ردَّاً على دعوة د. فاروق محمد إبراهيم! بقلم/ كمال الجزولي

ردَّاً على دعوة د. فاروق محمد إبراهيم! بقلم/ كمال الجزولي


06-01-2014, 04:01 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=30&msg=1389020488&rn=0


Post: #1
Title: ردَّاً على دعوة د. فاروق محمد إبراهيم! بقلم/ كمال الجزولي
Author: كمال الجزولي
Date: 06-01-2014, 04:01 PM



(1)
بتاريخ 18 ديسمبر 2013م نشر د. فاروق محمد إبراهيم مقالة في مختلف الوسائط الورقيَّة والإليكترونيَّة وصفها بأنها "دعوة لحوار" موجَّهة إلى د. أمين مكي مدني وإلى شخصي. لكن، وبما أن "الحوار" الجاد ينبغي أن يتأسَّس، ابتداءً، على حقائق أوليَّة محلَّ اتفاق، فإن دعوة د. فاروق، مع احترامي له، لا تصلح لاجتراح أيِّ "حوار" كهذا، كونها تفتقر، للأسف، إلى أبسط تلك المقوِّمات، بل تحتشد، على العكس، بطائفة من المغالطات الخشنة، فضلاً عن أنها تنطوي على خلط للمفاهيم، حيث تعتبر "كونفيدراليَّة منظمات المجتمع المدني" نفسها "منظمة مجتمع مدني" قائمة بذاتها، لا محض شبكة network لتنسيق عمل "بعض" المنظمات، إضافة لإقحامه، بلا أيَّة مناسبة، زعمه بإهمالي محاضرة كنت وعدت بتنظيمها له باتحاد الكتاب! وفي هذا الرَّد سأحاول الاقتصار، قدر الإمكان، على ما يخصُّني من "دعوته" تلك.

(2)
تحت العنوان الجانبي (مؤتمر التخطيط الإستراتيجي لمنظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير) تناول د. فاروق بالتعليق مقالة نقديَّة كنت نشرتها مؤخراً بعنوان (منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير)! هكذا يستطيع القارئ أن يلحظ بسهولة أن الرَّجل قد أخذ عنوان مقالتي التي انصبَّت على بعض علل (منظمات المجتمع المدني) بوجه عام، ثمَّ ألصق به ما أسماه (مؤتمر التخطيط الاستراتيجي)، قاصداً الاجتماع الذي عُقد، مؤخَّراً، بهيلتون أديس أبابا، واقتصرت المشاركة فيه على (بعض المنظمات) المنضوية في شبكة (الكونفيدراليَّة)، بوجه مخصوص، دون أن نكون، كما يزعم د. فاروق، من منظميه، أو من الدَّاعين إليه، أو من مؤيِّدي عقده، أو من جالبي تمويله، أو حتى من بين حضوره!
الشَّاهد أن د. فاروق، باختراعه هذه الصِّياغة، جعل (الكونفيدراليَّة) شاملة لجميع (منظمات المجتمع المدني)، وجعل اجتماع أديس (مؤتمر تخطيط) لجميع هذه (المنظمات)، وبالتالي، وحتى يسهل عليه اتهامي بـ "تناقض القول والعمل"، لجأ لـ "إدراجي" ضمن أعضاء اللجنة التنفيذيَّة لـ (الكونفيدراليَّة) مع أكيد علمه بعدم صحَّة ذلك، وبالتالي ضمن المنظمين لـ (مؤتمر أديس) رغم معرفته الوثيقة بتحفظي عليه، مثلما لجأ لتصوير (الكونفيدراليَّة) نفسها كهدف لمقالتي، لا (منظمات المجتمع المدني) على العموم، مع أن العكس هو الصَّحيح تماماً، وذلك قلباً للحقائق في مقالته، فانظر، فداك نفسي، إلى هذا الضرب من التدليس الذي أربأ به أن ينزلق إليه!
لذا، ومن باب تحرير الخلاف بيننا، تلزمنا المسارعة، بادئ ذي بدء، لتسليط حزمة كافية من الضوء على ما ذهبت إليه مقالتي، قبل أن أتناول ما يخصُّني في مقالته، حتى تسهل استبانة الخيط الأبيض من الأسود في ما دغمس قلمه!

(3)
تسدِّد مقالتي نقدها، عموماً، لكلِّ منظمة مصابة بأيٍّ من العلل الثلاث التالية:
(1) ضعف الوعي بذاتها لخطأ معرفي ومفهومي يجعلها تغفل عن كونها سليلة (المنظمات الجَّماهيريَّة) القديمة، وتتوهَّم أن ظاهرتها مستجلبة، بكاملها، من الغرب، ولا نسب لها في الخبرة الوطنيَّة! ورصدنا، ضمن أسباب هذا الخطأ، العُسر النسبي في الحصول على التمويل الدَّاخلي، مقارنة باليُسر النسبي في الحصول على التمويل الأجنبي؛
(2) التناقض بين التنظير والعمل لدى بعض (المنظمات المدنية) الحديثة بسبب نشأتها، خلال ربع القرن الماضي، تحت القمع، مِمَّا يُلجئها لإدارة أمرها بطرق ملتوية، مقارنة باستقامة مناهج (المنظمات الجَّماهيريَّة) القديمة الأكثر تأثراً بتلقائيَّة الثقافة الشَّعبيَّة. واستعرضنا أربعة احتمالات لتمظهر هذه العلة: أولها تضعضع شفافية العمل الجَّماعي مقابل انغلاق الذِّهنيَّات الضَّيِّقة؛ وثانيها استسهال التسجيل في السوق تفادياً لتعقيدات التسجيل في المجتمع المدني؛ وثالثها إرساء المحاذير الأمنيَّة الأساس التَّبريري لاقتصار بعض المنظمات على "مالكين" محدَّدين، وعدم انفتاحها للعضويَّة، مِمَّا يقصي الدِّيموقراطيَّة عن الإدارة والمال فيها؛ ورابعها طغيان "التَّمويل الأجنبي" لحدِّ الدفع ببعض المنظمات لتصميم برامجها، لا بحسب أولويَّات المجتمع، وإنما بحسب أولويَّات المانحين، علماً بأن من يدفع للزَّامر يفرض عليه اللحن (!) واستدركنا بضرورة التمييز بين نوعين من هذا التمويل: "حميد" و"خبيث"، وشدَّدنا على أن الأخير، وحده، هو الذي يحوِّل بعض المنظمات إلى "مشروعات إعاشة" أو "كناتين للعمل المدني"!
(3) ازدواجيَّة الحقيقة والوهم، إذ توعز بعض التعاليم الغربيَّة، مثلاً، بأن (منظـمـات المجـتمـع المدني) كـيانات "غـير سياسـيَّة apolitical"، بينما المقصود أنها "غير حزبيَّة nonpartisan"! وأشرنا إلى أن منظمة الصحَّة العالميَّة WHO، مثلاً، أصبحت تقرُّ بازدياد نشاط (المنظمَّات المدنيَّة) كقنوات لتحقيق التَّغيير الاجتماعي والاقتصادي، كما أن باحثين كثر أضحوا يؤكدون على المفهوم "السِّياسي" لهذه المنظمات، وأنه لا معنى لمفهوم "الإنسانيَّة" ذاتها، عند الحديث عن "حقوق الإنسان"، بدون التركيز على الصحَّة، والعمل، والغذاء، والملبس، والمسكن، والتَّعليم، والثقافة، بحيث يستحيل "النضال" من أجل هذه "الحقوق" بدون ممارسة "السِّياسة"!
وخلصنا إلى التحذير من بعض كتالوجات ورش التدريب manuals الغربيَّة التي تستهدف إخصاء الطابع الرَّاديكالي لخبرة "المنظمات الجَّماهيريَّة" القديمة في النضال لتحقيق "الاستقلال السِّياسي"، واستشعار سليلتها "المنظمات المدنيَّة" لواجبها في النضال لتحقيق "التغيير الاجتماعي" الشَّامل!

(4)
رغم وضوح هذه الأطروحة، ورغم عدم تطرُّقي فيها إلى "الكونفيدراليَّة"، ولو بكلمة واحدة، لتيقني من أن محلَّ ذلك ليس صفحات الجرائد، وإنما اجتماعاتها، إلا أن مقالة أخي فاروق تجبرني، الآن، على الخوض، جهراً، في هذا الخصوص، ومرغم أخاك لا بطل، كون الرَّجل ما انفكَّ يعاظل الحقائق، ويغالط الوقائع، ويكابر في الحقِّ، ويلوي رقبة الحُجج، ويجرُّ الكلام جرَّاً ليحشره جميعه في زاوية "الكونفيدراليَّة"، فيروح يحصبنا بأسئلة متلاحقة عن اجتماع أديس، كأننا مسئولان عنه، ويخاطبني، على وجه الخصوص، معلقاً على بعض ما ورد في مقالتي المشار إليها بقوله: "إن أعراض متلازمة منظمات المجتمع المدني المرضية التي اجتهدت في توصيفها يا أخي كمال تنطبق على كونفيدراليَّة منظمات المجتمع المدني النعل بالنعل والحافـر على الحافــر"! ومن ثمَّ ينطلق، لا يلوي على شئ، إلى جملة أسئلة محيِّرة حول (مؤتمر التخطيط الاستراتيجي) قائلاً:
(السؤال الأول: من الواضح أن هناك تمويلاً خارجيَّاً للكونفيدراليَّة: من الذي قرَّر طلب هذا التمويل؟! ومِمَّن؟! وما مقداره؟! ولأي أغراض؟! وبأي شروط؟! ولماذا لم يطرح مبدأ التمويل الأجنبي علينا نحن مؤسسي الكونفدراليَّة للموافقة عليه؟! وأين الشَّفافيَّة؟!
السؤال الثاني: لماذا ينعقد مؤتمر الكونفدراليَّة، وكلُّ المشاركين فيه سودانيون، في فندق الهيلتون بالعاصمة الإثيوبية، وبتمويل أجنبي كامل؟! ما الذي يمنع انعقاده في أيِّ قاعة بالعاصمة القوميَّة؟ أين الحسُّ الإنساني ونحن نبيح لأنفسنا سياحة 5 نجوم مدفوعة الأجر باسم حقوق الإنسان، ودماء شهداء انتفاضة سبتمبر/أكتوبر لم تجف بعد، والكثير من أسرهم الفقيرة فقدت عائلها الوحيد؟! هل نحتاج "لفانوس ديوجينيس" لكي نرى التناقض الفاضح بين الممارسة العمليَّة ولغو صفاء الكوثر، وروحيَّة الفضاء المعنوي للتغيير؟!
السؤال الثالث: هل يعلم المموِّل أنه ليست هنالك موانع بتاتا لعقد المؤتمر بالخرطوم، ووافق مع ذلك على التمويل بهيلتون أديس؟! لو أنه يعلم فهذا تمويل خبيث، وكما تفضلت "من يدفع للزامر يفرض عليه اللحن"، ولو أنه لا يعلم والكونفيدراليَّة فعلت ذلك من وراء ظهره، فتلك هي الطامَّة الكبرى)!
ثم ما أن يفرغ من طرح أسئلته المحيِّرة هذه حتى يسارع إلى لهوجة استنتاجات مجَّـانيَّة قـائلاً بمـلء فمه: "من الواضح .. أن هنالك أشخاصاً أقلَّ من أصابع اليد الواحدة، وربَّما شخصان، هم الذين اتخذوا هذه القرارات، وهم أصحاب الكونفيدراليَّة الحقيقيون"!

(5)
هكذا، إذن، ولأن "الغرض"، حقاً، "مرض"، فإن هذا الاستنتاج، على ما يبدو، هو "غرض" الدكتور الأساسي الذي سعى، منذ البداية، للوصول إليه من فوق كل ذلك القلب للحقائق، عالماً، تمام العلم، للأسف، بأنه إنما يفعل ذلك من فوق باطل صريح! محض غمز ولمز خاليين من أيِّ ورع، كما سنكشف بعد قليل، ومؤدَّاهما فرية غليظة يريد من ورائها الإيعاز بأنني ثاني اثنين مسئولين عن "جلب تمويل خارجي" للكونفيدراليَّة، دون "موافقة مؤسِّسيها"! أو "إخطارهم" بـ "مقداره"! أو "أغراضه"! أو "شروطه"! أو حتى "الجِّهة التي طلبناه منها"! ومسئولين، كذلك، عن استخدامه، حال "غياب الشَّفافيَّة"، في عقد "مؤتمر بأديس أبابا"، بينما "يمكن" عقده "في الخرطوم"! وبذا "افتقدنا الحسَّ الإنساني"، حيث سمحنا بـ "سياحة 5 نجوم" مدفوعة الأجر "باسم حقوق الإنسان"، و"دماء شهداء انتفاضة سبتمبر/أكتوبر لم تجف بعد"، والكثير من "أسرهم الفقيرة فقدت عائلها الوحيد"! وهنا يكمن "التناقض" الفاضح بين "الممارسة العمليَّة ولغو صفاء الكوثر، وروحيَّة الفضاء المعنوي للتغيير"! أما المموِّل فإمَّا أنه "يعلم" بعدم وجود ما يحول دون عقد المؤتمر بالخرطوم، ومع ذلك وافق على هذا التمويل "الخبيث"، أو أنه "لا يعلم" وتلك هي "الطامَّة الكبرى"!
بمثل هذه المغالطات العجيبة، والتجرُّؤ الغليظ على الحق، والافتقار، بتاتاً، للتواضع إزاء أناس لا يخفى على القاصي والدَّاني مدى بذلهم في الدِّفاع، دون منٍّ ولا أذى، عن الحقوق والحرِّيَّات في بلادنا، يحسب الدكتور أنه مستطيع أن يثبت مسئوليتي، مع د. أمين، عن اجتماع أديس، أو المشاركة في ما أسماه "سياحة الـ 5 نجوم بأجندة خاصة"، على حدِّ تعبيره، وأن يؤكد، من ثمَّ، تناقض "أفعالنا" مع "أقوالنا"، رغم علمه الكامل بأن العكس هو الصَّحيح تماماً، وأنني، مع زميلي الأستاذ مامون التلب، من أثرنا، في حينه، باسم اتحاد الكتاب، وفي مختلف المستويات التنظيميَّة للكونفيدراليَّة، كل هذه الأسئلة والاعتراضات التي ينتحلها د. فاروق لنفسه الآن، زوراً وبهتاناً، وأبدينا، جهاراً نهاراً، رفضنا المبدئي لأيِّ تمويل خارجي للكونفيدراليَّة، مثلما عبَّرنا، بثبات، عن رفضنا المشاركة في ذلك الاجتماع، منذ أن اقترح أصحاب فكرته عقده بمنتجع أركويت، قبل أن يتحوَّل، بقدرة قادر، إلى هيلتون أديس أبابا!
ولحسن الطالع فإننا نحتفظ، في الاتحاد، بأرشيف منضبط لمستنداتنا، ومن بينها الرِّسالة الشافية الوافية المؤرَّخة في الأوَّل من ديسمبر 2013م، والتي تنقض كلَّ افتراء سعى الدكتور لغزله بشأن موقفنا من التمويل الأجنبي لشبكة الكونفيدراليَّة، بالإضافة إلى موقفنا من المشاركة في اجتماع أديس، وذلك ردَّاً على الرسالة التي كانت قد بعثت بها إلينا السكرتاريَّة التنفيذيَّة للشبكة تطلب تحديد موقفنا النهائي من السَّفر إلى العاصمة الإثيوبيَّة، وإلا فسيختارون منظمة أخرى بدلاً عنا! وقد جاء ردُّنا المشار إليه على النحو الآتي:
الأستاذة ملوك
تحية طيبة
لقد سبق أن أبدينا، مامون التلب وشخصي، في مناسبتين مختلفتين، تحفظ اللجنة
التنفيذية للاتحـاد على الفكـرة أصـلاً، باعـتبار أن بالإمكان وضـع الاسـتراتيجـية
المنشودة هنا فـي الخرطوم، فلا معنى لتبديد الموارد، على شحها، فـي أسـفار لا
معنـى لها.
وننتهـز هذه السانحة لنكرر اعتراضنا على تلقـي الكونفيدرالية منحـاً مـن جهـات
أجـنبية، وإمكانية تلقيها من أعضـاء الكونفـيدرالية فـي الداخـل. وكـنا، فـي أحـد
الاجـتماعـات، قد ضـربنا مثلاً لهؤلاء الأعضاء بمركز الخاتم عـدلان، وكنا نعني
المنظمة الجديدة التي حلت محـله في النشاط المدني، علماً بأنه لا مانع، بالطبع،
من أخذ التبرعات من مركز الخاتم بعد كسبه قضيته ضد هاك، وهو ما نأمل في
حدوثه في أقرب وقت إن شاء الله.
هذا ما لزم توضيحه، مع خالص التقدير
كمال الجزولي
الأمين العام لاتحاد الكتاب السودانيين
…......................................
…......................................
ولو كان القائمون الفعليون على أمر اجتماع أديس، والذين يعلمهم أخي فاروق جيِّداً، قد بادروا إلى الجَّهر بكلمة حقِّ ظللنا ننتظرها منهم، منذ أن نشر هو مقالته في 18 ديسمبر المنصرم، لما أحوجونا إلى تسطير هذا الرَّد عليه أصلاً، بل لو كان هو نفسه قد أبدى، خلال مناقشة الأمر في اجتماعات الكونفيدراليَّة، عشر معشار ما يبدي الآن من حماس في الاعتراض على المؤتمر وتمويله، لأضحى من حقه أن يقول ما يقول. لكن، للأسف، لا هم فعلوا، ولا هو فعل!

(6)
جرى الخلاف، إذن، في حضور الدكتور، حول عقد "مؤتمر التخطيط الاستراتيجي" بتمويل أجنبي في العاصمة الإثيوبيَّة، لكنه التزم الصَّمت التام حيال ذلك كله، فلم يعترض، لا على السفر ولا على التمويل الأجنبي، بل لم يعترض حتى عندما انطرح اقتراح بأن يتولى هو استلام بعض هذا المال؛ وباختصار لم تند عنه أيَّة مساهمة في ما يتصل بواجبات الكونفيدراليَّة إلا على صعيد المقابلة التي اصطنعها اصطناعاً بين الموقفين "الحقوقي" و"السِّياسي"، حيث انصبَّ كلُّ جهده على المطالبة بأن تقتصر الكونفيدراليَّة على اتخاذ الموقف "الحقوقي"، فقط، دون "السِّياسي"، تجاه "دماء شهداء سبتمبر/أكتوبر التي لم تجف بعد"، ما يعني إنكاره التام لجدليَّة العلاقة بين "الحقوق" و"السِّياسة"! وعلى خلفيَّة هذا "الفكر" أصرَّ، بعناد، ألا تشارك الكونفيدراليَّة في التفكير العام حول "ميثاق" منضبط يؤهِّل (منظمات المجتمع المدني) لأن تلعب دورها تجاه مستقبل "الانتفاضة"، كضلع حديث فيها لم يكن له وجود، بصورته وطاقاته الرَّاهنة، لا في ثورة أكتوبر ولا في انتفاضة أبريل!
ذلك الموقف الغريب يشكل، ولا بُدَّ، انعكاساً قويَّاً لهاجس ظلَّ ينتاب الدكتور، في ما يبدو، إزاء الكونفيدراليَّة نفسها، وما ذلك إلا من باب غلبة إحساسه الخاطئ بالمنافسة، إذ فهم، كما سبق أن قلنا، أنها "منظمة" لا "شبكة" لـ "منظمات مختلفة"، فظنَّ، وبعض الظنِّ إثمٌّ، أنها ما تأسَّست إلا لتناوئ "المنظمة" التي يترأسها هو باسم (الهيئة السُّودانيَّة للدِّفاع عن الحقوق والحريَّات)؛ وأنفق، من ثمَّ، وبلا أيِّ داع، عربيَّاً كثيراً، في الدِّفاع عن (الهيئة)، ولعلَّ أدلَّ ما يدلُّ على فهمه هذا أمران:
الأمر الأوَّل: قوله، هو نفسه، في صلب مقالته: "لا داعي بتاتا لتكاثر المنظمات لنفس المهمَّة"! وكان حريَّاً بهذا القول أن يوجَّه إليه هو، لا أن يصدر منه!
الأمر الثاني: أنني اعتذرت، مثلما اعتذر د. أمين في ما علمت، عن المشاركة في "الهيئة"، مع احترامنا لها وللناشطين فيها، لا لسبب سوى لعدم الاقتناع بجدواها، دّعْ طريقة تكوينها، ومنهج عملها. ذلك أنه إذا كان الأمر أمر رصد لأوضاع الحقوق والحريَّات في البلاد، فإنَّ (منظمات الرَّصد) الناشطة في هذا المجال لم تعدم التعدُّد أو التنوُّع، وما تحتاجه هو الدَّعم بأكثر من حاجتها لتأسيس "منظمة" جامعة مانعة "تلقف"، كما عصا موسى، كلَّ ما كانت "تأفك" هذه "المنظمات"، فتقوم مقامها، وتحلُّ محلها! أما إن كان الأمر أمر دفاع عملي، في ساحات القضاء، عن متَّهمي الرَّأي والضَّمير، فثمَّة، أصلاً، مدرسة وطنيَّة ديموقراطيَّة مؤسَّسة لأجل هذا الغرض النبيل، في إطار مهنة المحاماة، منذ آماد بعيدة، وقد انخرطت فيها مختلف الأجيال، وقامت عليها، تاريخيَّاً، رموز خالدة، على رأسها طيِّبو الذكر النُّقباء الأجلاء أمين الشِّـبلي، وعابدين اسماعيل، وميرغـني النَّصري، وعبد الله الحسن، فضلاً عن جيش جرَّار من المحامين والمحاميات الذين لم ينتظر أيٌّ منهم، يوماً، جزاءً ولا شكورا على صنيع حسن بذل، أو يدٍ بيضاء قدَّم. بل إن خدمة هؤلاء بالمجَّان، في هذا المجال، بلا أدنى منٍّ أو أذى، على نهج النفير والفزع، لمشهورة أوسع شهرة، ومقدَّرة حقَّ قدرها، وسط أبناء وبنات شعبنا، فلا طائل من المزايدة عليها!

(7)
أخيراً، ثمَّة أمر يقع، بكلِّ المعايير، خارج موضوع "خلافنا" هذا، وهو أمر "المحاضرة" التي كنت وعدت بتنظيمها للدكتور باتحاد الكتاب، على أنني أجدني مضطرَّاً للتعرُّض له، حتى لا ينتاب القارئ شك قصد الدكتور أن يزرعه في نفسه بأن "هذا الخلاف"، بالذات، هو السَّبب في عدم وفائي بذلك الوعد!
في هذا الشأن كتب أخي فاروق يخاطبني، في خاتمة مقالته، قائلاً: "لقد طلبت مني عقب نقاش مثمر بيننا في رحلة العودة من نيروبي قبل عام ونصف تقديم محاضرة بدار اتحاد الكتاب عن المرجعيَّة الدِّينيَّة لإعلان ومواثيق حقوق الإنسان، كانت بدايته الحوار حول مقالاتك الجَّيِّدة التي لا زلت أحتفظ بنسخ منها .. وتواعدنا على مواصلة الحوار بالخرطوم. ولم يلق طلبك حينها مني الموافقة والاستحسان وحسب، وإنما ألححتُ في رسالة لاحقة على تحديد موعد لـ 6 محاضرات في الموضوع. ترى هل صرف "الانحراف الكونفيدرالي" نظرك عن الوفاء بالوعد الذي لا زلت أنتظر تلبيته"؟!
انتهت مخاطبة أخي فاروق لي في هذا الموضوع الذي ينبغي أن أوضِّح بشأنه ما يلي:
(1) لا بُدَّ أن القارئ قد استبان، الآن، بما لا يدع مجالاً لأيِّ شكٍّ، أنه، إذا كان ثمَّة "انحراف كونفيدرالي"، فإنه ليس من جانبنا بأيَّة حال!
(2) وحتى بافتراض إمكانيَّة القبول بمناقشة هواجس الدكتور، فإن وعدي له قد وقع قبل عام ونصف، بينما لم تمض على "الخلاف" الذي نحن بصدده غير أشهر قلائل!
(3) أما الجانب الأكثر أهميَّة، فهو ما لن يفوت، بطبيعة الحال، على فطنة القارئ إذا فكر قليلاً في إمكانيَّة أن يطلب محاضر من اتحاد الكتاب أن ينظم له 6 محاضرات، بالجملة، في موضوع يمكن عرضه في محاضرة واحدة!
(4) وبالتالي، إن كان الدكتور ما يزال عند اتفاقنا على تنظيم محاضرة واحدة له، فإني على أهبة الاستعداد لمناقشة الأمر مع الأمين المساعد للمناشط، وطرحه، من ثمَّ، على اللجنة التنفيذية التي أثق في عدم وجود سبب لديها لرفضه.

***