المنافي الأكثر استحالة

المنافي الأكثر استحالة


02-02-2006, 09:05 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=393&msg=1196696925&rn=0


Post: #1
Title: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-02-2006, 09:05 PM

إهداء

إلى..
حنان
أباذر
عرفة
منال
أبوطالب
فادية
فدوى
مزدلفة
عبدالله
محمد

و قبلا إلى أبويهم من جديد
أكتب كما السخام الباحث عن تحرر مستحيل

Post: #2
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-02-2006, 09:12 PM
Parent: #1

من يبق طويلا على كرسي السلطة يتعلم أن يفكر في الأمن فقط لا التقدم

لويل

Post: #3
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-02-2006, 09:22 PM
Parent: #2

(1)


انسربت حبال الظلام الغليظة ليدخل كل منها في خيط من خيوط الشمس البرونزية الرفيعة. تضخمت خيوط البرونز حتى استحال الوقت صبحا.

وجدتني أصحو من نوم غريب في مكان غريب؛ ساحة خضراء فسيحة تحيطها إهرامات من زجاج قاتم الألوان. كنت مضجعا، على العشب الندي، متوسدا ساعدي، بملابسي كاملة. لم يكن حولي، بالساحة، من أحد آخر. وحيدا وحدة قاتلة كنت، برغم إخضرار الساحة و هرمين مقلوبين. جمعت شتات نفسي، و فكري، و نهضت قائما.

سرت متوحدا، و مرهقا. رأسي خواء من أية أفكار، و قلبي ينبض بأشياء شتى. لم أسر، في الواقع، بل كانت قدماي هما اللتان تقودانني و شيئ آخر مجهول الكنه، غامض الهوية.

Post: #4
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-02-2006, 09:47 PM
Parent: #3

دنوت من هرم أخضر.. هرم مقلوب، زجاجي. خطوت إلى الداخل عبر الباب المشرع. استقبلتني فخامة المكان، و إضاءته الهادئة، و جمع من الناس يبتسمون. تزاحموا كأنما ينتظرون مجيئ شخص هو أنا! في الحقيقة، كانوا بالفعل بالانتظار. إذ أنهم ، بعد صمت ،أخذوا يصفقون و يهتفون على نحو احتفالي. تلفت ورائي و لم أجد أحدا غيري يدخل في تلك الآونة المبكرة من الصباح. تقدم أحدهم مني. مد إلي يدا منعمة صافحتها. ربت على كتفي و هو يتمتم بعبارات ترحيب استنتجت معانيها. اقتادني وسط حشد منهم إلى قاعة فسيحة. في تلك الأثناء، و منذ دخولي، إلتقطوا لي العديد من الصور بكاميرات عديدة و متنوعة.

أجلسني الذي يقتادني ،على كرسي لين، إلى منضدة تتخذ هيئة منصة. و جلس إلى جواري. من خلفنا انتصبت شاشات من رقائق زجاجية أضيئت بمجرد أن جلسنا.. حملت كلمات مضيئة بألوان متناغمة. مواجهين لي جلسوا في صفوف متتالية. كانوا بعض الحشد الذي صفق، و كل الذين التقطوا صورا لي. أمام كل منهم منضدة صغيرة تقف مائلة على رجل واحدة رفيعة تلتمع ببريق هادئ يروق للعين أن تستقر عليه. ثمة أجهزة صغيرة تتفرق على المناضد أمام كل واحد منهم. تكلم الذي بجواري بصوت عميق خلته آتيا من قمة المكان:

- باسمك اللهم، نبدأ

Post: #5
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: عاصم الطيب قرشى
Date: 03-02-2006, 01:21 AM
Parent: #4

تجدنى دائما إلى جانب قلمك إن لم أكن إلى جانبك

أثنى بالصلاة على النبى

ولى قدام

محبة

Post: #6
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-02-2006, 07:01 AM
Parent: #5

عاصم المرزوق
بحب الخلق و الخلائق
أنت في الخاطر مد الزمان
هذه رواية.. هل تذكر يوم أن اقترحت أن "أنزل" رواية؟
فهي، إذن ، مهداة لك كما لقاسم و نور عطا و تماضر و تمبس و إلى الذين ماتوا
كي يهبوا أرواحهم حرية لا تحجبها أيما أبعاد
هي أيضا مهداة إلى كثيرين أعرفهم
و آخرين سيأتون في أزمنة قزحية

دم مرزوقا حد الأبد



بوعسل ابوعسل

Post: #7
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: عوض الله الفولانى
Date: 03-02-2006, 07:11 AM
Parent: #6

الرائع دوما / ابوعسل

لك التحية

يا زول ,,, ولله سعدت جدا لم قرأته لك
و سأظل اطاردك اينما حللت ايها الشفيف
و ارجوك كتّر لينا من الحاجات دى ,,,

و لك مودتى

الفولانى

Post: #8
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-02-2006, 03:17 PM
Parent: #7

الفولاني
كلامك القلتو دا سيظل إلى الأبد وساما أفتخر به.
سيسعدني دوما لحاقك لي طالما نبحث معا عن فراديس قصية
و خليك في البال
أقعد عافية أينما كنت


ودي
بوعسل أبوعسل

Post: #9
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-02-2006, 03:31 PM
Parent: #8

- باسمك اللهم، نبدأ.

أضاء رقم على منصتنا المشتركة. ضغط مجاوري على زر أخضر فتكلم أحدهم:
- نرحب أولا بالضيف. و نرجو أن يوضح لنا مدى الفرق بين الأزمنة قياسا إلى تجربته!

همس لي مجاوري أن أتكلم مردفا ذلك بلكزة خفيفة من كوع حاد! كنت في حيرة، لكني وجدتني أقول:
- الفرق في الأساس لا يكمن في الأزمنة و إنما في الأحداث التي تترك علاماتها على جسد الزمان.. الأحداث نفسها لا بد لها من مبررات وقوع. بمعنى آخر: من يصنع الأحداث؟ بالدرجة الأولى الانسان. إذن ليكن التساؤل هو : ما مدى تطور الانسان عبر أزمنة بعينها؟ و بالتالي يكون التساؤل الذي يلي هو: أي تطور، و في أي إتجاه؟

رقم آخر ومض على المنصة، فضغط زميلي على نفس الزر الأخضر. تكلم صوت آخر:
- نبّئنا برحلة الضيف في البعدين، و نسأل عن الوضع الديني في الأزمنة السابقة.

أدركت، بوضوح، أنني الضيف المعني، و أن عليَ أن أرد في كل مرة. قلت:

Post: #10
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-02-2006, 09:48 PM
Parent: #9


-هذا سؤال لا يشغل بال المعاصرين و على الأخص على المدى القريب. لكن، كانت ثمة العديد من الأديان. ثلاثة منها سماوية و مئات أخرى غير ذلك. اثنان من السماوية أخذت تذوب في الثالث، بينما أقفرت الأديان الأخرى، غير السماوية، من أتباعها و معتنقيها إلى أن اندثرت. بقي عدد كبير من الناس، أيضا، بلا دين. أو فلنقل إنهم اعتنقوا المال دينا. مع كل هذا ، أتوقع أن تدينوا جميعا بدين واحد.

تكرر وميض آخر. ضغطت على الزر الأخضر إذ أخذ صاحبي في سعال مباغت. تكلم صوت جديد:
-علمنا أن القرن العشرين حفل بوقوع معجزة كبيرة في أوله ثم بإندثارها، أيضا، في نهاياته. أعني المضادات الحيوية. برأيكم كيف واجه الانسان معضلة المرض؟
-كثيرا ما يعلن في الماضي أن منطقة ما خالية تماما من مرض جرثومي بعينه. يتم ذلك بعد اتخاذ تدابير كثيرة لمنع دخول أي حامل للمرض أو ملوث بجرثومته. ربما ينجح ذلك التدبير لفترة قد تستمر عقودا كاملة. لكن يوما ما يظهر المرض، من جديد، في نفس المنطقة سواء أكانت إقليما أو قطرا أو قارة، على الرغم من التدابير المشددة. هذه المسألة تكرر حدوثها كثيرا. لكن هل بإمكان الانسان القضاء تماما على كل الجراثيم المسببة للأمراض دون الوضع في الاعتبار أن هناك توازنا حيويا دقيقا تعتمد عليه هذه المسالة ، و أن هناك خالق كبير يقف وراء خلق هذه الكائنات من عدم أيضا؟ هذا قطعا إذا سلمنا بقدرة الانسان الأكيدة في القضاء على الجراثيم المسببة للأمراض.
لنرجع إلى مسألة الدوافع التي تقف خلف الأحداث لنجيب على السؤال بطريقة أخرى. فالانسان يفعل كل ذلك ليضمن العيش أطول فترة ممكنة. بعبارة أخرى: إلى أي مدى يسعى الانسان إلى الخلود؟

Post: #11
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-02-2006, 04:11 PM
Parent: #10

تكلم صوت رفيع بعد أن أضاء رقم على المنصة و ضغت على الزر الأخضر:
-لكن اليوم متوسط عمر الانسان زاد؟
-ليس بالقدر الكبير. لأن تعداد البشر نفسه حافظ على ما كان عليه قبل خمسين و مئة عام. اللهم إلاَ إذا كان عدد المواليد قد نقص بالمقابل. و هو أمر وارد. لكن الذي أعلم هو أن حجم الانسان، في فترة ما، هو الذي زاد زيادة واضحة.

وميض جديد لرقم حملني على ضغط الزر الأخضر، و جاءني صوت يسأل بخفوت:
-كم يقدر الضيف عمره؟
-بالنسبة لي قضية العمر ليست مهمة، أو في الواقع، لم تعد ذات أهمية. و لكن ما هي انجازات الانسان طوال فترة عمره سواء أطال هذا العمر أم قصر؟ بالتالي أقول إن الانسان حقيق أن يبدأ رحلة الانجاز بأسرع ما يمكن طالما أنه لا يعرف كم سيكون عمره. ما أعرفه أنه كان لي ماض ما، لا أعرفه بالضبط، و لهذا أنا هنا الآن.

فجأة انطفأ النور. عم ظلام حالك. سيطر سكون مقلق على المكان بعد أن سيطر عليَ.

سقط شيئ ما بدوي فظيع ثم تهشم. بدأت الأشياء تتداعى. تداعيها احتفظ بذات الدوي الفظيع قطعة، فقطعة. ميزت من بين الأصوات صوت تهشم الزجاج. لم أميز شيئا آخر عداه. على جسدي بدأت تتساقط قطع زجاج صغيرة كأنما يرشقني بها جمهور خرافي! تكاثرت مع همهمات أشد فظاعة. تكومت، مثل تلة، فوقي. ثقلها شل حركتي.. قيد تفكيري. تعالت الهمهمات الرهيبة. طغت على ما عداها. ثم أنشد كورل الرعب:
-ألا تتمتع بفيضلة الاتعاظ؟

سبحت في جبَ مظلم، بلا قرار. ثم خيم ديجور سديمي على إدراكي.

Post: #12
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-02-2006, 05:40 PM
Parent: #11

سبحت في جبَ مظلم، بلا قرار. ثم خيم ديجور سديمي على إدراكي.

* * *


-ماذا تقول في الأمراض غير الجرثومية؟
-. . و الحروب الجرثومية؟
-لم تشر إلى معضلة الجراثيم المقاومة للأمراض، بوضوح!
-لم تك أمينا إذ تهربت من سؤال العمر!
-كرا كرندي. . دبا دبندي. . هووه.
-لماذا أغفلت الإشارة إلى التطور العمراني الهائل الذي تم؟
- أنت يا من حرم كل شيئ!
-أنت يا من وهب بعض الأسرار!
-تيلم . . تيلم. تيلم تانيو.
- . . تانيو سقرقر.
- . . سقرقر مصران.
- . . مصران جلبي.
- . . جلبي روروه.
- . . روروه تابا.
- . . تابا شن خرابا.
- . . تابا شن خرابا.
- . . شن خرابا.
- . . شن خرابا..
- .. شن خرا..
- خراء.

* * *

Post: #13
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-02-2006, 04:18 PM
Parent: #12


- لماذا تجعل قلوبنا واجفة لأجلك مدة بهذا الطول؟
فتحت عيني بعد أن أحسست بشخص قريب مني جدا يتلفظ بالسؤال. الصوت منه أنثوي بيد أن الملامح مشوشة.

-الحمد لله، لقد استفاق!
-لابد له أن يفعل، فأمامه الرحلة القدرية بالانتظار.
-أليس له من محيص؟
-أنَى له ذلك!
كان ثمة صوتان رجاليان يدور بينهما الهمس. جلت ببصري في المكان باحثا عنهما. كل شيئ يشرق ببياض أصيل؛ الحيطان، السقف، الباب الذي يكاد لا يبين، المنضدة القريبة، الشكل الثماني الأضلاع للمكان، و الفراش الوثير حيث أرقد. حتى الهواء العليل الذي أتنفسه و يغمرني يشرق، هو الآخر، ببياض غير مرئي. الرجلان الجالسان، الآن، على كرسيين على الجانب المعاكس للذي تجلس عليه الفتاة، توشحا بالبياض الأصيل عينه.

تتفتح مسارب إدراكي أكثر. أرى المرأة جالسة الآن على الميسرة. على يميني يجلس رجل واحد فقط! أحدد فيه النظر لأعرفه. يبتسم في وجهي فقط، و يهز راسه مشيرا إليَ ألاَ أفعل شيئا. تضجرني منه تلك الحركة. أشيح بوجهي إلى ابعد الحيطان؛ الأربعة الأعرض. أجده نظيفا كصفحة طفل وليد. بل كصفحة ذاتي الآن. أنعم فيه النظر. يتلطخ ببقع من الضياء. أستدير إلى الميسرة. أرنو إلى المرأة الصامتة إلا من جمالها. تضيئ بقعة في ذاكرتي الخاوية. أتذكر ملامح المرأة، و لا أعثر لها على اسم في ذلك الخواء! تبتسم المرأة في وجهي فقط، و تهز راسها محرضة إياي على الحديث. تبهجني فعلتها. و لا أجد رغبة في التجاوب معها.

Post: #14
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: حسب ربه
Date: 05-02-2006, 07:21 PM
Parent: #13




لفووووووووووووووووووق

أيها الشفيف...............................




كل الود

Post: #15
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-02-2006, 06:50 AM
Parent: #14

حسب ربه

يا فنانا عظيما أعرفه!
أعلم، يا صديقي، أن إنقطاع أخبارك ما هو إلا لأنك تمشي كثيرا هذه الأيام .. ذلك أن المشي عندك ما هو إلا لصناعة الدروب..
عامر بسأل عنك.. و أيضا معز بيتاوق ليك
عادل و ناجي يقرئونك صادق السلام.
أما أنا فجد سعيد باطلالتك.. و المنافي الأكثر استحالة مهداة لك بشكل خاص و أنت تختار العيش هناك
في البعيد الذي هو خلف السنوات و الاغتراب..

اقعد عافية

بوعسل أبوعسل

Post: #16
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-02-2006, 03:27 PM
Parent: #15

تقوم المرأة من مجلسها. تدنو مني. تنحني مكبة برأسها عليَ. تدني رأسها من رأسي. تمس شفتاها شفتيَ، ثم تعتدل واقفة بنزق مفاجئ. تستدير. ثم تخطو نحو الباب الموصد. تفتحه بحركات كأني أعرفها. يشرق الضياء على ذاكرتي بكاملها. لكن المرأة تمرق بخطى مسرعة. أهم بقول شيئ لا أعرفه.. صوتي يعاندني... بل يخاصمني.

إنها -و لا شك- فتاتي ال" غرب افريقية"، رغم أن بشرتها الآن أكثر اشراقا منها في أي وقت سابق!

أستدير نحو الرجل الجالس على كرسي أبيض، على ميمنتي. أتعرفه على الفور. هو من كان يجاورني في القاعة الفسيحة داخل الهرم الأخضر المقلوب. عجوز إلى حد الهرم. كل شيئ فيه أجعد. حتى الصوت بدا كذلك و هو يتكلم:
-مرحبا بك في "نوق الشط" على ساحل الأطلسي. أنت الآن في وضع صحي أفضل. بل تنعم برعاية استثنائية قياسا إلى ما وجده صاحبك، ذات يوم، حينما أصيب بحمى شتوية.

* * *

Post: #17
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-02-2006, 11:31 PM
Parent: #16


"يحدث كل شيئ عندما يخر صاحبك على الارض، فجأة، من وقفته إلى جوار عدد من صحبه. المكان هو الكلية التي يدرس فيها في الصرح القديم. الوقت صباح تدفئه شمس مازحة بعد إحدى ليالي كانون الثاني. الزمان إحدى السنوات المتأخرة لصاحبك في الصرح. إثر سقوطه ذاك مباشرة يفقد أي وعي بما حوله. تناضل فقط يده اليسرى، و كذلك رجله اليسرى، نضالا يبقى غير مفهوم بالنسبة إلى زملائه. أما مشهد سقوطه فيجعل بعض فتيات الكلية الحاضرات ينتحبن و يذرفن الدمع. يمضي بعض زملائهن إلى طمأنتهن دون أن يجدوا من يطمئنهم هم أنفسهم!

يحملونه إلى عربة صغيرة تؤول إلى أحد أعضاء هيئة التدريس في ذات الكلية. يرقدونه داخلها و يجلس إلى جواره محشورين أربعة منهم. في هذه الأثناء يحضر صاحب العربة، و يشرع في قيادتها، على الفور، متوجها إلى المشفى الرئيسي لثلث المدينة.

زملاؤه، الذين جلسوا إلى جواره، يصمتون في وجوم أثناء سير العربة الذي بدا لا نهائيا. لا يفعلون شيئا سوى وضع أياديهم على اليد و الرجل المتشبثتين بالنضال لمنعهما من ذلك بجل ما أوتوا من قوة.

تصل العربة المشفى. يدخلونه ، على الفور، إلى قسم الحوادث بعد إعفائهم من شراء تذاكر الدخول نظرا لإبرازهم بطاقات تشير إلى انتمائهم الاكاديمي. يصر عضو هيئة التدريس، و لنسمه الدكتور جريا على عادتهم وقتها، على البقاء معهم لتمضية كل الاجراءات و قبلا الاطمئنان على تلميذه المريض. تجد بادرته، تلك، الرضا و الإعزاز من زملاء صاحبك. يكبر الرجل في عيونهم كثيرا.

Post: #18
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: نورالدين عطا السيد
Date: 07-02-2006, 10:01 AM
Parent: #4

عزيزي بوعسل
شكرا علي هذه الواحة الوارفة التي تظلل بها صحاري المنبر.. فأنا دائما اعشق الاتكاءة تحت ظلالها..نرجو الحرص علي(سقيها) دوما كي لا نموت من العطش والهجير!!!.
مع ودي
نورالدين عطا السيد

Post: #19
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-02-2006, 06:46 PM
Parent: #18

المشرق نور
Quote: شكرا علي هذه الواحة الوارفة التي تظلل بها صحاري المنبر.. فأنا دائما اعشق الاتكاءة تحت ظلالها..نرجو الحرص علي(سقيها) دوما كي لا نموت من العطش والهجير!!!.
مع ودي


شرف لي و للنص أن يقال مثل هذا الكلام عنه. و بحول الله إن في العمر بقية ستقرأ الرواية مكتملة. رأيك و بقية الأعزاء لا يزيدها إلا بريقا تستمده، في الأصل، من حيوات لم تعد عبئا على أصحابها. ما زلت آمل في تواصل أكثر.

شقة بعيدة:
ما ناسي ،بس التنسيق هو المؤخرني


بوعسل أبوعسل

Post: #20
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: انور الطيب
Date: 08-02-2006, 08:03 AM
Parent: #19

بوعسل تحياتي ، وبعد أعجبت أيما إعجاب بما تكتب وكم كان جميلا الإهداء المغلف لأبويك

مرورا باخوتك على حسب ظني ، واصل وتجدنا داخل هذه الخيمة الواسعة على الأرائك متتكئين ونحمل معنا بعضا من فناجيل أو فناجين القهوة على حسب موقعك الجغرافي من الفنجان/ الفنجال.

Post: #21
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: tmbis
Date: 08-02-2006, 09:13 AM
Parent: #20

.. صديقي الطيب جدا..
بوعسل .. العسل.
سلام مد الــــروح ..
اعلم يا صديقي أننا ننحدر من سلالة نادرة .. سلالة ( الشعب الارشيفي ).. نحسن وداع موتانــا ونرفع الآذان لصرخة اطفالنا الأولى ..
سلالتنا.. تتمتع باحتفاظها بادق التفاصيل التي يعتبرها بعضهم محض زيادة عدد .. واعلم أن ( مرق ) عنقريب مكسور في زاوية نائية في مكان ما بالبيت يعني حقبة زمنية جميلة لا يمكن تجاوزها ، رسالة صغيرة تحت ( اللحاف ) لها مدلول لكونها قريبة عند متناول اليد بالرغم من فوضوية الفكرة ..
..
ما زلت اذكر أول من أهداني ( علبة ) ألوان من الشمع وانا لم اتجاوز بعد سنة الخامسة .. ما زلت اذكر تفاصيلها وكيف كانت قيمة..
آخر ما وصلني ( مية ) حبه من ( البقس ) منضومة باحكام و ( فل ) مفرهد أخضر اللون ..
نقلتني عباراتك من هناك وحديث ( البقس ) مع ( المرزق ) عاصم ، وكعادتي اكتشف الاشياء الجميلة جدا في الساعات الأخيرة من اليوم ..
شكرا ياصديقي أبو عسل ان حشرتني مع هذه الزمرة من الاصدقاء ..
واستميحك عذرا أن احتفظ بهذا الاهداء .. تحت اللحاف ، قريباً للقلب ، وسيجد من يقاسمه المكان .. اهداء حزين لدكتور ابكر آدم اسماعيل في روايته الطريق إلى المدن المستحيلة ..
شكرا يابوعسل .. والوعد بيناتنا انو نتلاقى وتحياتي لكل ضيوفك الكرام واصدقائي في هذا المكان.
والسماح يا صديقي ان اتيت في آخر الركب احبو..

Post: #23
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-02-2006, 08:02 PM
Parent: #21

الراقي
المعتق بالفن و ناصية الكلام
علاء
أو فلنقل تمبس
أنت ماثل هنا منذ البواكير، إذ ليس هناك ما يمكن أن يقال عنه أنك جئت في أسفل اليوم
و إن شئت فأنت كما الخيل الأصيلة تأتي صافنا في اللفة
ثم تتحكر، ضمن كوكبة أكن لها ما يفوق الاحترام.
ما وجودك الآن إلا تكثيف لحضور سرمدي.
تبوأ هذا النص مكانه الآن بين النجوم بوضعك له تحت اللحاف قريبا من الأضلع، إلى جوار إهداء من
صاحب المدن المستحيلة و أحلام في بلاد الشمس. يقيني أنه عرف يختار من يهدي له. و هأنذا
أتلمس خطاه.
حديثك عن مرق العنقريب بعث وجيعا في القلب بذكريات طالما نفتقدها و يقتلنا
الحنين إليها.. أنت رجل، يا صديقي، يأتي من مستقبل بعيد حاملا معه نثار الماضي الجميل
فلتقم أنى طاب لك المقام و إن ترحلت فبين حجيرات الفؤاد

بوعسل أبوعسل

Post: #22
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-02-2006, 04:54 PM
Parent: #20

أنور الطيب
يا رجلا بعبق الوفاء
وجودك هنا ما هو إلا قبس جديد أعرفه
متابع سردك الوفي عن الحلفايا و أيامك حيث شرعت تكتشف الحياة.
خليك دوما أقرب من الخاطر
أرقد عافية


بوعسل أبوعسل

Post: #24
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-02-2006, 09:27 PM
Parent: #22


يكبر الرجل في عيونهم كثيرا.


بعد زمن قصير تأتي لرؤيته طبيبة شابة. ربما كانت متدربة. تبدو مرتبكة لكنها تطلب منهم عينات من البول و الدم. ليس من مجال لأخذ العينة الأولى، فيكتفون بالثانية. و يأخذونها إلى المعمل.

يقضون وقتا أطول في انتظار نتيجة فحص العينة و صاحبك ما يزال فاقدا لوعيه. تناضل منه فقط اليد و الرجل كشأنهما منذ بدء المحنة. يصر "الدكتور" على البقاء حتى آخر المطاف، على الرغم من إلحاحهم عليه بالذهاب.

أخيرا تتقرر النتيجة ليعيدها أحدهم إلى الطبيبة الشابة ذات الإرتباك الجميل. تكتب لهم مجموعة من الأدوية و المحاليل الوريدية. فوق ذلك تقرر أن يبقى المريض بالمشفى رهن المراقبة.

يهرول اثنان منهم إلى صيدلية المشفى حاملين روشتة الدواء. يفاجآن بأن بعض الدواء غير متوافر بالصيدلية. يلحق بهما "الدكتور". يخرج ثلاثتهم من المشفى إلى صيدلية قريبة يجدون فيها الدواء المنشود، لكن بعد أن يدفع "الدكتور" القيمة كاملة.


يرجعون جذلين إلى حيث مقعد أسمنتي ظل صاحبك ممدا عليه منذ إحضاره إلى المشفى. يجدون أحد الاثنين اللذين كانا قد بقيا منتظرا مع الرجل الغائب عن وعيه. الآخر ذهب يبحث عن سرير شاغر في أحد العنابر لإرقاد صاحبك. يطول انتظارهم له. يصرون ثلاثتهم على "الدكتور" أن يعود أدراجه إلى الجامعة. يعاند. لكنهم يقنعونه بأنه فعل أكثر مما يمليه الواجب و إنهم كفيلون بمجابهة أيما طارئ يمكن أن يستجد. يقتنع الرجل و يتنازل بالذهاب تاركا لهم رقم هاتفه.

Post: #25
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-02-2006, 08:01 PM
Parent: #24

يعود الباحث عن السرير. يرجع مقطب الاسارير. مكفهرها كأنما دهمته حمى مجهولة، هو الآخر، للتو.
- ليس في الجحيم من سرير شاغر، تصوروا!

ينضم إليه اثنان و يمضون جميعا، من جديد، في حملة البحث عن السرير. يلجون العنابر؛ واحدا واحدا. يجيلون البصر في صمت. نعم.. و بخيبة أمل يعيدون اكتشاف أن كل الأسرّة مشغولة بمرضى بائسين. لكن قرارهم يقر على النضال. يتجهون إلى الممرضين المشرفين على العنابر. يلحون عليهم في العثور على السرير المنشود. في كل مرة الجواب واحد.

أخيرا، و في عنبر قصي، يجدون ممرضة بدينة. تنظر إليهم شزرا و ترفع عقيرتها بالصراخ في وجه بعض المرضى. ثم تتمتم بحديث لا يتبينونه. يحزمون أمرهم على خوض المعركة معها. بعد أن تخبرهم ألاّ سرير، هناك، شاغر تطلب منهم أن يبحثوا في مكان آخر. يصرون و يلحفون. تكفهر بدانة وجهها. يداعبها أحدهم بكلمات لطيفة لا تتوقعها. تبتسم برغمها. لكنها تخبرهم، من جديد، بلهجة لينة أن يبحثوا عن سرير في عنبر آخر فالأسرة عندها مشغولة عن آخرها. يداعبها مجددا ذلك الزميل المخاتل بكلام معسول هامس لا يتبين فحواه بقيتهم. تتسع الابتسامة البدينة في وجهها، و تهمس له في رضا بكلمات مترددة لا يتبينونها أيضا. تنتقل عدوى التردد إلى وجه المخاتل، و يغرق في صمت محير.

Post: #26
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-02-2006, 05:32 PM
Parent: #25


ينفصل عن السمينة لينضم إليهم. يرامقونه بتساؤل ملحّ. ثم يقطع على عيونهم تساؤلاتها بأن يقول:
-هناك سرير شاغر، الآن.. لكن ليس تماما!
-إذن ما المشكلة؟ لنأخذ صاحبنا إليه و نرقده على الفور.

يتردد أكثر ثم يجيب:
-هو ليس شاغرا الآن.. و لكنه سيكون كذلك تحت أية لحظة.

إنقسموا بين أن ينتظروا اخلاء السرير و أن يبحثوا عن خيار آخر، بيد أن أحدهم قال:
-لم لا نرقده مجاورا لمن يحتل السرير الآن؟
-أعتقد أننا إذا شرحنا لذلك الرجل أو لذويه سيتفهمون.

أجاب المخاتل:
-ذلك الرجل لا ذوي له. و هو شخصيا لن يمانع على الاطلاق.

نظروا إليه في عتاب. كان قرارهم قد قر على أن يأخذوا صاحبهم ليشاطر آخرا سريره في واحد من أكبر مشافي المدينة الثلاثية.

يتعاونون على حمل صاحبك و وضعه على نقالة صدئة العوارض. يدحرجون النقالة التي تحدث صريرا يتناغم مع حركة نضال يد صاحبك و رجله."

فجأة صمت الهرم. قبل صمته اصطبغ صوته بأسى موحش، سيما عندما نطق بآخر جملة.

Post: #27
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: عاصم الطيب قرشى
Date: 10-02-2006, 06:51 PM
Parent: #26

اسرجت انتباهى وحضورى الى تلافيف خلايا خيالك

اعجبنى التسلق والانزلاق من هرم فكرك وصور جميلة

فى تعاريج كلامك

Post: #29
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-02-2006, 09:20 PM
Parent: #27

عاصم الطيب قرشي
يا أيها المرزوق بحب الخلق و الخلائق
وجودك في هذا المكان له عندي رنين خاص
لأنك مبدع.. لأنك مسكون بالتصوف
و لأنك تؤمن في شفافية بما تفعل

أن يجد ما أكتبه هنا هذا الاهتمام
و المتابعة و الوصف يجعلني آمل
أن يكون اهلا لكل هذا

دم مرزوقا أكثر

بوعسل أبوعسل

Post: #28
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابنوس
Date: 10-02-2006, 06:59 PM
Parent: #26

أبو عسل .

أتابع ..

ولي مداخلة ربما يسعفني الوقت لكتابتها .. فمنذ أن قرأت الرحيل ضد الازمنة الرمادية عرفت إن حرفك سيلامس الاسئلة الكبرى .. وها أنت تفعل .
لي عودة .
ع . الماهري

Post: #30
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-02-2006, 09:57 PM
Parent: #28

عزت الماهري
يا رجلا استبعل كي يدحر صقيع الشمال و مساحات شاسعة تقتل الروح
أسوق إليك تهانيّ هنا بزواجك الميمون و آمل أن تأتيك تلك المرأة
بلسما يداوي جراحات قديمة و تكون، أنت، عونا لها على الحياة في
الشمال.
الباب مشرع إلى اقاصيه لإسهام ثر أترقبه
أما الأسئلة الكبرى فليست سوى الأمان و المحبة و المساواة و الاحترام
و الانتماء للأسرة الانسانيةالتي هي أكبر حتى من دارفور و من السودان
شكرا، أبنوس


بوعسل أبوعسل

Post: #31
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-02-2006, 10:41 AM
Parent: #30



ببطء، تمليه رقدتي و آلام في رأسي، استدرت نحوه. كان مطرقا و هو مواجه لي. شعر رأسه يومض مثل أسلاك رفيعة من فضة نقية. رفع رأسه لينظر إليّ بعينين تكادان تكونان منطفئتين إلا من بريق يباغتهما و يفاجئني. تلك النظرة و ذلك البريق؟ تانك العينان و الانطفاء؟ الحاجبان المقوسان؟ الغضون على الجبين؟ هذه الأشياء مجتمعة، و شيئ آخر لا أصل إليه، أحسه فقط، هذه الأشياء تذكرني بشخص ما.

يفاجئني صوته:
"يدخلون العنبر. تتقدمهم الممرضة البدينة. تقف عند نقطة معينة في منتصف المكان و تشير من بعيد إلى سرير عند الطرف الأبعد. ثم تبتعد بدانتها المتراقصة في تسارع مخل.

بعض المرضى و بعض مرافقيهم يرمقونهم باندهاش، و بحياد ، و بتعاطف. لا يأبهون للنظرات. يصلون إلى السرير. على حافته البعيدة يرقد جسد طويل مغطى بالكامل مفسحا لهم المجال لوضع صاحبهم ليحتل أكثر من نصف المساحة. يرقدونه بحيث تكون يده و رجله المناضلتان إلى الداخل. تستأنف الاثنان كفاحهما، و تضربان الرجل الراقد إلى الجوار. لكنه لا يأتي برد فعل! يغيرون وضع صاحبك. يرقدونه بحيث يكون طرفاه المكافحان إلى الخارج، على الحافة القريبة، و يمسكون بهما مثبتين إياهما جيدا.

الآخر راقد كأنما لا يحس لحراكهم وجودا! كأنما لا يحس لشريكه في السرير نأمة. ربما هو نائم في سبات عميق، أو غارق في غيبوبة طويلة. يهب المخاتل خارجا من العنبر متذرعا بافساح المجال، حتى لا يكون هناك زحام غير مبرر. يقترح على أحد الأربعة أن يرافقه. يخرجان معا. يتجهان إلى حيث المقاعد الأسمنتية. المخاتل في المقدمة. الآخر يتبعه في حيرة و إرهاق، ثم يتساءل فجأة:
-كيف أقنعت البدينة؟

Post: #32
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-02-2006, 04:05 PM
Parent: #31


يبتسم المخاتل كمن ينتظر السؤال و يخشاه. يصمت. يتلفت. يطرق. يرفع رأسه، ثم يشيح بعيدا. يقول بعد تردد:
-هي من أقنع!

يجلس الصمت بينهما. يصيخان إلى جلاله. لكن المخاتل لا يأبه لذلك طويلا:
-علينا أن نمنع زملاءنا من زيارة المشفى لرؤية زميلنا.
-أوافقك الراي، فالرجل في غيبوبة، و يشارك آخرا سريره في سابقة مأساوية. الآخر، نفسه، في غيبوبة. العنبر لا يطاق. هذا الوضع غير انساني البتة.
-ما باليد حيلة.. لكن الفتيات، على وجه الخصوص، يجب ألاّ يأتين!

صمت من جديد. اغتصب ابتسامة مرهقة، باهتة:
-أنت أكثرنا تعقلا. و تحسبا لأي أمر غير متوقع يجب أن نتصارح.

الآخر يستمع فقط. يتضارب عنده الإرهاق ، و الجوع، و الحيرة. يواصل المخاتل:
-الآخر الذي على السرير ميت.. ميت منذ البارحة!
-أتمزح يا رجل؟
-انظر إليّ جيدا! هل أبدو كالمازحين، أو ممثلي الدرجة الثالثة؟"

Post: #33
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-02-2006, 01:57 PM
Parent: #32


إنها واحدة، أيضا، من لحظات صمته المفاجئ. الأن. فورا أتعرفه. إنه العجوز الذي ظل دليلي في ترحالي القدري الطويل. لم لم أفطن إلى صوته و الشفاه المجعدة؟ ألأنه بدا أكبر سنا و أكثر هرما؟ لكن الصوت من الصعب أن يشيخ تماما! أحسّني أقل شعورا بالألم من على رأسي و بقية أجزاء جسدي. لكن الضمادات تكبلني. أرغب في التحرر منها. أرغب أن أقوم من رقدتي و أجلس إلى جوار الهرم و أستمع إليه. أرغب أكثر أن نتمشى معا في الخارج أي كان هذا الخارج. أرغب أن أطرح عليه أسئلتي.

أحس آلامي تتبدد. تتبعثر. تتبخر.

ما من ذرة بقيت منها لتعوقني. الأربطة و الضمادات يخف ضغطها من على أعضائي. يضعف شعوري بها. تتراخى عن جسدي. تتقوض سلطتها إلى الأبد. تصبح مجرد أغطية بيضاء بالإمكان إزاحتها بحركة واحدة. أفعل. أجد الهرم قد وقف منتصبا في مكانه. أقوم حرا من السرير الأبيض. نخطو معا خارجين بلا جلبة.

في الخارج مياه. . مياه مالحة تمتد، بلا انتهاء، أمامي، زرقاء كسماء خفيفة السحب. الأمواج تتلاطم قريبا جدا منا. بيد أني لا أسمع لتلاطمها صوتا. هل حبس البحر صوته في الأصداف؟ يصدمني السؤال من قبل. أتلفت ورائي. أرى المدينة قد أضحت بعيدة، وادعة، تلتمع تحت الشمس. صوت البحر يأتي منها هادئا! و صوت العجوز يبدد بقية الأصوات:

Post: #34
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-02-2006, 12:45 PM
Parent: #33

"قال المخاتل لرفيقه:
-لا تسلني شيئا. لا أعرف سوى أن ذلك الرجل، الذي ترقد جثته إلى جوار صاحبنا الآن، عثر عليه و هو يهذي في أحد أطراف المدينة. أحضر إلى هذا المشفى، و ترك ليحظى بالعناية. وضعوه في سرير. ليس هناك من يدفع عنه تكلفة شيئ. لذا فجثمانه الآن هنا. ليس له حتى من أوراق ثبوتية.
-لكن هل رآه الطبيب حيا؟ أو بعد موته؟ ماذا فعل الأطباء لأجل إنقاذ حياته؟ ماذا فعلت إدارة المشفى؟ ما الذي قامت به تلك الممرضة البدينة؟
-إنها تطالب منذ البارحة بأن يزيحوا الجثة و لا أحد يصغي.
-أليس بمقدور مشفى بأكمله توفير نقالة و عاملي اسعاف لأخذ جثة إلى مشرحة المشفى؟ هل أصبح الانسان مرتخصا إلى هذا الحد حيا و ميتا؟
-سبق و قلت لك، يا أخي، لا تسلني. ما أنا بأعلم منك.

و رجعا إلى العنبر. في رأس الآخر المزيد من التساؤلات التي لا إجابة عليها.. لا قدرة على طرحها.. لا أحد، هناك، يمكنه أن يجيب عليها.

ألفيا صاحبك و قد استفاق من غيبوبته. بالكاد عرفهما. أضحى لسانه ثقيل الحركة و هو يحاول أن يداعبهما ببعض الكلمات، ثم يحتج عليهم بأن يزيلوا عنه محاقن المحاليل الوريدية. رقد مستسلما للقدر.. متكئا على ساقي الموت غير آبه لحضوره الجبار.. أو، في الواقع، غير دار بأن تينك الساقين هما لرجل ميت منذ البارحة. كان الآخران من الزملاء، اللذان بقيا معه، محرجين و مضطربين. بيد أن المخاتل استدعاهما و خرج في رفقتهما. شرح لهما كل شيئ. ثم عاد ثلاثتهم. استقبلهم صاحبك بسؤال فاجأهم:

Post: #35
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-02-2006, 01:59 PM
Parent: #34



-هل أحضرتم ورق اللعب؟

بعد صمت أجابه المخاتل بأن لا. ألح صاحبك على إحضار الورق و لعب دور أو دورين. أصر على الالتزام بألاّ يزعج رفيقه في السرير. شرحوا له أن الورق بعيد، في الداخلية، و أنهم الآن في المشفى. لم يقتنع، بيد أنه استسلم على مضض. بغتة قال:
-عندما يصحو رفيقي في السرير أو يستفيق سوف أطلب منه أن يلاعبني دورا أو دورين.

لم يحر أحدهم جوابا. رامقوا بعضهم في ارتباك. و قال المخاتل:
-يقول الأطباء إنه في غيبوبة قد تطول. و ربما سينقلونه إلى حيث العناية المكثفة.

قال صاحبك:
-لكن، لا أعتقد أنه أحضر معه ورقا للعب.
-وهل لدى المرضى خيار أن يستجلبوا شيئا سيما إذا أحضروا هم أنفسهم في غيبوبة؟

جاء الصمت في غفلة، منهم، أو تآمر. تمدد بينهم كأنما المشفى ملك له. لاذوا بحضنه القاسي. صاحبك تنفر منه الأفكار، تستعصي عليه، بيد أنه ينجح في السيطرة على أغربها؛ لم لا يوقظ شريكه النائم ليتبادل معه الحديث أو يلعب معه الورق؟ ما يحسه من وحشة فشل أصحابه في تبديده. و إذن، فخير ملجأ هو من يحمل هموما مماثلة، و لو لحظيا. شرع في تنفيذ الفكرة. كشف الغطاء عن قدمي شريكه. أصحابه ينظرون إليه في حيرة و توجس. يهم أحدهم بالتدخل، لكنه يتراجع. في هذه الأثناء يربت صاحبك على قدمي شريكه الكبيرتين. لا يجد تجاوبا. ينضو الغطاء أكثر عن الساقين الطويلتين و يواصل محاولة إيقاظ صاحبهما. يفشل. يعود إلى القدمين من جديد. يجدهما باردتين تماما و متخشبتين. ينذهل. ثم يهتف:

Post: #36
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 16-02-2006, 10:11 PM
Parent: #35

-هذا الرجل مات. هيا استدعوا الطبيب!

يتبادلون النظر فيما بينهم في جمود و لا يجترحون حراكا. يقول صاحبك:
-أيذهلكم الموت إلى هذا الحد؟

لكن المخاتل يجيب:
-الذي يعقب الموت هو ما يذهلنا. الذي يسبق الموت هو ما يفجعنا. أما الموت فما هو إلا برزخ بين حياتين.

يحتد صاحبك:
-فلتقموا باستدعاء الطبيب في سرعة!
-ماذا يفعل الطب لرجل ميت منذ البارحة؟
-أتعني ...؟
-بلى. أنت تتوسد قدمي الموت منذ صبيحة اليوم.

قهقه صاحبك و قد عاد، مفجوعا، إلى تمدده المقهور متوسدا قدمي الميت و هو يقول:
وداعا للعب الورق مع رفيق السرير، و مرحبا بالموت."

ما زال البحر يمتد أمامي بلا نهاية مرئية. مياهه ذات زرقة، و ملوحة، و هدير، و زبد. يعلو هدير الأمواج، و يخفت صوت الرجل الهرم إلى حد السكون. ثم يأتي صوته، من جديد، هادئا:

Post: #37
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-02-2006, 06:46 AM
Parent: #36



"ذات مرة جاءت جدة صاحبك، لأبيه، لزيارتهم من مدينة بعيدة. الطفل الصغير، الذي هو صاحبك، و المرأة المسنة توافقا بسرعة كأنما هما صديقان قديمان. منذ صغره نما لدى صاحبك ميله إلى لغة الجسد و تفضيلها، و لذا ما كان يفارق حضن الجدة إذا إتكأت، أو يجلس ملاصقا لها عند جلوسها. الأب شهد ذلك فقال ،مازحا، للصغير:
-هيا، ابتعد عن جوار أمي!

فرد عليه صاحبك ذو الأعوام الثلاثة:
-و لماذا إذن ترقد أنت دائما إلى جوار أمي؟

و سكت الأب."

و سكت العجوز الهرم. صمته استمر يتمرغ في هدير الموج. إلتفتَ إليه لأستحثه على الحديث. لم أره! جاء صوته من البعيد:
-أستميحك العذر يا صاحبي.

رأيت فقط ذا الأجنحة و هو يعدو على صفحة الماء و كأنما الماء بساط من الزرقة يلتمع بإزاء السماء. بياض جناحيه تماوج ما بين الزرقتين.

* * *

Post: #38
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 18-02-2006, 12:58 PM
Parent: #37


عدت متوحدا. أمشي في طريق طويلة مفروشة بأحجار حادة تؤلم باطن قدميَ العاريتين. ريح رطبة، دافئة، تهب عليَ. تنوشني. في مسيري أمضي و يحيطني الخواء. يفيض خواء أشد وحشة و مضاء من دواخلي. يجتاحني مغلفا إياي. و أمضي في مسيري. تفاجئني ريح من الرذاذ الدافئ. تستحيل زخات من مطر أطلسي يبللني حتى أعضائي البعيدة في أغوار جسدي. مع ذلك يفشل في أن يغسل الخواء الذي يغلفني. و في مسيري أمضي.

أتوغل في المدينة الهادئة و قد لفها الظلام، و فارقها صوت البحر الوادع. أدنو من أحد إهرامات الزجاج المقلوبة. ألوانه زاهية جذابة. النوافذ الزجاجية مضاءة بحيث تحمل اسم "فندق أورينت نوق الشط". أدنو أكثر. ألج من الباب الزجاجي الدوار ذي القطرين المتقاطعين. أتجه صوب موظف الاستقبال. يمد لي مفتاحا من البلاتين على هيئة عقربي ساعة متقاطعين، و ورقة خضراء تحمل كتابة بلغة أجهلها. بيد أنني أنجح في قراءة الورقة بلا عناء! و التوقيع، عليها، أعرفه بل أحفظه! إنه توقيع الرجل العجوز عينه. في الورقة يسرد الشيخ الهرم، بعد إعتذاره عن فراقه المفاجئ لي، حادثة عن صاحبي:

"أحيانا كان صاحبك يجالس خاله. بدأ ذلك عندما كان في الخامسة. الخال الشاب كان أصغر أخواله و أكثرهم عطفا و حنانا. جلسا ذات ظهيرة أمام جهاز حاسوب يخص الخال يشاهدان أغنية على أحد الأقراص المدمجة. سأل الخال صاحبك من دون مناسبة:
-ماذا تفعل إذا نصبت رئيسا للبلاد؟
-أحضَر دجاجة مشوية.
-ثم ماذا بعد الدجاجة المشوية ستفعل؟
-بيرقر بالمايونيز.

ضحك الخال، ثم عاد يسأل:
-ماذا ستفعل إذا نصبت وزيرا للمالية؟

سكت الصغير و لم يحر جوابا، فقال الخال:
-ماذا ستفعل إذا جمعت أموال البلاد و وضعت تحت يدك؟
-أسافر إلى أميركا.

ضحك الخال كثيرا يومها. كان يستحضر في إندهاش كيف أن وزير المالية سافر إلى بريطانيا بعد أن جمع جميع العملات من الشعب بدعوى تبديلها بالعملة الجديدة. استحضر نكتة عن الوزير و مستشاره العجوز الموجود أبدا في عاصمة الضباب. المستشار، بحسب النكتة، كان قد أشار على الوزير الجديد أن يجمع العملات ثم سيخبره بالخطوة التي تعقب ذلك لإصلاح حال الإقتصاد في المليون وحدة مربعة.

كان الخال عندما يجلس منفردا أمام جهاز الحاسوب يشغل أقراصا مدمجة تحوي أفلاما إباحية. يحدث هذا، عادة، بعد منتصف الليل."

Post: #39
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-02-2006, 09:59 AM
Parent: #38

طويت الورقة، ثم، بحرص، كورتها. فكرت أن أقذف بها في سلة قريبة. عدلت عن رأيي. وضعتها في جيبي و إرتقيت إلى حيث غرفتي بمصعد شفاف.

فتحت باب الغرفة بمفتاح البلاتين. دخلت. ثم أغلقته بذات المفتاح أيضا. شرعت في خلع ثيابي المبتلة. تعريت تماما، و لم يغادرني دفء الأمطار الأطلسية. أضأت نور الغرفة و ولجت منها إلى الحمام عبر بابه المشرع إلاَ من ستارة شفافة. بعد أن نزلت إلى مغطس الحمام غمرني الماء الدافئ.. الأكثر دفءا في يوهي هذا. غاص جسدي في البانيو لأمكث هناك مستمتعا بالدفء و لسعه لجلدي المبتل و حرقه لأطرافي المتعبة. أسترخي و الخواء يغلف عقلي و يفيض من حولي جاعلا هواء الحمام ثقيلا كثيفا. يمتلئ الحمام بالضباب و بخار الماء الدافئ و رائحة بخور قديم أعرفه. يذهب عقلي في رحيل مجهول.

أحس وجودا، لشخص آخر، معي في الحمام. أشم أنفاسه. أحسه يدلك جسدي. يباغتني ذلك و أستسلم له. أخطو خارجا، مع ذلك، من المغطس. تتابعني الأيدي الدالكة و الأنامل الحانية، و أمعن في استسلامي لها. من بين الضباب و البخار الحار إمتدَ الدلك و الحنو زمنا على جسدي و جلدي. ثم توقف الفعلان. تلفتَ من حولي. لم أجد سوى الضباب و البخار و خواء عقلي. غطست، مجددا، في البانيو ثم خرجت لأقف تحت الدش ذي الماء الأكثر دفءا. يدوم انسكاب الماء على رأسي و كتفيَ و بقية جسدي. تبدأ حرارة الماء في التغير. يقل الدفء بالتدريج حتى تخوم البرودة. يغمرني الصحو و يغادرني الخواء، و أوقف انسكاب الماء. ينقشع، عن الحمام، البخار و الضباب. كما الحرية يصبح الهواء خفيفا.

Post: #40
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-02-2006, 03:11 PM
Parent: #39


أقصد إلى المرآة الممتدة على جدار جانبي. أجدها تمتد منتصبة في مثل قامتي. بخار ناعم الذرات كما الغشاوة يغلفها. أمد يدا أجدها تمسح الغشاوة من على الجزء العلوي من المرآة، فأرى صورة رأسي و وجهي. يفاجئني سواد شعري الأصيل. يفاجئني أكثر غياب التجاعيد عن جبيني الذي بقي عريضا! أمد يدي ذاتها لأجدها تمسح من المرآة جزءا يريني رقبتي و أعلى صدري. أمدها مجددا، و تمسح ما يواجه صدري ،بكامله، و بطني. أجد الصدر يكاد يكون فتيا يغطيه شعر شحيح. سواد الشعر يفاجئني أيضا. أين مضت فضته؟ لا تهمني الإجابة بقدر ما أجد في نفسي رغبة أكيدة في بسط يدي إلى وسط السطح العاكس. تمسح يدي غشاوة البخار فأرى بطني أملس ضامرا. في وسطه، طوليا، يتدلى شريط رفيع من الشعر الأسود ذو نعومة، و قصر، و لون باهت. تشتعل فيَ رغبة عارمة إلى رؤية أسفل بطني. ينتقل الإشتعال إلى يدي فتسارع بدورها إلى مسح بخار الغشاوة المحاذي لعانتي.

أتفاجأ برؤية عري عانتي حليقة إلى قمة النعومة و الإلتماع! تغادرني رغبة الرؤية دفعة واحدة. مكانها تولد رغبة جديدة. أمد يدي الأخرى التي كانت عاطلة.. أمدها إلى رأس مثلث العانة المقلوب. أتحسس ما هناك، و ما تحته. أنحدر بيدي إلى ما هو أسفل. أستخدم يدي الاثنتين في التحسس حتى أخمص قدميَ. أنهي هذه العملية مستعيدا قواي الشاردة و مستمدا، في ذات الآونة، قوى جديدة تحملني على مغادرة الحمام و الولوج إلى فضاء الغرفة.

هرب الضوء من الغرفة تاركا المصباح يومض بضعف لا يبدد العتمة و لكن ينبئ بمثواه! أرى شبحا يخالط العتمة. تتردد أنفاسه. تفوح في المكان و تخالط رائحة البخور القديم. أعرفها تلك الانفاس. أدنو من الشبح. أتلمسه كما يتلمس مشرد الحرية في غابة تحت جنح فجر لن يكتمل سناه.

Post: #41
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 21-02-2006, 09:16 PM
Parent: #40


أبتدئ بالرأس. تتسكع أصابعي على الضفائر الرفيعة، الطويلة، المتناثرة في فوضى أثيرة. تقودني إحداها إلى الحاجب. أتحسسه. أتحسس الحاجب الآخر. أتعرفهما معا. أنتقل إلى تحسس إغماضة العينين. عبر عمود الأنف تنحدر أصابعي لتتحسس جماله. أولج إصبعا، السبابة، في طرف إحدى فتحتي الأنف حيث يتدفق دفء استثنائي. أزيح إصبعي، فقط، لأمتعها بدفء الفتحة الأخرى للأنف الاستثنائي. أخرج الإصبع. أتلمس الشفاه التي تبادر إلى لعبة جديدة؛ تحاول إيلاج الإصبع إلى بعض تجويف الفم، بيد أنها، الإصبع، تشرد إلى النهدين برفقة أخواتها.

الحلمتان المشرئبتان تتصلبان في إباء قاس.. تستعصيان على أصابعي المتوثبة. أنحني، من جذعي، إلى الأمام قليلا. تلفح وجهي الأنفاس. لا آبه لها! أنحني أكثر. بيد أني أميل قليلا إلى اليمين. تقبض شفتاي، فجأة، على الحلمة اليسرى. الشهيق يتعالى زاحما المكان. بشفتيَ أمسَد الحلمة. في لعبة القدر الشبقة هذه يشترك لساني مضفيا بعضا من إمتاع جديد. يتواتر الشهيق فأسمعه و لا أجد أثرا لزفير! أحس يدا؛ يدها تمسد شعر رأسي راسمة دوائر، و من الخلف إلى الأمام لتصنع خطوطا. أفلت الحلمة. أدني وجهي من الحلمة الأخرى. ألامسها بشفتيَ المطبقتين و لا آتي فعلا آخر.

تتوقف اليد التي تمسد رأسي.. أفتح فمي، فجأة، و أقبض على الحلمة بأسناني الأمامية. أعضها عضة خفيفة. تسمع أذناي شهيقا عميقا. أعضها من جديد. تسمع أذناي إمتصاصا جديدا للهواء. أعضها.. أفلتها.. أعضها. يتدخل لساني في اللعبة ممسدا طرف الحلمة، ليتعالى امتصاص الريح و اليد تمسد رأسي بلا انتظام. أكف بلا مقدمات. أنتصب واقفا. أسمع التنفس مضطربا، و غير منتظم، و فواحا. و تزداد العتمة من حولي إحكاما.

Post: #42
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 22-02-2006, 10:22 PM
Parent: #41


أهجم على يدها. أقتادها، منها، إلى السرير الوحيد في المكان. متواجهين إلى جواره نقف معا. تضع يديها على عنقي. تدني وجهها من وجهي. أحيد قليلا لأعانقها. في عناقنا ذاك نقف خارج المعقول و حدود الزمن. يمتد عناقنا دهورا خضراء بيد أنني أنهيها ببطء و أحرر رقبتي من بين يدي المرأة.

تهرب يداي خارج أسوار الزمن لتجوسا خلال جسدها. تتحاشيان ما لامستاه في وقوفنا الأول ذاك. أضع راحة إحداهما، مفرقة الأصابع، على بطنها الأملس. أتحسس انتفاخه الخفيف في الأسفل. يا لجماله! تعثر أصابعي المطمئنة على تجويف سرتها الضحل الصغير. تسال بلا توقع مني:
-ما هذا؟

لا أجد ما أجيب به فأتجاهل الحديث إليها.. بل أتحاشاه. أحرك يدي إلى الاسفل قليلا و أوقفها على مشارف العانة بحسب تقديري. تنحبس من المرأة أنفاسها فأشرك يدي الأخرى في هذا العبث الجاد. ترقص يداي الحرب هناك على مشارف العانة. تتحرر الأنفاس المحبوسة جامحة.. أنفاس المرأة. لا تهبط يداي من مرقصهما، بل ترتحلان إلى الجانبين مبتعدتين. بلا توقع مني، أيضا، تسال:
-ما هذا الذي تفعل؟

أجد ما أجيب به. لكني لا أفعل!



Post: #43
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-02-2006, 04:08 PM
Parent: #42

Quote: أجد ما أجيب به. لكني لا أفعل!


أحرك يديَ، و الأصابع مفرقة، كلا في ميدان إلى الجانبين. أعجب كيف لتنورة من أزمنتي أن تضم حوضا بذا الإتساع! تسافر يداي إلى الخلف في رحيل قلق. هناك، على المرتفع، تستريحان. أنتهز سانحة توقفهما للراحة لكي أتعجب كيف لذلك الشيئ النسوي احتواء عجيزة بكل هذا الحجم! تتنزه الأصابع بتسكع لذيذ، هناك، ثم تتسلق إلى قمة المرتفع عند نقطة إلتقائه بأسفل الظهر. تستقر بتراقص ناعس.. تمارس رقصها؛ أصابعي. أقطع عليها متعتها، و أقصي يديَ.

أجلس على الفراش. إلى جواري، على الفور، تجلس ملصقة جسدها بجسدي: الكتف إلى كتفي، عجيزتها إلى جذعي، فخذها الأيسر إلى فخذي الأيمن، ساقها إلى ساقي ملتفة بها، و قدمها فوق قدمي. أضع يدي اليمنى حول كتفها البعيد؛ الأيمن. أشدها منها عليَ. ما تفتأ أنفاسها تترد، بعلو، في فراغات المكان. أستعيد يدي من مكانها المطمئن ذاك، لأضعها على فخذها الأملس، المستدير. أحرك رؤوس أصابعي، على طول الفخذ، ضاغطا بها بتبادل مموسق مثل عازف يتسلى على أكورديون قديم. هي، تتزحزح مع ضغطات أصابعي الخفيفة. أستوحي لحنا قديما راقصا أجري أصابعي به. هي، تتراقص متجاوبة معه. يهتز جسدها. في طربه النشوان، يهز معه، ما لاصقه من جسدي الناحل. تثير فيَ الاهتزازات أحاسيس أعرفها، و لا أفقد انسجامي مع توقيع اللحن، و أستمر في تحريك أصابعي في عبثها الجديَ.

في لب جسدي، حيث الحيزوم الأوسط، تنبت بذرة لهيب ظل كامنا لسنوات طويلة. ضعيفة تنبت تلك البذرة مثل بادرة خجولة. أمسك برأس المرأة. أديرها ناحيتي. بدورها تقربها مني. أتحسس عينيها.. أجدهما مغمضتين. أتحسس أنفها.. أجده ناضحا بالأنفاس الدافئة. أتحسس شفتيها.. أجدهما منفرجتين. أمس سفلاهما.. أمرر عليها سبابتي. أضغط عليها بخفة بإبهامي و السبابة. بغتة أبعد يديَ، كلتيهما.



Post: #44
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 25-02-2006, 02:08 PM
Parent: #43

Quote: بغتة أبعد يديَ، كلتيهما.


أكر بفمي على الشفتين.. ألتهمهما بشفاهي.. تغادران انتظارهما، و تبادلان شفاهي الفعل. لساني؛ لا يستعصم.. يشارك في جعل تلك اللحظة دهرا من الإشراق يمتد خارج أبعاد الزمن. يندلع اللهيب مزهرا في حيزومي الأوسط. أرفع رجليَ إلى الفراش، دون أن أفلت الشفاه. تفعل المرأة الشيئ ذاته، لنضحي، كلانا، على متن الفراش.

أنأى بجسدي عنها كي أضجع على جنبي الأيمن عند الطرف الأقصى من السرير. تضجع على شقها الأيسر، مواجهة لي، مقتربة مني إلى تخوم الإلتصاق. تمد يدها إلى وجهي. تمرح اليد في أجفاني، و أنفي، و تتردد عند شفتيّ الغليظتين. أرفع يدي اليسرى إلى وسط المرأة. تستقر اليد، المتسلحة بالجرأة و العتمة، هناك عند منخفض الخصر. أهبط بها إلى الأمام لأداعب السرة. أسرع بأصابعي إلى اليسار أكثر. أنذهل.. ثمة غابة.. متكاثفة.. من الشعر.. تتوه فيها أصابعي. بيد أن الزهور في حيزومي الأوسط تذبل. و مع ذلك تواصل أصابعي لذة توهانها المقصود.

يعلو شهيق المرأة. لا آبه. أواصل العبث بأصابعي، فتشهق المرأة بصوت عال. تمد يدا مترددة إلى بطني تتحسسه. تمسده من أعلى إلى أسفل و من اليمين حتى اليسار. في ذلك الرحيل تقترب اليد، مرة إثر أخرى، من عانتي الملساء. تستقر اليد هناك، الآن، في إرتباك بينما تستمر أصابعي في توهانها الذي إنقلب نزهة بعد أن خبرت الغابة. تنزل بيدها قليلا إلى الاسفل، و قريبا من رأس مثلثي المقلوب، و يتعالى الشهيق منها. تغادر أصابعي الغابة قاطعة نزهتها لتمسك بيد المرأة. تتكلم:
-أنت ممثل استثنائي!



Post: #45
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 26-02-2006, 03:29 PM
Parent: #44

Quote: -أنت ممثل استثنائي!



لا أرد بشيئ. فقط أفكر في الغابة. تذبل نبتة اللهيب في حيزومي. لكن المرأة تواصل بهمس يخالط الشهيق و الزفير:
-أريد بطولة أمامك.

تموت النبتة في الحيزوم.. و لكن من أين للغابة أن تحترق؟ تمد يدها إلى رأس المثلث و تقول المرأة:
-بشرط أن يكون فيلما سماويا.

برفق أزيح يدها من هناك، و أظل ممسكا بها. أدنيها من فمي و ألثمها. أسمع صوتا خافتا. أحدسه. أمد يدي إلى شفتيها اللتين انفرجتا لتقولا شيئا. أسكتها بهذه الحركة، لكنها تباغتني بإخراج لسانها و إدخاله ما بين إصبعين من أصابع يدي تلك! تسحب اللسان ثم تخرجه لتمرره ما بين ذات الإصبعين. تكرر هذه الحركة.

تسقط النبتة الذابلة في الحيزوم الأوسط.

ينطلق رنين الهاتف من مكان ما. تبحث يدي الأخرى عنه على غير هدي و لا قبس منير. أجده تحت ردف المرأة الشبقة. أرفعه. تظهر إضاءة خافتة على شاشته الصغيرة جدا.
-نعم، من المتحدث؟
-........
-هو أنا!
-........
-في طريقي إليك.


Post: #46
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ayman haroun
Date: 26-02-2006, 03:46 PM
Parent: #1

المتالق ابوعسل

تحياتى

Quote: إهداء

إلى..
حنان
أباذر
عرفة
منال
أبوطالب
فادية
فدوى
مزدلفة
عبدالله
محمد

و قبلا إلى أبويهم من جديد
أكتب كما السخام الباحث عن تحرر مستحيل


مررت بقصد التحية

لك الود ايمن هارون

Post: #47
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 26-02-2006, 08:13 PM
Parent: #46

أيمن هرون
الرجل المضياف الهميم
شكرا على الود و التحية و المرور..
ليس غريبا أن تتدفق هكذا و أنت الرجل الذي فتح داره ليجمع أولاد دارفور كلهم في تآلف.
و إن أردت أن تمر فهنا حماك و قتما تشاء

ارقد عافية
كل الود

Post: #48
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-02-2006, 04:13 PM
Parent: #47

Quote: -في طريقي إليك.


مددت يدي إلى مفتاح النور و أضأته. عري المرأة كان مذهلا، و كذلك كان عريي بالنسبة لها! أفاقت من ذهولها لتتشبث بي. حركاتها المتوسلة لم تثن عزمي بيد أني راوغتهامغالبا إنذهالي. أمسكت ذقنها ثم قبلتها في فيها ببطء. داعبت أذنيها بأصابعي، ثم بلساني لاعبت حلمتي نهديها. تمددت، بطولها، من جديد على الفراش. أنتهزها سانحة لأقوم إلى خزانة الملابس و أختار قميصا خفيف الزرقة و بنطلون غامقها. أرتديهما على عجل و بلا ملابس داخلية تحتهما. تنهض المرأة لتمد لي قارورة عطر هادئ لا أدري من أين جاءت بها. آخذ منها عدت رشات؛ القارورة. تقبلني المرأة باستطالة و هي ملتصقة بي لتقول:
-لا تتأخر! لا أحد سواك يصلح لدور البطولة.

فتحت الباب، و هبطت إلى بهو استقبال الفندق. توجهت نحو الأشخاص الذين زحموا البهو آنئذ. تمهلت في مسيري في محاولة مني لتخمين من تكون من بين أؤلئك النسوة الكثيرات، المتشابهات. موسيقى هادئة تنبعث من مكان ما كانت تخالط إضائة خافتة لا أرى لها مصدرا. هبت امرأة واقفة من بين جمع من الأشخاص ذوي ملامح غير واضحة. على العكس منهم، و برغم العتمة الخفيفة، كانت ملامحها حادة الوضوح.. هي فتاتي.. بشحمها و لحمها! عانقتني بلا تردد و اقتادتني إلى كرسيين متقابلين في الجزء الأبعد من المكان. جلسنا على تقابل المقعدين.. هي بلا مبالاة مصطنعة.. و أنا بارتياح حاولت لجمه. تجمح عيناها مع حركات يديَ و هزهزة قدمي. تتكلم:
-لأجلك ضربت الموعد.. و لأجلك آتي إليه.



Post: #49
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 28-02-2006, 06:22 AM
Parent: #48

Quote: -لأجلك ضربت الموعد. و لأجلك آتي إليه.


ترسل إليَ، بيدها، قبلة عبر السنتمترات الأربعة التي تفصلنا! تخرج لسانا ذا حمرة قانية لتدنيه من شفتي. تعيده إلى تجويف فمها. أبتسم فتبادلني الابتسام. أخرج لساني في حركة هازئة، مازحة. من جديد تتكلم:
-هذه الليلة ليلتي، و ليست ليلتك.. ليست ليلتنا. إنها مثل وليد وحيد و سط تسع أخوات ماجنات ينتمين إلى جيش للتحرير.

أمر بإصبعي على جانب شاربي. أزفر بتفهم و أعود أمسد شاربي بوثوق من لم تعد له ثقة في شيئ. تجمح عيناها على صدري و ذراعيَ من تحت القميص الأزرق. و تواصل الكلام:
-لأجلك سأرحل.. لأجلك سترحل، ربما. سنرتحل لنفترق و نحلم بالإفتراق، ثم لنحلم باللقيا الممكنة.. أما المستحيل فستدنو ساعته. عندئذ سيؤتى بخنزير كبير و يوقذ. عندها ستدرك أنه مات بلا مطمح في الانبعاث.

تصمت و عيناها تجمحان عند فخذيَ من تحت زرقة البنطلون، فأهز رأسي بلا معنى. أمرر يدي على شعر رأسي من الأمام إلى الخلف. تعجبني خشونة فحمه. أهبط بيدي على خدي و أستمر في مرامقتها. تضع وشاحا وردي اللون على راسها؛ كانت. تحاول إحكامه على وجنتيها، حيث تستقر نظراتي بين جرأة و أخرى. تشيح بعينيها ثم تتكلم:
-أستشعر أن هذه الليلة افعى ضخمة تقرض شعرا أمازيغيا في أدغال الامازون..

لم تكد تتم جملتها و قفزت عليَ منقضة في عنف خرافي! بوغت كلية و انهرت على قفاي و كرسيَ. جثمت فوقي. قبلتني بعنف على شفاهي، ثم صفعتني بدوي. رفعتني و المقعد مجلسة إياي عليه من جديد. رفعت كرسيها و أهوت به على أم رأسي.



Post: #50
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-03-2006, 09:11 PM
Parent: #49

Quote: رفعت كرسيها و أهوت به على أم رأسي.




شعرت كأن فجوة انفتحت تحتي. هويت، و كرسيَ، عليها بلا قرار. دام اندفاعي نحو الأسفل و من حولي رؤوس عديدة بلا أجساد تقهقه في شماتة، و تتهامس فيما بينها! ثم أخيرا ارتطم الكرسي، و جسدي عليه، بارض صلبة. عاد الكرسي يقفز إلى أعلى ثم يرتطم بالأرض البلقع من جديد. في كل مرة يتفتت إدراكي و يتطاير مع ارتطامات الكرسي و قفزاته بينما تتسابق الرؤوس الشامتة إلى ازدراد الفتات في نهم جشع. لا يبقى، في نهاية المطاف، من ادراكي شيئ، فأتحول جسدا بلا رأس يهوي في الفراغ السديمي.

* * *



Post: #51
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-03-2006, 09:16 PM
Parent: #50

(2)

-اصح، يا رجل!

كان هناك من يلمسني على قدمي بعد أن نطق بالعبارة. أفتح عينيَ. أجد حكيما يجلس إلى جواري على السرير. ينظر إليَ، و يقول مبتسما:
-أتقهقه و أنت نائم؟ إنه لأمر عجاب!

أتلفت فأرى الأمير جالسا على سريره المقابل لي. مجاورا له جلس جمبلاط. أقوم من رقدتي و أعانق الأخير بحرارة.
-أين أنت، أيها المغير جلده؟

يضحك و يقول:
-لم يصل بي الأمر حد تغيير جلدي. بل قل إن جلدي عاد إليه لونه الأصيل.

أسأله عن أحواله و عن سير الدراسة معه، فيطمئنني أن كل شيئ بخير. أستأذنه الذهاب إلى الحمام. هناك أغتسل و أغسل عني شظايا النوم. أرجع متيقظا لأحتل مكاني القديم عينه لكن جالسا. يبادرني جمبلاط بسؤال:
-ما هي أخبار مي؟
-من هو الذي يجب أن يسال هذا السؤال؟
-تعلم أنني قد أخبرتك أنك تقتلها عشقا.
-كان محض استنتاج، و ما يزال.

تدخل حكيم ليقول ضاحكا:
-نحن أيضا لاحظنا أنها غارقة في هواك.

قلت باريحية:
-ألتقيها في الكلية، لكن لم أقرا في عينيها ما تقولون. أعتبر سلوكها معي ضربا من الإحترام.
-مهما تحاول أن تنفي يظل هناك شيئ بينكما.
-كلا، لا يوجد. بل أعتقدها و جمبلاط عالقان.

يضحك جمبلاط، و يقول:



Post: #52
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Tumadir
Date: 03-03-2006, 10:48 PM
Parent: #51

ابو عسل

التحية لك وقد اوسعت المكان "ادبا" ...والاسماع عجبا..

تجدنى جد "متلومة" معاك ....

ولعلك اعلم الناس بالحاصل

هنا لاشد من ازرك ..واكون من المعجبين.

محبتى .....

Post: #53
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: bayan
Date: 04-03-2006, 01:20 AM
Parent: #52


Post: #55
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-03-2006, 09:27 AM
Parent: #53

بيان

يا امرأة من وطني تمتشق الشجاعة ترسا تدرأ به عسف المنافي
أقول هذا و في البال ما كتبته اعتذارا للأخت سارة عيسى..

نعم.. نتعلم، و شخصي تحديدا، الكثير منكم هنا.. فلا تنسوا أبدا
أننا نقرا دوما ما تكتبون مستشرفين دروسا نتعشم أن تكون أبدا
بنَاءة..

شكرا على المرور
و دمت

Post: #54
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-03-2006, 08:38 AM
Parent: #52

تماضر الجميلة
ال"ما عادية"
ليس هناك ما يستوجب الاعتذار، يكفي فقط مثل هذا المرور
الذي فعلا"يشد الأزر"..
أما أن تكوني من المعجبين فإنه لشرف كبير.. كبير

المنبر بشكل عام(إلا من شذَ) سعيد بعودتك إلى الكتابة
أعلم تماما أن رحى المنافي تحيلنا لهوتها المفضلة..
و ما تقومين به من عمل هو الانسانية بعينها..
و لا يقدر على العطاء إلا أهله..
عشت

Post: #56
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-03-2006, 11:45 AM
Parent: #54

يضحك جمبلاط، و يقول:
-تعلمون أنني مرتبط. و فوق ذلك لدي، في الجامعة، عدد من الصديقات هي ليست من بينهن. ثم إنك تعلم جيدا، يا صاح، أنني قد أخبرتك أنها ظلت تسالني عنك، دون غيرك، منذ خروجنا من الإعتقال. ذات مرة صارحتني بأنها معجبة بك، و اشترطت ألاَ أخبرك بذلك، و هأنذا، تبرئة لساحتي أمام إتهامك، لا أبر بوعدي لها.
-كل انسان، في هذه الدنيا، حر في أن يحمل تجاهي ما يشاء من العواطف، لكن ليس من حق أحد أبدا فرض تلك العواطف عليَ، أو مضايقتي بها، سواء أكانت محبة أو كرها أو إعجابا أو خلاف ذلك.

تكلم الأمير مغيرا مسار الحديث، و كان يبتسم طوال الوقت:
-ما لنا و للفتيات. ما رأيكم في سياسة القبول الداخلي التي سيتم انتهاجها، عما قريب، في الجامعة؟

قام حكيم ليرمي سعوطا يضعه، عادة، تحت شفته العليا على أحد الجانبين، ثم بصق مرتين أو ثلاث متخلصا من بقاياه. عاد يقول:
-قطعا هو مؤشر على الإنهيار الوشيك للصرح الذي ظل شامخا طوال قرن من الزمان.

حول بصره في وجوهنا على التوالي ليقرأ أثر مقاله على ساعاتنا الداخلية. بيد أن ساعة جمبلاط كانت تعاني عدم المواكبة تماما كساعتي، فتساءل:
-لكن القبول الداخلي لا يعني الإنتقال ما بين الكليات؟ و إلاَ فهو ليس بالأمر المستحدث.

لبثت أتربع على حيرتي، و استطال إنتظاري ان يوضح حكيم أو الأمير الأمر. الأول يبتسم بثقة العارف، أما الأخير فعاد يقول:


Post: #57
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-03-2006, 01:48 PM
Parent: #56

Quote: الأول يبتسم بثقة العارف، أما الأخير فعاد يقول:

-القبول الداخلي هو أن يقبل طلاب في الجامعة بشروط أقل من تلك التي تنطبق على الجميع عدا الشروط المالية التي تكون أعلى.

قلت:
-لكن كيف يتم ذلك و هناك مكتب قبول يوحد بين الطلاب تحت معيار التفوق الأكاديمي كشرط أساسي وحيد للإلتحاق بالجامعة؟

تكلم حكيم هذه المرة:
-في هذه الحالة يتم تقديم الطلبات مباشرة إلى إدارة الجامعة التي تقوم بتحديد الرسوم الدراسية، و يصبح مقدم الطلب طالبا نظاميا ثلي مثلك.

قال جمبلاط بنزق:
-لكن هؤلاء قد يعجزون عن مواكبة المستوى العالي لبقية الطلاب و بالتالي يواجهون حتمية الفشل.
-لن يفشلوا طالما يسددون تلك الرسوم السنوية الضخمة، بالعملة الصعبة.

عقَب الأمير.
قلت من بعده:
-بالتالي، لا محالة، ستهبط إليهم الجامعة حتى يستووا على متنها إلى حين تخرجهم.

ابتسم حكيم بخبث، ثم أضاف:


Post: #58
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-03-2006, 05:07 PM
Parent: #57

Quote: ابتسم حكيم بخبث، ثم أضاف:


-تماما مثل أن تعيش لترى بعضهم يمتطون ظهر رجل ظل يعرف بين الناس بكونه رجل دين تقي.

صمتنا لفترة طويلة عقب جملة حكيم الفاجعة، ثم تكلم الأمير بنبرتي الأسى و التأمل، بلا إختلاط:
-لن أنتظر ذلك اليوم لأتخرج مع هؤلاء. سأظل أسعى، كدأبي، للحصول على تأشيرة دخول إلى إحدى الدول الكبرى، و عندها سأسافر فورا و أترك كل شيئ حتى و لو تبقت لي آخر ورقة من آخر إمتحان يسبق تخرجي.

*....... *....... * ....... *

رحل الأميرإلى إقليمه البعيد دون أن يبدي أسبابا. وقتها كنا في وضعية ليست بالدراسة و ليست بالإجازة، فقد كان أن إنقضت الإمتحانات بشرها الذي يبذ خيرها. كنا ننتظر النتيجة و توابعها، الأصيلة، من إمتحانات الملاحق و البديل. نبدد الوقت ما بين لعب الورق و الاستماع إلى الأغاني. نفضَل، في ذلك، مطربين بينهما شبه و إختلاف. أولهما مطرب عالمي رحل عن الدنيا بعد أن تغنى للحرية في كل مكان و لا سيما قارة هي ليست قارته. مصرعه أحيط بالشائعات و تورط جهاز استخبارات عالمي، بيد أن حياته حفلت بالعجائب. نعم.. تغنى للقارة الكبيرة و لإنسان نصف الكرة الجنوبي أينما كان. رغم أن رحيله حدث منذ أزمنة بعيدة إلا أن ألبوماته مازالت مسيطرة، و صوره على القمصان ما تزال تتربع، بشعره ذي الضفائر الغليظة و لحيته الصغيرة المدببة.


Post: #59
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-03-2006, 05:46 PM
Parent: #58

Quote: رغم أن رحيله حدث منذ أزمنة بعيدة إلا أن ألبوماته مازالت مسيطرة، و صوره على القمصان ما تزال تتربع، بشعره ذي الضفائر الغليظة و لحيته الصغيرة المدببة.


الآخر كان مطربا انسانا من المليون وحدة يقيم خارج البلاد متنقلا ما بين أكثر المنافي استحالة مستولدا لونا من الموسيقى جديدا و شعرا مستحدثا. عرف بين الناس بمعاداة السلطة له حد وضع العقبات في سبيل التحاويل المالية من داخل القطر إليه في المنفى حتى يتداوى من مرض عضال مهلك. ظل يكابد ذلك المرض و يتحف الدنيا بأغنياته الجديدة من منفاه المستحيل. بعض ألبوماته الممنوعة هي الأكثر تفضيلا لدينا.

في الواقع، أعتقد أنني خمنت أحد سببي رحيل الأمير. كان الأمير ثمرة زواج ضابط متقاعد في الجيش و مدرسَة ابتدائية. وقع الطلاق بين الاثنين عندما كان الابن في الثانية من عمره. الأب ظل يمارس الزراعة الآلية بعد تقاعده من الجيش. كان قد عرف بأنه ضابط صارم وصل إلى رتبة الرائد. آنذاك وصوله تلك المرحلة في الجيش كان أمرا مستغربا بالنسبة إلى رجل من إقليمه. فوق ذلك كانت له حظوة و مكانة عند الزعيم الأزلي للحزب الطائفي الأكبر في المليون وحدة.

الأم من أوائل نساء منطقتها حصولا على التعليم. لم تتزوج بعد طلاقها بعكس الأب الذي تزوج و أنجب العديد من البنين و البنات. كرست حياتها لمهنة التعليم و رعاية ابنها الوحيد. أراها بعين الخيال و قد حافظت على جمالها و أنوثتها شأن التي لم يقاربها الرجال مدى عشرين سنة. يبدو أن صديقي ظل يهجس بأمر واحد و هو أن يؤول الجمال المصون إلى أبيه من جديد.


Post: #60
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-03-2006, 09:01 PM
Parent: #59



يبدو أن صديقي ظل يهجس بأمر واحد و هو أن يؤول الجمال المصون إلى أبيه من جديد.

أراه، الآن، و قد قاد فريق الوساطة لدى أبيه و أمه.. الفريق العجيب الذي يتألف من شخص واحد فقط.. هو نفسه؛ صديقي الأمير. الأب لا يمانع في العودة إليها، و هي، من جهة أخرى، تتمنَع على خلفية بيضاء من الرضا لا تغيب على ابن عاش في كنفها عشرين عاما. يصر الأمير على أن يتراجعا، فيرضخ الوالدان. أراهم و قد حددوا يوم الخميس من ذات الأسبوع لعقد القران. و يتم كل شيئ بسرعة، و يعود الرجل إلى المرأة الأنثى، و يرتحل الأمير إلينا عائدا في المدينة الثلاثية.

*.......*.......*.......*

كأنني رأيت هذه اللحظة في زمان ما. لا أدري أكنت نائما أم صاحيا حين رأيتها من قبل، بيد أنني رأيتها.. نفس المجموعة التي تلعب الورق و طريقة جلوسهم.. الأغنية التي تتردد من جهاز التسجيل بنفس شكله القريب و تموضعه على قمة خزانة الملابس. بعد لحظة أو أدنى سيقرع باب الغرفة، حيث كنا جميعا نجلس، ثم ينفتح الباب قبل أن يهب جمبلاط لفتحه. و سيطلق الأخير صراخ دهشة و ترحيب، و سيدخل الأمير حاملا كرتونة محزومة بحبل رفيع.

نعانق الأمير الداخل في فرح و سرور بعد أن ننحي ورق اللعب جانبا. يهرع حكيم إلى فتح الكرتونة، و يطلق صفيرا طويلا. يقول الأمير:
-هيا سارعوا إلى إلتهام ما صنعته أمي!

لكن حكيما يضع كل شيئ جانبا و يضحك:
-نحن في تشوق إلى إلتهام أخبارك منذ مغادرتك غير المسببة.
-الحمد لله.


Post: #61
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-03-2006, 00:07 AM
Parent: #60

-الحمد لله.

نصمت. يقوم الأمير إلى خزانة الملابس ليصف فيها ثيابه، ثم يأخذ بشكورا، و سروالا و جلابية قصيرين و حديثي الصنع، و قطعة ليفة و صابونة، و يمضي إلى الحمام.

يرجع مغتسلا، نظيفا كدأبه. يلتفت إلينا:
-ماذا تنتظرون؟ هذه الأشياء أعدتها أمي لأجلكم خاصة.

يفتح حكيم الكرتونة، و يشرع في إخراج محتوياتها و نشرها على الأرض؛ كعك بالزبيب، سمسم مطحون مع عسل، كركديه ناعم، سكر محزوم في خرقة قماش جديدة.
-باسم الله، نبدأ.
قال الأمير و هو يقضم الكعك بتلذذ. نضحك و نحن نستفسره عن البلد و أحوال أسرته. يجيب باقتضاب و حزن بشأن البلد، و باقتضاب و فرح بشأن عائلته. يفد علينا زملاؤنا من الغرف المجاورة مرحبين بعودة الأمير و مشاركين في تناول مستجلباته، حتى تصبح الكرتونة قاعا صفصفا فيقوم جمبلاط بتنحيتها خارج المكان.



Post: #62
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-03-2006, 01:54 PM
Parent: #61


في المساء، ذي الضوء و الضوضاء، يخرج جمبلاط مزمعا موافاة بعض صديقاته في مبنى الجامعة، و حكيم بقصد القيام بجولة ما، لم يحدد لنا هدفها كعادته. أبقى مع الأمير بحكم ملازمتي اليومية للداخلية و عدم نزولي إلى الجامعة في المساءات.

نتجه، معا، إلى المقصف الوحيد. هناك نتناول عشاءنا، بحكم العادة بالنسبة إليَ و بحكم تجديدها بالنسبة إلى رفيقي.
-لا تعجب، يا ياقوت!
الأعظم من قدر الانسان
هو الانسان

ينشد بعد أن فرغنا من العشاء، و أخذنا نتمشى بين أبنية الداخلية. يعرف عشقي لشعر الفيتوري. أنتظر أن يتكلم:
-عدت من رحلتي بصدمتين.

أظل متحكما بصمت محير يستفزه للمواصلة:
-صدمني أنهما عادا زوجين من بعد عشرين سنة من الطلاق.

يفشل في استصدار صوت مني. كنت مرهقا ضجرا بعد تناول العشاء تجاوبا مع اصراره!

-صدمني أكثر أن أبناء المنطقة إنقسموا مجبرين.
-أهنئك على كونك الرجل الذي زوج أبويه و هو في العقد الثالث من عمره. ربما يعني هذا أنك ستعمر طويلا!

يتوقف، فجأة، عن المشي. يقتادني مشيرا إلى حجر كبير غير منتظم الجوانب:
-لنجلس!


Post: #63
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mohamed Elgadi
Date: 11-03-2006, 02:29 PM
Parent: #52

Quote:ابو عسل

التحية لك وقد اوسعت المكان "ادبا" ...والاسماع عجبا..Unquote

With a permissiom from our Tumadir to use her words....
I follow your news in the Worcerster newspapers... what a great role model you are for third world human rights activists...


Mohamed Elgadi

P.S. I called and could not leave a voice mail in your cell???

Call me, please

Post: #64
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-03-2006, 09:55 AM
Parent: #63

العزيز
محمد القاضي
شكرا على (الاقتباس الدافئ) و الكلمات المشجعة التي أراني أحتاج إلى دهور من العمل الجاد مستفيدا من تجارب كتجربتك و تجربة تماضر و كثير من (السابقين) حتى أصبح أهلا لها.

فعلا في الفترة الماضية هاتفي كان معطلا تماما مما قطعني (قهرا) عن التواصل مع الكثيرين..سأهاتفك اليوم بحول الله على جوالك..
و دمت

Post: #65
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-03-2006, 08:55 PM
Parent: #64

-لنجلس!

نفعل متجاورين بحيث لا يرى أي منا وجه الآخر. هكذا قضى الحجر. كنت قد وطأت طينا لزجا لوث حذائي و التصق به فأخذت أنظفه بعود صغير. لكن صديقي كان مثقل القلب:

"بعد اتمام عقد الزواج ذهبت لزيارة أخت أبي. وجدت ابنها و قد طر شاربه. قارب الرجولة. قبل عام فقط كان يخشى الدخول إلى غرفة مظلمة داخل البيت لوحده. أضحى الآن يتعشى منتصف الليل، في الفناء المظلم للدار، متنكبا بندقية نصف آلية. بعد عدة لقيمات لا تقيم أودا و عبارات لا أفهمها إلا لماما يطلق وابلا من الصليات إلى أعلى و بيد واحدة! لعلعة الرصاص تصك أذنيَ، تجفلني، فيضحك رجل اليوم و يؤكد أنهم سيذيقون المتمردين ثمالات المنون! يقترح عليَ الخروج و التجول في المدينة. أجيبه بأن نعم شريطة أن يخلَف البندقية نصف الآلية وراءه في البيت. يضحك طويلا مثيرا حيرتي، ثم يخبرني أن المدينة لم تعد هي مدينتي التي عرفتها في الماضي، و أننا لن نقدر على أن نبرح شبرا، في جنح الليل، دون سلاح!

أقترح عليه أن نتنازل عن الجولة فيضحك، و يسألني في تباه إن كنت خائفا. لا يهتم لسماع إجابتي. فقط يصر على الخروج. درءا لتهمة الجبن الكبيرة أوافقه على الخروج في جولة لا هدف لها سوى أن يتبختر بسلاحه! أثناء مسيرنا في ظلمات المدينة، التي افتقدت أنارة الشوارع منذ الأبد، اعرف منه،و هو الذي لم يكد يبدأ دراسته في المرحلة الثانوية ،أنه تجند في إحدى فصائل القوات شبه العسكرية التي أنشاتها السلطة بعيد سطوها على مقاليد الحكم في المليون وحدة مربعة. أعرف، من ناحيتي، أكثر أن الهدف من تجنيد أمثاله في مدينتي دون مواربة هو التصدي للمتمردين من أبناء الإقليم الذي تحصنوا في الجبال و الصحارى و الأحراج، و أضحوا منها يشنون حروب خاطفة ضد السلطة.



Post: #66
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 14-03-2006, 10:27 PM
Parent: #65

Quote: أعرف، من ناحيتي، أكثر أن الهدف من تجنيد أمثاله في مدينتي دون مواربة هو التصدي للمتمردين من أبناء الإقليم الذي تحصنوا في الجبال و الصحارى و الأحراج، و أضحوا منها يشنون حروب خاطفة ضد السلطة.


في الصبح الباكر رحلت عائدا إلى البيت. كانت الليلة السابقة هي ليلتي الأولى، في المدينة، التي أبيتها بعيدا عن سرير أمي، منذ صغري."

قطع علي حبال استغراقي بسكوته. كنت قد أكملت تنظيف الطين من على حذائي فلبسته و قمت واقفا.
-لنذهب!

صعدنا إلى الطبقة الثالثة حيث غرفتنا. عمد إلى حقيبته. فنحها. أخرج سروالا بلديا قطنيا على غرار سرواله الجديد. دفع به إليَ.
-هو، إضافة إلى سروالي هذا و الجلابية، من نسج أبي. قام بغزل القطن، أمامي، و نسج الخيوط.

أعلم أنه أهداني إياه حتى أرتديه أثناء مكوثي بالداخلية عوض الshort . هذا هو دأبه؛ الحلول العملية و ليس سفسطة المتأسلمين. لم يكن من عادته انتقاد أحد أو استنكار أفعال الآخرين أو أقوالهم، على الرغم من انتمائه إلى تلك الجماعة الدينية التي ابتدرت عهدها بالتشدد.. تلك الجماعة التي يتسابق منتسبوها إلى "تغيير المنكر" بأيديهم، أو بألسنتهم في الغالب، و " ليس وراء ذلك خردلة من إيمان".


Post: #67
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 15-03-2006, 08:01 PM
Parent: #66

Quote: تلك الجماعة التي يتسابق منتسبوها إلى "تغيير المنكر" بأيديهم، أو بألسنتهم في الغالب، و " ليس وراء ذلك خردلة من إيمان".


خلدنا إلى هجعة مبكرة قليلا.. الأمير خائر القوى جراء سفره الطويل، و أنا بالنظر إلى ما أعانيه من إحباطات متعاظمة. في كل الأحوال دام ثمة تفاهم خاص بيني و بين الأمير حول قدرة النوم الفذة على مداواة الإشكالات الجسدية و النفسية. بالمثل دام التفاهم بيننا بصدد ضرورة التغذية الجيدة في مثل وضعيتنا البائسة تلك، و لا سيما السكريات منبع الطاقة الأصيل!

غدوة اليوم الثاني خرج الأمير أبكر من المعتاد، و كما أزمع، "لزيارة بعض الأقارب، و توصيل بعض السلام و الاخبار و الوصيايا". هكذا أخبرني الليلة البارحة قبل أن نخلد إلى نوم قلق. لم يرجع في ذات النهار أو الليلة. غاب أياما متتالية ليعود نهار يوم شتوي. كنت، لحظتئذ، أقف في إحدى الشرفات و الشمس تغالط الأفق صابغة إياه، برغمه، بحمرة الرماد و البنفسج.. كانت تحتفي بقدوم ليال طويلة. أخبرني، بعد التحايا و السؤال عن الأحوال، أنه لا يحب الأصيل و لا يرى أي جمال في غروب الشمس الحزين. عمد إلى أغراضه( و ما أقلها!) جمعها، ثم رتبها في حقيبة صغيرة. هو دائما قليل المتاع، و الكلام، و الضحك، كأنما على استعداد أزلي لرحيل سيحين فجأة. أخبرني أنه سيسافر إلى مدينة في الأقاصي لحضور زفاف أحد أنسباء أمه، و ربما سيعرج على مدينته قبل أوبته. لمَا ذكرته بالنتيجة الوشيكة للإمتحانات، قال بلا إكتراث أعهده:
-البركة فيكم أنتم.

و فيما كنت أطمئنه بعبارات متفاجئة بأننا سنبعث له بفحواها فور ظهورها استدرك قائلا:
-ربما سأعود بأسرع مما تتوقع.

و رحل.



Post: #68
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-03-2006, 09:18 PM
Parent: #67

و رحل.

*.......*.......*.......*

تدخلت السلطة بسفور و فعلتها! للمرة الثانية نتفاجأ بإقالة مدير الصرح العريق! كان كل شيئ قد رتبت له السلطة بإحكام خبيث إذ أنها في سرعة مدهشة عينت مديرا جديدا لأقدم جامعات البلاد، و أي مدير؟ رجل إشتهر عنه مواقفه البائسة إبان توليه رئاسة نقابة الأطباء لفترة إمتدت بؤسا. و إذن، لم يعد المدير ينتخب من قبل مجلس الأساتذة و هيئة التدريس، بفضل السلطة و عدالتها المستمدة من شرعيتها الثورية. و لََى ذلك الزمن إلى رجعة لا تبدو لها تباشير!

أوساط الطلاب سيطرت عليها تكهنات عديدة حول إقالة المدير السابق، بيد أنها في مجملها كانت تدور حول رفض الرجل لدخول الشرطة إلى الحرم الجامعي.. نعم، هو نفسه عينته السلطة، و كان أن مرر الكثير من قراراتها، و لا سيما تصفية السكن و الإعتياش، بيد أنه رفض أن تدخل الشرطة الصرح لتعسف بمن رامت السلطة و سدنتها الطلاب المكر به! تنبأ حكيم بأن حقبة جديدة قد أرخت سدولها على الحياة الجامعية ناهيك عن سقوط تقاليد الصرح الكبير، و أمن نجمنا السياسي الجديد جمبلاط على كلامه. من جهتي، لم تتبلور لديَ بعد القدرة على استقراء ما وراء الأحداث. في الواقع، لم أتمتع يوما ما بموهبة العراف التي يتميز بها حكيم.



Post: #69
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 18-03-2006, 12:36 PM
Parent: #68


في الواقع، لم أتمتع يوما ما بموهبة العراف التي يتميز بها حكيم.

ثم كان أن اعلنت نتائج الامتحانات في أجواء غريبة! نجحنا؛ جمبلاط و ميادة و انا. أما حكيم فحكم عليه بإعادة سنة دراسية، و الأمير بالجلوس لإمتحان الملحق في مادة واحدة. الجو الذي أعقب إعلان النتيجة أمسى أكثر غرابة و كآبة. أخبرنا جمبلاط أنه بعث إلى الأمير يطلعه على التفاصيل. بيد أننا فقدنا شهيتنا لأشياء كثيرة؛ حكيم يختفي لأيام طويلة جدا، ثم يحضر في فترات أكثر تباعدا ليمكث قليلا جدا معنا. من جهتي أخذت أغرق في النوم طوال النهار و أستسلم للكآبات المسائية. جمبلاط كان يمر عليَ من أن لآخر في فترات صحوي مطالبا إياي بالخروج من "عزلتي المجيدة" و النزول إلى الجامعة لمقابلة "الآخرين". لم ينس، بالطبع، أن يذكرني في كل مرة بأن مي، و هو أحد اسماء ميادة المحببة إلينا، تسال عني كيرا و تبعث إليً بالتحايا و ربما القبلات.

لم ينتشلني من بعض كآباتي سوى تعرف نصر الله بي. دخل عليَ الغرفة، هكذا بلا مقدمات، ذات مساء شتوي أصفر. أخبرني أنه يبحث عن شخص هو أنا! رحبت به قائما من مرقدي لأسلم عليه. لم أكن قد رأيته من قبل، بيد أنه ذكر أنه يدرس في ذات كليتي، لكن في قسم آخر. أضاف، من بعد صمت، مبررا إقتحامه وحدتي أنه قرأ اسمي من على لائحة النتائج، و أنه استنتج انحداري من ذات إقليمه. أجبته بأن بالإمكان معرفة جهات، بل و قبائل الكثيرين، من خلال التمعن في اسمائهم فقط، في بلادنا. لكنه كان محقا على أي حال.


Post: #70
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-03-2006, 10:54 AM
Parent: #69

لكنه كان محقا على أي حال.

غادر حكيم الداخلية ناقلا أغراضه. مع ذلك لم ينقطع عن المجيئ لملاقاتنا في بعض الأحيان؛ في الجامعة يلتقي جمبلاط غالبا في معية حسانه، و في الداخلية يوافيني لنجلس جلسات طويلة. يستأثر بحديثنا موضوع واحد أخذ حكيم يركز عليه كثيرا. بادئ الأمر حسبت أن مرد ذلك إلى إحباطه بسبب نتيجة الامتحان و قرار إعادته السنة الدراسية، لكن إتضح لي أنه كان يسعى في تنفيذ "مشروعه" منذ إلتحاقه بالجامعة. لربما كان سعيه ذاك هو السبب في إهماله أكاديمياته في تلك السنة الوسيطة، و مآله بالتالي.

عند المساءات الكالحة يقفز نصر الله إلى حجرتي. أقول يقفز لأنه في مشيه يشبه ضفدعا مفغور الفيه. لاحظت أنه كان يزورني في الأمسيات فقط متحاشيا بذلك وجود أي من صاحبيَ. في جلساته معي يكثر من الحديث عن السلطة و علاقتها بنا نحن الطلاب، و علاقتها بالشعب ككل و على وجه الخصوص الناس في إقليمنا الذي ينحدر كلانا منه. له قدرة استثنائية على التفكير الممنهج، و تسليس العبارات، و الإختراق المباشر إلى صلب النقطة التي يروم التركيز عليها في حديثه. هكذا لاحظت. بالجملة كنت سعيدا بأن عرض عليَ صداقته.

و أعلنت مواعيد امتحانات الملاحق و البديل و لمَا يظهر الأمير من غيابه. دنا أوانها و هو في غيابه يغرق. أقلقني ذلك فبثثت قلقي جمبلاط. طمأنني بأن صاحبنا يتعامل، كدأبه، مع الأشياء بنضوج و وعي، و أنه سيحضر حتما في التوقيت الذي يناسبه، و ربما-بل من المؤكد- أنه الآن في حالة تحضير مستمر للامتحان سيما و أنها مادة واحدة فقط. لكن شيئا من حتى بقي في نفسي و بخاصة أن حكيما إنقطع فترة عن زيارتي. و زاد الطين بلة أن جمبلاط أخبرني أنه لا يحضر حتى إلى الكلية. رغم صداقتنا الطويلة لم يعط حكيم أيَا منَا رقم هاتف بيته. الأدهى أنه لم يدع أحدا منا لزيارة بيته و أهله و هو الوحيدالذي تقيم عائلته في المدينة الثلاثية من بين مجموعتنا باستثناء ميادة الملاك بلا أجنحة! لم يكن أمامنا مناص من إنتظار أن يجيئ صاحبانا أو أحدهما، على الأقل.


Post: #71
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-03-2006, 09:16 PM
Parent: #70


لم يكن أمامنا مناص من إنتظار أن يجيئ صاحبانا أو أحدهما، على الأقل.

كم أحب نصر الله! إلى اليوم أحدث نفسي بذلك. أما جمبلاط فقد كان منغمسا في إبحاره العدمي في عوالم الفتيات. و صديقي نصر الله كان يلتمس طريقا إلى ذلك الفردوس الأرضي أيضا. أنبأني ذات مساء دافئ أن فتاة من كلية أخرى تروقه، و دعاني إلى الخروج من قوقعتي و النزول إلى الواقع الجميل لرؤيتها و التحدث إليها في الجامعة بصفتي صديقه. تملصت طويلا لكنه ألح بأنه حائر و يريد معرفة رأيي فيها فإضطررت إلى مجاملته، فقد كانت صداقتنا وليدة.

وجدناها بانتظارنا. سلمت عليَ باسمي و بابتسامة عريضة! اقترحت عليهما أن ندخل إلى كافتيريا قريبة تشتهر بجودة عصير الليمون الذي يقدم فيها، فرحبا. أخذنا مجالسنا بعد إحضار الأكواب المترعة. فتاة صديقي كانت من أصر على دفع قيمة المشروب بينما اكتفى هو بمؤازرتها ضد إقتراحي القاضي بأن أفعل أنا. تبادلنا أحاديث عامة بعضها متعلق بالدراسة و الحياة الجامعية و نحن نحسو العصير البارد. لم يكف صديقي لحظة واحدة طوال ذلك عن لكز قدمي بقدمه من تحت الطاولة التي كنا نجلس إليها بمعنى أن أمعن النظر في حبيبته لأقول رايي فيما بعد. رفعت بصري متخيرا لحظة مناسبة لأنظر إليها. لم يصدقني نصر الله القول بوصفه لها بأنها رائعة الجمال! في الواقع، كانت آية في الفتنة!

ثم من بعيد كما الانبثاقات رأيت ميادة الملاك بلا أجنحة. لعلها من رأتني أولا، إذ كانت ترامقني فيما هو أشبه بالحيرة و أنا أجالس آخرا و في معيتنا فتاة جميلة. رفعت يدها بالتحية محركة أصابعها في حركة ظللت أستعذبها منها إلى اليوم و إلى الابد. الآخران لم يرياها بحكم موقعيهما من مجلسنا. استأذنتهما و نهضت واقفا.




Post: #72
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-03-2006, 04:11 PM
Parent: #71


استأذنتهما و نهضت واقفا.

وقفت بانتظاري جانبا. كانت ترنو إليَ دون أن تحول بصرها عني و أنا ماض نحوها. في عينيها تحتشد شتى الأشياء الرائعة و دعة آسرة، و مع ذلك لم أكن لأحتمل نظراتها؛ نظرات ملاك بلا أجنحة. خطواتي كانت مبعثرة و كثيرة و قد استطالت المسافة التي تفصلنا لتبدو بلا نهاية. أخيرا ابتسمت بعذوبة و هي تخطو تجاهي خطوة واحدة لتصافح يدي الممدودة. ما أعذب الود الذي يفيض من راحة يدها و يشع من صوتها و عتابها الجميل الحاني. ببساطة قالت:
-أين أنت؟ اشتقت إليك كثيرا. بعثت بتحايا الكثيرة مع جمبلاط و وصاياي أيضا.

كنت مرتبكا، فقلت:
-نقل إليَ التحايا و لم ينقل الوصايا.
-حسنا فعل، و سيئا فعل.

و إزدحم المكان بصمتنا. هي مطرقة إلى الأرض، أما أنا فأقلب بصري في شتى الأماكن و أسارقها النظر. أضحى الوقوف هكذا عبئا استثقلته فإقترحت أن تأتي للإنضمام إلينا في الكافتيريا. واتتها جرأةـ لا أدري أهي من شيمها أم غير ذلك ـ لتقول إنها يجب أن تلتقيني لمناقشة بعض المسائل و استشارتي بشأنها. أجبت بالإيجاب، بيد أنها طالبتني بتحديد موعد لذلك سيما و أنني، على حد وصفها،
مثل الهلال لا أطل إلا من حيث لا يتوقع أحد. ثم انصرفت في هدوء بعد أن استأذنتني.


Post: #73
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-03-2006, 03:34 PM
Parent: #72

ثم انصرفت في هدوء بعد أن استأذنتني.

كنت أقف، إلى الأبد، هناك مستبصرا التحول الذي طرأ على سمتها. تكور حسنها و نضج جمال روحها. غدا ستغدو ملاكا مجنحا جميل السمت. هل صحيح فعلا ما يقوله جمبلاط و الآخرون عن إفتتانها بي؟ لقد عاصرتني فقط من كثب إبان إعتقالنا العام الفائت. وقتها، و في مجموعتنا نحن الذين إعتقلنا معا، ثمة من يبذني في كل شيئ. الكل كانت له صورة زاهية ملتمعة بالصمود في وجه التعذيب و الإذلال، فلماذا أنا بالذات محل افتتان هذا الملاك؟ منذ تلك اللحظات العصيبة و إلى اليوم أحترمها فوق الممكن و المستحيل معا، ذلك أنها كانت رائعة و سماوية في كل شيئ بدءا بمواجهة اعتساف عناصر الأمن مرورا بهزيمتها لهم وحيدة و انتهاءا بنيلنا تلك الحرية المجزوءة في ذات الليلة. هاهي اليوم أروع جمالا و تشع أنوثة. أعلم أن الملائكة كائنات مقربة جدا من الله، و أنها عندما تحب أحدا فالرب يحبه بلا شك. بيد أنني أتساءل إن كان سيصبح بمقدوري أن أعيش عمرا إلى جوار هذا النور السماوي وأنا الذي جبل على حب الصلصال و الترحال! ليت حبها لي، الذي يزعمه جمبلاط، يستحيل محض احترام!

انتبهت من أبدية ابحاري في ملكوت جمالها و حبها لأعود إلى مجلسي في الكافتريا قبالة نصر الله و حسنائه. الاستغراق باد عليَ، و لم أهتم بملاحظتهما له. في عيونهما تتسابق الأسئلة مع فرق بسيط؛ الفتاة تداري تساؤلاتها بدبلوماسية متواطئة، بينما صاحبي يعلن السؤال البواح:
-مرحى... مرحى! أقدمك إلى الآنسة المحترمة هنا بينما تمضي بعيدا لتكلم فتاتك الجميلة! من هي؟
-زميلة في القسم و إعتقال قديم. ثمة مسائل كانت تود مناقشتها.
-لم ارها قط في الكلية!
-أنت لم تر الله.. بيد أنه موجود.



Post: #74
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-03-2006, 01:16 PM
Parent: #73


-أنت لم تر الله.. بيد أنه موجود.

نجح، إذن، في تحويل غبطتي بلقيا ميادة الملاك إلى نزق شرحته عبارتي الأخيرة. لاحظت ذلك فتاته الحسناء فقالت بدبلوماسية مبهرة:
-أنت، إذن، ولد خطير. قد كان نصري مخدوعا فيك. تصور، قال لي بالحرف الواحد إن لديه صديقا لا يعرف التعامل مع الفتيات، و أن عليَ ملاقاة ذلك الصديق و أن أختار له واحدة من بين صديقاتي.

كنت أستمع إليها بصمت و انتباه، لكنها فجأة سكتت. لربما لكزها نصر الله من تحت الطاولة أيضا! أما بالنسبة إليَ فلم يعد من فارق البتة، فتجاهلت وجوده و قلت للفتاة بجد أجيد إصطناعه:
-أحد الأدباء الفرنسيين ذكر في إحدى رواياته أن الدبلوماسيين هم أكثر الناس إفشاء للأسرار في العالم.*

و انفجرت في ضحك عاصف حقيقي. لكن حقيقة الصمت المسيطر هي من عصفت بجلستنا مقهقهة في تسلط. كَنت فقط أحس أن مؤامرة بين نصر الله و فتاته كانت تحاك في الخفاء. لماذا يقحم نفسه في شؤوني الخاصة؟ هل كونه صديقي يبيح له أن يسبغ علي وصاية عاطفية من أي نوع؟ و أكثر من ذلك أن يشرك فتاته؟ أخذا يتهامسان، فيما بينهما، مستغلين تفكيري الطويل و صمتي. ثم حاولت "الدبلوماسية" أن تجرني إلى حوار أكتع. كان سعيها خائبا منذ دهور. نهضت من مجلسي لأستأذن مزمعا الإنصراف إلى الداخلية. لدهشتي أصر نصر الله على مغادرة فتاته و مصاحبتي متعللا بأن عليها أن تشارك في سمنار ما في كليتها! رافقناها معا إلى هناك، ثم يممنا وجهينا شطر الداخلية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أندريه موروا في رواية" ورد الخريف"


Post: #75
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-03-2006, 02:16 PM
Parent: #74


رافقناها معا إلى هناك، ثم يممنا وجهينا شطر الداخلية.

كنت صامتا طوال الطريق لا أرد على محاولات صاحبي الهبائية جري إلى الحديث، عبر أسئلة متكررة، سوى بردود مقتضبة لا تتعدى "نعم" و "لا". بعد وصولنا إلى الداخلية و إبدال ثيابنا، ألح صاحبي على احتساء كوب شاي رفقتي في أحد الأكشاك الصغيرة المتوزعة بين الداخليات. و إذ كنا نهبط معا من علياء الطبقة الثالثة، و في الدرج، قال فجأة:
-عذرا، كنت أحسبك في عزلة نسوية جبرية، فحاولت الخروج بك من مأزقك.
-..........
-ليس من عادتي الإقدام على أمر ما إلا بعد سبر غوره.
-لكن مسبارك تعطل تماما هذه المرة. لم تفعل حتى تقصَي حقيقة "مأزقي".

تكلمت بإتهام محايد فصمت من جديد. كان يغرق بالشعور بالخطيئة. قلت مبتسما:
-هي تصلح لأن تكون أما لأبنائنا.
-فتاتك؟ بالكاد رأيتها، لكن رايي من رايك.

اتسعت ابتسامتي لأقول:
-أعني فتاتك! أبالكاد رأيتها هي الأخرى؟ أنت لا تصلح لشيئ.

و ضحكنا معا مقوضين صرح مساعداته العاطفية إلى الأبد.


Post: #76
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-03-2006, 07:13 AM
Parent: #75


انقضت امتحانات الملاحق و البديل و لمَا يظهر الأمير من غيابه الغامض. تحققنا أنه لم يأت أبدا إلى الجامعة. أحزنني تخلفه في كل الأحوال سيترتب عليه إعادة السنة بسبب مادة واحدة، و ليس في ذلك عدالة. حكيم نفسه أقلقه غياب صاحبنا و انقطاع أخباره، و شرع من جهته يعاود المجيئ إلى الداخلية لملاقاتي في بياتي المجيد و التردد على جمبلاط في رباطه الأزلي في الكلية. إذن ها هما اثنان من الصحاب سيغردان في مؤخرة السرب، لكن حتما ليس خارجه. سنظل نسكن معا و نتشارك الحدود الدنيا من هموم الجامعة و الحياة، و لاحقا ستتفرق بنا قضايا الوطن و دروب الحياة و عسف المنافي. في الصباحات و النهارات سيمضي كل إلى قاعة محاضراته و معمله لنلتقي ما بين ذلك و بعده لنتشاطر وجبات لا تقيم الأود. هل شكل انبثاق صداقتي الجديدة و نصر الله إيذانا بما حدث و سيحدث أم تعويضا مسبقا عمَا جرى و سيتجري به أقدارنا؟

نزلت إلى الكلية في اليوم الذي واعدت فيه ميادة. التوتر يحيق بي، يكبلني، و لعله كان السبب في تبيكري إلى النزول. هل كنت مغتبطا؟ هل كنت حزينا؟ أم هو الانفعال؟ عليَ ألاَ أسرف في نفخ بالون التوقع ذلك أن انفجاره سيحدث دويا فظيعا. لكن مهلا.. ما هذا؟ كأني رأيت الأمير و هو يمضي مسرعا إلى دخول مكتب مسجل الكلية. انتظرت طويلا عند باب مكتب المسجل لأرى الأمير، أو شبيهه ذاك، يخرج. أخيرا خرج الرجل. كان هو صديقي الأثير. بكل الأشواق سلمت عليه و تعانقنا. ألح على أن يعزمني على كوب من عصير الليمون الشهير. أعرف اتفاقي الضمني معه، وقتها، بعدم قيام علاقات مع الفتيات فضلا عن أن فسحة كبيرة من الزمن كانت تفصلني عن ميعاد ميادة، فتبعته صاغرا إلى الكافتيريا يدفعني التشوق إلى معرفة أخباره و حنين أصيل إلى صديق حميم. ما أكثر ما كنت متلهفا إلى معرفة أين إختفى و ماذا هو فاعل بشأن المادة التي تسربت معها سنة أكاديمية كاملة من حياته.


Post: #77
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 31-03-2006, 05:26 PM
Parent: #76


ما أكثر ما كنت متلهفا إلى معرفة أين إختفى و ماذا هو فاعل بشأن المادة التي تسربت معها سنة أكاديمية كاملة من حياته.

لاحقته بالأسئلة و نحن نحتسي لذاذة العصير. أخبرني أنه كان بصدد السفر إلى أميركا، و قد قام بكل الترتيبات الضرورية لذلك، و أن حساباته ارتكزت على فرضية أن يكون في ذلك البلد منذ حوالى الشهر. و لذا فلم يهتم بالجلوس لذلك الامتحان رغم علمه به. ثم كان ما كان من فشل تدبيره. أخيرا طمأنني بأن عميد الكلية التي يدرس بها جمبلاط يمت له، أي الأمير، بقربى و من الممكن أن يشفع له لدى عميد كليتنا، و بالتالي سيتم السماح له بإعادة امتحان الملحق، و اللحاق بركب الدفعة! كان واثقا و يصر على أن كل شيئ سيتم بمشيئة الخالق.

بعد أن طمأنني أدركت فداحة أن أتغيب عن ميعاد ميادة الملاك الجميل غير المجنح. و أنا أهم بالاستئذان للذهاب للبحث عنها مرت بالجوار و رأتنا معا. تقدمت نحونا و حيَت. كانت تعلم أنه لا يصافح النساء، و إن كن ملائكة بلا أجنحة و جميلة جدا، فإكتفت بمصافحتي. لا أجدني بحاجة إلى ذكر أن يدها كانت تشع بذلك الود و الحنو الرقة التي ننشدها مجتمعة عند أنثى خاصة من بلادي. افترق الأمير عنَا بعد لحظات و توجهت و الفتاة إلى الجادة الرئيسية للصرح الكبير نشدانا لتفيئ أحد مقاعد الأسمنت الشهيرة. لكن المكان مزدحم بوجوه آلفها و شخوص تعرفها الفتاة. اخترنا المضي إلى إحدى أشجار اللبخ الكبيرة، جوار السور القصي، حيث لن يزعجنا أحد و حيث سنصف عاشقين بلا جدال. جلسنا هناك متجاورين لأن كلينا لا قبل له بالجلوس مواجها للآخر.

تفيأنا ظل الشجرة الدوحة. من تحتها العشب المصفر و الأوراق اليابسة و ثمار يعافها الطير تتواطأ، جميعها، مع صمتنا المغتصب و المهيب. أنتظرها أن تشرع في الحديث، و تنتظر مني أن أطلب إليها ذلك! باعث الانتظار، في حالتي، أعرفه و ،في حالتها، أكاد أخمنه.

Post: #78
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-04-2006, 07:52 AM
Parent: #77

باعث الانتظار، في حالتي، أعرفه و ،في حالتها، أكاد أخمنه.

أتكلم لأكسر جدار الصمت.. أتكلم عن نتائج الامتحانات الأخيرة و غرائبها. أسهب في شرح كيف أن عصفت بحكيم، و ربما ستفعل بالأمير. تشترك الفتاة في لعبة الحرب ضد الصمت ذاكرة أن جمبلاط الآن مرتاح كثيرا بعد تحوله إلى كلية أخرى منذ العام الفائت، و أن نتيجته المتميزة هي الشيئ الوحيد الجميل في تلك الأيام. أحقا؟ أذكَرها بأيام الإعتقال و بطولاتنا خلاله، و أعبر عن دهشة أصيلة من أننا جميعا، عدا جمبلاط، لم ننضو تحت أي لواء تنظيمي حتى اللحظة. هذا بالطبع إذا اعتبرنا أن جماعة الأمير هي جماعة دينية خالصة، حسب الإدعاء الأزلي.

و يحاصرنا الصمت من جديد، فأشرد إلى ما تريد، حقيقة، قوله. أعرف الفحوى، و أنتظر مفردات اللغة التي تفسرها. لم عليَ الانتظار؟ لماذا لا يذهب الجبل إلى محمد طالما الأخير لم يبادر بعملية الذهاب؟ أتنحنح.. أشحذ حنجرتي. تتيقظ كل ساعات الفتاة الداخلية أكثر.. أكاد أسمع نبضاتها. أهم بفتح فمي، لكن ماذا أقول؟ بم أبدأ؟ لماذا لم أرتب لما سأقول قبل أن ألاقيها؟ هل أظل على خداع ذاتي بأنني لم أك داريا بمرماها من ضرب الموعد؟

أستجمع شتات اللغة الغائبة، و الشجاعة التي غالبا ما تخون، و أستعير ألفاظا لا أدري لمن تؤول:
-أنت الأجمل.. أنت الأكثر طهرا و سماوية... و الأحب إلى نفسي!

و أهرب بناظريَ إلى البعيد كمن يخشى إفتضاح أمر يخفيه و .. الله. أكتشف أن الألفاظ تؤول إليَ فقط، و أسمعها تقول:
-اعد ما قلت.. فقلبي لم يسمعه.
-.. و إذا تركته لم يزل أعوج.
-عندي أنت الأكثر إحتراما.. و رجولة.. و غموضا. لكن حبي لك يفوق التصوير و النقش على أحجار الذاكرة.


Post: #79
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-04-2006, 09:38 PM
Parent: #78

-عندي أنت الأكثر إحتراما.. و رجولة.. و غموضا. لكن حبي لك يفوق التصوير و النقش على أحجار الذاكرة.

يباغتنا الصمت فاضحا إعترافاتنا تلك.. تلك الإعترافات قررت مصيرا جاهدت للهروب منه و ناضلت هي لإرتياده و إقتحامه و إشهاره. إذن فلنحاول معا أن نرسم اللوحة التالية بكلمات عصية. نعلم أن المحاولة ستؤول إلى الفشل بيد أننا سنتمادى فيها متواطئين مع ذاتينا. نتحدث في كل شيئ إلاَ ما اعترفنا به توا، و نعلم أن دواخلنا تصرخ به، و تفضحه عيوننا و رعشات أطرافنا. أحس أن رفاقها الملائكة يرفرفون بأجنحتهم الشفيفة حولنا ناشرين ضوء الشمس و هبات النسيم و خضرة الكلوروفيل. غدا ستغدو فتاتي ملاكا مجنحا و ستحلق بي في السموات البعيدة العلا.

يطول بنا الجلوس تحت الشجرة الدوحة و لا نحسه. نحس أننا وحدنا متربعين على ناصية الكون و قد سجلنا اعترافاتنا لتشهد عليها السدم و الأنجم و بقية الأجرام السماوية. الشمس التي كانت سباقة إلى الشهادة آذنت بالمغيب و إنتهاء اللقاء الإعتراف فنهب واقفين معا يغلفنا إحساسان مسيطران؛ أولهما الظفر و هو خالص لها، أما الثاني فإحساس الفوز بالجائزة الكبرى، و لا داعي للقول إنه يخصنا معا.

تطلب مني أن اوصلها إلى بوابة الجامعة الرئيسية حيث ستنتظر مجيئ سيارة أمها لتقلها إلى البيت. أفعل، و أودعها. لم تكن بي رغبة في إلتقاء تلك الأم التي أسمع عنها للمرة الأولى.

Post: #80
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 14-04-2006, 04:08 PM
Parent: #79

(3)

هدير ... هدير و أزيز ... هدير و أزيز و صداع ... أصحو ... أفيق. أجدني مقعيا في فراش أشبه ما يكون بمقعد فأستدير ببطء الغشاوة إلى يساري. مقاعد كثيرة تصطف هناك و عليها يجلس أناس بعنوان التباين. أستدير بالبطء عينه ناحية اليمين. مقعد واحد أقرب شبها بفراش يستقر هناك و عليه يجلس شخص ما. أهتم بالنظر إلى النافذة التي على يمينه و عبرها. خلف زجاج النافذة يكمن الفراغ، أو هكذا بدا لي من موقعي و السديم يتمدد داخلي. أغمض عينيَ. أحس حراكا إلى جواري. من على اليمين يأتي .. يأتيني مخترقا السديم كنسيم مستحيل. يستقر يدا على جبيني. أفتح عينيَ، ليعاودني الإدراك ... هي إلى جواري مرتدية فستانا من قطعة واحدة و بكمين ينتهيان عند استدارة الكتفين و يبرزانها. ضيق الفستان يمتد حتى أعلى الركبة حيث ينتهي. أفتح عينيَ أكثر ليعاودني الإدراك. يمكث الإدراك في وعيي فترة أطول، و خارج النافذة أرى زرقة الفراغ. من جديد إلى جواري أنعم النظر في جمال الساقين. القدمان حافيتان باصابع رقيقة و طلاء أظافرها يلتمع بوميض خافت الحمرة. أين ذلك اللهيب الذي يضطرم في الحيزوم الأوسط؟ أتطلع إلى خارج النافذة ربما لأبحث عن اللهيب. فقط ثمة زرقة تتخلل ندفا بيضاء تتعاقب بأحجام متباينة. معها يتعاقب الإدراك و ضده في وعيي. أسترق اللحظات لأنظر في عينيَ المرأة. زرقتهما تهالني. إتساعهما يوحي بالبحر العامر بالشعب و الأصداف و الأعشاب. أغوص في البحر فيدهشني نقاء الزرقة. تدهشني أكثر ضحالتها. لكن البحر عميق كالأفكار المجنونة. تحت الزرقة الضحلة يرقد العسل. يتشبث بي العسل، يحتويني بحنو، يغرقني بعنف، يغتال اللاوعي و اللا إدراك، يحرر بصري. أرى شفتيها مطليتين باللون الأحمر الخافت ذاته. أذاهبة هي إلى حفل تنكري؟ أبحث عن إجابة لسؤال الحيزوم الأوسط و لهيبه و لا أعثر عليها. أجد المرأة تتحسس أعضائي فاعلة تماما مثل أم تتفقد جسد رضيع سقط من مهد عال في غفلة.

تفيض الطمأنينة من نأماتها شلالات. تعانقني و تبكي. أبكي معها و أربت على ظهرها و جيدها. أتحسس ردفيها و وركيها و فخذيها. يكف كلانا عن البكاء. أقول:

Post: #81
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-04-2006, 02:21 PM
Parent: #80

أتحسس ردفيها و وركيها و فخذيها. يكف كلانا عن البكاء. أقول:
-هيا أميطي قناع الزرقة، و أريني أنظر إليك!

تصمت. تتفكر. قبل أن تتكلم يباغتنا صوت نسوي ساحر:
-نقترب الآن من الجزيرة. نرجو لزم أماكنكم، و ربط الأحرزمة.

تحط بنا الطائرة، و أنا غارق في الدهشة. تقتادني المرأة. تمد أوراقا إلى رجل طويل أنيق، فيعبث في الأوراق بصمت ثم يعيدها إليها. تحمل المرأة حقيبتين صغيرتين و تقتادني إلى خارج المطار.

تقلنا مركبة ملساء مصقولة لتزداد دهشتي المنداحة بفعل الجبل الذي على الحافة. على الحافة الأخرى هاوية تضيق و تتسع لكن دائما على حساب الطريق المسفلت بالبياض. تدخل بنا المركبة الملساء مدينة لا تأبه لنا، فتخترقها المركبة لتخرج من عند طرفها الأبعد.

في البعيد تقصد المركبة إلى مبنى متوسط العلو، ربما من طبقتين أو ثلاث بيد أنه حتما ذو علية. جميل ذلك المبنى. نترجل لتقتادني الفتاة. أسلمها زمام نفسي الذي يستقر، في الأساس، تحت أناملها الرقيقة منذ أن تحسست جسدي. ندنو معا من جمال المبنى الذي يحمل لافتة ذات حروف كبيرة لا أهتم لقراءتها، أو لا أقدر. نجد نفسينا في صلب المكان لتستقر حقيبتانا على الأرض المصقولة. تقوم الفتاة بالتحدث إلى رجل خلف طاولة مزخرفة. أتلهى آنئذ بالنظر إلى صورتينا المنعكستين على الأرض المصقولة، و تنهي الفتاة حديثها مع الرجل مقتادة إياي إلى وجهة جديدة في الداخل. تفتح بابا بمفتاح أخذته من الرجل القابع وراء الطاولة المزخرفة. هناك نجد حقيبتينا قد سبقتانا من غير مساس.


Post: #82
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-04-2006, 05:50 AM
Parent: #81


تفتح بابا بمفتاح أخذته من الرجل القابع وراء الطاولة المزخرفة. هناك نجد حقيبتينا قد سبقتانا من غير مساس.

تتجرد الفتاة من ثيابها ثم تعمد إلى خزانة قريبة للملابس تستخرج منها ثيابا للبحر تصفها على الفراش العريض. تدنو مني و هي تبتسم ثم تبدأ في خلع ثيابي عني. تجردني من كل خيط ممكن على جسدي. تعود فتخلع عنها ثيابها الداخلية. هنا أستنشق عرينا المشترك، بيد أن الفتاة تقتادني ممسكة بيدي إلى الحمام. نستحم معا من بين الابتسامات المتبادلة و دعك الأجساد و دلكها. يتحرر جسدي من آلامه و أدرانه، و يتحرر عقلي من الأثقال. للمرة الأولى منذ أن تعرينا معا أنظر إليها متمعنا في جسدها. يغزو اللهيب حيزومي فيرده إلى حضور مغتصب. نفرغ من الاستحمام، فتمسك بيدي و تقتادني إلى الغرفة في صمت. تنظر إليّ ثم تشير إلى الملابس المصفوفة على السرير و تبادر بالسير قاصدة إياها. ترفع ثياب البحر الرجالية و ترمي بها إليّ. تقع الثياب على وجهي ثم تسقط على الأرض المحايدة. أرفعها و أظل ممسكا بها بينما أحملق في المرأة العارية، فتسارع هي إلى إرتداء ثوب البحر خاصتها ذي القطعة الواحدة، ثم تقبل نحوي تعينني على ارتداء سروال ينتهي عند الركبتين. أرفض إرتداء ال T-shirt المخطط بالزرقة و بالبياض، فتمسك بيدي و تقتادني إلى وجهة أجهلها.

نخرج إلى العراء الفسيح الممتد أمام المبنى حيث تنتظر سيارة حبرية الزرقة لا تكاد دواليبها تبين. تجلس إلى المقود و أجلس إلى جوارها في المقعد الآخر الوحيد. تضربني على ركبتي بخفة فأرفع راسي إليها لتغمز لي بعينها اليسرى ثم تبتسم. يعجبني انتظام أسنانها البديع فأبتسم أيضا رغما عني. تدير المحرك ذا الصوت الخافت جدا و تقود السيارة المكشوفة بهدوء، فيهب نسيم البحر مشبعا برذاذ الملح و الزرقة. تنحرف بنا السيارة مع انحراف الطريق المسفلت بالبياض عينه. عند نهاية المنعطف يصدمنا أن البحر قريب. نترجل معا قافزين دون فتح البابين.


Post: #83
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-04-2006, 02:06 AM
Parent: #82

عند نهاية المنعطف يصدمنا أن البحر قريب. نترجل معا قافزين دون فتح البابين.

راكضة أمامي تنطلق المرأة بكل ما أوتيت من سرعة. أرى بياض فخذيها، و قدميها و أركض وراءها على الرمل الناعم، الرطب. أكاد ألحق بها، فتنحرف لتركض بمحاذاة الماء. تطيش ركضتي، فأدخل إلى الماء الضحل ذي الصفحة الهادئة. تتوقف، هي، لتضحك بجلجلة تتردد وحيدة على الساحل. لم يكن ثمة من أحد سوانا. يجتاحني نزق مباغت فأخرج من الماء و أمشي بتمهل صوبها. تتوقف. تنظر إليَ، ثم تركض صوبي مادة يديها. تقترب، و تفتح يديها و ذراعيها على إمتدادهما. عند لحظة تلاقينا تصطدم بي، و عند نقطة إلتقائنا نسقط معا على بياض الرمال، ثم نجلس. يفارقني النزق و ننفجر معا في ضحك صاخب. أضع راحة يدي على فخذها، فتستقر على رمل خشن أزيحه بحركة هادئة. تمد يدها، بدورها، لتزيح عن فخذي الرمل المخشوشن.
-عندما نعود إلى الفندق سأحلق لك ذقنك.

أواصل نفض الرمال عن فخذيها، ثم ساقيها، فقدميها. الآن تمرح راحة يدها عل صدري. بالمقابل تخلل يدي أصابع قدميها الطويلة بهدف إزاحة الرمل السكري، أيضا. بعد فراغي من تنظيف أظافر قدميها من الرمل السكري أشد الأصابع واحدا تلو الآخر لتصدر أصوات فرقعة أستعذبها. تمد يدها بإتجاه شاربي عند طرفه الأيمن. تسترجع يدها قبل مساسها للشارب.
-هناك شعرة تتمرد على شاربك مثل جندي يقود طابورا.
-انزعيها!
-لكني أخاف.
-هيا، افعلي!

ترتجف يدها الممدودة، بيد أنها تمسك بالشعرة ثم تشدها فجأة. تنزعها مثلما تنزع شوكة طويلة. يؤلمني النزع للحظة. تمد إليّ الشعرة الطويلة السوداء، فأقول:
-إحتفظي بها تذكارا لقبلتي هذه!


Post: #84
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-05-2006, 08:41 PM
Parent: #83


-إحتفظي بها تذكارا لقبلتي هذه!

أقبلها. و أقبلها. و أقبلها.. ثم أفلت شفتيها اللتين يتغير لونهما الآن. نقوم من مجلسنا لتلوذ هي بصدري العاري. أحتضنها ثم أبعدها عني، و أظل ممسكا بكتفيها. أمعن النظر في زرقة عينيها. أغوص عميقا في تلك الزرقة، ثم أطفو على السطح بعد أن لفظتني كثافة الأعماق. أحاول الغوص من جديد بيد اني لا اقدر. رهيبة قوة دفع الزرقة. تضايقني تلك الزرقة في عينيها. أتشبث بالأهداب الطويلة و أقول:
-عند عودتنا إلى الفندق سأحلق لك زرقة عينيك.

تضع رأسها على صدري. أحس دفء يدها و تعرقها. في تلك الآونة يهب نسيم من جهة البحر بمذاق عشق مترف و يغلفنا معا. تبتعد قليلا عني و تشير إلى جانب ثوبها البحري. تقول:
-أنظر! يبدو أنه تمزق. لم أفطن إلى ذلك إلا من بعد هبوب النسيم.

أمد يدي إلى حيث تمزق الثوب واضعا إياها على الفرجة التي خلفها التمزق. تجفل من لمس يدي لجسدها هناك. بدوري أحس نارا تستعر حيث لمست. فجأة تتاوه الفتاة و تدنو مني.. لكنني أمسك بها من كتفيها مبقيا على ذات المسافة التي تفصل بيننا.. أهبط بيدي حيث التمزق. أمسك بالثوب من هناك. أمزقه فجأة ليسقط عنها إلى الأرض الرملية. يمتد عريها البديع على طول الساحل، يزحمه.
تتكلم:
-ماذا فعلت بثوبي؟

ثم تركض إلى الماء. تنزل إليه مخفية عريها البديع فيه. ألحق بها، و أغوص معها. من تحت الماء أتحسس جسدها. تحاول الابتعاد فينزلق فخذاها من بين يديّ مثل دولفينين يمرحان. تخرج راسها إلى سطح الماء ثم تسبح مبتعدة نحو حافته. تنتصب واقفة ثم تركض بإتجاه الرمل و إلتماعه. أسارع إلى اللحاق بها. تضحك.. تضحك.. فأضحك. تواصل ركضها تجاه العربة حبرية الزرقة. تقفز إلى مقعد القيادة دون فتح الباب. بمجرد أن احذو حذوها تنطلق المركبة بسرعة صاروخ بدائي.


Post: #85
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-05-2006, 05:45 AM
Parent: #84

تقفز إلى مقعد القيادة دون فتح الباب. بمجرد أن احذو حذوها تنطلق المركبة بسرعة صاروخ بدائي.

نصل إلى الفندق. قبل أن نترجل من العربة تتمنطق المرأة بقطعة بشكور بيضاء. بعدها تمشي مسرعة إلى الداخل. أمضي في إثرها و الماء لا يزال يقطر من جسدي مثلما هو الحال معها. ألحق بها و ندخل معا إلى الغرفة عبر الباب. تستقبلنا رائحة زكية العبق. إنها رائحة دخان.. هو عين البخور القديم. فور إدراكي لذلك أسارع إلى عمق الداخل لأنعم بستر الغرفة و عبق البخور القديم. أسارع ايضا إلى نزع سروال الملح عني.. أسارع إلى نزع الملح عن جسدي قبل أن يكتمل جفافه و يشد جلدي. المرأة في إثري، الآن، و هي تنزع عن وسطها قطعة البشكور و تطوح بها. تدنو مني. تدني صفحة خدها بالذات مني أكثر.
-أنظر، كيف يفعل الملح ببشرتي!

أمسك بكتفيها المستديرتين و أدنيها مني. تستكين. ترفع وجهها ، و تنظر إلى عينيّ، ثم تسبل أهدابها. تنفرج شفتاها. أقرّب وجهي من وجهها. تلفحها أنفاسي فتغمض عينيها و تنفرج شفتاها أكثر. أخرج لساني من مكمنه لأضعه على خدها. تقرصني الملوحة، لكني استعذبها. أمرر لساني على الخد ليغسل رطوبته. في هذه الآونة تحاول المرأة إدارة راسها لتدني لساني من فمها، بيد أن اللسان يهرب إلى وجنتيها و يواصل تسكعه اللاحس فوقهما. تحاول رفع راسها و إدارته تارة يمينا و أخرى يسارا لتدني لساني من فمها لكن اللسان يمعن، كعادته، في الهرب إلى الجبين و الأجفان المسبلة و يمارس اللحس المتسكع. يطوف لساني في ساحات الوجه، الذي أضحى رطبا بدوره، فيما تتعالى أنفاس المرأة. أعيد لساني إلى تجويف فمي، بينما ترفع المرأة ذراعيها و تحيط بهما عنقي. تتخلى يداي عن إمساكهما بكتفيها لتنزلقا مستقرتين عند مضيق الخاصرة الباهي.

أشدها نحوي. ألصقها بي، فتقرب و جهها من وجهي و لا تزال عيناها مغمضتين. أخرج لساني، من جديد، من مكمنه و أضعه على زاوية فمها. تدير راسها بيد أنني أسحب اللسان بسرعة. تدني فمها من فمي فأخرج لساني مجددا و أولجه في زاوية الفم الأخرى. تدير وجهها في سرعة مباغتة فاسحب اللسان ببطء مقصود.


Post: #86
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Tragie Mustafa
Date: 05-05-2006, 07:29 AM
Parent: #85



Dear Abu Asal

I was lucky to meet you in USA

Keep the good work

miss you

Tragi

Post: #87
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-05-2006, 08:04 PM
Parent: #86


المحترمة جدا تراجي
كان مجيئك و الأستاذ صالح محمود المحامي إلى ماساشوستس بالذات و الولايات المتحدة بشكل عام أهم حدث بخصوص المشكل الدارفوري، بما قدمتماه من تنوير و تبصير و إزالة للكثير من الغموض الذي إكتنف المعاناة البروميثيوسية لأهلنا في دارفور الحبيبة. يومها في كلية أمهرست و شخصي يصل متأخرا مع المتألقة أبدا تماضر و اسرتها الصغيرة و يتزامن ذلك مع قدوم الفنان الأصيل خالد كودي و زوجته الانسانة الجميلة المحترمة ندى، و نحن نستمع إليكما إيقنت كم هي عظيمة تلك هي المسؤولية التي ألقاها الدكتور محمد القاضي على كاهلي بترشيحي بديلا محتملا للأستاذ صالح حال عدم تمكنه من الحضور إلى بلاد العم سام. لا اخفيك أن ذلك الاحساس تعاظم بمنح الأستاذ صالح جائزة القانونيين الاميركيين ثم تكريمه من قبل الأديب الأفريقي العالمي وولي سوينكا، ثم بحديثكما في الحدث الكبير بواشنطن.

فاتني أن أجيئ إلى واشنطن و قد كنت عائدا لتوي من شيكاغو من مؤتمر يخص قضايا اللجوء و الهجرة. المهم كنت متعبا حد الموات، و كان يتحتم عليّ شد الرحال إلى واشنطن في حافلة تنطلق من كلية كلارك القريبة إلى حيث أسكن. قهرني الإرهاق، هكذا بكل بساطة، بيد أنني إستمعت إلى تغطية البي بي سي للحدث و مقتطفات من أقوال المتحدثين. كنت بحق سعيدا جدا بكما و بأن جهودنا جميعا من أجل إبراز و إنهاء معاناة أهلنا قد بدأت تجد حظها من الإهتمام.

اليوم و قد وقعت إحدى الحركات إتفاق سلام مع نظام الخرطوم آمل أن يكون ذلك فاتحة سلام و أمن و استقرار و تنمية لأهلي في دارفور الحبيبة، متمنيا في ذات الوقت أن ينعم سوداننا بكل أجزائه بالحرية و التنمية و الحب و إزالة الغبن عن الجميع. نعم.. تظل هذه أمنيات عزيزة، و يبقى تحقيقها رهينا بتنكب جميع السودانيين مسؤولية استشراف غد يمحو عار أيام عديدة من حياتنا.

أفتقد جلوسنا جميعا في بيت محمد القاضي و زوجته الجميلة الحانية الدكتورة ماجدة و أشقائه المحترمين و زوجاتهم الرائعات و تيتة بحنانها الفريد و خالد و ندى و المتألقة ابدا تماضر و أخي عبد العزيز جري. كنتما، أنت و أخي صالح محمود، نجمان فوق العادة. هل تعلمين أنني عرضت على صالح ان أكون أخاه الأكبر؟ ثم كان أن تذاكرت و إياه الشاب الرائع عزت الماهري. تلك قصة أخرى.

مرورك من هنا سيشع طويلا جدا
عشت


Post: #88
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: munswor almophtah
Date: 06-05-2006, 00:57 AM
Parent: #87

أبوعسل
تكتب بكاميرا ذات بعد سادس...تسرى وتعرج فى الزمان والمكان بإنسجام كإنسجام الكواكب فى أفلاك مجراتها...وتجذب إليك بخاصية خارقه من يجلس فى حانتك بخاصية الحلاج الولاج فى عوالم البواطن...بإسهاب متماسك فى مناسك خصور روعة الدهشة ولسعة فراشها لمياثم الإنبهار التى تتناسل أعماقا كلما تم لإختراق لعمق إنداح عمق آخر................................



لا أقول إكتشفت بل أقول كشفت لى الحجب//منصور

Post: #89
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-05-2006, 09:19 AM
Parent: #88


صديقي المنصور
ما كتبته هنا يظل شهادة كبيرة من أديب متعدد الرؤى الأدبية و يحق لي أن اسعد بها كثيرا.
الكتابة هي أحد الهموم ثقيلة الوطء سيما و أنها تعني إحتراق الروح و عذابات يعيها من
يتعاطى هذا الفعل المضني، أعني الكتابة، و لعلك أعلم مني بذلك بكثير. لذلك حينما تأتي
إشادة، مثل خاصتك هذه، من أديب تعني الكثير.. تعني أن علينا أن نمضي قدما في التجربة..
و أن علينا أن نراقب ما نكتب أكثر، و ألأّ نكون متسامحين مع أنفسنا الأمّارة بالكسل.. ثم
يضاف إلى كل ذلك جبروت أن نكتب من المنافي، التي إختارتنا قسرا، و نحن بعيدين عن الوطن،
عن الناس الذين هم ملح الكتابة، و شمس السودان الحارقة و عجاج الفصول.. نكتب فقط من
ذاكرة تتشبث بالرؤى حد الكتابة، مستعينين، دون أن ندري، بالمهاتفات مع الوطن ، و مع
آخرين مثلنا يصطلون بلهب المنافي بالمشافهة.. النتيجة أننا نصطنع لنا أوطانا موازية
و لو إلى حين.

مثلك يا صديقي يملك أن يكشف الحجب لنفسه أنّى رام فأنت المفتاح
عشت أيها الكريم

Post: #90
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد خالد ابونورة
Date: 06-05-2006, 09:27 AM
Parent: #89

ابوعسل

مستمتع بهذا النص حد الذهول

Post: #91
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-05-2006, 06:17 PM
Parent: #90

اخي
أبونورة
أيها الصديق صاحب لندن و نساء أخريات.. أعلم أنك، مثلنا، تفيأت عوالمك المنافي .. لذلك كتبت عن المدن و ستكتب عن النساء أيضا. . ذلك أن المدن التي نحب هي أوطان و النساء اللائي ننشد هن أوطان نلوذ بها من هجير الحياة في المنافي. أما النساء هنا في هذا النص هن شخوص ننفخ فيها من روح التجربة و تهاويم الخيال.

شكرا على المرور الباهي
دم بخير

Post: #92
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-05-2006, 07:13 PM
Parent: #91

تدني فمها من فمي فأخرج لساني مجددا و أولجه في زاوية الفم الأخرى. تدير وجهها في سرعة مباغتة فاسحب اللسان ببطء مقصود.

تزداد يداها إحكاما حول عنقي، فأضمها بقوة إلى أن تصدر عنها آهة. أحار في تفسير فحوى الآهة، و لا أخفف من ضمي لها. تخور قواها.. تتخاذل عني فأرفعها، محافظا على إلتصاقها بجسدي، إلى الفراش ذي الشراشف الوردية.

أرقدها ممدة على الفراش، ثم أحاول أن ابتعد بقصد الذهاب إلى الحمام بيد أنها تتشبث بي. أقف إلى جوار الفراش. أحدق في زرقة عينيها و صفائهما. أتكلم:
-تقف الزرقة حائلا بيننا.
-لكن الملح يوحدنا.
-هو فقط يذيب الشموع ، لكنه لا يغسل الزرقة.
-أغسلني بلسانك، إذن!
-أعياني الترحال، و تعبت من زرقة العيون مغاسلي.

تهب واقفة على الأرض دفعة واحدة. تمشي بدلال يثير عريه اللهيب في حيزومي الأوسط. أنصرف إلى متابعتها ببصري. تستدير يسارا ثم تمشي بذات الدلال. تستدير، من بعد، إلى اليمين و تواصل مشيها الفتّان. تعود بإتجاهي و هي تتدلل. قبل أن تصلني تدور دورة كاملة و تمضي مدبرة في مزيد من الدلال و البطء. و هي في إدبارها تشير بيدها أن تعال، و تقصد إلى الحمام. يشغلني إبحاري في دلالها و إدبارها عن فهم مغزي الإشارة. تتوارى داخل الحمام عبر الباب شبه الشفاف. أستفيق. أنازع نفسي بين أن ألحق بها و ألاّ أفعل. أستحضر أنني كنت أزمع إستباقها إلى الحمام. أتباطأ، لكن صوتها يرتفع برنين يثير أشياء شتّى:
-تعال لتدعك لي ظهري!


Post: #93
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-05-2006, 10:58 AM
Parent: #92


-تعال لتدعك لي ظهري!

ألحق بها مستجيبا. أجد رغوة الصابون كثيفة و هي تغطي جسدها. أدنو منها. توليني ظهرها كي أدعكه. لكني أمسك بها فجأة محتضنا إياها من الخلف. تضحك مستكينة. ثم فجأة تنفلت منزلقة من أحضاني و يعلو ضحكها أكثر. أحاول أن أمسك بها بيد أنها تتفلّت من من بين يديَ من بين ضحكاتها، فأشاركها الضحك بلا مندوحة. ينقطع ضحكها فجأة، و تقول:
-لقد كنت في الطائرة نائما كما الأطفال.
-آه.. لقد فوَت على نفسي فرصة فريدة للإنضمام إلى عضوية نادي الستين ألف قدم.
-أيَ ناد هذا؟

أمسكها محاولا إحتضانها من الخلف من جديد دون أن احفل بالكلام و الرد على سؤالها، بيد أنها تدفعني بعيدا عنها و هي تقول:
-لا تلمسني قبل ان تخبرني أي ناد عنيت!
-إنه نادي العدو على أجمل الدروب في طائرة تحلق على إرتفاع هائل.

تنظر إليَ بعينين تفيضان عسلا و تقول:
-العدو في السموات محكور على الملائكة.

ثم مستدركة:
-و الشياطين.

أين غادرت زرقة عينيها؟ هكذا أتساءل قبل أن اقول موضحا:
-I wish I could have had sex with you
-I've always lusted for you

بعد جملتها هذه أنصرف إلى دعك ظهرها الاملس. هل سارسم عليه خارطة لمستقبلي البشري؟ و بأي ألوان؟


Post: #94
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-05-2006, 09:28 PM
Parent: #93

بعد جملتها هذه أنصرف إلى دعك ظهرها الاملس. هل سارسم عليه خارطة لمستقبلي البشري؟ و بأي ألوان؟

تتثنى تحت لمسات أصابعي، و تصدر عنها آهات متباعدة. أواصل الدعك ثم أديرها لتواجهني. أبدأ بدعك وجنتيها ثم أهبط إلى ذقنها. من بعدُ أدعك نهديها فيشرئبا لي مثل أذني قط متوجس. يتحول الدعك إلى تمسيد، فتتثنى المرأة مع حركات أصابعي كأنما ترقص على أنغام موسيقى خفية. تقف على رؤوس أصابعها من وطأة مداعبتي لحلمتي ثدييها. أغادرهما، فأهبط إلى البطن. تلعب أصابعي لعبتها هناك بيد أنني سرعان ما أهبط بها إلى الغابة المغطاة بالرغوة. تجوس أصابعي خلال الرغوة بين كثافات الغابة. يجتاحني شعور مضاد. أغادرها خارجا من الحمام. تهتف:
-توقف! إلى أين أنت ذاهب؟

لا أحفل لها. أقصد إلى حقيبتي و أخرج منها آلة دقيقة، ثم أعود إلى الحمام. ما زالت حيث غادرتها منذ لحظات. أدير الآلة فتصدر صوتا ناعما، لكن المرأة تقول:
-لم تكمل دعك جسدي، و تعمد إلى حلاقة ذقنك؟
-سأدع لك حلاقة ذقني مثلما إتفقنا.
-و إذن، ماذا أنت فاعل الآن؟
-أجتث الغابة.. لأغرس مكانها ضربا من المحال.

أمسح بظاهر يدي الأخرى الرغوة و أجثو على ركبتيّ. تحدس المرأة رغبتي، فتتكلم بلوعة:
-أرجوك، لا تفعل! اغرس ما شئت، لكن لا تحرق الغابة!

يغزوني الشعور المضاد فأهب واقفا. أفلت الآلة العاطلة. أمسك بكتفي المرأة بقوة. أدنيها مني. تنفرج شفتاها، و تغمض عينيها، بيد أني أنحيها جانبا و أفتح دش الماء البارد إلى أقصى مداه.
-دعني أدعك جسمك!


Post: #95
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-05-2006, 06:17 AM
Parent: #94


-دعني أدعك جسمك!

تتكلم قارنة ذلك بالفعال. أسلم لها جسدي مثل طفل تغسله أمه في صباح بهيّ. تمعن في الدعك، و تحاول جري إلى الحديث معها. أظل واديا للصمت. تدعك الآن صدري . منه تهبط إلى البطن و طياته الرفيعة الضحلة. تولج إصبعها في تجويف السرة، ثم تهبط في سرعة بها إلى مثلث العانة الأملس الحليق. يستمر دعكها هناك بخفة طويلا. في ذات الأثناء تصر محاولتها جري إلي الحديث على إخفاقها. من بين ذلك تمس أناملها، بين آونة و حين، رأس المثلث المقلوب. لا آبه لذلك فحيزومي قد هرب إلى منفى إختياري. تستقر أناملها على رأس المثلث و تدعكه بمثابرة عاشقة لحساب المثلثات.
-هناك ما هو أسفل منه.

أتكلم بنزق، فتهبط يداها إلى ما بين فخذيّ لتلعبا الكرة. من هناك، إلى الفخذين، تهبطان أكثر، ثم إلى الساقين الرفيعتين فالقدمين و الاصابع الرهيفة. تنهي مهمتها، التي انتدبت نفسها لها، بإجادة يحسدها عليها الحكماء المرتزقة.

نخرج من الحمام إلى الغرفة نظيفين كزوج أحذية حديث الصنع. أهم بالإضّجاع على وثارة السرير، بيد أنها تستوقفني بإشارة حادّة. تسارع إلى جلب بشكور ناصع و تعمد إلى تجفيف جسدي به. تفرغ من ذلك و تقف منتظرة أن أرد لها الجميل. بتثاقل آخذ منها البشكور عينه و أمضي إلى تجفيف جسدها البديع. أحرص على تجفيف العانة جيدا. أمضي إلى إشعال المصباح الوحيد في الغرفة، ثم أعود إلى تجفيف العانة. يهالني أن أشجار الغابة مصفرّة. أكوّر البشكور و أطوّح به بعيدا. أرتقي الفراش معتزما أمرا اخفيه، و لا أدري انه سيفضي بي يوما إلى قفص إتهام خفي!

ترتقي الفراش إلى جانبي، ثم تضع رأسها على ذات الجانب حيث أضع راسي على وسادة واطئة، لينة. ازيح رأسي إلى طرف الوسادة حتى تتمكن من وضع راسها جيدا. تزاحمني بجسدها. يلتصق عريها بي. أنظر إلى اعلى حيث السقف الأبيض. يتحرك إلتصاقها ليمس جسدي بحميمية متعاظمة. تمد يدها إلى شاربي لكني أدير راسي بعيدا. تمسك المراة بذقني برفق مديرة راسي ناحيتها. أطاوعها. تنقل يدها إلى شفتيّ الغليظتين و تعبث هناك. أمسكها من معصمها و أزيح اليد بهدوء. أترجل عن الفراش و أمضي إلى جهاز كمبيوتر دقيق الحجم أعبث فيه. أتحدث إليه بصوت خافت، هامس. أظل هكذا طويلا. بالإنتظار تتململ المراة المقعية على السرير، ترقبني. أغلق الجهاز و ارجع إلى الفراش.


Post: #96
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-05-2006, 03:27 PM
Parent: #95


بالإنتظار تتململ المراة المقعية على السرير، ترقبني. أغلق الجهاز و ارجع إلى الفراش.

أضّجع بهدوء على ظهري موليا وجهي شطر السقف الأبيض. تزحف المرأة لتلصق عريها بي. لا آبه لها. لكن جسدها يتوسل، يستجدي إستجابة قررت ألاّ تكون حاضرة. تحاول أن تستدرجني إلى حديث لا أرد عليه سوى بكلمات نفي أو إيجاب مقتضبة، بيد أن المرأة لا تبتئس. تستميت في محاولتها جر جسدي إلى التجاوب مع عري جسدها البديع. تفعل به الكثير الخطير. و يظل حيزومي الأوسط في غيابه الإختياري منفيا منذ أن إجتاحني الإحساس المضاد.

تكف المرأة عن محاولاتها تلك، و أظل متيقظا. ما كان يقيني بأنها لن تستيئس ليفارقني قط. أحس أن معرفتي بالنساء هي الخبرة الوحيدة التي إنتقلت معي كاملة من حياتي القديمة. و هاهي المرأة تقوم من مرقدها لتفعل ما أدهشني. ترتقيني في رقدتي و تتمدد عليّ بكامل عريها. على قفاها ترقد فوقي و تقول:
-سأروي لك حكاية.

لا أرد بشيئ و إن ما زلت بانتظار أن أستمع.
-أنت رجل ينتمي إلى عوالم من الإدهاش.

ثم تصمت. تظل في تمددها فوقي و تهمس لنفسها بحديث مبهم. صقيع المنفي يستحكم حول حيزومي الأوسط. هكذا قررت، مثل ديكتاتور عتيد، أن افعل به، و لم تكن لي من مندوحة. تقفز المرأة من تمددها فوقي إلى جواري و هي تقول:
-انتهت اللعبة-الدرس.

ترقد على الفراش مستديرة ناحية الحائط القريب منها و توليني ظهرها الأملس. أتسال :هل سيتاح لي أن ارسم لمستقبلها معي لوحة عليه؟ تصدر عن المراة آهات مكتومة. أعرفها تلك الآهات، و أدرك أنها مفتعلة، فأظل راقدا على قفاي في سكون. تتناقص حركاتها بالتدريج، و تخفت منها الآهات. لكن يقظتي تظل محتلة ذات الفضاءات.


Post: #97
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد خالد ابونورة
Date: 09-05-2006, 03:34 PM
Parent: #96

ابو عسل

ويحك يا هذا

الى اين تقودنا يا هذا

Post: #98
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-05-2006, 05:41 AM
Parent: #97

نهارات بطعم المنارات.. لك يا ابا نورة.
ما أعرفه هو أن الراوي ذكر أنه سيجترح فعلا سيفضي به إلى قفص إتهام غير مرئي.
أما أنت، يا صديقي، فسوف لن أقودك إلاّ إلى حيث تستحيل دهشتك وجهة نظر أحترمها أيا تكون.

كما البهاء كان مرورك جميلا
بوعسل أبوعسل

Post: #99
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-05-2006, 07:32 PM
Parent: #98

تتناقص حركاتها بالتدريج، و تخفت منها الآهات. لكن يقظتي تظل محتلة ذات الفضاءات.

تكف المرأة عن الحراك، فأترجل عن الفراش. أعمد إلى جهاز الكمبيوتر. أعبث فيه بأصابعي، أهمس له بحديث خافت. أظل أمامه لفترة تحتل الغرفة حتى الفراش. تتعب عيوني من التحديق في شاشته، فأعود إلى إرتقاء فراشي إلى جوار المرأة. أتحرك في إطَضجاعي لأمس المرأة عن قصد و بخفة حاذقة. لكنها لا تحس وجودي فقد ذهبت أنوثتها في سبات أصيل. أتحقق من سباتها بمسها من جديد في إحدى حلمتي نهديها. لكنها أرسلت أنوثتها إلى قعر جب سحيق.

أقوم من مكاني. أمضي إلى الحمام. آخذ الآلة الدقيقة. أضبطها على سرعة دنيا، و أعود إلى الحجرة. أضّجع على الفراش من جديد، إلى جوار المرأة النائمة، بجلبة صغيرة مقصودة. البئر الذي إبتلع حضور المرأة و أنوثتها عميق، و قديم. أتلمس جسدها بخفة في كل عضو منها. تتململ و لا تصحو، فألتصق بها. تُصدر آهات متقطعة، مكتومة، غير مفتعلة! تتمتم بأشياء لا أفهم منها سوى أنها لن تصحو بفعل كبير. أضع يدي على أسفل بطنها الأملس، فتتململ. لا اقصي يدي، بل أبقيها ساكنة هناك.

يهمد حراك المرأة من جديد. فتنزلق يدي أكثر إلى الأسفل لتستقر على الغابة. لا تحير المرأة النائمة حراكا. تجوس أصابعي في الغابة. الشتاء دائم هناك و الأوراق مصفرة. أقرّب الآلة. أشعلها. تقطع أشجار الغابة على مراحل. هل ستنبت مكانها - تلك الاشجار- عشيرة جديدة أم أن جذورها ضاربة في البعيد؟ تتأوّه، بطريقتها التي إكتشفتها في تلك الليلة، ثم تتمتم:


-Honey, are you mad at me

Post: #100
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 15-05-2006, 07:19 PM
Parent: #99


-Honey, are you mad at me

أعصم يدي عن حراكها، و لا أقصيها، فيعود صحو المرأة إلى غوصه في الجب القديم. أمّا الآلة فتعاود إجتثاث الأشجار. لا تغادر كبيرة و لا صغيرة إلاّ حصدتها.. كذلك تفعل بالمثمرة.. ثم تتبعها بالمزهرة..فالفارعة.. ثم القصيرة. تترك الآلة الأرض الآن بلقعا تعدو عليها أصابعي منزلقة على إلتماعها. يبهجني الإلتماع. ينبعث حيزومي الأوسط جبارا من منافيه ليشاطرني الإحتفال. يغزوني بعنفوان واثقن و تزداد وطأة أعضائي التي تلامس جسد المرأة السابحة في الملكوت. ينداح اللهيب برقا، من الحيزوم، إلى الجلد فيلهبه، بيد أن الأعضاء المتاخمة للمرأة تبقى هي الأكثر إضطراما.

تستفيق المرأة أو هكذا يبدو لي في فوضى الرغبات. أحملق في عينيها فتنظر إليّ في غرابة و إستغراب، ليزداد إلتصاقي بها. تتكلم:
-لا مناص للأزمنة من تلاق.

أنظر إليها في صمت متململ نزق. أتهيأ، برغم حيزومي، لمزيد من الاستماع:
-زمانك يعدو مثل أحصنة البخار.

تصمت. يستقر النزق في نظراتي الداعية إلى المواصلة، فتمضي المرأة:
-أما زماني فيحبو.

لا يغادرني نزقي قط، لكنه يرتحل من نظراتي إلى حيزومي الأوسط. أما المرأة فتمعن في ليل النبوءات:


Post: #101
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 16-05-2006, 06:04 PM
Parent: #100

لا يغادرني نزقي قط، لكنه يرتحل من نظراتي إلى حيزومي الأوسط. أما المرأة فتمعن في ليل النبوءات:

-سيكون تلاقي الأزمنة موعدا لجسدينا.
-أليسا متوازيين؟.. أعني ...
-تعني زمانينا؟ .. كلا!
-إذن حتما سيتقاطعان.
-كلا!.. سيقطعان الفراغ إلى حيث اللحظة التي تبحث عنها عندي و لا تجدها الآن. ستتحقق تلك اللحظة حتما، و عندئذ يتعين عليك إقتناصها و عدم إهدارها. إن تهدرها تضيّع رحيلك ، و استدارة الزمن. و لسوف لن تغفر لنفسك غفلتها.

تسكت هي، لأغادر أنا الفراش. أضع الآلة في الحقيبة، و أخرج سروالا من القطن و قميصا بلا ياقة أو أكمام. أرتديهما بتمهل حائر ريثما أحوز فضاءات للتفكّر. أعود إلى الفراش، بيد أن المرأة السابحة في ملكوت عريها البديع تضع رأسها إلى جوار قدميّ. نمضي معا في سبات مطمئن مثل ملك و ملكة على ورقة لعب صقيلة.

Post: #102
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-05-2006, 03:29 PM
Parent: #101

نمضي معا في سبات مطمئن مثل ملك و ملكة على ورقة لعب صقيلة.

.......*...........*............*............*...

تدنو مني عشر نساء مشعثات الرؤوس، جميلات الاجساد كما النيريدات. يشبهن امرأة أعرفها. يبتسمن لي. تبدو لهن نواجذ و أنياب كأنياب أفيال بحرية. يضحكن و يصفقن بأيديهن. تنشد إحداهن:
- شلاّرة و بلاّرة.. و عمتك العجوز السحّارة.

يهجمن عليّ بوحشية، فتواصل المنشدة:
-دجاجة تقاقي بين السواقي.

ترفع كل واحدة منهن قدما إلى أعلى، ثم تمسك بمشط القدم المرفوعة بإحدى يديها. من بين فخذي المغنية تسيل نار زرقاء بأوار مزعج. يؤلمني وهج النيران فأسارع إلى الهرب. أعدو لكن أنياب النسوة تعرقل عدوي و أقع متدحرجا. أنهض. فيحطن بي راسمات دائرة منقوصة عند المنشدة التي تواصل:
-زي. . يا زي. . حنجور الجدي.

يرتفع منهن زئير و تعلو زمجرة ثم تتضخم أنيابهن الفيلية. ترتد النار إليهن و تلتهم ثيابهن الضيقة المزركشة. ينتصبن عاريات كما الأكاذيب القبيحة. يرقصن و يتحول إنشاد المغنية إلى عويل طويل مؤلم. أضحك. أضحك إلى تخوم القهقهة.

.......*...........*............*............*...


Post: #103
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 18-05-2006, 04:26 PM
Parent: #102

(4)

صوت ما يأتي من البعيد. . صوت رنين. . رنين مموسق، يوقظني. أدرك بعد سكون و تفكّر أنه يأتي من هاتفي الضوئي. تبحث يدي عنه. تصطدم به. تمسك به في حيدة. أرفعه و أتكلم.

أرتدي ثيابي، ثم أهبط بمصعد شفاف. في رأسي تساؤلات تنوشني، و لا تعصف بي. ما الذي جاء به إلى مقابلتي؟ لماذا أتسرع في طرح الأسئلة بينما الإجابة على بعد أمتار قليلة أسفل مني، بالإنتظار؟ أكف ّ عن قدح فكري ريثما يصل المصعد بسلام إلى ما خلته الأرض. أمضي إلى ركن الإستقبال، فيستقبلني الموظف الأنيق، من خلف طاولته ذات الألوان المريحة، مبتسما في حياد. يشير إلى حيث جلس اثنان بملابس غاية في الأناقة. كانت ملابس مدنية، بينما كان الاثنان يتسابقان وسامة و ابتساما. إلى ذهني استبقت التساؤلات، من جديد، و إن قلّت حدّتها. أتجه صوبهما في خطو واثق. قبل أن أصلهما ينهضان معا، و يمدان يديهما مسلمين. يخرج كل منهما بطاقة يرينيها، و يقدمان نفسيهما على أنهما تحرّ و مساعده. يخبراني بأن معهما أمر توقيف بشأني. أخبرهما، بالمقابل، بأنني مستعد للذهاب معهما، من فوري. يخرج مساعد التحرّي أصفادا رقيقة كما الأساور بيد أنها تخفي متانة. يحيط معصمي الأيمن و معصمه الأيسر بها، و نخرج ثلاثتنا إلى سيارة أنيقة بالإنتظار. تتحرك بنا السيارة حال صعودنا إلى متنها. تنطلق بين الشوارع النظيفة، و البنايات الجميلة، بسرعة كبيرة في ذلك الوقت من صباح باكر، ماطر.

تصل بنا السيارة إلى مبنى انيق. هناك يدخلونني إلى حجرة جميلة، نظيفة. لشدة دهشتي و إنبهاري لم أسأل بأيّ تهمة تم توقيفي! لكن الأوان لم يفت. و فيما كنت أفكر يفتح الباب من الخارج، و يجيئ مساعد التحري باسما و يقتادني إلى حجرة أكثر رحابة ،و جمالا، و نظافة. بالإنتظار يجلس رجل شاب وسيم للغاية، ايضا. يتركني مساعد التحري معه، و يغلق الباب وراءه.


Post: #104
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-05-2006, 08:15 AM
Parent: #103

يتركني مساعد التحري معه، و يغلق الباب وراءه.

يصافحني الآخر و يقدم نفسه على أنّه محاميّ الذي سيترافع عني وقت المحاكمة! يقرب مقعده مني، ثم يخبرني أنه درس كل حيثيات القضية، و ينتظر أن أكون متعاونا. الدهشة تفغر فاهي. لم أك داريا عمّ يتحدث! لكنه لا يهتم كثيرا! يطمئنني أن المحاكمة ستكون عادلة و أنه، من جهته، سيسعى أن تكون العقوبة أخف ما يمكن بما أن التهمة ثابتة عليّ! في حديثه يركز على الأتعاب و أنها ستكون ممتعة! و أن عليّ سدادها بعد الفراغ من المحاكمة. أخبره أنني لم أوكله للدفاع عني فوق أنني لست متهما في الأساس. يهز رأسه ناظرا إليّ مثل قصاب خبير ينظر إلى ثور غافل في ساحة مسلخ، ثم يقول:
-سيتضح لك كل شيئ في حينه. عليك الآن أن تنام جيدا، و تأكل جيدا!

و خرج، بعد أن حدق فيّ طويلا بإفتان ظاهر!
إنقضى النهار بطيئا كما القرون الوسطى. تلهيت بالتفكير في وضعيتي المحيرة و توقيفي العجيب. استرجعت شريط الأيام الماضية، و الأزمنة القريبة و الأكثر قربا. لم أعثر على نأمة تتيح لأيّما جهة توقيفي ناهيك عن أن أكون متهما بتهمة لم يُفصح لي عنها إلى الآن! الأكثر مدعاة للإندهاش كان أن يُعيّن لي محام يدمغني بالإدانة!

مع استغراقي ينفتح الباب و تقف على عتبته شرطية حسناء ترتدي زيا رسميا و مسلحة. مكياجها الصارخ يبدد استغراقي. تأمرني أن أخرج معها إلى مكتبها. هناك تجلسني على كرسي جيد بيد أنه غير مريح تماما. تجلس على الكرسي الآخر الوحيد إلى طاولة أنيقة. تعبث في جهاز حاسوب صغير يستقر على الطاولة وحيدا. و إذ ترفع إليّ بصرها مبتسمة يدهشني جمالها النقي كما الوردة المصطنعة. كان الضوء يدخل، و قتها، إلى المكتب عبر الزجاج الشفيف فتتألق الوردة إذ تقوم من مجلسها إلى كوبين موضوعين على رف أنيق لتمد أحدهما إليّ بينما تحتسي هي الآخر في بطء غنوج. تشير بيدها إلى الجهة الواقعة ورائي داعية إيّاي إلى الإلتفات. أفعل. أرى جمعا من الفتيات الجميلات و الشبان المُرد يرفعون لافتات تحمل كلاما بلغة لا أفهمها و يهتفون. كانوا يقفون قبالة المكتب حيث أبقى محتجزا. التفت متسائلا إلى صاحبتي. تبتسم و تقول بتعاطف حرصت على إشهاره:
-إنهم يتظاهرون مؤيدين فعلتك، منددين بإعتقالك.


Post: #105
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-05-2006, 02:03 PM
Parent: #104

-إنهم يتظاهرون مؤيدين فعلتك، منددين بإعتقالك.

أفرغ من إحتساء كوبي. كان يحوي ماء قراحا. تهب الشرطية و تلامس ركبتيّ، ثم ترتكز عليهما براحتيها. تنظر إليّ في عينيّ من مدى شديد القرب. تقول:
-نحن هنا جميعا في صفّك، عدا التحري.

ثم تضيف من بعد صمت:
-ستكون لي معك أحاديث خاصة.

في و جهها شيئ أستغربه و لا أعثر له على أثر في وعيّي. أنهض. تقتادني إلى غرفة حبسي الأولى عبر الممرات المصقولة. ألج إلى الحجرة، و توصد الشرطية الباب خلفي. أتفاجأ بوجود شخص يهب واقفا لمجرد استدارتي ناحيته. كان يجلس على الأريكة الوحيدة. يوليني جانب وجهه. أكتشف أنه مساعد التحري. يدعوني إلى الجلوس. أجلس على طرف الأريكة متوثبا، محتارا. ماذا عساه يريد؟ أليؤكد لي أيضا وقوفهم في صفي؟ ربما جاء ليستجوبني! أو ليتلو عليّ لائحة إتهاماتي! أنظر إليه و جوارحي تنضح بالتساؤلات. يتحاشى النظر إليّ مباشرة. ينظر إلى الجدران البعيدة و السقف الواطئ للمكان، ثم يتكلم بصوت مرتعش:
-أريدك أن تكن صديقي!
-هل أبدو قادما من كوكب مستحيل حتى يسعى رجال الشرطة إلى صداقتي؟

يسكت متفاجئا بردّ ربما كان يتوقع معناه. ثم يتكلم بصوت أكثر إرتجافا.. صوت لا يليق بمساعد تحر:
-أعني. . أعني أن تكون صديقي بصفة خاصة و . . تقيم معي. . سأكون طوع بنانك و . .


Post: #106
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد خالد ابونورة
Date: 20-05-2006, 02:08 PM
Parent: #105

Quote: و إذ ترفع إليّ بصرها مبتسمة يدهشني جمالها النقي كما الوردة المصطنعة. كان الضوء يدخل، و قتها، إلى المكتب عبر الزجاج الشفيف فتتألق الوردة


واصل

Post: #108
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-05-2006, 05:47 AM
Parent: #106

أبو نورة
هأنتذا تستحثني على المواصلة، فأفعل و لكن هناك مرتحلا بين المدن مثل لندن و نساء أخريات. قطعا ستعود لتمتع أبصارنا بقراءات غنية عن روما. أعلم أن الإيطاليات أشهر نساء العالم جمالا أما روما فمتروك لك أن تحدثنا بإسهاب عنها.


شكرا على المرور الباهي في الطريق إلى روما
عُد بخير

Post: #107
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 21-05-2006, 09:55 AM
Parent: #105


-أعني. . أعني أن تكون صديقي بصفة خاصة و . . تقيم معي. . سأكون طوع بنانك و . .

أرفع يدي اليسرى لأوقفه عن الكلام بعد أن استنتجت ما يريد منّي. يربدّ وجهي. يغزوني غضب خرافي عات. أهب قائما لأهجم عليه. يقوم من الأريكة، يتراجع نحو الباب، ثم يفتحه و يخرج مسرعا. أرتمي على الاريكة غاضبا مهتاجا. بدلا من توضيح تهمة توقيفي يفاجئونني بعرض للعيش كأحد المثليين؟! يا لها من شرطة! و يا له من عرض غريب. . في مكان غريب. . تحت ظروف أشد غرابة. أين ذاك المحامي المتآمر؟ يدمغني بالإدانة، و يكثر الحديث عن الأتعاب و سداد الأتعاب.. و لا يخبرني بأنني سأتلقى عروضا في غاية السخف من مساعد التحري المثليّ؟

يُقرع الباب ثم يُفتح بجلبة. يدخل التحري الوسيم. متجهما يلج غرفة الحراسة حيث يزدحم المكان بحيرتي، و دهشتي، و غضبي الطيني. ترتسم الصرامة على وجهه. يتنحى جانبا و يشير إلى شخص بالخارج أن يدخل.
-لا تصدق كل ما يقال!
يقول التحري قبيل إنصرافه.

يدخل الآخر المكان، و يسد الباب وراءه بهدوء. يستدير أكثر من وددت لقياه في تلك اللحظة. هو المحامي العجائبي. يبتسم في ثقة تحنقني. أكرّ عليه كأنما لأعوض هجومي الفاشل على مساعد التحري. أتلفظ بوابل من اللعنات، و الشتائم، و الإتهامات من قبيل:
-ما أعجب وضع المرء حين يدينه حصان! ماذا تريد مجددا يا حصان الخشب؟
ينظر إليّ في صمت العارف. هل تسرعت في الهجوم عليه؟ إلى أي جانب ينحاز؟ لعله في صفّي حقا. و إذن، ما الذي يبرر دمغه لي بالإدانة منذ البدء؟ و الأتعاب هل يرجوها حقا؟
-جئت لأحذرك.
قالها بهدوء ثم سكت ناظرا إليّ. مم يحذرني؟ أمن مساومات مساعد التحري؟ أم كان ذلك محض إختبار لا أعرف مغزاه؟ استعدت هدوئي و تماسكي على نحو أذهلني، و أذهله أيضا. لكن في عينيه خوفا.


Post: #109
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-05-2006, 05:05 PM
Parent: #107


استعدت هدوئي و تماسكي على نحو أذهلني، و أذهله أيضا. لكن في عينيه خوفا.

-ليس بالشخص الذي يليق... مساعد التحري.
يتكلم من جديد واضعا نظرته الخائفة على وجهي. الآن أتأكد، فأقول:
-قدم عرضا هو الأسخف. . تكلم بكلام هو الأكثر إبتذالا.

لا أفقد هدوئي مع تذكر تلك التفاهات. ينداح الخوف في عينيه أكثر ليحتل سوادهما، فيتحدث:
-هو هكذا، يضع الرسن على ذيل البعير.
-حتى لو وضعه على الرأس فليس هناك من صحراء لإبله.
أقول محتدا فيغمر الخوف بياض عينيه بالكامل و يجتاحه. يسكت مطرقا إلى الأرض المصقولة. أنتظر، دون طائل، أن يتحدث فأقول:
-ألهذا فقط جئت؟
يرفع رأسه ببطء. كان قد وارى الخوف من عينيه، حاصره في البؤبؤين، فقط إختزله. يحرك شفتيه بلا صوت، فأنظر إليه. يتكلم:
-لا تدع هذه الأشياء تنغص عليك. لا تثق بأحد سواي! موعد المحاكمة صار قريبا، و سأزورك قبله.

يشيح بوجهه و يخرج في هدوء لا يناسب ملابسه الضيقة. مجيئه أثار لديّ التساؤلات المتناقضة. كلامه يدهشني، يحيرني، يريبني. لكن التحري قال بألا أصدق كل ما يقال! هل قلت التحري؟ هو نفسه قال عنه أحدهم، و لا أدري من، إنه الوحيد الذي لا يقف في صفي. الآن أدرك مبرر مساعده التظاهر بأنه متعاطف. و الآخرين، عليّ أن أكشف دوافعهم قبل أن يفعلوا بانفسهم بعد فوات الأوان؛ المحامي و الشرطية الحسناء و الجوقة التي تظاهرت.

مهما يكن فإني أود معرفة دوافع الشرطية، على وجه الخصوص. ما أجملها! لكن هل من الممكن لذلك الشيئ الجامد أن يغادر جمالها؟ هل ستبدو أيضا وردة مصطنعة في مجيئها الجديد؟ من لي بقدرة مقارنتها بصاحبتي؟ كم أفتقد صاحبتي و كم أشتهيها! أريدها الآن. أريدها أن تشرق و تحكي عن بحار من الإدهاش و سُدُم بعيدة. أريدها أن ترسم فقاعات اللذة على سواحل روحي المجدبة، و تذوب مرايا عينيها دفقا من الحب و هي تشدو بترانيم النشوة الجامحة. إيه.


Post: #110
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-05-2006, 03:43 PM
Parent: #109


أريدها أن ترسم فقاعات اللذة على سواحل روحي المجدبة، و تذوب مرايا عينيها دفقا من الحب و هي تشدو بترانيم النشوة الجامحة. إيه.

ينفتح الباب بمفتاح ضخم غليظ هو دائما مفتاحه، لكن الداخل كان رقيق النبرات عذب الاستئذان:
-أتأذن أيها العزيز؟

هي الشرطية. تشع منها الأنوثة. في مشيتها يبتهج الزان، و في حركاتها تختبئ الإيماءات المترددة. تدخل و تختار مجلسا على الأريكة على نحو وديّ. تُطرق في سكوت. علها جاءت بحثا عن مفاتيح للأحاديث الخاصة التي بشرت بها في وقت مضى. لا أسلمها مفاتيح لا أدري من أي معدن صنعت. أنتظر أن تسقط الموانع القائمة بيننا، أن تضمحل، أو تذوب، أو تنهار. لكن لست أنا من يجترح فعل الهدم و ثقتي في الجميع قد تزعزعت إلى تخوم العدم و القرف. تتنحنح المرأة. عجبا! تشحذ حنجرتها على نحو أُنثوي الإصطناع. إذن فلتسقط الموانع، و قبلا فليسقط مبتدعوها، و ليعش عدّاؤوا المسافات الطويلة و عدّاؤوا جميع الأزمنة! تتكلم:
-في الماضي يقولون: سكنت قلبي.
-و اليوم؟
-سكنت جسدي حتى المؤخرة.
-أبهذا تبشرين؟ هذا حديث عام.
-أنت لست حرا الآن.. أنت سجين.. بعد أن تتحرر سأبشرك بالذوبان و الطوفان. سأهبك البشارات الحقة، و ستكتشف أن عذرية جسدي مصونة لأجلك فقط أيها الغازي الخرافي. أرجوك، لا تغدُ مستحيلا!

قامت من مجلسها. مدت سبابتها لتمس شفتيّ، ثم لعقتها بتلذذ أكيد. خرجت مخلفة مشيتها الغنجة.


Post: #111
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 25-05-2006, 06:13 AM
Parent: #110



قامت من مجلسها. مدت سبابتها لتمس شفتيّ، ثم لعقتها بتلذذ أكيد. خرجت مخلفة مشيتها الغنجة.

أخلع سترتي و قميصي. أزيح الحزام عن البنطال الأزرق الذي أرتديه. ثم أضجع على الأريكة مثل علامة استفهام تعبة من الحرب. أكتشف أن ربطة العنق تضايقني فأحلها و أنحيها ثم أرقد من جديد لا لكي أتفكر فيما يحدث لي و إنما لأخلد إلى راحة ممكنة من عناء هذا اليوم المديد. ينفتح الباب فجأة و يلج مساعد التحري. تتحفز خلاياي جميعها لردود أفعال خيالية. لكنه يباغتني بأن يقذف إليّ بشرشف و غطاء جديدين، و يغادر دون أن يتفوه بكلمة. أهي محاولة للإعتذار أم مصالحة خجولة؟ في كل الأحوال، و إيا تكن دوافعه، فإن هذا الرجل قد سقط من حالق. هكذا أصبح مصنفا في منصاتي الداخلية.

لم أستغرق في النوم سوى لوقت لم يك كافيا لإراحة جسدي التعب حتى أيقظني شخص ما برفق. كم كان ذلك مزعجا! لكنه كان التحري الوسيم. أمرني أن آخذ أغراضي لأنه سيفرج عني. أخبرني أنني سأعود إل فندقي على ألا أغادر إلى أيما جهة دون إخطاره. أنبأني، أيضا، أنه سيُصار إلى محاكمتي في وقت قريب و أن عليّ أن أتوقع مجيئه و مساعده لإصطحابي تحت أي وقت.

في الخارج استقبلتني عاصفة بشرية بسيل من الهتاف العذب، و الأسئلة، و السباب أيضا! كنت مذهولا و لم تدع الجمهرة سانحة طرح الأسئلة تفلت:
-لماذا فعلت ما فعلت؟
-متى تتوقع أن تجري محاكمتك؟
-لكنك لك ترتكب هذا الجرم؟
-عذرا، و لكن هل تتوقع الحكم عليك بالإعدام؟
-لو عاد بك الزمن إلى الوراء هل ستفعل ما فعلت؟
-إذا نجوت من هذه هل ستكرر فعلتك؟


Post: #112
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 26-05-2006, 07:15 AM
Parent: #111


-إذا نجوت من هذه هل ستكرر فعلتك؟

لم أرد بكلمة. لم أكلف نفسي، حتى، عناء التفرس في ملامحهم. استدرت يسارا ثم بصقت ثلاثا. ثمة عربة أجرة تقف غير بعيدة كأنما هي بالانتظار. توجهت نحوها. صعدت إليها كمن يرقى إلى سماء لازوردية. كانت شفافة الأبواب، و بلا سائق! ركبت و قلت بصوت مسموع:
-إلى فندق أورينت ساوتومي!

ترجلت عند مدخل الفندق الذي يشبه واحة. وجدت الضجيج و الزحام قد سبقاني هناك. إخترقت كل شيئ غير عابئ، و تلمست طريقي إلى ركن الاستقبال. لم آبه لفيض الأسئلة و الاستفسارات من قبل المحتشدين. سلمني الموظف مفتاح غرفتي و ابتسم ابتسامة لطيفة، محايدة.

أقلني المصعد الشفاف إلى حجرتي. تخففت من ملابسي. تعريت تماما، ثم دخلت الحمام. ملأت المغط ماءً دافئا و إضجعت. كنت أتفكر في المسألة برمتها. ماذا يعني كل هذا؟ هل القضية أكبر من ظاهر الأمر؟ الجميع يعرف التهمة الموجهة إليّ بينما لا أعرف، من جهتي، ماهية الجنحة التي إرتكبتها، و أين و متى؟! هل سأظل على سلبيتي هذه إلى أن يحدث ما يحدث؟ و إذا كان الأمر غير ذلك ما الذي يتعيّن عليّ فعله؟ لم أعثر على أية إجابة! كم أفتقد العجوز مثلما أفتقد صاحبتي الغرب أفريقية! كم أفتقد ذا الأجنحة!

أسلمت نفسي إلى سلطان الكرى صاغرا. هو، في الواقع، من أرخى سدوله على ذهني و أنا غارق في دفء الماء الوثير. هل ظللت طويلا على ذلك الحال؟ هل كان العكس؟ لا أدري!


Post: #113
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-05-2006, 08:09 AM
Parent: #112


أسلمت نفسي إلى سلطان الكرى صاغرا. هو، في الواقع، من أرخى سدوله على ذهني و أنا غارق في دفء الماء الوثير.

هل ظللت طويلا على ذلك الحال؟ هل كان العكس؟ لا أدري! جاء جمع من الناس و تجمهروا حولي. أخذوا يصفقون مصطفين في صفوف يعقب بعضها بعضا. مثلي كانوا، يا ربّ كما خلقتني، عراة تماما. بل كانوا جميعا مزدوجي المظهر! عيونهم ضيقة و يضعون روجا فاقع الحمرة على الشفاة. تحمل صدورهم أثداءّ كبيرة كما نساء بدينات. يدنون مني متماوجين ثم ينشد أحدهم منفردا بصوت بصوت يحاول جعله رقيقا. ينشد الباقون إثره فاعلين ذات الشيئ. فجأة يستديرون و يشرعون في رقص صاخب. يفاجئني أن أردافهم كبيرة و تترجرج. يتراجع الصف الذي في المقدمة إلى الخلف مفسحا المجال ليتقدم صف جديد و يكرر فعلة سابقه. تمضي هذه المتوالية في إدهاشي و إرهاقي، و أظل مقعيا في حنو المغطس. ألاحظ أن المنشد و إيقاع الإنشاد يتبدلان و تبقى الحركات هي هي. تشرع اردافهم في الضمور، و يتناقص عددهم بالتدريج إلى أن تصبح عجيزاتهم رجالية تماما. يصمتون، ثم يختفون.

أحس أن أحدا ما موجود بحضرة المكان. أتنسم رائحته و لا أميزها جيدا. تتردد في إدراكي أنفاسه. بل أكاد اسمع صوت خطوه في المكان. يستفز ذلك شعوري بهيبة الحضرة التي أنا فيها، فأستيقظ دفعة واحدة خارجا من دفء الماء. لا ارى من أحد حولي. أجد كل الأشياء مكانها. أتأكد أن الباب مغلق بالمفتاح كحاله منذ دخولي. مع ذلك أحس وجود الآخر يحتل المكان. أمضي إلى ما تحت السرير لأتأكد، و طبقا لتوقعي لا أجد أحدا أو حتى دلالة تطفئ تساؤلي الملح. أمضي، من بعد، إلى خزانة الثياب و الأدراج الكبيرة و أفتحها جميعا و لا ألقى الشخص ذا الأنفاس الشفيفة.


Post: #116
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: حسب ربه
Date: 30-05-2006, 08:28 PM
Parent: #100

up


futak ba afiyaa

Post: #119
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 31-05-2006, 07:21 PM
Parent: #116

ود الشريف
يا جميلا أعرفه كما فنه

أعلم كم أنت مشغول
و كم هو متطلّب طرق الدروب

قلبي معك
و عشت

Post: #114
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد احمد ابراهيم
Date: 30-05-2006, 01:43 PM
Parent: #1

الى ابو عسل
جميل انت فى امريكا
الاكثر استحاله

Post: #115
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-05-2006, 08:19 PM
Parent: #114

محمدأحمد إبراهيم

Quote: جميل انت

جميل أنت دائما يا أخي
و إلاّ لما نضحت بهذه العبارة الجبارة
بهاء مرورك ما يزال يزين هذا المكان
تعيش

Post: #117
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 31-05-2006, 05:06 PM
Parent: #115


أمضي، من بعد، إلى خزانة الثياب و الأدراج الكبيرة و أفتحها جميعا و لا ألقى الشخص ذا الأنفاس الشفيفة.

أظل على إحساسي الدائم بحضوره الأخاذ معطرا الزمان و المكان، مع ذلك. أعود إلى الحمام لأستكمل إغتسالي و أجفف جسدي بالمناشف الرائعة العطرة. بعد عودتي إلى الغرفة أتربع على وثارة الفراش. أستخرج حاسوبي الحميم. أتفاجأ بتغير شكله و حجمه. ينفتح بعد مساسي له و يبدأ في عرض برامجه و ألعابه. أختار بعضا من الألعاب و أدفن فيها حيرتي بالتتالي. أخيرا ينتابني الإعياء و الملل فأُنحي الجهاز و أُسلم تمددي للوثارة.

...........*.......... *........... * .............

أكمل الضياء نصره المؤقت على الظلمة، و تربعت أجمل الشموس على قبة السماء، إذ كانت الظلمة تدرك أنها حتما منتصرة أسفل اليوم ضمن هذا السجال الأبدي. لكني لم أك ضمن شهود النصر المؤقت لأنني استيقظت متأخرا و لبثت في حال أشبه بالغيبوبة على فراشي أمدا طويلا. لم يدفعني إلى الحراك سوى مهاتفة موظف الاستقبال الذي أخبرني أن شخصين ينتظرانني في الأسفل. جمعت نفسي من شتاتها و إغتسلت في عجالة. إرتديت أكثر الثياب التي وجدتها في خزانة الملابس أناقة، ثم تطلعت إلى خيالي طويلا. تأكدت أن مظهري لائق، أو هكذا بدا لي، و خرجت.

وجدتهما.. التحري و مساعده البغيض. لمرآي ابتسم التحري و أشاح الآخر. كانا في كامل أناقتهما و وسامتهما كأنما يبشران بإحتفال ما. لم أنبس ببنت شفة. مددت يمناي إلى المساعد فوضع على معصمي صفده الرقيق المخادع، و أحاط معصمه بباقيه.


Post: #118
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد خالد ابونورة
Date: 31-05-2006, 06:49 PM
Parent: #117

ابا عسل

نتابع معك بـــ نفس يكاد ينقطع

Post: #121
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 01-06-2006, 07:09 PM
Parent: #118

أبا نورة
... و النوارة

شكرا، يا صديقي، على حسن المتابعة
سأواصل إذن
.
.
.
.
.
.

Post: #120
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 01-06-2006, 05:50 AM
Parent: #117


مددت يمناي إلى المساعد فوضع على معصمي صفده الرقيق المخادع، و أحاط معصمه بباقيه.

هبطنا إلى العربة الجميلة في مثل ذلك الجو الماطر الذي اصطحباني فيه من قبل. دواخلي مضطربة، متوجسة، و متشوقة في آن معا إلى المحاكمة. لم أك، أبدا، خائفا. وصلت بنا السيارة إلى مقر الشرطة عينه. الجميع، هناك، مستنفرون على نحو مضخم. إزددت إندهاشا لما علمت أن تظاهرتين قامتا هناك بسببي و شارك فيهما بعض رجال الشرطة الذين كانوا وقتها في إجازة من عملهم. على أي حال لم يضيعوا وقتا بعد أن أكملوا إجراءات لم أعلم كنهها و لم أكن لأهتم. ما كان يهمني هو أنهم سيأخذونني إلى تلك المحاكمة.

خرجنا؛ أنا و التحري و مساعده و الشرطية الحسناء و عدد آخر من الشرطيين. الجميع كانوا أنيقين كأنما هم بصدد إحتفال ما. أدهشني أنهم ساروا بي على الأقدام. لم نأخذ أيما مركبة! أين ذلك المحامي المتحذلق؟ لا أراه. ربما هو في المحكمة الآن ينتظر وصولي. لكنه كان قد وعدني بملاقاتي قبل المحاكمة!

وصلنا إلى ساحة عريضة مخضرة الأرض صُفّت فيها مقاعد جميلة إلا أنها تبدو غير وثيرة. هناك رأيت القاضي، بشكله التقليدي و شعره المستعار، يجلس متربعا وحده على منصة مرتفعة و لا يأبه لرذاذ المطر الناعم. أُجلست على مقعد مرتفع مثل مقعد حكم الكرة الطائرة. كان ذلك على اليسار من رئيس المحكمة الصامت. لم يكن ثمة أوراق أمامه. فجأة إمتلأت المقاعد بالعديد من الناس الأنيقين الباسمين مواجهين لي و للرئيس. أخذ الشرطيون أماكن لهم وسط هذا الزحام.

لما تلاشت همهمات الحشد تكلم القاضي الرئيس بكلام كثير عن العدالة و القيم و الانسانية. من جانبي لم أك مصغيا إليه تماما لإنشغالي بالتفرس في الحشد من جهة، و توقعي مجيئ محاميّ المزعوم، و كذلك المحلفين، من جهة أخرى. لاحظت أن جل المحتشدين، و كانوا خليطا من الصبايا و الشبان، مفرطي الجمال و الوسامة. ملابسهم الزاهية بعضها غريب، و بيد معظمهم مظلات شفافة تقي واحدا أو اثنين على الأكثر وقع الرذاذ.


Post: #122
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-06-2006, 12:23 PM
Parent: #120

ملابسهم الزاهية بعضها غريب، و بيد معظمهم مظلات شفافة تقي واحدا أو اثنين على الأكثر وقع الرذاذ.

فجأة برزت من الحشد إحدى الفتيات إلى الأمام. قابلها الجمهور بالصفير و الهمهمات ثم خيم صمت قصير لأتعجب: هل هذه مسرحية أم بروفة للمحاكمة؟ تكلمت الجميلة واصفة إياي بموكلها و طالبت بإسقاط التهمة عني. وصفتني بعدم الإلمام بالقوانين فضلا عن أن الجريمة وقعت في جزيرة أخرى. فوق هذا و ذاك _والمزاعم للجميلة_ فإن المجني عليها لم تتقدم بشكوى ضدي و إنما سردت ما حدث لها لصديقة لها! أين المحامي المتحذلق؟ هل تنازل، هكذا بطيب خاطر، لهذه الجميلة كي تترافع عني؟ ثم كان أن قامت أخرى مطالبة بتوقيع أقصى العقوبة عليّ بعد أن تقوّلت بكلام كثير. استنتجت أنها تمثل الإدعاء. حتى تلك اللحظة لم أعرف من هي المجني عليها، و ما هي الجنحة! و أكثر من ذلك لم أعرف من أنا!

قال القاضي الرئيس:
-ما رأي المحلفين؟

تلفتُ مندهشا، و لم أجد محلفا واحدا في أي من الإتجاهات. ثم إزددت إندهاشا لما تقدم أحد أفراد الجمهور، و قال:
-علينا أن نتحقق من بعض النقاط من المتهم، سيدي الرئيس.

قام آخر و سأل موجها حديثه إليّ:
-هل كان التشويه دافعك لإرتكاب ما إرتكبت؟

لم أحر جوابا، بيد أنه كان في إنتظار ردي فقلت:


Post: #123
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-06-2006, 08:05 AM
Parent: #122

لم أحر جوابا، بيد أنه كان في إنتظار ردي فقلت:
-لا!

قام آخر و قال:
-هل هو التميز ضد الأنثى؟
-لا!

نهضت فتاة جميلة شبه متعرية لتقول:
-ألم تمارس معها الجنس بعد فعلتك؟

عصفت بي حيرة أكبر، و كانت شبه المتعرية بإنتظار جوابي فقلت:
-لم أفعل!

أخرى أشد جمالا و أكثر تعريا قامت واقفة لتقول:
-نكتفي، سيدي الرئيس، بذي الأسئلة و نأمل سرعة البت في هذه القضية التي طالما شغلت الرأي العام.

قال القاضي الرئيس بعد برهة صمت:
-نظرا لأن المتهم مُقر بجرمه و هو حلق عانة امرأة في جزيرة قبرص بدافع الغفلة، و نظرا لأنه لم تثبت ممارسته الجنس معها فإنني أجده مذنبا، و أحكم عليه بمائة ساعة من العمل الإجتماعي. ترفع الجلسة!


Post: #124
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-06-2006, 10:33 PM
Parent: #123

-نظرا لأن المتهم مُقر بجرمه و هو حلق عانة امرأة في جزيرة قبرص بدافع الغفلة، و نظرا لأنه لم تثبت ممارسته الجنس معها فإنني أجده مذنبا، و أحكم عليه بمائة ساعة من العمل الإجتماعي. ترفع الجلسة!

ساد هرج و حراك وسط الرذاذ المتساقط، و عانقتني إحداهن ملصقة نهديها الصغيرين بصدري، ثم قبلتني على خدي. كانت المحامية التي ترافعت عني! جاء آخرون و أخريات لتهنئتي و لتوجيه الدعوات لي بقضاء أوقات ممتعة! إنفض الجمع بالتدريج، و أخذتني مركبة لا صوت لها إلى القسم من جديد. ما زلت مخفورا بالتحري و مساعده الذين لم ينبسا ببنت شفة.

في القسم أدخلوني إلى غرفة غير غرفتي القديمة، ثم نزعوا عني الأصفاد. أنبأوني أنني ساتلقى التهاني من الجميع. هل تُرى سيكون التحري من بين المهنئين؟ أخذت جموع المهنئين تتوافد. كانوا يهنئونني بفرح حق. من جهتي ثمالة الدهشة هي التي أبقتي متيقظا. جاء مساعد التحري فيمن جاء، ليهنئ أيضا! لعله إختارها سانحة للإعتذار و المصالحة. الفرح الذي كان قد إجتاحني ساريا منهم جميعا غسل الحنق و المرارة من إنفعالاتي فلم أحمل للرجل ضغينة. كنت فقط نبيلا نبل قائد منتصر. و لذا فقد تجاهلته ليخرج كغيره إذ لم يعد له من مجال إلى رجعة أبدا.

و أخيرا جاءت الشرطية و قبلتني رأسا على شفتي قبلة سريعة كأنما أنا و هي زوجان قديمان. دست في جيب سترتي الأنيقة ورقة وردية اللون. حاولت أن أستبقيها لأهمس لها بشئ بيد أنها إنسلت خارجة.

لم يجيئ المحامي على الرغم من أنه أكثر شخص رغبت في حضوره، و إنتظرته. لعله يتبع مكتبا تنتسب إليه المحامية التي ترافعت عني. إذن فلأنتظر مجيئها لأعرف منها كل شيئ، و لأقترف معها الأشياء المستحيلة. جاءت.. جاءت و قد بدلت ثيابها بالكامل. إرتدت لباسا يليق بنزهة ثنائية العضوية.


Post: #125
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-06-2006, 03:38 PM
Parent: #124

جاءت.. جاءت و قد بدلت ثيابها بالكامل. إرتدت لباسا يليق بنزهة ثنائية العضوية.

قالت لي إنني حر تماما، و إنها ستعينني على أداء الساعات المئة من الخدمة الإجتماعية، و إن ذلك سيبدو ممتعا جدا! ثم أخبرتني أنها إحتفاءً بنجاحنا المشترك ستشاطرني تلك اللذة. ثم ختمت بأن دعتني إلى الخروج من قسم الشرطة برفقتها.

الجو في الخارج صحو على نحو استثنائي بعد توقف الرذاذ و سطوع شمس كسولة. سرنا معا صامتين، و متباعدين في مشينا. تسألني بعض الأسئلة فأجيب في شرود إيجابا أو سلبا، أو بعبارات مقتضبة. أحيانا أحس أن عباراتها مبتورة أو غير ضرورية خلال الأحاديث الصغيرة التي إجترحتها في مسيرنا ذاك. هل كانت تنتظر مني "الخطوة الأولى"؟ لم، إذن، لمْ تقم من جانبها بالخطوة التي تسبق الأولى؟ فجأة أتوقف عن السير. أدنو منها لا لكي أنظر إليها و إنما لأنظر إلى الأفق البعيد حيث تلتقي الأرض بالسموات العُلا، و تلتقي أشياء أخرى ربما في جملتها شخصانا. فجأة تمس أصابعي شفتها السفلى المنفرجة قليلا عن شقيقتها. تستكين المرأة. ثم تتشجع على تحسس وجهي، و شعري، و أنفي، و فمي. تمضي إلى تحسس صدري الذي صارت عضلاته أقوى و أكبر. تتوقف فجأة فأستحثها على المواصلة بمداعبة نهديها الصغيرين. بعد برهة طويلة تهبط بأناملها المتحسسة إلى وسطي و تظل هناك طويلا. تقترح، في رجاء، أن نمضي إلى مكان ما في البرية لنجترح العدو على الدروب الموحشة. على نحو مباغت تماما أحسني متعبا، مكدودا، على حافة الإنهيار. إذن فلأستعد جيدا و بكامل لياقتي لسباق الجائزة الكبرى. أقول للمرأة:
-لاحقا.. أعدك! عليّ الآن أن أحتفل متوحدا بالحرية. هي امرأتي التي طالما انتظرتني طويلا دون أن تبدل ملامح اسمها، أو قسمات صوتها، أو ربيع إنتظارها. فلأكافئ نفسي بلقياها الحقة!


Post: #126
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-06-2006, 06:58 PM
Parent: #125


-لاحقا.. أعدك! عليّ الآن أن أحتفل متوحدا بالحرية. هي امرأتي التي طالما انتظرتني طويلا دون أن تبدل ملامح اسمها، أو قسمات صوتها، أو ربيع إنتظارها. فلأكافئ نفسي بلقياها الحقة!

طريق العودة شاق و طويل و موحش. كأنني أمشيه للمرة الأولى. مع ذلك ربما هو طريق قدومي عينه إذ لم أكن ألحظ شيئا وقت مسيري مع المحامية التي لم تعد في نظري، الآن، سوى امرأة حسناء تنشد رفقة استثنائية. تُهت.. ضللتُ. أضعت زمنا طويلا و أنا أتلمس الإياب العسير. أخيرا لاح كل شيئ؛ المباني المنخفضة نسبيا بألوانها الزاهية، و الطرقات المرصوفة بالبياض محفوفة بمساحات خضراء هائلة. فوق كل ذلك الهدوء يبسط هيمنة فريدة. أتجهُ صوب الفندق ذي الجدران الرقيقة. منظره من على البعد يبدو مثل خيمة بدوية جبارة.

عند دخولي أحس أن جميع الموجودين يركزون أبصارهم نحوي. لا آبه سوى لإعيائي و جوعي؛ جوع المعدة، جوع الجسد، جوع الروح، و جوع الجوع. آخذ مفتاح حجرتي من موظف الاستقبال فيهنئني ثم يذكر شيئا عن أن نزلاء الفندق هم دائما هكذا فوق الشبهات و الإدانة. و أنا ماض إلى المصعد يحدثني عن اتصال الكثيرين لتهنئتي، و أن إحداهن جاءت بنفسها لتسأل عني. لا أهتم لسماع بقية حديثه و أرتقي المصعد الذي صار جداره قماشيا تماما فيمضي بي إلى حيث غرفتي. أدلف إلى الداخل ممنيا النفس بالاستلقاء و الإغفاء و أحلام وشيكة. أسارع إلى خلع أناقة ثيابي لأستبدلها بثياب الرقاد، فتخرج المحامية من. . . من مكان لا أعرفه في الواقع. ترتمي عليَ . تحتضنني لفترة طويلة متفوهة بتفاهات نسوية كثيرة. رويدا رويدا تعاودني قواي الهاربة و أحس أنوثة المرأة. تدرك هي ذلك فتعمد إلى النور لتزيحه و يسبح المكان في ظلمة شفيفة. أغمض عينيَ لأسمعها تتجرد من ثيابها. أقف متسمَعا يحيطني عمائي الإختياري. بعد تفرغها من التجرد من ثيابها تقترب مني لتجردني، تحت جنح الظلمة و بلا استحياء، من ثيابي التي كنت لتوي قد إرتديتها، و تقتادني إلى الفراش.


Post: #127
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-06-2006, 05:25 PM
Parent: #126


بعد تفرغها من التجرد من ثيابها تقترب مني لتجردني، تحت جنح الظلمة و بلا استحياء، من ثيابي التي كنت لتوي قد إرتديتها، و تقتادني إلى الفراش.

تزداد رحابة الغرفة إعتاما و ينثال الضباب الإشتهاء.. الضباب الرغبة.. الإبحار في العوالم المستحيلة.. ينثال الضباب مغشيا إدراكي و محيلا إياه عتمة هائلة. تتوحد العتمتان لتتمخضا عن ما مضينا إلى إجتراحه على الفراش. لكن... و آه من لكن.. كان الحمل كاذبا! إذ ما أن إقتعدنا الفراش حتى مضت المحامية إلى ملامسة الأجزاء الأكثر توفرا على النهايات الحسية من جسدي بإفتتان شبق، ثم.. ثم.. ثم إضجعت على الفراش ملصقة به بطنها الذي لم أتحسسه. لما حاولتُ أن أجعلها تغير وضعها أبت. ألححتُ عليها. كان جوابها صاعقة قوضت العتمة إلى الأبد!!

طردته.. طردته على الفور.. طردته على الفور موسعا إياه بالضرب النزق دون أن يصدر من أيَنا صوت.
لا أدري متى أويت إلى فراشي في نوم قلق تلك الليلة الصاخبة. ثم كان أن استيقظت في رابعة نهار يتوارى خجلا من أحداث البارحة التي مرت ككابوس بشع. هل كنت أحلم؟ أعي بكل إدراكي أن ما حدث واقعي، لكن لأحاول مغالطة نفسي و إيهامها بأن ترتاب! أغلقت هاتفي الضوئي بعد أن هاتفت موظف الاستقبال مخبرا إياه عدم استعدادي لمقابلة إيَ كان طيلة اليوم، و رفضي تناول أي طعام أو شراب. بإختصار طلبت عدم إزعاجي لأيما سبب.

أسلمت عقلي للفراغ، أو أسلمت الفراغ لعقلي. صرت جسدا بلا تجسَُد. أفلحت في تغييب أفكاري، و إلى حد كبير أيضا إحساسي. عشت في فضاءات الدوائر و المربعات و المثلثات التي يرسمها المكان بلا روح مبدع. أضحيت وجودا خارج الأُطر؛ خارج إطار العقل، خارج إطار الفكر، خارج إطار الجسد، لكن تحدني جدران الغرفة الخيمة. وجدتها عارية المساحة و الأبعاد، مُفرغتها. في مكان ما منها تواجدتُ. ثم تشظي الزمن من عالمي الذي صاغرا إبتدعته، و تفتت، لينداح متراكضا.


..........................................*.......... ...*............. * ........................................



Post: #128
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-06-2006, 06:46 PM
Parent: #127

(5)


أصبح جمبلاط أكثر من ألتقي من مجموعة السبعة العظماء. كان قد تخلى عن طموحاته السياسية الكبيرة فقد أصبح وكيلا للنيابة. هكذا نجحت السلطة في استقطاب السياسي الوحيد من بيننا و ألدّنا عداوة لها. أما هو ففلسف المسألة بما أسماه النضال من الداخل. في هكذا أيام نشط الكثيرون منادين بالنضال المدني، أو الجهاد المدني، أو معارضة الداخل، أو التغيير من الداخل، كل حسب مسماه المفضل و مرجعيته السياسية متوهمين أنهم سيسقطون دكتاتورية الشمولية المتأسلمة ليواروا، في الواقع، تهافتهم على فتات السلطة و كعكة الموارد التي طفقت الدكتاتورية تمتص رحيقها، ثم تلوح بها مغرية كل نعجة قاصية. من جهتي كنت أعمل مدرسا متطوعا في ثانوية للبنات بمنطقة نائية. كان جل طالباتي غير جميلات، ولم يمنع ذلك جمبلاط –أثناء مماحكاته لي- أن يعايرني بالسعي خلف الصبايا من وراء عملي هناك رغم علمه الأكيد أنني مكره لا بطل. أحيانا يتهكم عليَ بالتباكي على أيام ميادة الملاك بلا أجنحة فأغتم و يغير هو الموضوع معتذرا بأسف حقيقي.

أصبحت التقيه لأنني كنت قد إغتنمت فرصة الإجازة المدرسية الصيفية للذهاب إلى المدينة الثلاثية، و كان هو في عز العمل. أحيانا يمثل الإدعاء في قضية إتُهم فيها بعضهم بمحاولة تفجير خطوط أنابيب النفط لمصلحة المعارضة المسلحة منذ سنين تبدو بعيدة. كنت أعجب أن يكون صديقي بالذات ممثل الإدعاء ضد معارضة الخارج و هو الذي يسمي نفسه متبجحا معارضا( للسلطة قطعا) من الداخل.


Post: #129
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-06-2006, 05:40 AM
Parent: #128

كنت أعجب أن يكون صديقي بالذات ممثل الإدعاء ضد معارضة الخارج و هو الذي يسمي نفسه متبجحا معارضا( للسلطة قطعا) من الداخل.

في المدينة الثلاثية، حيث تتراكض جذلا مركبات الحكماء المرتزقة، لم أكن أفعل شيئا عدا التسكَُع راجلا في المساءات الرمادية، و إرتياد ميدان في وسط ثلثها الأول لأتماهى مع شخوص شابة قنعت بالمنفى الذي قهرا نسميه وطنا. في تلك المساءات، التي لا تجسر الريح نفسها على ذرو رماد الهزيمة فيها، نجلس على مقاعد لم يتم صونها عن عمد، و لا يخجل واحدنا أن يحتسي قدحا من الشاي الحاف دون أن أن يتجاسر على أن يعزم على الآخرين لأن بواعث ذلك السلوك معلومة للجميع. يتمدد الحديث بنا إلى كل أرجاء العالم و بأدق التفاصيل و المواكبة، و عندما ينكفئ على المنفى الذي قهرا نسميه وطنا يُضحي محض تنظير قد يجانبه الصواب عند البعض، أو تجانبه المعرفة عند الكثيرين. ذلك أن من يعلم الحقيقة، حقيقة ما يجري في وطننا، هو واحد من ثلاثة: إما سارق سفاح، أو سجين عتيد، أو ميت عنيد. أما نحن الذين نخوض همسا في الشأن الوطني فلم يكن ما نفعله سوى ترديد الشائعات و ترويج الاستنتاجات و أحيانا معرفة القشور التي لم تعد السلطة تكترث لتساقطها، طالما سقطت عنها في الأساس ورقة التُوت منذ أمد بعيد.

بيني و بين نفسي كنت أصف جمبلاط بالمُدجَن، و علنا أسميه بالمهادن أثناء مماحكاتي له فيغتاظ و يحاول درء الشبهات بتبريرات لا تقنع واحدة من خنفساءات أرسطو طاليس المئة. من بين ما كان يعتبره مسوغا لإنضمامه إلى ديوان النائب العام و " حادي ركب العدالة" أن السلطة بعد " طرحها لشقها السيئ" صارت " أقرب إلى الإنصاف و الوطنية"! و لعله كان يعلم في قرارة نفسه أنها بفعلها ذاك، طرحها لشقها السيئ، لم ترم إلا للمزيد من الشمولية و تكريس هيمنتها و إطالة عمرها الآخذ في الإضمحلال. لكن هل أنا بحاجة إلى أن أتقهقر قليلا أو كثيرا لأرى كيف أن الصغار أكلت القطة و ليس العكس؟

..........................................*.......... ...*............. * ........................................


Post: #130
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-06-2006, 05:59 PM
Parent: #129

لكن هل أنا بحاجة إلى أن أتقهقر قليلا أو كثيرا لأرى كيف أن الصغار أكلت القطة و ليس العكس؟

.....................*......................*......................*.....................

فتحنا أجهزة المذياع على موجة الإذاعة الحكومية الرئيسية بعد أن عاد إلينا جمبلاط من مبنى الكلية منفعلا. هو، في الحقيقة، من طالبنا بذلك "لأن السيد الرئيس بصدد إذاعة بيان هام و على السادة المواطنين ترقبه". كنا نتمدد جميعا، في الغرفة ذات السقف الواطئ، على الأسرَة ذات الطابقين في ظل قيظ مميت لن تبدده فرفرة المراوح المرتقبة إثر إنبعاث التيار الكهربائي الفقيد. ما زلنا وقتها نقيم معا رغم أن الأكاديميات فرقتنا، لكن قاسمنا المشترك كان عدم الإهتمام بحضور المحاضرات و بقية الفعاليات الأكاديمية و كأنما الدراسة نفسها عبء ثقيل يضاف إلى العبء الأكبر الذي نسميه حياتنا.

شرعنا نتساءل عن فحوى البيان الهام الذي يتم تحضير آذان الناس للإستماع إليه منذ ما يزيد على الثلاث ساعات. أشار جمبلاط، بحماس كبير جدا، إلى أن الرئيس سيطيح بالتنظيم المتأسلم و سينفرد هو و العسكريون بالسلطة و حُكم البلاد، و أضاف أن الفرصة ستتاح للإقتصاص من سدنة ذلك التنظيم المتأسلم نكالا بما إقترفوا بحق كل ضحية في الوطن. كعادته لم يعلق الأمير كثيرا، أو لم يعلق على الإطلاق، بل نصح بالتريث حتى نستمع إلى البيان و ينجلي الأمر. أما حكيم فأوضح أن المسألة بعيدة تماما عن ذلك، و ذهبت من جهتي في ذات الإتجاه لأنه، في نظري، ليس بمقدور الصغار ذات العود الطري أن تأكل القطة الأم، إضافة إلى أن مسوغات ذلك من خلافات و تنافس حول النفوذ غير موجودة. صحيح أن هناك تضاربا ظاهريا في السلطات و الصلاحيات، لكن الكيل سوف لن يطفح إلا بعد أزمنة طويلة. أضاف حكيم أن الرئيس "ليس بجاحد و يفتقر إلى الشجاعة اللازمة للإطاحة بالحكماء المرتزقة"، و أضاف الشطر الثاني لجملته بتخابث صريح.



Post: #131
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-06-2006, 08:23 AM
Parent: #130


أضاف حكيم أن الرئيس "ليس بجاحد و يفتقر إلى الشجاعة اللازمة للإطاحة بالحكماء المرتزقة"، و أضاف الشطر الثاني لجملته بتخابث صريح.

في الأثناء يتصاعد من المذياع الصغير صوت مارشات عسكرية هي الإرث الوحيد من جندية ما قبل الإستعمار. ثم يقطع كل هذا صوت المذيع و هو يعيد أن لدى السيد المارشال الرئيس بيانا هاما "فترقبوه"، و هكذا. إلى أن جاءت الثالثة ظهرا، و تلا المارشال الرئيس بيانه الهام بعد تمجيد "جندنا البواسل و كتائب المجاهدين"، و تحدث عن تحرير مدينة قصية من أيدي "المتمردين العملاء". إنتهى البيان العظيم "و لا نامت أعين الجبناء". أُحبط جمبلاط كثيرا، و إنهار على الطبقة الدنيا من السرير ذي الطبقتين. لكن حكيما لم يدعه يهنأ بإنهياره ذاك إذ قال له:

-أنت الذي كنت على الدوام تنادي بالديمقراطية و التعددية و الحريات كنت ستفرح إذا إنفرد العسكريون بالسلطة؟ هل بلغ بكم العجز، يا أهل الأحزاب و التنظيمات، أن تستبشروا بدكتاتورية العسكر إن هي أسقطت هذا التنظيم الذي ما فتئْتُم تتكلمون عن هشاشته و مآله الوشيك إلى التداعي منذ أن سرق الحكم في البلاد؟ هل تناسيتم، بهذه البساطة، أن العسكريين هم من أزهقوا الحلم الديمقراطي في البلاد أكثر من مرة من قبل، و في كل مرة يهبَ هذا الشعب الأبي وحده في ثورة شعبية خالصة لدحر هيمنتهم و استعادة الحلم الديمقراطي؟ هذه المرة هؤلاء العسكر هم حلفاء المتأسلمين.


Post: #132
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-06-2006, 05:03 AM
Parent: #131

هذه المرة هؤلاء العسكر هم حلفاء المتأسلمين.

أضاف من بعد صمت بعد أن رأى ألاّ مقاومة هناك:
-ثم إن هذا الرجل، الذي نسميه مارشالا رئيسا، كان ضابطا برتبة متوسطة مثله مثل أي ضابط يعمل في منطقة قصية، و أتى به التنظيم المتأسلم إلى العاصمة عشية الإنقلاب، و تم تنصيبه رئيسا هو الذي لا يعرفه سوى ذويه، و أهالي المنطقة العسكرية التي عمل بها. الأخيرون لم يعرفوه إلا لأنه قتل امرأة، من ذات المنطقة، بالخطأ ليفسد بهجة عُرس سعيد.


...............................*...................*...................*..................................

خاصة عندما ألتقي جمبلاط تحضرني تلك الايام جيدا. كانت المحاكمات قد إنقضت و نجح ركب جمبلاط و حُداته الظالمين في إيقاع عقوبات بالسجن لفترات طويلة بجميع المتهمين. كنت حزينا جدا لأجل صاحبي الذي، على العكس، كان فرحا بما لديه. لعله أصبح في نظر السلطة موثوقا به بعد نضاله المجيد ذاك و إدانة المتهمين الذين كان في جملتهم أحد أنسبائي البعيدين، و كان هذا مبعث أكبر أحزاني. على أي حال لم أكن لأخبر جمبلاط عن تلك القرابة.

إنتهى بنا الحال، أثناء لقاءاتنا، إلى أن نتجنب التطرق إلى الموضوعات السياسية و بالذات الخلافية (بيني و بين جمبلاط بالطبع) و نغرق عوض ذلك في تناول أخبار الأمير الذي سافر إلى ما وراء البحار العظيمة مفضلا البقاء للعيش هناك على إتمام دراسته الجامعية في الصرح الكبير. أضحى من آن إلى آخر يبعث إليَ برسائل طويلة تفصل الحياة هناك، و كتبا تساعد على تعلم اللغات، و بعضا من عملة صعبة في تلك الأزمنة الصعبة.


Post: #133
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-06-2006, 05:06 PM
Parent: #132

أضحى من آن إلى آخر يبعث إليَ برسائل طويلة تفصل الحياة هناك، و كتبا تساعد على تعلم اللغات، و بعضا من عملة صعبة في تلك الأزمنة الصعبة.

في ذات السعي، لتجنب تلك الموضاعات الخلافية، نذهب خائضين في شأن حكيم الذي قنع بالعمل في إحدى الوزارات براتب مجمد. في الواقع كنت أنا شبه المتبطل من يعطيه مصروف المواصلات في كثير من الأحيان بعد أن شرح لي معنى أن يكون الراتب مجمدا، فقد أصبحت مدرسا خصوصيا يسعى بين بيوت الموسرين لتلقين ابنائهم و بناتهم المعرفة النقية التي تجعلهم يبدون، في مدارسهم، أذكياء للغاية.

و هكذا عدت إلى ملاقاة جمبلاط، و لكن دائما في مسكنه حيث ظل وفيا للعزوبية الحتمية التي رزح تحتها كل واحد من مجموعتنا، التي كانت نواتها مجموعة السبعة العظماء. حتى الأمير نفسه و رغم تجواله المستمر في أقطار ما وراء البحار العظيمة ظل يشكو غياب الزوجة في كل كتاباته. بدءاً كان يبعث مع العائدين إلى الوطن رسائل خطية، ثم تخلى عن ذلك بعدها، و أصبح يبعث برسائل إلكترونية تكون مقتضبة أحيانا، و في أحايين أخرى تكون مسهبة في تصوير الحياة في أميركا التي أصبحت القطب الأبرز حضورا في العالم فظلت تفتح عينيها متلفتة بحثا عن ذلك القطب المنافس الغائب متلفتة نحو المشرقين الأقصى و الأوسط. مع كل هذا لا تعثر على هذا القطب الآخر المحتمل مع الإحساس المستمر و المتعاظم بوجوده إما لدى الحضارة الإسلامية من جهة، أو أوربا الموحدة أو الشرق الأصفر الصيني أو اليابان نصف النائمة أو الهند الجديدة أو نمور آسيا و تنانينها من جهة أخرى. لكن لم يخطر قط عندها أنه من الممكن لذلك القطب أن يكون يوما ما في القريب إسرائيل، أو في البعيد افريقيا الجديدة الموحدة، أو في كل الأوقات مجموعة دولية تملك المال و العقول و تسعى للسيطرة على العالم بشتى الطرق.


Post: #134
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 14-06-2006, 06:00 AM
Parent: #133


لكن لم يخطر قط عندها أنه من الممكن لذلك القطب أن يكون يوما ما في القريب إسرائيل، أو في البعيد افريقيا الجديدة الموحدة، أو في كل الأوقات مجموعة دولية تملك المال و العقول و تسعى للسيطرة على العالم بشتى الطرق.

لكن هل ستصمد أميركا قطبا للعالم و تستمر؟ ولماذا تتغافل عن إحتمال كون إسرائيل هي القطب الآخر الآن، و تتساهل عن الإحتمال الآخر: كون افريقيا هي ذلك القطب القادم حتما برغم ظاهرها غير المبشر؟ و هل فعلا أن أميركا هي القطب الأوحد للعالم اليوم؟ و هل القطبية ظلت كما هي حسب المفهوم القديم، بمعنى أنه هل ثمة الآن قطب آخر، غير أميركا، و لكن بمنظور جديد؟ أم أن هناك مجموعة أقطاب صغيرة، لا تبين، تضع نفسها في مواجهة أميركا هذا القطب التقليدي الكبير؟ و هل يمكن لهذه الأقطاب أن تكون بعض المؤسسات داخل أميركا نفسها أو أن تكون مجموعة إجتماعية إقتصادية عرقية معينة منشأها الداخل أيضا؟ يطرح الأمير هذه التساؤلات و لا يجد عندي لها تفسيرا ناجعا، فهو قد صار من أهل أميركا و هو، قطعا، أدرى بشعابها و الأودية. بالنسبة لي، ملامسا حواف التاريخ الانساني، أميركا ظلت تسلك سلوك جميع الإمبراطوريات بجبروتها و تعطشها للهيمنة و الديمومة. و ستفعل إلى أن يكون لكل أجل إمبراطورية كتاب.

أما جمبلاط، الناشط السياسي الوحيد في مجموعتنا أيام دراستنا في الجامعة، فقد كان بعيدا جدا عن هكذا مناقشات خطية. فهو إضافة إلى إنشغاله المستمر "بكفاحه من الداخل" جُل النهار في مكتبه و في قاعات المحاكم و نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة فقد إنشغل أكثر بنضال آخر كرس له آناء نهاراته و معظم لياليه. هذا النضال الذي لم يعلنه، شأنه في ذلك شأن جميع أنواع نضاله السرية فترة أن كنا طلابا، مع أن الخصم، و لا أقول العدو، كان دائما حاضرا بحسب علمي المتواضع! لقد ظل جمبلاط وفيا لهذه "العملية النضالية" السرية ردحا من الزمن، بيد أن نضاله لم يعد سريا تماما ذلك أنه إختار أن يزيح الستار عن ما عفا عليه الزمن من التفاصيل كلما سنحت فرصة أو عنَ له الإفصاح!


Post: #135
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 15-06-2006, 06:18 PM
Parent: #134

لقد ظل جمبلاط وفيا لهذه "العملية النضالية" السرية ردحا من الزمن، بيد أن نضاله لم يعد سريا تماما ذلك أنه إختار أن يزيح الستار عن ما عفا عليه الزمن من التفاصيل كلما سنحت فرصة أو عنَ له الإفصاح!

في البدء ظل يحدثني بتدفق، أوقات أن يكون منشرحا، عن أهمية تحرير المرأة و أن دور الرجل الحق يكمن في تمكينها من تحقيق ذلك التحرر كاملا غير منقوص. و يا له من مكر لتزول منه الجبال! كم كنت مغفلا جديرا! كم أثرت فيَ طواحين ما بعد التخرج! ينتقل جمبلاط من قضايا بحجم المنفى الذي نسميه وطنا إلى قضية تحرير المرأة! و لكن.. نعم، المرأة نفسها وطن، و بحق وطن كبير بحجم أن يكون منفى أحيانا! ألهذا يستجير الأمير من أكبر المنافي –أميركا- بأجمل المنافي؛ امرأة تكون توءما للروح؟

على أن ثوريا قديما مثل جمبلاط، بعد إكتسابه لقب المدجن، لا محالة لديه رزنامة مجيدة لتحرير المرأة. لكن مهلا! أي امرأة تلك التي يستهدف صاحبي تحريرها أو تمكينها من التحرر الكامل؟ أهي المرأة الوطن؟ أم المرأة المنفى؟ أم المرأة المرأة؟ أم عساها تكون، من نواحي أخرى، المرأة الأنثى، أم المثقفة، أم ربة البيت، الأم، الزوجة، الأخت، الصديقة، أو حتى الحبيبة بتدرجاتها الطيفية من ما فوق المعلن و حتى إلى ما تحت السري؟ أطرح عليه بعضا من تساؤلات كهذه في الأيام الأولى لتغنيه بتلك الرزنامة المجيدة، لكنه يكتفي بأن يستمهلني!

في المساءات الكالحة ( و أي مساء لم يكن كالحا في تلك الأزمنة و عهود الحكماء المرتزقة؟) دأبت على زيارته في مسكنه المتميز الذي يليق بوكيل لنيابة الجرائم الموجهة ضد دولة الحكماء المرتزقة، فهو قد إكترى بيتا من طبقة واحدة و محاطا بسور مرتفع في صحنه تتناثر شجيرات مانغو و باباي و يوسفندي على أرض يفرشها نجيل ناعم ذكر لي متباهيا أنه يسمى النجيل الفرنسي. على الطرف الأبعد من حيث يوجد الباب الرئيسي ذي الذرف الثلاث المعدنية تقع الحجرات: مطبخ و حمام و صالون و حجرة نوم فسيحة تناسب أن تكون ملعبا لرياضة ملعونة.


Post: #136
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-06-2006, 04:41 PM
Parent: #135

على الطرف الأبعد من حيث يوجد الباب الرئيسي ذي الذرف الثلاث المعدنية تقع الحجرات: مطبخ و حمام و صالون و حجرة نوم فسيحة تناسب أن تكون ملعبا لرياضة ملعونة.

عندما أزوره في تلك المساءات الكالحة يستضيفني إما في حديقة الصحن أو في غرفة الصالون المستطيلة، حيث نبتدر حديثنا بتحليلنا، المتضاد أحيانا، للوضع السياسي الحافل بالمتغيرات الكثيرة! يسخر "المناضل من الداخل" من تناقضات مواقف كبار المسؤولين ما بين تصريحاتهم الرسمية لوسائل الإعلام القُطرية و أحاديثهم "غير الرسمية" إثناء حفلات عقد القران و جلسات العزاء في المآتم التي تخص بطاناتهم و أنسبائهم و عشائرهم. على أن أشد ما كان يجعلني أضحك من الأعماق هو تقليده الألثغ للرئيس، و ختمه ذلك التقليد بوصف الرئيس بدون كيشوت. مع ذلك لا أتفق معه إذ أذهب إلى أن دون كيشوت كان دائما وفيا لقضية واحدة من تفاصيلها المحبوبة و طواحين الهواء، بينما ذلك الرجل، و أعني الرئيس الذي ليس بنورييغا، لا حبيبة له يسترضيها و لا طواحين هواء يراها. هو مستبصر يرى فقط طواحين الجماجم و رحى الأشلاء و أكوام المال. بإختصار لا قضية عادلة لديه، فهو يتحدث بغير مناسبة عن "الثورة" التي تفجرت من أجل "الغلابة" و محق الطائفية و الحزبية و إعلاء كلمة الله. و هو عينه الذي قال بعيد "انتخابه" رئيسا بنسبة التسعة و التسعين بالمئة المفروضة: " الآن إنتقلنا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية". هل بقي أن أقول إنه ترشح في إنتخاباته الرئاسية ذات النسبة المفروضة، أسوة برفاقه حكام شرق و جنوبي المتوسط، عن حزب نواته التنظيم المتأسلم بفكره الإقصائي الاستعلائي مضافا إليه من تساقط، أو تآمر، من نفعيي طوائف و أحزاب عهود ديمقراطية متعددة و غابرة؟ هل حلقت دبابير هذا الرجل منذ طفولته، أم سنظل هكذا شعبا بلا ذاكرة؟


Post: #137
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-06-2006, 05:47 PM
Parent: #136


هل حلقت دبابير هذا الرجل منذ طفولته، أم سنظل هكذا شعبا بلا ذاكرة؟
يعتمد الساسة على الشطر الثاني من التساؤل و يلونون أحاديثهم الماكرة و مواقفهم اللزجة بالمتناقضات، و في جملتهم بالطبع صديقي المناضل من الداخل. أما ذلك الرجل فأظن أن كل واحدة من خنفساءات أرسطو طاليس المئة أعقل منه و أحقن للدماء.

دائما ما يبشر برزنامته و يتغنى من بين محاكاته المتقنة للرئيس و كبار المسؤولين -إن كان فيهم كبار- و بين بطولاته التحريري نفسها. مع ذلك لم يحدث أن شهدت بعضا من بشريات تلك البطولات. لعله تواضعه الجم أو تخليه عن فطرة الساسة النهازة للمواقف في بلادنا و في كل العالم، و أعني التباهي و التبجح عند أو بُعيد وقوع الأحداث التي في الغالب رُتب لها جيدا و أُعدَ.

لعل صداقات صاحبي الطويلة مع الفتيات في الجامعة بصَرته أكثر كم نحن نظلم نساءنا، و ربما ذهبت به بعيدا حد أننا نسترقهن. لعل بوحهن له بمواقف صغيرة متراكمة تحدث لهن في إطار أسرهن، هو أحد أهم بواعث تغنيه بتلك الرزنامة غير المتماسكة، غير المجيدة. و إذ يخطئ من يظن أنه يعرف امرأة تماما فقد كنت أعرف نشوى إلى حد كبير كما أعرف أروى أجمل ملكات مروي السودانية معرفة تكاد تكون جيدة، فقد كانتا كلتاهما أثيرتين عندي حد التعشَق أيام أن كنا في بواكر سنيَنا بالصرح الكبير. كما أعرف أخريات و أخريات و لا سيما من آلت علاقاتي معهن إلى النهاية و خلفني جمبلاط لينشئ معهن علاقات و كأنما كان بالأنتظار! مع كل ذلك لم تحدثني واحدة منهن بأنها ُمسترقَة من قبل أسرتها أو من قبلي. على العكس، كل فتاة منهن كانت بأبيها معجبة سواء أكان ذلك الأب أبا أو أخا أو حتى شخصي غير الوسيم. بيد أن سياسيا عتيدا مثل جمبلاط أقدر بكل تأكيد على استنباط و حتى إختلاق قيود ليرفع شعارات لفكها و تحرير المرأة من نيرها ذلك أنني كلما سألته عن تلك السجون التي ينادي بتحرير المرأة منها أجابني بغموض أو تهرَب بلزوجة ناعمة.


Post: #138
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-06-2006, 06:30 PM
Parent: #137

بيد أن سياسيا عتيدا مثل جمبلاط أقدر بكل تأكيد على استنباط و حتى إختلاق قيود ليرفع شعارات لفكها و تحرير المرأة من نيرها ذلك أنني كلما سألته عن تلك السجون التي ينادي بتحرير المرأة منها أجابني بغموض أو تهرَب بلزوجة ناعمة.

لكن غفلتي فيما يخص السياسة في بلادي و فيما يتعلق بتلك الحوارات، شبه الأحادية أحيانا، مع جمبلاط تجلت لي فيما بعد بشكل فاجع أنا الكاره للفكر الاستعلائي الإقصائي المتأسلم. ذلك أنني كنت متحمسا من ناحيتي لقضية تحرير المرأة، كفكرة ثاقبة و كبيرة تصب في خانة النهوض الإجتماعي لكل فئات المجتمع و تمكنيها من التبصر بأدوات ذلك النهوض، و لم ألح في مناقشة صاحبي في تفاصيل رؤاه لذلك "التحرير".

..................*.....................*.....................*...............

الحاجة أم الإختراع. هكذا قيل. و لعلها، في ظني، خالة الإكتشاف. لكنها، يقينا، عرابة الغفلة. إنقضى عسل الدروس الخاصة بالنسبة للمدرسين الذين هم على شاكلتي إلى حين، إذ أن المدارس و طلابها ذهبوا في إجازة سنوية يستحقونها.


Post: #139
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 29-06-2006, 05:12 AM
Parent: #138


إنقضى عسل الدروس الخاصة بالنسبة للمدرسين الذين هم على شاكلتي إلى حين، إذ أن المدارس و طلابها ذهبوا في إجازة سنوية يستحقونها.

لم يكن لي أن أستبشر كثيرا بتلك الإجازة رغم أنها ستوفر لي فرصة إلتقاط أنفاسي من الركض العبثي بين الحافلات و أثلاث المدينة الكبيرة و بيوت تلامذتي الموسرين، فضلا عن الإلتقاء بشكل أكثر كثافة بتلك الشخوص الأثيرة في الكافتريا مهلهلة الأثاث في وسط الثلث الأول من المدينة و الإنصات إلى تحليلاتهم للوضع في المنفى المسمى قهرا وطنا. و علة ذلك تكمن في أن مواردي ستمسي شحيحة بالقدر الذي يسمح لي بالكاد بالإستمرار في إكتراء تلك الحجرة الصغيرة في أحد الأحياء الصغيرة، الطرفية. و لا حاجة إلى إضافة أن المنزل الذي أستأجر فيه الغرفة، ضمن آخرين يستأجرون غرفا أخرى، هو نفسه منزل عشوائي مشيد من الآجر النيئ و لا يتوفرعلى إمداد للمياه، و يشطارنا السكنى فيه قطيعان، أحدهما من الماعز و الآخر من الدجاج، يؤولان إلى مالكة المنزل التي تتحدَر من الأقاصي. المؤكد هو أن التيار الكهربائي يتغيب ساعات طوال عن البيت كل يوم، أسوة ببيوت الجيران، بيد أن نباح كلب المالكة يؤكد أن الله لم يذهب في إجازة و يترك للحكماء المرتزقة كل شيئ . غير أني ، في واقع الأمر، كنت فرحا بتوافر فرص أكبر لإلتقاء حكيم آخر كل ظهيرة بعد خروجه من مكان عمله، و من ثم الخوض في تلك الحوارات التي لا تنتهي عن الروحيات، و الماورائيات، و المنافي، و استحالاتها. فقط سوف لن يكون بمقدوري أن أعطيه بعضا مما إعتدت عليه من نقود قليلة توفر له تكاليف المواصلات و إحتساء كوب أو كوبين من الشاي في الكافتريا، إذ يتعين عليَ أن أضغط إنفاقي حتى يتناسب مع دخلي إبان المرحلة.

ثم كان أن إنتابت جمبلاط نوبة أصالة زائدة لعلها تعود إلى أيام دراستنا حيث كنا جميعا نتقاسم كل شيئ بدءاً بالغرفة و الطعام و دفاتر المحاضرات و حتى الثياب الأنيقة أو المميزة. لقد علم صديقي أنني بحاجة إلى تقليص نفقاتي بعد أن تحسرت على عدم قدرتي على إبتياع كتب، ظللت أنشد شراءها، من معرض كبير للكتاب يقام مرة كل عام في مكان قريب من وسط الثلث الأكبر للمدينة. عرض عليَ أنه سيشتري الكتب لأجلي لكنني أبيت. عرض، مُحرجا، أن يُقرضني ثمن الكتب على أن أعيده له متى ما تمكنت، غير أني رفضت عالما أنه سوف لن يأخذ مني شيئا وقت سداد القرض الزعوم. على أي حال فإن بواعث رفضي لم يكن لي أن أبوح له بها، و لا لأي أحد آخر إلى اليوم.


Post: #140
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-07-2006, 03:33 PM
Parent: #139

على أي حال فإن بواعث رفضي لم يكن لي أن أبوح له بها، و لا لأي أحد آخر إلى اليوم.

على أن رفضي لم يزد جمبلاط إلاَ إصرارا على العودة إلى أيام كرمنا الأمجد إذ كنا وقتها نتقاسم ما نحن بأمس الحاجة إليه. عرض عليَ أن أتخلى عن كراء غرفتي في المنزل القصيَ و الإنتقال إلى إقتسام السُكنى في منزله المنيف. رفضت بإصرار. لكنه ألح باستماتة و كأن المسألة بالنسبة إليه مسألة كرامة. إنتهى بنا الحال إلى أن أقبل أن آخذ نسخة من مفتاح البيت على أن أنتقل للسكنى فيه متى ما أرغب. و إلى ذلك الحين يمكنني استخدام المنزل لأيما غرض. لم أكن أرى غرضا واحدا يحدو بي إلى الذهاب إلى منزل جمبلاط، في غيابه، سوى استغلال الإمدادالسرمدي للمياه فيه لغسل أملاح الظهيرة عن جسدي وغسل ثيابي من آن لآخر سيما و أن إمداد المياه أصبح مضطربا جدا في منزلي بحلول الصيف الحارق.

عمدت إلى كافتيريا وسط المدينة لأتناول طبقا من الفول و قدحا من القهوة ، و طامعا في ذات الوقت أن أرى أحد أو بعض تلك الشخوص. كان صباحا جريئا يبشر بظهيرة حارقة و لذا فقد كان خروجي من غرفتي، في المنزل العشوائي، باكرا جدا سيما و أن التيار الكهربائي واصل غيابه لليوم السابع على التوالي فضلا عن أن الماء أضحى عسير المنال. تخيرت طاولة بدت أكثر تماسكا و كرسيا لم يك جيدا أبدا. جلست واضعا حقيبة محشوة بملابسي المتسخة بين قدميَ الاثنتين ثم تبلغت برغيف بطبق الفول الذي صار شحيحا مقارنة بأزمنة سبقت هيمنة الحكماء المرتزقة.


Post: #141
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-07-2006, 08:29 PM
Parent: #140

جلست واضعا حقيبة محشوة بملابسي المتسخة بين قدميَ الاثنتين ثم تبلغت بطبق الفول الذي صار شحيحا مقارنة بأزمنة سبقت هيمنة الحكماء المرتزقة.

لم أر في المكان أحد تلك الشخوص، و كان الوقت لا يزال باكرا على خروج حكيم من مكان عمله ليلتقيني، و لذا فقد يممت شطر موقف الحافلات القريب بعد فراغي من إحتساء القهوة متمهلا. إرتقيت الحافلة التي كان مكتوبا على زجاجها الخلفي "الراجي الله ما بندم" مما جعلني أمضي بتفكيري إلى حكيم و جملة كانت أثيرة لدى جدي الكبير: "الصابرات روابح و لو يجن ُقمَح". لا أدري ما الذي دفعني إلى الربط بين حكيم و جملة جدي الكبير. ربما موهبة العراف التي يتمتع بها حكيم إضافة إلى ولعه الواثق بالروحيات و الماورائيات هي ما جعلتني مجتمعة أذهب في هذا المنحى. جدي كان مشهورا بحكمته و عرافته اللتين يواريهما، تواضعا في ظني، حتى ممن يحاولون أخذ مشورته في كثير من أمور الحياة التي تعن لهم. أما حكيم فيكفيه أننا أطلقنا عليه هذا اللقب متلمسين حكمته الفريدة و غموضه الآسر.

إنطلقت الحافلة، بما حملت، قاطعة عليَ استغراقي في روحيات و ماورائيات حكيم. سرحتُ بعد هنيهة في البعيد الذي خلف الجسر، الذي كانت الحافلة تقطعه، و وراء المياه خالدة السريان للنهر القديم، المحايد. ترى كم من أحداث و حكومات و حكَام شهد هذا السريان؟ كم من جبابرة قطعوه على المراكب و مخرته سفائنهم؟ و اليوم كم من مركبات لهم، محملة بجثث المعارضين القتلى، تبخترت على الجسور التي تعلوه عند كل فجر أغبر؟ و كم من طائرات لهم حلقت فوقه في جنح الليل لتسقط في جوف الماء الحاني جسدا مغلولا لمعارض فتيَ قابرة إياه فيه إلى الأبد؟ و إذ أن الله فعلا لم يذهب في تلك الإجازة فقد كنت أفكر فيما سيتعين عليَ أن أفعله بهذا العبء، المسمى حياتي، الذي طفق يثقل كاهلي، و قبلا أتفكر فيما يتعين عليَ فعله لإكتساب لقمة العيش طوال إجازة الصيف المدرسية.


Post: #142
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mohamed Elgadi
Date: 05-07-2006, 09:20 PM
Parent: #141

Quote: و كم من طائرات لهم حلقت فوقه في جنح الليل لتسقط في جوف الماء الحاني جسدا مغلولا لمعارض فتيَ قابرة إياه فيه إلى الأبد؟


in one sentence you succeeded to connect the atrocities of South America (Argentine 1973) and Sudan of the 1985 when the cazy dictator did the same with the body of Mahmoud Mohamed taha...
Also, you strongly brought the image of Kafka's work, especially the Trial.

I had to go and read more on Kafka... I found this link might be of interest to you:
http://www.kafka.org/index.php?works

Franz Kafka (1883-1924)


Thanks a lot Ya Azizna, Abu Assal.. Looking forward to see this new work in a book...

mohamed elgadi

Post: #143
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-07-2006, 09:12 PM
Parent: #142

المحترم
د. محمد القاضي
سلامات يا سيدي. و شكرا جميلا على الكلمات المشجعة.
قرأت منذ سنتين the metamorphysis و the penal colony
لفرانز كافكا.. و أعدك أنني سأقرأ له المزيد مستقبلا
و بدون شك سعادتي بأن كلمات هذا العمل بعثت ذكريات من
أديب كبير كهذا لهي سعادة كبيرة بلا شك. شكرا على الرابط
و على كل شيئ
عشت

Post: #144
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-07-2006, 09:12 PM
Parent: #142


Post: #145
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-07-2006, 02:58 PM
Parent: #144

و إذ أن الله فعلا لم يذهب في تلك الإجازة فقد كنت أفكر فيما سيتعين عليَ أن أفعله بهذا العبء، المسمى حياتي، الذي طفق يثقل كاهلي، و قبلا أتفكر فيما يتعين عليَ فعله لإكتساب لقمة العيش طوال إجازة الصيف المدرسية.

ترجلت عند المحط الأخير للحافلة في الثلث الثاني للمدينة. آثرت أن أمضي إلى ذلك الكنيس الكبير القريب من موقف الحافلات. كان لون الطلاء قد حال من على جدرانه السامقة. رأيت جمهرة ليست ببعيدة منه. كما في المرة السابقة، أي قبل أكثر من أربع سنوات، كان جل المتجمهرين من ذوي السحنات الداكنة و الأجساد الناحلة و الثياب التي لا تثير إنبهارا، بيد أن في وسطهم تناثر بعض الشباب و الصبايا في ما بدا أنهم طلاب، و آخرون ألوانهم أكثر إنفتاحا. كانوا متحلقين حول ذات الرجل الذي بدا أكبر سنا بقليل، عمَا كان عليه قبل ذات السنوات الأربع، و تلوح على محياه آثار كدمات حديثة. كان يتحدث بصوت ذي وتيرة واحدة لا تعلو و لا تخفت، ثم يشير إلى الكنيس القريب و اللافتة التي حال لون حروفها التي تقول: "بيت الراعي الصالح". ثم في مرات أخرى يشير إلى مئذنة بعيدة عالية لمسجد كبير، و طورا ينحني رافعا، بإحترام ظاهر، بعض كتب وضعها قريبة من قدميه. كان يقول:

". . . الإتجاهات أربعة لكن الجهات لم تعد أربعا و كذلك الكتب لم تعد أربعة. في الماضي كنت أقول إن الإنجيل لأهل الجنوب، و القرآن لأهل الغرب، و التوراة لأهل الشمال، و الزبور لأهل الشرق. و اليوم هأنتم ترون سمتي مليئا بالكدمات. هذه الكدمات، و بما تنضح الآن به من ألم، لا تهمني بقدر ما هي وسيلتي التي عرفت بواسطتها أننا يجب أن نكون مؤمنين، قولا و فعلا، بالله، و بالوطن، و الخير، و الأُخوَة، و بالانسان. أجل، إن الكتاب الخامس، الذي هو للجهة الخامسة التي تضم الجهات الأربع مجتمعة، هو كتاب الإنسان، أو بالأحرى حقوق الإنسان.

نعم، أنا خارج لتوي من الإعتقال. لم توجه لي تهمة و لكني إعتقلت و سئلت الكثير من الأسئلة التي لم تخطر ببالي قط و سوف لن تخطر لو لم أعتقل. قيل لي إنني متنبئ جديد، و معارض، و خائن، و مرتزق، و عميل، و مهرطق، و كافر. لكنني أيقنت أن الله و الحاكم، أي حاكم، لن يتفقا أبدا."


Post: #146
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-07-2006, 06:53 AM
Parent: #145

لكنني أيقنت أن الله و الحاكم، أي حاكم، لن يتفقا أبدا."

و سكت الرجل. بدا عليه الإرهاق و الألم و ربما الجوع و العطش و الخوار. شق المتحلقين شخص ما ليعطي الرجل كوبا من عصير البرتقال أخذ يرتشف منه رشفات صغيرة ليقول من بينها:
" هأنذا أعود و أسأل أسئلتي القديمة عينها: أين التنمية و التعليم؟ أين العدالة الإجتماعية؟ أين الدولة التي تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها؟ أين التساوي بين المواطنين في الحقوق و الواجبات؟ هل "نحن" و "هم" مواطنون في نفس البلد و بنفس درجة المواطنة؟ هل نحن جميعا كذلك متساوون أمام الله؟ أين نصر الله؟ بل أين الله؟ هل الله موجود فقط في المساجد و الكنائس و المعابد؟ هل خطر ببال حكامنا و ساستنا بأطيافنا المختلفة في البلد العظيم أن يسألوا أنفسهم ذات الاسئلة؟ هل خطر ببالهم أن الدستور و القوانين هي الضمانة الكبرى للقضاء على ظواهر متعاظمة كالعنصرية و التمييز و الإعتساف و التجاوزات اليومية و الأكيدة لكل متنفذ؟"

الآن أتذكر لم بدا لي أن شيئا كان ينقص الرجل. نعم، أين ذهب غليونه؟ هل أُخذ منه في المعتقل، أم تخلى هو عن التدخين؟ برفق تحولت عن الجمع لأمضي إلى منزل جمبلاط بما أن الشمس قد أخذت تلهب سمتي الداكن، و لم تك ثمة فتاة جميلة لتقول لرفيقتها: "هذا الرجل مجنون!"، و لم يك أيضا ثمة ما يحوجني إلى أن أحتار كما في المرة السابقة: أعنت الرجل الذي يتحدث في قلب الحلقة أم عنتني بقولها ذاك!

ظللت ماشيا و أنا أتفكر في كلمات الرجل و تساؤلاته. إستغرقتني تماما. وصلت منزل جمبلاط و فتحت الباب المعدني الكبير بالمفتاح. و لجت و ما زلت أتفكر فقط في أسئلة الرجل و كلماته الواضحة. شرعت في إستخراج ملابسي المتسخة من حقيبتي الصغيرة و غسلها في طست كبير.


Post: #147
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-07-2006, 06:54 AM
Parent: #145

لكنني أيقنت أن الله و الحاكم، أي حاكم، لن يتفقا أبدا."

و سكت الرجل. بدا عليه الإرهاق و الألم و ربما الجوع و العطش و الخوار. شق المتحلقين شخص ما ليعطي الرجل كوبا من عصير البرتقال أخذ يرتشف منه رشفات صغيرة ليقول من بينها:
" هأنذا أعود و أسأل أسئلتي القديمة عينها: أين التنمية و التعليم؟ أين العدالة الإجتماعية؟ أين الدولة التي تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها؟ أين التساوي بين المواطنين في الحقوق و الواجبات؟ هل "نحن" و "هم" مواطنون في نفس البلد و بنفس درجة المواطنة؟ هل نحن جميعا كذلك متساوون أمام الله؟ أين نصر الله؟ بل أين الله؟ هل الله موجود فقط في المساجد و الكنائس و المعابد؟ هل خطر ببال حكامنا و ساستنا بأطيافنا المختلفة في البلد العظيم أن يسألوا أنفسهم ذات الاسئلة؟ هل خطر ببالهم أن الدستور و القوانين هي الضمانة الكبرى للقضاء على ظواهر متعاظمة كالعنصرية و التمييز و الإعتساف و التجاوزات اليومية و الأكيدة لكل متنفذ؟"

الآن أتذكر لم بدا لي أن شيئا كان ينقص الرجل. نعم، أين ذهب غليونه؟ هل أُخذ منه في المعتقل، أم تخلى هو عن التدخين؟ برفق تحولت عن الجمع لأمضي إلى منزل جمبلاط بما أن الشمس قد أخذت تلهب سمتي الداكن، و لم تك ثمة فتاة جميلة لتقول لرفيقتها: "هذا الرجل مجنون!"، و لم يك أيضا ثمة ما يحوجني إلى أن أحتار كما في المرة السابقة: أعنت الرجل الذي يتحدث في قلب الحلقة أم عنتني بقولها ذاك!

ظللت ماشيا و أنا أتفكر في كلمات الرجل و تساؤلاته. إستغرقتني تماما. وصلت منزل جمبلاط و فتحت الباب المعدني الكبير بالمفتاح. و لجت و ما زلت أتفكر فقط في أسئلة الرجل و كلماته الواضحة. شرعت في إستخراج ملابسي المتسخة من حقيبتي الصغيرة و غسلها في طست كبير.


Post: #148
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-07-2006, 07:16 PM
Parent: #147

شرعت في إستخراج ملابسي المتسخة من حقيبتي الصغيرة و غسلها في طست كبير.

أكملت غسل ملابسي جميعها ثم مضيت إلى الحمام لأغسل عن جسدي أملاح النهار و أدران عدة أيام من غياب الماء في الحي العشوائي حيث يوجد منزلي. أجل، اللحظة أرفل في رفاه حجرة حمام أشبه باستاد أولمبي إذ أقارنها بالوجود العدمي لغرفة حمام في البيت العشوائي حيث أقيم. نعم هناك أستحم فقط داخل غرفتي الوحيدة مستعملا طستا معدنيا جبارا و جردل ماء متوسط الحجم. عندئذ فقط يمكنني أن أزعم أن ذلك الوجود العدمي للحمام ما هو إلا طست و جردل معدنيان.عندما يزورني أحد أصدقائي أو يأتي أحد معارفي للمبيت معي أحيانا يضطر واحدنا إلى إخلاء الغرفة و الخروج إلى الشارع ريثما يستحم الآخر. نصر الله أخبرني ساخرا، ذات مرة، أنه يستنكف أن يستحم في غرفة نومي، و لذا فهو لن يأتي للمبيت و لو لليلة واحدة في غرفتي في البيت العشوائي. فقط سيأتي لزيارتي متى ما عنَ له ذلك. كان يتهكم على نحو آلفه منه.

خرجت نظيفا كطائر أزغب و دلفت إلى حجرة الصالون المستطيلة متمهلا. كنت سعيدا جدا فيما كانت العتمة تسيطر برغم سطوع شمس الصيف في رابعة ذلك النهار بالخارج. ثمة فوضى ما تفرض حضورها على المكان: قميص و بنطلون أنيقان لجمبلاط مرميان بلا إهتمام و كأنما خلعهما لتوه ليمضي مسرعا إلى مكان ما، على الأرجح هو الحمام الآخر، لقضاء حاجة لا تحتمل الإنتظار. حذاؤه يقبع مقلوبا هناك إلى جوار حذاء آخر، نسوي! ثمة بدلة خضراء تحمل نجمة و نسرا على كل كتف و على جوارها وُضع بعناية بنطلون بذات اللون! هي ولا شك ملابس ضابط شرطة. صديقي ليس شرطيا بالتأكيد. أعلم أنه ليس مثل الكثيرين في أزمنة الحكماء المرتزقة ممن يحملون رتبا أمنية في السر إلى جوار تقلدهم مناصب مدنية رفيعة طالما هم من المتأسلمين. هو فقط وكيل نيابة يعمل في نيابة الجرائم الموجههة ضد الدولة. و الدولة هي دولة الحكماء المرتزقة! بل هو أيضا مناضل من الداخل، و هو أحد المحررين للمرأة. مثلما فعلت من قبل فقد قررت بيني و بين نفسي منذ مدة أن أسميه الليبرتادور! لو أعرف له أصدقاء آخرين يحملون أيضا هذا الهلام الفكري الذي بدأ في إثارة فضولي لأسميتهم الليبرتادورس، و لإقترحت عليهم إقامة بطولة سنوية يتنافسون فيها، و لإقترحت أيضا تسميتها كوبا ليبرتادورس!


Post: #149
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 14-07-2006, 02:10 PM
Parent: #148

لو أعرف له أصدقاء آخرين يحملون أيضا هذا الهلام الفكري الذي بدأ في إثارة فضولي لأسميتهم الليبرتادورس، و لإقترحت عليهم إقامة بطولة سنوية يتنافسون فيها، و لإقترحت أيضا تسميتها كوبا ليبرتادورس!

هل أورثني حكيم بعضا من موهبة العراف؟ أم أن نهاري ذاك كان نهار نبوؤات مُضمرة؟ حدثت نفسي بأن أجول في جنبات المنزل لأخلق حميمية مؤقتة مع المكان فيما بدا. بدأت بحجرة النوم. عمدت إلى بابها. فتحته. قبل أن ألج فاجأني صوت يسأل:
-من هذا؟

كان صوت جمبلاط. رددت عليه ذاكرا اسمي فطلب مني أن أنتظر! تراجعت إلى الصالون الكبير المستطيل هاتفا:
-سأنتظر في غرفة الصالون.

عدت إلى غرفة الصالون ملغيا جولتي الفضولية في أرجاء المنزل المنيف. إقتعدت كرسيا كثيرا ما يروق لي أن أحتله إبان زياراتي السابقة لجمبلاط و حواراتنا، الودادية في صلابة، التي لا تنتهي. استخرجت من حقيبتي أحد الكتب الذي نجحت في استلافه من نصر الله و كان قد إشتراه من ذلك المعرض السنوي. شرعت أقرأ بنهم ناسيا الحر و ملابسي المنشورة على حبل الغسيل و جمبلاط القابع في غرفة نومه في وقت إعتقدت أنه يكون فيه عادة في مكتب النائب العام و حادي ركب العدالة أو بين ردهات المحاكم و نيابة الجرائم الموجهة لوطن الحكماء المرتزقة.

بعد مضي بعض الوقت جاء صاحبي ليسلم عليَ بشوق و أحضان. أخذ الملابس الخضراء في يد و في الأخرى أخذ الحذاء النسوي الأسود. ضحك ضحكة خافتة أعرفها منه و قال خارجا:
-يا ثيدنا ثأرجع إليك. إعطني خمث دقائق. إنها عملية كبيرة.

Post: #150
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-07-2006, 03:59 PM
Parent: #149

-يا سيدنا، سأرجع إليك. إعطني خمس دقائق! إنها عملية كبيرة.

كانت ريح خطيئة ما تفوح من صوته و صدى خطواته التي حاول عبثا جعلها واثقة. عدت إلى كتابي، من جديد، غارقا في النص الذي حكى عن نساء بلا رؤوس و رجال بلا أقنعة! استغرقتني التفاصيل حتى تحفز فيَ ذلك الشيئ الذي يستيقظ في الرجل، أيما رجل، عندما تلتقط أذناه صوتا أنثويا من حيث لا يتوقع.

مع إصاختي السمع إنقطع الصوت و كأنه لم يكن حتى أنني شككت إن كنت قد سمعته في الأساس. لكن صاحبي كان قد عاد، من جديد، مبتلا بالماء على نحو غير مظهره قليلا. بدا لي أكثر خواءً فيما كان قد استمتع برحاب الحمام الأولمبي. إرتدى ثيابه في عجالة تحاشى أثناءها النظر إليَ، لكنه تبادل معي كلمات مثَلت من جانبه أسئلة متلاحقة. لاح لي أنه كان يحاول الإمساك بزمام سيطرة ضائعة. فقط أجبت على أسئلته بكلمات كانت كافية بالضبط لذلك. قال:
-سأراك مساء اليوم. نهارك سعيد!

و خرج.

ما تزال النساء عديمات الرؤوس يشغلنني كثيرا، و لذا فقد كنت سعيدا بعودتي إليهن. ظللت أقرأ لفترة طويلة. في الواقع، أيضا، تذكرت الأمير و حكيم و نصر الله و الملتحي الذي كان شريكا لنا في الإعتقال و التنكيل. لم أتذكر ميادة على الإطلاق، مع ذلك! ربما لم أفعل ذلك إمعانا في الهرب إلى كل الإتجاهات باستثناء الحرية.


Post: #151
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-07-2006, 09:26 PM
Parent: #150

ربما لم أفعل ذلك إمعانا في الهرب إلى كل الإتجاهات باستثناء الحرية.

قمت إلى ثيابي المنشورة في فناء الدار تحت نيران أيار غير الصديقة. جفت تماما و لذا فجمعتها. كويت بعضا منها في غير إتقان ذلك أنني لا أطيق كي الملابس، و أُؤمن أن آخر العلاج الكي. تهندمت ثم خرجت بنية الذهاب إلى ذلك المكان آملا إلتقاء حكيم و تلك الشخوص.

* * *

كثرت لقاءاتي بحكيم طوال الصيف، و تكاثرت معها بشاراته بقرب خلاصه من المنفى المسمى قهرا وطنا. منذ أن كنا طلابا ثابر حكيم على تلك البشارات التي لم تتمخض سوى عن خيبات لم تثن عزمه. مثلما عجبت كيف لنحوله أن يتحمل وطأة التعذيب ذات ليلة انتهت بإنتصار ميادة السماوية على جلادينا، ما زلت أعجب كيف لعزمه أن يصمد إزاء كل هذه الخيبات و يستمر في إستيلاد البشارات واحدة تلو الأخرى. لكن "الراجي الله ما بندم"، و هكذا هو حال العراف يبشر دوما بالإنبثاقات.

أما الليبرتادور المدجن فأفصح أخيرا عن رزنامة بشاراته التحريرية. صعقت لذلك حد اليأس من معارضة الداخل مجتمعة. أيقنت أن من يتحالف مع الحكماء المرتزقة يكون قد تخلى، بغير مراء، عن حلفه مع الله الذي هو رب الملايين من المسحوقين و المنسحقة أرواحهم، و أن ذلك المتحالف و الله رب تلك الملايين، المنسحقة أحلامها، ينتهجان نهجين متضادين تماما. إذ لا يعقل أن يكون الله حليفا للحكماء المرتزقة و في نفس الوقت حليفا للمستضعفين من الرجال و النساء و الولدان. الله الذي لا يعرف الإزدواجية هو الواحد. . الأحد. . الفرد. . الصمد. . إلى آخر تلك الصفات العظيمة التي أصبح عليَ الإجتهاد في استظهارها كلما إجترح الحكماء المرتزقة فعلا يكاد يقوض في النفس أركان ذلك الشيئ الثمين الذي نسميه الإيمان.


Post: #152
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 22-07-2006, 02:44 PM
Parent: #151

إلى آخر تلك الصفات العظيمة التي أصبح عليَ الإجتهاد في استظهارها كلما إجترح الحكماء المرتزقة فعلا يكاد يقوض في النفس أركان ذلك الشيئ الثمين الذي نسميه الإيمان.

نعم فقد تحول الله من علياء عظمته بقدرة أكثر من قادر، و جميعهم حكماء مرتزقة، إلى مجرد كلمة يستكثرون أن يحلفوا بها فيلجأون إلى القسم بطلاق حليلاتهم مثلما دأب ذلك الرجل، صاحب خنفساءات أرسطو طاليس، عند كل محك. أو قل إختزلوه، تعالى، ليلعب دورا صغيرا لا يعدو كونه كلمة، أيضا، ظاهرها الحق و باطنها باطل الأباطيل. على أنني أكاد أجزم أن صديقي لم يكن من المجدفين أو مستبضعي الدين. هو فقط وكيل نيابة في نيابة الجرائم الموجهة إلى وطن الحكماء المرتزقة. و فوق ذلك هو ليبرتادور يستخدم أحصنة خشبية لا أعرف ما إذا كانت مستحدثة أم تالدة!

ما برحت ملهاة الحي العشوائي في المدينة الثلاثية تتأرجح ما بين غياب الماء ذلك السائل السماوي و إنقطاع التيار الكهربائي ذلك الفيض الشيطاني. من بين ذلك تأرجحتُ أنا المدرس المتبطَل ما بين غرفتي الصغيرة، التي ثابرت على المحافظة عليها برغم شح مواردي، و منزل جمبلاط المنيف بأشجاره المخضرة و نجيلته الفرنسية بالغة النعومة. في ذات الوقت لم تنقطع بشارات العرَاف، و إن إتخذت هيئة نبوؤات خجولة، مثلما لم تنقطع لقاءاتي معه.

قصدت إلى منزل الليبرتادور المدجن ضحى يوم قائظ حاملا معي حقيبتي عينها محشوة بالملابس ذاتها لأجل هدفي القديم نفسه. فتحت الباب المعدني ذي الذرف الثلاث، و ولجت. تجمدت عند المدخل إذ رأيت، فيما يرى اليقظان، صاحبي منتصبا بسمته، الذي ما عاد نحيلا، قبالة امرأة تلتصق به.


Post: #153
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-07-2006, 11:26 AM
Parent: #152

تجمدت عند المدخل إذ رأيت، فيما يرى اليقظان، صاحبي منتصبا بسمته، الذي ما عاد نحيلا، قبالة امرأة تلتصق به.

كانت المرأة، التي ترتدي غطاء رأس عسكري أسود اللون و تزين كل من كتفيها نجمة و نسر، تنشج و تولول بخفوت بينما تصدر عن صديقي آهات عميقة. نصفها الأسفل كان عاريا بينما المرأة متكئة على جذع شجرة المانغو و تضع يديها على كتفي الليبرتادور و كأنما تتعلق بهما. أما صديقي فقد كان يا رب كما خلقتني و هو يمسك بخاصرة المرأة. استوعبت كل المشهد لوهلة كفلت تجمدي ذاك. تراجعت فورا ثم أغلقت الباب، و شرعت في الذهاب إلى المنزل العشوائي في ذلك الصيهود المتعاظم.

فور وصولي تمددت على أحد السريرين في حجرتي الصغيرة. كنت متعرقا حد لزوجة الإهاب، و ألهث بتواصل مماثل للهاث كلب مالكة المنزل الذي كان باسطا ذراعيه تحت راكوبة صغيرة تجاور الوصيد. بالنسبة لي ما برح ذلك الكلب يؤكد أن الله لم يذهب في تلك الإجازة. حاولت أن أغلب أنفاس الصهد بالتناوم إذ أن رحلتي بحافلتين مختلفتين من بيت الليبرتادور الماجن إلى بيتي العشوائي أرهقتني متضامنة مع الحر و شح الموارد و عنت الحكماء المرتزقة. أصوات الآخرين من سكان حجرات البيت الأخرى تآمرت، مع الحر و طوفان التعرق و التفكر في صاحبي و المرأة عارية الأسافل، جميعها لتجهض عني تأثير التناوم. تخففت من ملابسي ثم استخرجت الكتاب و دفنت معاناتي بين النساء عديمات الرؤوس و الرجال غير المقنَعين.

ظللت أقرأ متقلبا على السرير إلى أن رأيت مركبة تجرها أحصنة بيضاء عديدة و هي ترتقي ماء نهر جميل البياض إلى السموات العُلا. كان النهر عند نهاية الأفق يتحد مع بياض السماء و ندف السحاب. فجأة إندفع الماء منهمرا في غزارة من نقطة التلاقي. شرع آلاف من الناس يتراكضون فرارا من فيضان الماء الذي كان ناصع البياض. بقيت المركبة و الأحصنة معلقة هناك بين السماء و السحب و النهر، و إمتلأ كل شيئ ببياض أصيل.


Post: #154
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 25-07-2006, 08:49 PM
Parent: #153


(6)

عاودني الوجود. . أعقبته اليقظة. كانا كخطين متوازيين إنتصابا أحدهما يفرع الآخر طولا. كقطبي مغناطيسين تنازعاني في بادئ الأمر، ثم إلتصقا بي محررين كل قواي العقلية و الجسدية، و شهواتي أيضا. رفعت هاتفي و طلبت عبره الطعام. بعد مجيئ الخدمة أكلت بتوحش و ربما بدائية. إكتفيت من الطعام و كان، بالفعل، كافيا لإشباع سبعة أبطال كما طلبت. إغتسلت و تهندمت ثم تطلعت إلى خيالي في مرآة بسبعة أضلاع. بدوت أصغر سنا بكثير، و أقوى. ثم هبطت من تلك العلياء.

في بهو الاستقبال أشياء عديدة مختلفة: الموظف لم يك هو عينه. الطاولة ذات الألوان المريحة تبدلت بيد أن ألوانا أكثر إراحة للعين تبدت منها. الرحابة الآن أكثر طغيانا و تجبرا. الجالسون مرآهم العام بدا مغايرا تماما. فقط صوت الموسيقى الهادئ ظل هو ذاته و . . . و شخص جاء أنيقا كما الوسامة.

يتقدم الوسيم مني في هدوء ودود. يحييني و يتخيَر ذات الأريكة التي إخترت الجلوس عليها. يتكلم بحياد:
-جئت في زيارة ودادية.

يصمت منتظرا أن أعلق بلا طائل. يُقلَب ناظريه في الفراغ و يكتشف ألاَ موئل له من المواصلة:
-بدءاً، مرحبا بك في أورينت تونغا. أنا الآن تحر بلا مساعد، أو حتى عمل. على الأرجح أنني لست تحريا على الإطلاق. أنا ماض ينشد استعارة سمعك. . ماض بلا ملامح يتقمص دور سرد غير ضروري.


Post: #155
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 28-07-2006, 12:03 PM
Parent: #154

على الأرجح أنني لست تحريا على الإطلاق. أنا ماض ينشد استعارة سمعك. . ماض بلا ملامح يتقمص دور سرد غير ضروري.

لا أزال عند صمتي. أحاول تذكر قسمات صوته و مدلولات عينيه. الآخر يتحفز أكثر للحديث بينما لا أجد مسوغا واحدا يحفزني للإستماع، لكن اللياقة تفرض إعطائه فرصة الاستمرار:
-إتَُهم أحدهم ثم حوكم في جزيرة عجيبة. أُدين. كان عليه أن يقضي عددا من الساعات في الخدمة المجتمعية كعقاب له. لم يك عالما بالحقيقة المفجعة جدا الكامنة وراء ذلك، إذ بات زمانه مُنتقصا بمقدار عشرين حِجَة.

عليه إنتباهة دائرية، و هو يستمر:
"جاءته شرطية كان قد تعارف معها فيما سبق المحاكمة. جاءت مرتدية ملابس ضيقة للغاية. . ملابس هي في الأصل حمالة أثداء مشعة الألوان و ذلك الشيئ النسوي الرقيق الذي تتناغم ألوانه و الإشعاع. لم تنس في مجيئها ذاك أن تستصحب كبرى عتمات اليوم. حينها كانت تسيطر على عالمه عتمة جبارة حاول مزجها برمل الساحل و زرقة مياهه على الحافة الغربية للجزيرة.

في مجيئها ذاك إنبثقت أفروديتا الشرطة من الماء، على حين غرة، أمامه. شع جمالها على صفحة الماء الرمادية مثل فكر ثاقب. ظن نفسه يحلم أو تلد أفكاره ملكات جمال خرافيات. لكن المرأة دنت منه في هدوء إلى أن إلتصقت به تماما. كان كمن يتكئ عليه حائط من الثلج الأسود. همستْ:
-لست شرطيتك التي تظن. هي لم تكن سوى رجل بايولوجي.

أخذ حائط الثلج يذوب لتواصل أفروديتا:
-ما بيني و بينها ليس سوى تماثل في الملامح. أما الروح.. العشق.. و أغوار الجسد، و حتى الشبق فعلى النقيض تماما.


Post: #156
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 31-07-2006, 03:41 PM
Parent: #155

-ما بيني و بينها ليس سوى تماثل في الملامح. أما الروح.. العشق.. و أغوار الجسد، و حتى الشبق فعلى النقيض تماما.

تسقط قطرة فهم خجولة على إدراك الرجل، فيجلس كأنما هو متعب، و يواصل الاستماع:
-في الجزيرة يعيش أكبر تجمع للملكات. هن في الواقع ذكور تربوا منذ الصغر مع النساء ليسلكوا مثلهن و يلبسوا كذلك، و يُخاطبوا دائما بضمير المؤنث. حتى الاسماء التي يحملونها هي أسماء نسائية تماما. هؤلاء "الملكات" يسعون إلى ممارسة الجنس مع رجال حقيقيين لأنهم يعتقدون أن ممارسة الجنس مع بعضهم ما هي إلا محض سحاق! أما الجنس مع النساء فغير وارد في حساباتهم على الإطلاق. لتأكيد هويتهم النسوية ينتهي بهم الأمر إلى الاستحقان بهرمونات أنثوية. ما جاء بهم إلى تلك الجزيرة المنعزلة لم يكن سوى قضاء عقوبات متفاوتة على جرائم متباينة بيد أنها جميعا تحمل طابع الجنس. في الجزيرة كان هناك رجلان سويَان فقط هما التحري و أنت. لذا كنت هدفا معلنا للبعض أمثال المحامية و الشرطية، و مستترا للبقية مثل القاضي و المحلفين و الجمهور. أما التحري فقد كان الجلاد الأعظم.

"هبت قائمة من حجره. عدت نحو الأفق البعيد ثم غاصت فجأة في لجة البحر مثلما وُلدت منها.
تآمرت جميع العتمات على الرجل و توحدت، عاصفة به إلى عرض البحر المحيط."

استطالت استدارات الإنتباهة لتصبح بيضاوية مع الصمت الذي أعقب حديثه المباغت. أكاد أتعرف الصوت الذي تجعد بكل وضوح. العينان أتعرفهما فجأة. هو عجوزي بكل شيخوخته الواثقة. بدا الآن أكبر سنا منه في أي وقت مضى و هو يواجهني بإحساس مستغرب. إحساس أعرفه جيدا من جهتي. أكاد أتيقن أنه سوف لن يعود ليروي لي شيئا عن "صاحبي" كما يسميه. لكن أنتظر فقط أن يقرر الحقيقة بكلماته. أتوقع أكثر أن يسمي من يخلفه في مهمته العسيرة.


Post: #157
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 02-08-2006, 03:30 PM
Parent: #156


(7)

-ها هو يفعلها أخيرا.
-ما أراها سوى أكذوبة جديدة ضمن منظومة أكاذيب الحكماء المرتزقة، و صاحب الخنفساءات.

تفوهت بعبارتي الأخيرة بيقين، بينما جلس جمبلاط على كرسيه الأثير و هو يحسو كأسا من العرق في رشفتين. كان أثر إرتشافه للسائل الشفاف باديا من تجهمه الذي لا يعكس جذله بما يفوه به ذلك الرجل في جهاز التلفزة. بدا الرجل التلفازي، في تلك اللحظة بالذات، منتفخا منفوش الريش مثل إحدى خنفساءات أرسطو طاليس المئة، على أن الخنفساءات لا ريش يكسوها.

حكيم المبتسم في وداعة و السعوط يتربع على زاوية فمه العليا، كان يجلس مسترخيا على الأريكة الوثيرة بيني و بين نصر الله الذي قال:
-لا تعدو المسألة كونها تبلوُر لمراكز القوى العرقجهوية الجديدة داخل التنظيم/الدولة.
-لكنها تبدو فادحة و مضخمة حتى تنطلي علينا بل و تنطلي على العالم أجمع. أعني الأكذوبة الكبيرة.

كان جمبلاط قد رأى في عبارتي فرجة يمكنه أن يدخل بها ليدعم نظريته بأن الرئيس أطاح فعلا بالعرَاب، و لذا فقد سأل متحمسا:
-ما دخل "العالم أجمع" بإنشقاق التنظيم المُتأثلم، يا أخي؟
قلت في تسرع متيقن:


Post: #158
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-08-2006, 09:52 AM
Parent: #157

قلت في تسرع متيقن:

-تذكرون جميعا أنهم فور وأدهم الديمقراطية، التي كانوا جزءا منها، و إغتصابهم السلطة سارعوا إلى إقامة المؤتمرات لكل متطرفي العالم و بالذات اليمين المتأسلم، سواء أكان شيعيا أم سنيا، من مناطق الشرق الأوسط، و شمال إفريقيا، و أوربا، و آسيا. لم يكتفوا بذلك بل فتحوا الكثير من معسكرات التدريب العسكري لهذه الحركات و التنظيمات و مولوها بدعوى جهاد أميركا و الإتحاد السوفييتي؛ فرس و روم هذا العصر بحسب زعم المتأسلمين. كانوا يبشرون بأن دولتهم هي دولة الله في أرضه و أنهم هم نخبته حكماؤها، و أن العراب هو مجدد الفكر الاسلامي. بالطبع لن أنسى الإشارة إلى أنهم فتحوا أيضا أبواب هذا البلد، المغلوب على أمره، لتنظيمات أخرى غير اليمين المتأسلم المتطرف بهدف زيادة نفوذهم على أصعدة مختلفة، ولم يفتهم أن يدغدغوا أماني هذه التنظيمات بأكاذيب من نوع آخر بالطبع.

سكتُ لأتناول كوبا من العصير إرواءً لظمأٍ كبير، بيد أن جمبلاط ما زال يستمسك بقشة أن الرئيس أطاح بالمتأسلمين، و أماط- أي الرئيس- اللثام عن وجهه العسكري الحقيقي. فقال:
-و إذن، ما زال تساؤلي قائما: ما دخل العالم أجمع بإنشقاق التنظيم؟


Post: #159
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-08-2006, 04:25 PM
Parent: #158

-و إذن، ما زال تساؤلي قائما: ما دخل العالم أجمع بإنشقاق التنظيم؟

-التنظيم/الدولة، بحسب تسمية نصر الله، كان يقوم بكل ماذكرت من استضافة و تدريب و تمويل من أصبحوا يُعرفون فيما بعد في كل أجزاء العالم و وفقا للتعريف الأميركي بالإرهابيين، إضافة إلى إثارة القلاقل عبر هؤلاء في كثير من البلاد المجاورة بحلم السيطرة على مقاليد الحكم في تلك البلاد، و من ثم إنشاء الدولة الكبرى لخلافة الحكماء المرتزقة. كان التنظيم يراهن، في بقائه على سياساته تلك، على وجود قوتين كبريين تقوم بينهما حرب باردة و تنافس سرمدي على النفوذ و الأغنام الدولية القاصية. منذ عدة سنوات بات جليا لهذا التنظيم/الدولة أن الولايات المتحدة أمست وحدها القوة العظمى في العالم، بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي، و أنها بعد غزوها للعراق مرتين و لأفغانستان مرة لن تتورع عن فعل ذات الشيئ و الإطاحة بكل من يخرج على نظامها الامبراطوري العالمي الجديد. و بما أن التنظيم المتأسلم كان قد حاول التقرب إلى هذه القوة المنفردة دون نجاح، و ما يزال، فقد أضحى لزاما عليه أن ينحني لعواصفها ريثما تمر بسلام. و ها هي إحدى وسائل الإنحناء: الإقصاء، التمثيلي، للعراب بدعوى أنه وحده يمثل التيار المتشدد.

لكن حكيما تربع يستمع في استرخائه و تبسمه دون أن يفوه بشيئ، إذ كنا آنئذ نجلس في صالون جمبلاط الذي كان قد دعانا لتناول طعام الإطفار في تلك الأمسية. كان شهر صوم قائظ من إحدى عجاف الحكماء المرتزقة. مع ذلك لم يرتدع جمبلاط عن حسو العصير الشيطاني و لعن أشياء كثيرة من بينها دين الحكماء المرتزقة. و فيما كنت قد دأبت على مراقبة تناقضات جمبلاط منذ زمن بعيد فقد ثابرت، وقتئذ، على إنتظار أن يعلق نصر الله بشيئ أكثر من عبارته اليتيمة منذ بدء مجلسنا. أخيرا عيل صبري فقلت سائلا الأخير:


Post: #160
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 07-08-2006, 01:11 PM
Parent: #159

و فيما كنت قد دأبت على مراقبة تناقضات جمبلاط منذ زمن بعيد فقد ثابرت، وقتئذ، على إنتظار أن يعلق نصر الله بشيئ أكثر من عبارته اليتيمة منذ بدء مجلسنا. أخيرا عيل صبري فقلت سائلا الأخير:

-ما رأيك، أخي، في كلام السيد المارشال الرئيس؟
-اعلم، يا صديقي العزيز، أن هؤلاء الناس يجيدون إلقاء الحجارة في الماء، كلما ركد، توطئة لضخ مرحلة جديدة. إنهم يفعلون ذلك بإقتدار مقيت.
-انظروا إلى عينيه! إن هذا الرجل عبقري في غبائه.
أخيرا هتف حكيم، فقلت:

-إن غباء هذا الرجل خادع جدا، و لذلك فهو يكذب و يتحرى الكذب حتى أنه لم تبق له صحيفة، عند الله، يُكتب فيها كذابا. ألا ترون أنه هنا يعترف بالكذب البواح على الشعب و العالم أجمع، في مرحلة سابقة، حتى يبدو إقصائه للعرَاب حقيقيا؟

قال نصر الله:
-لا أصدق أنه يعترف هكذا ببساطة بأنه كذب على الشعب و خدع الجميع فقط لكي يُظهر العراب بمظهر الماكر. هما شريكان أصيلان في الكذب و في الخداع، و إذا كان العراب مخادعا و ماكرا فهذا الرجل لا يقل عنه في شيئ. و ليس هناك ما يمنعهما معا من الاسترسال في أكاذيبهما طالما آتت أكلها مرات سابقة عديدة.
-لكنه، فعلا، أطاح الآن بالمتأثلمين.
قال جمبلاط بإصرار. فرد نصر الله:


Post: #161
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-08-2006, 12:28 PM
Parent: #160



-لكنه، فعلا، أطاح الآن بالمتأثلمين.
قال جمبلاط بإصرار. قلت:

-و لكنه أيضا وضع العراب في السجن من قبل، ثم ها هو يعترف بأن ذلك لم يكن سوى بوحي من العراب نفسه و استكمالا لكذبهما بألاَ علاقة للتنظيم بالإنقلاب.

قال نصر الله و كأنه فقط سمع عبارة جمبلاط:
- لم يطح بهم جميعا. هو فقط أطاح بقسم منهم، و إحتفظ بالقسم الذي ينتمي لذات جهته.
-هو نفسه متأسلم قديم، و ليس حليفا للمتأسلمين كما تزعم يا جمبلاط. كلنا يعلم تماما حقيقة صلته القديمة بالتنظيم المتأسلم منذ أن كان ضابطا برتبة صغيرة، فوق أن أشقاءه مشهورون بإنتمائهم لذلك التنظيم. يمكنك أن تضيف إلى ذلك أن الكثيرين من أفراد أسرته و عشيرته هم من القيادات العليا و الوسيطة في التنظيم/الدولة.

هكذا قال حكيم بتؤدة عراف متمرس. بيد أني قلت:
-انظروا إلى قراره. هو أطاح بالشق الذي أشتهر عنه تطرفه و أصوليته الفاضحة، حتى يبدو القربان مستساغا لأميركا؛ إله العالم اليوم. إن شق العرَاب و مقربوه هم، كما أسلف نصر الله، في معظمهم ينحدرون من تلك الجهة. لكن في نظري أنه من الطبيعي بالنسبة لتنظيم استعلائي كهذا أن يعمد إلى أدوات مختلفة، كالجهوية في هذه الحالة مثلا، ليحافظ على ولاء و تماسك عضويته بحكم عقلية و ميول هذه العضوية نفسها سواء أكانت دينية أو جهوية أو عرقية أو إقتصادية. إنه تنظيم يشبه عاهرة متمرسة تضع لكل زبون الروج المناسب.



Post: #162
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 11-08-2006, 09:22 PM
Parent: #161

إنه تنظيم يشبه عاهرة متمرسة تضع لكل زبون الروج المناسب.

قال نصر الله و كأنه يواصل طرحا قديما:
-بالنسبة لي أعتقد أن هذه الإطاحة بالعراب حقيقية، و هي تمثل الاستغناء عن كل من لا ينتمي إلى جهة الرئيس و مقربيه بعد أن أدى أؤلئك دورهم كاملا في تثبيت التنظيم على سدة الحكم. هكذا الآن يسفر هؤلاء العنصريون عن وجههم الجهوي البغيض.

لكن حكيما قاطعه بقوله:
-و إذن، فيبدو أن لديك نظريتان حول إنقسام التنظيم المتأسلم؟
-نعم! أولاهما أن الإنشقاق غير حقيقي. و ثانيتهما أنه حقيقي مئة بالمئة!

أظنني أدركت وقتها لماذا كان نصر الله موزعا بين الإحتمالين، فالرجل قد أفرج عنه بعد محاولة إعدام حقيقية قبل أيام قليلة من مجلسنا ذاك. مازال يعاني من تبعات تسعة أشهر من التعذيب الهائل في سجون الاستخبارات العسكرية و معتقلات جهاز الأمن، و إعدام صوري تكرر ثلاث مرات. كان شاحبا متيبسا و جسده مليئ بالتقرحات. لم يبق من صديقي القديم سوى شفتين غليظتين، و عينين متقدتين بالذكاء و الصراحة، و عزم لا ينثني. هو عندما يتحدث هكذا فذلك عن خبرة أصيلة و دراية عميقة بكيفية التفكير الحربائي للحكماء المرتزقة. بإختصار هو يعتقد، و أتفق معه في ذلك، أن تفكير الحكماء ذو طبيعة أمنية بحتة و ليس غير. نعم نحن نعيش في دولة تحكمها أجهزة الأمن، و قادتها حكماء أمنيون مرتزقة. لكن في نظري، أنا غير المتضلع، العالم بأسره أمست تحكمه أهواء و مصالح أجهزة الأمن و المخابرات، و ليست المليون وحدة مربعة وحدها.



Post: #163
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-08-2006, 09:28 PM
Parent: #162


لكن في نظري، أنا غير المتضلع، العالم بأسره أمست تحكمه أهواء و مصالح أجهزة الأمن و المخابرات، و ليست المليون وحدة مربعة وحدها.

-أيها الشرفاء، لا بد لنا من إحتفال محترم بهذه المناثبة الجليلة!
كان جمبلاط قد فاه بهذه الجملة بلسان متعثر لقائد أحمق، منتصر. ها هو قد بدأ يثمل. ربما يفكر في المزيد من العصير الشيطاني. بيد أنه لم يدع لي فرصة كبيرة للاسترسال في تحليلاتي، إذ أضاف:
-الجنث وحده يحررنا أكثر و يثلُح طقثا إحتفائيا بإقثاء الكذبة.

كنت فقط أنظر إليه باندهاش كبير. ها هو يعود مبشرا، من جديد، برزنامته غير المجيدة بعد أن تواجهنا أخيرا بصددها ذات أمسية خضراء. لم يكن ما ساق من مبررات ليقنع خنفساء واحدة من خنفساءات أرسطو طاليس ناهيك حتى عن إقناع الرجل صاحب الخنفساءات نفسه، و شخص غافل مثلي. في تلك المواجهة، التي تبدو بعيدة الآن، سألته عن إدعاءاته بشأن تحرير المرأة. حاول أن يراوغ كعادته، لكني واجهته بحادثتي المرأتين ذواتي البذات البوليسية الخضراء و النسور الفضية. إعترف بكل بساطة بأنه كان يتصيد المتأسلمات ممن يعملن في ذات محيط عمله بنيابة الجرائم الموجهة ضد وطن الحكماء المرتزقة. كن قاضيات و محاميات و ضابطات شرطة و متدربات و متطوعات و طالبات قانون. كان يستمتع بتحريرهن من ثيابهن المتأسلمة. قال بعد تفكَر:
-لشد ما أثتمتع أكثر عندما تكون إحداهن ضابط شرطة.
ثم مسترسلا:
-كنت أطلب إليهن أن يرقثن رقثة العروث و هن متجردات إلا من قميث الشرطة المذين بالنجوم و النُثور. كنت أضاجعهن و هن بذات الذِي، بعد أن أقطع عليهن رقثهن ذاك. أحيانا أُثرَ عليهن أن يتجردن من جميع ثيابهن عدا غطاء الرأث، ثم أضاجعهن مثتلقيا على ظهري خلال ثاعات الظهيرة و أنا أحدق في غطاء الرأث الذي يحمل علامة الشرطة.


Post: #164
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 16-08-2006, 02:04 PM
Parent: #163

أحيانا أُثرَ عليهن أن يتجردن من جميع ثيابهن عدا غطاء الرأث، ثم أضاجعهن مثتلقيا على ظهري خلال ثاعات الظهيرة و أنا أحدق في غطاء الرأث الذي يحمل علامة الشرطة.

و ها هو اليوم يرى في الجنس طقسا إحتفاليا بإقصاء العراب! هل بلغت الغفلة بصديقي أن يرى في إقصاء الرجل و زمرته المزعومة خلاصا من نير التنظيم المتأسلم، فيحتفل، أي صديقي، بذلك بممارسة الجنس؟ و مع من؟ لا يهمني التساؤل الثاني على الإطلاق! ما يهمني هو أن المارشال الرئيس و زمرته التي بقيت على تأييدها له شركاء تماما و على قدم المساواة مع العراب و مجموعته في كل ما تم في المليون وحدة منذ سرقة التنظيم المتأسلم للسلطة في البلاد و إلى اليوم.

..........................*..................*....................*..........................

صباح قائظ، و شمس صريحة للغاية تحاول أن تقف شاهدة على إخلاص الكثيرين في التُقى و الصوم، و شعاراتهم في هذه الحياة الدنيا. بالطبع تلك الشمس، في شهادتها، لن تستثني أحدا بما في ذلك مليكنا الجديد و حاشيته. من جهتي مازلت ذلك الشاب الغرير الذي يمد جسورا مع الحياة و الناس و الشمس الأكثر سطوعا و مع الله. كانوا جميعا، بما فيهم الله رب العالمين و باستثناء مليكنا الجديد و حاشيته، كرماء معي حد التدليل، ذلك أنني شاب محظوظ أو فلنقل إنني سعيد بزمرة أصدقائي الشبان. معظمهم تآلفت معهم إبان تلك الحقبة التي يبدأ الانسان فيها إكتشاف الحياة، و القيم، و الفرح، و الحزن، و اللذة، و المرارات، و الجسد، و الروح، و الحب، و لا سيما العذابات.


Post: #165
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-08-2006, 02:39 PM
Parent: #164


معظمهم تآلفت معهم إبان تلك الحقبة التي يبدأ الانسان فيها إكتشاف الحياة، و القيم، و الفرح، و الحزن، و اللذة، و المرارات، و الجسد، و الروح، و الحب، و لا سيما العذابات.

و النهار قد أضحى قائظا جدا كأنما ليدلي الصهد أيضا بشهادته إزاء أؤلئك الكثيرين زارني حكيم و الأمير و شددا على أننا سنترافق في زيارة مهمة صبيحة يوم العيد إلى منزل عبد الأحد، زميلنا السابق، في ضاحية جميلة تقع شرقي المدينة الثلاثية. لا بد لي أن أقر أن عبد الأحد عبد الأحد كان صديقا مقربا من زميليَ، بيد أنه كان زميل دراسة لنا جميعا في المرحلة الثانوية. شرحا بتفصيل مؤلم لماذا تبدو تلك الزيارة مهمة. وافقتهما معترفا، في ذات الوقت، بأنها ستكون زيارة صعبة جدا، على الأقل من وجهة نظري.

ما يزال ثنائي الشمس و الصهد على موقفهما من الإدلاء بشهاداتهما تجاه الكثيرين و على وجه الخصوص رئيسنا الجديد و عسكره و عسسه. و لذا فقد ذهبنا إلى منزل عبد الأحد عبد الأحد، في سيارة حكومية بيضاء تؤول إلى والد زميل لنا آخر يعمل، الوالد، ضابطا كبيرا جدا في الجيش. الزميل ابن الضابط الكبير كان يقود السيارة بتؤدة و كأنما يريد لرحلتنا أن تستمر إلى الأبد. كنت صامتا في جلوسي بين حكيم و جمبلاط في المقعد الخلفي بينما جلس الأمير و زميل آخر محشورين إلى جوار قائد السيارة سليل الضابط الكبير. لم يكن هناك ما نجرؤ على التحدث به في ذلك الضحى العجيب من ثاني أيام العيد المجيد. صمتنا مجيد أيضا كما ذلك العيد. إنه صمت ساحم لا يليق بشبان في مطلع حياتهم يركبون سيارة فارهة في طريقهم إلى زيارة صديق و زميل في ضحى أحد أيام عيد الفطر السعيد. لكن الحضور الجبار للموت هو الذي فرض ذلك الصمت الكامد على عيدنا و على صغر سن كل منا. كانت السماء تتدثر بطيور جبارة غير مرئية ترسل ترانيم حزينة غير جهيرة. إنها مرثية الضابط العظيم في الوطن العظيم.



Post: #166
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-08-2006, 01:14 PM
Parent: #165


إنها مرثية الضابط العظيم في الوطن العظيم.

وصلت السيارة البيضاء بنا إلى ضاحية عبد الأحد. هكذا كان هذا الاسم قد أُطلق على الضاحية تيمنا بالجد الكبير لعبد الأحد منذ أمد بعيد بعد أن أتى بالعديد من المآثر ليستقر في قرية صغيرة إلى جوار النهر. أوقف ابن الضابط الكبير السيارة، تماما، أمام دار عبد الأحد. ترجلنا جميعا مستدعين كل تباطؤ مستحيل. أخيرا وقفنا دهرا من الأحزان أمام الباب الموارب، ثم قام الأمير بقرعه قرعات واضحة متفرقة و كأنما ليسد المجال أمام أي نكوص غير متوقع. إنتظرنا قليلا ريثما ينفتح الباب الموارب على إتساعه ليقف عبد الأحد على عتبته مبتسما ابتسامة عريضة. ها هو ينادينا جميعا بأسمائنا ثم يصيح في فرح حقيقي:
-مرحبا بكم! كل عيد و أنتم جميعا الأسعد!

صُعقنا حد الإرتباك. لكن الأمير إبتدر عبد الأحد بحضن حنون، ثم حذونا جميعا حذوه معتنقين الشاب الوسيم، و يردد كل منا تهاني العيد، و أمانيه، و عبارات السلام المكرورة. دعوته إيانا إلى ولوج البيت و تفيَؤ الكراسي المريحة في صالون الدار الفسيح لم تزدنا سوى إرتباكا و عقولنا مزيدا من التفكَر لإستيعاب الوضع.

ثمة صوت هادئ و حنون ينبعث من جهاز تسجيل حديث زاد إرتباكنا حد الوجوم. كانت موسيقى حيادية تبعث في النفس مشاعر شتى ليس من بينها الحزن أو الألم أو الوجد أو الفقد. لم تكن سعيدة مع ذلك. غاب عبد الأحد قليلا ليقدم لنا حلوى و عصيرا، ثم غاب من جديد. تهامس الأمير و حكيم و ابن الضابط الكبير في ما بينهم عن كيفية التصرف و بماذا يجب أن نتحدث و كيف سنجابه الوضع الذي بدا لي شاذا و غريبا جدا. بدا كذلك لرفاقي الشباب أيضا. من الواضح أنه لم يكن كذلك لعبد الأحد و أسرته، إذ كان صوت إخوة عبد الأحد الأطفال يأتينا جذلا بالضحك و الصياح فيما بدا أنه لعب خالص. ثم كان دخل علينا و قال:



Post: #167
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-08-2006, 01:27 PM
Parent: #166

ثم كان أن دخل علينا و قال:
-الوالدة تسلم عليكم!

دخلت الصالون امرأة رصينة في ملاحة كانت قد منحت قسما منها لوسامة عبد الأحد. ثوبها النسوي الأنيق يحمل ألوانا زاهية يروق للأعين أن تستقر عليها. حمل دخولها عبق عطور جميلة يعرفها كل منا في أمه و أخواته المتزوجات و كل النساء اللائي نحبهن و نحترمهن في بلادي. سلمت علينا، بأنامل تزينها الحناء، واحدا تلو الآخر في دعة أم رؤوم فيما كان ابنها يقدمنا إليها. هنأناها بالعيد و تمنينا لها كل ما هو جميل و لكل ابنائها، فدعت لنا خالص الدعاء ثم خرجت عنا في تمهل سماوي.

شرع عبد الأحد يسألنا عن العيد و الحياة و عن كل ما نفعل أيامها سيما و أن إنتظار قرارات القبول بالجامعات طالت أشهره كثيرا ذلك العام. و فيما نحاول طرق سبل للحديث الطبيعي إنطلق زميلنا السادس يسخر من نفسه، و من الناس، و الحياة، و فيضان النهر. شاركنا جميعا في الحديث مستمسكين بتلك القشة و الزميل ماض في سخريته التي تضطرنا في أقصى حالاتها للتبسم في حذر. باختصار، تحدثنا في كل شيئ عدا عن ما جئنا في الأساس من أجله. ثم جاء آخرون من معارف و أقارب عبد الأحد عبد الأحد مهنئين بالعيد في ود حقيقي، و فرح خالص ظل يدهشنا! استمر الشاب الوسيم في تقديمنا لكل قادم إلى أن غادرنا و التساؤلات تزحمنا. هل ما شهدناه في بيت عبد الأحد حقيقي؟ طبيعي؟ تمثيلي إختياري؟ تمثيلي إجباري؟



Post: #168
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-09-2006, 10:55 AM
Parent: #167


هل ما شهدناه في بيت عبد الأحد حقيقي؟ طبيعي؟ تمثيلي؟ إختياري؟ إجباري؟

* * *

ضحى مشرق جدا في المليون وحدة بجهاتها العديدة و الضابط الكبير يقترب من الجسر بعربته الجديدة و لونها العسكري الكامد. كان يفكر في ترقيته التي أضحت قريبة و أحلامه بأن يكون مؤثرا في الجيش. فقط يلزمه إظهار مزيد من الولاء لهؤلاء المتأسلمين حتى تسير الأمور كما ينبغي.

لكن ها هي الشمس توزع ضياءها بكرم مريب رأى من خلاله جمعا من العسكريين، مدججين بالسلاح و وجوههم مكفهرة، يسدون مدخل الجسر إلى ثلث المدينة الثالث. دنا منهم ثم أوقف محرك العربة و ترجل. في الحال برز من بينهم ضابط شاب يعرفه جيدا ليتقدم منه آمرا إياه بالرجوع لأن الجسر مغلق في وجه الجميع ذلك اليوم! استشاط غضبا و عنَف الضابط الشاب واصفا إياه بإنعدام الإنضباط! لكن الضابط الشاب قاطعه مناديا إياه باسمه ليكلمه بلهجة آمرة متسلطة و يقول له:
-عد إلى منزلك!
-أيها النقيب، ألا تعرف إلى من تتحدث؟
-أعرف جيدا، و لهذا آمرك بالرجوع إلى بيتك و إلاَ...
-و إلاَ ماذا؟



Post: #169
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-09-2006, 11:37 AM
Parent: #168


-و إلاَ ماذا؟

لم ينبس الضابط الشاب ببنت شفة. فقط تقدم من الضابط الكبير، قائده في اللواء السبعين مظلي، و قام بقطع علامات رتبته العسكرية من كتفيه و رماها بعيدا، ثم فعل الشيئ نفسه بغطاء رأسه العسكري. شرع يضربه بعقب بندقيته نصف الآلية برفق قاس، و يقول:
-هذا فقط سيجعلك تفهم أن شمسا جديدة بزغت على هذا التراب.

كان الضابط الكبير يهرول أمام عقب بندقية الضابط الشاب. عندما وصل إلى حيث تقف سيارته كف الأخير عن مداعبة ظهره و عقبه المكتنز بعقب البندقية. أدار المحرك و إنطلق بسيارته كامدة اللون و هو لا يصدق أنه نجا. كان بقية العسكر على هذا الجانب من الجسر ما يزالون يبتسمون في سخرية من القائد الكبير و هو يهرول بعجزيته المكتنزة.

في ذات النهار و عند ظهيرته الحارقة سيختطف ذا ت الضابط الشاب بندقية أحد الحراس و سيبدأ في توجيه الضربات بها إلى كل من ستطاله يداه من ضباط حاضرين، في اللواء السبعين مظلي، إلى أن يتكاثر عليه الضباط و ينتزعوها منه. سوف لن يفوته أن يشتمهم و يلعن الجبن و التآمر. سيكون محقا في ذلك إلى الأبد.

في تلك الليلة ما بين هزيع ساعتها الزمانية الأخيرة و حزن الساعة الأولى لليوم التالي سيكون ذات الشاب الوحيد من بين رفاقه الضباط الذي لم يسكت عن شتم النظام و لعن الخونة و الضباط المتآمرين حتى لحظة إعدامه و دفنه قبل أن تفارقه الحياة بالكامل. سوف لن يسقط في تلك الحفرة المظلمة بعد أن يطلقوا عليه أكثر من سبع رصاصات. فقط سيستمر على شتم الخونة و المتآمرين إلى أن يدفعه مصاص الدماء من على حافة الظلمات. سيكون بانتظاره نور الأبدية الشفيف محيلا شتائمه نشيدا للخلود و الجمال السديمي.




Post: #170
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-09-2006, 01:18 PM
Parent: #169

سيجد بانتظاره نور الأبدية الشفيف محيلا شتائمه نشيدا للخلود و الجمال السديمي.

* * *

هبطت الحوامة المصفحة العملاقة في الأرض الخلاء. كانت تزين مقدمتها فوهة جبارة لرشاش عملاق أهلك و سيهلك أرواحا زكية أثيرة لدى الوطن العظيم. الأرض، حيث جثمت الحوامة و محركها الجبار ما زال يهدر، مستوية قدر الإمكان و تتمدد فوقها جحافل العشب الأخضر شبه الميت. هبط من جوف طائر الموت ضابطان شابان برتبة الملازم و مسلحان بمسدسين كبيرين. وراءهما هبط أربعة عسكريين برتب أدنى. كانوا ضباط صف في شعبة الاستخبارات العسكرية و مسلحين ببنادق آلية سريعة الطلقات، و يتمنطقون بغدارات كامدة الألوان.

تقدموا جميعا صوب الضابط الشاب آمر الوحدة العسكرية في ذلك الصقع الركين من الوطن. سلم عليه الضابطان بروح زمالة قديمة، متحفظة. عرفهما على الفور فقد كان و هما زملاء سلاح في الكلية الحربية. فقط كان يتفوق عليهما في كثير من الميادين، ولذا فقد دُفع به فور تخرجه إلى جبهة البلاد الملتهبة قائدا لمعسكر صغير على نقطة حدودية متوترة مع دولة باتت عدوة بقدرة حكماء الوطن المرتزقة. أما هما فقد أهَلهما ولاؤهما للتنظيم المتأسلم للإنضمام إلى شعبة أمن و مخابرات الجيش.

ما يزال محرك الحوامة يهدر في صخب مؤذنا بمغادرة وشيكة. أمر الضابط الشاب أحد جنوده باستجلاب ماء و شاي "للضيوف". كان واثق الضمير رائق المزاج و تطوف بخياله تفاصيل عمليته الأخيرة مع نخبة مختارة من جنده في عمق العدو.



Post: #171
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-09-2006, 06:04 AM
Parent: #170



كان واثق الضمير رائق المزاج و تطوف بخياله تفاصيل عمليته الأخيرة مع نخبة مختارة من جنده في عمق العدو.

كان قد جمع جنوده جميعا في طابور مهيب ذات صباح ثاقب بعد أن صلى الصبح حاضرا و استخار الله ثلاثا. تكلم فورا ولم يهدر وقتا في التفاهات العسكرية. قال:
-تعلمون جميعا ما حدث لأتيم و إزيرق و تاج الأصفياء. هذا أوان ردنا على العدو. سأتحمل لوحدي، بصفتي القائد هنا، تبعات كل ما يحدث. لكنكم ستحررون إخوانكم الابطال!

صمت جائلا بعينيه في الوجوه الصارمة تحت عتمة الفجر البازغ مستشرفا فجرا آخر سيبزغ على الثلاثة الذين ذكر أسماءهم. أضاف:
-أريد أربعة عشر رجلا فقط. لن أسمي أحدا!

بادر جندي صغير السن، ضامر الجثة كأنما لم يبلغ للرجال مبلغا، ملبياً:
-سيادتك!

ثم خطا خطوة واحدة إلى الأمام. توالت من بعده الأصوات ملبية ليكتمل العدد. قام الضابط الشاب بترقية كل واحد من المتطوعين رتبة واحدة على الفور. أخرج علامات بالرتب الجديدة من مكان ما و ثبتها على كم قميص كل منهم في هدوء. كان قد إستعد لهذه اللحظة جيدا منذ عدة أيام لم يكن ينوم خلالها من فرط قهره على الجنود الثلاثة والموقف العجيب لقيادة الجيش في العاصمة.. لم يفهم لماذا أصرت قيادته على صمتها الأثيم تجاه نداءاته المتكررة بإطلاق يده لتحرير الجنود بعد أن رفضت رفضا قاطعا في المرة الأولى.



Post: #172
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 17-09-2006, 12:29 PM
Parent: #171

up
صَيْدُ العصافير


الشاعرْ

يتمنى أن يكونَ عُصْفُوراً.

أمّا العُصْفورْ

فيرفُضُ أن يكونَ شاعراً

حتى لا تصطادَهُ...

الأنظمةُ العربيهْ..

Post: #173
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 17-09-2006, 09:39 PM
Parent: #172

مصطفى محمود
يا صديقي في الله ...
يا حامل مشرط الوطنية الأسمى!
كم أنا سعيد بأنك مررت من هنا
لتشد من الأزر و تزين هذا الموضع
بشعر جميل كهذا.

للعصافير الله و الفضاء الرحيب
أما الشعراء فإنقسموا على أمرهم

بعضهم لم تعد تسعه المصائد و
الزنازين و المكائد.

و بعض أصبح يذكر اسم الحاكم
كثيرا، و يمجد الانبياء الكذبة،
ويقتات من موائد الديناصورات

شكرا يا صديقي

Post: #174
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 18-09-2006, 11:43 AM
Parent: #173

up


تصحيح


أنا لا أعْلِنُ الحربَ

على جِنْس العَرَبْ..

وإنّّما أُعْلِنُها،

على عَرَبِ الجِنْسْ!.

Post: #175
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-09-2006, 04:03 PM
Parent: #174

أيا حامل المشرط الأسمى للوطنية
يا صديقي

قل لصديقك الشاعر العظيم الراحل
و هو الأمجد بين شعراء زماننا
و كل الزمان.

قل له:
أمَا نحن فقد أعلنا الحروب
على جميع الآلهة
القديمة
و كل الآلهة الجديدة
و ألاَ آلهة أخرى هناك
سوف تأتي

قل له
إنَا قد أعلنا الحب على
على جميع الشعوب
و كل الذين يسلكون الدروب

لا ينتظرون مسحاء لا يأتون


عشت

Post: #176
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 20-09-2006, 00:59 AM
Parent: #175

thank you ya asal ya wad ballad ya aseel
all my love and respect
mustafa

Post: #177
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 21-09-2006, 02:05 PM
Parent: #176

up
up
حُرُوبي الجميلة


كُلّما كتبتُ قصيدةً ناجحةْ

بدأ القَصْفُ المدفعيّْ

عليَّ.. وعليها..

إنَّ أكثرَ ما يُضايقني في الشِّعْرْ

هو معاهداتُ الصلحْ..

واتفاقياتُ الهُدْنَة...

Post: #178
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 21-09-2006, 02:53 PM
Parent: #177

[B]قراءة في كفّ امرأة جميلة


ليس هناك امرأةٌ في الدنيا أجملَ منك..

ولكن مشكلتكِ..

كمُشْكِلة الوردة التي لا تشمُّ عطرَها..

كمشكلة الكتاب الذي لا يعرفُ القراءة..

أنتِ أهمُّ امرأة في العالم..

لا لأن عينيكِ هما حديقتان آسيويتان مقمرتانْ

ولا لأن شفتيك تحتكران نصفَ محصول فرنسا

من النبيذْ

ولا لأن نهديكِ هما أوَّل ديكتاتوريْنِ يحكمان

العالم الثالثْ..

ولا لأن جسَدك الذكيّ..

يفهم ما أقوله، قبل أن أقوله..

أنتِ أهمّ امرأة في العالم..

لأنني أحبُّك....


I HOPE YOU AND YOUR GUESTS WILL LIKE THIS FROM USTAZ NAZZAR
MUSTAFA
JUST TO LIFT THIS WONDERFUL POST
UP

Post: #179
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 21-09-2006, 06:07 PM
Parent: #178

يا صديقي
أيا حامل المشرط الأسمى للوطنية
سأعود إليك و إلى إنتخابك البديع
لدفق نزار الفردوسي..


دم مرهفا حد الأبد

Post: #180
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 22-09-2006, 03:32 PM
Parent: #179

لم يفهم لماذا أصرت قيادته على صمتها الأثيم تجاه نداءاته المتكررة بإطلاق يده لتحرير الجنود بعد أن رفضت رفضا قاطعا في المرة الأولى.

في ذلك اليوم حقق فتحا مبينا للوطن الماجد مع جنوده الأربعة عشر. دخلوا إلى عمق الأراضي العدوة. دمروا معسكرا ثم حرروا جنديين من الثلاثة. أخبرهما الجنديان أن الجندي الثالث كان قد نُقل قبل يومين اثنين إلى عاصمة العدو! لقد إنتُقص النصر المبين!

طفق يلعن القيادة على تقاعسها حيال نداءاته المتكررة بالسماح له باستنقاذ الجنود الثلاثة كلما تسللت استخبارات العدو و خطفت واحدا منهم. كانت تلك الأحداث، بدءً بإختطاف الجنود الثلاثة، قد توالت بعيد هدنة وُقعت بين البلدين. و ها هو قد فعل ما رآه ضروريا لهيبة الجيش و الدولة! هكذا آمن.
-ستذهب معنا إلى القيادة!

هكذا استفاق على صوت أحد الضابطين؛ أكثرهما لزوجة و نعومة. عرف أنه الإعتقال. بيد أنه لم يعرف أبدا ما سيجري له بعد ستة أشهر.

في العاصمة أخذوه إلى السجن الحربي. حيث قضى ثلاثة من أسوأ أشهر حياته على الإطلاق ما بين تعذيب و تحقيق. بعدها أفرج عنه ليتم إلحاقه بقيادة الجيش. في القيادة أينما ولَى وجهه وجد إحترام الجند و تحاياهم التي لا تنقطع. قال عنه أحد زملائه الضباط ذات يوم محدثا صديقا مدنيا للأول:
-سيكون لصديقك شأن كبير في الجيش.



Post: #181
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 22-09-2006, 03:34 PM
Parent: #180

كل عام وانت بخير

ربي يصومك ويفطرك علي خير
i hope next year we are all celebrating the end of the ingaz mafia gang dictatorship
dr mustafa

Post: #182
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-09-2006, 03:05 PM
Parent: #181

يا صديقي الماجد

كل عام و أنت بخير
يتقبل الله صومك و صوم القراء و الزملاء.
تصوم و تفطر على خير.


سلام

Post: #183
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 23-09-2006, 03:07 PM
Parent: #182

up
ياهولاكو الزمن إتغير
لا الآلام ... لا الإعلام
لا أمن الدولة .. ولا البمبان
بتقصر طولنا
وتكسر قولنا.
تتوحد إيدنا
وننسف قيدنا
والشمس الجاية عليها
مسطر
الزمن الأخضر
لعيون أولادنا وللإنسان.
***
يا هولاكو الزمن إتغير
الشعب مخير
ماهو مسير
وأكتوبر عايد
جوه هتافنا العالي مفجر
بي دم الشهدا الغالي مصور
والشعب جعان
لكنو موحد فى العصيان
لكنو بيعبر فى الأحزان
لكنو بيزحف فى البمبان
لكنو بكسر فى الأوثان
***

Post: #184
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 24-09-2006, 03:02 AM
Parent: #183

محاكم التفتيش


لا يستطيعُ أحدٌ أن يستجوبَ قصيدةً..

ويسألها: أين كانتْ؟

ومعَ منْ كانتْ؟

وفي أيَّ ساعةٍ رجعتْ إلى البيتْ؟

القصيدةُ، هي التي تطرحُ أسئلتها

وتستجوبُ مُستجوبيها....

Post: #185
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 29-09-2006, 02:23 PM
Parent: #184


-سيكون لصديقك شأن كبير في الجيش.

لم يكن إي منهما يدري أن سيجري إعدام الضابط الشاب، بعد ثلاثة أشهر من حديثهما ذاك، بتهمة الخيانة العظمى و التآمر لقلب النظام!


.........................*...................*....................*.........................

-الحمد لله على سلامتك، يا سيدي!
قالها سمير بعد أن دخل مكتب الضابط الشاب الوسيم. رد عليه الأخير التحية و سأله عن أحواله في إخلاص حقيقي. لم يتردد سمير، العريف في كتيبة المدفعية المنوط بها حماية المطار و الأب لخمسة أطفال، في أن يشكو ضيق ذات اليد الأبدي و عسر الولادة الذي تعانيه حليلته ذلك اليوم. كان يعلم أن الملازم أول صلاحا قد عاد لتوه من الأراضي المقدسة بعد أدائه العمرة، و كان يخجل في أعماقه لشكواه تلك بيد أن حوجة زوجته و الأطفال حاصرت في نفسه فضيلة الاستحياء إلى الأبد.. محقتها في واقعية فجة. لكن صلاحا بنظره كان الثاني بعد الله في هذا العالم! و لذا فقد كان يطمع في عونه الأكيد، الحاني.



Post: #186
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-10-2006, 08:23 PM
Parent: #184

مصطفى محمود
يا صديقي الأمجد في الله
شكرا كثيرا جدا على هذه الأنفاس القدسية
آمل أي يكون رمضان حنونا في عشرته الوسيطة
معك و مع جميع الصائمين.

دم حاملا للمشرط الأسمى للوطنية

Post: #187
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-10-2006, 04:06 PM
Parent: #186

لكن صلاحا بنظره كان الثاني بعد الله في هذا العالم! و لذا فقد كان يطمع في عونه الأكيد، الحاني.

في صمت أدخل صلاح يده في جيبه ثم أخرجها حاملة أوراقا مالية و مدها، دون أن يحفل بإحصائها، إلى سمير الذي سالت دموعه إلى داخل عينيه. لو قدر لتلك الدموع أن تسيل إل الخارج لملأت نهرا من الوفاء و الإمتنان و لحفرت على خدي الجندي الشاب أخاديد تدوم كما الوشم. خرج سمير ليدخل من بعده جبرائيل مشار، الذي تعاني أمه من ربو مزمن. كانت قد إنضمت إليه حديثا في العاصمة من بعد عثورها عليه بعد فراق دام أحد عشر عاما خالته قد قضى خلالها. فرقتهما الحرب، المزمنة في الإقليم، و ابنها لمَا يبلغ من العمر مئةً و ثمانية و ستين قمرا. هكذا هرب كل منهما على عجل ذات يوم أغبر و في ظنه أن الآخر قد قضى أثناء إقتتال الفرقاء حول السيطرة على القرية الوادعة. و ها هو الابن اليوم ضابط صف في الجيش و يحمل من الأقمار ثلاثمئة لتضيئ عمره و حياة الأم . فقط الربو ينغص عليها ليالي الشتاء و كذلك يفعل بفرحتها الأبدية بإلتقاء جبرائيل الصغير.

مد صلاح لجبرائيل لفافة من البلاستيك:
-هذا من أجل الماما، يا مشار!

سيبكي صلاحا سمير و مشار و حسب القوي و محمد أحمد و كثيرون ممن عملوا تحت إمرته، و سينضمون ذات يوم إلى قوات التمرد التي تحارب ضد جبروت الحكماء المرتزقة في الأقاليم البعيدة. أما هو فسيهتف لحظة إعدامه:




Post: #188
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-10-2006, 03:33 PM
Parent: #187

أما هو فسيهتف لحظة إعدامه:
-أحبك أيها الوطن!

* * *

-عبده، أريدك أن تشتري لي تنورة و حذاء!
-حاضر، يا لنا!
-و أنا يعوزني ثوب جديد لأجل الزيارات في الحي و مناسبات الجيران.
-سأشتريه لأجمل هناء في العالم.
-أما أنا فأريد حقيبة يد جديدة و حذاءً.
-و هل لديَ في هذه الدنيا غير هيا واحدة؟ سأشتريهما لك.

كان عبد الإله يجلس متوسطا أخواته الست غير الشقيقات في آخر إجازة له في مدينته البعيدة بعد أن عاد لتوه من جبهة القتال. كان أخا و أبا لأخواته بعد وفاة أبيهن منذ زمن بعيد. أما أمه فكانت تقول له:
- أنت ابني أمام الله و الناس. لكنك أيضا أخي، و أبي ، و حبيبي، و قرة عيني.

ثم تضيف بعد أن تنظر إليه في حنان و حب:



Post: #189
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-10-2006, 11:29 AM
Parent: #188


ثم تضيف بعد أن تنظر إليه في حنان و حب:
-سعيدة هي المرأة التي ستكون زوجا لها، يا بني.

يبتسم فقط لكلامها. أما حينما يكونان لوحدهما و تمضي في إشارتها إلى زواجه، فيقول:
-يا أمي، أنا الآن أب لست أميرات جميلات هن بناتك. بعد أن يتخرجن في أحسن الجامعات و يتزوجن سأتزوج امرأة تنتخبينها لي.
-الأعمار بيد الله، يا بني، لكني أريد أن أرى أبناءك و أضمهم إلى صدري و أقبل جباههم الشم الصغيرة قبل أن أموت.

لم تكن تعلم أن الموت سيكون أسبق إليها منه و أن تلك كانت آخر مرة تراه فيها قبل أن يتم إعدامه بتهمة التآمر لقلب النظام و الإنتماء إلى تنظيم سياسي محظور. ببساطة كان ضابطا خلوقا في الجيش و أخا و ابنا إستثنائيا. سيكون عزاؤها أنها لن تكون وحدها، و بناتها، من يبكيه بألم حقيقي.

...............................*...................*....................*.......................

رجل عادي، مثل غيره من الرجال، عوض كونه يوزع ابتسامة خالدة على الجميع بدءاً بمرؤوسيه مرورا بأنداده، في الحياة و في العمل، و إنتهاءً برؤسائه في الجيش. فيض تلك الإبتسامة دأب على الإنثيال بسلاسة من وجهه إلى وجه محادثيه و كأنما هو عدوى جميلة، باذخة. و كان أن بلغ بأحد زملائه، إبان دراسته بالكلية الحربية، أن أسماه "بسمتيك" بسبب تبسمه الجميل، الباذخ. طغى اللقب الملكي الغابر ليقترن بالشطر الثاني لأسمه ليصبح "الأمين بسمتيك". ثم كان أن إنتخبت الأقدار له زوجة حنونا جميلة، فوق أنها كانت تحبه بتفرد. أما هو فثابر يتعشقها و ينتظر أن تضع حملها ليسمي ابنه البكر خالدا تيمنا بأبيه الراحل.



Post: #190
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 22-10-2006, 06:43 AM
Parent: #189

تهنئة خالصة و أمينة بعيد سعيد على الوطن
لكل الزملاء هنا و القراء المحترمين في كل بقعة
على ظهر أمّنا الأرضية و أبونا السودان.

تقبل الله صوم الجميع و جعل أيامنا أمنا و سلاما
و رخاء. و أدام المحبة و الإحترام قيما صقيلة
بيننا، و الرفعة وشاحا يزين هامة الوطن.. و
الحرية طائرا وادعا يهيمن على سمواته..

أسأل الله أن يذهب عنا كيد الكائدين و رجس كل شيطان
من إنس و جان.. و يعيد إلينا و طنا سُرق ذات
حزيران.. و أن يحببنا في هذا الوطن أكثر.

أشكر كل من تداخل هنا قديما و حديثا.. و أشكر
أكثر كل من شارك في هذا البوست بالقراءة و من
حرص على إيصال تجاوبه بشأنه مشافهة و عبر البريد
الإلكتروني.

قرن الله ساعاتكم بسعاداتكم.
كل عيد و أنتم جميعاالأسعد..
.
.
.
بوعسل أبوعسل

Post: #191
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-10-2006, 04:49 PM
Parent: #190



أما هو فثابر يتعشقها و ينتظر أن تضع حملها ليسمي ابنه البكر خالدا تيمنا بأبيه الراحل.

دُعي إلى إجتماع عاجل مع الرجل الذي سيُعرف فيما بعد على نطاق واسع بمصاص الدماء و أسماء أخرى كثيرة من قبيل السفاح، و عزرائيل، و ملك الموت، و طائر الشؤم، و حليف عزرائيل، و رسول الموت. قصد الإجتماع آخرون غيره من الضباط الذين كان قد إجتمع مع بعضهم مرات عديدة في الآونة الأخيرة، بمشورة من مصاص الدماء. توقع أن تكون هناك تعديلات طارئة على الخطة كأن يتم تسريع التنفيذ أو إبطاؤه، لكنه لم يتوقع أن يقول مصاص الدماء بلهجة آمرة:
-فلتنسوا الثورة!
-لكن يا سيدي....
تكلم صوت ما بينما بقيت معظم الوجوه تنتظر تفاصيل تميط الكثافة عن هذا التراجع الذي بدا عجيبا، و غير مبرر، أو قابلا للتصديق. . بدا خائنا جدا.

مصاص الدماء كان من بادر ذات ليلة بالإتصال ليلتقي كل فرد منهم و يشرح أن البلاد تمر بمنعطف خطير و أن الثورة قد حادت عن جادة الحق بسفور. و لذا، بصفته وزيرا للدفاع الوطني و أحد أعمدة الثورة، فقد قام بدراسة ملفات العديد من خيرة الضباط ليستقر عليهم هم بالتحديد من أجل التصحيح. هاهو الآن بنبرة تسلط غبي يأمرهم بنسيان الثورة التصحيحية!

-إنتهى الإجتماع. إنصراف!
هكذا قام من مجلسه، بعد أن قاطع تلك ال"لكن يا سيدي..."



Post: #192
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 03-11-2006, 03:04 PM
Parent: #191

هكذا قام من مجلسه، بعد أن قاطع تلك ال"لكن يا سيدي..."

تغيرت سلبا جميع وجوه من حضر الإجتماع إلا وجه محمد الأمين الذي لم يلقب ببسمتيك جزافا. همس لآخرين بعد مغادرة مصاص الدماء بضرورة عقد إجتماع عاجل، في اليوم التالي، لمناقشة هذه المسألة الملحة، غير المتوقعة، غير العادلة. فقط يفكر في غد جميل آت من أجل الأجيال الجديدة بما فيهم خالد الأمين المتوقع إنبثاقه تلك الأيام.

فيما بعد و أثناء نقله و رفاقه مغلولي الأيدي و الأرجل في ليل بهيم، سيطلب من أحد الحراس أن يستخرج من الجيب العلوي لغلالته العسكرية ورقة فيما بدا أنها رسالة إلى زوجته الجميلة، و ساعة يد. سيقول له:
-أرجو أن تأخذ هذه الاشياء و تسلمها لزوجتي. قل لها أن تسمي المولود محمد الأمين إن كان ذكرا، و سيرين الحكايا إن جاءت أنثى!

سيتم إعدام جندي الحراسة لأمانته في إنفاذ وصية ضابط شاب يساق إلى الإعدام دون محاكمة. سيقبض عليه إثر زيارته في اليوم التالي للأرملة الحامل. سوف لن يُقدم إلى أية محاكمة مثل الكثيرين من ضباط الصف و الجنود الذين أخفت السلطة أمر إعدامهم جميعا أثناء هذه الأحداث الجسام. كان أيضا، كما أؤلئك، يفكر في فجر جميل آت، و أبا لطفلين جميلين.



Post: #193
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mustafa Mahmoud
Date: 03-11-2006, 03:08 PM
Parent: #192

my dear friend abu assal
i dedicate this for you and for your guests
i hope you and they like it
mustafa

شــكرا مني..علي الحقيقة

وفعلا..


الجبهجي الكضاب
ال للحقوق نهــاب

أوع تقول شرع الله
سميهاشريعة الغاب

********************

في اي كتاب مكتوب
الشعب يعيش مغلوب
حق الكلام مسلوب
بالحقد شحنت قلوب

شهيتنا في اللالوب

********************
في دولة الأرزال
الدين بقي إذلال
المر بتقولوا ذلال
وإتلموا الككو غزال
********************
الجبهجي النسناس
الدين كرامة الناس
الدين للعدل أساس
الدين للعاري لباس
ما قطع اليد والراس

********************
يا حاقد يا مهووس
عملت الدين جــاسوس
لكرامة الشعب يدوس
حتــاخد يا منحوس
من شعبنا أقصي دروس
********************

الجبهجي الكضاب
ال للحقوق نهــاب

أوع تقول شرع الله
سميهاشريعة الغاب


أوع تقول شرع الله
سميهاشريعة الغاب

أوع تقول شرع الله
سميهاشريعة الغاب

Post: #194
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 04-11-2006, 01:55 PM
Parent: #193

د. مصطفى
يا صديقي الباسق!
جميل، مثلما أنت دائما، هو إهداؤك
شكرا شكرا... على نثر هذه الإنفاس
الانسانية التي تستمد ألقها من ثنايا
الروح، بما أن الروح هي من روح الله.
هل يمكنني أن أقول شكرا على هذه
الأنفاس الإلهية؟
عشت يا حامل المشعل
الوطني الأسمى!

Post: #195
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: munswor almophtah
Date: 04-11-2006, 03:19 PM
Parent: #194

بوعسل يا ابومخابئ العسل إنهم لا يدرون وحينما يأتيهم هدهدك بنبأ من سبأك فسوف لا ولن يقوون عليه وسيكشفون السيقان والصدور ويكشفون القلوب والعقول وسيخر صعقا عاقلهم وسيتهاوى غير ذلك فى تيه إلى ما شاء الله أكتب وأقرأ ما تكتب وسياتى الله من ظهورهم بمن يقرأ وستظل صدقاتك جارية بإذن ربى وربك...........................





سلامى لك والود

منصور

Post: #196
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-11-2006, 01:44 PM
Parent: #195

صديقي الأديب
المنصور
بن عبد الله
آل المفتاح
هأنت في إبحارك مستبصرا هذه (المخابئ) تتنسم أنباءً عظاما من كل سبأ. لن يعوزك هدهد سليمان، أو نورس تشيخوف، أو عنقاء الرجل الحالم (عنقائي) تنهض أبدا من رمادها إلى وهج المستحيل. ذلك أنك تملك أن تميط الحجب مهما استغلقت بالرمز الفادح أو استعصمت بأستار البوح الخجول. لا غرو فأنت المفتاح!.

إنها نبوءة الأديب (نبوءتك) فدعهم حينما تكف الحجب عن استغلاقها- عليهم- ينضون الثياب عن لجج القلوب، و يكشفون عن كل ما يعن لهم في هذا العدم الفادح. ما الأدباء إلاّ أنبياء بدرجات مختلفة!

عش ماجدا يا صديقي النبيل

Post: #197
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 10-11-2006, 04:24 PM
Parent: #196

كان أيضا، كما أؤلئك، يفكر في فجر جميل آت، و أبا لطفلين جميلين.

أما الأرملة الجميلة الحنون فقد وضعت حملها في ذات ليلة إعدام جندي الحراسة و بعد ليلة من رحيل الضابط الشاب، و أسمت التوأم محمد الأمين و سيرين الحكايا، ثم طفقت تعلمهما معنى أن يكون الوطن مسروقا ذات حزيران.

........................*..................*...................*...........................

-يا أفول الشمس و الدين! لن أطلق عليك رصاصة من مسدسي. لن أطعنك بحربة بندقيتي! تعلم أنني أريد أن أقبض عليك بيديّ هاتين، لتُقدم فيما بعد لمحاكمة عادلة.

كانا يتصارعان.. يتعاركان بإخلاص على الأرض القاسية المحايدة أمام العربة المدرعة هادرة المحرك. جنود نوبة الحراسة الليلية الثالثة داخل بوابة القيادة طفقوا يقفون حولهما ممسكين بكل بندقية نصف آلية. ينتظرون ما يسفر عنه ذلك النضال الذي بدا محسوم النتيجة بين ضابط عظيم و مصاص دماء ذئبي. ترددوا إلى من ينحازون.. أإِلى نُبل العظمة أم بطش القوة و سلطة القمع الرهيب؟ لم تلبث حيرتهم أن تبددت إذ ها هي العظمة تنتصر و تتربع على صدر البطش الغادر، ليقول الضابط العظيم:



Post: #198
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Emad Abdulla
Date: 11-11-2006, 07:16 AM
Parent: #197

ضد القبح ..
و للجمال .

Post: #199
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 13-11-2006, 01:12 AM
Parent: #198

عماد عبدالله
يا أيها الرجل الذي يكتب بالأكاليل
أي زهو لمكاني هذا بكلماتك الدافئة

عش ماجدا

Post: #200
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 16-11-2006, 02:45 PM
Parent: #199

لم تلبث حيرتهم أن تبددت إذ ها هي العظمة تنتصر و تتربع على صدر البطش الغادر، ليقول الضابط العظيم:

-سأصفدك الآن و سآخذك مغلولا، دون إراقة دماء، إلى جوف مدرعتي. و لينظر القضاء العادل في أمرك فيما بعد.

يدرك البطش أن سماءه غامت، فيهتف مصاص الدماء بأحد الجنود المتحلِّقين حولهما:
-هيا أطلق عليه النار! إفعل! هذا أمر.
يتردد الجندي، لكن الذئب يهتف به مناديا إياه برتبته و مكررا الأمر فيتردد صدى الطلقات حزينا يردد رجعه سكون الليل، و تتحرر الدماء الزكية. و إذ تتراخى قبضة الضابط العظيم في الوطن العظيم، تنتحب الأرض في سكون حزين، نادمة على خطيئة حيادها الأخرق.

* * *

"شر الخطّائين الكذّابون، و أكذب المعادن آلهتُها. يا بني، لم يعد الظن أكذب الحديث. مُذ تنازل الشيطان عن عرشه أضحى حديث الآلهة المزيفة أكذب الحديث. لا تعجب! لا تقل: يهرطق عجوزي في خاصرة العمر."



Post: #201
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: مكي ابراهيم مكي
Date: 18-11-2006, 04:47 AM
Parent: #200

يااديب يارائع سلامات
متابعين معاك
واصل

Post: #202
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-11-2006, 02:50 PM
Parent: #201

صديقي مكي
الروعة تكمن في العين المستبصرة للقارئ
الأريب لا سيما إذا كان شخصا فاضلا مثلك

عشت

Post: #203
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 25-11-2006, 04:43 PM
Parent: #202


لا تقل: يهرطق عجوزي في خاصرة العمر."

كان العجوز يستصحب معه سنا الأبدية البهي، و فتاتي التي صارت أكيدة أكثر. تبسُم لي بينما يدنوان مني معا. تغويني غير آبهة بأفراح خؤونة. إنه إغوائها الأطهر. تومئ لي أن أصغي إلى العجوز الذي تهرّمت روحه. أحزان كارثية تمحقها عبر رحيلها ضد أزمنة الرماد.. روحه ثم أزمنتي.. تتكئ، على روحي، فتاتي مضاجعة رغباتها السرية. أما العجوز فيستمر عبر الرحيل الممض:

"خندق من العربات المصفحة و المجنزرات الساحمة يصطف جاثما فوق أحلام الحكماء اللئيمة، ماثلا على صفحة الأرض المترددة. في أجواف الخندق يجثم ضباط شبان و أطقم تشغيل مجربة. قرروا فقط أن يئدوا التجديف العاهر و أراجيف الحكماء المرتزقة، أن يقاتلوا حتى آخر قطرة من شرف لن يستمر التنظيم الدكتاتور في سفحه، أن يضعوا مثل أتاتورك جديد حدا لزيف الخلافة الكارثية.

يدنو منهم الإله المزيف رفقة جبار مخنث. يقول:
-هيا، يا أبنائي، لنوقع معا هذه الوثيقة!

الضابط العظيم تنوء جراحه بالنور الشفيف. تروم معانقة أمجاد الرفاق المتخندقة. لا يأبه لغير الرفاق و الوطن السليب. و لذا فقد جاء مضرجا بدمائه ليحقن دماء الوطن و الرفاق. يقول الإله المزيف:
-أضمن لكم الحرية و محاكمة عادلة، إن ضمنتم التسليم دون قتال. تعلمون من أكون. تعلمون أن لن أخون.



Post: #204
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 01-12-2006, 06:27 PM
Parent: #203

-أضمن لكم الحرية و محاكمة عادلة، إن ضمنتم التسليم دون قتال. تعلمون من أكون. تعلمون أن لن أخون.

-لنوقع إذن يا رفاق!
همست الجراحات العظيمة، و النور الشفيف. و آمن الرفاق.

أما الجبار المخنث فيهمس لنفسه:
-ربح البيع. ربح الربا.

و الإله، منذ نيسان، كدأبه يتحرى الكذب. لا ريب.. ففي صحائف الشيطان التليدة قد كُتب، بمداد من خطايا، كذوبا مثل آلهة المعادن."

..............................*..................*...................*...............................

شهاب كان اسمه.
نجم صار رسمه.
هلال.
فبدر.
و قمر حزين.

Post: #205
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: Mohamed Elgadi
Date: 01-12-2006, 09:02 PM
Parent: #204

Quote: أما الجبار المخنث فيهمس لنفسه:
-ربح البيع. ربح الربا.



up...

mohamed elgadi

Post: #206
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 06-12-2006, 02:47 PM
Parent: #205

المحترم د.محمد القاضي
تتمدد في سوح الروح أفراح مرورك الباهي
متدفقة عبر هذا الفضاء اللانهائي. عشت مجيدا

Post: #207
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-12-2006, 08:16 AM
Parent: #206



و قمر حزين.
ابن ماء السماء.
ثم ربيع.
بشير.
سليم.
طارق للدروب المجيدة.
درب للعيش الكريم.
ميلاد أبلج كما الفجاءة.
نوّار.
و فاتح عظيم.
أخوان للماء و للنار.
و كل الأمناء الخُلّص.
هكذا قد خرجوا من رحم سديمنا المغدور ينشدون خلاصا يتربص به الطغاة الكاذبون، مزورو تواريخ الشعوب، حانثو الأقسام، حاملو الأختام، لواطيّو الهزائم المدرعة، رسل الخيانة و الخصاء.. و قضاة تلعنهم أقفيتهم أينما ولّوا وجوههم الداعرة.

...........................*...................*....................*...........................


Post: #208
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 21-12-2006, 06:51 PM
Parent: #207


و قضاة تلعنهم أقفيتهم أينما ولّوا وجوههم الداعرة.

...........................*...................*....................*...........................

-أنت متهم بالتآمر لقلب نظام الحكم، و الحنث بقسم الولاء للوطن و قوات الشعب المسلحة، و تدبير إنقلاب عسكري، و محاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة، و الخروج على خليفة المسلمين، و الإنتماء إلى تنظيم محظور، و الكفر بإرادة الله بأن تنظيمنا هو خليفة الله و ظله الأوحد في الأرض حيث لا ظل إلا ظله، و أن أعضاءه هم تجسيد لأصحاب الرسول الميامين. فقط أجب بكلمة واحدة؛ مذنب أم غير مذنب!

ها هو يلبس مسوح قضاة مرتزقة و يتلو صحيفة إتهامات مستنسخة الدنس لكل الضباط العظام في الوطن العظيم. نصّبه مصاص الدماء باكرا في ذات الأمسية القاتمة:
-أريدك أن تترأس المحكمة العسكرية هذه الأمسية. أنت القاضي الحاكم بأمر الله، و بأمري. أنت خنجر الخليفة الذي لا يني يطعن أعداء الخلافة في الظهر. هكذا قد قضى الله، و هكذا قضيت.
-لبيك سيدي!

كان يغزل لحية قصيرة و شاربا ممحوقا لينقذ عجيزات لواطيّي الهزائم المدرعة و أخصياء المسافات الطويلة المحمولة جوا.. عجيزته تتبوّأ مكانها هناك بين عجيزاتهم.. منتنة كما لحاهم و طموحاتهم اللئيمة.



Post: #209
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ayman haroun
Date: 21-12-2006, 08:41 PM
Parent: #208

الرائع دوما ابو عسل

اخى اشتقت ليك بكل حواس انسان بحس


واصل اخى ونحن متابعون بكل حواسنا



مودتى التى لايخالجها ادنى شك


ايمن هارون

Post: #210
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 23-12-2006, 03:05 PM
Parent: #209

أخي النبيل و ابني الماجد أيمن هرون
هأنتذا تجيئ من حيث تنهزم خيول التوقع، لتسكب البشرى شوقا أصيلا
و حبا يظل ديدن معدنك غير عابئ بتراكض الأيام و مشاغل الحياة المستعصية
في المنافي التي نسميها مستحيلة و هي العصية حد المدى. منذ بضعةأشهر
تذاكرنا أخبارك و طموحاتك و إنجازاتك و حادينا الأخ و الابن الجزولي .
فكنت عنوانا لكل ما هو نبيل. أما الود، يا صديقي، فقد أضحى بفعل هذه
الحادثات التي تعصف بالوطن و الحياة لغة باذخة يتحدثها الصفوة. أنت
في طليعة الركب بلا مراء. و لعل من نافلة القول أن الكره أصبح يلهج به
لسان العوام من كل جنس و بلاد.

كل الود لك حد الأبد
عشت

بوعسل أبوعسل

Post: #211
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: محمد خالد ابونورة
Date: 23-12-2006, 03:46 PM
Parent: #210

سعيد بأن اراك هنا مجددا
ربما كانت استراحة محاربين

Post: #212
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 24-12-2006, 02:44 PM
Parent: #211




صديقي أبو نورة
أعود فأقول إن النوار رحل من مدائنك بعضه بغيابك الكبير. و ها هو يعود صاغرا بإيابك الأكبر، أيضا. أنتظرك في فضاءات المدن الغريبة، المنافي المستحيلة، الهوامش القصية، الأوطان المفترضة، الانتصارات البعيدة، و الهزائم المقيمة. كيف لا، و كلانا محارب أكيد بأدوات مسالمة. لا نملك أن نمد نأمة إلى بعوضة. فقط نستريح همسا من ميدان لنركض بواحا في مضامير أخرى علنا نأسو جراحات الهزائم و نكلل بغار من انسانية انتصارات صغيرة منسية.
ها هو موسم الأعياد في المنافي المستحيلة يتمدد غير عابئ بالصقيع و الوحدة و المرارات التي تسكن العيون و تقيم دهرا ما بينها و القلوب. أما أعيادنا فقد تركناها على أرصفة المحطات و المطارات و الهزائم، لننبعث و لو بعد دهر من رماد الفصول محاربين شرفاء بأسلحة مسالمة لا يثلمها ظلم الطغاة و عسف الجبابرة، و المنافي المتجبرة.
ها هو مرورك الباهي يشع دهورا هنا.
عشت



Post: #213
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 29-12-2006, 11:54 PM
Parent: #212

عجيزته تتبوّأ مكانها هناك بين عجيزاتهم.. منتنة كما لحاهم و طموحاتهم اللئيمة.

قرأ لائحة الأسماء و رأى بوضوح ذيل الصحيفة الذي يحمل البشاعة؛ التجريد من الرتب و الإعدام رميا بالرصاص. كان لا يطمح أبعد من الترقي في الدرك الأسفل لحكمة المرتزقين.

قبله، و عند باكورة تلك الأمسية، تحدث مصاص الدماء إلى ضابط كبير بلهجة آمرة. أراد أن ينصبه قاتلا مأجورا. لكن الضابط الكبير فاه بكلام باذخ عن العدالة و عن أن الأحكام لا يمكن إطلاقها هكذا جزافا لمجرد أن الحاكم بأمره يروم ذلك. هدده المصّاص بمفارقة الجيش و النفوذ. لم يتزحزح العظيم إلاّ قُدُما من موقفه العظيم. في صبيحة إنبثاق محمد الأمين و سيرين الحكايا جاء أمر إحالته للتقاعد. كان مستعدا.. متيقظا.. يحلم بصباحات بهية، و بسّباع زُرق تحوز مؤرخيها.

..............................*...................*..................*..............................

-يا غروب الشمس و الدين الرهين، لماذا تخون؟



Post: #214
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 05-01-2007, 08:07 PM
Parent: #213


-يا غروب الشمس و الدين الرهين، لماذا تخون؟

كان كل واحد منهم، إضافة إلى نيف و ثلاثين آخرين، تضج دواخله بالتساؤل الممض. لم يكن أي منهم، في تلك العجالة التي تمت بها الأشياء، ليعثر على إجابة تشفي بعضا من غليل سيذهب معهم إلى الأبد إلى جوف تلك الحفرة قاسية القاع. الله وحده يعلم منْ مِن الناس، الذين سرق الحكماء المرتزقة أحلامهم، سُخّر في حفرها، تلك الحفرة التي ستستحيل حانية، على الحدب الواقع غربي الجبال كامدة الألوان. لكن مصاص الدماء كان هناك بسمته الذئبي يتنسم، كدأبه، رائحة الدماء الزكية بخبث أكيد. و لذا فقد عُصبت عيون الجميع قبل أن يبدأ فريق الرماة المغلوب على أمره في إغراقهم بالصليات.

-يا أفول الشمس و الدين اللعين، لماذا تخون؟
من هتف هو النقيب الشاب، إذ لم يكف عن شتم الخونة و الجبناء منذ أن تكاثر عليه الضباط و أخذوا البندقية من بين يديه ذات صبيحة فائتة، و منذ أن أطلق عليه فريق الرماة أكثر من سبع صليات لم تفلح في إسقاطه في الحفرة الحانية على تخوم النعيم المقيم.
-يا حامل اللعنات الأسوأ، لماذا تخون؟

ها هو مصاص الدماء يدنو من حافة الظلمات حيث بقي النقيب الشاب معصوب العينين، مثقل الجسد بثقوب الصليات و نزيف دمائه الحمراء كما شراب إلهي يطهر الأرض. . يحررها من حيادها البليد. يهتف:



Post: #215
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-01-2007, 09:04 PM
Parent: #214




ها هو مصاص الدماء يدنو من حافة الظلمات حيث بقي النقيب الشاب معصوب العينين، مثقل الجسد بثقوب الصليات و نزيف دمائه الحمراء كما شراب إلهي يطهر الأرض. . يحررها من حيادها البليد. يهتف:

القاتل يُقتل و لو بعد حين
بشّر القاتل بالقتل
الخائن يُقتل و لو بعد حين
بشّر الخائن بالغدر
يا غروب الشمس و الدين اللعين، لماذا تخون؟
يا أفول الشمس و الدين الرهين، لماذا تخون؟
لماذا تخون؟
لماذا تخون؟
لماذا؟

منتصب مثل حقيقة تحرق في الروح و في العينين وقف الجسد الشفيف تثقله الجراحات الندية، و النزف السخين، و الوداع الحُرّ.




Post: #216
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: sharnobi
Date: 13-01-2007, 03:18 AM
Parent: #1


احيانا يجذبك عنوان
او زهرة

وكم اجد بلا مقدامات ولا دواعى للترديد
اردد
المنافى الأكثر استحالة

اجد نفسى احيانا تحت عنوان ما!

يجبرنى ان اردد مقاطعه كآيات الكرسى
وحين يتعثر وانا النوبى العجمى الاكثر اعاقة بنطق وتعبير
الواقع بلسان العرب..
اجد تحت هذا العنوان مقطع اردده
كثيرة
ولعله اكثر تعبيرا لحالة ما اعيشها
فى هذا المنفى القسرى
شكرا ابو العسل
اردد هذا العنوان كمقطع
وارتله
عفويا
بلا ملل.

Post: #218
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 15-01-2007, 01:46 AM
Parent: #216

شرنوبي
يا رجلا جميلا تُخني عليه المنافي بكلكل وحدتها و عسف أحزان حارقة. البركة فيكم من جديد! أعلم كم هو مؤلم فقد كفقدكم. و أعلم أكثر أن ما يزيده إيلاما هو ألاّ يكون هناك ما يكفي من الصدور التي ننشد ملاذا للحزن و الفقد. جملكم الله بالصبر و صالح الدعاء للرجل.
أتعلم، أيها الصديق، أنه شرف لهذا النص، و لشخصي المتواضع أيضا، أنه يجد مثل هذا الصدى الحميم في نفسك، لتردده بلا ملل كما الوحي الطاهر، تعالى كلام الخالق علوا كبيرا. مثلك يدري ما هي المنافي، و مثلك أتلمس فيها سبلا لحياة موازية لن تعدل الوطن، بيد أنها قد تعين آخرين داخل الوطن على شيئ من عسف الحياة و جبروت الآلهة البئيسة. قدرنا أن نكتوي بجبروت الغرباء لنعين أنفسنا و آخرين على جبروت بني الجلدة. إنها ملهاة أخرى من كتاب الحياة في العالم اليوم.
بحول الله سأقوم بنشر هذا العمل بعد خضوعه للمراجعة و التنقيح و التصحيح في كتاب، يشمل فصولا أخرى لا تراها هنا، و عندها سأطلب منك عنوانك حتى أبعث إليك بنسخة. و إن أنا نسيت عليك، بحق الأخوة و المنافي، أن تذكرني.
أحد تلاميذي بمكان عملي يسميني (مستر أبوالأسل). نعم، هكذا ينطقها بينما الآخرين يقولون (مستر أبو أسل) و لا أدري من أين جاء بهذه الـ "ال" سيما و أنه من جمهورية الدومينيكان. بمعنى أنه يتحدث الاسبانية إضافة إلى الإنجليزية. الغريب أن اسمه سمير(Samir). المهم ، أيها الصديق، أسعدني أن ناديتني بـ(أبي العسل). أما العجمة فكلنا لها معشر الزنج، و إن تعلقنا بأستار عروبة واهية.
عشت يا أخي
بوعسل أبوعسل

Post: #219
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 20-01-2007, 11:06 PM
Parent: #218



منتصب مثل حقيقة تحرق في الروح و في العينين وقف الجسد الشفيف تثقله الجراحات الندية، و النزف السخين، و الوداع الحُرّ.

وطأة وقوفه هناك تثقل كاهل الذئب. هتافه الجامح و شتائمه الأبية تنثال ملتصقة بروح الذئب، و الإله المزيف، و الجنرال صاحب الخنفساءات، و الجبار المخنث. تدمغ أرواحهم بالوضاعة إلى الأبد. ها هو الذئب عاشق الدماء الزكية بسمته القميئ يدفع الجسد الشفيف، مسقطا إياه على بقية الأجساد الأكثر طهرا من بين جراحات الشعب الذبيح، إلي حيث نور الأبدية الشفيف ليستحيل الهتاف نشيدا للخلود الباذخ و الجمال السديمي، عساه يوقظ، ذات تشرين أو نيسان جديد، ضميرا قد غُيب من ذاكرة شعب عظيم.
هل ستنقضي إعتسافا هكذا تلك الليلة.. ليلة الثامن و العشرين من رمضان؟.

الخرطوم – القاهرة - ووستر – مانشستر
في الفترة ما بين يوليو2002-22أكتوبر2006



Post: #217
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة
Author: sharnobi
Date: 13-01-2007, 03:38 AM
Parent: #1



وارتله
عفويا
بلا ملل.

Post: #220
Title: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 25-02-2007, 01:21 PM
Parent: #217


هوامش و إضاءات

Post: #221
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 27-02-2007, 02:12 AM
Parent: #220


(1)
السطور التسعة قبل الأخير هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
هي جزء من أحجية مشهورة بين شعوب و قبائل و أمم غرب السودان. و تقال كما الغناء.
وجدت لها صيغا مختلفة إختلافات طفيفة باختلاف تلك الشعوب و الأمم و القبائل.

Post: #222
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 01-03-2007, 07:31 PM
Parent: #221



(2)
السطر الثالث قبل الاخير هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
شاع في منتصف تسعينيات القرن العشرين، و السلطة في أوج صلفها و جبروتها، أن يموت نزلاء
المشافي و لا يجدون من ينقل جثامينهم إلى المشارح ناهيك عن تكفينها و دفنها بشكل لائق
سيما إذا كان المتوفى من أهل الهامش ممن رمت بهم الأقدار و أوهام المركز إلى العاصمة و
ليس معهم من وال أو مال. في ذات الوقت كانت السلطة تروج لما أسمته بـ"مشروع فضل الظهر"
متناسية حرمة الموتى الذين يسقطون بفضل عسفها و حروب الإبادة في الهوامش.

Post: #223
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 08-03-2007, 01:25 AM
Parent: #222



(3)
السطر الثالث قبل الأخير هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
في منتصف تسعينيات القرن العشرين إنتشرت على نطاق واسع قصص العديد من الوفيات في أوساط
الذين عولجوا بواسطة محاليل وريدية فاسدة استوردتها شركة تملكها شخصيات متنفذة. كما أن لاعب
كرة مشهور و عظيم في نادي الهلال السوداني توفي إثر غيبوبة ماراثونية تسببت فيها المادة التي
استخدمت في تخديره لإجراء عملية جراحية في كاحل القدم. و لأن الشركات المستوردة و المسوقة
للأدوية تملكها شخصيات ذات وزن كبير في النظام لم يجر أي تحقيق في هذه الحوادث و استمر توزيع
المحاليل الفاسدة في المشافي الحكومية لتحصد المزيد من الارواح، و تحصد الشركات
أكداسا من الأرباح.



Post: #224
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: عبد المنعم ابراهيم الحاج
Date: 08-03-2007, 05:09 AM
Parent: #223

صديقي


احتاج لبرتقالة من جنة الانثى..

ابل بها سحاب

الجوف من خوفي ..

اركّز طعمها

في الروح ..

فاكهة الخليقة

وانشطار الريح

منذ البدء

في تكوين عاصفة

السلالات الجميلات

نواة الانس

والتهويم..



لك التحايا
ـــــــــــــــــــ
غرقان في هذا البوست




Post: #225
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 12-03-2007, 11:01 PM
Parent: #224


منعم

أيها الصديق
مثلك يملك أن يحوّم في الفضاءات غير آبه بالثمار و الجواهر البديعة.
تملك الصحارى و البيادر و الأدغال فلا يعوزك أن تركض في البعيد ناشدا
خراجها. إنه يأتيك صاغرا متمثلا شعرك ..مسرحك.. أو روايتك. أما هذه
التهاويم فهي مشرعة لمن هم مثلك يتفيأونها أنّى شاوا. فامكث ما طاب
لك.. و غص متى عن لك أن تفعل..


تعيش

Post: #226
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 19-03-2007, 06:50 PM
Parent: #225


(4)
السطور الثلاثة قبل الأخير هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
في أوائل عهد سلطة الجبهة الإسلامية في السودان و قد أسمت نفسها ثورة الإنقاذ الوطني
آنذاك، قام الوزير عبد الرحيم حمدي، الذي كانت أسرته برمتها ما تزال تقيم في لندن،
بجمع كل فئات العملة من الشعب بحجة تغييرها. كان ذلك إيذانا بإحصاء السلطة لرؤوس
الأموال غير الموالية توطئة للعصف بها و تكريس الهيمنة الاقتصادية للجبهة الاسلامية. و
قد قرر الوزير المذكور وقتها ألا يُرد من العملة بعد تغييرها أكثر من خمسة آلاف جنيه
لكل من يملك ما يربو عليها خلال الثلاثة أشهر الأولى من القرار.

Post: #227
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 30-03-2007, 11:28 PM
Parent: #226



(5)

السطر الرابع من أسفل هنا: Re: المنافي الأكثر استحالة
أدمن طلاب الجامعات في حقبة الثمانينيات و التسعينيات من القرن العشرين في الجامعات
السودانية المختلفة الاستماع إلى بوب مارلي و مصطفى سيد أحمد بما حفلت به أغنياتهما،
و تحفل إلى اليوم، بمعان سامية. تصدح أجهزة التسجيل في الداخليات و سوح الجامعات
بأغنياتهما.
اليوم و بعد سنين عددا من زخم المشروع الحضاري للجبهة الإسلامية أمسى الطلاب يؤثرون
الاستماع إلى الأغاني الخفيفة و الشبابية و أغاني البنات سواء في سوح الجامعة أو في
الداخليات، إضافة إلى الاستماع للغناء الوافد من دول شرق و جنوب المتوسط.

Post: #228
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 09-04-2007, 01:14 AM
Parent: #227


(6)

السطور من الرابع حتى السابع هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
من قصيدة ( ياقوت العرش ) للشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري.
و هو شاعر كثيرا ما تغنى لأفريقيا في شعره. ربما مرد ذلك إلى
تأثره بجدته إلى أبيه التي كانت مستجلبة من ( واو ) ثم أهديت
إلى جده رجل الدين فتزوجها و أنجب منها والد الشاعر. عاش
الفيتوري متنقلا ما بين مصر و السودان و ليبيا.

Post: #229
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 14-04-2007, 10:58 PM
Parent: #228



(7)
السطر الثاني هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
قيل إن الحطيئة الشاعر و قد حضرته سكرات الموت قد سُئل:
ماذا تركت لأبنائك؟
فقال : للذكر مثل حظ الأنثى.
فقيل له: ما هكذا قضى الله.
قال: هكذا قضيت.

Post: #230
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: ابوعسل السيد احمد
Date: 28-04-2007, 12:19 PM
Parent: #229


(8)
السطر قبل الأخير هنا:Re: المنافي الأكثر استحالة
قامت سلطة الخرطوم فور تسلمها مقاليد الحكم في البلاد بتكوينالعديد
من الأجهزة العسكرية و شبه العسكرية التي تراوحت أدوارها ما بين
إعتقال و قمع و مراقبة كل من يقف ضد السلطة و بين مقاتلة أبناء
الأقاليم البعيدة حال وقوفهم متمردين على صلفها و جورها و استعلائها.
من بين هذه الأجهزة و القوات:
(1) الدفاع الشعبي
(2) الشرطة الشعبية
(3) الأمن العام بفرعيه الداخلي و الخارجي
(4) أمن الثورة
(5) الأمن الإيجابي
(6) الأمن الشعبي
(7) الشرطة الأمنية التي تحولت إلى أمن الشرطة
(8) الخدمة الإلزامية
(9) جهاز الأمن الوطني
(10) جهاز الأمن و المخابرات
(11) الأمن الاقتصادي
هذا فضلا عن تطويع أجهزة قائمة مثل الاستخبارات العسكرية و الشرطة و
و الجيش لخدمة مشروعها الاستعلائي ملغية بذلك دورها القومي.

Post: #231
Title: Re: المنافي الأكثر استحالة- هوامش غير ضرورية و إضاءات
Author: مكي ابراهيم مكي
Date: 19-06-2007, 05:53 AM
Parent: #230

UP