صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له

مقالات و تحليلات : قصة و شعر English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


سودانيزأونلاين .. تحت الشجرة- بقلم : وائل فحل - الخرطوم
Nov 26, 2007, 09:52

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

سودانيزأونلاين .. تحت الشجرة

 

                                                     بقلم : وائل فحل - الخرطوم

 

منطقة فى وسط المدينة تزدحم بالناس أشكالا وألوانا , أصوات مرتفعة ومتباينة , باعة ينادون على بضائعهم , أغنيات مبثوثة من محلات الكافتريات القريبة , بعض المارة يمضون بسرعة , وآخرون يتوقفون هنا وهناك , وفى وسط كل هذا المشهد الصاخب تبدو للناظر حلقة من أشخاص يتناثرون حول ظل شجرة كبيرة يبدو أن لها من العمر أكثر كثيرا من الجالسين تحتها , بعضهم جلس على (بنبر) , وآخرون تخيروا (مصطبه) فى الجوار , بينما اكتفى الزاهدون منهم ب(علب) صغيرة فرشت عليها قطع من كرتون , وكانت النقطة المركزية لهذه الحلقة سيدة (تتوهط) على كرسي بلاستيكي وأمامها منضدة صغيرة صفت عليها مجموعة من الأدوات اللازمة لإعداد الشاى والقهوة , يجاورها موقد لا تكف ناره عن الاشتعال , وكأن له صلة قرابه بجهنم !.

            "عليك الله شاي سكرو تقيل يا خاله" .. يأتى الصوت من شاب أتخذ له بنبراً فى نهاية الظل , فتأتي الاجابة التلقائية : "حاضر" .. بينما أحد الزبائن ممن تبدو عليهم سمات موظفى المصالح الحكومية ينظر بدهشة لا تخلو من الاعجاب الى (ست الشاي) هذه , وكيف توزع حواسها ما بين الاستماع الى طلبات الزبائن والرد عليها , ومحاورتهم فى كل المواضيع , بينما تظل يداها فى حالة من الحركة الدائمة : تصب شاياً هنا , وتحرك قهوة هناك ,  وترسل فى طلب البن من الدكان القريب , ومع هذا لا تغفل عيناها عن متابعة مشاهد الشارع والحياة اليومية فيه بفضول , دون أن تغفل من مشاهدة (ناس الكشه) قبل أن يأتوا !.

            " بالله يا شاب لو سمحت كدي الجريدة دي لحظة " ... هتف أحد الجلوس بالمصطبه , وهو يشير الى زبون فى طرف الظل , فناوله هذا الأخير الجريدة بينما بدت عليه علامات امتعاض مخفى من هذا الفضولى الذى قطع عليه رغبته فى قراءة الجريدة (بمزاج) مع كوب الشاي ! وما لبث صوت (ست الشاي) ان جاء من بعيد : " الليله الجريده قالت البلد حاصل فيها شنو؟ " فتأتى الاجابة من زبون يبدو جليا انه ( زهجان) : " يعني حيكون حاصل شنو ؟ ما الحالة سجم فى سجم , حمى نزفيه , مشاكل فى الحكومة , مواصلات بقت صعبه , وفوق رده كمان المره قالت دايره ليها توب جديد ! " .. تتعالى الضحكات من الزبائن , فترد (ست الشاي) : " خلاص انت طلقها وأنا بعرسك , وما دايره لي منك تياب ..! "  وهنا يرتفع صوت الزبون الممسك بالجريدة قائلاً : " دا شنو ؟ ديل خلّو كل حاجه بقو على سودانيز اونلاين ؟! " فيرد زبون اخر : " سودانيز اونلاين دى شنو ؟ " فتبادر ست الشاي بالإجابة : " (سودانير) دي ما الشركة حقت الطيارات السودانية , ما بتعرفها ؟ قالو دايرين يشلعوها ويبيعوها خلاص ! "  وهنا يأتى صوت زبون آخر : " لا يا خاله , مش سودانير , دا سودانيزاونلاين , موقع سوداني " .. ثم تمر لحظة من السكون  يتبعها صوت (ست الشاي) متسائلاً : " موقع ؟ يعني مالو ؟ برضو دايرين يكسروهو ويبنوهو عمارات ؟! " فترتفع ضحكة عالية من الزبون الممسك بالجريدة ويوضح :" لا ياخ .. دا موقع فى الانترنت " وهنا يتطوع زبون آخر فينزع نظارته ويخاطب (ست الشاي) قائلاً : " دا موقع بيكتبو فيهو الناس مقالات " فتبدو على ست الشاي علامات الإقتناع وتهمهم : " أيوااا , زي جريدة يعني "  ويسير الحوار على وتيرة متنوعة :

-         ايوا زي جريدة , لكن كمان فيهو حاجات متنوعة تانية , يعني اغاني , تعارف بين الناس , أخبار , مناقشات , معلومات , وبحل مشاكل كمان !

-         طيب ومالهم معاهو ؟

-         والله ما عارف , كدي خلى الاخ الشايل الجريدة دا يقرا لينا الحاصل شنو؟

-         فى الجريدة هنا مكتوب انو فى صحفى طالب الحكومة انو توقف الموقع دا لأنو فيهو مقالات بتاعت ( نبز ) !

-         نبز كيف يعنى ؟ نبّزو منو ؟

ولا يلبث الزبون الممسك بالجريدة ان يأخذ رشفة كبيرة من كوب الشاي , قائلاً :

-         فى الجريدة دي قالو انو الصحفى ده قال انو الموقع دا قبل سنتين نشر مقال فيهو اساءة للدين !

-         طيب, وحاجة حصلت قبال سنتين , ما يتذكرها الا هسع ؟

-         لكن صحي هو الموقع دا كتب كلام زي دا ؟

-     مكتوب هنا انو ناس الموقع قالو انهم عندهم قوانين تمنع الاساءة للدين فى الموقع , والكلام البقولوهو دا كتبتو  بت , وفعلا البت دي فصلوها من الموقع زمان .

-         أها وبعد فصلوها أدوها حقوقها وللا صالح عام ؟!

وهنا تعلق (ست الشاي) : " كمان البنات خلّن كل شي قبلن على الدين ؟ "

-     لكن قول فعلا هم نشرو المقال دا , الزول دا يطالب انو يقفلو الموقع كلو ؟ هسع كان هو زاتو فى الجريدة نشر مقال بطّال , حيقفلو الجريدة كلها عشان مقال واحد ؟!

-     ياخوي دا بكون عندو غرض , هو عليك الله المصايب البتكتب فيها الجرايد دي كل يوم لو فى زول بحاسبهم عليها كان فى جريدة بتبقى شغاله لسع؟ ما كل يوم شابكننا داك فعلتو , وديل قبضوهن وين , وديك اهلها متبرّين منها !

ويدخل الى الحلقة زبون جديد , شيخ كبير العمر , يخاطب (ست الشاي) صائحاً : " أديني جبنه ساده سكرها خفيف " .." حاضر يا حاج " وسرعان ما يعتدل الحاج فى جلسته مخاطبا الحضور : " بتتناقشو فى شنو يا اخوانا ؟ " فيرد عليه حامل الجريدة : " بنتكلم عن خبر هنا , قالو يطالبو انو يقفلو موقع سودانيزاونلاين "  وكأن الحاج كان ينتظر الاجابة , فقد صاح فوراً : " بالله دا ياهو ال(سامسونايت) الأتكلم عنو الامام فى خطبة الجمعة الفاتت ؟ " وهنا يتوشح الحضور بحالة من الانتباه والتركيز , وتسأل (ست الشاي) : " أجي ! كمان جابوهو فى الجامع ؟ " ويرد الحاج : " أيوا , الامام قال انو ديل ناس فارغين وبنبزو الدين , وقال انو قرا الكلام دا فى الجريدة.. انا زاتي ما عارف ( سمسونايت ) البنبزو فيهو دا شنو , قمت سألت الزول القاعد جنبي فى الجامع , قال لى ( سامسونايت) دا شنطة بشيلو فيها المنشورات حقت النبز دي ! "

وهنا تتصاعد الضحكات من الحضور , بينما تجدها ست الشاي فرصة لاستعراض معارفها اما هذا الزبون فتقول : " شنطة شنو يا حاج , دا موقع فى سوق الانترنت ! " فيقول الحاج : " أيواا , تلقى ناس المحلية كلمو ناس الجريدة يهاجموهو عشان هم يجو يكسروهو ويبيعوهو للخليجيين يعملوهو استثمار ! "  ويعود الزبائن للضحك من جديد , بينما (ست الشاي) تناول الحاج قهوته قائلة : " والله ما بعيد ! "  وهنا يهتف احد الزبائن معلقاً : " ياخي الامام زاتو ما قرا الكلام المكتوب فى الموقع , وناس اذاعة لندن عملو معاهو لقاء سألوهو عن الموقع قال انا ما بعرف مكانو وين ! "  فترد (ست الشاي) : " طيب وكت ما اتأكد بي نفسو , الشلاقه البيهو شنو ؟ ما كان يسأل اول حاجة ويتحقق بي رقبتو عشان ما يظلم الناس ساي "  وهنا يعلق الزبون الممسك بالجريدة : " كمان اسمعى قالو شنو فى الجريدة , قالو الصحفى الهاجم الموقع دا قال انو الاعضاء بتاعين الموقع ديل كلهم سواويق تكاسي وزباين ستات شاي ! "

وفجأة تكهرب الجو فى حلقة (ست الشاي) وسقطت الملعقة من يدها وهى تقول بغضب : " كمان الصحفى دا بنبز فينا ؟ مالنا نحنا ؟ ومالهم الناس البقعدو معانا؟ بنسقيهم عرقى؟ ما بشربو شاي وجبنه , وبعدين هو الصحفى دا بيدفع ليهم حق الشاي من جيبو ؟ ونحنا مالنا ؟ بنسرق؟ بننهب؟ بنشحد الناس؟ بنشكّر الناس بالكضب فى الجرايد عشان يرضو علينا؟ بنسكت عن الظلم الشايفنو ؟ بالله شوف الزول العجيب دا ؟ هى القعدة مع ستات الشاي عيب وللا حرام ؟ " , وبدأ الزبائن يحاولون تهدئة ست الشاي من انفعالها , فإذا بزبون اخر يقذف بمفتاح سيارته امامه ويصيح : " كمان بنبز سواويق التكسي ؟ مالهم ؟ انا سواق تكسي.. كمان دي عيب ؟ هو قايل الفهم مقسوم لي ناس الجرايد براهم وللا شنو ؟ هو هسي لو صحي صحفي , كان يتكلم عن الظلم الظالمننا ليهو ناس المرور ديل , يشيلو يقطعونا فى الايصالات , والشوارع زي الزفت , وكلها حفر , طيب قروش الايصالات دي بتمش وين؟ "  وهنا ارتفعت حرارة النقاش , ويعلق زبون : " والله الموقع البهاجمو فيهو دا مفيد جدا , يعنى هسي نحنا طلبه بنرجع ليهو كتير وبنستفيد , لو حجبوهو يكونو ضرّو الناس ساي " , فيعقب عليه زبون اخر : " ياخي يحجبو شنو ؟ انت نايم وين ؟ ما عارف انو المواقع المقفولة دي كلها الناس قاعدين يفتحوها بالطريق الساهلة الكل الناس عارفينها ؟ كدي انت امش اى محل انترنت شوف الطلبه والمراهقين ديل جنس المواقع الفاتحنها , كلها ممنوعة بس بتنفتح بسهولة وناس الاتصالات نايمين فى العسل ! " .. فتنسى (ست الشاي) قليلا من غضبها وتعلق ضاحكة : " والله كان كدي إلا يشوفو ليهم فكي ( يحجبو ) ليهم ! وناس الجرايد ديل فايقين , الناس بشترو الجريدة الصباح  ,الضهر بجدعوها او بيلفّو بيها كيس الخضار ! "

وبينما النقاش مستمر , فجأة عمت المكان حالة من الفوضى , وبدأت (ست الشاي) تلملم اشياءها بسرعة وتوتر , بينما من بعيد يصيح احدهم : " الكشه جات " !.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مخرج  :   من أبيات لمحمد الحسن سالم حمّيد :

 

" ما يقبضو الباعوض .. ما يقبضو الضبّان .. إشمعنا نحنا وليش ؟

الأرزقي السمسار .. الما بيدور فـتــّـيش ..

نحنا الحراميين .. ولّلا البدسـّـو العيش ؟! "

 

وائل فحل - الخرطوم

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع