الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية

في دعم حملة علاج دكتور الباقر العفيف:- قليل من كثر خير من كثير من قلة
نداء أنساني بخصوص الدكتور الباقر العفيف
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-11-2018, 10:22 AM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف النصف الأول للعام 2005م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
12-05-2005, 10:37 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية (Re: Sabri Elshareef)

    ."المويلحي":التحوّل السردي ونقض الثبات التقليدي



    تبيّن لنا كيف قامت النصوص الروائية بتمثيل سردي شفّاف للمرجعيات الثقافية في القرن التاسع عشر،تمثيل جرّد تلك المرجعيّات من أبعادها المحتملة،وعرضها باعتبارها أنماطا أخلاقية متعارضة تقوم الشخصيات بالتعبير عنها،فالشخصية بؤرة رمزية لموقف خيّر أو شرّير،ومن وسط اصطراع الأنظمة القيمية تبلور الشخصيات حضورها،وتبيّن لنا أيضا،وبخاصة عند " الخوري" و "البستاني" و" زيدان" غياب قانون الاحتمال في العلاقات السردية،وفي الأحداث،وفي أفعال الشخصيات،ذلك القانون الذي يجعل إمكانية وقوع الأحداث محتملة،والحقّ فمعظم الروايات العربية في القرن التاسع عشر محكومة بقانون آخر هو قانون الصدفة والدهشة القائمة على الحركة والمغامرة،وحتى التعليقات والحواشي والتدخّلات التي يقوم بها المؤلّفون لم تكن قادرة على الحدّ من الإيقاع السريع والمتراكم للأحداث التي تريد أن تضع الخصوم في مواجهة مباشرة،لتكشف تعارض القيم،وهذا القانون بكامله بما فيه الإيقاع السريع مستعار من المرويات السردية،وفي مقدمتها سير الفرسان والحكايات الخرافية،وعلى العموم فالآداب القديمة،بسبب آليات التعبير الشفوي التي ظلّت مؤثّرة فيها حتى بعد تدوينها وانتقالها إلى المرحلة الكتابية،تتميّز بكل ذلك،فهي تختزل الأحداث وسلوك الشخصيات إلى أنماط جاهزة،فيما الآداب الحديثة،تقوم على الضدّ من ذلك بتمثيل سردي كثيف،يتضمن التنوّع والتفصيل الكاملين للمرجعيات الثقافية،والأحداث الخاضعة للاحتمال،والشخصيات تحرّرت من النسق التعارضي التقليدي،واشتبكت في علاقات أخرى نابعة من إمكانات محتملة الوقوع.

    يعتبر كتاب" حديث عيسى بن هشام" لـ"محمد المويلحي"(1858-1930) الوثيقة السردية الأكثر أهمية التي عبرّت،في خاتمة القرن التاسع عشر،عن هذا التحوّل،فالكتاب بشخصياته ونظامه القيمي والدلالي بدأ بحالة معينة،ثم انتهي بحالة مختلفة تماما،تغيّرت القيم،والشخصيات،والمنظورات السردية،حتى اللغة والأسلوب.إنّه كتاب التحوّلات التي فرضت وجودها في كلّ شيء.ومن اللازم أن نتتبّع الكيفية التي تجلّت فيها التحوّلات الدلالية والفنية في هذا الكتاب الذي يقيم اتصالا واضحا بـ"مقامات الهمذاني"،إنّه نوع من المحاكاة في التسمية لتلك المجموعة من النصوص التأسيسية،فـ" مقامات الهمذاني" كانت منفتحة ومتحرّرة بدرجة ما من قيود الصنعة البلاغية الصارمة التي تعاظم أمرها فيما بعد،اعتبارا من " الحريري"،وليس مستبعدا أن يكون " المويلحي" على وعي بكل ذلك،فحاول أن يتخطّى الموروث المتصنّع،ويعود إلى الأصل التأسيسي الذي انبثق عنه النوع،ويستثمر في الوقت نفسه الوظيفة الانتقادية لمقامات البديع التي فضحت بشكل لا غبار عليه البنية الاجتماعية في القرن الرابع الهجري.

    ولم يكن "المويلحي" الوحيد الذي قبل دور التابع لسلف عظيم،فتاريخ المقامات،نهض على نوع واضح بالإقرار لمديونية أدبية للسابقين،فقد أقرّ " الـحريري"بأنه يتلو تلو " البـديع"،وإنّه" لن يكون ضالعا شأن ذلك الضليع"(51).وبعده أعلن " ابن الصيقل الجزري" بأنّه يحذو حذو "الحريري"،الذي هو" أوحد زمانه،وأرشد أوانه " وقَبِلَ أن يكون الفرس الثاني في السباق فيما "الحريري" هو الأول(52).ثم " اليازجي" الذي شدّد على رغبته المحاكاتية في تقليد رواد المقامات بتطفله على" مقام أهل الأدب من أيمة العرب،بتلفيق أحاديث تقتصر على شبه مقاماتهم من اللقب"وهو" ضرب من الفضول،بعد انتشار ما أبرزه أولئك الفحول(53).ومن وسط هذا التقليد العريق انبثق أمر المحاكاة المويلحية،كما يبدو أول وهلة،والحق فلا نجد،إذا تمعّنا جيدا في التاريخ الأدبي للمقامات،سوى نزر يسير من كتّاب المقامات يحاكون حرفيا من سبقهم،فتاريخ المقامات العربية هو في حقيقته تاريخ تمرّد على شكل المقامة أكثر منه تاريخ امتثال له،ومن هذه الناحية يمكن اعتبار "المويلحي" من أواخر السلسلة المتمرّدة على الشكل التقليدي للمقامة،فالإقرار بالإفادة من شكل أدبي لا يحول دون الخروج عليه،والشكل الذي استقام صرحه على يدي " البديع" في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي،سرعان ما عرف طوال القرون العشرة اللاحقة نخبة من المتمرّدين أضعاف ما عرف من الممتثلين.

    لقد خرج على الشكل التقليدي عدد كبير من المقاميّين،مثل:ابن ناقيا،ثم الزمخشري،وابن الجوزي،والشاب الظريف،وظهير الدين الكازروني،ثم ابن الوردي،والقوّاس،والسيوطي،والخفاجي، والكريدي،والشيرازي،والسويدي،والورغي،والشدياق،والأنصاري،ومحمد فريد وجدي،ولا نجد بين هؤلاء من امتثل للبنية السردية التقليدية للمقامة امتثالا تاما،باستثناء حفنة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة،في مقدمتهم الحريري الذي قلّد الهمذاني،والسرقسطي الأندلسي وابن الصيقل الجزري اللذان قلّدا الحريري،ثم اليازجي الذي قلّد هؤلاء،وبخاصة الحريري.وإلى هذا الخروج المتواصل نعزو تفكّك نوع المقامة وانهياره(54).ولم ينج "المويلحي" من كل ذلك،ولهذا ليس من المنتظر أن يحاكي "الهمذاني" محاكاة كاملة،إنما رغب في أن ينتمي إلى نسق من التعبير السردي الشائع الذي استعمل منذ البداية وسيلة بارعة ومقنّعة للنقد الاجتماعي،وقيمة كتاب " المويلحي" تتحدّد من أمرين،أولهما:التحرّر من الشكل الضيق والقصير لشكل المقامة،والثاني:تعميق الوظيفة الانتقادية،وإشهارها،لكنه حافظ على الشكل العام للبنية السردية للمقامة،تلك البنية القائمة على تلازم الراوي والبطل،وتناوب السرد بينهما،وقيام الحدث على فعلهما،وبخاصة فعل البطل أكثر من الراوي.اهتدى " المويلحي" بشكل صار مع التاريخ مرنا ومنفتحا،فأفاد منه،وطوّره إلى درجة كان الخروج عليه طبقا للآراء النقدية الراغبة بذلك،لا تقل أهمية عن تلك الآراء القائلة بمحاكاته.

    تتصدّر كتاب " المويلحي" سلسلة من الإعاقات السردية التي تحول دون تحرّر الحكاية وانطلاقها،ومن الواضح أنَّ " المويلحي" تقصّد وضع تلك الإعاقات وترتيبها لكي يتجنّب سوء الفهم الذي ينتظره من وراء الكتاب المملوء سخرية من كل شئ،ففضلا عن العنوان الذي يحيل على جهد "الهمذاني" فيدرأ بذلك خطر الوهم المنتظر من الناقدين له،وردت إشارة في الصفحة الأولى وتحت العنوان تؤكّد بأنَّ النبي كان" يمزح ولا يقول إلاَّ حقّا " وهذه الإشارة يراد منها تبرئة الكتاب من المقاصد المختبئة في غلالة المزاح،فما يحتويه هو الحقّ،وإن جاء ذلك بوسيلة التخيّل الأدبي.

    يبدو أنَّ ذلك لم يكن كافيا بالنسبة لـ" المويلحي"،فقدّمه بإهداء يحاكي به إهداءات القدماء التذللية التي تتضمنها مقدمات كتبهم،وكأنه يربط كتابه بمن يهديه لهم:والده المويلحي الكبير،وجمال الدين الأفغاني،ومحمد عبدة، واللغوي الشنقيطي،والشاعر البارودي،وهم نخبة العصر في زمنه من أدباء وعلماء دين ولغة وشعراء،ثم ثبّت صورة من رسالة موجّهة إليه من "جمال الدين الأفغاني"،يشيد فيها به،ويأمل منه أن يتحوّل من إرهاصاته الأولى إلى تعبير معجز" ليس بعد الإرهاص إلاَّ الإعجاز " وقد حرص على إدراجها لتضفي عليه قيمة،وتوجّه قراءته توجيها معينا،ثم خاتمة للشيخ "سالم بو حاجب" صاحب الإفتاء في المملكة التونسية،وصف فيها " المويلحي": بأنّه"جهبذ نحرير،ذو قلم تخرّ له سحرة البيان ساجدين" على أنَّ كلّ هذا لم يحل دون أن يضع "المويلحي" للكتاب مقدّمة تهدف إلى توضيح ما قد يُساء فهمه،فقد أشار إلى أنَّ الكتاب،وإن وضع على نسق التخييل،فإنّه" حقيقة متبرّجة في ثوب خيال لا أنه خيال مسبوك في قالب حقيقة" وكشف أخيرا المغزى الاعتباري فقال:إنّه في هذا الكتاب حاول شرح" أخلاق أهل العصر وأطوارهم" ووصف" ما عليه الناس من مختلف طبقاتهم من النقائص التي يتعيّن اجتنابها،والفضائل التي يجب التزامها"(55).

    وعلى الرغم من كل هذا فقد وجد بعض منتقديه أنّه كان " يسير في طريق لا تحمد مغبة المضي فيه بإنشاء كتاب يجري مجرى أدب العوام "(56)وتبدأ بعد كل سلسلة الإعاقات السردية هذه" العبرة"من الكتاب،وهو يصطلح عليها عبرة مع أنها ليس سوى إطار سردي عام تنبثق من خلاله شخصية الباشا،لكنّها تصلُح لأن تضع الشخصية الرئيسة في مواجهة جملة من القيم المختلفة.والكتاب بأجمعه يقوم على نسق المفارقة بين عصرين وثقافتين ونمطين متعارضين من أنماط الحياة،ولذلك فهو وثيقة رمزية بالغة الدلالة في نقد السلوك،ومساءلة القيم الاجتماعية،وفي الوقت الذي يسعى فيه الراوي إلى تثبيت وضعية الباشا في عالم جديد لا يوافقه في منظومة القيم،يصدر الباشا عن منظومة أخلاقية صارمة في نقد الآخرين.

    يتنزّل كتاب " المويلحي" في اللحظة الفاصلة بين عصرين وثقافتين،في بداية الكتاب لا يستطيع الباشا الانفصال عن عصره وقيمه،ولا يتقبّل العصر الذي بُعث فيه وقيمه،هذا من جهة،ومن جهة أخرى لا يستطيع المجتمع تفهّم قيم الباشا المندثرة،وسلوكه الاستعراضي كونه من أتباع " محمد علي" و" إبراهيم باشا "،وكونه ناظرا للجهادية،ولا يقبل أن يتخلّى عن قيمه أو أن يهذبها،ولكن ينتهي الكتاب،وقد أصبح الباشا في حال مختلفة تماما عمّا كان عليه.ولهذا فالكتاب يقوم بتمثيل الاصطراع العميق والمعقّد بين أنساق قيمية متعارضة،لكنّها سرعان ما تخضع لقانون التحوّل. وليس" حديث عيسى بن هشام "وحده النصّ السردي الفاصل بين نسقين مختلفين من القيم،فالأعمال الأدبية السردية الكبرى هي التي تتنزّل أحداثها ومقاصدها الرمزية في اللحظة الفاصلة بين العصور،ويمكن التمثيل على ذلك بأثر أدبي مشهور،هو كتاب" دون كيخوته" لـ"ثربانتس".يعيش "دون كيخوته" الشخصية الرئيسة في كتاب " ثربانتس"،مثلما يعيش الباشا في كتاب " المويلحي" في الحد الفاصل بين عصرين لكلّ منهما نسقه الثقافي،وما يحدث انقساماً عميقاً في وعي كل منهما هو وقوفهما في النقطة الفاصلة بين ثقافتين:الأولى:تنتمي إلى عصر في طريقه للأفول،والثانية: إلى عصر لم تتبيّن بعد معالمه الواضحة،فـ" دون كيخوته" يستعيد قيم الفروسية في عصر طوّر قيما مختلفة،والباشا يستحضر قيم ما قبل منتصف القرن التاسع عشر،في نهاية ذلك القرن،وهذا التباين ينعكس واضحاً في سلوكهما وأفعالهما واختياراتهما وعلاقاتهما بالآخرين.

    بتأثير من قراءة روايات الفرسان،ينتدب " دون كيخوته" نفسه لإعادة الاعتبار لقيم الفروسية وثقافة عصرها إلى درجة يخيّل له فيها أنه يذوب في شخصية الفارس " أماديس الغالي" وبالنظر إلى أنّه يعيش حقيقة في عصر لا يوقّر قيم الفروسية وثقافتها،فإنَّ كلّ المعاني المتّصلة بأفعاله تنقلب لتعطي دلالات مضادّة لما يتصوّرها هو؛ذلك أنَّ النسق الثقافي الجديد يحول دون منح المعنى القديم دلالته الحقيقية،إنما يضفي عليه فائضاً من دلالاته هو،وهكذا تظهر كل أفعال " دون كيخوته" ساخرة ومتناقضة وتنطوي على مفارقة لا يمكن السكوت عليها.والحقيقة فإنّها تنجز من قبل صاحبها بحسن نية وطبقاً لشروط النسق الثقافي الذي تشبّع به،لكنّ مقتضيات النسق الثقافي الجديد تجري اختزالاً وإكراهاً،فتعيد إنتاج تلك الأفعال داخل سياق مختلف،فتُسقط عليها دلالات تظهرها بوصفها أفعالاً شاذّة وغريبة،وكان "دون كيخوته" يريد أن يصير فارساً في عصر لم يعد قادراً على احتمال فكرة الفارس أصلا،وعلى هذا فإنَّ كل مقاصده تقود إلى عكس ما يريده منها.في نهاية المطاف يكتشف خطأه،يتوصل إلى أنّه خُدع لأن محاولته الفردية في بعث نسق ثقافي محتضر كانت مغامرة مضللة،ويتمنى لو كان قد دخل مدخلاً آخر يتّصل بإنارة العقل.وليس هذا حكم قيمة بصدد أفعال "دون كيخوته"،إنما أمر يراد منه الإشارة إلى أنَّ الأفعال لا تكتسب دلالاتها إلاَّ إذا أُنزلت ضمن السياقات الثقافية الحاضنة لها.فهي المفسّر الذي يغذّيها بالمقاصد المناسبة،لأنَّ تلك المقاصد تترتب ضمن فضاءات تلك السياقات وليس خارجها.

    ويخيّل لنا بأنَّ القيمة الاستثنائية لكتاب " المويلحي" تنبثق من كونه أكثر النصوص قوة في تمثيل هذه الفكرة في نهاية القرن التاسع عشر،حيث تدور أحداثه.فالشخصية الرئيسة فيه تبحث عن اتصال متكامل بعالم منسجم مع نفسه،لكن العالم المذكور انتقل إلى الأخذ بجملة مغايرة من القيم،وفي ضوء هذه المفارقة يعاد تفسير أفعال الشخصية الرئيسة تفسيرا ساخرا،لأنّها تصدر عن رؤية صارمة ومنسجمة مع نفسها،لكنّها تفسّر في ضوء نظام متحلّل من القيم،وهذا التناقض،بصورته المعروضة لم يكن مثارا لدى " البستاني" و" زيدان " من قبل،ولكن في العمق من هذا التماثل بين "دون كيخوته " والباشا " أحمد المنيكلي " يقع أيضا اختلاف لا يقل أهمية،وهو أن توّقف " دون كيخوته" عن دوره جاء في أول الأمر بناء عن ميثاق مشتق من عالم الفروسية،أن يوقف تمثيل دور الفارس إذا خسر رهان إحدى المنازلات،وبعد ذلك فجأة،وفي الأيام الأخيرة ينقطع عن ذلك العالم،فيما يتنامى هذا الموقف لدى الباشا شيئا فشيئا،من رفض كامل،إلى دهشة،فتعجب،فعزوف،فترقّب،ومشاركة،ثم انخراط.يبدو التغيّر سريعا جدا في حالة " دون كيخوته"،فيما يتنامى التغيير لدى الباشا طوال كتاب" حديث عيسى بن هشام".

    يكاد الراوي والباشا في" حديث عيسى بن هشام" يتطابقان في منظورهما،في أول الأمر،ولا تكاد المدة الزمنية الفاصلة بينهما،وهي قرابة نصف قرن تُحدث تمايزا بينهما،مما يمكن معه القول بأنَّ منظور الراوي يحيل على منظور " المويلحي" نفسه،فبعد أن يُحبس الباشا،يتركه الراوي بانتظار المحاكمة،وهو يفكّر قلقا ومضطربا بما أصاب الرجل"من ضربات الدهر المتتالية،وهو غريق في دهشته وحيرته،لا يدرك مضّي الزمن،ولا يدري ما الحال،ولا يعلم بتغيير الأمور،وما أحدثه الدهر بعد عهده،وزوال دولته من تبدّل الأحكام وانقلاب الدول"(57).فالراوي هنا يشفق على الحال التي أصبح فيها الباشا بسبب جهله بتغير الزمن،ولكن سرعان ما يتوصل إلى أنَّ إبقاء الجهل خير من إظهار المعرفة؛فذلك الجهل قد يساعد الباشا في موقفه،فلا يرتّب عليه ذنبا لم يتقصّد ارتكابه،ولهذا يواصل الراوي:" وكنت هممت أن أكاشفه بشرح الأحوال،وتفصيل الأمور عند أول مصاحبتي له لولا ما دَهمنا به القضاء المحتوم فأوقعنا فيما ألمّ بنا،ثم فكّرت بعد ذلك فكان من حسن التدبير،وسداد الرأي عندي أن يبقى الرجل جاهلا بالأمر حتى ينتهي من خطبه،ويكون جهله بتغيير الأحوال قائما بعذره في التخلّص من محاكمته.ثم عقدت العزيمة على أني لا أفارق صحبته بعد ذلك حتى أُريَه ما لم يرَ وأُسمعه ما لم يسمع،وأشرح له ما خفي علي،وغمض من تاريخ العصر الحاضر؛لأطَّلع على ما يكون من رأيه فيه عند مقابلته بالعصر الماضي،ولأَعلم أي العهدين أجلّ قدرا،وأعظم نفعا،وما الفضل الذي كون لأحدهما على الآخر"(5.

    من الواضح أنَّ الراوي يعيد توظيف جهل الباشا من أجل معرفته هو أولا،ومعرفة الباشا ثانيا،فالمناسبة بحد ذاتها تصلُح لكشف الاختلاف بين العصرين،فهو لا يريد من جهة إلحاق الضرر بالباشا بسبب جهله،وصدمة انبعاثه من القبر،ولهذا يحاول أن يجعل من جهله دليلا على براءته،وهو يريد من جهة ثانية أن يكتشف الباشا بنفسه اختلاف العصرين،وهو من جهة ثالثة يريد أن يتعرّف أي العصرين أجلّ قدرا وأعظم نفعا،ويبدو لنا أنَّ هذه الموازنة القلقة بين ثلاثة مسارات للسرد ترتبط برغبات الراوي هي المحفّز للحركة السردية في كتاب " المويلحي".وينبغي مواصلة الربط بين منظور الراوي ومنظور الباشا،فهما منظوران متقاربان،يلتقيان في أكثر من نقطه،لكنهما لا يتماهيان ببعضهما،فالسرد يمايز بين كل المنظورات التي تتخلّل الكتاب،وكل هذا لا يخفي سمة الفضول التي أشرنا إليها في منظور الراوي.يقول الباشا معبرا عن تذمّر واضح من تغير الأحوال" اللهمَّ عفوك وصفحك،هل قامت القيامة،وحان الحشر فانطوت المراتب،وانحلّت الرياسات،وتساوى العزيز بالذليل،والكبير بالصغير،والعظيم بالحقير،والعبد بالمولى،ولم يبق لقرشيٍّ على حبشيٍّ فضل،ولا لأمير منّا على مصريّ أمر؟ذلك ما لا يكون ولا تحتمله الظنون"(59).

    وليس هذا هو الموقف الوحيد الذي يبدي فيه الباشا موقفه،فالكتاب يحتشد بسلسلة متواصلة من العلامات الخاصة بهذا الأمر،وما يعزّز ذلك،ويكشف اندماج الباشا في عالمه القديم،وإخلاصه للأسرة الخديوية -التي رفعت شأنه،فصاحَب كبراءها- قوله بعد أن يبلغه الراوي بحبس الأمير أحمد سيف الدين سليل الأسرة،ومحاكمته طبقا للقوانين المدنية في البلد:" كيف لا تخرّ الجبال الشمّ إذا استنزلوا منها الأرَاويّ العٌصْم(= الوعول)؟وكيف لا تنشقّ القبور،وينفخ في الصور،وقد انحطّ المقام وسفل القدْر،وحقّت كلمة ربك على مصر:" فجعلنا عاليها سافلها" ؟ ومادام حفيد محمد علي في السجن على ما تروِي يخضع لحكم القانون،ويتوسّل بتلك الوسائل،وتتشفّع أمهُ بتلك الشفاعات،فما عليّ من عار فيما تدعوني إليه،فاذهب بي حيث تريد،وليتهم كانوا يقبلون مني أن أكون فداءً لابن سادتي،وأولياء نعمتي، فتضاف عقوبته إلى عقوبتي"(60).لايمكن،في مطلع الكتاب،تصوّر إمكانية فصل الباشا عن عصره،وتنجح خطة الراوي شيئا فشيئا في إخراجه منه،وذلك هو المغزى الحقيقي لكتاب " المويلحي" بأجمعه.

    يمرّ الباشا بثلاثة أطوار أساسية في حياته الجديدة:طور أول:يرفض فيه القيم المستحدثة بكاملها،ويقع ضحية هذا الرفض،وطور ثان:ينقطع فيه مع الراوي للتأمل فيه بأحوال العصر الذي بعث فيه،وأخيرا، طور ثالث:يندفع برغبة ظاهرة للاندراج بذلك العصر،بعد أن يستوعب الصدمة الأولى.تمرّ الأطوار المذكورة عبر حلقة متكاملة من التحوّلات،فبعد الموقف الأولي الذي يكشف التعارض التام بين منظومتي القيم،يبدأ الباشا شيئا فشيئا الامتثال للأمر الجديد،وهو ليس امتثالا كاملا إنما هو نوع من الصمت المعبّر عن عجز يختلف عمّا بيناه في الطور الأول الذي كان يحتج فيه على كل تصرف يصدر عن الآخرين،ويعبر الراوي عن الموقف الجديد،حينما يتجاهل المحامي وجودهما وينصرف في ادعاء ظاهر إلى بعض الطقوس الدينية التي يهدف منها الإيقاع بهما،فلا يحتجّ الباشا على ذلك،ويتقبّل الموقف بصمت" فقمنا للانصراف،وسرت مع صاحبي وأنا غريق في الأفكار،أتدبّر وأعتبر وأعجب مما رأيت من سكون الباشا وسكوته وحسن احتماله وصبره بعد أن كان شديد الحدّة،سريع الغضب،يرى القتل واجبا لأدنى هفوة وأقل سبب،فأصبح بفضل وقوعه في هذه الخطوب المتتالية،والرزايا المتتابعة لين العريكة،واسع الصدر،موطّأ الكنف،كثير الاحتمال حتى أنّه لم يأنف،ولم يتأفف من كل ما رأيناه في يومنا هذا،بل كانت حالته حالة الفيلسوف الحكيم الذي يجعل دأبه البحث،والتأمل في أخلاق الناس أثناء التعامل معهم،وازددت يقينا بأنه لاشيء أسرع في تهذيب النفوس وتربيتها على التخلّق بالأخلاق الفاضلة مثل ممارسة الخطوب،ومصارعة النوائب"(61).

    يكشف هذا الطور عن تحوّل عميق في موقف الباشا،وبخاصة حينما يدفع به الراوي باتجاه جملة من التجارب التي تعيد صوغ وعيه بالعصر الذي بُعث فيه،والراوي يعلّق على ذلك التحوّل، بعد أن يكتشف زيف الأثرياء وخداعهم وتعلّقهم بالمظاهر الاستعراضية حينما يزوران قصر حفيد الباشا،وقد حكم الدائنون بحجزه" وقضينا مدّة في مثل هذا الحديث،وأنا متهلّل مستبشر بما أراه ينمو ويثمر في نفس الباشا من التعلّق بالمباحث العقلية،والتعمّق في معرفة الأخلاق النفسانية حتى صار من دَيدَنه أن يستنبط من كل حادثة يشاهدها ما يرتقي به إلى عالم الفضيلة والحكمة،وازددت يقينا بأنَّ الرجل المرتفع القدر لا يزال غِرَّاً بالأمور غافلا عن حقائق الأشياء،فإذا وقع في أشراك الخطوب استنارت بصيرته،واستضاءت قريحته،وعـلم بطلان ما كـان فيـه بحقيـقة ما وصـل إليـه"(62).هذه المواقف،ثم العزلة،بعد أن يبلّ الباشا من مرضه،ويعودان من الإسكندرية،تمكّنه من إعادة تغيير شاملة بموقفه،فتجربة المرض التي تعقب بعثه المشوب بالغموض،وحالة عدم التوافق مع العالم،ثم الاعتكاف بعيدا في عزلة بصحبة الراوي،كل ذلك يتفاعل بصورة إيجابية في تغيير موقفه،فقد كانت العزلة انقطاعا عن الهموم التي أثارتها عملية بعث الباشا.كانت الأمور متوازنة،فجاء البعث ليخلّ بمعادلة التوازن،وجاء الاعتزال لاستيعاب كل ذلك،يقول الراوي:"اعتزلتُ بالباشا مدة من الدهر،نستملح العزلة،ونستعذب عليها الصبر،ونعيش فيها عيش الحكماء،من حسن الرضا بحسن الاكتفاء،ونستروح راحة البعد عن هذا العالم وأذاه،وإغماض الجفون على قذاه،مؤتنسين كل الائتناس بالوحشة من الناس،بعد الذي شهدنا من أعمالهم ورأينا،وسمعنا من أقوالهم ووَعينا،وقاسينا من عشرتهم ما قاسينا"(63) وتتمخض جملة التجارب والتأملات عن موقف مغاير تماما، يثير عجب الراوي.
    يرافق الراوي الباشا إلى كثير من" المحافل المشهودة " لرجال الدين وكبار القوم من الأمراء(=حُذف هذا الفصلان من الكتاب لحساسيتهما،بداية من الطبعة الرابعة،وتخلو منهما،ومن بعض المقاطع القصيرة المحذوفة،الطبعات الحديثة من الكتاب) ويلحظ التغيّر الذي اعتراه،فما أن يقترح الراوي عليه الانفراد والاعتزال ثانية،حتى يكون جوابه حاسما"ما بالك تقطع علي الطريق في البحث والتحقيق،ومالك تحرمني أن نقتصر على ما في الكتب والأوراق لمعرفة الآداب والأخلاق،فنترك النظر للخبر،واللمس لَّلبس،والممارسة للمقايسة..على أنّه قد زال عنّي في هذه المدة ما كان يعترضني من الغضب والحدّة،وانقلب العسر من أمري يسرا،وغدا التقطيب بحمد الله بشْرا،وصرت لا أقابل عيوب الخلق بغير الحلم والرفق،وتعلّمت أن أتحلَّم ولا أتألّم،وأتبصّر ولا أتحسّر،وأتدبّر ولا أتضجّر.فأنا اليوم أتفكّه بمخالطتهم،وأتروّح بمباسطتهم،فلم يبق لك من عذر وجيه،ترتضيه بعد ذلك وترتجيه"(64).

    وأخيرا ينفلت الباشا من عصمة الضوابط المو######## التي كانت تقيّده فيدفع الراوي نفسه لخوض غمار الحياة الجديدة،وكما يقول الراوي،فقد" تمكّن من الباشا حبّ الاستكشاف والاستطلاع لدرس الأخلاق وسبر الطباع،وتبدّلت الوحشة عنده بالائتناس في مخالطة الناس،فصار يلحّ عليّ ويلجّ في الطلب أن أذهب به في هذا السبيل كلّ مذهب،وأنا أداوره وأحاوله وأماطله وأطاوله،وهو لا ينفكّ يستنجزني ويستقضيني،وإذا استعفيته لا يعفيني"(65).

    مسار التحولات الواضح في شخصية الباشا ومنظوره وقيمه يكشف الظاهرة التي غابت عن النصوص الروائية التي سبقته،وكانت تمتثل لنظام صارم من الحدود والثبات،فيما يقدّم كتاب "المويلحي" رحلة تحوّل،لا تقف بالباشا عند حدود بلده،بل تنقله إلى الغرب،ولكن ضمن هدف يختلف عمّا ظهر في كتاب" علم الدين "لـ" علي مبارك".فقبل بداية الرحلة الثانية،يتبلور مغزى كبير،وهو أنَّ كثيرا من أوجه الخراب والفساد جاءت بسبب التقليد الأعمى والمحاكاة السلبية للغربيين،فالصديق المرافق للباشا والراوي،يقول،في فصل دال بعنوان" المدنية الغربية ":إنَّ سبب الفساد والخلل" هو دخول المدنيّة الغربية بغتة في البلاد الشرقية،وتقليد الشرقيين للغربيين في جميع أحوال معايشتهم كالعميان لا يستنيرون ببحث ولا يأخذون بقياس،ولا يتبصّرون بحسن نظر،ولا يلتفتون إلى ما هناك من تنافر الطباع،وتباين الأذواق،واختلاف الأقاليم والعادات،ولم ينتقوا منها الصحيح من الزائف،والحسن من القبيح بل أخذوها قضية مسلّمة،وظنّوا أنَّ فيها السعادة والهناء،وتوهّموا أن يكون لهم بها القوّة والغلبة،وتركوا لذلك جميع ما كان لديهم من الأصول القويمة،والعادات السليمة،والآداب الطاهرة…واكتفوا بهذا الطلاء الزائل من المدنية الغربية،واستسلموا لحكم الأجانب يرونه أمرا مقضيّا،وقضاء مرضيا،وخرّبنا بيوتنا بأيدينا،وصرنا في الشرق كأننا من أهل الغرب،وغن بيننا وبينهم في المعايش لبُعد المشرق من المغرب"(66).

    نجح " المويلحي" منذ البداية في تشكيل عالم تخيّلي يحتمل الإمكان،ومع أنَّ ظهور الباشا من قبره اعتبر عند معظم الدارسين فوق كل احتمال ،لكن المتلقّي سرعان ما يتقبل ذلك؛لأنّه يعرف بأنَّ ذلك متصل بهدف أكبر وهو وضع الأنظمة القيمية في تصادم،وبمرور الأحداث،واندماج الباشا في العالم الجديد،تغيب أهمية البعث،فلا يسأل أحد لماذا لم يعد الباشا إلى قبره في نهاية المطاف؟ وبخاصة أن إشارة" عيسى بن هشام" الافتتاحية بأن الحادثة ترد بصورة حلم.هذا العالم التخيّلي الذي يؤلف قوام النص،يتنازعه قطبان:عالم جديد واقعي بمستحدثاته في العلاقات والسلوك والأنظمة واللغة،وعالم قديم ذهني خاص بالباشا مملوء بالأوامر والنواهي والصرامة والتضحية والمثل الكبرى.والكتاب يقوم بتمثيل للكيفية التي تنتصر فيها قيم العالم الأول،على الرغم من سوء كثير منها،وتنهزم قيم العالم الثاني،وفي هذا فالباشا أكثر اتصالا بعصره من " دون كيخوته " الذي انبثق وعيه بالخطأ في اللحظات الأخيرة من حياته،فيما مضى الباشا يتفاعل بالتدريج،فلم يكن التغيير لديه مفاجئا.

    يُبعث الباشا في عالم مغاير لعالمه القديم،اختلاف في التقاليد،والوظائف،والأدوار،ومعالم المدينة،والعلاقات الاجتماعية،وأمام كل هذا يجد نفسه غريبا في بلده بصورة كاملة،لكن الراوي يقود الباشا في تجارب حياتية كثيرة يتخطّى فيها غربته ودهشته،ولنقف فقط على التباين بين نمطين من التعارضات في كل ذلك،ففي عصر الباشا،لا يسمح التجوال ليلا إلاَّ بكلمة مرور،ولا تُركب إلاَّ الجياد،وكان القوّاس هو المسؤول عن الأمن،وعلوم الأزهر هي السائدة،ويحصل صاحب الشأن على أوراق الالتزام عند انتهاء التعليم،وعند الخصومة فمرجع الأمر بيت القاضي،والجميع يخضعون للقانون الهمايوني،والفتاوى وأمور الناس الشرعية تجد لها حلا في كتب " ابن عابدين" وغيرها،والغرباء يسكنون الخانات،وبالمقابل،وفي العصر الذي بعث فيه الباشا أصبح التجوّل حرّا في أي وقت،وبالجياد المطهّمة استبدلت الحمير،والبوليس هو الذي يسهر على توفير الأمن،وحلّت علوم الإفرنج محل علوم الأزهر،والشهادة الدراسية محل أوراق الالتزام،والمحاكم الأهلية هي المرجع لفضّ المنازعات بين الناس،والقانون الإمبراطوري الفرنسي هو المعمول به،وبكتب الفقه استبدلت كتب "دللوز" و"جارو" و"بودري" و" فوستين هيلي " وبالخانات استبدلت " الأوتيلات".وهذا مثل على حالة التغيّر التي يلاحظها الباشا،إلى ذلك فهو،في كثير من الأحيان،يجد نفسه لا يفهم دلالة الألفاظ المستحدثة التي لم تكن شائعة في عصره، وأمثلتها كثيرة تتناثر في معظم صفحات الكتاب، ودلالتها غامضة بالنسبة له،مثل:الكرافات،مونشير،الأوتوموبيل،البرنس،الكارت،نوته،الأوتيل ، اللوكانده،الميكرسكوب،الفونغراف،بوفيه،الكلوب،البوسته،اكسبريس،المانفيستو،البليار،البورصة، البنك...الخ،وكل هذا المفردات دالة على نمط حياتي مختلف عمّا كان عليه الباشا في حياته،ولهذا بدل أن يغلق أذنيه دونها،كان يزداد رغبة في التعرّف إليها.وتترافق تحوّلات الوعي في الكتاب بتحوّلات السرد الذي يتحرّر مع مرور الوقت من الطابع المحاكاتي الأولى للمقامة،فينفتح السرد على مشاهد كبيرة مفعمة بالحيوية،وبخاصة حالات الإخفاق التي يتعرّض لها الباشا في مركز الشرطة،والنيابة،والمحاكم،وهو يدخل متاهة الحياة الحديثة،ثم المتابعة الشائقة لشخصيات مثل العمدة والخليع والتاجر،ومع أنَّ السمة الوعظية لا تغيب عن الكتاب لكن عرض التناقضات بذاتها،والحوارات المعمّقة حولها،وتأثيرها في مصائر الشخصيات،كل ذلك يضفي سمة خاصة على الكتاب.

    استأثر"حديث عيسى بن هشام " باهتمام عدد كبير من الباحثين،وكثير منهم شغلوا بالقضية التي ظلت مهيمنة منذ البداية إلى الآن،وهي جنس الكتاب ولم يلتفت بدرجة كافية إلى أمر التحولات القيمية والدلالية والسردية في الكتاب،فقد ذهب " هاملتون جيب" إلى أنَّ شهرة "حديث عيسى بن هشام" لا تعزى إلى حكايته أو مغزاه إنما إلى" أسلوبه البارع واقتداره على الوصف" وأضاف أنَّ المويلحي"جمع فيه بين أحسن ما في أسلوب المقامة من خواص وبين أسلوب حديث يتسم بالسلاسة والفكاهة" وأضاف" لقد واتر ببراعة بين النثر المسجوع في الأقسام السردية. .ومقاطع حوارية صيغت بأسلوب سهل حديث،لم يتنكّر في بعض أجزائه للغة الـدارجة"(67).وفسّر "العقاد" تقّيد " المويلحي" السجع،إلى أنّه وضع الكتاب" نسق المقامات،واختار له اسم راويته كأسماء رواتها،فالتزم فيه ما كانوا يلتزمونه في مقاماتهم من الأسجاع والأوضاع"(6.فيما ذهب "علي الراعي" إلى أنَّ " الباحث المدقّق يرى في هذا الكتاب صراعا ملحوظا بين فنّ المقامة وفنّ الرواية؛فالمقامة تغلب على الكتاب في أوائل الفصول ثم لا يلبث ما في الفصل من قصة أن يتغلّب على المقامة، فيصبح الدفع باتجاه الرواية أوضح"(69).

    أما "شوقي ضيف" فيرى بأنه" وسّع جنبات المقامة القديمة…وخرج بها إلى حوار واسع،تأثر فيها بطريقة الغربيين في قصصهم،فالحوادث تتطوّر والشخصيات تُصوّر بنزعاتها النفسية في المواقف المختلفة"(70) وقال "راميتش"بأن " الناظر في حديث عيسى بن هشام يلاحظ أن المويلحي لا يلجأ إلى تنميق الأسلوب والعناية به إلاَّ إذا كان الحديث على لسنا عيسى بن هشام أو الباشا.أما غيرهما من أشخاص الكتاب فيجري الحديث على ألسنتهم سهلا لا أثر فيه للتنميق والتجميل"(71).كان تأثيره كتاب المويلحي واضحا في الأدب العربي فيما بعد،كما ظهر ذلك في كتاب " ليالي سطيح" لـ" حافظ إبراهيم"،وقد نشره في القاهرة إبان تلك الفترة،وهدف فيه على غرار " المويلحي" إلى النقد،وكتاب " محمد لطفي جمعة " " ليالي الروح الحائر" الذي صدر بالقاهرة 1912 واستفاد فيه من قالب المقامة،وهدف إلى النقد أيضا،وبذلك يمكن القول بأن كتاب " المويلحي" أسهم في بذر الحراك الناقد للتحرر من قيد التصوّر التقليدي المغلق لبناء الشخصيات والأحداث الذي كان شائعا من قبل.

    8.خاتمة



    تكشف المدوّنة السردية العربية في القرن التاسع عشر عن الإرهاصات الأولى لتشكّل النوع الروائي،ومع منتصف القرن كشف النوع عن نفسه عبر ولادة عسيرة كانت ثمرة مخاض أفول المرويات السردية،وراحت الهوية السردية للنوع الروائي تظهر بالتدريج مع كل مرحلة جديدة، ونص جديد،ويرتبط ظهور النوع الجديد باللحظة الرمزية التي انفصلت بها العوالم التخيلية وأساليب السرد عمّا كان شائعا في الموروث السردي من قبل،واتخذت منحى مختلفا،ومع أن التقارب بينهما مازال ملحوظا،لكن الاختلاف النوعي بدأ يعلن عن نفسه،مع رواية " وي.إذن لست بإفرنجي" ثم كشف عن نفسه بصورة أكثر وضوحا في رواية " غابة الحق" وراح يتبلور بصورة ملفتة للنظر مع" البستاني" و" زيدان" وبلغ درجة كبيرة من الوضوح في " حديث عيسى بن هشام".

    يهمنا كثيرا أن نؤكد على أن التمايز بين العوالم التخيلية،والأساليب السردية التي قامت بتشكيلها،يتضمن اختلافا بين ما كان عليه في المرويات السردية،وما أصبح عليه في النصوص الروائية،على أن ذلك لا يوهمنا بقطيعة بينهما؛فالسمات المشتركة كانت كالنسغ الصاعد تجري في أوصال المرويات والنصوص.وراحت قضية إمكانية وقوع الأحداث،واحتمالية الأفعال تتدرج بصورة مواكبة لكل ذلك،ولم تعد المغامرة المجرّدة الخالية من المنطق السردي الذي يدفع بها وينظّمها مقبولا،ولكن ما زلنا بعيدين عن السرد الذي يكسو الوقائع والأحداث بغطاء سميع يبعدها عن روح الحركة السريعة والمفاجئة،وينقلها إلى تريب سردي محكوم بمنطق التحول الداخلي الذي تفرضه رؤى الشخصيات وأفكارها،ولم يتحقّق ذلك في نهاية المطاف إلا في" حديث عيسى بن هشام " على أن اللغة الروائية أعلنت عن نفسها،وتخفّفت النصوص من روح التجريد والتكرار،وصارت المرجعيات الأصلية للرواية،وهي المرويات السردية تتوارى مع الزمن،فذاب التناقض الثنائي الثابت في المرويات،وبه استبدل التحول الذي تتكافأ فيه مكونات البنية السردية والدلالية للنصوص،كما تجلّى على يد " المويلحي" فالمدونة السردية العربية الحديثة هي ثمرة التشّقق المؤلم للعوالم التقليدية التي أعلن عن انهيارها النسقي التدريجي في القرن التاسع عشر.

    v v v



    المصادر والمراجع



    1.مارون عبود،المؤلفات الكاملة،بيروت،دار مارون عبود،مج2 ص113.

    2.تنظر أعداد جريدة حديقة الأخبار في مكتبة الجامعة الأمريكية بيروت مصورة على ميكرو فيلم،وقد تم الاطلاع
    عليها ومراجعتها مباشرة.

    3.خليل الخوري،وي.إذن لست بإفرنجي،حديقة الأخبار،العدد 102الخميس الموافق 15كانون الأول / ديسمبر
    1859.

    4.أنظر كتاب"خليل الخوري:فقيد الشعر والصحافة والسياسة"جمع إدارة حديقة الأخبار،بيروت، مطبعة
    حديقة الأخبار،1910ص 29.

    5.لويس شيخو،الآداب العربية في القرن التاسع عشر،بيروت،مطبعة الآباء اليسوعيين،1926ج2 ص 45 وانظر
    سامي الكيالي،الأدب العربي المعاصر في سوريا:1850-1950،القاهرة،دار المعارف،1959 ص42-43.

    6.الفيكونت فيليب دي طرّازي،تاريخ الصحافة العربية،بيروت،المطبعة الأدبية،1913،ج1ص 104.

    7.أحمد حسن الزيّات،تاريخ الأدب العربي، بيروت،دار الثقافة،1978 ،ص 511 .

    8.فرنسيس فتح الله مراش،غابة الحق،بيروت،دار الحمراء،1990،ينظر مقدمة مارون عبود ص10

    9.م.ب.باختين،قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي،ترجمة جميل نصيف،بغداد،دار الشؤون الثقافية،1986،ص11

    10.مارون عبود،مقدمة غابة الحق، ص10

    11. م.ن.ص 11

    12.أورده سامي الكيالي،الأدب العربي المعاصر في سوريا،ص 45

    13.الآداب العربية في القرن التاسع عشر،ج2ص46

    14.رشيد يوسف عطالله،تاريخ الآداب العربية،تحقيق علي نجيب عطوي، بيروت،مؤسسة عز الدين،1985
    ،ج2 ص 326

    15.حيدر حاج إسماعيل،فرنسيس المرّاش،لندن،دار رياض الريس،1989،ص16-17

    16.نازك سابايارد،الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة،بيروت،مؤسسة نوفل،1979
    ،ص 128-129

    17. فرنسيس المرّاش. ص10

    18.روجر ألن،نشأة الرواية.أنظر تاريخ كيمبردج للأدب العربي،جده، النادي الأدبي الثقافي، 2002 ،ص267

    19.سليم البستاني،الهيام في جنان الشام،الجنان،مجلد عام 1870

    20.سليم البستاني،افتتاحيات مجلة الجنان البيروتية 1870-1884 إعداد وتحقيق يوسف قزما الخوري،
    بيروت،دار الحمراء،1990،ج1ص35

    21.سليم البستاني،الهيام في جنان الشام،مجلد عام 1870 ص 703

    22.سليم البستاني،أسماء، مجلة الجنان،مجلد عام 1873

    23.سليم البستاني،بدور،مجلة الجنان،مجلد 1872

    24.البستاني، أسماء،الجنان،ج 4لسنة 1873 ص32

    25.البستاني،مجلة الجنان،ج 6لسنة 1875ص442

    26. نشأة الرواية، ص267

    27.البستاني،الهيام في فتوح الشام،الجنان،ج 5لسنة 1874ص101

    28.ميشال حجا،سليم البستاني،دار رياض الريس للكتب والنشر،1989،ص46

    29.فيليب دي طرازي،تاريخ الصحافة العربية،بيروت،المطبعة العربية،1913،ج 2ص 69

    30.محمد يوسف نجم،القصة في الأدب العربي الحديث،بيروت،دار الثقافة،ص 76

    31.يوسف حسن نوفل،بيئات الأدب العربي،الرياض،دار المريخ،1984،ص 232

    32.فولفجانج إيسّر،فعل القراءة،ترجمة عبد الوهاب علوب،القاهرة،المجلس الأعلى للثقافة،2000ص9

    33.على مبارك،الأعمال الكاملة،تحقيق محمد عمارة،بيروت،المؤسسة العربية ،1979،ج1 ص320-321

    34.لويس شيخو،تاريخ الآداب العربية 1800-1925،بيروت،دار المشرق،1991ج3 ص223

    35.تاريخ الآداب العربية،ج2 ص394

    36.عبد المحسن طه بدر،تطور الرواية العربية في مصر،القاهرة،دار المعارف 1968،ص66

    37. نشأة الرواية،ص270

    38.عبد الفتاح عبادة،جرجي زيدان ،ص 133 أورده محمد يوسف نجم،القصة في الأدب العربي الحديث،ص
    179–180

    39.جورجي زيدان،عذراء قريش في عالم الغيب،الهلال،فبراير 1899 ص 277

    40.جورجي زيدان،تاريخ آداب اللغة العربية،القاهرة، 1914، ج4 ص 230

    41.جورجي زيدان،الحجاج بن يوسف الثقفي،القاهرة،دار الهلال،1950،انظر المقدمة

    42.جورج لوكاش،الرواية التاريخية،ترجمة صالح جواد الكاظم،بغداد،دار الشؤون الثقافية،1986،ص11

    43.فرح أنطون،فتح العرب لبيت المقدس،القاهرة، 1919،ص 152

    44.جورجي زيدان،الهلال،مايو 1899 ص 429 ورد النص كاملا في ملحق كتاب"الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث" قاسم عبدة قاسم واحمد إبراهيم الهواري،القاهرة،دار المعارف،1979،ص158-159

    45.م.ن.ص 158

    46.نقلا عن الهواري،نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر،دار المعارف 1983ص 65

    47.شوقي ضيف،الأدب العربي المعاصر في مصر،القاهرة،دار المعارف، 198 ص211

    48.سهيل إدريس،محاضرات عن القصة في لبنان،معهد الدراسات العربية العالية،1957 ص18

    49.رشيد يوسف عطالله تاريخ الآداب العربية،ج2 ص394

    50.مارون عبود،المؤلفات الكاملة ج 1ص 453

    51.أبو القاسم بن علي الحريري،مقامات الحريري،بيروت،دار صادر، 1965 ص11

    52.ابن الصيقل الجزري،المقامات الزينية،تحقيق عباس مصطفى الصالحي،بيروت،دار المسيرة،1980ص76

    53.ناصيف اليازجي،مجمع البحرين،بيروت،دار صادر،1966،ص10

    54.عبدالله إبراهيم،السردية العربية،بيروت،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،2000ص 208-213

    55.محمد المويلحي،حديث عيسى بن هشام،القاهرة،مكتبة الثقافة الدينية،ص6

    56.علي الراعي،دراسات في الرواية المصرية،القاهرة،الهيئة المصرية للكتاب،1979،ص10

    57.حديث عيسى بن هشام ،ص23

    58.م.ن.ص23.

    59.م.ن.ص24

    60.م.ن.ص53

    61.م.ن.ص106-107

    62.م.ن.ص135

    63.م.ن.ص169

    64.م.ن.ص 210

    65.م.ن.ص242

    66.م.ن.ص 372-373

    67. هاملتون جيب،دراسات في الأدب العربي،ص86و87

    68.عباس محمود العقّاد،مراجعات في الآداب والفنون،بيروت،دار الكتاب العربي،1966 ص 158

    69.دراسات في الرواية المصرية،القاهرة،1979 ص19

    70.شوقي ضيف،الأدب العربي المعاصر في مصر،القاهرة،دار المعارف، 1988ص 241

    71.يوسف راميتش،أسرة المويلحي وأثرها في الأدب العربي الحديث،القاهرة،دار المعارف،1980 ص391.





                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef07-05-05, 04:58 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef07-05-05, 05:04 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef08-05-05, 07:25 AM
    Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية nassar elhaj09-05-05, 04:25 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية nada ali09-05-05, 07:41 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef09-05-05, 12:03 PM
    Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية عبد الحميد البرنس09-05-05, 05:32 PM
      Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية عبد الحميد البرنس09-05-05, 08:38 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية nada ali10-05-05, 02:35 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef10-05-05, 03:58 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef10-05-05, 04:03 PM
    Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية عبد الحميد البرنس10-05-05, 06:59 PM
      Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Tumadir10-05-05, 07:13 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef11-05-05, 09:28 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef11-05-05, 12:09 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:01 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:14 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:28 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:30 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:32 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:35 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef12-05-05, 10:37 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef14-05-05, 06:29 AM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef15-05-05, 06:12 PM
  Re: الحقيقة الابداعية للتجربة الروائية Sabri Elshareef19-05-05, 02:35 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de