كيف جاءت نيفاشا ؟

كيف جاءت نيفاشا ؟


04-08-2004, 03:18 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=7&msg=1091632697&rn=0


Post: #1
Title: كيف جاءت نيفاشا ؟
Author: د/ عادل فرح الشريشابي
Date: 04-08-2004, 03:18 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
كيف جاءت نيفاشا ؟
من إنقلاب البشير إلي مشاكوس إلي نيفاشا رحلة الألم والدموع !
صباح الثلاثين من حزيران ( يونيو) 1989 م أفاق الشعب السوداني على صوت المارشات
العسكرية في الإذاعة والتلفزيون وأدرك الشعب أن هناك ثمة إنقلاب أطاح بحكومة
المهدي المنتخبة ، إنقلاب دبر بليل بين العميد آنذاك / عمر البشير والقيادي
والمفكر حسن الترابي ، جاء هذا الإنقلاب على أنقاض حكومة حرة منتخبة من الشعب
بطريقة ديمقراطية ، فأعلن قائد الإنقلاب المتدثر بعباءة الحركة الإسلامية حالة
الطؤاري في جميع أنحاء البلاد . وأصبح مجلس قيادة الثورة المكون من خمسة عشر
عضوا ً المتسيطر والمتحكم الفعلي على البلاد والعباد .
جاء البشير ومنذ اليوم الأول صعـد حملة عسكرية ضارية على الجيش الشعبي لتحرير
السودان والجناح السياسي لها SPLM ، الذي أدخل من ضمن أجندته هدف إسقاط حكومة
الخرطوم . أرسلت الخرطوم مليشيات الدفاع الشعبي المؤدلجة بفكرة الجهاد في حرب ٍ
تظن أنها جهاد ، لكن هذه الحرب أفرزت عام 1990 م مجاعة طاحنة وقتال شرس قضي على
الأخضر واليابس ووقف المجتمع الدولي موقف المتفرج من هذه الحرب فأميركا مشغولة
بإنتخاباتها وأوربا مهمومة بوحدتها وروسيا تفككت شزر مزر ، فنزح الآلاف وشرد
الملايين من أفراد شعبنا فتفاقمت الأزمة .
أما في الخرطوم فقد حاول البشير وزمرته البحث عن شرعية فجاءت فكرة التحول من
الشرعية الثورية إلي الشرعية الدستورية فإزدادت المعارضة الشعبية وصعد التجمع
الوطني الديمقراطي الذي تكون مباشرة بعد إنقلاب بشير- ترابي من عملياته
العسكرية في شرق وتحالف فيما بعد مع الحركة الشعبية ، وضعضع حكومة الخرطوم التي
كانت تشكك من قدراته ( معارضة فنادق ) .
وبالرغم من محاولات حكومة الخرطوم في إيجاد حل سلمي مع الجيش الشعبي ( 1994 م )
إلا أن أعداد اللاجئيين النازحين سواء إلي الشمال أو إلي دول الجوار إزدادت
بشكل مضطرد ، فأصبح أبناء الوطن لأجئيين داخل وطنهم ، وكانت مناصرة حكومة
الخرطوم للغزو العراقي للكويت ودعمها لصدام القشة التي قسمت ظهر البعير The
straw that broke the camel's back فتم عزل السودان على جميع الأصعدة
السياسية والإقتصادية والدبلوماسية وفرضت عليه الولايات المتحدة حصارا ً محكما
ً وأتهم السودان وطن الطيبين بالإرهاب وكانت تلك وصمة عار في جبين الحكومة
وأيضا ً أتهم بإيواء الإرهابيين المنبوذيين في بلدانهم ، فكان الترابي يحشد بين
الفينة والفينة المتشددين من الإسلاميين في مؤتمرات كانت تشهدها العاصمة
السودانية . فجأة وقعت حادثة تفجير مبني التجارة الدولي World Trade Center
فأتهم السودان بالضلوع فيها وبدعم جماعات إسلامية متشددة . وأصبح لدولة مثل
السودان تحالفات قليلة على المستوي الدولي مع : إيران واليمن وليبيا ، وإزدادت
فاتورة الدين الخارجي الشيء الذي أدي إلي تفاقم الوضع الوضع الإقتصادي لدولة لا
تنقصها الموارد والمياه .
وحل شهر مارس 1996 م وعقدت الإنتخابات التشريعية في تمثيلية سيئة الإخراج ونجح
البشير بنسبة 75 % و قاطعتها القوي الحديثة والنقابات والتنظيمات السياسية ،
وفرضت الأمم المتحدة ــ في ذلك العام ـــ عقوبات على السودان وأفشلت الحكومة
إنقلابا ً كاد أن يطيح بها .
بعدها ، أي في أبريل أعلن الحكومة عن مجلس عسكري إسلامي جديد ، أعقبه إعلان
الأمم المتحدة لحظر دبلوماسي على السودان إستنادا ً على قرار الأمم المتحدة
1044 الذي إتهم الحكومة بدعم وإيواء الإرهاب حيث كان وقتها أسامة بن لادن
مقيما ً في السودان ويساهم في إنشاء طريق قومي .
وفي مارس 1998 م قدمت الحكومة إقتراحات كثيرة بشأن تعديلات دستورية ، وألهم
الترابي بفكرة سماها " التوالي السياسي " بهدف إتاحة فرصة لنظام تعددي حزبي
منضوي تحت لواء بشير ـــ ترابي ولكن هذه الخدعة لم تنطلي على الشعب السوداني
الذكي الذي إعتبرها مناورة لإطالة أمد النظام ، وأيضا ً حاول الحكومة إجراء بعض
الإصلاحات حيث زادت حصة النساء داخل المجلس الوطني وأطلقة بعض الحريات . وفسر
المراقبون آنذاك هذه الإجراءات بأن الحكومة في حالة دفاع عن النفس وتبحث عن
مخرج من عزلتها .
وشددت الحكومة من قبضتها على الجيش بعد العديد من المحاولات الإنقلابية ، ومنعت
العناصر المؤدلجة من التسلل إلي داخل الجيش ، فإمتلأ الجيش بكوادرها من
الإسلاميين على الآخــــــــــــــر . وقدمت الحكومة ضمانات في مسودة الدستور
الجديد بشأن الحريات الدينية وحرية التدين بالرغم من أنها قررت بشكل قاطع أن
السودان سيظل يحكم بقوانين الشريعة الإسلامية .
حل يوليو 1998 م فعمت المجاعة جميع أرجاء الجنوب وأعلنت وكالات الإغاثة
العالمية أن حوالي 2.6 مليون شخص في أمس الحاجة إلي الغذاء ، وحاولت جاهدة بذل
كل الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلا أنها صدمت بقرار الحكومة بتقليص عدد رحلات
الإغاثة إلي الجنوب ، وفهمت منظمات الإغاثة الدولية أن الخدمة تستخدم سلاح
الجوع لترهيب الجيش الشعبي . واستأنفت محادثات السلام في العاصمة الكينية "
نيروبي " بين الطرفين في مايو 1998 م ، ولم تكن مثمرة هذه الجولة وزادت من
إحباطات الشعب السوداني الذي أصبح فأر تجارب فخططت الحكومة لدستور جديد تمت
المصادقة عليه من حلفاء النظام وحول فيما بعد إلي قانون ، وألغي هذا الدستور
الجديد جميع المراسيم الرئاسية السابقة المفتقرة إلي الإجماع الشعبي والتي نصت
على حظر الأحزاب السياسية وحظر نشاطاتها السياسية والإجتماعية .
وفي شهر نوفمبر من نفس العام صوت المجلس الوطني على حق تشكيل الأحزاب والتيارات
السياسية في نظرية التوالي السياسي ، وبدأت بالفعل عمليات تسجيل لتيارات سياسية
مثل : حزب وحدة وادي النيل والحزب القومي وقوي الشعب العاملة وغيرها.
وفي تطور فريد من نوعه خلال نفس الشهر قامت الولايات المتحدة بالخطأ بضرب مصنع
الشفا للأدوية البشرية والبيطرية الذي إعتقدت الولايات المتحدة بأنه ينتج أسلحة
كيميائية. وصدر تقرير مستقل في فبراير 1999 م خلص إلي أن الولايات المتحدة
أخطأت الهدف عندما ضربت مصنع الشفا فهو لم يكن إلا مصنع لإنتاج الأدوية .
أعلنت الحكومة في أغسطس 1999 م بعد ضغط من المجتمع الدولي وقف إطلاق النار في
المناطق المنكوبة في جنوب البلاد بهدف السماح لعمليات الإغاثة الدولية شريان
الحياة وخلافها من عمليات بعد أن إستخدمت بشكل بشع سلاح التجويع ، ومن جانبه
رفض الجيش الشعبي وقف إطلاق النار ، وبالرغم من ذلك تواصلت المفاوضات بين
الطرفين في نيروبي وسط إتهام متبادل بإنتهاك وقف إطلاق النار ، وفي نوفمبر 1999
م وقع فصيل من التجمع الوطني في جيبوتي ما سمي " بنداء الوطن Call of The
Homeland " مع الحكومة وأكد الطرفان في هذا النداء على وقف إطلاق النار وبناء
الأمن والسلم والتأكيد على مبدأ الإستفتاء لجنوب السودان بالوحدة أو الإنفصال .
وإحتدم الصراع بين الشيخ والعسكري حول بعض المواضيع الدستورية مما أدي إلي أن
ينقلب العسكري على الشيخ في إنقلاب ٍ أبيض ٍ أطيح فيه بالترابي في عملية
ذكرتنا ببيت الشعر العربي :
أعلمه الرماية كل يوم ٍ فلما إســـــتــد ساعده رمانــي
وهكذا قضي فكريا ً على مفكر ومنظر الثورة بأن أودع السجن ثم الإقامة الجبرية
وتنفس الشعب الصعداء ، ومن فوره قام البشير بحل المجلس الوطني وتعيين حكومة
جديدة في يناير 2000 م تتكون من وزراء وحكام ولايات ومستشارين وزاريين .
وتواصلت المحادثات بين الحكومة والحركة في فبراير 2000 م في نيروبي التي ناء
كاهلها بأثقال الحمل السوداني الذي استعصي على الحل طوال 49 عاما ً ، وأندلعت
موجة جديدة من العنف بين الطرفين وتفاقم الوضع الإنساني في جنوب البلاد ،
وأصبحت الحرب عالة على إقتصاد البلاد الذي ضخ فيه النفط مورد جديد لدعم حرب لا
ناقة ولا جمل للشمال فيها . في مارس من نفس العام مدد البشير حالة الطواريء
بسبب حالة عدم الإستقرار بين الشيخ والعسكري . وبدأت العلاقات مع دول الجوار
تأخذ وضعا ً مستقرا ً خاصة أثيوبيا ويوغندا ما عدا أرتيريا التي أوت التجمع
وقدمت دعما ً مقدرا ً له ولم تهادن حكومة الخرطوم التي وقفت إلي جانب أثيوبيا
في حربها ضد أرتيريا . وفي نفس العام أعادة الولايات المتحدة فتح سفارتها في
الخرطوم التي أغلقتها قبل سنتين بسبب مخاوف من إستهدافها . وبحلول أكتوبر من
نفس العام فشل السودان في إمتحان عضوية مجلس الأمن بسبب الصورة المشوهة لحكومة
الخرطوم . جاء ديسمبر 2000 م فعقدت إنتخابات رئاسية وبرلمانية وأعيد إنتخاب نفس
الزول البشير لمدة خمس سنوات آخري ، وقاطعت الأحزاب السياسية المؤثرة هذه
الإنتخابات وإعتبرتها عملية بحث عن شرعية غائبة، وبعد فوزه مدد البشير حالة
الطؤاري لسنة آخري ، وشهد شهر الحرب شهر مارس وفاة زعيم نوباوي لا يشق له غبار
هو يوسف كوا زعيم قطاع جبال النوبة في الحركة الشعبية ، وفي مايو صعدت الحكومة
من عملياتها العسكرية في الجنوب قبل حلول موسم الأمطار في الجنوب وبذلك خرقت
بشكل علـــــــــني وقف إطلاق النار . أنتخب جــــورج بوش الابن بعملية فرز
يدوي رئيــــــــسا ً للولايات المــــتحدة فعين من فوره مبعوثا ً خاصا ً
ليتفاوض بين الطرفين فكان : جون دانفورث السيناتور السابق ، وإستطاع إجبار
الطــــرفين على توقيع وقف دائم لإطــــــلاق النار : Permanent Ceasefire في
مدينة " لوزان السويسرية " ، وكانت هذه هي البداية الفعلية لإتفاقية إعلان
المباديء ولإتفاقية نيفاشا . وقدم مبعوث جورج بوش الكثير من المقترحات التي
وجدت قبولا ً من الطرفين : منها دولة واحدة بنظامين لأنه أدرك خطورة تقسيم
السودان إلي دولتين في ظل القبلية التي تسيطر على معظم الدول الأفريقية ، وأيضا
ً تقسيم عائدات النفط بشكل عادل وإيجاد حل لمسألة القوانين الإسلامية . وكان
إتفاق جبال النوبة في يناير 2002 م فاتحة خير للسودان ، فجبال النوبة التي عانت
من التهميش سنين طوال ها هي اليوم تنعم بالسودان ، وهي إتفاقية المائة وواحد
يوم بين الحكومة والحركة الشعبية تزرع فرح في نفس الشعب السوداني بأحلام السلام
والتنمية .





د/ عادل فرح الشريشابي

الباحة / المنطقة الجنوبية / السعودية