصود في هذا الجزء من هذه المقالة ، أن نقف على متلازمة الخلل الكبير ، خلل الكيد الحزبي والخلل الإعلامي وتزييف الحقائق للرأي العام ، وبما أننا مقبلون على انتخابات تمثّل مرحلة فاصلة في تاريخ البلاد ، فالمطلوب تصحيح هذا الخلل أولاً ، حتى تعبّر انتخاباتنا عن رشد سياسي وليس فوضى مستدامة . نواصل .

 

 

 

    

 

الانتخابات القادمة .. رشد سياسي أم فوضى مستدامة ؟ (7/7)

محمّد خير عوض الله

[email protected]

 

نحاول اليوم أن ننهي هذا المقال المتسلسل حول هذه القضيّة المهمّة ، ويقيني أنّ أمر  الانتخابات القادمة يحتاج للكتابة والمساهمة النقديّة من الطيف كلّه ، يومياً وبدون توقف ، وفي كل الصحف ، ولكن لتفادي الرتابة سنحاول اليوم لملمة ما تبقى من حديث ، عن الخلل الكبير الذي لازم هذه البلاد ، وقد صنّفه القيادي والمثقف الجنوبي البارز بونا ملوال بأنّه "فشل القيادة" ، حيث يقول :" إن الجدل الدائر في السودان حول الديمقراطية لم يكن حول الديمقراطية بتاتاً، فالجدل الحقيقي يجب أن يكون حول الفشل الدائم للقيادة السياسية القومية. فإن كان الجدل حول الديمقراطية لما شهدت البلاد منذ عام 1956 ثلاثة أشكال مما يسمى بالانتخابات القومية بدون إحراز تقدم، فبعد إعلان الاستقلال في يناير 1956 كان هناك ما يسمى بانتخابات ديمقراطية عام 1957، 1968 و1986 حيث تمخّضت جميعها عن ما يسمى بحكومات ديمقراطية إذ لم تكن أيٌّ من هذه الحكومات بأفضل من الأخرى في ما يتعلق بالمُثل الديمقراطية كما نعرفها. أيجب علينا أن نسمي هذا بفشل الديمقراطية؟ فأنت لا يمكن مطلقاً أن ترسّخ ديمقراطية حقيقية وسط مجتمع منقسم. فالكارثة الحقيقية للعملية السياسية في السودان تمثلت في فشل القيادة القومية في تحديد ما يوحّد شعب السودان، فالقيادة القومية لم تحسن إدارة القضايا التي تفرق شعب السودان وتضعها في الأولوية. فمثلاً كان بالإمكان أن تزدهر الديمقراطية لو أن آباء السودان المستقل قرروا تحديد نظام سياسي للحكم من شأنه أن يوحد بلاد متنوعة كالسودان " " صحيفة الصحافة ، العدد 5290 ، 11/3/2008م " ولا شك أنّ ما يسميه بونا بفشل القيادة ينعكس ضربة لازب على المؤسسات ، وأولها الأحزاب نفسها ، وقد وصفناها في مقال سابق بأنّها تعاني من شلل الأطفال من يوم ولادتها ، واليوم نرى جميعاً حركة التململ والنزوح في الكوادر والقيادات ، ومعظمهم ينزحون لحزب المؤتمر الوطني لينشئوا المنطقة الوسط ، وهي المنطقة المفقودة في حالة  (توهان الولاء)  السائدة في الشعب السوداني بصفة عامة ، وتتجلى بين مثقفيه بصورة أخص ، وهو ما عبّر عنه دكتور إسماعيل الحاج موسى بقوله : "الخلافات بين أحزابنا لا تفتأ تتأرجح بين طيات الثريا وأديم الثرى.. دون مسوّغات موضوعية حقيقية كما أن هذه الأحزاب كلها ومنذ وقت طويل قد تمزّقت وتفرّقت شذر مذر وتفتت وتناثرت وكل حزب واحد أصبح عدداً من الأحزاب، وبما أنهم كذلك ومنذ وقت طويل، بدأ موسم النزوح إلى المؤتمر الوطني" " صحيفة الصحافة 13/3/2008م العدد 5292 " وقد أبدع الأستاذ إبراهيم علي إبراهيم المحامي "المقيم بواشنطون" حيث كتب رؤية نقديّة من خلال التجارب السابقة يقول عن اختطاف العمل الجماهيري بواسطة الأحزاب : " وكانت هذه النخب الجديدة ترى أنها القيادة الفعلية للثورة والانتفاضة، والمنظمة لحركة المعارضة والعصيان المدني، وان الأحزاب لم يكن لها دور غير المساندة في الساعة الأخيرة، وأنها ما عاد لها دور، وان حركة الجماهير تخطتها، وأنها أحق بتولي السلطة بعد سقوط النظام باعتبارها البديل الذي تنتظره الجماهير، للدرجة التي تغنى فيها شاعر الانتفاضة محمد الحسن سالم حميد بلسانه النقابي : ( لما يا شرف المواكب ، يبقى هم الناس إمارة ، تندحر كل المناصب ، ينكسر كرسي الوزارة ، كنتوا وين، وين انتو كنتوا) وقد كان يستهدف بقصيدته تلك قيادات الأحزاب التي لم تشارك في النضال والتي صحت لتوها من غفوة طويلة." إبراهيم علي إبراهيم المحامي ، نحو مدخل جديد للعمل المعارض ، سودانايل 20 / 2/ 2008م  ولعلك تلاحظ اليوم ، أنّ الأحزاب تتكرر لها الدروس وهي بدورها تكرر الفشل !! فهي إلى اليوم لم تقم بالترتيبات الداخليّة الكافية التي تؤهلها لملأ الساحة في ظروف صعبة بالغة الحساسيّة ، فهي تعاني من الصراعات والنزوح والبؤس والشلليات ، ولعلّك تلاحظ تشخيص الأستاذ إبراهيم المحامي لوضع هذه الأحزاب حين أطلّت لقيادة البلاد بعد الانتفاضة ، لترى أنّ حالها بالأمس هو ذات حالها اليوم !! يقول الأستاذ إبراهيم: " وحقيقة كانت تساور النخب الجديدة شكوك كثيرة حول عودة الديمقراطية وانجاز مواثيق الانتفاضة ومتطلبات عهد الانتقال الديمقراطي، بواسطة نفس النخبة السياسية الصغيرة التي فشلت في الحفاظ عليها، والتي تنتمي إلى أصل اجتماعي وتاريخي واحد، وهي نخبة اتسمت سمعتها بالفشل والفساد . " و لك أن تقف على تشخيصه لحالة هذه القوى المتصارعة في السابق لتجده يتناسب تماماً معها اليوم ، وذلك حين يقول : " لم يكن متاحاً لهذه القوى السياسية - وهي منشغلة بصراعاتها الذاتية والدفاع عن حقوقها النقابية، أن ترى خارج الأطر التي وضعتها والتشكيلات التي خلقتها بنفسها، لذا عجزت عن معرفة مشاكل السودان وفهم أبعادها المعقدة، ومعرفة آمال وطموحات أطرافه النائية التي كانت تتحرق شوقا لتصبح جزءا معترفا به من الدولة وليست تابعا. " " إبراهيم علي إبراهيم المحامي ، نحو مدخل جديد للعمل المعارض ، صحيفة الصحافة 21/2/2008م " ولكن من المعروف سلفاً أنّ فاقد الشيء لا يعطيه ، فالأحزاب تعاني من انسدادات داخليّة مزعجة ، لدرجة أنّ قيادي قديم ومؤسس للحزب الشيوعي يريد أن يماس النقد الداخلي ، داخل مباني الحزب فيمنع !! واستنكار مثل هذا المسلك غير الديمقراطي لا يقول به مراقب من أمثالنا ، إنّما يقول به "رفاق" داخل الحزب ، يقول الدكتور عبد الماجد بوب : " لقد حان الوقت لتفتح دور الحزب أبوابها وتفسح جريدة الميدان حيزاً مقدراً من صفحاتها، وتستحث الرفاق خاصة الذين ابتعدوا لسبب أو آخر عن نشاط الحزب للإطلاع على التقارير المتاحة والإدلاء بآرائهم. فمهمة تحويل الحزب الشيوعي إلى قوة اجتماعية كبرى إذ أخذت مأخذ الجد لا بد لها أن تستنفرالأقسام الطليعية من العاملين والمثقفين الوطنيين وبناة الحركة الديمقراطية والدكتور فاروق بلا شك في مقدمتهم. لا يضيرنا في شيء مدى التوافق والتباين في المواقف هنا وهناك. فهنالك المئات من الأعضاء الذين أسهموا في مسيرة الحزب في فترة أو أخرى يتطلعون لاختبار جدية الشيوعيين في الإصغاء لآرائهم وتخفيف القيود لتسهيل عودة الراغبين والمخلصين منهم إلى صفوف الحزب" دكتور عبد الماجد بوب ، رســالة حبية إلى قيادة الحزب الشيوعي السوداني! لا توصـــدوا البــــاب فـي وجـــه فــاروق ، صحيفة الأحداث العدد 150  الاثنين 10 مارس 2008م " ، ما كان لمثل هذه الأحزاب " التقدميّة " أن تفتقر ل"جديّة الإصغاء " للكوادر والأعضاء الذين يحتاجون فقط ل"تخفيف" القيود عليهم !! يا للبؤس ويا للحسرة !!  وتتجلى الأزمات الداخليّة للأحزاب في التفريعات الكثيرة للأحزاب عديمة البرامج المتمحورة حول الزعامات التاريخيّة والطائفيّة ليس غير ، فمثال هجرة قادة معتبرون من الحزب الاتحادي لحزب المؤتمر الوطني لا تكتفي بدلالتها فقط ، إنّما تفتقت عنها مظاهر خلل أخرى عديدة داخل الحزب ، ولكن المؤسف حقاً أن يتبارى مثقفو اليسار في استهجان اعتماد حزب الأمّة مبدأ الحوار مع حزب آخر بدعوى أنّ " الأمّة " حزب معارض لا يتلقي مع "المؤتمر" على ثوابت ومشترك وطني !!أمّة  وكل الأحزاب تمارس الحوار مع "المؤتمر" بما فيها الحركة الشعبيّة العمود الفقري للمعارضة والحليف المتوهم للحزب الشيوعي ، ففيم الضجّة ؟ وأين الخطأ ؟ وقد أوفى الأستاذ حسن أحمد الحسن " المقيم بواشنطون " وكفى ، في الرد على هذه الهرطقة ، والتي ما كان ينبغي أن تصدر عن أكاديمي له حضوره المرموق في تنوير الرأي العام ، هو الدكتور حيدر إبراهيم ، الذي عاب على حزب الأمّة وعلى زعيمه أن يتوصّل لاتفاق مع حزب المؤتمر ، ولكن السيد الصادق رد على معارضيه بأنّ حزبه "لا يحتاج إلى وصاية" ، وأنّ وثائق الاتفاق ستكون ضمن مواد تشكّل في جوهرها ملتقى جامع لتحقيق إجماع وطني على قضايا البلاد. " " صحيفة الصحافة العدد 5289 الاثنين 10 مارس 2008م " أمّا الأستاذ حسن فقد فنّد دعاوى دكتور حيدر الرافضة لاتفاقيّة التراضي الوطني مع حزب المؤتمر والتي ستكون مبسوطة لكل الأحزاب الأخرى ، وقال في مقالته المطوّلة : " أحسب أنّ الدكتور حيدر قد ساءه أن يضّيق المهدي مساحات الخلاف مع خصومه دون أن ينفذ بالتحليل إلى صلب ما تم الوفاق عليه أو الاتفاق حوله وإذا ما كان المهدي متناقضا مع مواقفه المعلنة ومناداته المتصلة بضرورة بسط الحريات الأساسية وتحقيق التحول الديمقراطي وحل مشكلات البلاد في أطر قومية تتسع للجميع.  ذكرني استهداف حيدر بعبوته الناسفة ما قاله صحفي لبناني معلقا على محاولة اغتيال الإعلامية اللبنانية مي شدياق التي تقدم برنامج نهاركم سعيد في تلك الأيام قائلا (كيف تسعون لاغتيال من يقول لكم نهاركم سعيد) " حسن أحمد الحسن ، المثقف وداء فقدان المناعة الفكرية والسياسية ، سودانايل 11/3/2008م " وعلى ذات طريق التلاقي السياسي ، هاهو الدكتور الترابي يتحدّث صراحةً عن وحدة وشيكة بين الإسلاميين ، وهي بلا شك خطوة مهمّة في بناء التراضي السياسي ، والتراضي السياسي الفعلي لا يتم على طريقة لقاءات المجاملة والعلاقات العامة بين شرازم وتشققات حزبيّة ، إنّ المقالة هذه تنادي بالصوت العالي بضرورة اندماجات كبيرة جداً بين هذه الأحزاب التي لا تبدو متباينة في شيء ، اندماج حقيقي وكبير تدخل فيه أحزاب الأمة والاتحاديين والإسلاميين ، لقد انتهت المهام التاريخيّة التي أوجدت هذه الأحزاب " وصايا حسن البنا ووحدة وادي النيل والاستقلال عن مصر " لقد انتهت هذه المسائل التي تخلو من أي برامج لبناء حزبي حقيقي ، كما انتهى عصر الايدولوجيا وانحسر ، وعليه ننادي بدخول الحزب الشيوعي في معالجات جريئة لمبادئ وأساسيات وفرضيات بقائه ، فمثل هذه المعالجات الجريئة تكتب البقاء الصحي للأجسام لتقوم بوظائفها على النحو الصحيح المطلوب ، الآن المبادرة لدى الإسلاميين ليوحدوا حزبيهم ويداووا جراحاتهم ، وهنا ننقل شيئاً ممّا جاء في الحوار مع الدكتور الترابي فقد سألته صحيفة الأحداث عن إمكانيّة اندماج المؤتمرين الوطني والشعبي فقال : " أنا لا استيئس والحوارات الاجتماعية والفردية يمكن تعالج عوارض الخلاف بيننا وبينهم والحوار الرسمي رهين بمساواتنا ،أي أن يطلقوا سراح مسجونينا ويقولوا لنا هاكم نرد إليكم ماسلبنا منكم. فقط بعدها سيبدأ الحوار الرسمي فورا ولا أظنه سيأخذ وقتا طويلا كيما نتفق . " وسألته الصحيفة : " هل تعتقد أن الوحدة ممكنة قبل الانتخابات ؟ فأجاب " : لا استبعد ، لا استبعد , أولا تزول عوائق الحوار واغلب الناس إذا جلسوا فهم متفقون على اغلب الأشياء اغلبها 90%  " وسألته الصحيفة : " جبهة إسلامية تانى ؟ فأجاب : "  يمكن أن تقول إنها شبيهة بذلك " " صحيفة الأحداث العدد 152 الأربعاء 12/3/2008م " وبالمقابل نحتاج أيضاً ، مع جرأة السيد الصادق والدكتور الترابي والأستاذ نقد ـ لجرأة الأستاذ فتح الرحمن شيلا وأصحابه ، فقد استطاع أن يوظّف خطأ الأستاذ عبد الواحد محمّد نور في نقله لقضيّة دارفور لإسرائيل ، استطاع بشجاعته أن يوظف هذا الخطأ للمعالجة السياسيّة ـ وهي التي ننادي بها هنا ـ  حيث يقول : " تجربة العمل المعارض تحيطها مجموعة من الظروف والعوامل السالبة التي تؤدي إلى حالة اليأس والإحباط عندما تضيق فرص الحلول السلمية وتعجز وسائل العنف والسلاح وتضيق آمال الانفراج للوصول إلى حلول عاجلة وهي تجربة عشناها خلال فترة العمل المعارض بالخارج والبعد عن الوطن والأهل إلا أن التصرف بالحكمة والعقلانية ضرورية وواجبة وهي الإصرار والعزيمة الصادقة على أهمية إعمال لغة الحوار وتجاوز التعقيدات التي تعترض مسيرة التفاوض السلمي وليس الانتحار السياسي كما فعل الأخ عبد الواحد ،من الشجاعة الكاملة أن نعيد النظر في قراراتنا إن أحسسنا بخطئها أو نبهنا الحادبون من الأصدقاء " " سودانايل 13/3/2008م " . إننا في ختام هذه المقالة المتسلسلة ، ندعو أرباب القلم كافة ، أن يدفعوا باتجاه بناء المشترك الوطني ، وتلاقي القوى السياسيّة ، وبناء اندماجات حزبيّة كبيرة ، وعدم التيبس في خانات الحب والكره في التعاطي السياسي ، فالجميع جرّب بالصواب  وبالخطأ ، ولم يعد الشعب يحتمل مزيداً من التجريب !! 

 

 

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع