تحليلات اخبارية من السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

دار الرياضة بأمدرمان بقلم هلال زاهر الساداتي

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
8/27/2005 5:43 م

أمدرمانيات
دار الرياضة بأمدرمان
هلال زاهر الساداتي

هذه الدار العتيقة والتي كانت مهداً للرياضة المنظمة في السودان وبخاصة كرة القدم ما تزال قائمة شامخة تؤدي رسالتها بالرغم من تقادم عهدها واضمحلال ألقها وتضاءل دورها وانتقل دورها إلى إستادات حديثة تكسو أرضها النجيلة , وتنير ساحاتها الأضواء الكاشفة , وتؤدي فيها المباريات ليلاً بعيداً عن حمارة قيظ النهار , واللعب فيها ليس على أرض ترابية . لا زالت حيطانها العالية المبنية من الحجارة قائمة إلى الآن منذ عهد المهدية فقد كانت مستودعاً كبيراً . دار الزمان دورات وحكم الأنقليز السودان وكان القوم مولعين بالرياضة وبخاصة كرة القدم و التي ابتدعوها في العصر الحديث , و أدخل الجيش الإنجليزي هذه اللعبة الشعبية , وكونوا اتحاداً للكرة يرأسه إنقليزي , ونظموا دوري تتبارى فيه المصالح الحكومية التي كونت كل منها فريقاً لكرة القدم مثل الأشغال والنقل الميكانيكي والري المصري وكانت تقام أيضاً منافسات بين أسلحة الجيش كالمهندسين والإشارة , وأفردوا لها كأساً أسموه كأس المصالح وهناك أيضاً كأس الحاكم العام , و في الأربعينات من القرن الماضي تكونت الفرق الرياضية وقسمت إلى درجات أبرزها فرق الدرجة الأولى وضمت الموردة والمريخ والهلال والوطن ويليها فرق الدرجة الثانية كالزهرة والعباسية وحي الضباط , ويلي تلك فرق صغيرة غير مصنفة في الأحياء وهذه كانت تلعب في الساحات في الأحياء كساحة ميدان الربيع بالعباسية بأمدرمان , وكانت الفرق المذكورة كلها في أمدرمان وكانت هناك فرق كبيرة في مدينة الخرطوم كالأهلي وهناك فرق الخرطوم بحري كفريق سلاطين والكوكب و عقرب . وكان يدير المباريات حكام من السودانيين وكان من قدامي الحكام خضر زايد و منديل و جاء بعدهم يوسف محمد وعبيد إبراهيم والخليفة موسى ويوسف الخضر وكان اتحاد الكرة يعين الحكام وينظم لهم دورات تدريبية . أما عن الدار نفسها فقد أحيطت من الداخل بمدرجات من الطوب و الأسمنت من جهات الشرق والجنوب والشمال وهذه مدرجات شعبية رسم دخولها قرشان للتذكرة , و أما في الجهة الغربية فتوجد المسطبة الوسطي وبها كراسي مريحة مصفوفة علي مدرجاتها , ويحف بالمسطبة الوسطي من الجانبين المساطب الجانبية ويفصلها عنها حاجزان قصيران وبها كراسي أيضا , ورسم دخول المسطبة الوسطي عشرون قرشا وعشرة قروش للمساطب الجانبية , وكانت هناك أبواب لتذاكر ودخول كل المساطب , وكانت ولا زالت البوابة الرئيسة بالمسطبة الوسطي , ويوجد بالخارج سبورة سوداء من الأسمنت علي حائط المسطبة الوسطي يكتب عليها اسما الفريقين المتباريين ونوع المباراة إن كانت ودية أو دوري أو علي الكأس , وكذلك موعد بدء المباراة وفئات رسوم الدخول . وكان هناك تقليد وهو فتح الأبواب قبل نهاية المباراة بعشر دقائق لدخول الجمهور مجانا .وكانت هناك حدود معروفة و أمكنة لجمهور مشجعي كل فريق من الفرق الكبرى , فمشجعو الهلال يحتلون المساطب الشمالية ومشجعو الموردة يحتلون المساطب الجنوبية , ومشجعو المريخ يحتلون المساطب الشرقية , وهذه الأقسام ضرورية لمنع الاشتباك بين المتهورين والمتشنجين والمهووسين بين المشجعين ! فقد كانت هناك ملاسنات ومكايدات بين المشجعين خاصة بين الهلالاب والمريخاب من المشجعين مما سيلي ذكره . كانت هناك شخصيات ارتبطت بدار الرياضة فكان هناك طلب وهو رياضي متقاعد وكان بمثابة الطبيب الرياضي فحينما يصاب أحد اللاعبين يندفع العم طلب ومعه نقالة لينقله خارج الملعب لإسعافه , وكان في فترة الراحة بعد شوط المباراة الأول يحمل صندوقا من الكرتون به ليمون يعطي منه ليمونه لكل لاعب من الفريقين , وكان هناك العم الجاك الدلال وهذا عمله الأصلي فقد كان دلال الدلالة في امدرمان , وهو الإعلامي حينذاك فلم تكن توجد ميكرفونات أو مكبرات للصوت فكان الجاك يقف في الميدان بين الشوطين ويتوجه إلى الجهات الأربع ويعلن عن المباراة القادمة بصوته القوي الجهوري الذي يضاهي صوت أي مكبر للصوت فكان يصيح معلنا ( غدا , الهلال والوطن – الوطن والهلال في مباراة ودية ) وكان العم الجاك هلاليا متعصبا وسليط اللسان وفي مباراة للهلال والمريخ ادخل المريخ إصابة في شباك الهلال فقام أحد مشجعي المريخ وصاح في الجاك ((عصبة يا عم الجاك عصبة)) واخذ يردد ذلك والجاك يرد عليه بقول (( أنا آسف – أنا آسف)) واستعجب الناس من حلم الجاك المفاجئ ولكنه بادر بقوله : (( والله أنا آسف . أنا ما بكلم الواسع )) .
وكان هناك الخزين بائع الجرائد وأنا اسميه وكالة أنباء متحركة , وكانت لديه طريقة متميزة وشيقة للمناداة علي الجرائد وذلك بإبراز الأنباء المهمة بأسلوب مشوق ومثير ومن ذلك انه كانت هناك قضية أخلاقية اتهم فيها بعض الكبار بإقامة علاقات جنسية مع فتيات قاصرات , فكان الخزين ينادي علي الجريدة قائلا :
(( امدرمان بقت تنخاف . اقرأ القضية الأخلاقية الكبرى )) وقد رأيت الخزين قبل خمس سنوات وقد كبر في السن بالخرطوم وكان ما زال يبيع الجرائد في محل متواضع ولكن بدون حس , ولعل ناس الأمن قد اسكتوا حسه فأن الفضائح قد كثرت وتعاظمت في عهد الجبهة !
شهدت دار الرياضة أفذاذ كرة القدم في السودان فقد لعب على أرضها التراب عبد الخير لاعب الهلال الفذ و طلعت فريد الصخرة والأمير صديق منزول والسد العالي وأمين زكي وسبت وقاقارين وجكسا ومن الموردة زرقان ودرار وترنه وسمير وود الزبير وعمر عثمان وعمر التوم , ومن المريخ شرفى وحسن العبد وكلول وعصمت معنى وبرعى , ودولي الكبير ودولي الصغير وسحابة من بحري وبري وغيرهم ممن لا تحضرني أسماءهم , واستقبلت الدار أشهر الفرق العالمية فقد لعب على أرضها أبطال العالم في كرة القدم في فريق الرد استار
Red Star المجري الذي كان يضم ساحر الكرة بوشكاش وصاحب الرأس الذهبية كوتشيس وبوجيك وهودى كوتي. ولم تكن أنشطة هذه الدار تقتصر علي كرة القدم فقد كانت تقام فيها مهرجانات رياضية تضم مختلف ضروب الألعاب الرياضية , واذكر ونحن في المرحلة الأولية أن كلية غردون (جامعة الخرطوم حاليا ) نظمت بطولة بالدار في جميع الألعاب من العاب قوي وقفز عالي وشد حبل , وفي الستينات نظم نادي الهلال أول مباراة في كرة السلة بين الفتيات , كما كانت حفلات تخريج طلبة الكلية الحربية تقام بدار الرياضة بامدرمان .
أما الذي يستحق المشاهدة فعلا فهو جمهور كرة القدم كما قال لي أحد أصدقائي فهو يدخل الإستاد ليتفرج علي الناس وليس اللاعبين , وقد جربت ذلك ووجدت متعة في المشاهدة تعدل مشاهدة المباراة , ووجدت الذين يقفزون , ومن يلعن ويسب , ومن يصرخ , ومن يتشنج وتبرز عروق رقبته وكأنها ستنفجر , والذي يرفس بأقدامه ومن يشتم الحكم واللاعبين , والصفير والتصفيق , وهناك ظاهرة إشعال أوراق الجرائد عند إحراز الأهداف , وتجد الشخص الرصين الرزين ينقلب إلى أهوج ارعن , وربما يسئ الأدب في القول والتصرف .
وشاهدت ومعي مئات من الناس منظرا شاذا في هذه الدار فقد كانت هناك مباراة علي الكأس بين الهلال والموردة وفجأة هطل مطر غزير مصحوب بالبَرَدْ (قطع ثلج كالحصا) وتوقفت المباراة واندفع الناس للخروج وفي الخارج رأينا أحدهم جاريا والماء يبلله وملابسه ملتصقة به وكان لا يرتدي سروالا أو فانلة داخلية , وكان أضحوكة واستغراب من الجميع .
و بعد فهذه هي دار الرياضة بامدرمان ذات الأمجاد والتي ظلت صامدة علي مدي الأجيال , وودت لو أن أرضها صارت خضراء بالنجيلة ولعل اتحاد الكرة يفعل ذلك .

[email protected]



للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved