السودان.. المعنى الخفي لإعلان باريس بقلم خالد الاعيسر

السودان.. المعنى الخفي لإعلان باريس بقلم خالد الاعيسر


18-11-2014, 00:13 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1416266025&rn=0


Post: #1
Title: السودان.. المعنى الخفي لإعلان باريس بقلم خالد الاعيسر
Author: خالد الأعيسر
Date: 18-11-2014, 00:13 AM

NOVEMBER 17, 2014



ليس ثمة غرابة في أن تنتهي الجولة السابعة ـ الحالية ـ من مفاوضات المنطقتين بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، قطاع الشمال، المنعقدة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي ترعاها الآلية الأفريقية برئاسة الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق ثامبو أمبيكي، من حيث انتهت الجولة السادسة في أبريل/نيسان الماضي بالفشل.
فمنذ اليوم الأول تسربت معلومات تفيد بأن الورقة التي طرحتها الوساطة تحدثت عن اعتماد إعلان باريس مرجعية، مع ضرورة عقد لقاء تشاوري للأحزاب السودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ومشاركة الحركة الشعبية في الحوار الوطني بالخرطوم، الأمر الذي دفع رئيس وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال ياسر عرمان للترحيب بالقول إنهم سيشاركون في الحوار بالخرطوم، إذا وافقت الحكومة على ورقة الوسيط الأفريقي، متهما الحكومة في الوقت ذاته بعدم الجدية في المفاوضات وقتلها المدنيين بجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
وفي المقابل رد البروفيسور إبراهيم غندور رئيس الوفد الحكومي المفاوض مطالبا الحركة الشعبية للبدء الفوري في مناقشة إعلان المبادئ والدخول إلى أجندة التفاوض عبر لجان سياسية وأمنية وإنسانية، إضافة إلى البدء في مناقشة وقف إطلاق النار غير المشروط في المنطقتين. مقللا في الوقت ذاته من اتهامات الحركة الشعبية للحكومة بقصف المدنيين بجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، ومتهما الحركة الشعبية بأنها من قتل المدنيين في أبوكرشولا وأم روابة.
نذر كثيرة وقراءات أشارت إلى فشل المفاوضات منذ الوهلة الأولى، وليس أدل على ذلك إلا الظهور المفاجئ للتوم هجو القيادي البارز بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل؛ ومني أركو مناوي رئيس حركة جيش تحرير السودان.
هذه المشاركة المفاجئة تركت حالة من الاستياء في الأوساط الحكومية، علما بأنها جاءت على خلفية إعلان باريس، باعتباره قاعدة ومنصة جبهوية جمعت كل قوى المعارضة الفاعلة، وكان شرف الوصول لهذا التوحد المعارض تلك الجولات التي قام بها رئيس الوزراء الأسبق السيد الصادق المهدي باعتباره رئيس الوزراء الشرعي لآخر حكومة ديمقراطية حكمت قبل الانقاذ.
الأمر الذي غاب على الحكومة السودانية هو أن المجتمع الدولي أصبح مؤخرا أكثر ميلا للمطالبة بحوار سوداني يجمع كل الفصائل السودانية، وقد سبق مفاوضات أديس أبابا بأيام قليلة صدور قرار من الاتحاد الأوروبي في بروكسل ارتكز على الموقف الجديد للفصائل (الحية) بعد إعلان باريس، وفي ذلك دلالات واضحة بأن الحكومة السودانية بدأت تفقد الكثير من الدعم الدولي، وفقا للمتغيرات على المسرح السياسي السوداني، بعد توقيع اعلان باريس.
هذا الموقف يتوافق أيضا مع حدث آخر مهم وهو انعقاد ورشة لخبراء دوليين، برنامج السودان في جامعة أكسفورد، قدمت فيها أوراق لتقييم اتفاقيات السلام السودانية التي خلصت الى ضرورة مناقشة سلام السودان في روزنامة واحدة وبدون تجزئة، وأوصت كذلك بضرورة إشراك القوى السياسية كافة بدون اجتزاء، كما كان يحدث في السابق.
كل هذه المتغيرات على المسرح السياسي أعقبتها مجموعة «الترويكا» بالمطالبة بمشاركة كل من الحركة الشعبية قطاع الشمال والجبهة الثورية السودانية، وهذا ما جاء في بيان أصدرته الخارجية الأمريكية متزامنا مع بداية المفاوضات، وكيف أنها تعد خطوة حاسمة تجاه حل النزاعات في السودان، وإطلاق حوار وطني شامل يمكن أن يعالج جملة القضايا السياسية فيه.
إذن فإن مشاركة التوم هجو التي تعجبت لها الحكومة السودانية وصحافة الخرطوم، لم تأت من فراغ وإنما في سياق إعلان باريس، وهي نتاج طبيعي في إطار الجهود التي بذلها زعيم حزب الأمة، علما بأن التوم يعد امتدادا لظاهرة الزعيم محمد عثمان الميرغني، الذي سارع حزبه الاتحادي الديمقراطي الأصلن لأن يتبرأ من مشاركته مع وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال في التفاوض ممثلا للميرغني في وجوده بأديس أبابا.
الواقع يقول إن على الحكومة السودانية أن توقن بإن مشاركة القياديين التوم هجو ومني أركو تدلل في إحدى صورها على ائتلاف قوى المعارضة توافقا مع توجه دولي صارم وموحد يطالب بمشاركة كل الأطراف، وواضح جدا ان المعارضة سارت على هديه بذكاء كبير.
هناك أيضا متغيرات كثيرة آن الآوان للحكومة أن تتعايش معها، وأهمها تقارب خطوط المعارضة السودانية بالخارج، ومن المهم أيضا أن تصرف الحكومة النظر عن فلسفة الحوار الأحادي مع جوقة الشرف المكونة من أحزاب حكومة الوحدة الوطنية المعروف سودانيا
بـ(أحزاب الفكة) وإلا فإن المستقبل القريب سيحمل الكثير من المفاجآت.
واضح جدا كذلك أن الحكومة لم تترك خيارا أمام الكثير من المعارضين، الأمر الذي دفع بعضهم لأن يقدموا على خطوات أكثر خطورة على مستقبل السودان، مما يحدث الآن في الخارج، وبكل أسف فإن الحكومة بعيده كل البعد عن مضامينه ومخاطره ودلالاته المستقبلية وهو مطالبة قياديين وناشطين وأكاديميين سودانيين بضرورة تطبيق مبدأ الحماية الدولية لاقاليم دارفور جنوب كردفان والنيل الأزرق. وكان آخر تلك المناشدات الرسالة التي قدمها للرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل أيام قليلة من بدء المفاوضات، القيادي الدارفوري البارز والباحث بمعهد التنمية بجامعة كورنيل
في الولايات المتحدة الأمريكية احمد حسين مطالبا بالحماية الدولية لأقليم دارفور، وقد سبقه قبل عامين القيادي الدارفوري شريف حرير مطالبا بوضع دارفور تحت الوصاية الدولية.
أما الحديث عن عرمان والهجوم الذي تعرض له بانه صاحب منزع متقلب بحكم ملازمة الحرب والانفصال، التي يرى بعض المناصرين للموقف الحكومي أنها تحولت إلى سلوك مضطرب لا يعلم به صاحبه، ولكنه معلوم لمن يستخدمونه لصالح أجنداتهم والإبقاء على مشاريعهم الاستعمارية.
فهذا الأمر يقود للقول إن ياسر عرمان يتمتع بملامح شخصية جذابة في أوساط الشباب السوداني، وينطلق من أرضية صلبة من خلال وجوده في الحركة الشعبية لسنوات طويلة، وهي حركة سياسية مسجلة بالسودان وفقا للوائح المنظمة للعمل السياسي، وله سند شعبي عريض تأكد بحصوله على أكثر من 2 مليون صوت في آخر انتخابات رئاسية، رغم مقاطعة الحركة الشعبية للانتخابات آنذاك، ولذلك فان عرمان يستمد شيئا من قوته من قناعته بقبول شعبي عريض داخل وخارج السودان.
واضح كذلك أن خيارات الحكومة السودانية وتعويلها على إستراتيجيات التفاوض في مراحل سابقة، عبر اتباع سياسة «فرق تسد» لم تعد ممكنة، ففي وقت تتباعد فيه خطوط ورهانات النظام بالداخل في ما عرف بتيارات العسكريين من جهة والمدنيين من جهة أخرى؛ أضحت تتقارب خطوط المعارضة الحية أكثر، علما بأن التقارب الرسمي مع الاحزاب التي تسعى للحصول على مكاسب أصبح يتضاءل لكونه لم يعد مجديا هو الآخر في ظل التعثر الاقتصادي وقناعات مناصري الأحزاب التقليدية بأن قياداتها مترهلة وتسعى لمكاسب ضيقة وبعيدة كل البعد عن الهم الوطني؛ فالأرضية الشعبية الاتحادية
تعارض بنسب كبيرة المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2015 وهذا يدلل على تحولات كبيرة في أوساط المؤيدين للحوار الأحادي والصفقات الفردية.
أما الواقع الأقليمي فهو الآخر ضاغط على مواقف الحكومة السودانية، وقد برز ذلك بصورة واضحة مع بدايات التقارب السعودي الإماراتي وأبعاده الضاغطة لسياسات قطر الحليف الاستراتيجي للسودان، ومطالبتها طرد قياديي الإخوان المسلمين وليس ببعيد أيضا الاستعداد السعودي الإماراتي للتدخل العسكري، كما الحال في سوريا وليبيا والبحرين واليمن، وهذا ينذر حكومة الخرطوم من أن التحالف الأمني الوثيق بينها وبين طهران، حسبما جاء بالوثيقة المسربة، من شأنه قطع مصادر التمويل الخليجية للاقتصاد السوداني في حال تمادت الحكومة السودانية في سياساتها غير
المتوافقة مع المتغيرات في الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة.
من أهم اسباب الضغط على مواقف الحكومة السودانية أيضا، الرمال المتحركة بفعل التقارب السوداني الصيني الذي يسمح للصين باستغلال الموارد الطبيعية بإقليم دارفور، الأمر الذي يتعارض مع المصالح الأمريكية في السودان ومن شأن ذلك أن يتطور بتداعيات وأهداف إستراتيجية دولية.
من خلال كل هذه المعطيات يتضح بجلاء أن خيارات الحكومة في التعويل على تقاطعات الماضي بعد إعلان باريس لم يعد ممكنا، الأمر الذي يؤكد أكثر من أي وقت مضى بأن سلام السودان ووفق المعطيات الماثلة محكوم برغبات معارضة متحدة وأنه لا مناص للحكومة لممارسة حيلها السابقة، إن أرادت فعلا حلا شاملا لكل قضايا السلام في السودان.

٭ كاتب سوداني
صحيفة القدس العربي