التصدي للإنهيار القيمي و الأخلاقي في السودان بقلم د. عمر بادي

التصدي للإنهيار القيمي و الأخلاقي في السودان بقلم د. عمر بادي


31-01-2014, 10:01 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1391205687&rn=0


Post: #1
Title: التصدي للإنهيار القيمي و الأخلاقي في السودان بقلم د. عمر بادي
Author: د. عمر بادي
Date: 31-01-2014, 10:01 PM

[email protected] د. عمر بادي

عمود : محور اللقيا
كنت قد كتبت في مقالتي السابقة عما يدور في سودان اليوم , و أجبت من سألني : (كيف وجدت السودان؟ ) بأنني ( وجدته سمحا بناسه و وجدته لا يطاق جراء الغلاء الفاحش ) ! كنت في هذه المقالة أود أن أتطرق إلى ما وعدت به القراء الكرام في مقالتي السابقة بخصوص التجاوزات المالية و ما عرف بالتجنيب بشيء من التفصيل خاصة في قطاع الكهرباء الذي يخصني كثيرا , لكن على ضؤ فيديو فتاة الواتساب الإباحي الشهير و فيديو الفتى الشاذ على حفرة الدخان فقد تأكد لي أن مجتمعنا السوداني في خطر من التحولات السالبة الكبيرة التي تمر به و أنه لا بد من دق ناقوس الخطر و دعوة الإخوة الكتاب و المسؤولين و منظمات المجتمع المدني لدراسة هذا الوباء الذي تفشى و إيجاد الحلول الناجعة و العمل بها . كلنا نعلم بأمراض مجتمعنا الناتجة عن الفقر المدقع الذي أودى بالناس إلى العجز عن تلبية أساسيات الحياة و الإكتفاء بوجبة واحدة في اليوم , بعد أن إنهارت الطبقة الوسطى و إزداد الفقراء فقرا و بقي القليلون من أهل الحظوة يزدادون غنى على غناهم , و لم تعد الإختلاسات و السرقات عيبا بل ( شطارة ) فظهر رأسماليون لم يكونوا شيئا مذكورا في سابق عهدهم , و انهارت مؤسسات كثيرة كانت عونا للسودان في إنتاجه و تطوره و أدى ذلك إلى تفشي البطالة . هذا بجانب الحروب الأهلية التي طالت البلاد في كل الإتجاهات و التي تكلف الدولة ما يعادل الأربعة ملايين دولار يوميا . لقد كتبت في مقالتي السابقة عن المستجدات السالبة في الحياة المجتمعية في السودان و التي تمثلت في إختطاف الأطفال و إختفاء و ( طفش ) الكبار و إزدياد حوادث الإغتصابات و إستفحال تعاطي المخدرات و إزدياد معدل الإصابة بالإيدز و تفشي البطالة و إنتشار عصابات النهب و سرقة المقتنيات الشخصية مع التاثير الواضح بثقافة أفلام الآكشن الأمريكية و مقاطع الفيديوهات الإباحية . هكذا هو الوضع المجتمعي الراهن , فكيف يتم تجاوزه ؟
من المؤكد أن التدهور الإقتصادي المستفحل في السودان قد طغى بجحافله على كل معاقل الأخلاق و القيم و المثل الرفيعة فأصابها بالتضعضع ولم ينج إلا من أنشأوا بنيانهم على قواعد عميقة و ( مسلحة ) , و صار حال هؤلاء المتمسكين بها كحال الممسكين بالجمر ! يقول الشاعر أحمد شوقي :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لقد كان الفقر موجودا على مر الأزمان , و العين كانت ( مليانة ) و الزهد كان فضيلة لردع النفس الأمارة بالسوء , و الحياة في بساطتها كانت لا تتطلب الكثير من الضروريات . في زماننا هذا إزدادت ضروريات الحياة العصرية و توزعت ما بين التعليم و المسكن و المأكل و الملبس و الترحيل و الصحة و الكهرباء و الماء و الغاز , أما قديما فإن ما وجد من هذه الضروريات كان مجانيا في البادية و بأقل تكلفة عند أهل الحضر . لذلك فإن ضيق ذات اليد صار وقعه أكبر في زماننا هذا . هنالك فتيات و نساء تضطرهن ظروف التعليم و إعالة الأطفال إلى التضحية بأنفسهن عند عدم وجود من يسد متطلباتهن المادية سواء كان أبا أو أخا أو إبنا مغتربا أو عند عدم توفر العمل أو قلة عائده , فيلجأن إلى إتخاذ ( الأخدان ) الذين يسدون لهن ( حوجتهن ) المادية , و معظم هذه النوعية من النساء يتعللن ب ( الحوجة ) في ما يفعلن , و قد وضعت مفردة ( الحوجة ) بين قوسين لأن المفردة العربية الصحيحة هي الحاجة و هذا خطأ شائع . لذلك فقد ضاقت دار المايقوما لإيواء المواليد مجهولي الأبوين على سعتها من كثرة النزلاء بها . لا أود أن أطيل في وصف الحال المائل في السودان , و لكن سوف أتصدى للإنهيار القيمي و الأخلاقي عن طريق طرح حلول هي بمثابة خارطة طريق يجب العمل بها في شكل ترتيب زمني :
أولا : يجب إغلاق منافذ التسلل من دول الجوار فورا و مطاردة المتسللين بواسطة شرطة الجوازات و شرطة النظام العام و قوات الأمن العام و إعادتهم من حيث أتوا , و التدقيق في هويات الأجانب غير المسجلين إن تمت معرفتهم , أو التدقيق العشوائي في الهويات و الإقامات كما يحدث في دول عدة و إبعاد المخالفين لقوانين الهجرة و العمل , و عمل فحوصات طبية للأجانب القادمين بطرق شرعية للأمراض المعدية الفتاكة كالإيدز و إلتهاب الكبد الوبائي و السل و هي امراض منتشرة في دول الجوار جنوب الصحراء و يجب توفير الإعتمادات المالية الكافية حتى يتسنى القيام بهذا الواجب على أحسن وجه . يردد المسؤولون من خلال أجهزة الإعلام أن حالات الإيدز المكتشفة في السودان تعادل 18 ألف حالة و أن عدد الحالات المتوقعة يعادل 70 ألف حالة بنسبة تعادل أقل من 0.2 % من عدد السكان . إن الكثير من الدول خاصة العربية لا تظهر إحصائيات الإيدز فيها على حقيقتها و بكثرة كما هو عندنا في السودان , و هذه الصراحة الزائدة قد جلبت للمغتربين السودانيين مضايقات عدة في إعادة فحوصات الأمراض المنقولة جنسيا عند إجراءات تجديد الإقامات .
ثانيا : تضمين الثقافة الجنسية و نشر الوعي الصحي في مقررات التربية الوطنية في المدارس و الجامعات و أن تساهم منظمات المجتمع المدني في نشر الوعي بإقامة الندوات للشباب , خاصة عن الأمراض المنقولة جنسيا و كيف يمكن تجنبها و توفير الواقي الذكري و الأنثوي في الصيدليات و بأسعار زهيدة كما هو الحال في كل دول العالم دون تمييز , و أن الوطن في حاجة إلى شباب أصحاء مربين على حب الوطن و الإعلاء من شأنه و العمل على صون ممتلكاته العامة و الخاصة و الذود عن حياضه . بعد ثورة أكتوبر 1964 تقرر تدريس مادة التربية الوطنية في المدارس الثانوية و لكن إنتهت تلك التجربة مع إنتهاء العمل بمباديء تلك الثورة نفسها !
ثالثا : محاربة الأفلام و مقاطع الفيديو الإباحية التي تروج لإشاعة الفاحشة عن طريق إنتهاج طرق مغايرة لأسلوب حجب تلك المواقع لأن الحجب صار غير مجدٍ مع البرامج التي تبطل مفعول الحجب و التي يمكن الحصول عليها بسهولة من الإنترنت . لذلك الأجدر التقليل من تأثير تلك الأفلام و مقاطع الفيديو عن طريق تعزيز مفهوم العيب في المجتمع , و كما هو معروف فإن العيب يلتقي عليه كل أفراد المجتمع رغما عن تبايناتهم العقيدية , فالتلفظ بالكلمات النابية باللغة الإنجليزية كما ترد في الأفلام و مقاطع الفيديو من شاكلة ما تتم ترجمته على الشريط بالعربية ب ( تبا لك ) و ( يا إلهي ) و هي ترجمات تراعي ثقافتنا رغما عما بها من إيحاءات جنسية و لكنها لا تسمح بترجمة تلك الألفاظ حرفيا . يشمل العيب أيضا ممارسة الجنس على مرأى و مسمع من الآخرين و المشاركة في ممارسته بالتناوب و تصويره ! إن مفهوم العيب يتم غرسه في الطفل غرسا منذ أن يعي توجيهات والديه و هو في المهد حتى يحكم تصرفاته الطائشة , و عند دخوله إلي المدرسة يتكفل مدرسوه بغرس مفهوم العيب عنده . هذا الدور التربوي أراه قد إختل مع مشاغل الوالدين و المدرسين مع متطلبات الحياة المعيشية التي تعقدت كثيرا , و لا بد من العودة إليه . لقد كانت للمدرس مسؤولية كبيرة تجاه تلاميذه حتى خارج سور المدرسة و كان على صلة بأولياء أمور التلاميذ حتى يتضامنوا في تربية التلاميذ . في ذلك يقول الشاعر أحمد شوقي :
إذا رشد المعلم كان موسى و إن هو ضلّ كان السامريا
و كان التلاميذ يبجلون مدرسيهم عملا بقول الشاعر أحمد شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
رابعا : العودة إلى إحياء التعاليم الدينية و القيم المجتمعية مع تنشئة الطفل حتى وصوله إلى سن الرشد , و تربيته على أن الحلال بيّن و الحرام بيّن و أن الخير فيه الثواب و الشر فيه العقاب و كل نفس بما كسبت رهينة , و لذلك فإن مخافة الله و إتقائه خير رادع للإنسان من عمل الموبقات . من المؤكد أن كل الشباب قد تعلموا التعاليم الدينية منذ صغرهم , لكن قد غلبت عليهم شقوتهم و هم في سن المراهقة بفعل قوة مجتمعية دخلت عليهم و لم يستطيعوا منها فكاكا و هي قوة الشلة أو الشللية ! فكيف يتم لنا ردع تأثير الشلة ؟ يتم لنا ذلك بمراقبة الأبوين لأبنائهم و بناتهم مراقبة لصيقة عند سن المراهقة في كل ما يخص دخولهم و خروجهم و الإصرار لمعرفة أفراد شللهم و إبداء الرأي فيهم إن علموا بسوء مسلك البعض منهم , و يجب على الآباء فرض قراراتهم تلك بكل حزم , لأن أصدقاء السوء يحرضون الأبناء كي لا ينصاعوا لوالديهم .
خامسا : الخروج من إحباطات التردي الإقتصادي و البطالة و قتامة المستقبل , و كما هو معروف فإن جل المظاهر المجتمعية السالبة تعتبر من إفرازات الإحباطات الآنفة , فالسلبية و اللامبالاة هي مؤشرات لرفض الواقع المجتمعي عند إنتفاء القدرة على تغييره بعد أن فرض فرضا على الناس , و هذا العجز يصل بالبعض إلى حالة من اليأس تؤدي إلى الخروج و ( الطفش ) أو إلى سد الأذنين بطينة و عجينة - كما يقال عندنا – و ترك أفراد الأسرة يعيشون حياتهم كما يشاؤن ! هذه الحالة من الإحباط تجعل الشباب مهيئين نفسيا للإهتمام بسفاسف الأمور كالإهتمام بالقنوات الرياضية و الألعاب الإلكترونية كالبلي ستيشن و الإكس بوكس و متابعة الأغاني الهابطة و ( سك ) المناسبات و الحفلات و تعاطي المحظورات و الخمول التام و الإكثار من النوم . الخروج من هذه الإحباطات أراه حاليا في الخروج من السودان نفسه و لا ارى حلا آخر في الوضع الراهن مع إنعدام فرص العمل و قلة دخل الأعمال الحرة الهامشية . كان من الممكن إيجاد حلول إسعافية و إدغامها في الخطة قريبة المدى للدولة مع وضع الميزانية اللازمة لها , كخلق فرص جديدة للعمل مع إزدياد مشاريع التنمية و زيادة صادرات السودان حتى ترتفع قيمة الجنيه السوداني و تنخفض الأسعار , لكن لا أرى بصيصا من أمل حاليا .
سادسا : القضاء على ظاهرة إنتشار المخدرات أو التقليل منها مرحليا . في سودان ما بعد الإستقلال كان البنقو هو المخدر الوحيد المعروف في السودان , و للدكتور التيجاني الماحي رائد الطب النفسي في السودان ورقة كتبها عن البنقو و إعتبره من فصيلة القنب الهندي و أن تاثيره أخف من الحشيش , لكن رغم ذلك فإنه ربما يقود إلى فقدان العقل . أما عن المخدرات المصنعة كالهيرويين و الكوكايين و الكراك التي تستعمل بالشم و المورفين الذي يستعمل بالحقن و ما إليه فقد دخلت إلى السودان أخيرا و تأثيرها أشد دمارا بالجسم و تقود إلى الإدمان القاتل . لدي مقالة كنت قد كتبتها قبل خمسة أعوام كعرض لرواية كانت قد ظهرت في مصر في ذلك الوقت و كانت بعنوان ( ربع جرام ) لمؤلفها عصام يوسف و هي عن شاب أدمن المخدرات حتى كادت تودي بحياته ثم أهّل نفسه و أقلع عنها , و بما أن تجارب المخدرات واحدة فسوف أنقل إليكم بعضا مما ورد في مقالتي تلك . تعاطي المخدرات ينتج عن دور ( الشلة ) و أصدقاء السوء في جذب الضحايا الشباب الي الإدمان , سواء في الزمالة الدراسية في المدرسة أو في الأندية و الأحياء , و يزداد نتيجة لبُعد الأبوين و إنشغالهما عن مراقبة و رعاية الأبناء سواء بضغوط العمل في الداخل و الخارج أو بمساهمتهما الإجتماعية . تكون البداية دائما بإتباع السلوك الموصل الي الإدمان بأنواعه ... إبتداء بتدخين السجائر في الخفاء أثناء الطفولة , ثم يأتي تأثير أصدقاء السوء في تجربة تدخين البنقو و إستعمال الحبوب المخدرة , ثم الإنتقال الي شم الهيرويين و الكوكايين و الحقن بالمورفين ...
إن الأفكار التي يروجها متعاطو المخدرات و مروجوها بين الشباب لجذبهم لها تنطوي علي مغريات بان المخدرات افضل من غيرها من المسكرات في أنها لا تظهر علي متعاطيها و لا تؤثر كثيرا في سلوكه و يمكن له الإقلاع منها متي قرر ذلك . كل ذلك محض إفتراء و مجاف للحقيقة , لأن المخدرات مع التعود عليها تقود الي تزايد الجرعات و الي التحول الي الأنواع الأقوي منها حتي يتم للمفعول تأثيره , و بذلك تتحول الي عادة و إدمان لا فكاك منه , دون أن يدري المدمنون بذلك , و دون أن يعترفوا أنفسهم بأنهم مدمنين و بذلك تودي به إلى الموت عند تعاطيه لجرعة زائدة ( أوفردوز ) . يصير المدمن في سبيل حصوله علي المخدر مستعدا لعمل أي شيء ليتحصل علي النقود سواء عن طريق السرقة و التي تصل الي سرقة مقتنيات البيت و بيعها , و ربما تصل الي الولوج الي عالم الجريمة و الي مصيدة المروجين و عصابات الإجرام بل و الي عالم العمالة الأجنبية .
يكون الأمل في إسعاف المدمنين عن طريق مستشفي إعادة التأهيل , و هي نوع من المستشفيات صار معروفا في معظم البلاد كمستشفى التيجاني الماحي عندنا . هنا لا بد من الأخذ بيد هؤلاء المدمنين الضحايا و إعتبارهم مرضي و ليسوا مجرمين يحاسبهم القانون , حتي يعودوا مواطنين صالحين في المجتمع . في مستشفي إعادة التأهيل تلقى عليهم محاضرات و تنظم لهم حلقات حوار تتركز في أشياء ثلاثة : الأمانة و التفتح الذهني و النية . الأمانة في أن يكون المريض أمينا مع نفسه في كل متطلبات الأمانة حتي في تناول الدواء , و التفتح الذهني في الصفاء في التفكير و في الإستفادة من درس التعاطي و في العودة الي الإيمان و قوته , أما النية فبدونها لا يصمد المدمن علي ترك التعاطي و إنما يعود إليه بعد خروجه من المستشفي . لذلك كانت النية بالشفاء و عدم العودة تتم بمساعدة متطوعين كانوا في الأصل مدمنين و تخلصوا منه و قد كونوا أفرعا لجمعية عالمية لها برنامج معروف ببرنامج المدمنين المجهولين و الذي يحتوي علي برنامج الإثني عشر خطوة .
المدمنون المجهولون هي جمعية عالمية تكونت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من مجموعة من المدمنين القدامي علي الخمور الذين تعافوا منها , ثم صارت الجمعية تهتم بكل أنواع المؤثرات العقلية و أضافت المخدرات اليها . للجمعية أفرع في 127 دولة و لها إجتماعات أسبوعية تصل الي 43 ألف إجتماع في كل تلك الدول أسبوعيا , و لها برنامج مكون من إثنتي عشرة خطوة يتبعها المدمنون المرضي الذين ينوون الإقلاع . تضم هذه الخطوات الآتي : الإعتراف بالضعف تجاه الإدمان , الإيمان بأن هنالك قوة أعظم من أنفسنا بإستطاعتها أن تعيد المدمن الي طبيعته , إتخاذ القرار بتفويض الله في أمرنا و إرادتنا , الرجوع الي النفس و محاسبتها أخلاقيا , الإعتراف لله و لأنفسنا و لشخص نثق في مساعدته بأخطائنا , سؤال الله أن يخلصنا من نقائصنا الشخصية , تحديد الأشخاص الذين آذيناهم للإعتراف لهم , الدعاء الي الله و التأمل في حالنا , الوصول الي الصحوة الروحانية ....
يعدد الشاعر أبو العتاهية أسباب الإنحراف في بيت مشهور بقوله :
إن الشباب و الفراغ و الجِدة مفسدة بالمرء أي مفسدة
و الجدة هي بحبوحة العيش و الرغد , لكن حسب وضعنا الإقتصادي المتردي فإن الشباب و الإعالة و المسغبة هم المفسدة !
سابعا : تعزيز دور المنظمات الشبابية في ربط الشباب بقضايا الوطن و تنظيمهم و تأسيس كيان يجمعهم . معظم الشباب كانوا لا يضعون السياسة في إهتماماتهم , و لا يقرأون في الصحف إلا الصفحات الرياضية , لأن إهتماماتهم كانت تنصب كما ذكرت آنفا في سفاسف الأمور ربما نتيجة لإتساع الفجوة بينهم و بين جيل آبائهم بسبب التكتيم الإعلامي و تضييق الحريات و قطع الصلات بما سبق بعد تغيير المناهج الدراسية و إتباع إعادة صياغة الإنسان السوداني . زد على ذلك إحباطات الوضع الإقتصادي المتردي و البطالة و الشعور بالعجز أمام تغيير الواقع خاصة للذين خاضوا تجارب مطلبية في التجمعات الطلابية في الجامعات و كانوا تحت رحمة الأجهزة الأمنية . رغما عن ذلك ظهرت منظمات شبابية سعت إلى نقل الربيع العربي إلى السودان و نزلت إلى الشوارع و الميادين و لكنها لم تجد السند الكافي من الشباب الآخرين و كانوا تحت رحمة الأجهزة الأمنية . لكن مع إزدياد الوعي و مع صعوبة الحياة بعد الزيادات الأخيرة في سبتمبر الماضي تقدم الشباب و المواطنون و خرجوا في تظاهرات هادرة و كان تصدي القوات الأمنية و المليشيات لهم بإطلاق النار عليهم في مقتل فاستشهد ما يقارب المئتين ! و كان ذلك بمثابة دعوة إيقاظ جعلت اللامبالين من الشباب يلتفتون إلى ما يدور في الوطن و يهتمون بتاريخه السياسي و بثورة 21 أكتوبر 1964 و إنتفاضة 6 أبريل 1985 , و هأنا أرى الشباب كلهم يهتمون هذه الأيام بخطاب الرئيس البشير الأخير و يملأون الواتساب و الفيسبوك بالتعليقات و المداخلات و الكاريكاتيرات !
يقول الشاعر أحمد شوقي :
شباب قنّع لا خير فيهم و بورك في الشباب الطامحينا
و أيضا يقول شوقي :
زمان الفرد يا فرعون ولّى و دالت دولة المتجبرينا
و أصبحت الرعاة بكل أرضٍ على حكم الرعية نازلينا
و يقول شوقي أيضا :
و للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
إنني أعتبر الشاعر أحمد شوقي شاعر الحكمة الثاني بعد المتنبي و يعجبني قوله في حب الوطن :
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !