تحليلات اخبارية من السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

دور تعليمنا الوطنى فى التنمية البشرية وفرص التعاون الإقليمى بقلم: محمد يوسف حسن

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
10/8/2005 12:44 م

محمد يوسف حسن
[email protected]



ظلت الأمم المتحدة تصدر تقريرا سنويا حول التنمية البشرية لدول العالم المختلفة يقوم بإعداده عدد من الخبراء المختصين الذين يستعينون بدورهم بعدد كبير من الأشخاص والمنظمات المختلف. وجاء السودان فى تقرير عام 2004 فى المرتبة 139 من مجموع 177 دولة. وهو أمر محزن ولكن يجب ألا يكون مصدرا للإحباط لأنه بالتخطيط السليم وارتفاع الهمم يمكن أن نخرج من القاع ونرتفع الى السماء. والتنمية البشرية تعنى فى البدء وبصورة أساسية تمكين المواطنين من إدارة الحياة التى يختارون ولإمدادهم بالوسائل والفرص لتشكل هذه الخيارات فى جانبها السياسى؛ كحماية حقوق الإنسان وتجذير الحكم الديمقراطى أو فى شكلها الإقتصادى؛ كتحقيق زيادة فى التنمية وتوفير فرص عمل متوازنة والحصول بصورة كاملة على الخدمات الصحية والتعليمية. وفى بعدها الثقافى بالخلوص إلى أفكار ملموسة حول ماهية بناء وإدارة سياسات الهوية والثقافة فى صورة تتسق مع الأهداف الأساسية للتنمية البشرية. وفى جانبها الإعلامى فى توصيل الثقافات الوطنية المتنوعة أو التواصل مع الثقافات العالمية. و ويدخل فى ذلك تدريب الناس فى المجالات المختلفة ورفع كفاءاتهم بما يضيف، ايجابا، من اسهاماتهم فى التنمية كأعمال رفع وإنزال البضائع بالأجهزة الحديثة فى المطارات أو تقديم خدمات الأكل والشرب للطائرات أو صيانة السيارات الأوتوماتيك أوصيانة المصاعد الكهربائية أو ما شابه ذلك. وتعلم اللغات هى واحدة من العوامل المهمة فى التنمية البشرية بحسبانها عامل تواصل معرفى مع الآخرين. ولنجاح أهداف التنمية البشرية فإن المواطنين يحتاجون إلى التفكير والإحساس والعمل بصورة تستوعب بصورة جادة إحتياجات وتطلعات الآخرين. وهذا ليس شأنا يخص شعوب وحكومات دول العالم الثالث فقط وإنما شأن يخص كذلك شعوب ودول العالم المتقدم لأنها إن لم تستوعب إحتياجات المهاجرين إليها فإنهم سيبقون أيضا على هامش الحياة غير قادرين على إيجاد فرص عمل مما يدفعهم إلى حالات اليأس التى يعبر البعض عنها أحيانا بصورة عنيفة. وفى هذا فإن المجتمع الدولى وهو يسعى إلى تحقيق أهداف برامج الألفية التنموية التى تهدف لمحاربة الفقر عليه أن يواجه بنجاح التحديات بشأن كيفية خلق مجتمعات ثقافية متنوعة ولتمكين الأقليات من شعوب العالم الثالث من التعبير الثقافى الكامل أثناء تواجدهم فى دول العالم المتقدم.
والسودان وهو يخرج من حالة الحرب الى بناء دولة السلام التى وضع لها برامجا يتمثل فى إتفاقية السلام الشامل والتى ستنفذ من خلال مؤسسات دستورية تم النص عليها فى صلب هذه الاتفاقية. كما أن إستخراج النفط يمثل عامل دفع إضافى لبناء دولتنا الناهضة التى يقصدها الجيران ودول الإقليم للإستشفاء وللتعليم أو البحث عن مراجع لإعداد البحوث فى قضايا عدة مثل التراث الأفريقى أو التعاون العربى الأفريقى أو تعلم العربية وعلوم الإسلام أو فى علوم النفط أو البحوث الزراعية أو قضايا البيئة أو تجارب السودان فى التعايش السلمى وفض النزاعات أو بناء منظمات المجتمع المدنى ...ألخ.. وذلك كله يقتضى تحدثنا وكتابتنا بأكثر من لغة. غير أن بناء دولة بحجم قارة لتصبح رقما مهما يتطلب تخطيطا واسع الرؤية وبعيد النظر. فلم تعد تخطيط السياسات وإتخاذ القرارات بشأنها قاصرا على رئيس المصلحة أو المؤسسة ومعاونيه لوحدهم ولكن الأمر يحتاج فى عالم اليوم إلى تضافر أكثر من جهة رسمية وشعبية، أكاديمية وسياسية بل وربما إستشارات وبيوت خبرة خارجية حتى نخرج بسياسات مثمرة فى عصر العولمة الذى لا بقاء فيه لسياسات ضعيفة أو منغلقة على نفسها لأن الآخر إن إستطعت منع دخوله بعدم إصدار تأشيرة دخول له فإنه سيدخل، لا محالة، دون إستئذان عبر الفضائيات وشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) وعبر أبناء الوطن فى المهجر.
هناك دول صغيرة ولكن لها تجربة ثرة وجديرة بالنظر فى مجال التنمية البشرية. ومن أبرز هذه الدول جزيرة موريشيوص وجمهورية لبنان اللتان إستطاعتا، عبر تنمية بشرية رائدة، أن تعوضا حجم بلديهما ومواردهما المحدودة إلى موارد متنامية وغير محدودة عبر الإهتمام المبكر فى التخطيط عبر المراحل التعليمية إلى الإلتفات لتعليم اللغات المختلفة وخلق المهارات المتعددة بالتدريب على إدارة المؤتمرات وأعمال السكرتارية وخدمات الترجمة ومن تعويض الذين بلغوا مستويات أكاديمية متواضعة من بناء قدرات كثيرة عبر ورش العمل وغيرها. فأصبح مواطنو هذين البلدين يتبوأون أعلى المناصب فى المنظمات الإقليمية والدولية.
وتعلم اللغات عامل مهم جدا فى التواصل الثقافى والدعوى والمنفعى والمعرفى الإنسانى وليس عاملا سالبا كما يتوهم البعض. ودلائل ذلك واضحة للعيان. فالتاجر السودانى الذى يذهب ببضاعته إلى أفريقيا الوسطى مثلا يتعرض فى الطريق للتوقيف والمخالفات لعدم مقدرته على التخاطب بلغة السونقو التى يتحدث بها الناس هناك،أو بعض رجال الشرطة فى بلادنا عندما يستوقفون السيارات ذات اللوحات الدبلوماسية فى مخالفة مرورية ويتحدث معهم الدبلوماسى الأجنبى أو سائق السيارة بلغة أجنبية يضطرهم عدم مقدرتهم على مخاطبته بالانجليزية لتركه ويحرمهم ذلك من تقديم التوجيه والنصح لهؤلاء فى ضرورة إحترام قوانين البلد المضيف. وكذلك المشاركات الخارجية التى تتطلب التواصل مع الآخرين عبر لغة مشتركة. ولن يتم تعلم اللغات بشكل ملموس إلا عبر نظامنا التعليمى فى مراحله المختلفة وأهمها مراحل الأساس حيث المقدرة الإستيعابية لدى الأطفال فى هذه السن المبكرة كبيرة جدا. ولكننا إعتدنا أن نسعى لتعلم اللغات والمهارات الأخرى كقيادة الدراجات والسيارات بعد أن يقوى العود ويصعب النحت عليه ذلك بسبب السياسات التعليمية التى أهملت الإلتفات لتنمية مثل هذه المهارات فى فترة مبكرة حتى تخرج لنا عبر الجمعيات الأدبية قمم من الشعراء والأدباء بقامة البروفسير الراحل عبدالله الطيب والراحل فراج الطيب والمبدع المتصوف الشاعر الطيب سند والأستاذ التيجانى حاج موسى والشاعر محجوب شريف والشاعرة الشابة روضة الحاج ومن أهل الدعوة والخطابة بعلو الدكتور عصام أحمد البشير وبحصص الرياضة والمنافسات المدرسية نجوما فى الحقل الرياضى مثل السفير على قاقرين والراحل سامى عزالدين ومعتز كبير والعداء موسى مدنى والسباح كيجاب وسارة جادالله وآخرين كثر لا تسعهم هذه الصفحات وأن تشكل بحصص الموسيقى والمسرح بداية مواهب لفنانين وموسيقيين ومسرحيين بشموخ الفنان الراحل عثمان الشفيع والأستاذ عبد الكريم الكابلى وشرحبيل أحمد والموسيقار أنس العاقب والموسيقار القمة الأستاذ محمدية والكوميدى الراحل الفاضل سعيد وأن تجعل من حصص الفنون اللبنة الأولى لهامات عملاقة بحجم الأستاذ الصلحى والدكتور أحمد عبدالعال والدكتور راشد دياب. وقد كان ينظر إلينا فى الماضى كأحسن دولة فى المنطقة تستطيع التعامل باللغتين العربية والإنجليزية والآن أصابنا الفقر حتى فى لغتنا الأم ناهيك عن اللغة الإنجليزية. وأصبح مستوى أستاذ اللغة العربية فى تراجع بسبب التدريب غير الكافى وضعف معاهد التربية التى كانت تصقل مهنية هؤلاء الأساتذة قبل أن تدفع بهم لتشكيل أبنائنا على النطق الصحيح للحروف وليس كما أعتدنا هذه الأيام أن نسمع من بعض الطلاب الجامعيين يبتدؤون جملتهم بصورة محيرة (يلا يا خال قلت ليك). والذى يتابع أجهزتنا الإعلامية يسمع الكثير فى تكسير اللغة العربية وحتى بعض أهل الإعلام لا يفرقون بين الحروف المتشابهة أما بعض الكتابات فى المواقع الأخبارية على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) تجدها مليئة بالأخطاء التى لم يبذل كتابها جهدا فى التفريق بين حرف الذال وحرف الزين. وذلك فى تقديرى يحتاج إعادة النظر فى المنهج التعليمى للغة العربية مما يجعل مادة القرآن الكريم هى أساسه حفظا وتجويدا وأن يكون أستاذ اللغة العربية من يتقن قراءة القرآن ثم من بعد يوكل له تعليم أبنائنا لأن فاقد الشئ لا يعطيه وهذا ما سبق أن قال به البروفسير الراحل عبدالله الطيب عليه رحمة الله فى ضرورة أن يشمل المنهج التعليمى برامجا لتقوية اللغة العربية بأن تقرر أجزاء من القرآن للحفظ تتصاعد كلما أرتقاء التلميذ أو الطالب فى السلم الدراسى حتى إذا تخرج من الجامعة كان يحفظ كتاب الله وهو ما يجود من مستوى لغته العربية.
وبالرغم من أن تعليم الأبناء بلغتهم المحلية هى الأكثر نجاحا فى سرعة استيعابهم ولكنها من ناحية ثانية إذا لم نتبعها بلغة وطنية أو عالمية أخرى ستصبح اللغة المحلية لوحدها ذات أثر سالب يتمثل فى عدم تمكين الطفل من تعلم المهارات والإتقان المتوفر فى المعرفة الواسعة المستخدمة فى اللغة الوطنية أو اللغات العالمية مما سيتسبب فى المستقبل من حرمان الشخص من المنافسة فى فرص العمل. ولو تساءلنا كم من السودانيين يستطيعون الآن إستخدام خدمات الإنترنت؟ وأى المواقع يتصفحون وبأى اللغاتلوجدنا أنهم قلة وحتى هذه القلة ينصرف معظمها لتصفح المواقع السودانية حيث الأغانى وقراءة الصحف السودانية والدردشات والنكات ولكن كم هم الذين يتصفحون مواقع بلغات أخرى لكى يطلعوا على مواضيع بحثية أو إختراع أو كتب فى معارف إنسانية أخرى أو صحف سياسية ذات تأثير فى الرأى العام الدولى أو الحصول على وثائق مهمة عبر مزود البحث المسمى قوقل (google.com). وكم من موظفى الدولة الذين تتوفر فى مكاتبهم أجهزة حاسوب يستطيعون من فتح البريد الإلكترونى الخاص بهم أو التواصل عبره مع آخرين أو إستخدام الميسنجر كوسيلة مخاطبة شبه مباشرة فورية أو للحصول على وثائق مؤتمرات تمت فى مكان ما فى العالم؟ كثير من هؤلاء يستخدمونه للطباعة فقط أوللهو بـلعب "الكوتشينة" لعدم تمكنه من اللغات الأخرى أو لعدم معرفته بالدخول لمواقع يمكن أن تفيده فى أمر اللغة والدين والثقافة والعلوم الإنسانية المختلفة فيلزم الكوتشينة ويدمنها داخل مكاتب الدولة وهو أمام الحاسوب. وكما تفيد اللغات فى التواصل المباشر أو عبر وسيط مع الأفراد وثقافاتهم فإنها ضرورية فى فهم رسالة الإعلام الوطنى أو الأجنبى وهو يقوم بإستعراض الثقافات المتنوعة. كيف لصبى فى منطقة الزاندى أو الإنقسنا وهو يتحدث لهجته المحلية فقط دون أن يتعلم اللغة الوطنية القومية من فهم رسالة التلفزيون القومى وهو يتحدث عن تعدد الثقافات؟ إذا تعلم لغة إضافية ذات أبعاد معرفية يشكل إضافة جديدة للمواطن الذى تربى على لغة محلية واحدة.
تجربة موريشيوص التى أشرنا إليها تقوم على تخصيص وزارة التربية لإدارة تسمى إدارة التنمية البشرية مهمتها التخطيط لرفع كفاءة التلاميذ بتعلم الغتين الفرنسية والإنجليزية فى آن واحد مما يجعل التلاميذ يجيدون اللغتين فى مرحلة مبكرة هذا بجانب التدريب على مهارات مختلفة كاستخدام الحاسوب والأجهزة العصرية والتدريب على مهارات مختلفة. والحال عندنا الآن قليل من بين تلاميذنا من يستطيع أن يكتب خطابا باللغة العربية ناهيك عن الإنجليزية لأن ذلك ليس فى البرنامج التعليمى.
ولكن كيف للسودان أن يحقق هذه التنمية البشرية فى أحد أهم جوانبها وهو تعلم اللغات؟ يمكن للسودان أن ينشط برامج التبادل الثقافى والأكاديمى مع دول فى منظوماتنا الإقليمية؛ مثل الإستفادة مع دول المغرب العربى وتشاد وجيبوتى وجزر القمر ومالى والنيجر وبوركينا فاسو وغينيا والسنيغال وأفريقيا الوسطى والكونغو فى توفير أستاذ اللغة الفرنسية فى مدارسنا وجامعاتنا فى جميع ولايات السودان ومع دول ناطقة بالإنجليزية فى محيطنا الإقليمى أو فى آسيا للإستفادة منها فى ككينيا ونيجيريا وغامبيا وماليزيا وباكستان والهند وأندونيسيا والفلبين وغيرها. وحتى مؤسسات القطاع الخاص أو شبه الحكومية كقاعة الصداقة ومؤسسة الشهيد الزير يمكن أن تتعاقد مع بعض هذه الدول لتدرب لها مترجمين فى هاتين اللغتين وفى إدارة المؤتمرات لكى تقدم فى مؤسساتها عملا إستثماريا متكاملا فى تنظيم المؤتمرات ويستفيد من قدرات جديدة لبعض أبناء السودان. كم من السودانيين يمتهنون الآن الترجمة الفورية أو الكتابية؟ لا أحسب أنهم كثر لأننى طيلة عملى وأسفارى لعقدين من الزمان لم ألتق فى المنظمات الدولية أو الإقليمية إلا بشخصين يقومان بالترجمة أحدهما عمنا المرحوم محمد طه والد زميلنا مجدى محمد طه الذى عمل مترجما كتابيا بالأمم المتحدة بجنيف والآن هناك شاب سودانى أيضا بالأمم المتحدة بجنيف. إنه فقر دم لغوى حيث تلفازنا القومى ما زال فى نشرته الفرنسية يعتمد على مذيع واحد أو هكذا إعتد أن أشاهد. جميل أن تكون لدينا قاعة صداقة وقاعة دولية للمؤتمرات ولكن ماذا بعد؟ ما هو دور هذه المؤسسات فى أن تكون خدماتها مكتملة وجاذبة لمؤتمرات دولية وإقليمية؟ نترك الإجابة لهذه المؤسسات ولوزارتى التربية والتعليم العالى وحتى ذاك الحين رمضان كريم وتصومون وتفطرون على خير،،،

للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved