توضيح للردة على تخوم الحرية د.أمل الكردفاني

توضيح للردة على تخوم الحرية د.أمل الكردفاني


05-25-2014, 11:57 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1401015444&rn=0


Post: #1
Title: توضيح للردة على تخوم الحرية د.أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 05-25-2014, 11:57 AM



أرغب في توضيح الرؤية حول موضوع حد الردة ، وسأسوق هنا الأمر في شكل نقاط:
النقطة الأول: هل تم تناول حد الردة بالبحث الذي يتفق ومنهج البحث العلمي؟
الإجابة هي ، نعم ، ومن أفضل المؤلفات في ذلك بحث للدكتور العلامة محمد عشماوي . وأبحاث أخرى وأغلب هذه الأبحاث انتهت إلى آراء متناقضة:
رأي : متشدد يرى أن الردة حد من حدود الله لا يجوز لولي الأمر أن يسقطه.
رأي: وسطي يرى أن الحد ينفذ على من ارتد ولكن بشرط أن يعلن محاربته للإسلام .
رأي: يرى أنه لا يوجد ما يسمى بحد الردة في الأساس.
والواقع أن كل رأي ينطلق من آيدولوجيته الخاصة ، ويسقطها على النصوص.
النقطة الثانية: من الناحية القانونية:
أولاً: من يرون أن الحد غير دستوري ، فهم يتناسون أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ، بل أن المحكمة الدستورية تراقب مدى مخالفة أي قانون أو حكم أو قرار للشريعة الإسلامية. وإذا قلنا بأن الحد مختلف حوله فقهاً ، فالواقع أن هذا الخلاف لا ينفي أن الدستور يؤكد على أن الشريعة الإسلامية والإجماع هي المصدر الرئيسي للتشريع وبما أن هناك إجماع من جمهور الفقهاء على استتابة المرتد فلا أهمية للآراء الأخرى وهذا ما أكدته المادة (م5/1) من دستور السودان الانتقالي وهذا ما دار حوله نقاش طويل وقديم في مصر لأن الدستور المصري نص على أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع وليس المصدر الرئيسي للتشريع وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية في أكثر من حكم لها .
ومن ثم فلا يمكن لنا في السودان الاستناد قانوناً إلى أن القاعدة الجنائية التي تجرم حد الردة مخالفة للدستور ، وحينما تتعارض قاعدة دستورية مع الشريعة الإسلامية فإن هذه القاعدة نفسها لا يمكن أن تصادرها ، فحرية المعتقد مكفولة في الدستور ولكن يجب ألا تخالف الشريعة أن تحديد نطاق هذه الحرية نفسه يجب أن يتم تحت رعاية الشريعة الإسلامية . فالمسيحي حقه مكفول واليهودي وغيره ، أما من كان مسلماً وارتد فإنه يخضع لحكم الشريعة الإسلامية . فنحن إذن؛ أمام قاعدتين دستوريتين متعارضتين ، قاعدة تحمي العقيدة ، وأخرى تجعل من الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع . فأيهما نطبق؟ لا شك أن الشريعة الإسلامية ستكون هي الأولى لأنها الأكثر تعلقاً بالنظام العام ، والنظام العام هو كل المبادئ الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية التي يقوم عليها المجتمع ويحميها . (في الواقع هذه المبادئ يقررها من يصل إلى السلطة ، فإن كان إسلامياً كانت ذات طبيعة إسلامية وإن كان شيوعيا ، ليبرالياً...الخ) . فلقد قلت مراراً بأن القوى المنتصرة هي التي ترسم توجهات القانون الأساسية.
ثالثاً: استند البعض إلى العهد الدولي ؛ الذي ينص على حماية حرية العقيدة ، في الواقع هؤلاء يجهلون حقيقتين مهمتين :
الحقيقة الأولى: أن العهد الدولي ليس ملزماً قانوناً ، بل له فقط إلزام أدبي.
الحقيقة الثانية: أنه لا يجوز لأي اتفاقية أو معاهدة أن تخالف الدستور ، فالمعاهدة تأخذ درجتها كقانون داخلي (أي درجة التشريع البرلماني) ولا ترتفع إلى درجة الدستور . ومن ثم فإن هذه الإتفاقية إذا خالفت الدستور يجب إبطالها . بل ولا يجوز لها على وجه الخصوص أن تخالف الشريعة الإسلامية.
تتدرج مصادر التشريع كالآتي: (الدستور ، التشريع البرلماني ، اللوائح ، العرف ، مبادئ العدالة والانصاف ).
لذلك ؛ فإن ما أقوله هو أن النقاش حول موضوع حد الردة ، لا يختلف أبداً عن القضايا الكلية التي لا ينتهي الجدل حولها ، كعلاقة الدين بالدولة ، كلٌّ من منظوره الخاص ، وكافة الجدليات المرتبطة بها ، فحرية المعتقد مرتبطة بتطورنا البشري تجاه حرية الانسان ، فالعبودية التي لم تستطع الشرائع السماوية أن تلغيها بكلمة مقدسة نهائية ؛ إستطاع الإنسان أن يلغيها بقرار ، ومثل ذلك علاقة الأنا بالآخر ، الديموقراطية والحكم الديني (المرشد مثالاً) ، حرية المعتقد ...الخ . هذه قضايا منبثقة من صراع عام بين المقدس والعقل ، بين التطور البشري والانكفاء على التراث ، بين تجميد النصوص وتحريرها كما ذهب إلى ذلك العديد من المفكرين المعاصرين أمثال نصر حامد أبو زيد وجمال البنا وخلافهما .. ، إذن؛ فحد الردة لا يُقضى فيه عبر جدل عقلاني ، لأنه يمثل أنموذج للصراع بين العقول والقلوب ، فمن ينادي بالتجديد الديني يسعى لإيجاد موطئ قدم لمفاهيمه الخاصة ، ومن يتمسك بالتراث يعتقد بأنه جاء في آخر الزمان الذي يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر ، وهكذا ، فمجمل القول أن القضية ليست قضية منطق رياضي بقدر ما هي قضية إتجاهات نسبية ، وأن الحسم فيها يكون بوصول صاحب الفكر إلى السلطة ليمارس اللعبة الأزلية ، وهي خلق القانون الذي يفرض مذهبه على الكافة . إنها قضية صراع في المقام الأول ، وهو صراع مشروع تبنته كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت الرأسمالية وأعدمت العشرات لمجرد انتماءاتهم الشيوعية ، تماماً كما فعل الاتحاد السوفيتي ، وإيران ، وألمانيا ، وبريطانيا وفرنسا عبر التاريخ .
ما أقوله هو ضرورة النظر إلى الصورة الأوسع ، لكي لا نغرق في بحر الجدل السفسطائي والذي لا تبلغ أعماقه منتهاها.