الهوية الوطنية السودانية /احمد الياس حسين

الهوية الوطنية السودانية /احمد الياس حسين


27-06-2014, 01:28 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1403872100&rn=0


Post: #1
Title: الهوية الوطنية السودانية /احمد الياس حسين
Author: احمد الياس حسين
Date: 27-06-2014, 01:28 PM

أخطاء الساسة والحكومات في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والاثنية وغيرها ينبغي ألا تنعكس سلبا على المواطن وتضعف من هويته وقوة شعوره بالمواطنة والانتماء للوطن، بل ينبغي أن تنعكس تلك الأخطاء إيجاباً بأن تدفع المواطن إلى العمل المؤسس لإصلاح تلك الأخطاء. و "إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
كثرالحديث في الآونة الأخيرة على كل المستويات عن الهوية وتعددت المداخلات حول مدلولاتها المتعددة الجوانب والآبعاد ومعانيها القريبة والبعيدة، البسيطة والمركبة مما جعلها صعبة الا نضباط والتحديد وعصية على الفهم الميسر البسيط. وقد اقترح البعض البحث عن لفظ أكثر تحديداً وانضباطاً من كلمة الهوية، بل رأي فيها بعض الشباب ما قد يوحي ببعض معانى العنصرية. ويرى د. حيدر ابراهيم أن لفظ "هوية" ميتافيزيقي وفلفسي أكثر منه اجتماعي و تاريخي وثقافي، ويفضل استخدام "الشخصية الاساسية أو الشخصية الوطنية (basic or national character). وقد أفردت الفصل الآول من الجزء الثاني من كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية لمناقشة موضوع الهوية المرتبطة بالوطن وخلفياتها التاريخية.
ولا اعتراض لدي على ما وجه من تحفظات على استخدام كلمة هوية، وأرى أن مفهموها قد يكون أكثر تحديداً عند ارتباطها بالوطن "الهوية الوطنية" أو "الشخصية الوطنية" وأرى أنه ينبغي جعل الارتباط بالوطن - على الأقل في المرحلة الحالية - المحور الذي يدور حوله النقاش والبحث والدراسة. وفيما يلي بعض التأملات في مدلول الهوية الوطنية، والهوية الوطنية السودانية
الهوية الوطنية
• الهوية الوطنية هي شعور وإحساس جماعة السكان بالارتباط والانتماء بعضهم ببعض، وانتماء الجميع للوطن. وهي الروابط التي تكوِّن الأمة التي يشعر كل أفرادها بصلاتهم ببعض وانتمائهم للوطن الذي يفتخرون ويعتزون به.
• يقوم ذلك الرباط والانتماء على بعض القواسم المشتركة بين المواطنين والتي تشدهم إلى الانتماء للوطن أكثر من غيره من البلاد أودون غيره من البلاد.
• أفراد المجتمع في هذه الحالة يتكاتفون على خدمة الوطن، وتكون المصلحة العامة (مصلحة الوطن) مقدرة ومقدمة على المصلحة القبلية والجهوية متى ما تعارضت مع المصلحة العامة التي هي مصلحة الوطن.
• ليس هنالك قواسم مشتركة محددة أو معينة يجب توفرها لارتباط وانتماء السكان بعضهم ببعض، قد تكون تلك القواسم دينية أو لغوية أو عرقية أو أي مصالح مشتركة بين الجميع تشدهم وتربطهم بالوطن.
• قد يجتمع الكثير أو القليل من تلك القواسم المشتركة، أي ليس هنالك عدد محدد ينبغي توفره كشرط لانتماء المواطنين بعضهم إلى بعض سواء كان المجتمع متعدداًأو متجانساً. (الولايات المتحدة الأمريكية والصين كمثالين) والمجتمع السوداني رغم ما يبدو من تنوعه فأن نسبة التجانس فيه أعلى كثيراً من التنوع.
• وقد تتغير هويات الجماعات بتغير الحدود السياسية التي يعيشون داخلها، وقد تختار الجماعة أو الفرد الانتماء لجماعة دون أخرى خارج حدودهم السياسية
• قوة تماسك وترابط أفراد المجتمع وارتباطهم بالوطن تعتمد على قوة انتماء بعضهم لبعض وانتمائهم للوطن. ومن الضروري أن يكون أفراد المجتمع على معرفة ودراية واضحة بالروابط والقواسم المشتركة بينهم، فالمعرفة هي الأساس الرئيس لقبول الآخر، وهي القوة الجاذبة لأفراد المجتمع وتلاحمهم.
• المعرفة التاريخية - مثلاً - تودي إلى الوقوف على أصول السكان ومدى انتمائهم أو عدم انتمائهم إلى أصول مشتركة، ومساهماتهم في بناء تراث مجتمعهم. وإن وجد ذلك أدى إلى زيادة تلاحم وتقارب أفراد المجتمع، وإن لم يوجد لا يعنى تفتت المجتمع وعدم تلاحمه. والمثال على ذلك مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية بتنوع سلالاته وغياب البعد التاريخ المشترك.
• الجهل بالروابط والقواسم المشتركة بين أفراد المجتمع يؤدي إلى ضعف وهشاشة الانتماء، ويؤدي إلى التنافر وعدم قبول الآخر. وهذه هي البذور التي تولد العصبية والفبلية والجهوية وجعل مصالحها فوق مصالح الوطن، وتولد وتغذي الشعور بــ ( نحـن ) و ( الآخرون )
متى تكونت الهوية الوطنية السودانية ؟
ترجع جذور الهوية الوطنية السودنية إلى أكثر من خمسة ألف سنة، فنحن أمة سودانية ننتسب إلى أسلافنا الذين وضعوا اللبنات الأولى لتكوين هذه الأمة على تراب هذه الأرض منذ أكثر من خمسة ألف سنة، عرفوا خلالها باسم الكوشيون والاثيوبيون والسودانيون والنوبيون والمقُرِّيّون والعلويون وأخيراً عرفوا باسم السودانيين. اختلفت دياناتهم عبر العصور فعبدوا آلهة متعددة في بداية الأمر ثم انتشرت المسيحية وبعدها الاسلام وظل البعض محتفظاً ببعض معتقداته القديمة. وتحدث السودانيون لغاتاً مختلفة أثناء مسيرتهم التاريخية مثل اللغة الكوشية واللغة المروية واللغة النوبية واللغة البجاوية ثم سادت لغة القرآن اللغة العربية إلى جانب اللغات التي لا زالت حية في كل أنحاء السودان.
وقامت عدد من الدول عبر التاريخ ضمت أفراد الأمة السودانية، وتمكن بعضها من الامتداد على كل حدود السودان الحالية مثل دولة كوش في بعض مراحل تاريخها، بينما تعاصرعدد من الدول التي لم تمنع حدودها السياسية تواصل وتداخل أفراد الأمة مثل دولتي مَقُرّة وعلوة المسيحيتين ودول سنار ودارفور وتقلي الاسلامية. وقد أثبتت نتائج الدراسات التاريخية واللغوية والأنثروبولوجية ونتائج أبحاث الحامض النووي DNA الأصول المشتركة للسلالات التي أقامت تلك الأمة منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
فالأمة السودانية ترجع أصولها إلى السلالات التي عمرت هذه المناطق منذ البدايات المبكرة لحياة البشر على الأرض، والذين اتضح دورهم الفاعل في في تكوين سكان افريقيا والعالم الخارجي. وتكونت الأمة السودانية الحالية وفقاً للتاريخ المدون منذ ما يربو على الخمسة ألف سنة تغيرت معتقداتها ولغاتها وثقافاتها، واستوعبت عبر العصور الهجرات التي أتتها من الجنوب والغرب، وظلت محافظة على كيانها حتى عصرنا هذا.
هل يعلم أهلنا في السودان ؟
هل يعلم أهلنا في السودان أن افريقيا هي مهد البشرية، وأن أقدم آثار لبني آدم وجدت في شرق وشمال شرق افريقيا وربما في السودان؟
هل يعلم أهلنا في السودان أن أبحاث الحامض النووي DNA وضحت أن هنالك عددا من الأحناس الأصلية في افريقيا، فيها اللون الأبيض والأسمر والأسود، ومنها سلالتان لم يتأثرا بأي سلالة أخرى من خارج القارة، وأن أغلب سكان السودان بما فيهم المجموعة الجعلية ممن أخذت عينات دمائهم ينتمون إلى تلك السلالة الافريقية الأصيلة التي لم تتأثر بأي سلالة من خارج القارة؟
هل يعلم أهلنا في السودان أن نتائج أبحاث الحامض النووي وضحت أن سكان السودان الحاليين فيهم من يمثلون أقدم السلالات البشرية على الأرض؟ وهل يعلم أهلنا في السودان في الشمال والجنوب والشرق والغرب أن نتايج أبحاث الحامض النووي بينت أنهم ينتسبون إلى سلالات ذان جذور مشتركة، أي أنهم أقرباء بعض؟
هل يعلم أهلنا في السودان في الشرق والغرب والوسط أنهم جزء مهم من الأسلاف الذين أسسوا حضارة السودان القديم، وأنهم جزء من آثار السودان القديم التي تم اكتشافها حتى الآن؟ وهل يعلم أهلنا في شمال السودان أنهم ينتمون إلى مؤسسي تلك الآثار التي يعيشون بجوارها؟
هل يعلم أهلنا في السودان أن اللغات الحية الآن في شمال وشرق وغرب السودان ذات أصول مشتركة، وأنها كلها ذات صلة باللغة الكوشية القديمة؟ وهل نفكر في ماذا يعني ذلك؟
وأخيراً هل نتفق أن الأمة السودانية في حدودها السياسية الحالية هي سلالة الشعب الذي يرجع عمره إلى الآلاف الكثيرة من السنينعلى تراب هذه الأرض، وأن هذه الأمة تنتمي إلى سلالات ولغات وثقافات ذات سمات وأصول مشتركة، وأن ما يبدو لنا من اختلافات ما هو إلا تنوع تولد داخل إطار تلك القواسم المشتركة؟