تحليلات اخبارية من السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أمدرمانيات ود الشيخ بقلم هلال زاهر الساداتي

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
8/9/2005 3:46 م

أمدرمانيات
ود الشيخ


في أربعينات القرن العشرين لم تكن مواسير وحنفيات ماء الشرب قد أدخلت في معظم الدور في أمدرمان والقلة التي حظيت بها كان مصدر الماء من ما يعرف بالحنفية النقاطة وهي ماسورة بها حنفية مركبة عالية في جدار الحوش الداخلي للمنزل ويصب الماء منها في برميل من الأسمنت وينزل الماء في خيط رفيع أشبه بالتنقيط حتى يمتلأ البرميل , ويغرف أهل المنزل الماء من هذا البرميل للاستعمالات المختلفة . أما غالبية الناس فقد كانوا يستقون الماء من النهر رأساً ويقوم بهذه المهمة السقاءون وكان الماء يحمل في خرج من الجلد يوضع على ظهر حمار ويقوم السقاء بتوزيعه على البيوت وكان أصحاب الحمير من السقائين من اليمنيين الوافدين حديثاً للسودان ويعمل الواحد منهم بدأب حتى يتمكن من شراء عربة كارو للنقل ثم يواصل مسيرته الدءوب يقتني دكاناً فقد كانت كل دكاكين الأحياء أصحابها من اليمانيه كما نسميهم و الواحد منهم ندعوه أبو يمن . والنوع الآخر من السقايين هم المشايين وهم الذين يحمل الواحد منهم ( الجوز ) وهذا كان صفيحتين مربوط إلى كل منها حبل مفتول غليظ ويدخل طرفا الحبل في عمود من الخشب ويحمل السقاء العمود على كتفيه ويذهب إلى البحر ( النيل ) ويملأ الصفيحتين بالماء ويحملهما إلى البيوت ويملأ أزيار أو زير الماء وهو يقوم بهذا العمل الشاق طيلة اليوم ذهاباً وإياباً إلى النهر في مشي فيما يشبه الهرولة أثناء السعي بين الصفا والمروة والماء في الصفيحتين يتقافز وينتشر على الجانبين .
كان سقا الحي في فريق ريد وهو من أحياء حي الموردة والفريق قريب من البحر , كان السقا رجل جاوز الستين من العمر ولكنه كان متين البنيان يميل لونه إلى الحمرة أشيب الشعر كاشف الرأس وشكله أقرب إلى من نسميهم الشناقيط وكان غليظ الكفين و القدمين وكان يسعى حافياً دائماً ولم نره منتعلاً حذاءً أو نعلاً أبداً حتى في الأعياد , وكان يلبس جلباباً قصيراً من الدمورية ويربط وسطه بحبل من التيل وكانت تتدلى من عنقه مسبحة غليظة حال لونها إلى ما يشبه السواد . وكان الجميع ينادونه بود الشيخ ولم يعرف له اسم ولم نعرف له أهلاً وهو نفسه كان لا يذكر شيئاً عن أهله . وكان عندما يأتي المساء يذهب إلى حجرة صغيرة ليس بها نوافذ سوى باب صغير في بيت قديم شبه مهدم تسكنه امرأة عجوز . وكان الرجل ود الشيخ ودوداً دائم الابتسام وكان محبوباً من الجميع لا سيما وأنه يدخل معظم البيوت حاملاً إليها الماء ولكن ود الشيخ كان لا يمل ترداد القول : الله ينصر الإنجليز _ العرب ظلموا , وكنا نحن الصغار في المدرسة الوسطى لدينا بعض الوعي بأن الإنجليز مستعمرين لبلدنا , فكنا نغتاظ من مقولة ود الشيخ , وكنا نحتد معه ونقول له بأن لا يقول هذا الكلام ولكنه لم يكن يغضب أبداً ولا يزيد عن قوله بإصرار : الله ينصر الإنجليز يا أولادي .. العرب ظلموا , وبمضى الوقت لم نعد نكترث بقوله بل صار لنا مادة للتفكه وكلما نلقاه نبادره بالقول : الله يهزم الإنجليز _ يسقط الاستعمار فيرد علينا والابتسامة لا تفارق شفتيه : لا يا أولادي .
الله ينصر الإنجليز .. العرب ظلموا ..
وكان ود الشيخ لا تنقصه الصراحة بل كان صريحاً إلى أبعد حد , ففي مرة سألناه لماذا لا يتزوج حتى يجد رفيقة له في شيخوخته فرد علينا قائلاً : (( يا أولادي المره ما بتدور الراجل الِعنّين وأنا عنين )) , ولم نكن وقتها نعرف معنى الكلمة , ولما عرفناها ضحكنا كثيراً وصرنا كنوع من التسلية , كلما نلاقى ود الشيخ نسأله عن عدم زواجه وكان لا يغضب أبداً ويرد علينا نفس الرد بأنه عنين والنساء لا يردن الرجل العنين , ونحن نضحك ..
و أزداد عدد الحنفيات النقاطات في البيوت بل دخلتها حنفيات كاملة ثم انتهت واختفت الحنفيات النقاطات وتقلصت أعداد السقايين من حاملي الجوز وأصحاب الحمير ..و أصبحنا ذات يوم وعرفنا أو ود الشيخ قد اختفى من الفريق و جرى البحث عنه في الحي كله و لكن لم يعثر له علي أثر و اختفي ود الشيخ و اختفي معه سره إلى الأبد .. وخرج الإنجليز من السودان ومن جميع مستعمراتهم في العالم وأما العرب فقد ظلموا وما زالوا مظلومين !

هلال زاهر الساداتي



للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved