توسل بقلم عبدالباقي الظافر

توسل بقلم عبدالباقي الظافر


06-30-2017, 01:40 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1498826405&rn=0


Post: #1
Title: توسل بقلم عبدالباقي الظافر
Author: عبدالباقي الظافر
Date: 06-30-2017, 01:40 PM

12:40 PM June, 30 2017

سودانيز اون لاين
عبدالباقي الظافر-الخرطوم-السودان
مكتبتى
رابط مختصر


خرجت توسل ذات السبع سنوات بشعرها المنكوش لتجلس على حجر أمام البوابة الخشبية المتهالكة..حاولت أمها أن تعيدها إلى داخل الدار حتى تتهيأ لاستقبال العيد السعيد..لكن الطفلة الصغيرة رفضت كل محاولات جرها للداخل..حينما توقفت صاحبتها معزة التوم برهة لتقنعها بالذهاب الى ميدان المولد لحضور صلاة العيد صارحتها " انا منتظرة أبوي "..كانت أرتال البشر في طريقها لصلاة العيد تمر على توسل التي كانت تمدد رجليها المتسختين غير آبهة بنظرات الناس التي تنتهي بفتح ملف نادية وسعيد الزين..سنة واحدة من الزواج انتهت الى طلاق وطفلة رائعة القسمات فصيحة اللسان.
في كل عام وفي مثل هذا التوقيت يتوقف الشاب سعيد أمام ذات البوابة ليبارك العيد لصغيرته ثم يختفي في زحام الحياة ..كان دائماً يحمل هدية من ملابس أنيقة وبعضاً من الحلوى ثم يدس بين يدي صغيرته بعضاً من المال..تلك الصورة تصطدم في ذهن الصغيرة بصورة أخرى باطشة وشريرة لذات الرجل صاحب الابتسامة الحلوة..كانت توسل تسمع أمها وجدتها يتلون سيرة والدها مسبوقاً ومدموغاً بالعنف وحب الشهوات..كانت توسل لا تستوعب كلمة (بيشرب) بذات الإيحاء السالب..حينما تغضب جدتها من الصغيرة تشدها من خدها وتعيرها بأنها تشبه والدها (صوتاً وصورة)..الصغيرة تسعد لذاك الذم.
بدأت توسل تقلق مع وصول أول فوج من المصلين الذين شرعوا في مداهمة البيوت للتهنئة بالعيد ..تأخر الرجل الذي تنتظره..كل ما تعرفه أن والدها مغترب في قطر يعمل شرطياً في ذاك البلد البعيد..يزور القرية كل عام في العيد السعيد..اقترب فوج المهنئين من منزل الحاجة بت حمد جدة توسل ..فكرت الصغيرة المشاكسة في إغلاق الباب في وجوه الضيوف..كل تركيزها في انتظار ضيف واحد هو والدها الغائب عن حياتها..في تلك اللحظة وقفت عربة أجرة صغيرة أمام البوابة..خرج سعيد وقبل أن يغلق الباب من خلفه كانت الصغيرة تقفز إلى عنقه مثل جرو أليف..دون سابق مقدمات انهمرت دموع الطفلة فبللت الجلباب الأبيض الذي يرتديه الضيف..حاول الحضور فك الاشتباك ولكن الطفلة الشقية كانت تزداد تشبثاً بوالدها..ازداد عدد الناس وتوسل ترفض التنازل عن تلك المكانة.
من وراء الباب كانت تقف نادية ..أرادت الخروج فردها الحياء من مقابلة مطلقها..حينما سمعت احتجاجات الصغيرة انهمرت من عينيها دمعات ندم..ربما كان من الأفضل أن تصبر على عسف زوجها ويده الباطشة ولسانه البذئ حينما تسيطر عليه الخمر.. لكن الحاجة بت حمد ارتدت ثوبها الأبيض وخرجت استعداداً للمنازلة والذود عن ابنتها وحفيدتها..كلمة واحدة من الصغيرة العالقة في أحضان والدها جعلت الجدة في الحياد " إنت يا حبوبة سبب كل المشاكل إنتي بتكرهي أبوي".. الاتهام الصريح كان كافياً لكي تتحرك أعين الحضور حاملة الاتهامات الى مقام الحاجة بت حمد.
في هذه اللحظة وصل موكب شيخ عبدالرحيم ود سيدي العجيمي..انتبه الرجل الصالح الى احتشاد الناس..لم يكن يحتاج إلى وقت طويل ليجمع خيوط الأزمة ويبحث عن الحل..نظر الى توسل في عطف ومودة ثم خاطبها "بإذن الله أبوك ح يكون معاك "..مد يديه نحو توسل التي كانت تبكي وترتعش وترتعد..استجابت توسل الى نداء الرجل الصالح.. في تلك اللحظة بدأ الوالد الغائب يجهش بالبكاء ..مضي العجيمي والطفلة بين يديه الى داخل الدار..أراد أن ينقل المفاوضات الى الداخل.. لم تكن نادية تحتاج الى جهد كبير للتنازل..غطت كفها بجانب من ثوبها قبل أن تصافح الشيخ وحدقت صوب الأرض في انتظار تعليمات الشيخ.
نظر الشيخ الى ناحية اللمين فهرع الحوار الى صاحب المقام السامي..بعد دقائق كان اللمين يقفز نحو مراح بت حمد وينتقي كبشاً له قرون.. أريق دم الخروف وشقت السماء زغرودة فرح من الحاجة بت حمد فيما شرع الشيخ في إعادة عقد القران..حينما انتهى كل شيء وبدأ الناس في تبادل التهاني كانت توسل قد عادت الى طفولتها وانهمكت تلعب مع صديقاتها.

assayha