نقاط علي مائدة الحوار الوطني حول مسودة قانون الإنتخابات
السودان بين الديمقراطية الحقيقية و (كلبتوقراطية) الجماعة الحاكمة
عرمان محمد احمد
الكلبتوقراطية والديمقراطية نقيضان لا يجتمعان. فبينما تعرف الديمقراطية بأنها حكم الشعب، تعرف الكلبتوقراطية (Cliptocracy) بأنها حكم الحرامية ( Rule by thieves). والكلبتوقراط نخبة من الساسة وكبار المسئولين في الدولة، يستبيحون المال العام، ولايؤمنون في قرارة أنفسهم بالديمقراطية، وان كان بعضهم يدعيها. و الشعب من وجهة نظر الكلبتوقراط هو خادم الحكومة، بينما الديمقراطية الحقيقية تعني ان الحكومة هي خادمة الشعب. وفي ظل الديمقراطية الحقيقية لا تقتسم الثروة بين نخب وجماعات بعينها، وإنما تقتسم ثروات البلاد بصورة عادلة بين جميع المواطنين، ومن ثم يكون لكل مواطن سهمه المستحق في الثروة الوطنية. كما تعني الديمقراطية الحقيقية، ان يكون المواطن المحكوم هو الحاكم الحقيقي. بمعني ان الحكام وكلاء واجراء واجبهم الأساسي خدمة مصالح المواطن، لأن المواطن هو الذي يعينهم و يحاسبهم و يعزلهم عن طريق الإستخدام الواعي والمستنير لورقة الإقتراع.
الفساد المالي والإداري
و من أغرب مظاهر الكلبتوقراطية في السودان، ماورد في تقرير المراجع العام الأخير،عن رفض القائمين علي عدد كبير من المؤسسات الرسمية، مراجعة حسابات هذه المؤسسات بواسطة المراجع العام،في تجاوز وتحد صارخ لأحكام قانون المراجع العام والمادة (205) من دستور نيفاشا الإنتقالي التي تنص علي: ((-4 يقوم ديوان المراجعة القومي بمراجعة حسابات الأجهزة التنفيذية القومية والهيئة التشريعية القومية والسلطة القضائية القومية، إلى جانب حسابات الولايات الشمالية والمؤسسات والهيئات والشركات العامة وأي مؤسسة أخرى يحددها القانون. )). ولم تتخذ الحكومة حتي الإن الإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة هذا الفساد الكبير والخطير. بيد انه من غير المستبعد تكوين لجنة تحقيق فيما بعد، بهدف تهدئة وتخدير الرأي العام، وصرف الإنظار عن مثل هذه القضايا. وربما تلجأ الجماعة الحاكمة، كما جرت العادة، الي عقد مؤتمرات لمناقشة هذا الفساد الوبائي، تشكل علي أثرها بعض لجان تسويفية صورية، أو تأسس بناء علي توصيات هذه المؤتمرات (مفوضية) جديدة، ومن بعد ذلك يوظف عدد من أباطرة الجماعة الحاكمة في (المفوضية) بمرتبات و مخصصات كبيرة، كي يعملوا علي معالجة هذا الفساد بمزيد من الفساد!
وإذا كانت سيادة حكم القانون هي أساس الديمقراطية، فأن الكلبتوقراطية تنبع أساساً من عدم إحترام الدستور و تجاوز القوانين ومخالفتها وخرقها بواسطة من يفترض انهم حراس القانون. ولقد عم الفساد المالي والإداري الوبائي الآن كل المؤسسات التي تسيطر عليها الجماعة الحاكمة، مثل ديوان الزكاة، و صندوق المعاشات، وصندوق دعم الطلاب، و مؤسسة الإتصالات، و مؤسسة الأسواق الحرة، والمؤسسات الإستثمارية التابعة للجيش والشرطة و الأجهزة الأمنية، وغيرها من المؤسسات. و يقدر حجم الفساد الناجم عن مخالفات النظام المصرفي بـنحو (1000000000000 جنيه) تريلون جنيه سوداني. وهذا الفساد الكبير والخطير، إنما هو محصلة طبيعة للفساد السياسي، و يقتضي شئ واحد، هو إستقالة او إقالة المسئولين في أمبراطورية (الإنقاذ الوطني) من قمتهم الي قاعدتهم، و تقديمهم للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة العادلة.
النموء الاقتصادي و الظلم الإجتماعي في السودان
عائدات البترول في السودان خلال العشر سنوات الماضية 1998 - 2008 كان من الممكن ان تبلغ اضعاف عائداته المعلن عنها في الوقت الحاضر، لولا الكلبتوقراطية في التعاقدات البترولية الحالية. كونها تعاقدات ابرمت في غياب الديمقراطية والشفافية، و اكتنفها الكثير من الغموض والسرية. و بالرغم من ان النموء الإقتصادي بلغ 8.3 % نسبة للزيادة العالمية في أسعار البترول، الا ان هذا النموء لم ينعكس علي حياة المواطن السوداني البسيط. و من أبرز مظاهر الظلم الإجتماعي، إنفاق الجماعة الحاكمة اموال الشعب السوداني بغير حساب، علي الاحتفالات والمظاهر البذخية، و إقامة حفلات التكريم العجيب لكوادرها، في حين تتولي الكنائيس و منظمات الإغاثة الغربية إطعام بني جلدتهم، وأهل ملتهم من المسلمين وأطفالهم الجياع، في دارفور. حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) ومنظمة الزراعة والاغذية العالمية (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي،الصادرة في نهاية عام 2007 الي إزدياد معاناة أطفال دارفور من سوء التغذية الحاد، وتعدي معدل سوء التغذية لهؤلاء الأطفال حد الطوارئ الذي تحدده منظمة الصحة العالمية بنحو15% و تصل معدلات سوء التغذية في شمال دارفور الي 20% مقارنة مع المناطق الأخرى.
الكلبتوقراطية و نظام الإنتخابات ( المختلط)
تحاول الجماعة الحاكمة في الخرطوم، ان تدعو هذه الأيام لمؤتمر جامع بعد تمرير مسودة قانون الإنتخابات لسنة 2007 التي بنيت علي ما أسموه نظام الإنتخابات( المختلط) كما تكثر هذه الجماعة من الحديث الماكر عن (الوفاق الوطني) بهدف إستدراج القوي السياسية، كي لا تقاطع الإنتخابات، وحتي تبدو الإنتخابات وكأنها إنتخابات حقيقية وشرعية، لأن مقاطعة الإنتخابات ستفقد حكومة الإنقاذ (المنتخبة) شرعيتها الزائفة. و لذلك تحاول الجماعة الحاكمة جاهدة دفع بعض قادة الأحزاب الكبيرة لقبول فكرة الترشيح، في انتخابات رئاسة الجمهورية، فإذا ما وقعوا في هذا الفخ، إستخدمت اليات وميكانيزمات قانون الإنتخاب المقترح لهزيمتهم هزيمة قاسية. وفي سبيل هذا (الوفاق الوطني) درجت الجماعة الحاكمة علي تشكيل عدة لجان موسمية، مثل لجنة (جمع الصف الوطني) و لجنة (الحكماء) بزعمهم، وغيرها من اللجان التي يجري فيها تطعيم كوادر الجماعة القديمة بوجوه إنتهازية، مع رشوة بعض أعضاء هذه اللجان بالأموال والمخصصات الكبيرة، و تحريكهم من حين الي اخر، مثلما تحرك دمي الأطفال في مسرح العرائيس.
و بالرغم من ان دستور نيفاشا الإنتقالي، تضمن من الناحية النظرية، مواثيق حقوق الإنسان الدولية، ونص (في الورق) علي كفالة حريات وحقوق المواطن ، الإ ان المواطنين السودانين تعرضوا في ظل هذا الدستور الي التقتيل والتعذيب، في قري دارفور و الجنوب وفي امري وكجبار وبورتسودان و الخرطوم وغيرها، كما تعرضوا ولا زالوا يتعرضون الي الإعتقالات المشفوعة بمسرحية إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، عن طريق العفو الرئاسي، بإلإضافة الي التعدي علي حرية الصحافة والصحفين، وغير ذلك من صور خرق الدستور والقانون المشهودة خلال السنوات الماضية.و مسودة قانون الإنتخابات تتيح الفرصة للجماعة الحاكمة، لإصطناع وفبركة الأسباب التي تؤدي لألغاء نتيجة الإنتخابات كلياً او جزئياً، مثلما كانوا يفعلون في انتخابات النقابات والإتحادات. ووفقاً لأحكام مسودة القانون يمكن تأجيل الإنتخابات بواسطة المفوضية، كما يمكن إلغاء نتيجة الإنتخابات، بواسطة المحكمة العليا القومية، فماذا ينتظر من جماعة (الإنقاذ) ان يفعلوا إذا ما هزموا في إنتخابات تجري في غياب إستقلال القضاء وسيادة حكم القانون؟
المفوضية و السجل الإنتخابي
مفوضية الإنتخابات تعين بواسطة رئيس المؤتمر الوطني( رئيس الجمهورية) بموجب مسودة القانون المشار اليها، و تعين لجنة المفوضية أمانة عامة، تعمل مع رئيس المفوضية او بعض أعضائها لأداء وتنفيذ الكثير من المهام، كما تعين المفوضية اللجنة العليا و كبير ضباط الإنتخابات في كل ولاية، وهذا الوضع يتيح لشيطان التفاصيل الكامن في سلطات المفوضية التقديرية الواسعة،و صلاحياتها في وضع القواعد، بموجب مسودة القانون، فرص التلاعب في نتيجة أية إنتخابات. اما إشتراط مسودة القانون استقلال وحياد وشفافية وتجرد اعضاء المفوضية،وعدم انتمائهم للأحزاب ، فلا عبرة به علي الإطلاق. وما ذاك الا لأن السودانيين قد خبروا (حياد) هذه الجماعة المجربة. الم تتسربل فئة قليلة من الضباط ، بثياب الحياد، و تتغلف بغلاف إستقلالية القوات المسلحة عن العمل الحزبي، حين إنقلبت الجماعة الحاكمة علي الحكم الديمقراطي عام 1989 ثم تبين بعد فوات الأوان، ان اولئك الضباط لم يكونوا سوي كوادر سرية تابعة لتنظيم الجبهة الإسلامية؟!
ان السجل الإنتخابي يمكن إستعماله كأداة لتزوير الإنتخابات وتزييف إرادة المواطنين. ومن أجل ذلك فقد حرصت الدول الديمقراطية العريقة، علي ان يكون التسجيل للإنتخابات إجبارياً، بينما تقع علي الدولة مسئولة تسهيلة وتيسر عملية إدراج كل المواطنين الذين يحق لهم التصويت في السجل الإنتخابي. وذلك بتوفير إستمارات التسجيل، و الزام المواطن قانوناً بتقديم البيانات المطلوبة في السجل، و مراجعتها و تحديثها بصورة صحيحة، من وقت لآخر. اما التصويت والترشيح فعادة ما يكون اختيارياً. و التسجيل للإنتخابات إنما هو من الخدمات الأساسية التي ينبغي ان تقدمها الدولة للمواطن، لضمان حقه الدستوري في الترشيح والتصويت. لكن مسودة قانون الإنتخابات لسنة 2007 أعفت الدولة من مسئوليتها في تسجيل المواطنين للإنتخابات. و لحاجة في نفس يعقوب جعلت المسودة، مسئولية التسجيل للإنتخابات(مسئولية فردية) تقع علي عاتق المواطن المغلوب علي امره. و حصرت المسودة دور مفوضية الإنتخابات في قبول و إستبعاد الناخبين من السجل الإنتخابي، و النظر في الطعون ضد المرشحين والناخبين، وإتخاذ إجراءات كثيرة في هذا الصدد يمكن ان تفتح باب التزوير علي مصراعيه.
تمثيل المرأة خدعة كبري
ان إجراء أية إنتخابات في ظل الكلبتوقراطية الحاضرة، لا يعدو ان يكون تحصيل حاصل. و الخدعة الكبري التي تحاول الجماعة الحاكمة تمريرها من خلال مسودة قانون إنتخاباتها المقترح، هي تمثيل المرأة بنسبة %25 ليصبح عدد المقاعد النسائية في المجلس التشريعي القومي 112 من اصل 450 مقعد. و كل الشواهد تشير في الظروف الراهنة، الي ان هذه النسبة مفصلة علي مقاس ( الكادر النسائي) لجماعة المؤتمر الوطني. واذا كانت هذه الجماعة قد إنقلبت ذات يوم، باسم الجيش السوداني، علي الديمقراطية نفسها، فانها تسعي الآن لتزييف الديمقراطية، وتكريس قبضتها الكلبتوقراطية علي السلطة، من جديد، باسم المرأة السودانية.
و مسودة قانون الإنتخابات إشترطت كذلك تزكية المرشحين لمناصب رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والولاة، واعضاء المجالس التشريعية، بواسطة مئات الأشخاص من مختلف الولايات، كما إشترطت ان يدفع كل من يترشح لهذه المناصب غرامة مالية إذا لم يوفق في الحصول علي نسبة % 10 من أصوات الناخبين. فما مدي ديمقراطية و دستورية مثل هذا التشريع؟
ثم ان تمثيل القوائم الحزبية في البرلمان بـنسبة %15 حسبما جاء في مسودة القانون، يمكن الجماعة الحاكمة من صناعة احزاب (إسلامية) إضافة للأحزاب المتحالفة معها، وحشر أعضائها ضمن الـ 68 مقعد التي وفرها النظام (المختلط) للقوائم الحزبية، بهدف الإبقاء علي الوضع الراهن كما هو. وقد اوكلت مسودة القانون للمفوضية صلاحية ترسيم الحدود الجغرافية، للدوائر الإنتخابية بعد ان حددت عدد الدوائر الجغرافية بـ270 مقعد. و الغرض من إصرار الجماعة الحاكمة، علي إبقاء الطبخة التشريعية لقانون الإنتخابات بالمقادير المذكورة، هو خصخصة نسبة % 52 علي الأقل من كعكة السلطة، لصالح جماعة المؤتمر الوطني، كما هي الحال الحاضرة، و كأن يابدر لا رحنا ولا جينا.
الديمقراطية الحقيقية و التمويل من الغيب!
و فيما يتعلق بالشفافية في تمويل الحملات الإنتخابية، و تكافؤ الفرص في أجهزة الإعلام الرسمية بين المرشحين.. الخ. لا يعول بطبيعة الحال، علي النصوص النظرية الواردة في مسودة قانون الإنتخابات. وقد أجري التلفزيون الخاضع لسيطرة الجماعة العقائدية الحاكمة، في إحدي حلقات برنامج (الخط الساخن) مقابلة مع نائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون السياسية والتنظيمية، سئل فيها عن مصادر تمويل حزب المؤتمر الوطني، فقال بصلف، ان الله رزق المؤتمر الوطني مثلما رزق (مريم) و تلي من سورة ال عمران قوله تعالي (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب) وهي إجابة تتحدث عن نفسها، بالطبع، وتكشف عن مدي(شفافية) امراء جماعة المؤتمر الوطني، كما تؤكد أن التحول المرتجي علي ايدي هؤلاء لا علاقة له بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد. والا فمن يصدق زعم هذا المسئول الثيوقراطي، بان تمويل جماعته الغارقة في مستنقع الفساد يأتي من الغيب، بغير حساب ؟!
ان الدين براء،بطبيعة الحال، من هذا الهوس. وماذكر عن خرق الدستور والقانون، و تبني الأفكار والشعارات البراقة، بهدف تزييفها وافراغها من محتواها، مدعاة للتشكيك و الطعن في نزاهة أية إنتخابات، تجري علي أيدي هذه الجماعة العقائدية. و بالطبع لا يمكن ان تحصل هذه الجماعة علي ثقة المواطن السوداني، في اية إنتخابات ديمقراطية نزيهة، تجري بواسطة أداة حكم مستنيرة وعادلة. خلاصة القول هي ان سوابق الجماعة الحاكمة ، في تزوير الانتخابات، وخرق القانون والنظام العام، والعنف بالخصوم السياسيين، والإنقلاب علي الديمقراطية،وانتهاك حقوق الانسان، تدعو للشك وتثير التساؤلات حول جدوي أية إنتخابات، تجري علي أيدي هؤلاء الكلبتوقراط. فأذا قيل ان تنفيذ اتفاقيات منتجعات مشاكوس ونيفاشا، يقتضي إجراء انتخابات باي حال، قلنا ان ما تشهده كينيا نفسها اليوم، من عنف وإقتتال و إضطرابات و عدم إستقرار، بسبب التلاعب والتزوير في الإنتخابات، يقف شاهداً علي عدم جدوي مثل هذه الإنتخابات، حتي لو تمت تحت مراقبة دولية!!
عرمان محمد حمد
1فبراير2008