جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي

جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي


23-03-2007, 09:14 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=127&msg=1177650311&rn=0


Post: #1
Title: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 23-03-2007, 09:14 PM

(1)

كنت أقفز في مكاني على رجلي اليمين ورأسي أيضاً مائلة ناحية اليمين أضرب ضربات خفيفة على مقدمة رأسي براحة يدي، عسى أن يخرج الماء اللعين من أذني.. كان "جِـليّيلا" يضحك على منظري بينما أرتدى هو "عراقيه" وأخذ في تجفيف سرواله، وفي ذلك الوقت مازال "جمال التمليكي" يصدح بالغناء وهو داخل الماء "عُـومة المرقـة إن شاء الله لا شـرقة لا غرقـة".. تملكنا الجوع بعد تلك الجولة من السباحة في رابعة النهار، والتي أصبحت عادة لنا، إذ كنت بعد أن أرجع مع وليام من سِبيقة الباسا الواقعة تحت "العنزراب"، نلقي بحزمة اللوبيا والبرسيم للبهائم، ثم ننطلق بعد الفطور، في الغالب إلى "المليكاب" حيث نعمل مع "جمال التمليكي" على شد جلد رأس البقر، بعد إخراجه من الماء الذي طمرناه فيه في الليلة السابقة، نعمل على شده فوق قدح الدكـّر، في الخطوات شبه النهائية لإكمال صنع الطمبور لذلك الصديق الجديد القادم من الخرتوم في إجازته المدرسية، والذي هو أنا.

في العادة ينضم إلينا "جِـليّيلا" وفي بعض المرات يكون بصحبة أخيه الأكبر "رِحـيّيمة"، وبعد إنتصاف النهار يصبح النزول للبحر إغراءاً لا سبيل لمقاومته في مثل غيظ شهري مايو ويونيو، فنتراشق بالمياه ونتسابق، فقـد زال خوفهم علي من الغرق بعد أن أثبت لهم مقدرتي، كما علمتهم بعض الحيل للوقوف في "الغريق" لفترة طويلة بينما رأسي أعلى الماء، كما زال عجبهم عن من أين لي المعرفة بالسباحة بعد أن أخبرتهم أننا أيضاً في الخرتوم وفي الإجازات الصيفية لا ننقطع عن الذهاب لبحر أبيض، خلف قضيب السكة الحديد، ونحرص على ألا يكتشف أهلنا أننا في غيابنا النهاري نذهب لبحر أبيض للسباحة ومراقبة عملية صيد الأسماك.

جِـليّيلا كان يجيد العزف على الطمبور أيضاً، لكنه لا يجيد الغناء مثل جمال التمليكي أو عطاالله العجمي، أما نورالدايم العجمي فموهبته لا تخفى على أحد رغم صغر سنه، حتى أنه يجاهد حتى تغطي أصابعه الصغيرة على أسلاك الطمبور الخمسة. لم نكن نحب أن نتحدث أو نذكر خبر المدرسة، فجمال التمليكي يتمنى الذهاب إلى الخرتوم للعمل في الجيش، بينما "جِـليّيلا" لم يكن يتحدث عن ماذا ينوي أن يفعل بعد الإنتهاء من المرحلة المتوسطة، كان صيف العام 77 من القرن الماضي صيفاً مميزاً في حياتي، فقـد تذوقت فيه ولأول مرة في حياتي، لحم "أم دريـنقة"!


.

Post: #2
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 23-03-2007, 09:48 PM
Parent: #1

(2)

التوب كسيتي وسامة ... يا أجـمل بسـيمة وقامة.. توب الحِـد كسيتي وسامة ... يا أجـمل بسـيمة وقامة، هـكذا كان الخال الطاهر المامون يتغنى بصوته القوي والتريان في ديوان ناس التمليكي، بينما جمال التمليكي يعزف له، والتمليكي الأب يقاوم النوم على كرسيه، الوقت كان "عِـصير" وليس ذلك بالشيء المألوف في مثل ذلك الوقت.. فجأة دخل علينا عبدالرحــيم ودطـه "رِحـيّيمة" وهمس في أذن جمال، الذي ترك الطمبور وهب واقفاً وقد دبت فيه الحيوية بعد ذلك العزف المتكاسل في مجاملته للخال الطاهر المأمون، وتبعتهم، فأوقفنا الطاهر ولم يتركنا إلا بعد أن أوضح له "رِحـيّيمة" أن هناك "حوتي كبيري" في البحر يبدو أنها خنقت، وبقت تجلبط في الموية!

خرجنا مسرعين ناحية النهر القريب، حيث كان هناك جسم في الماء يدور حول نفسه مثل دولاب المراكب القديمة بينما يتقدم مع تيار الماء الهاديء، إلى الأمام.. وبينما كنا نحاول أن نستجلي أمر ذلك الكائن الغريب ومغزى حركته، كان جمال و "رِحـيّيمة" وبعد أن إنضم لهم الأستاذ علي، كانوا قد شرعوا في سحب مركب راسية، ودفعها في إتجاه الماء وقد تسلحوا بفأسين أحضرها لهم ياسين التمليكي، فقفزت معهم داخل المركب وبدأنا في التجذيف ناحية الجسم الذي ما أن أقتربنا منه حتى هدأت حركته تماماً وبدا لنا كجسم أبيض غير محدد المعالم، فتوجسنا، وبدت لنا كجنازة بحر أول الأمر، ولما إقتربنا أكثر اتضح لها أنها جثة كلب منتفخة، ويبدوا أن الأسماك كانت تتناوشها من كل جانب.

.

Post: #3
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 23-03-2007, 10:49 PM
Parent: #1

(3)

إنحنى فوق الجريح يريد إسعافه فأنتهره ضابط الشرطة، فوقف ينظر إلى ضابط الشرطة وخاطبه:

- الزول ده مضروب، إنتو في قلوبكم ما في رحمة؟!
ثم إستدار وأعطى ظهره لضابط الشرطة الذي أجابه:
- يازول إنت ذاتك بنضربك..
إلتفت "جِـليّيلا" ناظراً ناحية ضابط الشرطة، وكان يظن أن ضابط الشرطة يمزح معه، حتى بعد أن سمع صوت الطلقات الثلاث.

كان ذلك كل ماتذكره "جِـليّيلا" في مستشفى الشعب في الخرطوم، وهو يحكيه لنا بصوت واهن وقد ملأت آثار دماؤه النازفة، الأربطة وملاءة السرير التي كانت يوماً ماء بيضاء.

لم أكن أعرف أنه أنت يا عبدالجليل، فقد كنت شاهداً من بعيد.. قلت له.
أيوة.. يوم إتنين أربعة سنة خمسة وتمانين، كنا في الطرف الجنوبي الشرقي من ميدان الليق "ميدان المولد" في الخرطوم، الناس زاحفة في شارع الحرية من الكلاكلات والدخينات واللاماب والسجانة على شارع الحرية في إتجاه قلب الخرطوم، وآخرين من الحلة الجديدة والقوز والمنطقة الصناعية تجمعوا في الجزء الشمالي الشرقي من ميدان الليق قرب الإمدادات الطبية والكل يريد الذهاب لتلتحم كل المظاهرات الهادرة في قلب الخرطوم، بينما حشدت الشرطة قواتها على شارع الحرية أمام قسم الشرطة الجنوبي (القسم الجنوبي)، وإختفت الاندكروزرات المكشوفة ذات اللون الصحراوي، التي كانت تجوب الشوارع مسرعة وعلى ظهرها عناصر الأمن يربطون المناديل على الجزء الأسفل من وجوههم، علها تخفي ملامحهم وفي نفس الوقت تجنبهم إستنشاق البمبان الذي يملأ الجو. إختفت تلك اللاندكروزرات ولم تجرؤا على الظهور أمام الجموع الغاضبة.

سمعنا صوت الرصاص وشاهدنا من موقعنا على شارع الحرية جنوب ميدان الليق، أحدهم يسقط قريباً من الركن الجنوبي الغربي للقسم الجنوبي، ثم شاهدنا أحد عمال المنطقة الصناعية يقترب من الجريح وينحني عليه، ورأيناه يسقط هو الآخر منكفئاً لنسمع صوت الطلقات الثلاث بعد أقل من الثانية.

إلتحق جمال ود التمليكي جندياً في سلاح المهندسين في أم درمان، وكنت أزوره بإنتظام في المعسكر، بعد أن أتم فترة التدريب في معسكر سلاح المهندسين في العيلفون، في حين إلتحق عبد الجليل ودطه "جِـليّيلا" ليتعلم الصنعة بالمنطقة الصناعية حتى يصير عاملاً ميكانيكياًً. كان من عادة الأطفال في القرية مناداة بعضهم بتصغير الأسماء تحبباً، فعبدالرحيم تصير "رِحـيّيمة" ومحمد تنقلب "مُحمدا" أو "حِمّيـد" وعبدالجليل "جِـليّيلا" وهـكذا.

في الخامس من أبريل عام الف وتسعمائة وخمس وثمانين، أسلم عبدالجليل "جِـليّيلا" الروح لبارئها، ليعمد بدمه إنتفاضة الشعب المنتصرة في السادس من أبريل، وليزف شـهيداً من شهداء شعبنا الأبرار. سبب الوفاة إحدى الرصاصات التي اخترقت جسده إستقرت في الكلية ولم يتمكن الأطباء من إستخراجها أو إيقاف النزيف.

عاشت ذكرى شهــداء الحرية والسيادة الوطنية

عاشت ذكرى الشهيد عبدالجليل ود طه ود علي

المجد لشعب السودان.


.

Post: #4
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 23-03-2007, 10:50 PM
Parent: #1

.



.

Post: #5
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 24-03-2007, 03:00 PM
Parent: #1

.
في الذكرى الثانية والعشرين لإنتفاضة الشعب المجيدة في مارس/أبريل 1985

إلى أهـل وأصدقاء الشهيد عبدالجليل
.

Post: #6
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: wadalzain
Date: 24-03-2007, 04:05 PM
Parent: #5

تحيه وشوق يا عدلان

الا رحم الله الشهيد عبدالجليل صديقك وكل شهداء انتفاضة ابريل


انها لحقا قصه مؤثره جدا ، هؤلاء الشهداء امثال عبدالجليل هم الذين اناروا لنا الطريق وعبدوه بدمائهم .

شكرا لك بأن اعدت ذكرى عبدالجليل الى الحياة بعدما حاول الظلاميون ان يدفعوا الناس لنسيانهم ونسيان انتفاضة ابريل . لنتمثل بأبريل وبالشهداء فى انتفاضته ونعيد للحياة ما ناضلوا من اجله .

اعادت الانقاذ الى السودان السفاح نميرى ومنحته حصانه من المساءله الجنائيه كما اعادت عمر محمد الطيب وكل اركان اجرام مايو محاولة اى الانقاذ ان تهين انتفاضة ابريل وشهدائها ولكن هيهات ما دام هناك من امثالك ما زالت ذاكرتهم تختزن هؤلاء الشهداء وتبعث بهم للحياة وهذا ما يؤرق القتله والسفاحين اينما كانوا واينما حلوا .
لتخسأ الانقاذ ومعها السفاح نميرى وذمرته ولتظل ذكرى عبدالجليل حية فينا ابدا تلهمنادائما الى طريق الحريه والديمقراطيه .

مع الشكر والتقدير

Post: #7
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: wadalzain
Date: 24-03-2007, 04:16 PM
Parent: #5

تحيه وشوق يا عدلان

الا رحم الله الشهيد عبدالجليل صديقك وكل شهداء انتفاضة ابريل


انها لحقا قصه مؤثره جدا ، هؤلاء الشهداء امثال عبدالجليل هم الذين اناروا لنا الطريق وعبدوه بدمائهم .

شكرا لك بأن اعدت ذكرى عبدالجليل الى الحياة بعدما حاول الظلاميون ان يدفعوا الناس لنسيانهم ونسيان انتفاضة ابريل . لنتمثل بأبريل وبالشهداء فى انتفاضته ونعيد للحياة ما ناضلوا من اجله .

اعادت الانقاذ الى السودان السفاح نميرى ومنحته حصانه من المساءله الجنائيه كما اعادت عمر محمد الطيب وكل اركان اجرام مايو محاولة اى الانقاذ ان تهين انتفاضة ابريل وشهدائها ولكن هيهات ما دام هناك من امثالك ما زالت ذاكرتهم تختزن هؤلاء الشهداء وتبعث بهم للحياة وهذا ما يؤرق القتله والسفاحين اينما كانوا واينما حلوا .
لتخسأ الانقاذ ومعها السفاح نميرى وذمرته ولتظل ذكرى عبدالجليل حية فينا ابدا تلهمنادائما الى طريق الحريه والديمقراطيه .

مع الشكر والتقدير

Post: #8
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عصام علي أحمد
Date: 24-03-2007, 08:14 PM
Parent: #1

العزيز عدلان أحمد عبدالعزيز
يظل عبدالجليل طه فى الذاكرة الى الابد
وتظل الطلقات تطارد صاحبها الى الابد
عبدالجليل ما أروعه وما أجمله وما أنقاه أنسان
هذا الشاب المسكون بطيبة القرية
خط أسمه بأحرف من دم مع شهداء الانتفاضة

والباسا تقدم رجالها
عبدالمنعم محمد أحمد
عبدالمنعم طبل العزة ونحاس الغيرة

التحايا للباسا
عماسيب ودقيناب ومليكاب وعنزراب وخرساب وعجوباب
والتحية لك وللاسرة
عصام على أحمد أبودية

Post: #9
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: Mohamed Abdelgaleel
Date: 25-03-2007, 08:59 AM
Parent: #8

Quote: في الخامس من أبريل عام الف وتسعمائة وخمس وثمانين، أسلم عبدالجليل "جِـليّيلا" الروح لبارئها، ليعمد بدمه إنتفاضة الشعب المنتصرة في السادس من أبريل، وليزف شـهيداً من شهداء شعبنا الأبرار. سبب الوفاة إحدى الرصاصات التي اخترقت جسده إستقرت في الكلية ولم يتمكن الأطباء من إستخراجها أو إيقاف النزيف.

عاشت ذكرى شهــداء الحرية والسيادة الوطنية

عاشت ذكرى الشهيد عبدالجليل ود طه ود علي

المجد لشعب السودان.


تحياتي أخي عدلان ..
وهم هكذا دائماً يذهبون بلا ضوضاء
الذين يحبون الوطن والحرية حد
الموت.

Post: #10
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 26-03-2007, 02:26 PM
Parent: #1

العزيز ود الزين، تحية ومحبة..

Quote: ولتظل ذكرى عبدالجليل حية فينا ابدا تلهمنا دائما الى طريق الحريه والديمقراطيه


العزيز عصام أبودية، سلام وأشواق..

Quote: عبدالجليل ما أروعه وما أجمله وما أنقاه أنسان

المـوت نقّـاد يا عصام.. أما القتلة ف " تظل الطلقات تطارد صاحبها الى الابد"..

عزيزي محمد عبدالجليل، سلام ومحبة..

Quote: وهم هكذا دائماً يذهبون بلا ضوضاء
الذين يحبون الوطن والحرية حد
الموت.


ولكنهم يبذرون بذرة الحياة، فالوحش يقتل ثائر والأرض تنبت ألف ثائر.

كل الود والإعزاز لكم.

.

Post: #11
Title: Re: جِـليّيلا.. عبدالجلـيل طـه علـي
Author: عدلان أحمد عبدالعزيز
Date: 02-04-2007, 03:59 PM
Parent: #1

.

حـدث في مثل هـذا اليوم، قبل إثنين وعشرين عاماًَ.

.