صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق/د. عبد الله على إبراهيم
Apr 8, 2007, 23:07

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق

 

د. عبد الله على إبراهيم

[email protected]

هذه ورقة قدمتها لسمنار "قضايا وإشكالات الدولة الإسلامية المعاصرة" الذي نظمته الدكتورة هويدا العتباني بتكليف من مؤسسة فردريش إيبرت بالخرطوم في أغسطس 2006. وستنشر الورقة في كتاب تحرره الدكتورة عتباني. واستعجلنا نشرها هنا طلباً لتعميم الفائدة.

********

وقع عليّ في هذا الكتاب عن قضايا وإشكالات الدولة الإسلامية أن أكتب عن الانفتاح والإنغلاق في الحركة الإسلامية في السودان. ورايت أن المطلوب مني بصورة أخرى هو تحري موهبة الحركة في بناء التحالفات السياسة لبلوغ مرادها الإستراتيجي في "أوبة الدولة إلى الدين" أو أسلمتها كما جرت العبارة. ومن الفضول قولنا إن هذا موضوع كثير الشٌعب. وصفوة كلامي في الأمر أن الحركة لم تخدم إستراتيجيتها هذه بما تستحقه من سهر على التحالفات أوتشييدها على خلق سياسي قويم. ووقع الإتفاق بين الناظرين إلى حصاد الحركة من تديين الدولة في حكومةالإنقاذ (1989-  ) المنسوبة لها على أن الحركة قد عادت من هذا المطلب الإستراتيجي بخفي حنين. فقد انتهت إلى دولة المواطنة، أي حاكمية الشعب، في حين خرجت أصلاً إلى حاكمية الله. وسأعتني برصد طلاق الفكر عن الممارسة في أداء الحركة الإسلامية من بين الوجوه العديدة المتاحة لفهم قصور الحركة الإسلامية دون مقاصدها الأولى. وسأتطرق إلى ذلك من جهة الإزراء بالمفكر ومصطلحه داخل الحركة الإسلامية وما ترتب على ذلك من عشوائية في الممارسة حالت دونها ودون بناء تحالفات طويلة المدى للنهوض بالسودان إسلامياً  

مصرع المفكراتي في الحركة الإسلامية

ومن أفضل من كتب عن مٌصاب الفكر في الحركة الإسلامية مؤخراً الدكتور التجاني عبدالقادر (الصحافة 24 سبتمبر 2006 ). قال إن أهلها تواضعوا على تسمية المفكر فيها تبخيساًً ب" المفكراتي." فالمفكر عندهم خفيف الوزن قليل النفع لأنه بغير عصبية من قبيلة يستعصم بها في الإنتخابات. وهو أيضاً ناصح الجيب فلا خيل يهديها ولا مال لتتقوى بهما الحركة وتتمكن. فمن يأتي الحركة بالفكر وحده فبضاعته خاسرة لأنه يأتي بما لا يسمن ولا يغني من جاه. وقد توارى المفكر في الحركة حداً قال فيه أحد الأوفياء الخلص للترابي، إن عيب الترابي أنه لا يدع الترابي المفكر يتدخل في شوؤن الترابي السياسي. وكان من جراء ذلك أن تحولت دولة الإنقاذ من دولة مشروع إسلامي إلى دولة عادية "بتاعت قبيلة أو بتاعت أي حاجة تانية" (الصحافة 27 سبتمبر 2006).

وتوقفت خلال رصدي لقلة شأن المفكر بالحركة، وما يترتب عليه من تعذر التفكير فيها، والتفكير سبيل الإنفتاح، عند تفريط الحركة في إصلاحين جوهريين انبنت عليهما صحوة الدكتور حسن الترابي الإسلامية كما عرضت له في كتابي الشريعة والحداثة (القاهرة 2004). أما الإصلاح الأول فهو لجم العلماء الدينية دون الانفراد بالإفتاء من فوق مجلس فقهي ما. وما أن أزيح الترابي بانقلاب رمضان 1999، الذي أٌشتهر بنزاع القصر والمنشية (وهما قصر الفريق البشير الجمهوري والمنشية هي الضاحية التي يسكنها الترابي) حتى نشأت بالقصر مستشارية للتأصيل على رأسها شيخ ديني. وقام ديوان للإفتاء ومجمع للفقه. بعبارة أخرى كل أدوات الحوزة المشيخية ذات السلطة المطلقة في تقرير صحيح الدين من زائفه. وهي سلطة قاوم الترابي طويلاً دون ظهورها. فقد أذاع طويلاً أن هذه المشيخة ليست مؤهلة بمفردها في ملاقاة إبتلاءات الإسلام المعاصرة أي الحداثة. فرجال الدين عنده ثمرة من ثمرات "أمراض التدين" الذي تنامت فيه الشقة بين الفقه وبين تحديات تَلقي المسلمين في عصرهم. وليس تجدي في قول الترابي حيل المشائخ لتجسير هذه الفجوة  بنفضهم الغبار عن فتوى قديمة ابتغاء تقريب حادثة طرأت في زماننا هذا. وطبقة الفقهاء عند الترابي دخيلة على الدين الإسلامي وهو لا يرى مكانًا في الإسلام لطبقة دينية قارة في أنظمة مادية أو رسمية تحتكر البت في شأن ما يوافق الدين وما هو ليس منه.

والأنكى عند الترابي، فوق اغتصاب الفقهاء للتشريع من الدولة، هو اغتصابهم لذلك الحق من الأمة . فالفقهاء ، الذين نََصّبوا أنفسهم حراسًا للعقيدة ، حرموا المسلمين من حقهم في التشريع تذرعًا بصعوبة تطبيق الشورى وهي التي نص القرآن على إدارة دولة المسلمين بها . وتٌجافي سلطة الفقهاء الدينية هذه دعوة الإسلام لبسط المعرفة على أوسع نطاق ممكن . ويقول الترابي إن الإسلام يري قيام المعرفة على فقه شعبوي تكون فيه أمة المسلمين مصدرًا للشرعية . فالإسلام يجعل من واجب التفكر وممارسة الدين مشروعاً شعبيًا مفتوحاً بدلاً عن قصره على مجرد الخاصة الصفوية . إذ يطلب الإسلام من كل مسلم ، كائنًا من كان ، الاشتراك في بعث الدين إلى الحياة بإشراك غيره أو غيرها من أمة المسلمين في تجربته بغض النظر عن كبر تلك التجربة أو صغرها. فأمة المسلمين - التي هي في قوله «صلى الله عليه وسلم» لا تجتمع على ضلال - لها الكلمة الأخيرة في التشريع عبر هيئاتها الشورية.

ولن يستقيم للمسلمين مقارعة الحداثة وامتلاك سرها، في قول الترابي، إلا بحل طبقة الفقهاء المشيخية التي تقاصرت عن تبعة ابتلاء الحداثة طمعاً في الفوز ببقية الدين.

واتفقت للترابي جملة إجراءات ليحل بها هذه الطبقة الزائد عن الحاجة. فهو مثلاً يجردها من الاحتجاج بعصر إسلامي ذهبي وقع في الماضي ترد إليه أصلها وسلطتها. فالدين عند الترابي مستقبل يبلوه الزمان فيصفو ويذكو ويسعد أهل حاضره. وحتى لا تتمترس هذه الطبقة وراء خصومات أو نصوص تاريخية فالترابي يدعو إلى تجديد لا نحتاج معه إلى الولاءات المذهبية من حنفية ومالكية وغيرها. كما أنه لا يرى سبباً لانقسام المسلمين إلى شيعة وسنه يجددون مسألة صح إن تلزم مكانها كتأريخ لا كمحرك لتأريخ. ويصادر الترابي من طبقة المشائخ أعظم أسبابها إلى الجاه السياسي وهو سلطة الفتوى بشأن ماهو الدين وما هو ليس منه. فهو لا يريد لهذه الطبقة، التي تعامت عن الحداثة واستثقلت ظلها،  أن تملك حق الموت والحياة علي محصلات ومعاناة الابتلاء بمحض سلطة الفتوى. وبقيام الحوزة المشيخية بعد الرابع من رمضان تبخرت جذوة إصلاح الترابي هذه بددا. وهو إصلاح لن يجد كثير من الليبراليين، أو حتى العلمانيين، من حسنيّ النية سبباً لرفضه طالم قَيّد المشيخة الدينية، عدوهم للدود، بلجام الحداثة. وكان من شأن تمسك الحركة الإسلامية بهذا الإصلاح أن يفتح لها باباً على الآخر تستقوى به في تحالفات مدروسة ذات نفس طويل لأوبة الدين للدولة.   

  أما الإصلاح الآخر الذي فرطت فيه الحركة الإسلامية فهو قبولها بغير نأمة حل معهد التدريب والإصلاح القانوني (1995-2006) في سبتمبر 2006 بقرار جمهوري (السوداني 8 أغسطس 2006). وكان هذا مصرعاً آخر للمفكراتي في الحركة ودولتها. فقد كان الأصل في المعهد تنمية حرفة القانون المقارن حتى تنفذ الشريعة من بابها مٌتَرَجمة في تقاليد القانون الأخرى المنافسة وتتنزل في الواقع مرقمة ميسورة.

  لم يكن معهد التدريب والإصلاح القانوني أول ذبح عظيم للفكر على عتبة سياسة دولة الإنقاذ الشرعية. فلا أعرف تبخيساً وقع للمعرفة والتفكير عندنا أشد من إزراء الحركة الإسلامية بمعهد الدراسات الإستراتيجية الذي أنشأته في أول عهدها بالحكم ليكون عينها التي ترى بها المستقبل ومنطقها الذي به تبطش لتبلغه. فقد أويت إلى  المعهد عام 1996 ووفر لي مكتباً أدير منه بحثي عن تاريخ القضائية. ووجدته معهداً ذا مكتبة حسنة وسلاسل منشورات بليغة كما وجدت حماسة أهله للبحث عظيمة. وأذكر أنني قدمت فيه ورقة عن نكبة 19 يوليو والحزب الشيوعي طلبوها فأحسنوا استقبالها ونقاشها. ثم بدأ هذا المعهد في التهافت حتى لم يعد شئياً مذكورا. وقد سبق أن نبهت إلى مفارقة اتصلت بهذا المعهد خلال مفاوضات نيفاشا. فلم يكن المعهد حيث ينبغي أن يكون من وراء مفاوضي الحكومة يسبقهم إلى المعلومات والرؤي من أرشيفة وبواسطة باحثيه بل كان يأتي في ذيل المحادثات حين انتخبوا مديره ناطقاً رسمياً للوفد.

خرجت فكرة معهد التدريب والإصلاح القانوني المنحل من مداولات مؤتمر العدل والإصلاح القانوني الذي انعقد في 1992 بعد 3 أعوام من تسنم الإسلامييين سدة الحكم في 1989. وصدر أمر تأسيس المعهد في 1995 عن مجلس العدل الذي قام أيضاً بموجب توصية من نفس المؤتمر وترأسه رئيس الجمهورية. واختص المعهد بترقية الأداء في مهنة القانون ورعاية نظمها واخلاقياتها وتطوير أجهزتها وإصلاح القوانين وتأصيلها ونشر الثقافة العدلية. ووقع عليه تدريب خريجي كليات القانون وتأهيلهم لممارسة المهنة والتدريب المستمر لجميع القانونيين بما يفي باحتياجات مهنة القانون مركزاً على تدريس أصول الشريعة الإسلامية وتشجيع البحث المقارن بينها وبين القوانين الأخرى. كما التزم بالاهتمام باللغات والترجمة فيها ومنها وبالذات العربية والإنجليزية وتأسيس مكتبة حديثة للمصنفات القانونية والفقهية.

لو كان هذا كل تاريخ المعهد وفحوي مساهمته، على أهميتهما، لما ذرفنا دمعة عليه. فالإنقاذ أعطت والإنقاذ أخذت. ولكن المعهد، كمفهوم، أقدم من هذا التاريخ الإنقاذي البسيط. فقد لخصت الحركة الإسلامية في مفهومه، الذي أذاعته في السبعينات، فكرة ترجمة التقاليد القانونية الغربية وغيرها إلى الشريعة والعكس صحيح. وهو تواضع فكري وسياسي منها على درجة كبيرة من الذكاء ألجأتها إليه ضرورات شرعية ومهنية وإدارية. 

نبعت فكرة معهد التدريب والإصلاح القانوني في سياق النزاع الطويل الفَسِل بين قسمي القضائية وهما القسم المدني والقسم الشرعي. وكان هذا النزاع قد تركز في السبعينات حول خطة الرئيس نميري لتوحيد القمسين في قضائية مٌدمجة. وقد قرر نميري توحيد القضائية في 1972 وتراجع عن ذلك في 1976 لما بدا له من مقاومة القضاة لخطته. وكان عذر القضاة أنه كان دمجاً بيرقراطياً تحت رئيس قضاء واحد لم يعتبر تباين تدريب القضاة المدنيين عن تدريب الشرعيين. وكان الشرعيون أكثر الفئتين برماً بالتوحيد لأنه نزع عنهم قميصاً ألبسه لهم السيد إسماعيل الأزهري في منتصف الستينات حفظ لهم به ذاتيتهم في قضائية كانوا فيها من المستضعفين منذ نشأتها الأولى. وانتهز القضاة من القسمين اجتماعاً عقدوه مع نميري في 1974 ليسفرا عن خيبة أملهم في ذلك الدمج بل معارضتهم له على خط مستقيم. وغلبت في الشكوى من توحيد القضائية والشكوى المضادة اعتبارات المناصب وفرص الترقي وتركزت لاحقاً حول ما عرف بالكشف الموحد للقضاة. وهو كشف لم يسعد أحد بالمرة.

واضطر نميري إلى العودة بالقضائية إلى ثنائيتها في 1976 بعد إمهالها 5 أعوام لتوفيق أوضاعها بما تتفق عليه للعودة إلى التوحيد. ولكنه سرعان ما عاد يلوح بالدمج بعد المصالحة لوطنية مع خصومه من الأحزاب الشمالية الإسلامية في 1977 وتحوله هو شخصياً إلى أسلمة الدولة. فأنشأ لجنة مراجعة القوانين لتتماشي مع الشريعة في 1977 وترأسها الترابي في 1979. وانتهز القضاة الشرعيون سانحة هذا الميل السياسي ليطالبوا بتوحيد القضائية على حرف الشريعة وإلا كان توحيداً من أجل التوحيد. وألح نميري على التوحيد منذ آخر 1979 ولم يٌفَّصِل في مسألة القانون الحاكم للقضائية وإنما انصرف لمسائل تدريب القضاة ليحكم كل من المدني والشرعي في القضايا بكفاءة لا يعود فيها إلى تدريبة الأول الذي تعين بمقتضاه.

هذا هو السياق الذي اقترح فيه الدكتور الترابي، النائب العام، أن ينشأ المعهد موضوع حديثنا اليوم. فقد كتب في 20 ديسمبر 1979 مذكرة إلى مولانا خلف الله الرشيد، رئيس القضاء، أراد بها تجاوز المشاغل البروقراطية التي أحدقت بتوحيد القضائية إلى ما هو أبقى وأنفع للمهنة القانونية على المدى الطويل (1). فقد زين لرئيس القضاء أن ينشأ معهد عال للدراسات والتدريب القانوني ليشرف على تدريب إهل المهنة القانونية بصورة تتخطي تحويل الشرعي إلى مدني والعكس. وشدد الترابي في مذكرته على التدريب المقارن ليكتسب طلاب القانون مهارة يراوحون بها بيسر بين التقاليد القانونية من قانون إنجليزي وشريعة وقانون مدني فرنسي ويخصبونها بإعمال النظر وتطوير منهجية رصينة. وكان هذا الاقتراح الفريد هو الأفق الفكري اليتيم في صراع التوحيد الأزلي في القضائية. فما ثار ذلك الصراع حتى أعاد فيه القضاة المدنيون والشرعيون إنتاج خصومتهم الثأرية التاريخية المعروفة.

وواضح أن الإسلاميين استرجعوا، بايحاء من الترابي لابد، مفهوم المعهد وحققوه في دولتهم في توصيات مؤتمر العدل والإصلاح القانوني في 1992. وما أن أقاموا المعهد في 1995 حتى انصرفوا إلى شاغل شغلهم، دائماً، و تركوه لمصيره يصارع لأجل الحياة بين أجهزة عدلية أعتى منه وأقدم مثل القضائية والنائب العام. وما جاء عام 2000 ، اي بعد 5 أعوام من قيام المعهد، حتي بدت عليه آثار الشيخوخة المبكرة. واضطر رئيس الجمهورية، مٌفَوَضَاً من المجلس العدلي، لتكوين لجنة لتقويم أدائه. وأتضح للجنة أن المعهد غريب كصالح في ثمود الأجهزة العدلية. وهذه حالة واحدة من حالات جفاء الحركة الإسلامية للفكر لا ترعى غرسها فيه وتتركه لسافيات الريح وزمهرير البروقراطية(2).

الحركة الإسلامية والعشوائية

ومن أميز المفاهيم التي استجدت علينا مؤخراً في تحليل انغلاق الحركة الإسلامية هو مفهوم العشوائية. وقد جاء به الأكاديمي الأمريكي الأسود المسلم عبدو مالقم سيمنون في كتابه: في أي صورة ما شاء ركب: الإسلام السياسي ومآل البندر في السودان (جامعة شيكاغو للنشر، 1994). وهو كتاب ألحفت على الإسلاميين تعريبه ونشره منذ استعرضته لمجلة "الإثنوغرافي الأمريكي" (مجلد 55، العدد رقم 2) وفي تنويهاتي العديدة له في الصحف السيارة. فقد جاء سيمنون لدراسة موضوع كتابه بدعوة من الحركة الإسلامية بعد إنتفاضة إبريل 1985 لينصحها عن التغير الديمغرافي والثقافي لمدينة الخرطوم الذي قد يؤثر على إرث المدينة الثقافي العربي الإسلامي. وهذا وعي محمود للحركة تستبق به الحادثات بالفكر وتٌعلى الإستراتيجية على التكتيك. ولكن الحركة سرعان ما انصرفت عن سيمنون حين صدع بحق لم يحز القبول منها. وقال إنها اكتفت بإهماله بصورة سودانية شمالية وهي أن يٌترك المرء لشأنه، وبأدب جم، متى جاء بما لم ترض عنه الجماعة.

قال سيمنون إن الحركة الإسلامية تعاني من عشوائية تلبستها ولا برء لها منه. وعرَّف هذه العشوائية بأنها تحويل أجندة سياسية لا معنى لها إلى نظريات متفائلة لإدارة التطور الإجتماعي. فقد ساغ للحركة بهذه العشوائية أن تزج بأجندتها السياسية الشاطحة في الممارسة العملية: أب جزم. وسبب ذلك أنها أصبحت مؤسسة مكتفية في ذاتها ولذاتها صَعَّرت خدها حتى للإسلام الذي كان مرجعها أول مرة. فزعمها تمثيل أغلبية سكان القطر، أي المسلمين، ومواردها الغراء من استثماراتها العديدة، خَيّل لها أنها مما لا يحتاج إلى حليف أو مٌكَمِل. وانتهت الحركة الإسلامية بذلك إلى مدابرة للتاريخ أو قطيعة معه لأنها ظنت أن أسترايجيتها مما يمكن إقحامه في مجرى الممارسة العملية متى شاءت بغير التفات لشرط الزمان والمكان. فالتغيير يقع، بحسب ظن الحركة، متى قالت كن فيكون. وما انقلاب 1989 الذي ارتكبته في رابعة النهار إلا شاهداً عدلاً على عشوائية الحركة وثمارها المرة (3).

وتعمق  الأستاذ صبري الشفيع في كتابه من هو الدكتور حسن الترابي . . ومن هم جماعة الرابع من رمضان؟(الخرطوم 2006) في هذه العشوائية واستوفاها. فقال إنه وقع في يقين الحركة الإسلامية أنه يكفيها أن تدعو لحاكمية الله فتسود بين عشية وضحاها لا يعتورها زمان ولا يصادمها مكان. فقد  استقر عند الحركة أن السودان المستقل لم يقم على أصول ثقافته الراسخة بل على سطح نظم مستجلبة مقاليدها بيد شريحة من قيادات متعلمة سماها الترابي يوماً "الطبقة الخطية". وهذه عقيدة يلتقي فيها مع الترابي مفكرون معادون للاستعمار مثل فرانز فانون. ولكن الترابي لم يحترز احتراز هؤلاء المفكرين الذين لم يستهينوا بهذه النظم المستجلبة ولا بنفوذها الجبار بين الطبقة الخطية. فالترابي يرى في غربة هذه النظم ضعفاً سيعصف بها متى اكتشفنا أصالتنا من جديد. وكأن أصالتنا نفسها قد سلمت من تأثيرات قوية ومتراوحة من هذه النظم السطحية المستجلبة. ووقع الترابي بذلك في خطأ الحركة الوطنية العلمانية التي قال إنه ورثها. فقد ظنت تلك الحركة العلمانية أن الاستعمار فترة سطحية لم تعلق بنا منه سوى أوشاب يسيرة ومتى زال صار بوسعنا أن نستأنف تاريخنا وكان الاستعمار لم يكن: أمة أصلها للعرب أو للإسلام.                                      وأوضح صبري استسهال الحركة الإسلامية للتغيير الذي قادها إلى ارتكاب التغيير كيفما اتفق. فالترابي يقول إنه يريد لتغيير واقع المسلمين للأفضل والأمثل أن يقع بالحسنى. ولكنه لا يستبعد الثورة إذا ما حِيل دون حركته وغايتها. وبدا لي من عبارته ومزاجه أنه لا يبشر بالثورة، وهو عمل مشروع، بل يهدد بها. فهو يحكي عن الخيبات التي اعترت تنفيذ مشروعه حركته بالحسنى في الديمقراطية الثالثة مثل كفكفة تطبيق الشريعة. وخلص إلى أن "الديمقراطية لا تتجه لأن تتمخض عن الإسلام بدفع التعبير النيابي عن إرادة الجماهير المؤمنة". والأدهى أنه لم ير في الخصومة السياسية لمشروعه من غاية سوى إرادة الشر بالإسلام. فالمعارضة لخطة الجبهة في أسلمة الدولة في تقديره غير مشروعة وعمل طابور خامس. فمن رأيه أن خصومه كادوا للإسلام وأجهضوه وشوهوه. ولم يعط خصومه في استخفافه بهم حق قدرهم من حيث القوة والنفوذ بين الناس. فهم قوم لا فكر لهم ولا مناهج لأنهم مجرد قبليات تتسمى أحزاباً غصباً. ومن رأي الترابي أن الطائفية مرض بدأ يتلاشى قليلاً قليلاً كالحمى لأن الحركة الإسلامية قد تمكنت وسط الجماهير. وكان أكثر ما احتج به للدلالة على هذا التمكن هو قوتهم بين المتعلمين التي تجلت في نفوذهم بين الطلاب واكتساحهم لدوائر الخريجين في 1986. ولم يكن الترابي يعد دوائر الخريجين كبير شيء وقال إنها مما لا ينبغي أن يكون (4).

وعشوائية الحركة، المؤدية إلى انغلاقها، عندي أقدم. فقد عالجت في كتابي بئر معطلة وقصر مشيد: إفلاس الفكر اليساسي السوداني،الحركة الإسلامية واليسار والديمقراطية الليبرالية (القاهرة 2006) اضطراب مشروعها المركزي في التمكين لشرع الله الذي تؤوب به الدولة إلى الدين عن طريق التراضي على دستور إسلامي. وقد وجدت في كتب الدكتور عبد اللطيف البوني (5) التي أرخ بها لسيرة الدستور الإسلامي فينا مادة غاية في التماسك العلمي. فالذي نخرج به من قراءة كتابات البوني أن الحركة الإسلامية ألحت على أسلمة الدولة تنزل فيها دستوراً إسلامياً لا يتناغم مع التدافع السياسي والاجتماعي الذي دارت رحاه في البلد. وقد ساقها هذا إلى عزلة خلت به من الحلفاء الإستراتيجيين إو "لطويلة" كما نقول. والمظاهر التي هي موضوع نظري التالد والطريف هي الآتية:

قصرت الحركة دون استنهاض حركة سياسية واجتماعية لتنزيل تديين  الدولة دون حاجة إلى المسارعة الفطيرة إلى الله بالانقلاب. فحتى دعوى الحركة تمثيل الأغلبية المسلمة ظل مجرد عبارة لم تٌلزِمها بأخذ رأي الجماعة هذه مأخذ الجد أو التوقير. فدعواها تمثيل الأغلبية أعفاها من استكمال نفسها بالجماعة وبالديمقراطية لظنها الكمال والمرجعية في نفسها. وقد اضطرت للانقلاب بلوغاً للحكم حين رأت من الملأ ما كرهت وتوجست من تدبيرهم من جهة أسلمة الدولة.

فرطت الحركة في تحالفات قد يبدو الآن شذوذها إلا أنها مما كان متاحاً لها لو لم تركب رأسها. فقد كان بوسعها استصحاب حتى الشيوعيين والجنوبيين في تحالفات من نوع ما لو لم تستبد بها العشوائية الموصوفة التي ترى بأن بإمكان الدين أن يتنزل في المجتمع متى اتجه المسلم إلى تحقيق ذلك بعبادة خاصة وقلب سليم. فقد كتب الأستاذ عبد الخالق محجوب قبيل انتخابات 1958 يقول إنه لا يرى بأساً في الدعوة للدستور الإسلامي أو أي دستور آخر طالما اتفقنا على أن عدونا الذى نحشد له طاقاتنا السياسية والروحية في ذلك الدستور هو الإمبريالية التي تجسدت آنذاك في مشروع أيزنهاور. وأضاف أنه كانت بباكستان دولة عسكرية بدستور إسلامي ولكنها قبلت أن تدور في فلك مشروع ايزنهاور وحلف بغداد (6).

كما كان بوسع الحركة الإسلامية أن تحسن صورتها نوعاً ما في نظر الجنوبيين ممن عدتهم أعداءاً أستراتجيين صليبيين لإسلمة الدولة. فقد جاء الدكتور بيتر نيوت مؤخراً بقول حول المأزق السوداني كان بوسع الحركة الإسلامية استثماره لتنزيل الشريعة الإسلامية بلطف وذكاء وكفاءة لا يجد حتى الخصم اللدود بداً من اعتباره. فقد قال نيوت إن المأزق السوداني يكمن في أن الشكوى من فساد قوانين موروثة من الاستعمار مثل السماح قانوناً بشرب الخمور أو البغاء لا يؤدي إلى تغيير تلك القوانين وإصلاحها كما في دول أخرى كثيرة بل إلى المسارعة في الدعوة إلى تغيير طبيعة الدولة أي إلى أسلمتها. وتجسد هذا المأزق بصورة درامية او تراجيدية عند نهايات عهد نميري. فقد قبلت الحركة الإسلامية أن تتدرج في تطبيق الشريعة من خلال لجنة مراجعة القوانين الشريعة لتتطابق مع الشريعة (1978). وقبلت بمزاج طيب أن تعرض مشروعات قرارتها على مجلس شعب النميري الكاذب. ويقع هذا في باب تغيير الأذى الواقع على المسلمين بالتشريع بالحسنى. ولكن سرعان ما أزعجها عن هذه الخطة المثلي الرئيس نميري الذي قرر، ومن وراء ظهر الحركة الإسلامية، ان يطيل عمره السياسي الإفتراضى بتديين الدولة. ونفضت الحركة يدها عن شغلها الصالح في لجنة مراجعة القوانين وفي أروقة مجلس الشعب لتنصر دولة نميري الإسلامية ظالمة ومظلومة. وهكذا أصبحت الحركة في عداد من نقض غزله بيده. وأضاعت فرصة للإلحاح على إزالة آثار الاستعمار من قوانين مستهترة صٌممت بجفاء لتحكم أمة أكثرها مسلم. وهو مطلب لن يستنكره عليها إلا مكابر أو فاسق.

كما كان بوسع الحركة الإسلامية أيضاً أن تستند على تجربتها في مقاومة نظام عبود لتدرك أن ليس كل ما يلمع إسلاماً. فقد جاء الدكتور عبد الوهاب الأفندي بتنبيه مرموق لسيرة الحركة الإسلامية خلال ذلك العهد. فالحركة في قوله لم تهادن النظام لمجرد أنه سعى حثيثاً لتديين الدولة بالجنوب. فلم تكف الحركة عن مجاهدة النظام على محجة الديمقراطية وضرورة استعادتها ليسلم الوطن كله من الأذى. بل قال قائلهم إن مسألة الجنوب سياسية ولن تحل إلا باستعادة الديمقراطية فكان لكلمته صداه الثوري في اكتوبر 1964. وقد وجدت الدكتور حسن مكي ينعى على الحركة بآخرة أنها لم تدعم عبود في مسعى أسلمة الجنوب بالذات. غير انني اعتقد أن كسب الإسلام من جهاد دولة عبود أذكى وأوسم وأوثق من جهة حصر التبشير والتنصير وضبطه على المدى الطويل. فقد التزمت الحركة بموقفها الصارم من طغيان نظام عبود وتعديه على مواطنة الجنوبي وحقه في حرية الاعتقاد ولم ترد الإكراه في الدين. وهذه سماحة في الدين: في أصله. وأي كسب يعلو هذا الكسب.

 وقد عادت دولة الإنقاذ المنسوبة للحركة الإسلامية للامتثال لمواطنة الجنوبي بعد لأي ونحو نصف قرن من الزمان في دستور 1998 وإتفاقية السلام بنيفاشا بعده. وعالج صبري في كتابه المار ذكره عشوائية الحركة من جهة هذا التباطؤ المفرط في النزول عند الحقيقة إلا مضطرة راكبة الصعب. وما تنزلت الحركة للحقيقة عنوة حتى دارت هذه السوءة الفكرية كيفما اتفق. فقد اضطرت الحركة إلى تجاهل وجوب أن يكون القائم بالأمر، أي الحاكم في السودان، مسلماً. وهذا ما نص عليه دستور 1998. وعاد الدكتور جعفر شيخ إدريس بعد نحو نصف قرن ليقول لصبري بأنه يقدر الإشكالية التي تواجه السودان لضخامة عدد غير المسلمين فيه. وبدلاً عن أن يهجم على المسألة بفقه مجتهد قال "يمكن أن نقول بوجوب توفر شرط الإسلام في الإمام، ولكن الظروف تقيد العمل بهذا الشرط، هذا مع علمي بأن الأغلبية لن تنتخب رجلاً غير مسلم لتولي رئاسة الدولة". فأنظر كيف لا يريد جعفر أن يبتلع حقائق ديمغرافية بلده وكيف يسوف في قبولها يمني نفسه الأماني.

وغلبت العشوائية على الحركة الإسلامية وهي تدعو لحل الحزب الشيوعي في سياق دعوتها لأسلمة الدولة بعد ثورة أكتوبر. فقد جاء في رواية السيد علي عبد الله يعقوب عن واقعة حل الحزب الشيوعي ما يفيد عن ضعف مناعة فكر الحركة الإستراتيجي متى اقتحمتها مقتضيات التكتيك. فقد قال فس سياق رواية له لذكرياته إنه ما أن سمع بما فاه به طالب معهد المعلمين المنسوب للشيوعية عن حادث الإفك في الندوة المشهورة في شتاء 1965 إلا قال إن هذا كفيل بحل هذا الحزب الشقي. وقصد من ساعته السيدين عبد الرحيم حمدي، محرر جريدة الحركة: "الميثاق الإسلامي"، وعبد الله حسن احمد، المسئول عن الحركة بجامعة الخرطوم، فما زادا أن قالا إن هذا مما يحدث في الندوات فلا تثريب. وهذا قول استفاداه من حداثة الحركة واعترافها بالرأي الآخر حتى لو أمض في القول. ولكن علي عبد الله، الأزهري ومعلم اللغة العربية والدين الذي ذاق الأمرين من حزازات الغرب التي الشيوعية هي أعلى مراحلها، لم يستسلم  ل "حذلقة" رفيقيه ومضى إلى المعهد العلمي يلوى على شيء وهو استجابة المعهديين لأخيهم لا يسألونه على ما قال برهانا. وسارت الأمور كما أرادها على عبد الله يعقوب، ممن ظل الدكتور الترابي يرميهم ب "محافظي الحركة"، لا كما أرادها حمدي وعبد الله حسن أحمد من محدثي الحركة الذين ارتضوا الديمقراطية لهم وعليهم. ولم يكن مثل مناسبة حل الحزب الشيوعي مناسبة لكي يرسخ عند الإسلاميين أن الدستور الإسلامي . . هو الحل. أو الحل في الحل كما جرت العبارة.             

مرجعية الإسلاميين الغربية

ما أضر الحركة الإسلامية شيء مثل إنكارها ثقافة الغرب ومناهجه التي هي في صلب مرجعيتها. فقد غلب عليها هذا الإرث مع أنها ظلت تتكتمه وتصور الأمر لنفسها وكأنها النقيض له بل أن مشروعيتها نفسها في أن تكون النقيض لهذا الفكر الوافد المسيحي الاستعماري. وقد كشف تورط الحركة الإسلامية في الحكم في دولة الإنقاذ أنه ليس بوسعها أن تغالب الاعتراف بمرجعيتها الغربية لأطول مما فعلت.   

جاء حسن مكي في تقديمه الشفوي لمقاله المنشور في هذا الكتاب بفكرة عن مرجعية الحركة الإسلامية لم أجدها في الورقة، أصل المقال، التي تداولها أعضاء سمنار قضايا وإشكاليات الدولة الإسلامية المعاصرة. فقد قال إن المهدي، المخلص الروحي، وكتشنر، الذي قضى على دولة المهدي وبذر بذرة السودان الحديث لخلاصنا المادي المزعوم، هما المحوران اللذان دارت حولهما حياتنا السياسية والاجتماعي والروحية لقرن ونيف. وودت لو فصّل حسن مكي هذه الفكرة التي كادت تقول (أو قالت بالفعل) إن كتشنر وتقليده في الحكم والنظر مرجع من مراجع الثقافة السودانية بما في ذلك فكر الحركة الإسلامية بالطبع. وقد تنكر الحركة هذه المقولة ثلاثاً وتعتقد أنها نقيض التقليد الكتشنري وأنها ما نشأت أول مرة إلا لنسفه لأنه أصل البلاء الذي تغربت به الدولة عن الدين.

وقد أعادتني كلمة حسن مكي إلى ندوة دعت لها هئية الأعمال الفكرية، المحسوبة على الحركة الإسلامية، في 2001 عن مآلات الحركة الإسلامية بعد تفجير أبراج نيويورك في الحادي عشر من شهر سبتمبر من تلك السنة. ودعوت في تلك الندوة إلى أن تكشف الحركة الإسلامية عن إرثها الغربي وتقر ببنوتها له إذا أرادت أن تستوطن عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بذكاء وفعالية وأن تأخذ كتابها فيه بقوة. ولا مندوحة من ذلك. فالفكر الغربي ساد عالمنا بما لا يحتاج إلى مزيد شرح ولا يمكن لتيار فكري معاصر مهما بلغ ولاؤه لأصالته، أو عزته بها، أن يكون بمنجاة منه. وقد قال جون إسبوسيتو، وهو من أفاضل مؤرخي الإسلام في أمريكا، في كتابه طريق الإسلام إن وحدة الإسلام المعاصر قد انبنت على حقيقة الغرب إما انفعالاً به، أو معارضة له استئناساً لخيره واطراحاً لشره وقس على ذلك. ولم يسلم حتى قائد إسلامي في مقام سيد قطب، الذي نظن أن الغرب الفاسد لا يرقى مراقيه، أخذ أعقد مفاهيمة في كتابه معالم في الطريق مثل جاهلية القرن العشرين والجماعة المستعلية وجهادها لفض هذه الجاهلية من ألكس كارليل وكتابه الأنسان ذلك المجهول (1935) الذي كان من أكثر الكتب مبيعاً في ثلاثينيات أوربا القرن العشرين وأربعينياتها. وقد استوفى الدكتور شروري شرح هذه المسألة في كتابه الأصولية الإسلامية الذي صدر في نحو 1991.

وستضع الحركة الإسلامية قدمها في الطريق الصحيح متى اعترفت بفشو ثقافة الغرب وخبرته في فكرها وممارستها. ومما فاقم من هذا الفشو أن الحركة الإسلامية لم تستنبط برنامجاً حضارياً إسلامياً بديلاً لما تواضع عليه الغرب لبؤس عدتها الفكرية سوى في الإصلاح القانوني كما ستجد في مقال حسن مكي بهذا الكتاب. ولما كان الفكر لا يحتمل الفراغ فقد تداعى الفكر الغربي ومثاله ليملأ هذا الفراغ في مشروع الإسلاميين. وقد تكاثر أثر الغرب على الإسلاميين بخاصة حين استولوا على الحكم في 1989 بانقلابهم المعلوم. فقد قبلوا الدولة الكتشنرية على علاتها لأنهم جاءوا للسلطان بدون نظرية للدولة. وهي دولة ظالمة الناس فيها رعايا ومواردها قائمة على إثقال كاهلهم  بالضريبة والطلبة. وأسوأ من هذا كله أنه لا تمثيل للناس صحيحاً في ديوانها يكفل لهم مراقبة صرف تلك الضرائب وتحديد أولويات الانفاق منها. وهذا لحمة دولة الاستعمار وسدتها. وقد بلغت حكومة الإنقاذ الغاية من دولة كتشنر. فرئيس الجمهورية نفسه يأمر دوواينه أن ترأف بالناس وأن يمتنع الولاة من مكوس عديدة ولا من يسمع ولا من يجيب. بل تفاقم الأمر حتى قال السيد بدرالدين سليمان، المفاوض عن السودان لدخول منظمة التجارة العالمية، إن بعض الضرائب المفروضة في السودان سوف تحول بارتجالها وكثافتها دون عضوية السودان في تلك المنظمة (الصحافة 14 سبتمبر 2006).

وقد توقفت خلال كتابتي الصحفية الراتبة عند ديوان الزكاة ونعيت تحوله، عن مقاصده كشعيرة إسلامية إلى مثال الديوان الضرائبي الكتشنري العادي. ولم يسعدني ما طرق اذني من خبر ديوان الزكاة. أول ما بلغني عنه استياء الناس من أبهة مقره في مدينة جبرة بالخرطوم الذي طال بنيانه وأزدان بصورة يستكثرها المسلم التٌرابي أو الأغبش على الفرد ناهيك عن دار الصدقة. ثم سمعت من ذوي الحاجة من أهلى تعففهم عن تكفف ديوان الزكاة من فرط الإجراءات المذلة التي اكتنفت معاملاتهم معه. وكشف حال الفقراء ممن ردهم ديوان الزكاة تجري به أنهر الصحف. ففي جريدة الوان (17 سبتمبر 2000) تجرست مواطنة بالأسم بخطاب لأمين الزكاة طامعة في مساعدة أسرة القائم بأمرها وهو جندي كفيف بفعل الحرب ولها 9 أطفال تعثرت في دفع مصاريف المدارس والكهرباء وعلاج الابن المريض بالدرن. وشكت لأمين الزكاة لؤم وشح موظفي ديوانه معها.

 من الجهة الأخرى كدر خاطري أن اصبح الديوان عنصراً ثابتاً في قائمة مؤسسات    الدولة المسئية للمال العام في تقرير المراجع العام السنوي. وأكثر ما كدرني اندراج إدارة هذا المنسك في المعلوم بالضرورة عن شح البروقراطية وخفة اليد. ثم ما ذاع أخيراً على شبكة الإنترنت من التزام الديوان بإيجار مبالغ فيه لمنزل قيادي به والإسراف في طلائه. وقد تمنيت أن يكون الخبر شائعة من أضغاث المعارضة. ولم يصدر من الديوان بعد ما يجرح هذا النبأ المعارض.   

    ولعل الشهادة القاصمة على ديوان الزكاة ما جاء على لسان  السيدة حليمة عبد السلام والدة المواطنة عوضية محمد أحمد الشفيع. فقد قالت الوالدة من خلال غلالة الدموع للأستاذ التاج عثمان، المحرر بجريدة الرأي العام، إنها لم تمد يدها لديوان الزكاة أبداً ليعينها في نائبتها. وبلغت من تعففها أنها لا تعرف عنوانه ولا كيفية الوصول إليه. وهذا تجاهل لبناء متطاول كديوان الزكاة ربما نبههه إلى مأزقه مع زبائنه الربانيين. فلربما سمعت حليمة عن الديوان ما أوجب عليها التعفف برغم حالتها الملجئة. فهي تعيش مع هذه الابنة بمنزل من غرفة واحدة بالحارة الخامسة أم بدة. وعوضية مفرطة القصر "بعيو" طولها لا يتجاوز 70 سم. "تجلس" على بطنها منذ 30 عاماً لأن أطرافها تقصر دون مهام الحركة. وإن رأيتها قلت طفلاً رضيعاً. ترقد على بطنها من الصباح إلى المساء وتنام ليلاً على ظهرها. ولا يتحرك منها سوى الرأس والعين. وللأسرة ابن  قزم ايضاً عمل يالكارو ثم هاجر إلى مصر وانقطعت اخباره. كما لم يعد الوالد يقوم بأمر الأسرة لبلوغه من الكبر عتيا وهو قريب جداً من أن يكون كفيفاً. ورفضت الدولة حتى تجديد بطاقته الصحية. ووقع عبء قوامة الأسرة على الأم حليمة  التي خدمت بالمنازل بالأجر حتى نال منها التعب فأنقطعت عن ذلك. وتقيم الأسرة أودها حالياً ببيع اللبن متى جادت به معزات يشاركن الأسرة الدار. كما تحرك عاطفة الدين والجيرة من حولها فيحسنون إليها بالموجود.

    ولو اعترفت الحركة الإسلامية بإرث الغرب فيها لكانت بنت دولتها ومؤسسات البر بالمساكين على غير نموذج الديوان الضرائبي. وانصراف المساكين عن ديوان الزكاة هو ثورة المتعففين الذين خصهم الرحمن بالذكر الحسن.                  

المصطلح وذاكرة الحركة الإسلامية:

من رباطة الجأش السياسي أن تقيم الحركة القاصدة الإصلاح نشاطها الذهني على المصطلح يلم شعث تفكيرها ويشيع الرصانة في نظراتها وينمى المعرفة وسطها على بينة. ولم تصمد الحركة الإسلامية بإزاء الإختبار الذي مرت به من جهة المهارة في التعامل بالمفاهيم و تمييزها نقداً واستكمالاً. وقد وقع أكبر طلاق بين الفكر والممارسة في خطاب الحركة وخصومها حول مفهوم "التوالي الذي حف بمناقشات دستور 1998. يوحي خصوم الدكتور حسن الترابي بأن مفهوم "التوالي"، الذي جاء به في ذلك الدستور، بديلاً عن "حق التنظيم"، هو شعبذة أو شعوذة تفتق عنها ذهن الرجل للضحك على الذقون. وهم يرونها مجرد مكيدة ذهنية لفظية غطى بها على حق واضح بباطل لجلج. لم أهتم بالملابسات السياسية المحددة التي خرج بها مصطلح التوالي على الناس على أهميتها(7). خلافاً ذلك شغلني تاريخ مصطلح التوالي في فكر الترابي. فليس من علائم النضج أن ترمي خصمك بالشعبذة في حين أن الأمر خلاف ذلك. فلربما كان إقحام الترابي للمصطلح التوالي في حياتنا السياسية شعبذة أو ما شئت. غير أن الجدل السياسي الذي دار حوله قد كشف أن لا أحد يقرأ الترابي حتى بين شيعته الأقربين. نقده من جهة الخصوم السيد كمال الجزولي ناظراً إلى تصريفه اللغوي من الجذر "ت و ل". فلم يتعاط كمال مع المفهوم من حيث نسبه في فكر الرجل بل إلى تصريفه في المعاجم وصِدق مراد الترابي منه. وعده الدكتور حيدر إبراهيم، من جهة الخصوم، تلاعباً بالكلمات والمعاني وجرس الألفاظ والحروف. أما من بين شيعة الترابي فنجد الدكتور الطيب زين العابدين يصف المصطلح بأنه عبارة فارغة مضللة.

 والحق أن مفهوم التوالي قديم عند الترابي. فقد أذاعه بشكل كثيف في كتابه الإيمان (1974) وظل يعود إليه مرة بعد مرة بعد مرة. ونبه إليه السيد أمين حسن عمر في كلمة له عام 1995 بجريدة "السودان" التي كانت تصدر في لندن. وقال السيد أحمد إبراهيم الطاهر إن المفهوم يعود إلى كلمة قديمة بقلم الترابي تاريخها يعود إلى 1998. وسنرى أنهما قد أبعدا. فقد ورد المفهوم بالنص في برنامج الجبهة القومية الإسلامية كما سنرى في حينه. ولا يريد الترابي من التوالي أكثر من تناصر المسلين وتراضيهم وتواصيهم كجماعة سياسية من العابدين متجاوزين التباعة وعصبيات الحزبية والطبقية إلى كلمة سواء وعروة ثقى تقي المسلمين التشاقق وبعد الشقة في الخلاف. وقد قال أكثرنا بشيء من هذا بالنظر إلى ما يجمع الناس من مصالح وتاريخ ودين. بل نجد عبد الوهاب الأفندي، الذي ربما عاب مفهوم التوالي، يستنجد بمادته حين أخذ على الترابي نفسه فتح ابواب الحوار مع الحركة القومية الجنوبية في حين شق عليه الحوار مع السيد الصادق المهدي برغم ما يجمع بينهما من دين ولسان وغيره. وقد مرت علينا هذه الدعوات الجامعة مثل خطة السيد الصادق المهدي لبناء "الحزب الغالب" ودعوة انقلابييّ مايو إلى "تحالف الشعب العامل" أو ترويج الشيوعييين للجبهة الوطنية الديمقراطية.

وقد استفدت من كتاب صبري الشفيع المار ذكره مصدراً للمفهوم ودقائقه في فكر الترابي وممارسة الحركة الإسلامية. فالتوالي حسب شرح صبري له، ناظراً إلى أدب الحركة الإسلامية، هو التناصر للتغيير. والتغيير المنشود هو وحدة الأمة بذوبان الحركة الإسلامية في المجتمع وحزب الله الواحد. وقد استعاد صبري المادة الثالثة من دستور الجبهة القومية الإسلامية في الديمقراطية الثالثة (1885-1989)  التي نصت على توالي الأمة. ونص المادة يقول: "تسعى الجبهة لإقامة الحكم الإسلامي، الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية مصالح الناس، المؤسسة على الشورى، وحق الجمهور في تقرير الشئون العامة وفي اختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ، وفي ممارسة النصيحة والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تتوالى الأمة بحرية وفعالية وإخلاص". ومقاصد المادة من الزاوية العملية هي أن تفكك الجبهة، حزب الله الغالب، قواعد الطائفية من المسلمين واستيعابها مع القوى الحديثة في نظام سياسي واحد. أصاب صبري المفهوم في مقتل. وهذا من عزم البحث الذي لا يفكر إلا بالمفاهيم ومن خلالها في حين يجيد الهزء كل شخص.   

 

خاتمة

لم تسنح فرصة للحركة الإسلامية للتحالف حول تنزيل ذكي ديمقراطي للإسلام في بئية سياسية معقدة كالسودان حتى أهدرتها. كان الانفتاح هو الإستثناء بينما كان الإنغلاق لحفظ بقية السودان أوالدين هو الأصل. وهكذا ضاعت من بين أيدينا حركة ولدت في بئية للحداثة واستعانت بالديمقراطية متى استصوبت ذلك  فأحسنت الديمقراطية لها. وسيبقى على الحركة متى أرادت أن تكون فينا رحمة وبركة أن تستنقذ نفسها من آثار عشوائيتها المتراكمة وأن تعيد اختراع نفسها من أفضل صلصالها. وهذا من عزم الأمور  

 

حواشي

تجد المذكرة في أرشيف القضائية.

التقرير الختامي للجنة تقويم أداء معهد التدريب والإصلاح القانوني، الخرطوم يوليو-نوفمبر 2000. ويعرف هذا التقرير بتقرير لجنة مولانا دفع الله الحاج يوسف وهو زعيم اللجنة. وتلاه تقرير آخر يعرف بتقرير لجنة الدكتور إسماعيل حاج موسى لم أعثر عليه. ولكن توالي هذه التقارير في حيز عمر المعهد القصير دليل على أنه عاش حياة فكرية مروعة.

جاء التيجاني عبد القادر بمصطلح "عشوائي" في سياق آخر وقريب من استعمالنا له هنا. فقد روى عن كيف اجتمع عدد من "إخواننا الكبار" في الحركة الإسلامية بمنزل الترابي ليختاروا قائمة بمن قد يخلف اللواء الزبير محمد صالح، نائب رئيس الجمهورية، بعد وفاته. وقال إنه لم تكن للإجتماع صفة قانونية أو تنظيمية. وانتهى الإجتماع إلى ترشيح ثلاثة اشخاص للبشير ليختار واحداً منهم. (على عثمان، وعلي الحاج، وبكري حسن صالح). وتطوع أحدهم بإبلاغ الرئيس البشير بما اتفقوا عليه. ورفض المجتمعون ذلك وسألوا الترابي أن يقوم بذلك التبليغ. وخلص البتيجاني قائلاً "فانبرم الأمر على ذلك الاقتراح على ما فيه من عشوائية غريبة".

في لقاء صجفي قريب (الصحافة 24 سبتمبر 2006 و 27 منه) قال السيد المحبوب عبد السلام أن الترابي أجرى اتصالات واسعة مع رفاقه في الحركة مبيناً أنه سوف يصل السلطة عبر انقلاب عسكري بفكرة أن الديمقراطية متى انتجت نهوضاً إسلامياً فسيفسده الأعداء عليهم. وزاد المحبوب مستقبلاً من أمره ما استدبر ً إنه كان أفضل لنا أن ندع الؤاد لنصرنا أن يحدث، لا أن ننقلب نحن.  وقال إن جماعة مثل السيد أحمد سليمان المحامي زكوا الإنقلاب بأنه سيجد دعماً لم يقع لإنقلاب سبق بفضل عشرات الكوادر المدربة من الإسلاميين. فهي في قولهم  قوة ذات كفاءة لم يتمتع بها حتى انقلاب جمال عبد الناصر. وربما استفاد القاريء من هنا كيف أعجبت الحركة كثرتها فاستهانت بالتاريخ وتقدمته وقد تأبطت بندقية تريد التغيير العصي في لمح البصر.

كتب البوني هي البعد الديني لقضية الجنوب 1900-1989 (1996) و دستور السودان: علماني أم إسلامي (1998). والواضح أن الكتابين مما استلهما البوني من رسالته للدكتوراة عن الدين والدولة في السودان.

أنظر مقدمتي لكتاب أفكار الإخوان المسلمبن للأستاذ عبد الخالق محجوب طبعة دار عزة للنشر بالخرطوم في 2002.

عن تلك الملابسات قال السيد بشير آدم رحمة (أخبار اليوم  5 أكتوبر 2006)، وهو من خلصاء الترابي، إن "التوالي" هي ما أرتآه الناس بعد خلاف حول تضمين التعددية الحزبية (وهو ما كان يريده الترابي لتنفتح الإنقاذ) في دستور 1998. ومن رأيه أن من أصبحوا المؤتمر الوطني عارضوا ذلك التضمين فتوصلوا للفظة "التوالي" التي قال إنها كلمة "عربية فصيحة وقرآنية". ولم يكن فهم بشير لها مثل فهم الأحزاب التي قالت إن مرادها هو الحاق الأحزاب بالإنقاذ. بل المراد منها حسب بشير هو "من شاء أن يتوالى في أي حزب".


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع