إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق)

حفل دعم الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبري بالفنان عمر احساس
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 22-09-2018, 03:25 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة عبد الحميد البرنس(عبد الحميد البرنس)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
14-10-2005, 07:39 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    العزيز هشام هباني:

    أطال الله عمرك وكل سنة وأنت بألف خير.




    تخريمة:

    تأثرت بعمق شديد لحكايتيك عن الحمار الذي قتله مهوووووس وتلك اللحظات الأخيرة لك كسائق عربة أجرة مع تلك الأمريكية السوداء مريضة السرطان. ودمت.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-10-2005, 11:01 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    بدأ "الثعبان" يسدي حكمته للأمنجي الشاب الصغير الذي بدا في داخل السيارة ذات الدفع الرباعي متطلعا للخدمة وسط الجماهير بسرعة برق. وكانا قد غادرا المكتب في صمت بعد أن أنهى "الثعبان" في مكتبه إجراءات "تنوير" الأمنجي السابق بالخطوط العامة لأمن الدولة عند منتصف الليل تماما.

    كان الثعبان يقود سيارته بعين ويضع الأخرى فوق أذنه اليمنى مخاطبا الأمنجي السابق الذي أعيته في وقت وجيز هو أمد معرفته بالثعبان حين التقطه من منزله قبل ساعات كيفية تحويل العيون بكل تلك المهارة. ربما لهذا السبب فاته أن يهضم نصائح الثعبان الحكيمة على نحو أدى به الآن إلى تسول علب البيرة الفارغة لبيعها بسينتات صغيرة لا تكفي لسد القليل من الرمق بعد أن لجأ قبل سنوات إلى كندا كمدرب سباحة للبنات في سن المراهقة مبينا وقتها أن (مهنتي) تم تصنيفها كمهنة سافرة في حيثيات البيان الأول لإنقلاب حكومة الجنرال الأخير المقدسة.

    أنت تعلم أن هذه المهنة قد تنتهي بثورة من الثورات في أي وقت، عندها فقط ستجد نفسك في الشارع بلا مورد للرزق أوحيلة، للأسف في البلاد المتقدمة يستفيدون من خبراتنا في الشركات التجارية الخاصة كمستشارين، ولعل هذا الخوف من المستقبل هو سبب حديثي إليك وأنت لا تزال في "أول يوم وظيفة"، لذا عليك أن تفتح أذنك جيدا قبل أن تصبح مستغلا أومطاردا من قبل أمنجية عهد قادم لا سيما البليدين منهم. كان الأمنجي السابق في ليالي الشتاء الطويلة يتذكر تلك النصائح بحسرة وألم. وقد بدا له الحاضر كلما رأى "الخليفة" أمامه مثل "ظرطة" كبيرة بلا نظير أوشبيه لها في عالم "الظراريط" اللانهائي!.

    في مهنة كمهنتنا هذه، يجب أن تتجنب أذى العامة ما أمكن، إن الجري وراء العيش وأكله هو أكبر أمنجي لمراقبتهم في النهار والليل، والأمن لا يهدده سوى أولئك النفر القليل الذين يهمسون بأصواتهم أويرفعونها كلما سنحت الفرصة قائلين بفصاحة ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وبعض هؤلاء ستراه لاحقا وقد تحول إلى وجبات طعام حية لتماسيح الجناب الأعلى. هنا تحولت من الدهشة عينا الأمنجي السابق إلى كرتين زجاجيتين خاليتين تماما من الحياة. وقد تيقن بما لا يدع مجالا للشك أن مهنته كأمنجي أكثر تعقيدا مما كان يتصوره كإبتزاز لتحقيق مكاسب صغيرة من بائعات "البنقليس" أمام بوابة المستشفى في أيام زيارة المرضى الأسبوعية. ومع ذلك سرعان ما يشتهر الأمنجي السابق بوصفه أكثر الأمنجية إنشغالا بسفاسف الأمور في تاريخ العالم الحديث برمته.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-10-2005, 12:13 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان قد أثار حيرتي بين المنفيين وجود شخص غريب من هيئته العامة بدا لي دائما أشبه مايكون بفيل صغير "مدلل". سألت عنه وقتها مدني سليمان قبل أن تصعد إلى رأسه "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية" ويصر بعدها كعادته على الوقوف فوق منضدة الطعام وينشد ذات الأبيات الشعرية لأمل دنقل بينما أظل متوترا من إمكانية ترنحه وسقوطه على رأسي المثقلة في أية لحظة. وأخبرت مدني بعد أن تكشفت لي المأساة عن حقيقة قلقي من تلك العلاقة المريبة بينه وبين المدعو عزيز تركي.

    بدا وكأن مدني سليمان قد أراد أن يجعلني أتكرع تلك الخمر كيما أسمح له في النهاية بصعود تلك المنصة على نحو يجعلني في تلك الليلة وحدها أذهب إلى الوطن وأعود منه آلاف المرات حين أفادني أن الخليفة في بعض الروايات ليس سوى "أمنجي حالي". وقد كان. عند الكأس السابعة حين أيقن مدني سليمان أني قطعت المحيط وبت قاب قوسين أوأدنى من الحدود المصرية الجنوبية قال لي مستدركا "ولكن لا تخف.. الخليفة هذا عبارة عن ظرطة كبيرة". وعلى الرغم من أنني سمعت من قبل مدني سليمان وهو يطلق هذه الصفة على عشرات الأشخاص في القاهرة إلا أنني لم أره أكثر منه دقة في هذه المرة. وخيل لي بعد أن فقدت القدرة على حساب الكأسات المتتالية أن مدني سليمان قد أخذ يسرد لي شيئا من تاريخ الخليفة الشخصي القريب.

    "الظراط" الكثيف المتتابع على مايبدو هو الموهبة الوحيدة التي حباه الله بها. وكان المسئولون في الأجهزة "الأمنجاوية" يصنفون تلك الموهبة ضمن الآليات القمعية المتاحة في لحظات الطواريء. والجميع يذكر هنا هجوم أجهزة الإعلام الغربية على غياب الحريات الأساسية في البلاد. الأمر الذي دفعهم إلى إرسال مندوبين لمراقبة مسيرة الطلاب السلمية إلى مقر جلالته للتنديد بالإختفاء القسري المستمر للمعارضين السياسيين. لم تكن هناك أدنى علامة على وجود أمنجي حول المتظاهرين. لم تكن هناك مجنزرة أودبابة واحدة أوحتى كاسحة ألغام مصفحة كما كان يحدث أثناء المظاهرات السابقة. ومع ذلك (كما جاء في تلك التقارير الصحفية) حدثت حالات فرار تلقائي بالجملة وإغماء جماعي. وقد أشار مراسل وكالة رويتر ديفيد جنسون وقتها أنه لاحظ وجود شخص في مركز الأحداث يشبه (فيلا مدللا). وما حدث ببساطة شديدة أنه تم إرسال الخليفة بدري ما بدري إلى قلب المظاهرة لإطلاق ما تبقى في بطنه من طعام (لوبا عفن).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-10-2005, 10:12 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الجليد يتساقط وراء النافذة الزجاجية، لايزال. الحياة ليست بستانا للذين تساموا فوق أحزانهم الصغيرة. والكلمة كفت على مايبدو عن بناء العالم منذ فترة طويلة وإلى الأبد. ومع ذلك، لا تزال تلوح لي في كثير من الأحيان "كيد مدت خلال الموج لغريق". أجل.. "الحية التي لا تستطيع أن تغير جلدها، تهلك. كذلك البشر الذين لا يقدرون أن يغيروا آراءهم، لا يعودون بشرا. بقدر ما نصعد عاليا، نبدو صغارا لهؤلاء الذين لا يعرفون أن يطيروا". ربما لهذا، طوبى للغرباء. وربما لهذا، لا شيء للغرباء هنا... أوهناك.

    طرقت باب الحوش الخشبي الضخم آخر ليل بعيد. وبدا لي أن قرونا عديدة مضت محملة بالدموع.. والعويل.. والصراخ.. والألم منذ آخر مرة فعلت خلالها ذلك. لقد تقدمت في العمر كثيرا ولما أتجاوز وقتها السابعة عشرة بعد. كان ليلا نجميا.. ثقيلا.. حالكا.. حزينا.. ولاأثر حتى لمصباح واحد يهتدى به. أخيرا فتح خالي الباب. قال: "حمد النيل"!!!.

    كنت أتوكأ عليه سائرا إلى الداخل في صمت. أجلسني على سريره بين الغرفتين أسفل تلك السماء النجمية النائية. فعل ذلك ببطء وحذر شديدين. وجلس أمامي منهارا على الأرض. همست وراء ستارة الدموع المتكونة داخل عيني المجهدتين:
    "لقد قتل عادل بالمسدس أمام عيني يا خالي".

    خالي قام من الأرض نصف قومة. وضع يده على فمي. وحين رآني من كل ذلك القرب أختلج بكل ذلك البكاء الصامت أخذ ينتحب بدوره مصدرا كل ذلك الأنين الخافت المتصل.

    قال:

    - "كانت التهمة كبيرة".

    سألته وقد نضب معين الدمع في داخلي فجأة:

    - "عرفت كيف يا خالي"؟!.

    قال:

    - "لقد نشروا صورتك أنت وعادل وآخرين".

    أمك كانت تبيع الزهور أمام المستشفى حين أذاع الراديو إسمك. قبل أن تفكر فيما حدث أذاع الراديو بعد ثانية لا أكثر نكتة "الجنرال السعيد بنجاته من المؤامرة الفاشلة". أمك ظلت تضحك كما يضحك الآخرون. ضحكت حتى سالت دموعها لأول مرة. وهي يا ولدي لم تعلق على بائعة "البنقليس" تلك بشيء حين لا حظت أن طريقتها في الضحك لا تشبه طريقتها القديمة مع أن أمك كما قالت البائعة سمعت الجنرال نفسه يردد نفس النكتة من قبل نحو عشر مرات.

    أمك واصلت ضحكها فقط. الدنيا (يا ولدي) لا توجد فيها ضمانات كافية للثقة في الناس هذه الأيام . بل أكملت عملها كالمعتاد. وحملت كعادتها ما تبقى من زهور لم يعد الناس راغبين في شرائها. وجاءت إلى البيت. كنت وقتها في إنتظارها أمام الباب. دخلت وراءها وأغلقت الباب من خلفنا. وهنا.... حين صرنا وحدنا لم تبك أوتجزع. فقط قالت لي:

    - "وأوفوض أمري إلى الله (يا حسين) إن الله بصير بالعباد".

    أنا صرت أخاف من ظلي. وأخاف إذا مشيت في الشارع يهمس الناس ويشيرون نحوي قائلين: "هذا خال الولد الذي أراد قتل الجنرال". وقتها أخذت أرتدي ملابس نسيتها زوجتي هنا بعد أن حلقت شاربي وذقني جيدا. وفي ذلك الصباح حملت يا ولدي القفة وذهبت إلى سوق الخضار. وعندما مددت يدي أعطي الجزار نقوده يا ولدي قال الراديو "سمو الجنرال سيلقي على شعبه الطيب نكتة'. عندها ضحكت بأدب مثل أي مواطنة عادية. وغفلت راجعا إلى البيت في أمان الله. وفجأة... توقفت أمامي عربية بحركات عنيفة. قال لي سائقها منتهرا:

    - "إنت.. يا حسين.. يا سجم.. لماذا لا تضحك زي زمان"؟!.

    وأنا من خوفي بقيت أضحك بأثر رجعي. رميت القفة. ونسيت إني متنكر في ملابس النسوان. وسواق العربية قال لي الكلام دا هنا (ياحسين) ما بينفع لازم أرجع سوق الخضار وأضحك هناك "زي زمان".


    "لينظر العالم إذن.. أويتفرج كيف سأدير معاركي القادمة".

    هكذا، بدأت أفهم أن هناك مشاعر أخرى في هذه الحياة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-10-2005, 02:59 PM

awadharoun
<aawadharoun
تاريخ التسجيل: 04-09-2003
مجموع المشاركات: 543

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    ادفق ياعبد الحميد
    امبارح سهرتني الليل كلوا مشيت الشغل نايم
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-10-2005, 03:33 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: awadharoun)

    أخي الجميل:
    awad haroun... لك مثل ما في قلب أمي لي من دعاء.








    كنت قد بدأت أتتبعه تلك الليلة كعادتي وهو يتنقل فور دخوله إلى المجمع عبر البوابة الحادية عشرة من شاشة لشاشة إلى أن يطرق في الأخير باب مكتبي ووجهه يكون متجها مباشرة إلى الكاميرا إلى أعلى جانب الباب وقد علته ذات الإبتسامة الصفراء التي بدت في هذا المنفى كعلامة مميزة له.

    قبل ذلك، وفي أثناء سيره داخل المبنى بخطى مثقلة وبطيئة، أكون لسبب ما قد شرعت على الفور في عقد تلك المقارنة الدقيقة بينه كسياسي سابق في القاهرة وبينه كعامل نظافة حالي تشغله بشكل أساسي هموم كيفية تحويل دولارات إلى هله في الوطن لإقامة أشياء تحتاج إلى أكثر من مجرد المصاريف الشهرية الروتينية، أشياء تكون في الغالب قد حدثت فجأة كسقوط سور المنزل الخارجي الذي لم يحتمل الإهتزاز الذي كانت تصدره أحذية الأمنجية الثقيلة أثناء تمارينهم الصباحية عبر شوارع المدينة.

    أجل.. كان لتصاريف القدر أن تم تعييني بعد فترة وجيزة من وصولي إلى كندا من قبل شركة أمن الملكيات الخاصة كحارس في نفس المجمع وخلال وردية مدني الليلية نفسها. كانت مهامي تنحصر في مراقبة شاشات المراقبة داخل مكتب صغير في قسم يحتوي على غرفتي التهوية وأدوات النظافة ومرحاضين تم تخصيصهما للعاملات والعاملين في المحلات التجارية داخل المجمع أثناء النهار عوضا عن منح عاملي النظافة بعض المفاتيح وإستلامها منهم عند نهاية وردياتهم. لكن ما أراه الآن متنقلا من شاشة لشاشة لم يكن مدني سليمان نفسه. كان خياله في هيئة مختلفة تماما. يا للسنوات!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-10-2005, 04:04 PM

عبد الله عقيد
<aعبد الله عقيد
تاريخ التسجيل: 20-09-2005
مجموع المشاركات: 3728

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الأخ عبد الحميد البرنس
    تحية..

    أشهد بأنك مبدع وكاتب متميز

    لك تقديري
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-10-2005, 09:52 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الله عقيد)

    أخي العزيز عبد الله عقيد:

    أشكر لك مرورك الجميل واهب الروح المعنوية من هنا.










    "خصومة قلبي مع الله
    قلبي صغير كفستقة الحزن
    لكنه في الموازين أثقل من كفة الموت
    هل عرف الموت فقد أبيه
    هل إغترف الماء من جدول الدمع
    هل لبس الموت ثوب الحداد الذي حاكه ورماه؟!.


    خصومة قلبي مع الله
    أين وريث أبي
    ذهب الملك
    لكن لإسم أبي حق أن يتناقله إبنه عنه
    فكيف يموت أبي مرتين؟!.


    أيتها الأنجم البهية المتلألئة الوجه
    قولي له:
    لقد سلبت حياتين
    أبق حياه
    ورد حياه".










    - "حمد النيل"؟.

    - "نعم".

    وأنت ذاهب إلى قدرك لا تنسى أن وراءك ناس هنا.

    وهناك (يا ولدي) مهما جارت عليك الدنيا لا تؤذي الناس..

    لا تؤذي الناس...

    لا تؤذي الناس....... فالله يغفر لتارك الصلاة والصوم والزكاة إلا الذي يؤذي الناس. الله قال ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبد مؤمن. ومهما ضعفت نفسك (يا ولدي) لا تبني بيتك على أنقاض بيوت الناس. البيت الذي ينهض على دمار بيوت الناس هو محض عراء أومجد زائف وهش. أنا أبكي الآن. لا لشيء سوى أنني لم أعد أذكر منذ فترة طويلة وصايا أمي الأخيرة لي في هذه الحياة..... "حرفيا".




    حين غادرت شقة مدني سليمان في تلك الليلة التي شهدت حفلا آخر على الشاطيء الذي شهد خدعة الطاهر قبيل بدء ألعاب نارية تبدو لي الآن مثل "سماء قريبة وبعيدة في آن واحد" لم أعثر خلال بحثي الحثيث المستميت بأنف بارد.. رطب.. وحاد لكلب ضال عن أنثى واحدة تفاوضني على قضاء وقت مبهج لقاء بضع دولارات في أعقاب عشرات الكأسات من "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية. وذلك أمر جلل في حياة المنفيين تقام له المآتم خلال جلساتهم النهارية الحزينة أصلا داخل ذلك المجمع التجاري الضخم.

    ثم عدت أخيرا إلى شقتي مثل كلب أجرب. عدت بعد بحث مضن وخائب عن لذة مشتراة. عدت مرهقا بائسا وحيدا مكتظا بأسى غامض وبي حاجة ماسة أخرى إلى "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية". ولا أدري ما حدث لي بعدها على وجه الدقة. لكنني ظللت كالعادة أعب من الشراب بحرقة إلى أن أخذني النوم بلا هوادة إلى عالم الكوابيس التي لا مفر منها.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-10-2005, 10:09 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، الحجرة تسبح في ظلام دامس كثيف، رطوبة صيفية خانقة، وصمت مطبق يحكم قبضته على الأشياء في الخارج، عندما هب الأمنجي السابق من نومه دفعة واحدة، متصببا عرقا، مرتعدا، لاهث الأنفاس، جاف الحلق واللسان، قائلا: (بسم الله الرحمن الرحيم). نهض بعدها بصعوبة سائرا صوب الحمام. هناك كاد قلبه يتوقف من النبض تماما. إذ ما أن أطل على المرآة الكبيرة المصقولة المثبتة على الحائط فوق الحوض الرخامي حتى أدرك خطأه الفادح. هكذا أخذ يتذكر كلمة "المعيليمة" بتحسر وروع شديدين. آنذاك لم يكن ليطالع في المرآة سوى الفراغ وصورة الحائط وراء ظهره المختفي. وما كاد أن يصيبه بالسكتة القلبية بالفعل أنه تذكر على حين غرة أن "ظراط" صاحبه الخليفة في حجرة مغلقة هو الوسيلة الوحيدة لإستعادة هيئته الملموسة العيانية المفقودة بقولة (بسم الله الرحمن الرحيم) على سبيل الخطأ الفادح مرة أخرى.

    أزعج الخليفة الذي أرسلته حكومة الجنرال لتسميم حياة المنفيين أنه لم يعثر على صاحبه الأمنجي السابق في كل مكان وزمان طلبه خلاله. حتى أنه لم يره في المجمع التجاري الضخم حيث كان يطيب لهما شتم العاملات في المقاهي بلغة عربية دارجة لم يكن يفهمن منها بعقليتهن الانجليزية سوى أنهن في الغالب في مواجهة معتوهين غاضبين لسبب أوآخر. والأمنجي السابق الذي فقد جسده عن طريق قول (بسم الله الرحمن الرحيم) عن طريق الخطأ لم يكن قادرا في تلك الحالة سوى على تحريك أشياء صغيرة مثل مفتاح النور بثقله الهوائي. لذا كان من المتعذر عليه أن يستجيب لأشياء أخرى مثل سماعة الهاتف الذي لم يتوقف من الرنين نتيجة لإتصالات الخليفة المتكررة في عصبية واضحة. ما كان يزعج الخليفة الذي ينتمي كأمنجي حالي إلى "حكومة الجنرال العسكرية الرسالية المقدسة" أنه لم يكن ليفعل شيئا في تحركاته النشطة إلا وفق ما تمليه عليه خبرة الأمنجي السابق في صناعة الفتن والدسائس والمؤامرات الصغيرة التي أثبتت حتى الآن نجاعتها في تسميم حياة المنفيين الذين كانوا من قبل أصحاب مواقف صلبة متماسكة قبل أن ينشد أغلبهم السكينة بعد مشقة طويلة أصابتهم في منافي وسيطة هنا وهناك.

    أخيرا تبادر إلى كرش الخليفة لحظة جوع أن صاحبه الأمنجي السابق قد قال ولابد (تلك العبارة) عوضا عن كلمة (المعيليمة). هنا شعر براحة ما. ذلك أنه سيؤدي بعد ساعات خدمة جليلة ل"صديق في محنة". ولم يضع زمنا عندما قرر الذهاب فورا إلى دكان الهندي لشراء كمية من (لوبا عفن) تكفي لإطعام (فيل مدلل). لا شك أن اليوم هو يوم الظراط العالمي ل"أهداف نبيلة" مثل إستعادة جسد صديق قال على حين غلطة (بسم الله الرحمن الرحيم). هكذا توجه الخليفة إلى شقة الأمنجي السابق بعد أن أخذت أمعاؤه تصدر أصواتا لايعلم إلا الله ماهي!!!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-10-2005, 10:51 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    ومع ذلك، هو عالم أماندا البهي:
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 07:34 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان يدعى صالح الطيب. لكنني ولسبب سأذكره كنت أناديه بإسم "عادل". ما يحزنني الآن أني أتحدث عنه بصيغة الماضي. أحيانا أفكر وأنا أنظر إليهما هو وأمي وقد تحولا إلى محض صورتين فوتوغرافيتين داخل أحد جيوب محفظتي الصغيرة فيما إذا كان حديثنا داخل تلك الزنزانة كابوسا ووهما. وأتساءل في أحيان أخرى عما إذا كان وجود مراهقتين بإسمي أماني وسامية حلما أعقبه كابوس مريع.

    هذه الحياة لم تكن بالنسبة لي عادلة. لقد ظلمتني كثيرا. أفقدتني معنى الضحك نفسه. "الشمس أشرقت اليوم من بيت الحاجة رقية.. هاهاها". أجل.. وأشياء أخرى لا تحصى. أحيانا أدرك أن في الحياة أشياء جميلة تسمى "المتع". لكنني لم أعشها إلا كما يعيش مشاهد أحداث قصة سينمائية. وعندما بدأت أختبر متعا صغيرة كدفء الأسرة والصداقة والحب لفترات قصيرة قصيرة فما ذاك إلا تهيئة الأقدار لي لأتذوق طعم الفقد أوالمنع بعد عطاء: الحرمان.

    وربما كانت أماندا فرصتي الوحيدة لإستعادة حاسة اللمس لدي. وأجد حين ألتفت صوب الماضي البعيد أن الحاجة إلى الحب والطعام والمأوى كانت قضيتي الأولى والأخيرة في هذه الحياة. ولا أدري كيف تطورت الأحداث وصرت كائن الكراهية بلا منازع. ولا أنكر أن ممارسة الجنس مع أماندا كانت في جزء منها تنطوي على قدر كبير من تصفية الحسابات مع تاريخ عريق من منع بدا لي دائما أوغالبا كمصير محتوم. ربما صرت جلادا ولم يعد يرضيني في هذا العالم سوى الأنين.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 17-10-2005, 07:40 AM)
    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 17-10-2005, 07:43 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 08:10 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    هضم الخليفة "لوبا عفن" كعادته في فترة وجيزة. وأخذ يغذي السير لاهثا صوب شقة صاحبه الذي تحول إلى كائن من هواء لا تراه العين. وقد بدت عليه علامات من جدية من يوشك على آداء مهمة عاجلة وضرورية. وفي الواقع أن إهتمامه دائما بصاحبه الأمنجي السابق لم يكن عملا ناجما عن شفقة بقدر ماهو خوف من أن يجد نفسه وحيدا إزاء حياكة مؤامرات رخيصة بلا رأس تدبرها هو منها مجرد تماما كيوم ولدته أمه.

    بصق الأسانسير شحنته في الطابق الحادي عشر. وقفل فمه بسرعة عائدا تلقائيا إلى الطابق الأرضي بعد أن ناله شيء من ريح "لوبا عفن". لكأنه يخشى من عودة الخليفة من دون أن يتاح له فرصة أن يلتقط أنفاسه لبعض الوقت. فكر في طريق عودته كيف فتح ذراعيه قبل محنته الأخيرة لحسناء ذات أريج مسكر للأسف الشديد كانت قد غادرته إلى الطابق الثاني في عجلة من أمرها. وقال في سهوم غريب لكم يحزنني أن الطيبين والطيبات لا يبقون داخلي طويلا. وماأن إستقر به المقام أخيرا حتى أطلق تنهيدة طويلة ممزوجة بالأشمئزاز من بشر لا يعلم إلا الله من أية طينة تم جلبهم إلى هذا العالم. وبعد قليل تفوه بعبارة عربية بلكنة أجنبية كان قد لقنها له منفي عراقي عجوز خلال أوباته آخر الليل إلى وحشته في الطابق السابع قائلا:

    - "اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه"!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 12:32 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    فتح الخليفة باب شقة الأمنجي السابق في الطابق الحادي عشر من تلك البناية الحكومية المخصصة لمحدودي الدخل والعاطلين عن العمل في تلك المدينة الكندية الصغيرة. وكان بحوزته نسخة أخرى من مفتاح شقة الأمنجي السابق. أنصت إلى ما بداخلها. بعد لحظات تناهى إليه صوت محتضر يقول له: "أوعك تقعد على السرير". فهم أن صاحبه يرقد هناك منتظرا داخل سجنه الهوائي اللامرئي إستعادة جسده الذي اختفى بمجرد أن نطق البسملة على سبيل الخطأ في أعقاب كابوس ليلي آخر شهد عودة ضحية من ضحياه التي ظن أنه قبرها بلا عودة وإلى الأبد. لم يكن الخليفة وقتها ليسمع أنين الكرسي أسفله. تلك القطعة من خشب التيك تمنت لحظتها كما حدث في سالف الأيام لو أن النجار لم يقم بصنعها قط.

    مأساة ذلك الكرسي لم تكن في ثقل بحجم فيل مدلل وحده. بل كانت تؤرقه كثيرا مسألة الإنصات الاجباري لمؤامراتهما الصغيرة التي لا تنتهي. ولكم تمنى لو أن سيدته السابقة لم تتخلص منه ساعة عطف لشحاذ ملحاح. كانت سيدة طيبة، مسيحية في منتصف الخمسين، تذهب إلى الكنيسة في الآحاد، وتجلس عليه في بلكونة أرضية مطلة على حديقة في ميدان عام يرتادها عشاق من جنسيات مختلفة. كان ينصت معها أحيانا إلى صوت كمان يحمله عازف متجول عجوز تعكس ألحانه العذبة الآسرة لقاء عاشقين من الهنود الحمر على ضفاف نهر في داكوتا الجنوبية قبل ألف عام. الآن، الآن الآن، يبدو مصيره بائساإلى درجة الحزن والبكاء، إذ كتب عليه الإنصات على مايبدو لصانعي القبح في العالم حتى الممات. لكن أكثر ما يؤرقه في هذه الثانية هو العملية الوشيكة لتحرير سيده (الشحاد) من حالته الهوائية والتي ستستمر فوق رأسه تحديدا عبر سلسلة لا نهائية من الظراط القاتل. "يا ليتني لم أكن كرسيا"، قال في سره. وفوض أمره إلى الله في غرفة مليئة بالكراهية تماما. "طيييط.. طوووط.. طريط طيط طريط طييييط... بوووووم.. طآآآآخ طرخ طيييخ".

    هكذا هكذا بدأت أولى محاولات الخليفة المستميتة لتحرير الأمنجي السابق من سجنه الهوائي الذى أخفى جسده تماما بعد أن نطق (بسم الله الرحمن الرحيم) على سبيل الخطأ في أعقاب ذلك الكابوس الليلي (الفظيع). ومع أن ذلك تم فوق رأس كرسي خشبي كان ينصت في صحبة سيدته السابقة إلى صوت كمان يحمله رجل عجوز، إلا أن الخليفة لم يسمع بهيئته تلك كل تلك التوسلات التي أخذ يصدرها الكرسي المسكين في أعقاب كل ظرطة كما لو أن القيامة قد قامت بالفعل، كان هم الخليفة مركزا خلال تلك اللحظات العصيبة على السرير الذي تستلقي عليه هيئة الأمنجي السابق غير المرئية، وقد تمنى بكل جوارحه ألا يخذله مخزون بطنه المهضوم من (لوبا عفن) قبل أن تظهر إلى الوجود كل أعضاء جسد صاحبه وتخرج من سجنها الهواء كاملة. العينان الشيطانيتان كانتا أول ما ظهر من جسد الأمنجي السابق عند مشارف الظرطة الثانية القوية المركزة الكثافة التي جعلت عظام الكرسي الخشبي تتقطق كما حشرجة روح أنهكتها حياة شقية بائسة. كانتا ترتفعان فوق الوسادة وتنظران إلى الخليفة في توسل أن يتم جميله في أسرع وقت ممكن. عينان منطفئتان كعيني ضبع على مشارف الشيخوخة ذات يوم شتائي بارد. لم تكونا على أية حال ذات العينين المرعبتين اللتين أصابتا في طفولتيهما "شامة الجعلية" جارة والدة الأمنجي السابق بالفزع وجعلتاها تكلم زوجها عصر كل يوم بضرورة السفر إلى أقصى مدينة في العالم قائلة بصوت أقرب إلى الغناء: "أنا ماشة نيالا.. لا لا لا لا". لم تكن شامة الجعلية تدري وقتها أنها بخوفها ذاك تضع النغمة الأولى التي سينهض عليها نشيد الدبابين المقدس. "طووووووط". لولا أن الله وهب لنا القدرة على إحتمال ظرتاتنا و(التكيف) منها لأغمي في الحال على الخليفة نفسه. ولم يكن أمام الأمنجي السابق في سبيل إستعادة جسده بتلك الطريقة النتنة سوى إحتمال المأساة برمتها على طريقة (خادم الفكي مجبورة علي الصلاه). أما الكرسي الذي شهد حياة أروستقراطية لفترة تمتع خلالها بصوت كمان يحمله رجل عجوز فقد بدأ يتكلم على نحو غير مترابط لا يعلمه سوى الله. حتى أنه حاول عبثا إستعادة ذكرياته أيام كان شجرة في الغابة كوسيلة وحيدة لمقاومة مثل هكذا وضع بائس. وعلى أية حال لم يكن وجوده ليسعفه وسط كل تلك القنابل (الذكية) المحمولة بطائرة بشرية في حجم الخليفة في إستعادة ذكرى جميلة واحدة. حقا لا تثريب عليه. ففي مثل ذلك الوضع القدري كان من رابع المستحيلات تذكر لقاء حميم بين عصفور وعصفورة فوق غصن يؤرجحه نسيم عليل على مشارف الشروق.


    هكذا أنام كل ليلة فيتلقفني مثل ذلك الكابوس إلى أن جاءت أماندا كوطن فأخلد المنفي الغريب إلى عالم الأحلام السعيدة بعد دهر قليلا!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 06:16 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    مع الوقت، بدأ شيء مفزع في علاقتي بها ينمو شيئا بعد شيئ. أماندا ببساطة لم تكن لتحب حطاما ألقاه الموج ذات يوم على أرض غريبة. لقد وضح لي أنها كانت تبحث عن مكان تختفي داخله إلى حين. كانت ببساطة شديدة هاربة من شيء ظل بالنسبة لي غامضا حتى اللحظة الأخيرة. كانت في كل مرة أفاتحها كتومة إلى النهاية. بل كانت حريصة على عدم البوح بما يعتمل داخل صدرها في أكثر لحظاتنا "صدقا" و إنسجاما. أجل، تلك لحظات نظلها عاريين تماما متقابلين في السرير متقاربي الوجه في أعقاب أشواط من ممارسة محمومة تطالبني خلالها أن ألجها من أوضاع قد تنهك المراهقين أنفسهم.

    كنت بالنسبة إليها كتابا مفتوحا تقلب صفحاته متى وأين وكيف شاءت. وكانت بي رغبة دائمة إلى البوح والإفصاح والحديث بلا توقف وأخرج إلى أي مكان في بعض الأحيان للعمل أولأمكنة أخرى تاركا لها أوراقي ومستنداتي تطالعها متى أرادت أورأت. هكذا كنت دوما مع أهلي وأحبتي وأصدقائي ومن حسبتهم في وقت ما رفقاء كفاح وطريق لحياة أكثر جمالا قادمة لا محالة. لم أتعلم الدرس في كل الأحوال بعد. مضى العمر أغلبه بينما يلزمني وقت لأتعلم حكمة فاتني أن أتعلمها في القاهرة: "إبتسامة في الوجه وطعنة في الظهر".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 07:54 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    في ظهيرة اليوم الرابع تقريبا، خرجنا من مكتب الأمنجي السابق بحالة من الإعياء الجسدي الكامل. وقتها ضغط على جرس إلى جانبه فجاء مصارعان فعلا بنا كما يفعل طفل سييء الموهبة بكرة بين أربعة حوائط. أفقت على عادل داخل الزنزانة وهو يطبب بمنديل بدا مشربا بلون الدم تماما. إبتسم في وجهي على هدى الضوء المتدفق من تلك الكوة أعلى السقف. كنت راقدا على الأرضية الأسمنتية منكمشا على نفسي في وضع جنيني غير مبال بالصفيحة التي أعدت لنا كمرحاض وهي تلامس شعري أوتكاد. كانت عين عادل اليسرى قد بدأت في التورم ولاحظت أنه بالكاد يحرك يده اليسرى. سحب نفسه للوراء بصعوبة تامة مطبقا فمه كاتما أنفاسه مقطبا مابين حاجبيه الكثيفين وأسند ظهره إلى الحائط جوار الباب المصمت مادا قدميه أمام وجهي.

    رويدا رويدا, أخذ يحدثني عن أشياء بدأت أعيها بدهشة برغم الألم وعلى نحو مختلف تماما إلى أن أخذني النوم أوغيبوبة أخرى من حاضر كئيب وبائس لأصحو وأجد كل شيء يسبح من حولي في ظلام كثيف. ناديته بصوت واهن:

    - "عادل.. رأسي يؤلمني وعندي حمى"؟؟.

    لم يقل شيئا. ظننته نائما. بدأت في مواصلة الأنين والتفكير في أمي وخالي حسين وحين تراءى لي طيف أماني أخذت دموعي تتساقط على كف يدي اليمنى التي كنت أتخذها كوسادة بغزارة. عندها تناهى إلي صوت عادل من مكانه نفسه وبدا أنه ظل يفكر كل ذلك الوقت. لقد قرأ كتبا كثيرة. قال لي (ياحمد النيل) لو تعلم أن التهديد بالضرب أشد إيلاما من الضرب نفسه. وصمت. وقبلها فرد ذلك المنديل ولوح به أمام عيني في نور الظهيرة الكثيف وقال لي أتدري أن هذا المنديل هدية من سامية. حسدته في قمة ألمي لأن أماني لم تهاديني مثل ما فعلت سامية. ولمته في نفسي لأنه لم يخبرني بذلك من قبل. "سأحتفظ بهذا اللون الأحمر عليه.. سأقول لها لقد أخبرتيني أن هذا المنديل على سبيل الصداقة.. وهو الآن أخذ لون الحب بدمي ودم صديقي حمد النيل.. فتقبليه يا سامية مهرا لكي".

    كان يرى الأشياء في ذلك العمر على نحو غريب ويكتب الشعر. الأشياء نفسها التي أمر بها في اليوم الواحد وتصادفني عشرات المرات كان يشعرني في كل مرة وكأنني أراها للمرة الأولى. أحيانا كنت أحايله. أدفع له ثمن الدخول إلى السينما لا كرشوة ولكن لأجعله في حالة تمكنني من طلب شيء معين. كأن يكتب هو شعرا وأقدمه لأماني بإسمي خلسة. كان يرد دائما أن هذا " ليس عدلا يا حمد النيل".. أو"كن نفسك يا صديقي". وكنت أغضب بحق. قبل أن أنام داخل تلك الزنزانة في أعقاب موجة التعذيب الأولى, قال لي فجأة وهو ينظر إلى الضوء المتدفق من الكوة تلك: "الصداقة (ياحمد النيل) أن تلغي كل أسلحة الدفاع والهجوم وأن تكون مثل أرض خلاء أمام صديقك لذلك ضربات الأصدقاء مميتة تماما".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-10-2005, 08:00 PM

Abdelfatah Saeed Arman
<aAbdelfatah Saeed Arman
تاريخ التسجيل: 13-07-2005
مجموع المشاركات: 595

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الاديب
    البرنس

    سلامات عوافى وكيف الحال يا ابو الحال

    ولى عودة الى سيرة الامنجى السابق

    ودمت عزيزى

    فتاح عرمان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-10-2005, 05:00 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: Abdelfatah Saeed Arman)

    عزيزي فتاح عرمان:

    ألف مرحب بيك الآن وبعودتك المرتقبة. أشكر لك هذا المرور الجميل. وتحايا عبرك للصديق الإنسان ياسر. محبتي.









    بعد مرور أكثر من عام دعاني مدني سليمان فجأة إلى زيارة الطاهر في قبره. كان ذلك في منتصف شهر أكتوبر بعد نحو مرور ثلاث سنوات من موته أوأربع. لم أعد أملك رأسا تتعامل مع المسائل الرقمية بدقة. وربما لم أمتلك مثل تلك الرأس من قبل أبدا. ولو سألت مدني سليمان برغم من التطورات الجذرية تلك التي أخذت تنتظم حياته منذ فترة لأجابني بحساب اليوم والساعة والدقيقة من غير تردد أوتلعثم. لقد كانت له عقلية نسائية مولعة بالتفاصيل الصغيرة بلا منازع خاصة فيما يتعلق بالمسائل المالية. طرقت بابه ظهر ذلك اليوم بعد أن هاتفته قبلها. فتح لي الباب ملتفا ببشكير رمادي ورأيت أن له بطن حامل في بداية شهرها الرابع وعاد إلى الحمام على عجل. ألقيت نظرة واقفا عبر نافذة الصالة الزجاجية. كانت أوراق صفراء تتساقط من فروع "المابيل" تلك المتراصة على جانبي الشارع مثلما تتساقط السنوات من أشجار العمر. أخذت أتمشى داخل الشقة الضيقة بخطى قصيرة مثقلة بقلق غامض مطرقا واضعا يدي داخل جيبي البنطلون بينما كان يصلني صوت الماء مكتوما من داخل الحمام وهو يتساقط من الدش بكثافة. وبدا واضحا أن مدني سليمان نسي أن يطوي المصلاة التي جلبها معه العام الماضي من الحج بعد صلاة الظهر. وما جعل قلبي ينقبض بشدة هو وقوع عيني على احدى قطع بدله السوداء وهي تفترش عتبة الحمام الخارجية فيما بدا لتجفيف باطن الأقدام بعد كل وضوء. مدني يعمل منذ فترة بجهد حقيقي وهمة كبيرة لضمان موقع مميز داخل الفردوس.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-10-2005, 05:21 AM

banadieha
<abanadieha
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 2235

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)


    البرنس..رمضان كريم..بسبب الإنشغال غبت عن البورد وكان آخر عهدي بالمتابعة ما نشرته أنت في الصفحة الأولى..سأرجع للصفحة الأولى وأصل ما انقطع واواصل القراءة..القراءة فقط كما أتفقنا "ضمنيا"..رمضان كريم وانتم بخير دائما.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-10-2005, 06:44 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: banadieha)

    العزيز جدا "بناديها".. كل سنة وإنت طيب والكريمات وكل أفراد الأسرة الطيبة.. وكنت أفتقد وجودك وآخرين حقا. لدي مأمورية عمل إلى الريف بعد منتصف ظهر اليوم. سأغيب قليلا وأعود بعدها إن شاء الله. تصوم وتفطر ومن معك على خير. محبتي.









    - "من أين جاء هذا الولد.. يا امرأة"؟؟!.

    حين ألقى والد الأمنجي السابق ذلك السؤال قبالة باب المطبخ المشرع في وضع الإستعداد للهرب في أية لحظة لم يعد الشك يخالجه لحظة واحدة كحفيد قوم صالحين يأتمرون بأوامر الله ويجتنبون النواهي أن شيطانا ما قد ضاجع زوجته في احدى فترات حيضها ولابد. المرأة ظلت ساكنة تواصل تشذيب أصابع البامية أمامها وتكابد في الوقت نفسه وخزات نظرات الأمنجي السابق أعلى صدرها وقد إزدادت ضراوة وكأنه يعلن رفضه لما يسمعه من حديث والده في التو والحين. لقد أحزن المرأة هذا السؤال كثيرا فطفقت تبكي في صمت كإبنة شرعية لإمام جامع التقوى ولولا أنها كانت تفكر في حسن الخاتمة على صغرها لقتلت نفسها منذ اللحظة التي بدأت الريبة تطل من عيني زوجها كلما ذهب السوق أوعاد منه ولم تكن بأية حال لتلوث سمعة والدها الطيبة بين الناس. أخيرا رفعت رأسها وقالت له بنظرة لمرأة بريئة وجدت نفسها متلبسة بتهمة عقوبتها الموت وصوت تخنقه العبرات تماما:

    - "هذا ولدك والله على ما أقول شهيد".

    قال له وهو يراها تحول الأمنجي السابق داخل حجرها ليواجهه مرة أخرى بحركة عفوية رأى فيها لقناعته تلك نوعا من الخبث والتدبير: "يا امرأة, هذا ليس ولدي, وهذا فراق بيني وبينك, وسيصلكما مبلغ من المال أول كل شهر تبرئة لذمتي أمام الله والناس, وها أنذا أرمي عليكي يمين الطلاق ثلاثا, والحمد لله الذي أنار قلبي".

    لم يكن خلال خطبته تلك التي بدت معدة في سره منذ وقت طويل لينظر إلى عيني الأمنجي السابق لثانية. وإن ظل صوته يرتعش حتى النهاية كما لو أن ريحا تحرك كيسا قديما من النايلون علق بساق شجرة قطن بعد موسم الحصاد. وما أن استدار صوب باب الحوش, وسار بخطى حرص على أن تكون متمهلة وواثقة, وقد خالجه في قرارة نفسه أنه سيغادر الكابوس مرة واحدة وإلى الأبد, حتى أطلق ساقيه للريح وقد بدت له المسافة إلى باب الحوش الموصد وقتها أكثر بعدا من تلك المسافة ما بين الأرض والقمر, ففي تلك اللحظة التي أخذ يتنفس خلالها الصعداء أرسل إليه الأمنجي السابق نظرة وداعية كاوية أصابته عند منتصف مؤخرته تماما.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-10-2005, 09:16 AM

msd


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    Ramadan Karim
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-10-2005, 05:39 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: msd)

    رمضان كريم (يا دكتور). وتصوم وتفطر على خير. وإلى حين عودة لبعض الوقائع القديمة في حياة الداية أم صدير وقصة الحلم الذي كشف لها عن رؤية القطب الغوث لجزء من تاريخ عام يسمى "مرحلة الحكم التركي". محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-10-2005, 02:08 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    لم يكن الوقت كذلك نهارا أوليلا.

    كان بين بين، حين طرق ذلك الرجل المسن باب حوش بيت الداية أم صدير، أومأ إليها بسبابته اليمنى أن تدنوا وتنظر بتمعن شديد إلى الشارع الذي كان قد تحول إلى نهير بمياه حمراء راكدة مرة أخرى. قالت له إنها ترى المشهد نفسه: بركة حمراء تظهر على سطحها دائما أيادي بشرية غارقة تمتد نحوها كمن تستجير بها من شيء يضغط على أرواحها بثقل وقسوة جاذبا إياها نحو أعماق سحيقة لا يدري مداها سوى الله.

    قال:

    - "لو شاء سيدي وسيدك القطب الغوث الشيخ أحمد الطيب لمنع ذلك يا أم صدير".

    قالت:

    - "أم صدير جارية الله المسكينة لم تؤتى الحكمة لكن قلبها ملييء بالمحبة".

    ابتسم الشيخ ممسدا ذقنه الطويلة. وقال:

    - "يا أم صدير المحبة رأس الحكمة".

    اغرورقت عيناها بالدموع وقالت بصوت أرعشه ثقل كل تلك التشوقات الغامضة التي غمرت كيانها على حين غرة:

    - "زدني بارك الله لك".

    قال:

    - "ورد في الأثر الشريف (يا أم صدير) أن الجنة محفوفة بالمكاره".

    قالت:

    - "زدني أفادك الله وأعني بالكلام الرشيد على النظر إلى سحالي بعيون حزينة دامعة".

    قال:

    - "من السيرة العطرة لقطب الزمان وعمدة المقربين سيدي وسيدك الشيخ أحمد الطيب بن البشير راجل أم مرح نفعنا الله به في الدنيا والآخرة، أنه لما دخل الترك في هذه البلاد، أمر أهلها قائلا: أطيعوهم ولا تخالفوهم، فإني لقيتهم بدنقلة وأردت أن أبطش بهم، فسمعت هاتفا من الحق تبارك وتعالى يقول لي: يا طيب تأدب لأمرنا فإنه قد ظهر، فألقيت ما كان في يدي على البحر، فصار ذلك الموضع يفور كالتنور من شدة حرارة ذلك الملقى".

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 21-10-2005, 04:45 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-10-2005, 03:34 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أعمتني محاولات لاهثة للحاق بركب الحياة ما أمكن. أجل.. لم أفطن وقتها أني كنت أمد يدي وأتناول طعامي في مرات عديدة مع الأمنجي السابق من صحن واحد. الدماء على أيدي الجلادين خفية. والنسيان على ما يبدو كان العلامة الراسخة الوحيدة التي قام بنقشها الأجداد على صخور ذاكرة ملساء.

    مع ذلك, تيقنت خلال تلك اللحظات التي تختلط فيها الأمكنة بالأمكنة.. والمشاعر بالمشاعر.. والوهم بالحقيقة.. والواقع يبدو كخيال ساخر يمد لسانه في وجه شعراء بلا مواهب مصقولة أني الضحية العريق بلا دموع تبكيني أجلس قبالة جلادي داخل ذلك المجمع التجاري وجها لوجه بينما رفاق المنفى يحبسون أنفاسهم وآذانهم تتجه إليه كبوصلة أوقبلة للصلاة. آنذاك.. خلال تلك الوحدة القياسية المتناهية الصغر التي تسمى "الفيمتو ثانية".. رأيت عينيه وهما تكتسبان تلونات برقية أعادت لذاكرتي تفاصيل تلك المأساة بوضوح ودقة.

    لقد حدث ذلك في أعقاب موت الطاهر على ذلك النحو البشع وبعد مرور وقت طويل من وصولي إلى تلك المدينة الكندية الصغيرة التي أخذ المنفيون فيها يفكرون في تلك الأيام وعلى درجة عالية من الخطورة والجدية في دفن وثيقة معه محصنة ضد تفاعلات الأرض لمدى محتمل قد يفوق المليون سنة قادمة تفيد أنه لا يجيد التحدث باللغة الانجليزية لكنه يتقن العربية كتابة وقراءة وقليلا من الإنصات لتلك الأصوات التي قد لا تناسب هواه كأن يقول له أحدهم "لا قدر الله" إذهب إلى جهنم خالدا فيها إلى الأبد.

    ما لفت إنتباهي منذ رحيل الطاهر على ذلك النحو أنه كان شديد الإختلاف عن بقية المنفيين الآخرين في تلقي الصدمة أوالتعايش معها. لم يكن إنسانيا في لحظة مأساوية كتلك. كان يتحدث دائما على نحو تشعر معه وكأنه يرفع تقريرا أمنجيا إلى رئيسه الأعلى. لم يذرف دمعة.. لم يطلق صيحة ذعر أوتنهيدة صادرة من جوف لموت شاب في مثل تلك الملابسات.. أوالوقت.. أوالمكان.. أوحتى لم يبتسم مثلي لحظة تلقي الصدمة محتجا على نظام الكون كله. لقد ظل طوال الوقت يصف ويحلل كخبير معمل جنائي. كان يقول وكأنه يقرأ في ملفات كتبها أمنجي من قبل مئات المرات ولم تكن منظورة:

    - "ونما إلى علمنا.. ".
    - "وحسب تحركات المجني عليه ورصد معارفه في الآونة الأخيرة... ".
    - "ومن المراقبة الدقيقة.. ".
    - "ثم تحركت الأجهزة المعنية إلى مكان الحادث في الزمان المحدد أعلاه..".

    وفي مثل هذه الساعة المبكرة من ذلك الصباح, يقول إنه يريد "الآن" مقابلتي "لأمر هام وعاجل جدا", إنها الوقاحة نفسها, أوالرهان على الضعف والنسيان مرة أخرى, يا للخيال!!!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-10-2005, 04:58 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    سألته:

    - "إذا عثرت على الأمنجي الذي انتزع مخك.. ما أنت فاعل به"؟.

    قال:

    - "لقد رأيت في المنام أني إذا غنيت أمامه سيذوب مثلما تذوب قطعة الثلج في منتصف نهار قائظ.. ربما لهذا ظللت (يا أخي) أصب كل أوجاعي.. أحقادي.. قدراتي في الغناء.. وهذه مسألة قد يختلف الناس حولها.. لكنها أعانتني حتى الآن على الحياة بلا مخ".

    كان يرتدي نظارته الشمسية السوداء ليل نهار, صيف شتاء, يحمل على الدوام هاتفا جوالا لعله يشبع به تلك الحاجة لمداهمة الآمنين والقفز فوق أسوار حرماتهم التي أوشكت أن تموت منذ أن هوت سلطته في زمان يبدو الآن بعيدا ونائيا تماما, يقول لك في الأحوال العادية:

    - "أنا في هذه اللحظة أمر من أمام شقتك في مشوار ما".

    كنت أفهم ذلك قبل لحظة إكتشافه تلك كمحاولة لتسول آخر في قالب مهذب, والآن ما الذي يريده بعد أن أشعرته أوتناهى إليه من ثرثرة منفيين آخرين أني أعلم أنه جلادي وقاتل صديقي أمام عيني وقائمة الضحايا تطول؟!.

    أفكر منذ فترة في أمل دنقل لا كما يفكر مدني سليمان في لحظات سكر مستعيدا بهاء الأيام الثورية الآفلة, وربما الزائفة, أفكر فيه بوعي تام كصاحب حق وثأر شخصي قديم, وأردد مصمما على بقاء النار متقدة في أعماقي القصية بينما أسمع طرقات الأمنجي السابق على باب الشقة وأماندا لا تزال نائمة في مثل تلك الساعة المبكرة من ذلك الصباح:

    إنها الحرب..
    قد تثقل القلب
    لكن خلفك عار العرب
    لا تصالح
    ولا تتوخى الهرب

    كان ذهني خاليا تماما من فكرة القيام بفعل محدد وواضح.

    لم أستبعد القتل.

    والإنتقام في بحر الآلام يلوح كطوق نجاة أويتراءى!.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 21-10-2005, 05:03 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-10-2005, 08:25 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    بعيد ظهيرة اليوم الخامس, اقتحم ثلاثة أمنجية أشداء بوابة الزنزانة, اقتلعوا صديقي, وتركوني للغرابة وحيدا نهبا لأقاويل نفسي, وبدا أنهم في دخولهم وخروجهم كإعصار أطاح بعادل معه بعيدا وكأنهم لم يلحظوا وجودي من الأصل. رحت أنظر للحظات إلى الصفيحة الصدئة المليئة تقريبا بالبول والبراز وقد بدا سطحها رغويا أبيض ومسرحا للدود وذباب أخضر وأسود ما ينفك يناوشني يمنة ويسرة وسط تفكير عميق فيما قاله لي عادل الليلة الماضية:

    - "(ياحمد النيل) لو تعلم أن التهديد بالضرب أشد إيلاما من الضرب نفسه".

    كنت أجلس في تلك الزاوية منكمشا على نفسي, مرخيا أذني لأدنى صوت خارج الزنزانة, لا شيء سوى صفير الريح تتخلله أحيانا ضحكات مباغتة تشعر في كل مرة وكأن أصحابها سادة الكون بلا منازع, تلك الأيام لم يعصمني من الجنون خلالها سوى الأحلام, كنت أراني أجلس إلى أماني في حديقة تغرد فيها الطيور أوضفة نهر يتناهي إليها غناء ساقية من مكان قريب, وكنت أجدني تارة في حضن أمي, أوأضع رأسي على حجرها ممددا قدمي فوق قائمة السرير بينما يصلني همس أنفاسها المكتومة وهي تبحث عن القمل بين ثنايا شعري في زمان بعيد, لأصحو من نومي متجنبا ما أمكن النظر إلى وجه عادل, وقد أماتني تماما أنهم ظلوا يعذبونه بصورة يومية من غير أن يرجموني حتى بنظرة متوعدة, وكان ذلك أقسى ما عانيته خلال تلك الأيام العصيبة قبل ما يحدث ما حدث بالفعل وآثاره لا تزال على ظهري كعلامة كادت أن تنهي العلاقة مع أماندا في مهدها.

    أذكر أنهم رموا به ذات يوم داخل الزنزانة كقطعة لحم خرجت من بين يدي جزار, لم أقترب منه, ظننته فارق الحياة, ولم يحدث لي مطلقا أن رأيت إنسانا ميتا ناهيك عن الجلوس قبالة جثة وراء باب مغلق, وجعلت فجأة وعلى نحو هستيري أصرخ وأبكي طالبا منهم أن يقتلوني مثله راكلا وضاربا كذلك باب الزنزانة بكلتا يدي إلى أنأ أظلمت الأشياء في عيني وغبت عن الوعي فاقدا القدرة على كل شيء.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-10-2005, 03:54 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    وقالت لي أماندا:

    - "لقد مضى كل شيء إذن"؟!.

    كانت عيناها مليئتان بالدموع وحاجز غير مرئي قام بيننا مرة واحدة وإلى الأبد.

    قلت لها:

    - "لو حدث مثل ذلك في وطني لكنا الآن في عداد الموتى".

    أشاحت بوجهها إلى نور الظهيرة خارج النافذة قائلة:

    - "أعلم ذلك".

    وقد رأيتها تمسح دموعا بكم بلوزتها, سألتها مكابدا آثار طعنة كنت أعلم أنني لن أشفى منها قريبا:

    - "ألست رجلا"؟!.

    قالت:

    - "أنت رجل ولاشك, لقد كنت ثملة, وذلك كان أكبر أخطائي حتى الآن".

    قلت بقسوة وأنا أراها تبكي بحرقة مزقت نياط قلبي:

    - "ما قمت به أنت الليلة الماضية لم يكن نزوة.. كان (يا أماندا) إغتيالا لحلم ومستقبل لأسرة بدت سعيدة حتى نهار الأمس".

    قالت:

    - "أنت تعذبني.. وأنا لا يكفيني الإعتذار.. وهذا أمر لا يمكنك التسامح إزاءه.. سيظل ينهض بيننا إلى النهاية.. والزمن لا يمحوه.. ولكن ما حدث قد حدث.. ولا يمكن إصلاحه.. ما زلت نادمة وسأظل.. لكن ما حدث قد حدث"!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-10-2005, 05:44 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    قلت لمدني سليمان:

    - "بالأمس كان نومي عبارة عن كابوس عجيب".

    نظر إلي بدهشة وكنا قد رأينا مجموعة من المنفيين تتونس خارج إحدى بوابات المجمع التجاري الضخم أمكنني أن أميز بينهم عزيز تركي بقامته القصيرة من كل ذلك البعد. قلت له لقد رأيت الأمنجي السابق يختفي من الوجود بمجرد أن تنطق أمامه البسملة. وضحك مدني سليمان إلى أن جلس على الأرض. وصممت ألا أرحمه أكثر فأضفت قائلا: "وكان من المتعذر عليه العودة من هيئته الهوائية إلا بعد أن يطلق صاحبه الخليفة سلسلة متصلة من الظراط داخل حجرة مغلقة". وحين وصلنا إلى حيث يقف المنفيون, ابتدار عزيز تركي مدني سليمان متعجبا:

    - "بسم الله الرحمن الرحيم.. مالك بتضحك زي المجنون"؟!.

    وضحك مدني سليمان هذه المرة إلى أن سالت دموعه.

    قبل وصولنا إليهم, قال لي:

    - "يا حمد النيل دا قاعد يصلي الجمعة في المسجد".

    قلت له:

    - "لعل بسملة المنفيين غير مقبولة عند الله"!.

    وكان يسألني بعد ذلك في لحظات الملل متندرا على "كابوسي":

    - "وكيف كان صوت ظراط الخليفة يا حمد النيل"؟!.

    كنت أجيبه دائما بنفس الجدية التي حكيت بها الكابوس أول مرة قائلا:

    - "طوووط.. طيييط... طريييط.. طوط.... طآآآآآخ طرخ".
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-10-2005, 06:18 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    انفض سوق المواشي المقام في العراء في حوالي الثالثة ظهرا. كانت الحجارة تئن من وقع الشمس اللافح. ولحسن الحظ لم يلق الجنرال نكتة طوال الساعات تلك. كنت أشفق لحال خالي حسين من لهيب تراب السوق المعجون ببول الماشية وروثها اللين والقديم على حد سواء. لدهشتي عرج خالي نحو كشك الجرايد وطلب صحيفة اليوم على نحو روتيني. همست له أثناء الطريق قائلا بحيرة:

    - "لكنك (ياخالي) لا تقرأ أوتكتب حرفا واحدا".

    زاد إرتباكي أكثر فأكثر:

    - "الليلة ليلة الخميس ياحمد النيل".

    تلك كانت طريقته حين يريد أن يعلمني بأمر جديد.

    قال:

    - "اليوم بيت الحبشيات حا يكون زحمة".

    آنئذ تبادر إلى ذهني مرأى ذلك الصف أمام بيت الحبشيات في بعض الليالي وذلك المنظر لرجال يخفون وجوههم وراء الصحيفة الوحيدة في البلاد متظاهرين بالقراءة على ضوء النجوم البعيدة. وسألته مستنكرا وأنا على بعد ساعات قليلة من زيارتي إلى بيت الحبشيات:

    - "وأين صحيفتي إذن يا خالي"؟!.

    قال:

    - "أحمد الله فأنت الآن في سن لا يلومك أحد على حاجة".

    فجأة عاودني حزني القديم لحظة أن أدركت تلك النكتة خالي حسين وهو يعتلي تلك الحبشية عاريا تماما. وحتى الآن لا أجد سببا كافيا دفع أولئك الأمنجية إلى وضع مذياع كشرط لازم للترخيص بممارسة تلك المهنة التي يشار إليها في (الكتب) كأقدم مهنة في التاريخ. ذلك ما أفادني به خالي حسين. ولم أفطن وقتها بمثل ما أفطن الآن محتميا بخبرة السنوات إلى أن ترديده الدائم لكلمة "الكتب" لم يكن في واقع الأمر سوى تغطية لذلك الجانب المفتقد في حياته:

    القدرة على القراءة والكتابة في أي مستوى.

    كانت لديه أذنان مرهفتان تلتقطان أدنى نأمة صادرة عن شخص يشتبه به كمتعلم أو"مسقف" أو"سوري". وكان الصنف الأخير المندرج تحت إسم "سوري" لا يقبل أن تكون له أدنى علاقة مباشرة به. بل كان في الغالب يتصيد أخبارهم في مناطق يبدو لي الآن أن مجرد التفكير فيها كان ضربا من ضروب العبقرية. آنذاك كان الثوار وبتعبير خالي "السوار" يعقدون اجتمعاتهم السرية في بيوت الحبشيات نفسها. وهناك تحديدا عثرت عليهم في أولى خطواتي إلى المنفى.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-10-2005, 08:47 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    قبل ذهابه إلى الحج مباشرة, أقام المنفيون حفلا صغيرا لوداع مدني سليمان, وبدا مدني سعيدا مثل عريس, أوهكذا تخيلته. حضر الحفل آنذاك المدعو عزيز تركي وصاحبه الخليفة بدري ومنفيون آخرون بدا أغلبهم معانيا من وطأة حنين غامض. وكانت شائعات قوية بينهم قد أفادت أن مدني في طريقه "في الحقيقة" إلى تلبية حاجة الناس هناك لوظيفة عامل نظافة له خبرة كندية.

    كانت تلك الشائعات من القوة بمكان إلى الدرجة التي جلب معها بعض المنفيين شهادات موثقة باللغة الانجليزية تفيد أن لهم خبرات عريقة بوظائف مماثلة كغسيل الأطباق في مطعم راق. بل ذهب بعضهم إلى إرفاق سيرته الذاتية من دون أدنى إشارة إلى الماضي السياسي. لكن أغرب تلك الوصاية جاء من طرف الخليفة الذي طلب من مدني سليمان أن يحضر له لباسات داخلية من ماركة "جيل" القطنية الفرنسية مؤكدا "كما تعلم" أنه لا يمكن العثور عليها في كندا. وما أدهشني حقا طلب عزيز تركي من مدني أن يدعو له أمام "شباك الرسول". وهنا وعلى حين غرة تفجرت عواطف المنفيين دفعة واحدة حين أطلقت الخمر صوت أحد المنفيين فأخذ يغني بصوت شديد العذوبة:

    إن زرت يامولاي قبر محمد
    وقبلت مثوى الأعظم العطرات
    وفاضت العيون بالدموع مهابة
    لأحمد ما بين الستر والحجرات
    قل لرسول الله ياخير مرسل
    أبثك ماتدري من الحسرات
    شعوبك في شرق البلاد وغربها
    كأصحاب كهف في عميق ثبات

    خيل إلي أن عزيز تركي قد أشبع حاجته إلى دموع الناس في تلك الليلة. لقد كانت يدرك جيدا أن المنفى قد أحال السياسيين السابقين إلى كائنات لا تعدم أسبابا للبكاء في أية لحظة. "وملت الناس من المقام وسألوه العودة إلى بلادهم, فغضب لعدم ظفره بما أمل. لكنه أخفى ذلك وقال لهم: كيف ترجعون, وقد بلغني أن هاشم استجار بمك سنار, والمك قد جهز له جيشا ويريد القدوم علينا؟ فإن رجعنا وجاء بعدنا, ظن أنا فررنا منه, ونال من البلد مراده, وبعد ذلك يغزونا, ويحوجنا إلى الرجوع له ثانيا. وأنا الآن مضمر أني أتوجه إليه قبل أن يأتي, ولكن حتى أتحقق الخبر.

    ومكثوا بعد ذلك مدة, فلم يظهر لما قاله أثر, فتنكرت قلوبهم, وساءت أحوالهم, واشتاقوا إلى أهلهم وعيالهم. وتذاكروا مع بعضهم في ذلك في خلوة. فقال الوزير الأمين علي ودبرقو, وكان صهر السلطان.. ماذا جعلتم لي إن قتلته وأرحتكم منه. وتولون بعده عليكم من شئتم؟ فضمنوا له مالا عظيما, وتعاهدوا معه على ذلك..

    فجلس السلطان في محله المعد له, وأمر بإحضار القتيل, فأحضر ملفوفا بالرداء, فأمر بوضعه في وسط الحلقة, وقال: أريد منكم أن تعرفوا هذا من هو؟ فبادروا إليه وكشفوا وجهه فعرفوه, ولم يتجاسر أحد منهم على التكلم, لما قام عنده من الغضب. فقال لهم السلطان: هل عرفتم هذا؟ فسكتوا كلهم. فقام رجل منهم ذو دهاء, وهو صهر السلطان أيضا; فقال: قد عرفناه, وهو الأمين علي ودبرقو, وقد دخل عليك باطلاعنا أجمعين, فإن أردت قتلنا فها نحن بين يديك, وإن عفوت فالأمر إليك. فقال السلطان: وما حملكم على ذلك؟ قال: إنك أتيت بنا إلى هنا, وأنت تعلم أن لنا في بلادنا أهلا وعيالا وأولادا, قطعتنا عن رؤيتهم, والتمتع بمعاشرتهم, وليس لنا هنا شغل, نعذرك في الإقامة بسببه, ولسنا نراك ناويا أوبة, ولا يطيب لنا عيش إلا بمكاننا, فأجل ما تصنع معنا أن تردنا إلى أوطاننا, فإن قلوبنا أنكرت الغربة, وحنت إلى الأوطان".

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 21-10-2005, 09:11 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-10-2005, 10:06 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    العالم خارج دائرة المنفيين واسع, لا حدود لإمتلائه, نضير.. بهي.. وطازج مثل طعم أولى القبلات في فم مراهق. ما زلت أذكرها. في ذلك المساء البعيد, زارتنا أماني, جلست تتحدث إلى أمي قليلا, ثم قالت إنها جاءت تستعير مني كتابا مدرسيا, كانت تسكن على بعد منازل قليلة من بيتنا, كنت في أثناء حديثها إلى أمي أسترق النظر إلى صدرها الناهض, وهي أمسكت بي أكثر من مرة وعلا ثغرها الباسم في كل مرة بريق شهى كاد قلبي في كل مرة أن ينخلع له مصدرا ضربات ظننتها تناهت إلى آذان أمي في كل مرة فأخشى أن تطالبني أمي في كل مرة بعمل شيء ما فيظهر ذلك الإنتفاخ بين ساقي ويفتضح أمري, ونما آذان العشاء إلى مسامعنا, وذلك صوت شيخ بابكر المؤذن, يتناهى كعادته عذبا شجيا فينتبه الناس إلى وجودهم المؤقت العابر في هذه الحياة, وقد تذكروا أن نعيما دائما ينتظرهم هناك متى رجعوا إلى الله في أية لحظة, وذلك فردوس "لا وجود لأمنجي واحد في داخله", هكذا قلت لأخي صالح الطيب لحظة أن قذفوا به إلى داخل الزنزانة ذات مساء آخر للكابوس, ظل وقتها يرتعش لفترة طويلة, ولا شيء يخبرني في تلك العتمة سوى صوت إصطكاك أسنانه, "لا بد أن شيئا عظيما جرى له هذه المرة", وسألته:

    - "ماذا فعلوا بك اليوم.. يا عادل"؟.

    خرج صوتي هامسا مبحوحا مغلفا بالعجزة وفجيعة رؤية صديق يموت على مرمى يد مني بلا عون أوأسند. تبينت بالكاد وسط هذيانه أنهم وضعوا أسلاكا كهربية على خصيتيه مرارا. ولم يكن بوسعي فعل شيء.. أووقف شيء.. حتى المواساة أخذت تفقد معانيها في تلك اللحظات التي يكون الإنسان أكثر حوجة إلى الله خلالها. وبدأت أحكي له وسط ذلك الظلام ولأول مرة قصة تقبيلي لأماني "في ذلك المساء" إلى أن لجأ إلى النوم مصدرا خلالها تأوهات ظللت أتقدم في العمر كلما تناهت عاما بعد عام. أمي وقفت تصلي. وطلبت مني قبلها أن أقوم بتوصيل أماني.

    كان الحوش غارقا في الظلمة إلا من قبس الضوء المتسلل من الحجرة التي تصلي داخلها. أطرقنا نمشي صامتين ببطء ومتقاربين كما لم يحدث وأن مشى البارود إلى جوار النار. توقفنا فجأة في منتصف الحوش. بيني وبينها ملابس منشورة منذ العصر على حبل الغسيل الممتد بعرض الحوش. وضع كلانا يديه على الحبل. لعل ما فاض من تلك المشاعر القوية العمياء سرى عبر ملمسه الليفي الخشن. أجل.. "للكهرباء وظائف أخرى". آنذاك أغمضت عينيها, لمع ثغرها كنجم وحيد, وكنت حديث عهد بالعطش, وتلك الساقية وهذا الماء. ثم وددت تقبيلها ولما يزل طعم الأولى على لساني. ولكن هيهات. دارت أيام وشهور وسنوات. خلوت خلالها بأماني كثيرا وبدا في كل مرة وكأن الله لم يقسم لي منها سوى تلك القبلة الوحيدة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-10-2005, 10:30 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    أجل, العالم خارج دائرة المنفيين واسع, لا حدود لإمتلائه, نضير, بهي, وطازج مثل طعم أولى القبلات في فم مراهق. لم يكن بأية حال كعالم أولئك المنفيين الغرباء الذين يقضون سحابة نهارهم ناظرين داخل ذلك المجمع التجاري الضخم إلى بعضهم بتثاؤب وكسل بينما يتجمعون خلال الأمسيات في حديقة درب الملكات متأملين حركة العالم بلا مبالاة ومنتظرين بفتور تام أن يطبق الظلام رويدا رويدا على الأشياء من حولهم ليبدأ بعد ذلك مشوارهم الليلي إلى الشراب على خلفية من الأسى والذكريات الحزينة إلى أن جاء الطاهر وأضفى قليلا من المرح قبل أن تتحول بمرور الزمن مخترعاته اللفظية مثل "العودة إلى الوطن في أقل من الثانية" إلى شيء آخر باعث على الملل أوالسأم.

    ذلك عالم ثري مختلف وفريد, كنت على غير المتوقع في الطريق إليه منذ أن أخبرني مدني سليمان أنه سيقام حفل آخر للألعاب النارية على الشاطيء, وقال ليلتها كمن سيفوته أمر عظيم كخسوف شمسي يحدث مرة كل مليون عام إنه "للأسف الشديد جدا" لن يكتب له الحضور "غدا", قال ذلك بعد أن استقر به المقام مباشرة داخل المكتب على مشارف وردية أخرى لعامل نظافة تزين وجهه إبتسامة صفراء كلما هم بتنظيف مرحاض أوآخر بينما تأخذ صورته القديمة كصانع لأفكار الخلايا الشبابية في الداخل تتلاشى شيئا فشيئا حتى من ذاكرته هو نفسه برغم من قدرته الإستثنائية في الإحتفاظ بأدق تفاصيل الأشياء وأصغرها, وكنت قبلها أتابعه كالعادة من شاشة لشاشة وهو يدلف كعادته إلى مجمع تكسيدو التجاري الضخم عبر ذات البوابة الحادية عشرة..... وهو يخطو هنا وهناك بذات الخطى المثقلة البطيئة على الأرضية الرخامية البيضاء اللامعة لبنك إسكوتشيا التي سيبدأ في تنظيفها كما هو الحال عند بداية كل وردية.

    - "لماذا لا تريد الذهاب غدا إلى هناك"؟.

    سألته بإهمال بينما أتابع لسبب ما حركة عجوز زاحفة أطلت من مدى الكاميرا رقم 11, كانت تسير خطوة ثم تتوقف مجيلة عينيها في المكان, ورأيتها تبادل عابر سبيل بدا قادما من أقصى شرق آسيا كلمات مقتضبة, واستدارت نحوه بعد مرور ثوان قليلة, كان قد خرج من مدى تلك الكاميرا, لكنني رأيته يقفز عبر السلالم المتتابعة المؤدية إلى خارج بنك سي. آي. بي. سي التي تقع في حدود نطاق تغطية الكاميرا التاسعة. "لا شيء يعكر صفو الأمن في هذه الساعة", قلت في سري كحارس للمجمع خلال ورديات الليل. قال إنه وهب عطلته غدا على نحو تطوعي لأعمال نظافة المسجد الجديد "للمسلمين في المدينة". وأخرج علبة سجائره الروثمان الذي درج على تدخينه في القاهرة أثناء الاجتماعات الحزبية وقدم لي واحدة. حين بدأ يتابع دخان سيجارته المتصاعد أخبرته على سبيل المزاح أنه لا يجوز له التدخين داخل الأماكن المغلقة في كندا. ضحك وقال "إننا ثوار مهمتنا تحطيم القوانين". قلت له إن كلمة "سوار هذه بالذات يا مدني" قد قطعت أقدام خالي حسين من بيت الحبشيات ودفعته إلى زيجة أخرى فاشلة. وقال وقتها متسائلا "(ياحمد النيل ولدي) أصحابك السوار ديل ما لقوا في الدنيا دي كلها مكان عشان يجتمعوا فيهو غير الحتة دي". وأخذ خالي بعدها يفكر طويلا في اجتماع يقوم به رجال يعتلي كل منهم حبشية بينما لا تفصل بين مراقدهم سوى ستائر داكنة من قماش الساتان أوالدمورية المصبوغة. وخالي حسين ظن لجهله في البداية أنهم متعلمين "إما مسقفين" فظل ينصت لكلماتهم "الكبيرة" مستمتعا. بل ذهب به الحماس لفترة من الوقت في أثناء وجوده في سوق المواشي نفسه فكان يقول للأعراب القادمين من البادية عبارات عجيبة. كنت أسمعه يقول لهم محورا ماسبق له وأن سمعه في بيت الحبشيات مؤكدا أنهم ولا بد "في حاجة عاجلة لقلب نظام الماشية الغذائي القائم لبيعها على مستوى تجاري". كان يعوج فمه راجعا برأسه إلى الوراء قليلا مستشعرا أهمية كلامه وقد أغمض عينه اليسرى نصف إغماضة. وكان الأعراب ينظرون إليه دائما بفم مفتوح وتأثر مشوب بإبتسامة ساخرة نظرتهم إلى رجل في سبيله إلى الجنون قريبا. ومن حسن حظ خالي حسين أنه لم يصادف أبدا في تلك الأيام أن تناهت كلماته "الكبيرة" تلك إلى آذان الأمنجية المنتشرين في الأسواق وأماكن أخرى.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-10-2005, 03:10 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    الوقوف عند قبر في بلاد بعيدة:
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-10-2005, 04:38 PM

هشام مدنى

تاريخ التسجيل: 08-08-2004
مجموع المشاركات: 6667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    UP
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-10-2005, 10:55 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: هشام مدنى)

    شقيقي الجميل هشام مدني:
    أشكر لك مرورك الجميل ودمت.









    أجل, العالم خارج دائرة المنفيين واسع, لا حدود لإمتلائه, نضير, بهي, وطازج مثل طعم قبلة بعيدة ونائية في فم مراهق. ذلك بالضبط ما أخذ يتكشف لي منذ مساء اليوم التالي. آنذاك, ذهبت وحدي ولأول مرة لحضور حفل الألعاب النارية المقام على الشاطيء في غيبة مطلقة لثرثرة مدني سليمان التي لا تحتمل. كنت أجدني في العادة مجبرا على الإنصات إليه بينما يأخذ هو يتحدث عن أمور بدت لي على الدوام ولسبب أوآخر صغيرة وتافهة وصادرة على وجه الخصوص عن عقلية سيدة عجوز تدعى "أمونة" تمت إلى المرحوم الطاهر بصلة قرابة ما.

    كان يظل يقارن فارق السنتات أوالدولار بين محلات بيع لوازم المطبخ والملابس والبيت عامة التي تم إستخدامها من قبل ورأى أصحابها إعادة بيعها بسعر في متناول محدودي الدخل مثل عزيز تركي.

    أوينهك نفسه وينهكني بينما يشرع مثلا في الحديث عن شيء غريب حقا يسميه "أحد عشر أسلوبا لتقديم طبق البطاطس في مائدة رجل أعزب لم تمكنه واجباته السياسية في الماضي من الزواج في أعمار معقولة".

    وأحيانا يطيب له السياحة محلقا على جناح الأمل في دنيا بدا أنها في متناول اليد بعد أن يفوز بملايين الدولارات في احدى لعب الحظ التي تقام على نحو دوري.

    ما كان سيقودني إلى الجنون في أية لحظة أنه ظل يتحدث في كل مرة بجدية تامة كما لو أنه قد وجد معنى حياته في تلك التفصيلات أخيرا.

    لكن أكثر ما كان يبدو عليه من جدية حين يصر بنوع من الحسم على منحي مبلغ ألف دولار فقط من تلك الملايين التي سيكسبها في يوم ما عرفانا لذكرى الأيام القديمة.

    كان يقول لي في مثل تلك الحالات: "تذكر دائما ياحمد إني رجل مبدئي ولا أريد أن أبيع لك أمل أن تعود إلى الوطن على بساط الريح".

    ظللنا صامتين أغلب الوقت داخل سيارة مؤجرة من احدى الوكالات المنتشرة في تلك المدينة الكندية الصغيرة.

    كان علينا أن نصل إلى جسر الأنوار ذلك الصرح المعماري الفاتن المقام على نهر "كاسيدي" بمياهه العكرة التي تحمل أيام الفيضان من أماكن بعيدة الكثير من آشجار "المابيل" الضخمة المقتلعة من جذورها على حواف ضفاف ذات تربة حمراء وجرف حاد كحواف خبز قضمته نوائب أفعى قبل أن نستدير شمالا نحو الطريق الدائري متجهين بسرعة متوسطة نحو الحدود الشمالية لولاية داكوتا الشمالية الأمريكية مسافة ساعة تقريبا وسط خضرة ريفية تحف المشهد أسفل سماء زرقاء صافية من كل الإتجاهات.

    هذا جو يغري بالغناء لولا ذلك الشيء الحزين القابع بيني وبين مدني سليمان على مقعد القيادة: إنها زيارة الموتى.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 23-10-2005, 11:13 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-10-2005, 01:15 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    هنالك يرقد الطاهر إلى الأبد. تلك إذن مقابر المسلمين الصغيرة كانت في الأصل مزرعة مملوكة لأحد المهاجرين الشوام الأوائل وقلبي حزين. لقد ذبحوه كما قال من الوريد إلى الوريد. كان ثملا وقتها. ولا أثر لأدنى مقاومة. كانت تعلو وجهه ذات الطيبة برغم نهر الدم المتجمد أسفل عنقه. "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا.. وما تدري نفس بأي أرض تموت.. إن الله عليم خبير", كان صوت مدني سليمان وهو يرتل تلك الآيات القرانية من وقت لآخر يوقظني من تأملاتي العميقة ويعيدني إليها في كل مرة بشيء من الأسى أوالرغبة في البكاء. رأيته وهو يدير السيارة المؤجرة من الطريق العام وينحرف بها نحو المزرعة وفي عينيه غلالة رقيقة من الدموع. لعله يرثي نفسه على أبواب تلك المعجزة التي ما كان لها من قبل أن تخطر على ذهنه كصانع لأفكار الخلايا الشبابية في الداخل. هبطنا من السيارة. وكانت هناك شواهد متباينة للقبور التي تتخللها أشجار الآش بسوقها السوداء الضخمة لكأنها وجدت منذ بدء الخليقة. وثمة ريح متوسطة تحدث صفيرا خافتا كانت تجوس بين الأشياء حاملة الأوراق الميتة المتساقطة من الفروع الكثيفة كعادة موتها في هذا الوقت من كل عام. وفكرت أن الأشجار نفسها تسأم الحياة وتظل طوال شهور الشتاء جرداء متحطبة لكنها تعود في الربيع برغبة متجددة وأقوى في الحياة عدا الإنسان الذي وهب جسدا بمليون شعرة وقلب واحد. الآن وضح كل شيء. الطاهر كذب في مكتب الأمم المتحدة في القاهرة. قتل آبويه في حرب أهلية ضروس. جعل من شقيقته مغتصبة. وبكى. بكى بحرقة وصدق فأحضروا له كوبا من عصير الليمون المثلج. لقد فعل كل ذلك وغيره الكثير والكثير. لا لشيء. فقط ليقدم في النهاية عنقه لقتلة ربما كان الملل دافعهم آناء ليلة نحس.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-10-2005, 03:43 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان الوقت عصرا ولا أثر لمنفي واحد وسط أولئك المحتفلين بالحياة على بعد ساعتين تقريبا من بدء الألعاب النارية. كان هناك فرقة رقص هندية مكونة من فتيات صغيرات في السن يقدمن رقصة ألوان الربيع بأقدام عارية وإنسجام فريد كما لو كن في الأصل فتاة واحدة تم نسخها في صور عديدة عندما أحسست بها وهي تكاد تلامس كتفي بينما تشرئب على أمشاط قدميها لتطالع ما يحدث هناك عند منتصف الدائرة على خلفية موسيقية وإيقاع هندي مميز. وحدث وأن طالعتني عيناها من كل ذلك القرب. ولا أدري ما حدث وقتها على وجه الدقة. لكني وجدتني أشهد الحضور يتلاشى من حولي رويدا رويدا وكذلك فعلت ذكريات مليئة بأسى ما ينفك يتزايد داخلي لكأن صدري بحيرة دمع تطفو فوقها جثث من عالم ظللت أقترب منه كلما فررت منه أوبدأت في التعامل معه ككابوس إن صحوت منه تبدد وزال كما لو لم يكن من قبل. كان لها عينان طفوليتان وشفتان حمراوان مكتنزتان وغمازتان على خدين أملسين في وجه دائري زانه شعر كستنائي ناعم وبدت مربوعة القامة ممتلئة قليلا وقد عكست هيئتها العامة فيما بدا لي تاريخا يناهز ربع القرن تقريبا ومنتظما من التغذية الجيدة. والتفت إليها مرة أخرى. لقد بدا من الصعوبة بمكان متابعة ما كنت عليه قبل أن تحل كشيء غامض عكفت على البحث عنه منذ أمد بعيد بلا جدوى فإذا هو بغتة يغمرني كما تغمر الغريب رؤية الوطن بعد آلاف الساعات. وذلك كان أول لقائي بتلك الأنثى التي تدعى أماندا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-10-2005, 01:31 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)

    كان هناك شواهد من رخام وأخرى من حجارة رمادية يحمل بعضها كتابة ويحمل الآخر كتابة مصحوبة بزخارف تم نحتها بدقة ومهارة عالية. وثمة قبور هناك مثل قبره أعلى التل لم تكن تحمل علامة تدل عليها لولا بقايا ذاكرة غارقة في النسيان. كان قلبي يرف لمرأى قبر فتاة سورية على أعتاب العشرين بدا وكأن شخصا حميما مثل والدة أخذ يعتني به طوال سنوات عشر أعقبت وفاتها لسبب أوآخر. بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا من تقبيلي لها, رأيت أماني كثيرا, كنت أحس في كل مرة أنظر إليها خلالها وكأني أعيش معها مرة أخرى ذات السمو إلى الله, وعادل آنذاك تشاغل بآلامه داخل الزنزانة, ولم يشأ أن يعقب على حكاية قبلتي الأولى والأخيرة لها بشيء, لأن أماني وقتها وببساطة شديدة ماتت قبل شهور قليلة فجأة, وعادل ظل دائما يتواطأ بالصمت أوالتعليق على أقوالي حين أبدأ في الحديث عنها وكأنها لا تزال على قيد الحياة. "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا..", هكذا مرة أخرى أيقظني صوت مدني سليمان, وكنا نقف متقابلين على طرفي قبر الطاهر. كان صوت مدني المرتعش يعلو ويهبط بآيات القران والأدعية. وكنت أقول له في سري ولسبب ما (ياالطاهر) ربما لم تكن الحياة بمثل هذه القسوة لولا المدعو كروستوفر كولومبس. كان مدني مغمض العينين, مرتعش اليدين, وفمه يرتجف, حين علا صوت جهور من داخل المقبرة قائلا: "يا مدني.. وحمد النيل.. لن يدخل الجنة سياسي هارب", وأطلقنا ساقينا للريح بلا إتفاق, وكان مدني يتقدمني قافزا فوق الشواهد التي تقابله, ولو نظر أحدهم إليه من الأمام لرأى ولا بد كرشه الضخم وهو يتأرجح أمامه يمنة ويسرة, وفي غمرة تلك اللحظات, وأنا منطلقا خلفه, كنت أقول له (يا مدني) لا تتوقف ولا تلتفت الطاهر قام من قبره ويلاحقنا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-10-2005, 10:45 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: إعادة جذرية لرواية عنوانها: (السيرة العطرة للأمنجي السابق) (Re: عبد الحميد البرنس)



    يطيب لي القول إنني أنهيت بالأمس الجزء الأول من ثلاثية "المنفي الغريب إن حكى", وما تم حتى الآن في هذا البوست أعتبره بصدق بمثابة مسودة أولي يلزمها الكثير من العمل الشاق وما أسميه "مفاجأة النفس أولا", وتلك خطى سأمشيها إن شاء الله في صمت وعزلة كاملة تماما, على أن ذلك لا يعني غيابا من المنبر, وإن كانت مشاركاتي ستقل بدرجة أوأخرى, ولا أدري لم تستحوذ أفكار هذه المسودة على اهتمامي الخاص والشخصي إلى درجة أنها نمت في وقت وجيز. يحدث هذا مع أني مشيت شوطا في مسودة رواية "إنسان المكان", تلك الرؤية للعالم التي سبق وأن قمت في القاهرة في صيف العام 2000 تقريبا بنشر الفصل الأول منها في مجلة "العصور الجديدة", وذلك عالم سيف الدين المبارك وعثمان علي ولوسي حنا وهو سيكون أيضا كجزء من ثلاثية أخرى تشمل مسودة أخرى منجزة بالفعل تحمل إسم "إنسان الغرفة الجميل". ما زلت (جبانا) فيما يتعلق بالنشر. ولعل الكتابة في هذا المنبر وعلى هذا النحو تكون قد خففت من هذه (الإشكالية) كثيرا. أشكر لكم حضوركم الجميل. ومحبتي موصولة حتى لأعدائي. ودمتم.

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 27-10-2005, 11:07 AM)
    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 27-10-2005, 12:34 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 2 „‰ 2:   <<  1 2  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de