"الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
التحالف الديمقراطي بأمريكا يقيم ندوة بعنوان آفاق التغيير ما بعد هبة يناير 2018
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 20-10-2018, 08:18 AM الصفحة الرئيسية


    مكتبة الاستاذ محمود محمد طه
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
30-09-2007, 05:33 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


- آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه ... فى معتثلات مايو (Re: Dr. Ahmed Amin)


    من أوراق الأستاذ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (5)
    كيف تطور دين التوحيد من خلال الصراع بين المجموعات البشرية عبر التاريخ ؟
    د.محمد محمد الأمين عبد الرازق
    أوضحنا في ما مضى من حلقات الفرق بين المستوى العلمي من الإسلام ، والمستوى العقائدي. وفي هذه الحلقة نحاول أن نمدد البحث في اتجاه دراسة جذور الاعتقاد من حيث هو .. عندما برز الإنسان الأول وجد نفسه في البيئة الطبيعية ، وكان مجال الاعتقاد أمامه واسعاً إذ أنه ضعيف العقل في تلك المرحلة ، فاعتقد في كل شيء .. ومن خلال الصراع مع العناصر والأحياء ، أخذ عقله ينمو بإضطراد ، فتدخل مناطق كانت في مجال الاعتقاد منطقة العلم فتفقد رهبتها وبريقها .. وهكذا تحرك الإنسان في اتجاه المعرفة على حساب الاعتقادات التي تتضح سذاجتها مع الأيام .. والحقيقة أن المعاناة والثمن الذي دفعته البشرية في سبيل تطورها ، من دمائها وعرفها ودموعها ، يعجز الإنسان المعاصر عن أن يتصوره إلا إذا عكف على قراءة تاريخ النفس من داخله باتباع المنهاج العلمي في الإسلام .. وفي مرحلة معينة من نمو العقل اعتقد الإنسان في الحياة الأخرى من خلال الأحلام التي يراها وهو نائم ، فكان يرى أخوته الذين ماتوا يمارسون أعمالهم تشبه ما يقوم به هو في هذه الحياة الدنيا ، فقام في خلده أن الشخص الميت لا بد أنه محتاج لمن يساعده من أفراد أسرته الذين تركهم في هذه الحياة وذهب منفرداً .. من هذا الشعور جاء الاتجاه إلى دفن الزوجة والعمال والأدوات .. الخ ، مع الميت .. وفي مقبرة واحدة لأحد ملوك العهد القديم بالدفوفة بكرمة شمال السودان ، وجد أن هذا الملك قد دفن معه في آن واحد 49 رجل و46 امرأة!! مات هو موتاً طبيعياً ، وماتوا هم اختناقاً عندما انهالت عليهم التراب .. والسبب في هذه العملية البشعة أن هذا الملك سيحتاج إليهم في حياته الأخرى كما كان الحال في الدنيا !! وقبل شهور استمعت إلى ضابط شرطة ، كان يحكي في برنامج إذاعي ، عن تجربته في البحث عن الجاني في جريمة قتل بجنوب كردفان .. وقال أنه اضطر من أجل التحقيق إلى نشر بعض المقابر ، ففوجئ في أحدهما بكمية من العفش ، شنط وأدوات ولكنه لم يجد بشر ، فكأن التطور قد أحدث تقدم في التعامل وفق هذا الاعتقاد القديم لمصلحة أسرة الميت .. بعد تطور طويل وبطئ ، ظهرت ديانات التوحيد ، وتطورت المعرفة ، وبذلك زالت كثير من الاعتقادات الساذجة ، ويمكن إدراج ظاهرة عروس النيل في مصر التي أبطلها عمر بن الخطاب كمثال هنا .. ثم اعتقد الناس في الأنبياء ، والصالحين يطيعونهم ويعتقدون أنهم مصدر السعادة في الدنيا والآخرة .. فتكونت العقائد المختلفة وقال عنها القرآن (كل حزب بما لديهم فرحون) ، بالرغم من أن جميع هذه العقائد إنما تنبع من مصدر واحد هو التوحيد بنص القرآن: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) .. والسبب في هذا التفرق هو ضعف قدرة الناس على أخذ جانب العلم بدرجة تفوق جانب العقيدة ، أو تحول العقيدة إلى عقيدة علمية ..
    هذا وفي توضيح معنى أن الاعتقاد الذي تكون ثمرته دفع الإنسان نحو العلم يكون اعتقاداً مقبولاً إلى حين ، جاء في كتاب (أسئلة وأجوبة – الثاني الأستاذ محمود محمد طه) ما يلي في الرد على سائل:
    (وأنت تقول: "ولكننا مع توفير المعارف والعلوم لا نزال نبحث عن مرفأ ترسو فيه مراكبنا التي أضناها المسير" .. وهذا حق يعرفه كل ذكي يقلب الطرف فيما حوله من حالة القافلة البشرية ، وأنت تقول: "نحن في حاجة لعقيدة نهائية نعرفها ، ونهضمها ونتمرس بها ، ونختبرها لتصبح لنا ذلك المرفأ الذي ترسو عليه مراكبنا" .. وأنا على ذلك موافق بشرط واحد: هو أن تكون العقيدة مقدمة للمعرفة ، نحن نتوكأ على العقيدة ريثما نعرف ما نقصده معرفة اليقين .. إلى أن يقول: فالعقيدة مرفأ من عواصف الحيرة ودياجير الشك ما في ذلك ريب ، ولكن العقل البشري المعاصر ، لا يريد العقيدة إلا متوكئ يبلغ بها مشارف العلم ومنازل اليقين ، وكلما استيقن العقل من مرحلة طالعته مرحلة جديدة لا يسعه منها إلا الاعتقاد ، ريثما تتكشف له معمياتها ، وتدخل بذلك في مرحلة العلم فتطير له في الأفق البعيد مرحلة جديدة لا يسعها إلا العقيدة وهكذا دواليك) انتهى ..
    إذن تكتسب العقيدة المعينة الاحترام وتستحق البقاء إذا كانت فعالة في تعليم معتقديها وفي زيادة معرفتهم .. وفي هذا الإطار يمكن للإنسان أن يتفهم القبول الصامت لاعتقادات التلاميذ في العارفين من قيادات الطرق لصوفية في السودان وفي من سار على دربهم .. إذ أن التغيير المباشر في غير ميقاته قد يفقد المعتقد توازنه فيهتز سلوكه فيتعرض لانحرافات نتيجة لقصوره ونقصان معرفته ، ولذلك فإن مثل هذا التغيير لا يعتبر صحيحاً بموازين التسليك والتربية .. وفي أغلب الأحوال يترك التصحيح لله رب العالمين ، فهو الذي يوجه مسيرة البشرية من مرحلة إلى مرحلة ..
    وقد ورد في الحديث أن النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قال: (بينما أنا على الصراط إذا بأناس من أمتي يوضعون ذات الشمال ، فأقول: أصحابي أصحابي !! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .. فلا أقول إلا كما قال العبد الصالح: وكنت عليه شهيداً مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) .. يعني أنهم انحرفوا عندما غاب عنهم جسدياً وذلك لأنهم اعتقدوا فيه هو أكبر من اعتقادهم في الله ، (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) .. وتحضرني هنا عبارة أحد الأصحاب: ما كنا ننفض أيدينا من تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا..
    الشاهد في الأمر أن حركة البشرية سائرة في اتجاه الاعتقاد في الله وحده وانتظار مجيئه بالعمل برسالته وفق شريعته وحقيقته ، وليس على الانتظار السلبي بلا عمل .. والدعوة إلى الله بهذا المفهوم هي موضوع رسالة الإسلام في مستواه العلمي .. والمقصود بالانتظار السلبي هو ترك الأمور تسير بغير فكر يهدي التطور انتظاراً لموعود آخر يرجى منه أن يقوم بهذا الدور ، أو بحجب الفكر عن قصد لأي سبب من الأسباب .. والانتظار السلبي بهذا المعنى كان يحدث عبر التاريخ بسبب الغياب الحسي للقيادات ، ولما كان الله حي لا يموت فلن تكون هناك فرصة توقف لمن يحمل نفسه في اتجاه هذا المستوى من الاعتماد على الله وحده بمسئولية .. وكل الأحاديث التي بثها الأستاذ محمود محمد طه في تلاميذه خاصة في الأيام الأخيرة قبيل الإعدام ، كانت تدفع الناس نحو الله ، وكمثال: (انتو في الأيام المقبلة راح تشعروا بالحاجة لله أكثر مما شعرتم بها في أي وقت .. المسألة الراح تحوجكم لله هي لخيركم ما في أدنى شك .. وأنا مستبشر للمسألة دي .. نحن في منعطف جديد تماماً لازم الناس يأخدوه بالجد اللازم والعمل اللازم) .. وهل أذيع سراً إذا قلت أن السبب المباشر في توقف النشاط المذهل الذي كنا نقوم به نحن الأخوان الجمهوريين هو غياب مرشدنا الحسي بسبب تنفيذ الإعدام ؟ ولكننا نقول بقوة إن العلم الذي طرحته الفكرة الجمهورية ، والتربية التي أرسى دعائمها مؤسسها لا يزالان يعملان بفعالية في تحريك التلاميذ نحو الالتصاق بالله ، فالحياة الممدودة من الله تنمو كما ينمو الكتكوت داخل البيضة ، ولن تنفك مستمرة في النمو حتى تكتمل وتخرج للناس في العلن بأقوى مما كانت في الماضي ..
    من جانب آخر ، لقد سارت البشرية في اتجاه التوحيد بأساليب كثيرة متنوعة ، من التعدد إلى الوحدة ، يقودها الاعتقاد من مرحلة إلى مرحلة ، فتتجمع اعتقادات كثيرة في عقيدة واحدة بفعل الصراعات والحروب ، وذلك لأن الإنسان عندما يلح عليه الجانب العملي في حياته ، فإنه يبدل عقيدته بعقيدة أخرى يراها أكثر كفاءة في حفظ حياته وتنميتها .. فلنستمع إذن إلى الأستاذ محمود يحدثنا بشيء من التفصيل عن تلك المسيرة الطويلة في (ديباجة الدستور):
    29) ان الفرد البشري اليوم وارث لكل حياة الجنس البشري، منذ النشأة ، فهو يعيد كل هذه الحياة ، منذ حياة حيوان الخلية الواحدة ، بين الماء و الطين . و لكن في رحم الأم هو يطوي هذه المراحل بسرعة شديدة لأنها موجودة فيه بالإمكان فهى تفـــر نفسها ، بمحض الفضل الإلهي ، في تسعة اشهر و بضعة أيام .. قال تعالي( و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين *ثم جعلناه نطفة في قرار مكين..)) فأما القرار المكين هنا فإنما هو رحم الأم .. و أما النطفة هنا فإنما هي ماء الرجل المختلط ببويضة الانثي.. و لقد طوي ،تبارك و تعالي ، في عبارة(( من سلالة من طين )) تطور الحياة ، منذ نشأت ، بين الماء و الطين ، و إلى ان بلغت مرتبة البشرية قال تعالي ( هل أتي علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * انا خلقنا الإنسان من نطفة ، امشاج نبتليه ، فجعلناه سميعا بصيرا* انا هديناه السبيل ، إما شاكرا، و إما كفورا..)) فالنطفة الامشاج هنا إنما هي الماء المختلط بالطين .. و هذا مما طوي في عبارة (( من سلالة من طين)) .. فالفرد البشري اليوم، في الرحم، يعيش كل هذه الأطوار ، التي استغرقت دهرا دهيرا ، في تسعة اشهر ، و بضعة أيام ، و ذلك بمحض الفضل الإلهي . و لقد حفز الخوف الرهيب الحياة في المراقي ، حتي بلغت طورها الحاضر ، ببروز البشر المعاصرين .. و لقد طويت الإشارة إلى الخوف الرهيب الذي حفز الحياة في مراقيها في عبارة (( نبتليه)) .. و لقد طويت المراقي في عبارة (( فجعلناه سميعا بصيرا)) .. و في آيات النشأة البشرية يقول تبارك و تعالي ( و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين)) فهذه ست حركات يطوي فيها الكائن البشري ، في رحم الأم ، كحيوان منوي ، جميع مراحل الحياة ، منذ فجر الحياة ، من لدن الماء ، و الطين .. و في الحركة السابعة (( ثم أنشأناه خلقا آخر )) يدخل الكائن البشري ، و هو في رحم الأم : مرتبة البشرية ، ثم يخرج إلى الحياة طفلا بشرا سويا!! (( فتبارك الله أحسن الخالقين )) ثم هو، منذ ان يولد ، يسير سيرة الفرد البشري الأول الذي اضطر ، اضطرارا، ليعيش في مجتمع ، و كذلك هدي إلى اختراع المجتمع ، منذ ذلك الوقت المبكر .. ثم هو لم يخترعه إلا بعد ان تنازل اضطرارا عن بعض حريته ، ليستمتع بباقيها .. و هذا هو الشأن إلى يومنا الحاضر ، حيث تقيد حريات أفراد المجتمع بما لا يتعدي علي حريات الآخرين.. و كلما ترقت المجتمعات ، كلما قللت من القيود علي الأفراد . و من هذا الاتجاه نشأت الديمقراطية ، و نشأت الدساتير ، و نشأت القوانين الدستورية.. و لقد قلنا ، و نقول مرة أخري ، ان القوانين الدستورية هي تلك التي تملك القدرة علي التوفيق، في آن معا ، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، و حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة .. و لقد قررنا ، فيما سلف ، ان القوانين التي اخذت بداياتها من الأعراف البسيطة ، الساذجة ، البدائية، التى حولها نشأ المجتمع ، بتقييد ، ، قد كانت دستورية بهذا المعني الوارد أعلاه ..
    نقول هذا مع ان العقوبات التي كانت تترتب علي مخالفات هذه الأعراف قد كانت عنيفة ، اشد العنف ، و أفظعه .. و لكنها ، مع ذلك ، قد كانت حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة .. و لكنها فقط في نقطة البداية ، حيث نشأة العقل ، الذي يقيد نزوة الحيوان فينا .. و لو لا نشأة العقل لما دخلنا مرتبة البشرية .. و لو لا العقل أيضا لما كان هناك طموح منا لنبلغ مبلغ الحرية الفردية المطلقة ، منذ اليوم ، و في أيامنا المقبلة .. و هي أيضا قد كانت ، و بنفس القدر ، حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة ، التي نحلم بها نحن ، منذ اليوم ، و نترقب بلوغها ، في أيامنا المقبلة .. ان النهايات ظاهرة في البدايات.. و لكن ظهورها يحتاج منـا إلى أعمـال فكر.. ان المعلم واحد ـــ الله ..

    30) و الآن فان الفرد البشري يولد أنانيا ، فهو لا يري ان هناك غيره ، بل انه يري انه يجب ان ينفرد بنيل ما يريد .. ثم هو يأخذ في التعلم ، قليلا ، قليلا ، حتى يقيد رغبته برغبة المجتمع من حوله .. و كلما نما ، كلما علم ، ان حريته مقيدة بحرية الآخرين.. ثم هو ، إذا بلغ سن الرشد ، اصبح واضحا أمامه وجوب تقييد نزواته ، وفق العرف ، و القانون ، و إلا فانه يتعرض للعقوبة التي تعرض لها الفرد البشري ، في أول النشأة ، مع الاختلاف طبعا ، في عنف العقوبة بين الأمس، و اليوم، و ذلك بفضل الله ، ثم بفضل تطور المجتمع ، فالفرد البشري اليوم مولود و هو وارث لتجارب الحياة منذ بدايتها.. ووارث للكبت الذي فرضته الحياة ، في المجتمع ، علي الفرد البشري ، منذ بروز البشر من مستوي الحيوان .. ثم ان علي الفرد البشري بالإضافة للكبت الموروث ، ان يمارس كبتا مكتسبا في حياته بين الميلاد و الوفاة .. و لقد كان الكبت دائما بفعل الخوف ، و لكن الخوف يقل ، و يقظة الضمير تزيد ، كلما اقتربنا من عهد كمال الحياة البشرية علي هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، و لقد كان الخوف صديقا ، حيث به برزت العقول من الأجساد ، و لكنه لا بد من التحرر من الخوف من اجل كمال العقول و كمال الاجساد.. لقد كان الخوف صديقا في بداية النشأة ، و لكنه قد أصبح عدوا منذ اليوم ، حيث أقبلت الحياة البشرية علي عهد كمالها .. لقد سار الفرد البشري من مستوي الحيوان إلى مستوي البشر ، بفضل الله ، ثم بفضل الكبت ، الذي به انقسم علي نفسه و سيسير من مستوي البشر إلى مستوي الإنسان ، بفضل الله ، ثم بفضل فضّ الكبت ، حيث تتوحد البنية التي انقسمت بفعل الكبت .. ان جميع عصور البشرية ، و إلى اليوم ، قد تطورت فيها البنية البشرية و هي منقسمة علي نفسها .. و هذا ما أسميناه مرحلة ( الجسد و العقل المتنازعين)).. و ستدخل البشرية مرحلة كمالها منذ اليوم ، و ذلك بفض الكبت ، الموروث ، و المكتسب ، حيث تجيء مرحلة ( الجسد و العقل المتسقين)).. و يومئذ تدخل البشرية الحاضرة مرحلة الإنسانية ، حيث تتم وحدة البنية البشرية ، التي عاشت منقسمة علي نفسها طوال تاريخها الطويل .. و لا يجيء فض الكبت فجأة ، و بغير فكر يهدي التطور ، كما يظن الماديون ، حيث يتحدثون عن تحرير الغرائز ، و هم لا يعلمون ما يقولون.. لا بد للفرد اليوم ، من اجل تطوره في مضمار وحدة بنيته ، من الكبت ، المجود ، الواعي ، ليستطيع ، بعد تجويد الكبت ، ان يدخل مرحلة فضّ الكبت ، بعلم ، و بذكاء .. ان الكبت المكتسب يجب ان يجيء من قناعة ، و من يقظة ضمير ، و من توقد ذهن ، و من علم بأصل البيئة ، التي نعيش فيهاــ البيئة الطبيعية ، و البيئة الاجتماعية ــ لا ان يجيء من الخوف الذي سلط علي أوائلنا من جراء الجهل .. لقد كان الخوف كما قررنا ــ صديقا لأوائلنا ، و لكنه ، منذ اليوم ، هو عدونا ، و يجب بفضل الله ، ثم بفضل العلم الجديد بأصل البيئة الطبيعية ، و الاجتماعية ، ان نتحرر منه . و في مضمار التحرر من الخوف يجيء فض الكبت ..

    31)لقد انصب الكبت في أول نشأة المجتمع ، كما سبق ان قررنا ، علي القوة الجنسية ، و علي حب التملك.. و اليوم فان الكبت يجب ان ينصب عليهما معا و لكن بعلم ، و بقناعة ، لا بخوف العقوبة من المجتمع .. و لما كان في المرحلة لا بد من مستوي من الخوف ، من اجل التحرر من الخوف ، فقد وجب توحيد الخوف في مصدر واحد ، ريثما يتم التحرر نهائيا من الخوف .. هذا المصدر الواحد إنما هو المعلم الواحد ، الذي سير الحياة ، من بدايات المادة ، في المراقي نحو الكمال .. لقد قلنا لأن المعلم واحد فان النهايات ظاهرة في البدايات ، و لكن ظهورها يحتاج منا إلى أعمال فكر.. و الآن فانا نقرر ان دين التوحيد قد كان ظاهرا في دين التعدد ، منذ نشأة الدين ، عند الفرد البشري ، قبل نشأة المجتمع.. فقد كان لكل فرد في الأسرة آلها ــ للأب، و للأم ، و للأبناء البالغين ، و لغير البالغين ــ و لكن آلهتهم جميعا تخضع لإله الأب، كما يخضعون هم جميعا له .. ثم ان الأسرة الواحدة قد نشأت منها اسر جماعة ، ترجع إلى رجل واحد ، هو جدها .. و لهذه الأسر العديدة رجل حكيم، يأتمرون بأمره ، و يذعنون لحكمته ، ولإلهه تذعن آلهتهم ، كما يذعنون هم له.. و هكذا سار التوحيد .. رجل حكيم ، و ذكي ، يذعن له رجال قبيلته، و نساؤها ، و لإلهه تذعن آلهة رجال قبيلته ، و نسائها.. ثم ان القبائل تحترب ،
    فيما بينها ، فتغلب قبيلة قبيلة ، فتذعن القبيلة المغلوبة للقبيلة الغالبة ، و تذعن آلهة القبيلة المغلوبة لآلهة القبيلة الغالبة ..
    و هكذا سار التوحيد .. ثم جاء عهد الملوك فتوجت القبائل شيوخها ملوكا عليها ، ليحموها و ليقودوها إلى النصر علي أعدائها الذين ينازعونها الأرض ، و ينازعونها المرعي ، و ينازعونها الماء ، و يشنون عليها الغارات ..
    فإذا انتصرت قبيلة ، بقيادة ملكها ، علي قبيلة أخرى ، بقيادة ملكها ، فان الملك المغلوب يذعن للملك الغالب، و تذعن قبيلته معه ، و تذعن آلهته للآلهة الجديدة ، و يتوحد الملك بين القبيلتين ، و يتوحد الدين .. و هكذا يسير التوحيد .. ثم تطور عهد الملوك : من ملوك القبائل الرحل ، إلى ملوك المدن المسّورة ، المحصنة بالقلاع ، و تطورت ، مع تطور الملوك الآلهة .. و تطورت الممالك ، من ممالك المدن ، إلى ممالك الدول الكبيرة .. و تطورت الآلهة أيضا حتى جاء عهد الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم آلهة ، و الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم أبناء الآلهة ، و الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا للآلهة ، و الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ظلالا لإله واحد.. هكذا يسير التوحيد .. و لقد جاء دين التوحيد ، من السماء باتصال الملك جبريل بالبشر المرسلين لتعليم الناس التوحيد ، منذ آدم ، أبو البشر الحاضرين، و ذلك عهد بعيد ، ممعن في البعد، و لكن دائرة دين التوحيد بهذا المستوي ــ مستوي رسالات السماء ــ قد كانت ضيقة .. و في أثناء ذلك لقد خدم عهد الملوك دين التوحيد خدمة جلي ..

    32)و جاء مؤخرا الملوك الموحدين ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل ، من بعد موسى ، إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله .. قال هل عسيتم ان كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟؟ قالوا : و مالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله ، و قد أخرجنا من ديارنا ، و أبنائنا .. فلما كتب عليهم القتال تولوا ، إلا قليلا منهم .. و الله عليم بالظالمين * و قال لهم نبيهم : ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا.. قالوا : أنّي يكون له الملك علينا ، و نحن أحق بالملك منه ، و لم يؤت سعة من المال ؟؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم ، و زاده بسطة ، في العلم ، و الجسم ، و الله يؤتي ملكه من يشاء ، و الله واسع عليم ..)) و كان في جند طالوت داوؤد.. و يقص الله علينا من خبرهم ( و لما برزوا لجالوت ، و جنوده قالوا : ربنا افرغ علينا صبرا ، و ثبت أقدامنا ، و انصرنا علي القوم الكافرين * فهزموهم ، بإذن الله ، و قتل داوؤد جالوت ، و آتاه الله الملك ، و الحكمة ، و علمه مما يشاء .. و لو لا دفع الله الناس ، بعضهم ببعض ، لفسدت الأرض .. و لكن الله ذو فضل علي العالمين ..)) و خلف داوؤد سليمان ابنه، فكان ملكا رسولا.. و انتصر سليمان علي بلقيس ، ملكة سبأ ، فجاءت مذعنة ( قالت : رب اني ظلمت نفسي ، و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين..)) و كانت هي ، و قومها ، يعبدون الشمس ، فتحولوا لما هزموا ، إلى دين التوحيد .. و هكذا يسير التوحيد .. و استمر عهد الملوك.. و لماء جاء المسيح ، ابن مريم ، نبيا عبدا ، رفضه اليهود ، لأنهم كانوا ينتظرونه نبيا ملكا .. و لقد جاء نبينا ، فخير ان يكون نبيا ملكا ، أو نبيا عبدا ، فاختار ان يكون نبيا عبدا .. فانتصر بذلك للمستضعفين ، في الأرض ، و بدأ عهد الجمهورية ، من يومئذ ، يدال له من عهد الملكية .. و لكن ، لما كان الوقت لا يزال مبكرا لمجيء عهد الجمهورية ، مجيئا عمليا ، فقد قال نبينا ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تصير ملكا عضوضا .. )) و هكذا كانت ، علي عهد معاوية ، و إلى وقت قريب ، و في بعض البلاد الإسلامية ، إلى يومنا الحاضر .. و بالثورة الفرنسية ، في القرن الثامن عشر ، بدأ عهد الجمهوررية بصورة ، عملية ، و جريئة .. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ، و بنهايتها اتسع النظام الجمهوري ، و تقلص النظام الملكي ، في كل الأرض .. لقد جاء عهد الشعوب ، و بدأ التاريخ يكتب من جديد و هكذا يسير التوحيد ..

    33) و الآن فان التوحيد قد بلغ مستوي طيبا جدا يسمح بتطور جديد في مستوي الحياة البشرية به تدخل عهد الإنسانية ، الذي ظلت ترقبه ، و تحلم به ــ أو بالأحرى يحلم به طلائعها من أنبياء الحقيقة . و لقد رأينا كيف ان العلم المادي ، بانفلاق الذرة، قد رد الوجود كله إلى اصل واحد ، معلوم الخصائص ، مجهول الكنه .. اصل واحد هو قوة ـــ هو طاقة ـــ تدفع ،و تجذب، في الفضاء.. و لقد اخترنا الحديث عن خط تطوير السلاح ، من السلاح الحجري ، إلى السلاح النووي، لان الحروب تحفز علي التطوير اكثر مما يحفز السلام .. و إلى اليوم ، فان الدول ، ميزانياتها ، تكاد تكون مفتوحة ، لتمويل البحوث العلمية التي تطور الأسلحة الرهيبة ، ذلك بان السلام اليوم إنما يقوم علي الخوف من الحرب بهذه الأسلحة الرهيبة ، التي معها لن يكون هناك منتصر، و منهزم ، كما كانت الحالة بالأسلحة التقليدية ، و إنما هو الدمار لكل الحياة .. و بفضل حوافز الحرب جاء تطوير العلم المادي التجريبي للحياة المعاصرة ، من جميع وجوهها .. ثم أننا رأينا كيف سار توأم العلم المادي التجريبي ــ الدين ــ من التعدد أيضا إلى التوحيد .. لقد كان هناك في بدء المسيرة آلهة كثيرة ــ آلهة بعد البشر ــ و لكن بعض الآلهة مهيمن علي بعضها ، هيمنة البشر ، بعضهم علي بعض .. و لقد جاءت أديان التوحيد جميعها تحارب آلهة الأصنام ، و آلهة العناصر ، و الأجرام ، و آلهة الملوك ، أمثال فرعون ( فحشر فنادي * فقال انا ربكم الأعلي..)) حتي تم لها النصر ، من حيث التنظير بنزول القرآن .. و عندما جاء النبي الكريم بالقرآن في مكة كان في الكعبة ، بيت الله الذي بناه أبو الأنبياء ، إبراهيم ، لعبادة الله وحده ، نحو ثلاثمائة و ستين صنما .. فقال يأيها الناس قولوا :” لا إله إلا الله" تفلحوا!! فقالوا فيما حكي عنهم القرآن ( أجعل الآلهة إلها واحدا ؟؟ ان هذا لشي عجاب !!)) و لقد جاء جميع الأنبياء ، و الرسل ، بقولة " لا إله إلا الله “.. اللفظ واحد ، و التحصيل ، في الصدور، يختلف ــ المعنـي يتفاوت .. في جميع العصور كانت (( لا إله إلا الله )) تعني ان جميع الآلهة باطلة ، إلا إلها واحدا ، هو الله .. (( لا معبود بحق إلا الله )).. هذا معني (( لا إله إلا الله)) عندنا، نحن المسلمين ، في القرن السابع .. ذلك بأنه قد كانت هناك آلهة أصناما حسية ، فكان هذا المعني يناسب ذلك الطور ، من أطوار المجتمع البشري.. أما اليوم فان التوحيد ، بمحض الفضل الإلهي ، قد ارتفع إلى قامة جديدة ، تناسب مجتمع القرن العشرين ، الذي طور العلم المادي التجريبي ، حتي رد المادة كلها إلى اصل واحد، و حتي بفضل الله، علينا و علي الناس ، طور الآلة في مضمار القوة ، و السرعة ، و الكفاءة ، إلى الحد الذى الغي، أو كاد ان يلغي ، الزمان ، و المكان .. فوحد بذلك هذا الكوكب الذي نعيش فيه .. ان البشرية اليوم لا تعبد أصناما حسية، كما كان يفعل الناس ، في القرن السابع ، و لكنها ، مع ذلك ، تعبد أصناما معنوية ، لها عليها سلطان ، اقوي من سلطان الأصنام الحسية علي عبادها الذين ظلوا لها عاكفين...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-10-2007, 05:25 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Dr. Ahmed Amin)

    الحلقة السابعة

    من أوراق الأستاذ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (7)
    الأرض هي مركز المجموعة الشمسية من الناحية الروحية

    د. محمد محمد الأمين عبد الرازق

    لقد كتب الأستاذ محمود هذه الديباجة في أكتوبر 1984م ، وأختصر فيها كل ما أراد أن يقوله للناس ولذلك قلنا أنها الدعوة الإسلامية الجديدة موضوعة في كبسولة.. وقد وضع الأية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) في صدر البحث من غير أن يتحدث عنها مباشرة، ثم أوردها ثلاثة مرات أخرى ، فصل في الثانية أن هذا اليوم هو يوم عرفة سنة عشرة هجرية، وقد لبث النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بعدها بين الناس بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر ثم لحق بالرفيق الاعلى يوم 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة المباركة.. وعندما تحسب الفترة التي قضاها الأستاذ محمود بيننا من تاريخ إصدار الديباجة حتى تنفيذ الإعدام في 18/1/1985م ، تجدها مساوية تقريباً للفترة التي قضاها النبي بين الناس بعد ذلك اليوم المذكور .. وفي إشارة لطيفة وخفية إلى ذلك قال: (بدأنا هذا البحث بالحديث عن الديمقراطية .. ولقد جاء الحديث عن الديمقراطية، بعد الآية العظيمة، التي صدرنا بها حديثنا هذا، بدون أي مقدمة حتى أني لأظن أن بعض الناس قد يستغرب هذا الأمر !!)..
    الأستاذ محمود صاحب حقيقة وشريعة .. الحقيقة في الدين الخاص هي معرفة أسرار الألوهية، أما الحقيقة في الدين العام فهي ما عليه الخلق من خير وشر .. والمطلوب من الإنسان السالك على طريق محمد أن يبدأ بالشريعة، يعني بالعلم الظاهر، ثم يتطور تدريجياً فيتلقى فيوضاً من المعرفة بالله، أو قل معرفة بالحقيقة .. وخير مثال يوضح هذه المعاني ما جرى بين العبد الصالح والنبي موسي .. فعندما خرق العبد الصالح السفينة كان على علم بالمستقبل، وكذلك عندما قتل الغلام .. وكان موسي حينها في بداية مجاهداته في معرفة الحقيقة ولم يكن على علم بالحكمة في أفعال العبد الصالح ولذلك أعترض.. وقد فسر القرآن تلك الحكمة في الآيات: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً* وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً).. والعارف بعلم الحقيقة يحاول دائماً ضبط الشريعة مع ما يعلمه من الأسرار، أما صاحب الشريعة فمحاولته هي الالتزام الدقيق بمقتضياتها حتى تكون وسيلة موصلة إلى الحقيقة.. ولذلك قال الأستاذ محمود عن نفسه: (بدأت بالجانب التطبيقي في العبادة بتجويد وإتقان منتظراً موعود الله حين قال: "واتقوا الله ويعلمكم الله" وفي قول المعصوم: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم"، فلما جرى على لساني وقلمي ما علمني الله من أسرار دينه ظنه بعض الناس ليس من الدين، وما علموا أن ما أدعوا إليه هو الإسلام عائداً من جديد)..
    لقد ورد الحديث كثيراً في هذا البحث عن الدستور والحكم الدستوري، وقلنا أن الدستور يؤخذ من أصول القرآن وليس من فروعه .. الدستور يقوم على المسئولية الفردية، والشريعة قامت على الوصاية، وصاية النبي على المؤمنين، ووصاية المؤمنين على غير المسلمين، ووصاية الرجل على المرأة.. ولذك فإن الشورى ليس ديمقراطية، فالشورى هي حكم الفرد الوصي الرشيد على القصر ليرشدهم .. وولي الأمر غير ملزم بالأخذ بإستشارة المستشارين، قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله).. وآيتا الديمقراطية هما: (فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر) وهما منسوختان في الشريعة السلفية ..
    إن الفكرة الجمهورية تدعو إلى الإنتقال من الشريعة التي طبقت في المدينة في القرن السابع الميلادي إلى شريعة جديدة قائمة على السنة النبوية، وسندها آيات الأصول المكية التي نسخت في ذلك الوقت لأنها أكبر من طاقة المجتمع.. إن مثل هذا التحول كان يقوم به في الماضي الأنبياء الرسل فكيف يتسني لإنسان أن يدعو لمثل هذا التحول الأساسي الجوهري في الدين وهو ليس نبياً؟؟ الجواب هو: أن الفرصة متاحة أمام الناس ليمارسوا المنهاج النبوي بتجويد وإدقان فيعلمهم الله أسرار دينه، وليس لهذا التعليم حدود، فكلما زاد الإنسان في التقوى زاده الله في العلم .. ولذك قال النبي الكريم: (علماء أمتي كأنبياءِ بني إسرائيل) وقال أيضاً: (إن من أمتي لأناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله).. ما هي وسيلة الدعوة إلى الناس؟ هي الحجة بالمنطق والإقناع وبحسن السيرة والإستقامة..
    الرسالات السماوية مربوطة إرتباطاً وثيقاً بحركة تطور المجتمع وبالأعراف التي يتواضع عليها الناس.. ويمكن أن نلخص مسيرة البشرية من خلال دورتين: الأولى دورة الحقيقة والثانية دورة الشريعة.. دورة الحقيقة هي الفترة التي ليس فيها رسالة نبوة، وإنما تتحرك البشرية من خلال الصراع في الحياة بوسيلة العقل حسب ما تعطيه الطاقة في الوقت المعين.. فتنبت أعراف اجتماعية من هذا الواقع وتصبح قواعد ثابتة ينبني عليها العمل في تنظيم المجتمع.. وعندما تأتي دورة الشريعة، يقوم النبي المرسل الممدود بواسطة الوحي الملائكي بتنقية تلك الأعراف، فيبقي على الصالح منها ويزيل غير الصالح.. وهنا تكون شمس الشريعة قد سطعت في كبد السماء .. ثم يمضي الزمن فتضيق تلك الشريعة أمام حركة المجتمع الصاعدة، ويدخل الناس في دورة الحقيقة مرة ثانية.. فتنبت أيضاً أعراف جديدة لا تنضبط إلا إذا جاء نبي مرسل جديد بشريعة جديدة، وهكذا تستمر حركة التطور.. إن مثل الأنبياء في التعامل مع الأعراف الاجتماعية كمثل المزارع الذي يزرع القمح فتنبت الحشائش الضارة، فيقوم المزارع بإزالة الحشائش ويترك القمح لينمو.. وإعتماد التشريع على أعراف المجتمع وارد في القرآن بكلمات العرف والمعروف في حوالي تسعة وثلاثين موضعاً، كمثال: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)..
    إن هذه المسيرة لم تتوقف إلى الآن .. وعندما جاء الإسلام في مكة نظر في الأعراف التي تواضع عليها الناس، فأقر ودعم إكرام الضيف وإغاثة الملهوف، وأزال وأد البنات وعبادة الصنم .. ثم أقام شريعته في المدينة من وحي ذلك الواقع، فنسخ القيم التي ثبت بالتجربة العملية أنها أكبر من طاقة المجتمع في ذلك الوقت ولكنه ترك الآيات الداعية لتلك القيم في المصحف بالرغم من أنها معطلة في الحكم .. وبمرور الزمن ضاقت تلك الشريعة عن أن تواكب حركة التطور السريعة، فأستجدت الآن في الحياة الحديثة مفاهيم وأفكار جديدة إنطلقت من التطور في العلم المادي .. إذاً نحن في فترة حقيقة ونحتاج إلى دورة شريعة تعيد شمس الشريعة إلى كبد السماء، فتوجه البشرية التوجيه الروحي المطلوب بنفس القدر الذي كان يقوم به الأنبياء السابقون .. فإذا نهض عارف بالله قوي الحجة مستقيم السيرة فتصدى لهذا التحدي وأخرج من القرآن معالم الشريعة الجديدة، فليس للناس حجة في رفض هذه الدعوة لمجرد أنه ليس نبياً .. وإنما يجب أن ينظروا في قوة الاستدلال بالقرآن والسنة النبوية .. أن الدور الذي كان يقوم به النبي المرسل في الماضي لم يتوقف وإنما توقفت النبوة الممدودة بالوحي الملائكي لحكمة أن الناس يمكن أن يأخذوا المعرفة من القرآن .. هذا هو ما تدعوا إليه الفكرة الجمهورية، وهو بعث آيات الأصول المنسوخة لتكون هي هادية التشريع في وقتنا الحاضر ..
    قلنا أن الإسلام في أصوله أسس الدستور ودعا إلى إقرار مبادئ حقوق الإنسان، في حق الحياة وفي حرية الرأي.. قال تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).. ولما كانت هذه المبادئ أكبر من الواقع نسخت واستعيض عنها بتشريع في مستوى الناس .. فإذا كان المجتمع الآن قد تطور عبر ألف وأربعمائة سنة على دورة الحقيقة، واستجدت أعراف جديدة منها مبادئ حقوق الإنسان نفسها التي إستهدفها الإسلام في بداية أمره، فهل يعقل أن تصد الدعوة الإسلامية الناس عن مقاصدها؟ أن المنطق المستقيم يقول: يجب علينا أن نرجع إلى الآيات المنسوخة ونبعثها لأنها هي مقصود الإنسان بالأصالة، فنتولى الدعوة إلى الدستور ومبادئ حقوق الإنسان نحن المسلمين قبل الآخرين.
    لقد تبني جميع قادة السلفيين في السودان، حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف الستينات، وهم يرون حسب الشريعة السلفية أن الحزب الشيوعي يجب أن يحرم من حقه في الحرية لمخالفته الإسلام في الرأي.. فهم لم يعطوا أي قيمة لما توصل إليه الصراع الاجتماعي من إنجازات في مجال حقوق الإنسان، وهم بالطبع لا يعرفون شيئاً عن شريعة الأصول .. فأخرج د. حسن الترابي كتابه (أضواء على المشكلة الدستورية) يدافع فيه عن مصادرة حرية الحزب الشيوعي، فرد عليه الأستاذ محمود في كتاب (زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1/ الثقافة الغربية 2/ الإسلام )، نقتطف منه هذا الجزء الذي يدور حول الحقوق الأساسية تحت عنوان عقلية الدكتور الترابي:
    (ونحن لا نعتقد أن الدكتنور الترابي ذهب مذهبه في كتابه الغريب بفعل الرغبة أو الرهبة، بقدر ما ذهبه بفعل ضحالة الثقافة وسطحية التفكير .. يمد له في مذهبه كونه مفتوناً بثقافته القانونية أشد الفتون .. ومفتاح عقلية الدكتور ومفتاح ثقافته في هذا الباب يمكن أن يلتمس في فقرات كثيرات من كتابه هذا الغريب، ولكننا نرشح هنا لهذا الغرض قوله من صفحة 16: (وليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه للتفريق بين نص ونص على أساس أن هذا قابل للتعديل، والآخر غير قابل، ولا ما يسند الزعم بأن لفضل الحقوق الأساسية خاصية تميزه في هذا الصدد عن سائر الفصول، فكلها تستوى في قوة مفعولها، وأيما قانوني يقول بمجرد الأهمية النسبية في هذا الفصل أو ذاك في تقديره الشخصي، فإنما هو متكلف لا شاهد له من الدستور، ومغالط لا حجة له من القانون، ومعتبط يتجني على القانون .. ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من أضعفها) .. هذا ما قاله د. الترابي في ذلك الموضع من كتابه، والتماس فتون الدكتور بثقافته القانونية في هذه الفقرة لا يعيي أحداً من القراء، ولذا فإنا سنمضي في تبيين ضحالة الثقافة وسطحية التفكير..ونبادر فنعيد إلى التفكير ما سبق أن قررناه في صدر هذا الباب من أن الدستور إنما هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي، هو القانون الأساسي، وهو إنما سمي قانوناً أساسياً لأنه ينصص على هذه الحقوق الأساسية وإنما سميت الهيئة التي تضع الدستور جميعية تأسيسية لأنها تضع القانون الأساسي، وواضح أن الحقوق الأساسية إنما سميت حقوقاً أساسية لأنها تولد مع الإنسان.. الحياة والحرية، وهي حقوق لأنها لا تمنح ولا تسلب في شرعة العدل.. وهي أساسية لأنها كالغذاء وكالهواء والماء.. ويمكن إذاً أن يقال أن الدستور هو (حق حرية الرأي) وأن كل مواد الدستور الأخرى، بل وكل مواد القانون موجودة في هذا العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة.. فإن النخلة بكل عروقها، وفروعها وساقها موجودة في (الحصاية) تراها عين العقل، فإذا وجدت (الحصاية) الظرف المناسب من التربة والماء خرجت منها النخلة بكل مقوماتها، وأصبحت ماثلة تراها عين الرأس أيضاً بعد أن كانت معدومة في حقها .. وكذلك الدستور، هو موجود بالجرثومة في الحق الأساسي (حق حرية الرأي) وما الجمعية التأسيسية إلا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور، بفروعها وعروقها وساقها، تنطلق من تلك البذرة الصغيرة، كما إنطلقت النخلة من (الحصاية) .. هذا فهم للديمقراطية وللدستور وللحقوق الأساسية يفهمه كل مثقف استطاع أن ينفذ من قشور الثقافة الغربية إلى اللباب ولكن الدكتور الترابي وقف مع القشور حين ظن أن (ليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه في التفريق بين نص ونص على أساس أن هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل) ولو كان الدكتور الترابي قد نفذ إلى لباب الثقافة الغربية لعلم أن المادة 5-2 من دستور السودان المؤقت (56 المعدل 64) غير قابلة للتعديل، وهذه المادة تقول: (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون) وهي غير قابلة للتعديل لأنها هي جرثومة الدستور، التي إنما يكون عليها التفريع.. وهي الدستور، فإذا عدلت تعديلاً يمكن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي فإن الدستور قد تقوض تقوضاً تاماً .. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي إلا على أساس الديمقراطية المزيفة.. وهو ما يبدو أن الدكتور الترابي قد تورط في تضليلها..
    المادة 5- 2 هي دستور السودان المؤقت، وهي دستور السودان المستديم، وهي دستور كل حكم ديمقراطي حيث وجد هذا الحكم الديمقراطي، وعمل الجمعية التأسيسية في وضع الدستور إنما هو تفريع عليها ليجعل تحقيقها أكمل وأتم..
    وهناك قولة قالها الدكتور هي أحدى الكبر في شرعة العقل المفكر والثقافة الصحيحة وتلك هي قوله: (ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من أضعفها لأنه يخضع للتشريع) فعبارة (لأنه يخضع للتشريع) تدل دلالة قوية على أن الدكتور يجهل أموراً ما ينبغي أن تجهل في أمر الحرية وفي أمر التشريع.. وأول هذه الأمور أن الحرية لا تضار بالتشريع، وإنما تزدهر بالتشريع، اللهم إلا إن كان هذا التشريع يقوم على نزوات الحكم المطلق، الذي يسمي نفسه ديمقراطياً زوراً وبهتاناً.. وهذا ما يبدو أن الدكتور يعنيه.. وهذه أحدى مشاكل تفكير الدكتور الترابي، وعبارة (في حدود القانون) التي وردت في عجز المادة 5-2 هي روح المادة، لأن القانون هو الذي يعطي الحرية معناها، ويميزها عن الفوضى.. فالتشريع صديق الحرية وليس عدوها، وكل تشريع غير ذلك لا يسمي تشريعاً، إلا من قبل تضليل الناس.. فالتشريع في النظام الديمقراطي طرف من الدستور وهذا هو المعني بدستورية القوانين... فكل تشريع يعارض الحرية ليس تشريعاً دستورياً..) ... أنتهي.
    نواصل الآن ما جاء في (ديباجة الدستور) حول قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم:
    لقد بدأنا هذا البحث بالحديث عن الديمقراطية .. و لقد جاء الحديث عن الديمقراطية ، بعد الآية العظيمة ، التي صدرنا بها حديثنا هذا ، بدون آيّ مقدمة ، حتى اني لأظن ان بعض الناس قد يستغرب هذا الأمر .. قلنا ان الديمقراطية إنما هي حكم الشعب ، بواسطة الشعب ، لمصلحة الشعب .. و هذا الحكم إنما هو الحكم الباقي.. و هو حكم لم يجد تطبيقه ، إلى اليوم ، و لن يجده إلا في الإسلام .. و إنما من اجل تحقيق هذا الحكم العظيم ، في واقع الناس ، كتبنا هذا الاستقراء لنشأة الحياة ، و نشأة المجتمع ، و مجيء الأديان ، و تعاقبها ، حتى جاء دين التوحيد ، في المصحف الشريف ، الذي رسم خطة العودة إلى الله ، في إطلاقه .. في الإسلام الديمقراطية هي حق الخطأ.. و حق الخطأ هو كمال النشأة البشرية ، علي النشأة الملائكية .. و قد وردت الإشارة إلى ذلك ، و قيل ، وقتها : ان حق الخطأ يمكن الإنسان من ان يكون عالما ، و حرا ، في نفس الأمر .. و الحرية وسيلة الحياة .. و العلم وسيلة الحرية .. و الحياة وحدها هي الغاية في ذاتها ، فأكرم بالحرية من وسيلة ، هي طرف ، من اعظم غاية ــ الحياة ــ و لقد كرم النبي الكريم حق الخطأ ، اعظم تكريم ، حين قال ( ان لم تخطئوا و تستغفروا فسيات الله بقوم يخطئون و يستغفرون فيغفر لهم )).. و ذلك لمكان الحرية ، في الخطأ ، و الصواب .. و لمعزة الحرية ، عند الله ، قال تعالي لنبيه الكريم ( و قل: الحق من ربكم ، فمن شاء ، فليؤمن ، و من شاء فليكفر .. انا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ، و ان يستغيثوا ، يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ، بئس الشراب ، و ساءت مرتفقا ..))هذه هي الحرية ، و هذا هو ثمنها ــ المسئولية .. و الحرية ، في الإسلام ، مطلقة ، لأنها إنما تتضوع من المطلق .. الحرية ، في الإسلام ، هي العبودية لله ( و ما خلقت الجن ، و الإنس ، إلا ليعبدوني )) و يقول ( ان كل من في السموات ، و الأرض ، إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم ، و عدهم عدا * و كلهم آتيه، يوم القيامة ، فردا )) و العبودية هي ان تنعتق من رقك للعناصر .. من رقك للأحياء ، و الأشياء ــ ان تنعتق حتى من سيطرة الزمان ، و المكان عليك ، لتكون عبدا ، خالصا لله ، لا يشاركه في رقك شيء ، علي الإطلاق .. و من ثم قلنا : ان الحرية ، في الإسلام ، مطلقة ، و هي لا تقيد إلا بمقدرة الحر علي القيام بحسن التصرف فيها ..

    40) ان الفرد البشري ، حين قيد نفسه بقيود أعراف المجتمع ــ طائعا أو مكرها ــ إنما من اجل الحرية قيدها .. كأنه تنازل عن بعض حريته ليستمتع بباقيها ، بفضل العيش في المجتمع ، و الانتفاع بالأمن ، و الحب ، و الدفء ، الذي يوفره له المجتمع .. الديمقراطية هي نظام الحكم ، في وقتنا الحاضر ، الذي يجب ان يوفر للفرد البشري كل الحرية التي تمكنه من ان يحقق فرديته ، التي ينماز بها ، عن أفراد القطيع .. و هذه لا تتحقق بمجرد الحرية في الجماعة التي يقوم الحكم الديمقراطي علي توفيرها ، و إنما تتحقق ، بها ، و بالمنهاج التعبدي والتعاملى ، و التعامل الذي يسوق الفرد ، سوقا فرديا ، في طريق الرجعي ، إلى الله ، تبارك ، و تعالي ، حيث صدرنا ، أول الأمر ، في طريق الاغتراب .. (( لقد خلقنا الإنسان ، في أحسن تقويم * ثم رددناه، أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ، و عملوا الصالحات ، فلهم اجر غير ممنون ..)) .. (( فلهم اجر غير ممنون )) يعني ان حبل العودة لهم من (( أسفل سافلين )) إلى (( أحسن تقويم )) موصول، غير مقطوع .. ذلك هو الإيمان ، و عمل الصالحات ــ منهاج العبادة ، و المعاملة .. و لقد قلنا : أننا إنما هبطنا من (( أحسن تقويم )) إلى (( أسفل سافلين )) بالمعصية فنحن ، إذن ، لا نعود إلى (( أحسن تقويم)) إلا بالطاعة ــ هذا هو قانون المعاوضة ــ
    لقد قلنا ، عند حديثنا عن الفطرة ، ان الله فطر الناس علي الحياة الكاملة ، و قلنا ان الحياة الكاملة عالمة ، و هي ، من ثم ، طائعة لله ، لا تعصيه ــ مسلمة له .. و نقول ان معني الإسلام : الاستسلام ــ الطاعة .. قال تعالي ، لأمة المؤمنين ( يا آيها الذين آمنوا !! اتقوا الله ، حق تقاته ، و لا تموتن إلا و انتم مسلمون )) ، أي مستسلمون ، طائعون .. و لقد سبقت الإشارة إلى انه علي الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق ، و انه ليس ، في الأمر التكويني ، معصية ، فليس ثمة إلا الطاعة ، و إنما المعصية في الأمر التشريعي ، و لاشتمال الأمر التكويني ، علي الأمر التشريعي ، فليس هناك معصية ، في الحقيقة ، و إنما المعصية في الشريعة لحكمة التعليم .. فلكأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها إنما هي الطاعة .. و هو ، تبارك و تعالي ، يقول ، في ذلك ( تسبح له السموات السبع ، و الأرض ، و من فيهن .. و ان من شيء إلا يسبح بحمده ، و لكن لا تفقهون تسبيحهم ، انه كان حليما غفورا ..)) و لكن لا عبرة بتسبيح غير العقلاء ، عند الله ، و إنما العبرة ، كل العبرة ، بتسبيح ــ قل بطاعة ــ العقول ، و لذلك فانه ، تبارك و تعالي ، يقول (( و من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ، و هو محسن ، و اتبع ملة إبراهيم حنيفا ، و اتخذ الله إبراهيم خليلا ؟؟ )) و يقول (( و من يسلم وجهه إلى الله ، و هو محسن ، فقد استمسك بالعروة الوثقي ، و إلى الله عاقبة الامور..)) و روح هاتين الآيتين في قوله ( و هو محسن )) يعني يسلم وجهه لله ، و هو عاقل ، و مدرك ، و مختار لهذا الإسلام ــ هو عالم ، و حر ، في ذلك التسليم .. و في موضع آخر يقول تبارك و تعالي ، ( لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد ، من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ، و يؤمن بالله ، فقد استمسك بالعروة الوثقي ، لا انفصام لها ، و الله سميع ، عليم )).. و العروة الوثقي هي القرآن .. قاعدته شريعة ، و قمته حقيقة .. و هو ، بين الشريعة ، و الحقيقة ، موصل إلى الله ، و لذلك قال ( و إلى الله عاقبة الأمور )).. العروة الوثقي هي طرف الحبل الممدود بين الله ، و الناس ، من استمسك به سار إلى الله ..
    41) لقد تحدثنا عن التعليم ، و قلنا : انه ، في جميع المجتمعات ، قد كان محاولة لإعطاء الحي مقدرة علي المؤاءمة بين حياته و بين بيئته .. و قلنا ان المشكلة إنما هي البيئة !! ما هي ؟؟ و لقد فهمناها فهما خاطئا .. و لقد ظل هذا الفهم الخاطئ يلازمنا إلى اليوم ، و إليه ترجع مشاكل المجتمع البشري برمتها و أخطاء تعليمه ، بصورة خاصة .. و لقد قلنا ان العلم المادي التجريبي قد كشف لنا ، بانفلاق الذرة ، ان المادة ، بالصورة التي تألفها حواسنا ، و تعرفها عقولنا ، ليست هناك ، و إنما هي ، لدي التحليل الأخير ، طاقة ، تدفع و تجذب ، في الفضاء .. هذه الطاقة معروفة الخصائص ، مجهولة الكنه ، و ليس في طوق العلم المادي ان يعرف كنهها ، لا الآن ، و لا في المستقبل ، بل انه لا يدعي لنفسه هذه الإمكانية ، بل انه يقرر أنها خارج نطاقه .. هو يقف ههنا و يسلمنا إلى العلم الروحي ــ تؤامه الأكبر ــ ليسير بنا ، أمامه ، في رحاب الوادي المقدس .. هذا هو موقف العلم المادي التجريبي ، بعد ان قطع مراحل التطور البدائية ، من التعدد ، إلى ان وصل إلى الوحدة .. فما هو موقف العلم الروحي التجريبي ، بعد ان قطع مراحل التطور البدائية ، من التعدديات ، إلى ان وصل إلى الوحدة ؟؟ (( كان الله و لا شيء معه .. و هو الآن ، علي ما عليه كان .. )) هذا حديث نبوي شريف .. و في حديث قدسي قال تعالي : (( كنت كنزا مخفيا ، فأحببت ان أعرف ، فخلقت الخلق ، فتعرفت إليهم ، فبي عرفوني .. )) و أصحابنا الصوفية يقولون : (( مافي الكون إلا الله ــ ذاته ، و أسماؤه ، و صفاته ، و أفعاله .. )) .. و أسماء الله ، و صفاته ، و أفعاله ، إنما هي تنزلات من ذاته .. و هي لدي التناهي ، ذاته.. فرجع الأمر إلى صاحب الأمر .. (( ألا له الخلق و الأمر)) .. (( كنت كنزا مخفيا )) ، ذاتا ، صرفا ، مطلقا ، فوق العبارة ، و فوق الإشارة ــ فوق الأسماء و الصفات .. (( فأحببت ان أعرف فخلقت الخلق )).. و لقد كانت أول حركة في الخلق تنزل الذات من الصرافة ــ من الإطلاق إلى القيد ــ إلى مرتبة الاسم، (( الله )) .. و هذه مرتبة الإنسان .. و هي مرتبة (( أحسن تقويم )) التي جاءت الإشارة إليها في قوله ، تبارك ، و تعالي : (( و لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )) .. و لقد خلق الله بالإنسان الأكوان .. فجاء الفتق : (( ثم رددناه أسفل سافلين )) .. (( و أسفل سافلين )) هي أدني ، و أوهن ، صورة التجسيد ، و هي ذرة بخار الماء ــ ذرة غاز الهيدروجين ، و هي في مركز الأرض .. لقد كان الفتق من أعلي عليين إلى أسفل سافلين ــ من ألطف اللطائف ، إلى أكثف الكثائف ، فظهر بذلك النقيضان ، و تحرك بندول الإنسان ، في طريق الرجعي ، من (( أسفل سافلين )) إلى (( أحسن تقويم )) .. و لقد قلنا تحرك بندول الإنسان لأنه ، ما في الكون الحادث ، إلا الإنسان .. ان الاختلاف بين (( أحسن تقويم )) و ((أسفل سافلين )) ليس اختلاف نوع ، و إنما هو اختلاف مقدار .. التوحيد يمنع اختلاف النوع ان يدخل في المملكة ، فلم يبق إلا اختلاف المقدار .. و عن البندول يقول تبارك ، و تعالي : (( الله الذي خلق سبع سماوات ، و من الأرض مثلهن ، ينزل الأمر بينهن ، لتعلموا ان الله علي كل شئ قدير ، و ان الله قد أحاط بكل شئ علما .. )) فالنقيضان هنا هما السموات السبع ، و الارضين السبع ، و البندول الذي يتحرك بين النقيضين ــ بين اللطيف ، و الكثيف ، هو الأمر ــ (( يتنزل الأمر بينهن )) .. و الأمر هو روح الله المنفوخ في الإنسان .. الأمر هو روح الإنسان .. الأمر هو الإنسان حين تتزاوج نفسه مع روحه هذه ــ حين تتم وحدة بنيته .. قال تعالي عن عيسى بن مريم : (( قال : كذلك !! قال ربك : هو علي هين ، و لنجعله آية للناس ، و رحمة منا .. و كان أمرا مقضيا !!))

    42)الإنسان ، من حيث الحجم ، لا يذكر ، إذا ذكرت الأكوان ، و لكنه من حيث القيمة لا يذكر معه شئ ، لأنه هو سيد الأكوان .. خلق الله الإنسان بذاته من ذاته ، و خلق الله بالإنسان الأكوان .. نفخ الله روحه في الإنسان ، و نفخ روح الإنسان في الأكوان .. و قال الله ، تبارك و تعالي ،(( خلقت الإنسان لي و خلقت الأكوان للإنسان .. و قال تعالي ( ما وسعني ارضي ، و لا سمائي ، و إنما وسعني قلب عبدي المؤمن)) .. لقد خلق الله كل شئ بالفتق ــ فتق النقيض من النقيض ــ فجاءت المثاني .. قال تعالي ( و من كل شئ خلقنا زوجين ، لعلكم تذكرون .. )) ثم حرك بندول فكر الإنسان بين النقيضين ليتعلم ، فهو يفهم الضد ، بالضد ــ يفهم الخير ، بالشر .. و قال تعالي : (( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ، مما تنبت الأرض ، و من أنفسهم ، و مما لا يعلمون..)) .. و أعلي الأزواج الذات المطلقة و الذات المقيدة ــ حيث قيدت الذات المطلقة نفسها ، بمحض الفضل ، في مقام الاسم ــ الله ــ الإنسان ــ الذات المحمدية ، التي هي أول قابل لتجليات الذات المطلقة .. فتنزل الذات الصرفة المطلقة لمقام الاسم ــ الله ــ هو أول الحركة ــ أول الفتق ــ أول الزمن ــ و ان كان زمنا يكاد يلحق بالمطلق .. ثم جاء الفتق الثاني من روح الإنسان إلى نفس الإنسان ــ من (( أحسن تقويم )) إلى (( أسفل سافلين )) .. ثم جاءت الفتوق كلها ، ذلك بان كل زوجين إنما هما مفتوقان من بعضهما ، لتقوم الضدية ، و تحدث حركة فكر الإنسان ، بين الضدين ، فيحصل العلم ، (( و من كل شئ خلقنا زوجين ، لعلكم تذكرون .. )) قال ، تبارك ، و تعالي ، : (( يأيها الناس !! اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، و خلق منها زوجها ، و بث منهما رجالا كثيرا ، و نساء ، و اتقوا الله الذي تساءلون به ، و الأرحام ، ان الله كان عليكم رقيبا!! )) .. فالنفس الواحدة ههنا هي نفسه ، تبارك ، و تعالي ، في المكان الأول ، ثم نفس آدم ــ الإنسان ــ في المكان الثاني .. و زوج آدم المخلوقة منه هي حواء ، و عنها جاءت الإشارة في آية ((يس )) بقوله (( و من أنفسهم )) .. و زوج الذات المطلقة ، المخلوقة منها ، هو آدم ، و عنه جاءت الإشارة في آية (( يس )) بقوله : (( و مما لا يعلمون)).. و من لقاء حواء بزوجها آدم جاء الاستمتاع الجنسي ، في علاقة زواج الحقيقة ، و الشريعة ، و جاءت المعارف ، و جاءت الذرية ، من رجال و نساء .. و من لقاء آدم بزوجه الذات الصرفة جاءت العبودية ، و جاءت المعارف .. و من المعارف رجال ، و نساء ــ معارف فكر ، و معارف شعور .. سبحان الذي خلق الأزواج كلها ، مما تنبت الأرض ، و من أنفسهم ، و مما لا يعلمون !!)) و داخل الفتق الثاني ــ من روح الإنسان ، إلى نفس الإنسان ــ تقع كل العوالم ، ما نري منها، و ما لا نري ، و ما نعرف منها ، و ما لا نعرف .. كل العوالم في الإنسان مطوية ، و لقد قال أحد العارفين في ذلك :

    و تزعـــم انك جـــــــرم صغيــــر **** و فيـــــك انطـــــوي العـــالم الأكبـــــر؟؟
    و هذا هو المعني الذي أشرنا إليه ، عندما قلنا : ان الله تبارك ، و تعالي ، قد خلق الإنسان بذاته ، ثم خلق بالإنسان الاكوان.

    43)و عن فتق الأكوان قال تعالي : (( أو لم ير الذين كفروا : ان السموات ، و الأرض ، كانتا رتقا ، ففتقناهما ، و جعلنا من الماء كل شئ حي ؟؟ أفلا يؤمنون ؟؟ )) و لكن هل رأى الذين كفروا : (( ان السموات ، و الأرض ، كانتا رتقا ؟؟ )) نعم !! و لا !! و إلا لما جاز السؤال !! ، رأوا ، لأنهم كانوا في جرم الإنسان .. و بالإنسان خلقت السموات ، و الأرض ، مرتتقة .. و بالإنسان فتقت.. و هم قد كانوا هناك !! و لم يروا ، عندما برزوا ، من جرم الإنسان ، إلى أجرامهم الخاصة بهم ، و التي وقع عليها التكليف الشرعي بالأيمان .. فالحقيقة دائما بين بين ، لا هي في النقيض الأيمن ، و لا هي في النقيض الأيسر ، و إنما هي بينهما ، و يمر عليها البندول ، و هو في حركته يمنة و يسرة ..
    بانفتاق السحابة التي كانت مرتتقة برز الكون ، باجرامه التي لا تحصي .. و الكون كونان ،انفتق أحدهما من الآخر ، وفق السنة الإلهية في خلق الزوجين .. الكون الخارجي ، و الكون الداخلي .. الكون الخارجي هو كون الشموس ، و المجرات ــ كون الشموس الثابتة .. و هي لم تسم (( الثابتة)) لأنها غير متحركة ، فما في الكون الحادث إلا متحرك ، و إنما سميت (( الثابتة )) لأنها محفوظة النسب ، في مواقعها ، رغم حركتها الدائبة ، حول نفسها ، و حول و نحو مركز ، هو نفسه ، متحرك ، يطلب من لا تصح في حقه ، الحركة ، و لا السكون : (( و إن من شئ إلا يسبح بحمده ، و لكن لا تفقهون تسبيحهم !!)) .. و الكون الداخلي هو كون المجموعة الشمسية ــ و هو جيب صغير جدا ، داخل الكون الخارجي .. و لقد كان الكون الخارجي سحابة مرتتقة ، فانفتقت ، فبرزت ، من تلك السحابة ، النجوم ، و الشموس ، و المجرات .. و لقد كان الكون الداخلي سحابة مرتتقة ، فانفتقت ، فبرزت من تلك السحابة شمسنا المعروفة ، و بناتها ، الكواكب السيارة التسعة ــ الأرض ، و الزهرة ، و عطارد ، و المريخ ، و المشتري ، و زحل ، و يورينص ، و نبتون ، و بلوتو .. ومن الناحية المادية فان مركز الكون الداخلي الشمس .. و لكن ، من الناحية الروحية ، فان مركزه الأرض ، لأن الأرض هي موطن الإنسان .. و الإنسان سيد الأكوان .. و كان القدامى ، السذج ، البسطاء ، الطيبون ، يظنون هذا الظن .. فلما تقدم العلم المادي ، و جاء الفلكيون ، المحدثون ، اكتشفوا ان مركز الكون الداخلي ، إنما هو الشمس ، و ما الأرض إلا كوكب سيار ، لا نور له من ذاته ، و إنما هو يستمد نوره من الشمس .. و هذا صحيح ، في المرحلة .. و عندما يجئ الوقت المعلوم .. عندما تتحد المادة و الروح .. فستظهر الأرض الكبرى، من الشمس ، و بناتها ، و منها ، و أهمها ،الأرض .. و يومها تنطفئ الشمس ، و تبرد ، و تنشأ فيها الحياة الأخري .. و تصبح هذه الأرض الكبري هي الكون الداخلي ، و حولها يدور الكون الخارجي ، و الجميع يدور حول المطلق ، حيث لا حول ، يومها يتحقق حلم القدامى السذج ، البسطاء ، الطيبين ، الذين ضحك ، من سذاجتهم ، الفلكيون ، الماديون ، المتحذلقون ، اليوم .. يومها يصبح مركز الكون الداخلي، و الكون الخارجي ، مركز الأرض الجديدة ، الأرض الكبري ــ يصبح المركز المادي ، و الروحي ، واحدا ، لأن المادة ، و الروح ، قد زوجتا ، فبرزت الوحدة ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-11-2007, 08:56 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Dr. Ahmed Amin)

    من أوراق الأستاذ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (الحلقة الأخيرة)
    السياسة هي تدبير أمر الناس بالحق بميزان الدين

    د. محمد محمد الأمين عبد الرازق

    فى ختام هذه الحلقات نحب أن نؤكد أمراً فى غاية الأهمية ، وهو أن الحزب الجمهوري حزب سياسي ، ولكن السياسة عنده لا تنفك عن التربية الدينية ، فالتربية هى الأساس فى كل عمل يقوم به الجمهوريون . وقد كانت حركة الجمهوريين تغير اسمها حسب التحولات السياسية فى البلاد ، ففي فترات الحكم النيابي ، كان الاسم الحزب الجمهوري وفى عهود الانقلابات العسكرية ، الأخوان الجمهوريون.. ومشاركة الجمهوريين بالآراء السياسية المستنيرة أو ببث المعارف الدينية من خلال الكتب التى كانوا يخرجوها إنها تهدف إلى تنوير العقول من أجل حشد الناس فى الطريق النبوي .. هذه هى الغاية : تمليك الناس المنهاج العلمي الذى به يتمكنوا من حل جميع مشاكلهم وليس الهدف تقديم حلول جاهزة لإنسان لا يملك الأرضية التى انطلقت منها تلك الحلول .. ولذلك جاء فى دستور الحزب الجمهوري 1968م وهو الدستور القائم إلى الآن :
    الشعار : الحرية لنا ولسوانا.
    المبدأ : تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة والحرية الفردية المطلقة.
    الوسيلة: قيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية داخل حدود السودان القائمة إلي عام 1934م.
    العضوية: (أ) لكل سوداني أو سودانية بلغ أو بلغت من العمر 18 عاماً.
    (ب‌) لكل مواطن ولد بالسودان أو كانت إقامته به لا تقل عن عشر سنوات لم يغادر خلالها البلاد.
    وجاء فى المذكرة التفسيرية المصاحبة لهذا الدستور ما يلي:
    ( الحزب الجمهوري يدعو إلى مدنية جديدة تخلف المدنية الغربية المادية الحاضرة التى أعلنت إفلاسها بلسان الحديد والنار فى هذه الحروب الطواحن التى محقت الأرزاق وأزهقت الأرواح ). ويتواصل الحديث : ( ودستور هذه المدنية الجديدة ( القرآن ) الذى يقوم بحل المسألة التاريخية التى أعيت حكمة الفلاسفة ، مسألة التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، وحاجة الجماعة الى العدالة الاجتماعية الشاملة ، وسمة هذه المدنية الجديدة ( الإنسانية ) ثم يقول :
    ( وسيبدأ الحزب الجمهوري بتنظيم منزله ، ومنزل الحزب الجمهوري ، السودان بكامل حدوده القائمة الى عام 1934م ، ذلك بأن هذه المدنية الجديدة لابد لها أن تطبق داخل هذه الحدود قبل أن تسترعي انتباه الإنسانية اللاغبة الضاربة فى التيه ، وأول خطوة فى سبيل تطبيقها بعث ( لا إله إلا الله ) من جديد لتكون خلاقة فى صدور الرجال والنساء اليوم كما كانت بالأمس، وذلك بدعوة الناس إلى تقليد محمد ، إذ بتقليده يتحقق لنا أمران : أولهما توحيد الأمة بعد أن فرقتها الطائفية أيدي سبأ وثانيهما تجديد الدين .. ) انتهت المذكرة التفسيرية.
    وهكذا يتضح جلياً أن الحكم الصالح القائم على الدعامات الثلاثة : الديمقراطية ، الاشتراكية والعدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع إلا إذا انخرط الشعب فى مجمله فى الطريق النبوي ، والسبب فى هذا الإصرار على المنهاج هو أن الفشل فى إدارة أمور الناس فى وقتنا الحاضر إنما يرجع فى الأساس إلى فساد الحكام والمحكومين ، أو قل خراب النفوس الداخلي .. ولذلك فإن الإصلاح يبدأ بخلق أفراد نماذج فى السلوك الإنساني ، ثم مجموعة نموذج فى التنظيم الاجتماعي .. وعندما اصدر الحزب الجمهوري صحيفة ( الجمهورية ) لأول مرة فى عام 1954م ، قال فى افتتاحية العدد الأول :
    ( أيها القارئ الكريم : تحيه طيبة .. أما بعد
    فهذه صحيفة الجمهوريين يقدمها لك فتية أمنوا بربهم ، فهيمن عليهم الإيمان على صريح القصد ، فهم يقولون ما يريدون بأوجز أداء ويعنون ما يقولون من الألف إلى الياء … و( الجمهورية ) تطمح فى أن تخلق تقليداً فى الصحافة فى معنى ما يخلق الجمهوريون من تقليد جديد فى السياسة .. والجمهوريون حزب سياسي ولكنهم لا يفهمون السياسة على أنها اللف والدوران .. وإنما يفهمونها على أنها تدبير أمر الناس بالحق وبميزان .. وللجمهورية فى الصحافة رأى ، وهو أنها يجب أن تعين على العلم ، لا أن تمالي على الجهل .. يجب أن تسير أمام الشعب لا أن تسير فى زمرته تتسقط رضاه ، وتجاري هواه ، وتقدم له من ألوان القول ما يلذه ولا يؤذيه .. وقد تعرض الجمهوريون فى نهجهم السياسي للكثير من العنت ، والأذى من جراء مضائهم فيما يرونه الحق ، والعدل .. فهل تتعرض الجمهورية لشئ من الكساد ، من جراء ما ستجافى من التقليد التجاري بتقديم ما يقدم فى سوق النفاق؟ .
    إن هذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا أن نستقيم على الحق .. فقد أنفقنا عمرنا نبحث عنه ، ولا نزال ، فإن وجدناه ، فإنا سنلقاك به صريحاً غير مشوب بتلطيف ، وسيكون عليك أنت أن تختار لنفسك بين وجه الحق ووجه الباطل).
    إن أسلوب الحزب الجمهوري فى العمل السياسي يعتبر تجربة فريدة ليس لها مثيل فى عصرنا الحالي .. فالحزب لم يغب عن الساحة فى تاريخه الطويل بالرغم من أنه لا يخوض الانتخابات العامة ولا يسعى إلى السلطة .. قال الأستاذ محمود ما معناه : إن حركة الجمهوريين تنطلق من مركزية حولها ثلاث دوائر : الأولى هى دائرة الجمهوريين الملتزمين ، والثانية دائرة الأصدقاء الذين توفرت لهم القناعة النظرية ولكنهم لم يطبقوا فى أنفسهم المنهاج ، أما الدائرة الكبيرة فهي دائرة الشعب السوداني .. وفى كل دورة من العمل تتسع هذه الدوائر ، فتأخذ دائرة الجمهوريين من الأصدقاء ودائرة الأصدقاء من الشعب وهكذا إلى أن تصل دائرة الجمهوريين الى نسبة 50% + 1 ، فيتمكنوا من استلام السلطة عبر صناديق الانتخاب الحر ، ثم ينظموا بيت السودان ليكون أنموذجاً للدول الأخرى .. والتركيز هنا ليس على
    ( الكم ) وإنما على ( الكيف ) . وهذا هو المقصود بالالتزام بالمنهاج ، فالتطبيق على مستوى السلطة قد سبقه تطبيق على مستوى تنظيم الجمهوريين .. ولذلك قال الأستاذ محمود : إن أكبر إنجاز أنجزناه فى عملنا هذا هو المجتمع الجمهوري ولو لم ننجز غيره يكفى ..
    السؤال هو : ما هو موقف الحزب من الذين يؤيدونه سياسياً ولا يعتمدون برنامجه التربوي كالعقائد الأخرى والتجمعات العنصرية وغيرها ؟!
    الجواب: باب العضوية مفتوح للجميع بشرط الموافقة على برنامج الحزب المعلن ، بمعنى أن الانطلاق من موقع معين ما هو إلا مرحلة نحو البرنامج الأساسي للحزب ، فكأن العضوية فى هذا المستوى تقع فى دائرة الأصدقاء وليس فى دائرة الملتزمين ، وهى دائرة لها اعتبار فى حدود معينة ، ولا تملك نفس الحقوق التى يتمتع بها من انخرط بكليته فى تطبيق برنامج الحزب التربوي .. الحزب يبحث عن قيم تحقق بوسائل محددة .. العضوية الكاملة لمن يوافق على القيم والوسائل فى آن واحد . فمن تمسك بالقيم وترك الوسائل لا يرفض ومن تمسك بالوسائل لكنه ضعيف فى القيم لا يرفض أيضاً وإنما تعتبر عضويتهما الاثنين فى حدود معينة لا تؤثر على التوجيه الأساسي الصادر من المركزية أو من دائرة الملتزمين.
    إن المركزية التى دارت حولها حركة تنظيم الأخوان الجمهوريين هى التزام المنهاج النبوي تحت ترشيد الأستاذ محمود .. وقد كان المرشد فى حركة متابعة لا تتوقف قط لكل ما يقوم به تلاميذه من حركة داخلية وخارجية ، وكان ينتظر أن تحدث هذه الحركة ثورة فكرية لتثمر ثورة ثقافية ، بها يستقر عمود التوحيد على الأرض فى مستوى جديد يمكن من قيام مجتمع نموذج فى القيم الإنسانية وقادر على تغذية هذه القيم من الالتصاق بالله .. لقد أفرزت هذه التربية اعتقادات وأثمرت علم وتحقيق روحي ، وكان المرشد يستغل ما يظهر من اعتقادات فى شحن الأفراد بالمعرفة ، إذ أن العقيدة ما هى إلا مقدمة للمعرفة ، يتوكأ عليها الضعيف كما يتوكأ المعوق على العصا..
    لقد تحدث الأستاذ محمود عن ما توصلت إليه حركة الجمهوريين فى أخر جلسات بعد الإفراج عنه والمعتقلين من تلاميذه فى 19/12/1984م أي قبل تنفيذ حكم الإعدام بشهر ، وفيما يلى اقتطف بعض ما جاء فى تلك الجلسات ، وقد كان تقييماً علمياً وتوجيهاً لما يقبل من أيام المواجهة مع نميرى ولمستقبل حركة الجمهوريين:
    أولاً: التزام المنهاج: ( ما أصبح عندنا معتقلين داخل المعتقلات ، لكننا كلنا معتقلين خارج المعتقلات … أسوار معتقلنا الجديد هى الغربة .. الغربة البعيشوا فيها الجمهوريين .. وهى فى كل مرة بتزول ، فى مستوى من مستويات زوالها .. ويوم خروجهم من المعتقل الحقيقي هو يوم سقوط الغربة .. يجئ سقوط الغربة برفع واقع الناس للفكرة أو بإنزال الفكرة لواقع الناس .. وبإنزال الفكرة لواقع الناس تحصل الثورة الفكرية .. الجمهوريين ما ببيقوا غرباء فى الوقت داك ، بيبقوا هم الأصل ، والناس بيهطعوا ويجو يدخلوا فى حظيرتهم .. رفع الواقع للفكرة أو إنزال الفكرة للواقع بيقتضى انو الناس يعيشوا الفكرة حتى تصبح ماشة على قدمين بين الناس .. ودا ما نسميه الدعوة بلسان الحال .. الدعوة بلسان الحال أبلغ من الدعوة بلسان المقال .. وما يعملوا الانسان ، ابلغ وأهم مما يقولوا الإنسان .. فرفع الواقع للفكرة ، يعنى الناس يبينوا ليهم واقعهم ، لأنو الناس ، بيكونوا فى غفلة .. الواحد يكون حوله فى مشاكل كثيرة جداً ، لكن لغفلته ، لجهله ، لعدم وعيه ، ما شاعر بواقعه .. ودى عبارة رفع الواقع للفكرة … وبطبيعة الحال ، إنزال الفكرة للواقع دى بتكون واضحة ، فى معنى أنه الفكرة تكون واضحة وجليه للناس .. إنزال الفكرة للواقع ورفع الواقع للفكرة هو البتزول بيه غربة الجمهوريين .. ودأ كله يعنى أنوا الناس عملهم يكون أهم من قولهم .. الناس يبقوا زى ماب تجئ العبارة ، مصاحف فى الدم واللحم ماشه .. أخلاقهم هى اخلاق القرآن ، ود بيجي بالتعلق الشديد ، والاحترام الشديد ، والحب الشديد ، للقرآن والنبي.
    فغربتكم قد تطول او قد تقصر على مدى ما تبذلوه من صدق فى العمل الداخلي ، عشان ما تكونوا بلسان حالكم دعاة ، والخارجي لتكونوا معلمين … ودا مصيركم وقدركم .. لكن الغربة دى لمن تنتهي ، الناس مقاماتهم بتكون أتحددت .. الفرص للعمل البتغير المقامات دى فى فترة الغربة .. ولذلك فترة الغربة دى ، الناس لازم يشوفوها فرصة زى ما شافوا الأخوان اعتقالهم فرصة .. لمن دخلوا خلف الأسوار كانوا فرحانين ، دخلوا المعتقلات فرحانين .. وهم عارفين بأنهم جايين على قدر ليخلوا لى الله ، وكانت الكتابات البتجى ، والأقوال البيقولوها كلها فى الاتجاه دأ .. فما حزنوا ما ضاقوا ما قلقو ، وهم خلف الأسوار ، لأنهم شاعرين بالمعية مع الله .. دى الخلوة .. لمن نقول الجلوة والخلوة ، معناها أن ننقل حالة الانحصار البنلقاها فى الخلوة لتكون فى الجلوة .. أنت وسط الناس ، وأنت منحصر .. أنت من أعلاك مع الله من أسفلك مع الناس .. كأنك أنت عندك وجهين : وجه مما يلى الله ، ووجه مما يلي الناس .. عبادة ومعاملة ، الأثنين يقومن مع بعض وما بتكون واحدة ناجحة بدون الأخرى .. هسع الناس من الجلسة دى ، ينقلوا أسوارهم من الحيطان الكانوا خلفها ، إلى أن تكون الأسوار هى الغربة .. ونحن كلنا فى المعتقل دا .. الأخوان الوجدوا فرصة أسوار الطوب والحجر ، يقدروا يكون عندهم تصور أكثر لموضوعهم .. الأخوان ألما دخلوا فى الطوب والحجر ، كان واضح برضوا إنجازهم وتخيلهم لأخوانهم الهناك .. إذا كانت المسألة دى احتاجت لدعم زيادة ، يكون عمل الناس المارسوا ممارسة حسية فى أن كانوا خلف الأسوار ، يكون زيادة شوية بأن ينقلوا لأخوانهم، مشاهدهم الكانوا فى الداخل .. لكن منذ اللحظة دى ، الجمهوريين خرجوا من المعتقلات التقليدية الوراء الحيطان ليكونوا فى المعتقل الكبير اللى هو أنهم غرباء .. وان غربتهم دى بترد .. ويوم ترد غربتهم بيكون نصرهم المبين .. وأنو الغربة بترد فى داخل الإنسان ذاتوا ، فى أن يكون ما يقولوا يعملوا .. أن يكون نظره للداخل نظر دقيق ومحاسبته لنفسه محاسبه دقيقة .. أن يعايش نفسه يعرف نفسه ويلتزمها ، ويفكر فى نقائصها ، ليتوجه بيها لى الله ليصلحها ليهو .. الإنسان لمن يعرف نقائص نفسه يكون يسأل الله بلسان الحال .. والله لمن يسأل بلسان الحال يستجيب حتى للكافر : (( أمن يجب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )) .. المضطر دا مش المؤمن المسلم .. أي مضطر .. (( قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما..)) شوف جاب ليهم التكذيب .. لكنوا بيعبا بيهم .. لولا دعاؤهم بلسان الحال ربنا ما بيعبا بيهم .. الدعوة بلسان المقال ما بيعبا بيها ربنا ، إلا إذا كانت مصحوبة بأنوار القلوب .. بعدين أنوار القلوب تمش لقدام فى الدعاء لغاية ما تبقى لسان حال .. يعنى مضطر ..
    ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) تجئ مع ( قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما.. ) الإنسان البنظر فى داخله بيعرف عيوب نفسه .. ودى الحاجة المهمة جداً .. الفكر نحنا بنقول ، الفكر مش هو فى السموات والأرض .. الفكر فى السموات الداخلية والأرض الداخلية .. الفكر فى عيوب النفس .. دا هو البيجى بيهو الخير .. لأنه بيكون دعوة بلسان الحال .. أنا افتكر أنو الجمهوريين يستشعروا الصورة دى ، أنهم هم فى معتقل والمعتقل دا أسواره الغربة .. وأنو يحاولوا أن يرفعوا الغربة بأن يكونوا مقنعين للناس الحولهم بلسان حالهم وبلسان مقالهم).
    ثانياً: مواجهة مايو: (سمعنا مؤكد كلام طيب جداً من رؤساء المعسكرات الثلاثة عن التجربة .. وعن رأيهم فى اتجاه عام لمقبل الحركة .. حركة الجمهوريين .. الحاجة الإنسان قوى الثقة بالله فيها أن الجمهوريين ما يلقوا إلا ما يقويهم ويزيدهم ويجهزهم لأمرهم بالمرة .. زى ما حصل الاعتقال الناس مشوا ليه مسرورين وفرحانين ، وعاشوه مسرورين وفرحانين ، وخرجوا منه مسرورين فرحانين .. لكن من المؤكد أنو نحن مقبلين على حركة عايزة تشمير أكثر .. بنقصرها يقدر ما نشمر .. نحن خرجنا برضو فى وقت ، الشعب واقع عليه شئ كثير جداً من الاضطهاد ومن الظلم ومن الجوع .. من الجوع بصورة محزنة .. بعدين السلطة فى أضعف أوقاتها .. حاجة مربوكة .. السلطة مربوكة ما عارفة تعمل شنوا .. الهوس الديني لضعف السلطة ، افتكر أنه هو قريب من السلطة.. والهوس الديني من المؤكد أنو بيستهدف الجمهوريين .. ما عنده اعداء غير الجمهوريين ، حتى ولا السلطة .. ولذلك أنا افتكر أن الأيام المقبلة راح تكون أيام عراك .. لكن العراك ما بضركم بأى حاجة .. راح يقويكم ويزيد قاماتكم ، بس لأنو المشوار طويل ، مش بحساب الزمن .. بحساب القامة الروحية .. القامة الروحية المطلوبة كبيرة جداً .. إذا كان نحن أيقنا بأن الفكرة الجمهورية هى الدين .. وأنو الدين عائد بغرابة ، غرابة شديدة وأنو عائد ليكون فى قامة هى قامة كوكبية .. زى ما المجتمع البشرى هو مجتمع كوكبي وكله محتاج للدين .. لابد أنو الناس البيرفعوا المشاعل دى يكونوا قامات عالية جداً .. كل العوامل بتضافر لترفع القامات دى .. لكن بقدر ما نجود ، بقدر ما نغير أنفسنا ، نحن بنقصر المشوار دا .. واحد من مشايخة الأحمدية ، الشيخ البشير فى الحقنة ، أدى واحد من تلاميذه اسم عشان يكرروا فى سبحته قالو : أعملو كم يا مولانا ؟ قال ليه : إن كنت من أهل التوحيد أعملوا مرة واحدة .. الناس بيعملوا عدد السبعين عشان يكون فى واحد صاح .. هسع الجمهوريين أمامهم المشوار دا .. إما الحكاية بتبقى سبعين ألف أو تبقى واحدة .. فإذا كان كل واحد عرف مسئولية وخطورة القامة المطلوبة منه ، والمقام المطلوبة أن يملاه ، وعكف على نفسه افتكر المشوار قصير .. لكن لابد أن يكون فى تغيير جوّ .. المعركة الجمهورية هى كلها هى معركة روحية .. أنتو تنتصروا انتصار روحي .. زى ما بنقول معركة الجمهوريين فى سجادة الثلث .. دى عبارة بتقال دائماً .. بطبيعة الحال الناس كلما يمشوا لقدام زى البيجمعوا قوة ، وسرعتهم بتبقى أكثر لأنو فى أنوار استجمعت .. بجيكم وقت الأنوار الاستجمعت دى فجأة تشتعل .. زى حكاية : ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) بعد الستة أطوار : ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) فانتو هسع الناس الخرجو من المعتقلات ، والناس المعتقلين فى البيوت ، وفى المكاتب ، وفى كل جهة .. وكل جمهوري هو فى الحقيقة معتقل .. كل جمهوري هو غريب على المجتمع دا .. والغربة بطبيعة الحال بتخلى الإنسان ينظر لداخله أكثر مما ينظر لخارجه .. ويشعر بانو هو مقصود بالعداوة ، وأنو ما عنده لمواجهه العداوة غير الالتصاق بالله .. وأنا أفتكر فى الأيام المقبلة راح تشعروا بالحاجة لى الله أكثر مما شعرتوا بيها فى أى وقت .. المسألة البتحوجكم لى الله هى مسألة لخيركم ما فى أى كلام .. وانا مستبشر للمسألة دى تماماً.. نحن فى منعطف جديد .. افتكر أنو الناس يأخذوه بالجد اللازم ، والعمل اللازم ، وماب تلقوا العمل دا نار ، بتلقوه نور ، نور أخضر ، بارد ، ولذيذ وممتع .. فالناس أحسن يعكفوا فعلاً بالصدق فى مواجهة أمرهم .. وخيركم قريب .. أصلوا ما فى أدني شك .. وما يجرى ليكم إلا ما يزيدكم قوة وقرب والتصاق بي الله).
    ثالثاً: الهيكل التنظيمي: ( تنتظم الجلسة وهى الجلسة المسائية الثانية بعد الإفراج عن المعتقلين . اليوم الجمعة 21/12/1984م يوافق 22ربيع الأول 1405هـ . الجلسة دى مخصصة لدراسة المشروع الذى أعدته اللجنة الانبثقت من الاجتماع العام .. انبثقت عن الهيئة الاتكونت فى الاجتماع العام .. واللجنة قامت بدراستها ، اتقدمت بها للهيئة ، الهيئة أجازتها .. اللجنة اجتمعت مرة ثانية ، زى ما سيفصل ليكم سعيد ، وأجازتها فى صورتها النهائية ..) انتهى.. ( ملحوظة : اللجنة تكونت من عشرة من الأخوان القياديين ، والهيئة تكونت من 62 وهم المعتقلون مضافاً إليهم القياديون اللذين كانوا خارج المعتقل ، والاجتماع العام هو الذى يضم جميع الأخوان والأخوات الجمهوريين .. هذا هو الهيكل المشار إليه).

    فى ختام هذه الحلقات الشكر والتقدير لكل الذين اطلعوا عليها والذين ناقشوا موضوعاتها ، وأقدم فى ما يلي الجزء الأخير من ( ديباجة الدستور):
    46)البيئة بيئتان : بيئة طبيعية ، من العناصر الصماء ، فى الأرض ، و فى السموات ، و بيئة اجتماعية ، من جميع الأحياء ، من لدن حيوان الخلية الواحدة ــ سواء أكانت خلية حيوان ، أو خلية نبات .. و البيئة مع ذلك ، وحدة متحدة ، الاختلاف بين أعلاها ، و هو الإنسان ، و أسفلها و هو ذرة بخار الماء ، إنما هو اختلاف مقدار .. هذا يعنى أن أصغر جزيئيان المادة ، إنما هى على صورة الإنسان ، و هي الإنسان ، في طور من أطوار نموه ، نحن لا نعرفه ، كما إنا لا نعرف الإنسان ، و هو فى طور الحيوان المنوي .. نحن لا نعرفه إلا بعد ان يولد ، بشرا ، سويا ، بعد مكث تسعة أشهر ، و بضعة أيام ، فى الرحم .. أن البيئة ــ سواء أكانت طبيعية ، أو اجتماعية ــ إنما هى مظهر الله العلى .. لقد تنزلت الذات العلية من صرافتها إلى مراتب الأسماء و الصفات .. تنزلت إلى مرتبة الاسم الله و بهذا الاسم قامت الأسماء و الصفات و الأفعال .. و أعلى هذه الأسماء : الله ، الرحمن ، الرحيم .. ثم يجئ ثالوث الأسماء : العالم ، المريد ، القادر .. و بهذا الثالوث ، بصورة ندركها أكثر مما ندرك ثالوث الأسماء الأول ، ظهر الخلق ــ ظهرت البيئة .. و نحن ، إنما ندرك هذا الثالوث أكثر مما ندرك الثالوث الأول ــ الله ، الرحمن ، الرحيم ــ لأن عندنا فيه مشاركة ، أكثر مما عندنا فى الثالوث الأول .. فنحن ، كل منا ، قد خلقه الله عالما ، و مريدا ، و قادرا ، فى المستوى الذى يليق بنا .. و إنما برزت البيئة الطبيعية ، و الاجتماعية ، إلى الوجود بهذه الأسماء الثلاثة .. فالله ، تبارك ، و تعالى ، قد أحاط بها علما ، و قد خصص الصورة الأولى منها إرادة ، و قد جسدها ، بالصورة التى تؤثر على حواسنا ، و عقلنا ، قدرة .. فهو بالعلم أحاط بالمخلوقات ، و بالإرادة خصص صورتها المحددة ، و بالقدرة أبرز هذه الصورة فى عالم الأجساد.. هذه صورة خلق الله .. و تشبهها صورة خلق الإنسان .. فالنجار ، تكون فى عقله صورة للتربيزة التى يريد صنعها ــ تكون فى علمه ، بصورة عامة .. فإذا أخذ قلما ، وورقة ، فرسم ارتفاعها ، و أبعاد قرصها ، و حجم أرجلها ، فقد خصص صورة العلم ، بالإرادة .. فإذا أخذ أدوات نجارته ، و بدأ فى تجهيز أجزاء التربيزة من الخشب الخام الذى فى ورشته ، إلى أن جمعها على بعضها ، فقد أبرز التربيزة، بالقدرة ــ أحاط بالتربيزة بالعلم ، و خصصها بالإرادة ، و أبرزها بالقدرة .. هذا هو المعنى المقصود من قول المعصوم : (( إن الله خلق آدم على صورته )) .. و قد سبقت إلى ذلك الإشارة.. فالله ، تبارك ، و تعالى ، حي ، و عالم ، و مريد ، و قادر ، و سميع ، و بصير ، و متكلم .. و هكذا قد جعل الإنسان حيا ، و عالما ، و مريدا ، و قادرا ، و سميعا ، و بصيرا ، و متكلما .. الإنسان يعلم بالعقل ، و يريد بالهمة ، و يقدر بالعضلات .. و لكن الله ، تبارك ، و تعالى ، لا يفعل بالجارحة ، و إنما يفعل بالذات .. فهو تبارك ، و تعالى ، يعلم بذاته ، و يريد بذاته ، و يقدر بذاته .. و هو قد خلق العالم بثالوث الأسماء ـ العالم، المريد ، القادر .. يمكن أذن أن نقول : إن العالم هو تجسيد علم الله .. يمكن أن نقول : أن العالم هو تجسيد ذات الله ، فى مستوى التنزل ، فى منازل القرب ، من عقل الإنسان ــ فى مستوى القدرة ــ و ذلك من أجل أن يفهم الإنسان .. (( اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ و ربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم..)) علمه بقلم القدرة .. و ذلك القلم الذى أبرز المعاني إلى عالم المباني ــ عالم الأجساد .. تحرك العلم إلى القدرة ، و تحركت بينهما ، الإرادة .. و ما دمنا نتحدث عن الفتق ، بعد الرتق ، فى الخلق ، فلنواصل تعبيرنا فى امر تنزلات ألأسماء العلية : فقد كانت الإرادة والقدرة مرتتقتين ، فى العلم ، فإنفتق العلم عن القدرة ، وهى تمثل النقيض ، لأنها فى جانب التجسيد ، وتحرك البندول ــ وهو الإرادة ــ بين العلم والقدرة .. فالإرادة صفة وسطى ، من أعلاها العلم ، ومن أسفلها القدرة ، وهى تمثلهما ، كلتيهما ، كما يمثل كل وسط ، الطرفين الذين يكتنفانه .. وعلى هذا يمكن القول بأن الله تبارك وتعالى قد خلق العالم ــ البيئة الطبيعية والاجتماعية ــ بالإرادة .. البيئة مظهر إرادة الله .. والإرادة " ريدة " والريدة عندنا نحن السودانيين ــ محبة .. العالم " محبة " والله " محبة " ولم يجعل الله فى العالم بغضا وعداوة إلا لحكمه تعليمنا نحن .. والتعليم يبدأ من الجهل ــ وكذلك بدأنا نحن بنى البشر نتعلم من الجهل ونسير بتسيير الله لنا من الظلام إلى النور ــ من الجهل الى العلم .. وما خلق الله الظلام إلا لنتعلم نحن بالضد .. قال تعالى (( ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون )) خلق الظلام لنعرف النور وخلق الشر لنعرف الخير وعندما نفهم لا يبقى إلا العلم ولا يبقى إلا الخير : (( ما يفعل الله بعذابكم ، إن شكرتم ، وآمنتم .. وكان الله شاكرا عليما .. )) والله هو الذى يسيرنا من الجهل الي العلم ومن الظلام الي النور .. (( والله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور .. )) .. (( آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الي النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد .. )) .. (( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات الي النور وذكرهم بأيام الله أن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور .. )) ..

    47) لقد خلق الله ، تبارك ، وتعالى ، الإنسان ليكون عالما ، وحرا ، وحيا ، حياة لا موت فيها ، وهكذا والاه بالتعليم ، وفرض عليه العلم فرضا : (( يأ أيها الإنسان !! إنك كادح إلى ربك ، كدحا ، فملاقيه .. )) أردت ، أو لم ترد !! فإنه ما من ملاقاة الله بد !! ولا تكون ملاقاة الله إلا بالعلم .. ولقد خلق لنا الله العالم لنتعلم منه ، وفيه .. وقد سيرنا الله بالعالم ــ بالبيئة تسييرا .. لقد خلق الله العالم كله مطيعا ، ومجبولا على الطاعة .. وخلق الناس ، وأعطاهم حق المعصية ، والطاعة ، ليصلوا الي الطاعة عن طريق العلم ، والحرية : (( الم تر أن الله يسجد له ، من فى السموات ، ومن فى الأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والجبال ، والشجر ، والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب ، ومن يهن الله ، فما له من مكرم ، ان الله يفعل ما يشاء ؟؟ )) .. (( وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب )) ، هذا لمكان الطاعة ، والمعصية التى متع الله ، تبارك ، وتعالى ، بها الإنسان .. كل الوجود مسلم لله : (( افغير دين الله يبغون ، وله اسلم ، من فى السموات ، والأرض ، طوعا ،وكرها ، وإليه يرجعون ؟؟ )) .. هذا هو الإسلام العام ، له يخضع كل العالم ، ولا يشذ عنه شاذ ــ هذا هو إسلام الأجساد .. وهناك الإسلام الخاص ، وهو إسلام العقول ، وفيه تقع المعصية ، وتقع الطاعة ، ولذلك قال ، فى الآية السابقة ، بعد أن ذكر سجود كل شئ لله ، قال ، من الناس : (( وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب )) ، إشارة الي الطاعة ، والمعصية .. وليس للإسلام العام ــ ليس بالطاعة فى الإسلام العام عبرة عند الله ــ وإنما العبرة عنده بالطاعة فى الإسلام الخاص ــ العبرة عنده بالطاعة طوعا ، واختيارا ، لا كرها ، واقتسارا .. (( ومن أحسن دينا ممن اسلم وجهه لله ، وهو محسن ، واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، واتخذ الله إبراهيم خليلا ؟؟ )) وروح الآية في عبارة (( وهو محسن )) اى مختار ، ومدرك ، لإسلام وجهه لله ..


    محمود محمد طه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-08-2007, 04:28 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)


    "42"

    الإنسان، من حيث الحجم، لا يذكر، إذا ذكرت الأكوان، ولكنه من حيث القيمة لا يذكر معه شئ، لأنه هو سيد الأكوان‏.‏‏. خلق الله الإنسان بذاته من ذاته، وخلق الله بالإنسان الأكوان‏.‏‏. نفخ الله روحه في الإنسان، ونفخ روح الإنسان في الأكوان‏.‏‏.
    وقال الله ، تبارك وتعالي،((خلقت الإنسان لي وخلقت الأكوان للإنسان))‏.‏‏. وقال تعالي: ((ما وسعني ارضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن))‏.‏‏. لقد خلق الله كل شئ بالفتق - فتق النقيض من النقيض - فجاءت المثاني‏.‏‏. قال تعالي: ((ومن كل شئ خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون ‏.‏‏.)) ثم حرك بندول فكر الإنسان بين النقيضين ليتعلم، فهو يفهم الضد، بالضد - يفهم الخير، بالشر‏.‏‏. وقال تعالي: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون‏.‏‏.))‏.‏‏. وأعلى الأزواج الذات المطلقة والذات المقيدة - حيث قيدت الذات المطلقة نفسها، بمحض الفضل، في مقام الاسم - الله - الإنسان - الذات المحمدية، التي هي أول قابل لتجليات الذات المطلقة‏.‏‏. فتنزل الذات الصرفة المطلقة لمقام الاسم - الله - هو أول الحركة - أول الفتق - أول الزمن - وإن كان زمنا يكاد يلحق بالمطلق‏.‏‏. ثم جاء الفتق الثاني من روح الإنسان إلى نفس الإنسان - من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين))‏.‏‏.
    ثم جاءت الفتوق كلها، ذلك بان كل زوجين إنما هما مفتوقان من بعضهما، لتقوم الضدية، وتحدث حركة فكر الإنسان، بين الضدين، فيحصل العلم، ((ومن كل شئ خلقنا زوجين ، لعلكم تذكرون‏.‏‏.))‏.‏ قال، تبارك، وتعالي: ((يا أيها الناس!! اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا، ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به، والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا!!))‏.‏‏.
    فالنفس الواحدة ههنا هي نفسه، تبارك، وتعالي، في المكان الأول، ثم نفس آدم - الإنسان - في المكان الثاني‏.‏‏. وزوج آدم المخلوقة منه هي حواء، وعنها جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله ((و من أنفسهم))‏.‏‏. وزوج الذات المطلقة، المخلوقة، هو آدم، وعنه جاءت الإشارة في آية ((يس)) بقوله: ((ومما لا يعلمون))‏.‏‏. ومن لقاء حواء بزوجها آدم جاء الاستمتاع الجنسي، في علاقة زواج الحقيقة، والشريعة، وجاءت المعارف، وجاءت الذرية، من رجال ونساء‏.‏‏.
    ومن لقاء آدم بزوجه الذات الصرفة جاءت العبودية، وجاءت المعارف‏.‏‏. ومن المعارف رجال ونساء - معارف فكر، ومعارف شعور‏.‏‏. ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون!!)) وداخل الفتق الثاني - من روح الإنسان، إلى نفس الإنسان - تقع كل العوالم، ما نري منها، وما لا نري، وما نعرف منها، وما لا نعرف‏.‏‏. كل العوالم في الإنسان مطوية ولقد قال أحد العارفين في ذلك:
    وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟؟
    و هذا هو المعنى الذي أشرنا إليه، عندما قلنا: إن الله تبارك، وتعالي، قد خلق الإنسان بذاته، ثم خلق بالإنسان الاكوان‏.‏
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-08-2007, 08:28 AM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    الإخوة والأخوات بالموقع
    تحياتى
    أقدم لماكتبه الأخ الدكتور محمد محمد الأمين عبد الرازق فى جريدة الصحافة ، حول ديباجة دستوالسودان للأستاذ محمود محمد طه.
    هذه الدراسة المرفقة ، هى مناقشة لديباجة الدستور السودانى ، والتى كتبها الأستاذ محمود محمد طه قبل فترة من إستشهاده فى سبيل حرية السودان ، وقد أوردها الأخ عمر عبد الله فى بداية هذا البوست ... وقبلها ، وفى عام 1955 كتب كتابه ( أسس دستور السودان ) المعروف والذى مازالت الحوجة له ملحة ، فهو قد وضع فى إعتياره التعددية فى ثقافات أهل السودان ، بصورة سبقت كل ما ذهب إليه الساسة الذين جاءوا بعده وبصورة لو أخذ به هؤلاء الساسة ، لجنبوا السودان كل هذا الصراع المميت والذى ماكان إلا نتيجة لجهل الساسة وتغليب أغراضهم الشخصية والحزبية على المصلحة العامة ( الكتاب بموقع الفكر الجمهورى www.alfikra.org ) .

    وإلى الدراسة :

    للحوار: آخر ما كتب الاستاذ محمود محمد طه داخل المعتقل(1)

    ***

    من اوراق الأستاذ/ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (1)
    التقييم العلمي لمسيرة الديمقراطية عبر التجارب المعاصرة داخلياً وخارجياً

    د/ محمد محمد الأمين عبد الرزاق

    ابتدر الأستاذ/ عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني السابق جلسة حوار مع الأستاذ محمود محمد طه بعبارة: (لا أقول تركت الماركسية ولكن أستمع بذهن مفتوح !!). من المؤكد أن هذه الكلمات تعبر عن وعي عميق بأهمية وضرورة الحوار الفكري من أجل إحداث تغيير جذري في حياة الناس الفردية والاجتماعية .. أكثر من ذلك ، فإن هناك قيمة أساسية تبرز بين كلمات زعيم الشيوعيين السابق ، وهي نبذ التعصب المذهبي المعوق لتطور الفرد الفكري .. قبل سنوات عندما كان الحوار يدور حول السلام استمعت إلى عبارة وردت على لسان السيد/ علي عثمان محمد طه في مقابلة تلفزيونية وهي: (توصلنا إلى قناعة بأن الحقيقة ليست في مربع واحد !!) .. وهي عبارة تدعم برنامج التلاقح الفكري بين المذاهب المختلفة نظرياً فقط ، وذلك لأن واقع الأجهزة الرسمية تحت قيادة السيد/ علي عثمان بعيدة كل البعد عن ما يمكن أن يعطيه من يكون على هذه القناعة عملياً ، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة والحركة الشعبية في يناير 2005م ، والدستور الانتقالي القائم اليوم..
    لقد كان الأستاذ محمود محمد طه يعول على المثقفين كثيراً ، ويحثهم على أن يقوموا بدور فعال في إنقاذ الشعب من دوامة الفشل والمعاناة والضياع الذي يتعرض له على يد الطائفية والهوس الديني .. وكان ينعى على اليساريين انطلاقهم من غرفة الفكر العلماني لمواجهة الهوس الديني ، إذ أن هذا المنهج سيترك الشعب فريسة سهلة ولقمة سائغة في فم المهووسين دينياً ، وهذا ما نراه اليوم واقعاً معاشاً حتى أصبحنا ننتظر الخلاص من التدخل الأجنبي !!.
    إن توقيع اتفاقية السلام في التقييم العلمي إنما يعتبر مجرد إعداد للمسرح لتتم عليه عملية التوعية الفكرية بالإسلام في مستوى الرسالة الثانية من الإسلام، أو الإسلام في مستواه العلمي الذي به وحده يمكن اقتلاع الهوس الديني من داخل النفوس .. ذلك بان الإسلام سلاح ذو حدين: إذا استخدمته استخداماً صالحاً فإنه يحل جميع مشاكل الفرد والمجتمع أما إذا ارتد عليك بحد الهوس فإنه يقضي على الأخضر واليابس..
    وفي فترة الديموقراطية الثانية تمكنت الطائفية بالتحالف مع الهوس الديني من حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان عام 1965م ، ثم أقامت محكمة الردة عام 1968م للأستاذ محمود وحكمت عليه غيابياً بالردة في انتظار الدستور الإسلامي المزعوم .. ثم واصل التحالف مخططه لإجازة الدستور الإسلامي المزيف الذي لا علاقة له بالإسلام من أجل تصفية الخصوم السياسيين الذين يخالفونهم الرأي .. وعندما وصلت الجمعية التأسيسية مرحلة إجازة الدستور المتخلف هذا في القراءة الثانية وكاد أن يصل إلى المرحلة النهائية جاءت مايو وكانت بمثابة إنقاذ للبلاد من مؤامرة تستهدف وحدة البلاد .. جاءت مايو بدعم من اليسار السوداني المنكوب بالديموقراطية .. هذا وقد أيد الأستاذ محمود محمد طه انقلاب مايو على قاعدة أخف الضررين وقال: (كنا أمام خيارين مايو أو الطائفية والهوس الديني لأننا ما عندنا فرصة نقيم النظام الذي نريده فاخترنا مايو على قاعدة أخف الضررين) .. واستمر الحال إلى أن وقعت مايو نفسها في مستنقع الهوس الديني لتستمر في السلطة التي تهاوت من كل جانب ، فتصدى لها الأستاذ محمود دافعاً نفسه في مواجهتها فداء للشعب السوداني في 18/1/1985م .. وهكذا ظلت العاطفة الدينية هي المطية التي يمتطيها كل متسلط يريد أن يستمر في السلطة على حساب مصالح الشعب المهدرة أمام كل مفكر حصيف ..
    إن التجربة العملية عند الأستاذ محمود تعتبر رافد أساسي من روافد التوعية إلى جانب الحوار الفكري .. وكل تجربة لا تورث حكمة تكرر نفسها .. ومن خلال تجربة الحركة الإسلامية السلفية في السلطة منذ عام 1989م انتهينا إلى توقيع اتفاقية السلام في 9/1/2005م .. هذه الاتفاقية لا سند لها في الفهم السلفي ، إنما السند في الإسلام كما يطرحه الفكر الجمهوري .. ففي الشريعة السلفية التي طبقت في القرن السابع الميلادي ، والتي يعتمدها السلفيون على اختلاف ألوانهم ، المسلم لا يساوي غير المسلم ، والمرأة لا تساوي الرجل وليس فيها أي فرصة تعطي إقرار حق المواطنة بالصورة التي تمت وأجيزت في اتفاقية السلام .. فإذا استطعنا بقناعتنا الجديدة التي فرضها الواقع العملي ، أن نتجاوز المفاهيم التي تعطيها تلك الشريعة السلفية فلا بد أن نبحث عن سند من القرآن نتخذه ركيزة لتثبيت هذه الاتفاقية .. هذا السند متوفر ومبوب في كتب الأستاذ محمود محمد طه فيما سمي بالرسالة الثانية من الإسلام ..
    لقد كتب الأستاذ محمود في أخريات أيامه (ديباجة الدستور) وأخرجها للجمهوريين من داخل معتقلات مايو في أكتوبر 1984م .. نقتطف منها هذا الجزء الخاص بمراحل تطور الحكم الوطني في السودان خاصة فترات الديموقراطية:

    (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ))
    (1) كلمة "الديمقراطية" كلمة يونانية .. و هي كلمة يدل بها علي: حكم الشعب بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب.. و لقد تطور مدلول هذه الكلمة بتطور مدلول كلمة الشعب.. فان كلمة الشعب كانت تضيق، علي عهد اليونان، فلا تشمل النساء ، ولا العبيد.. ثم اخذ معناها يتسع، علي مر الزمان، بفضل الله، ثم بفضل يقظة المستضعفين في الأرض، حتى اصبح،في آخر القرن الماضي، يشمل المواطنين جميعا من الرجال البالغـين سن الرشد. ثــم تداعـي التطور بكلمة الشعب هذه حتى اصبـح، في القـرن الحاضـر ، عند البــلاد التي تــمارس الديمقراطية، يعني كل المواطنين، من رجال ،و نساء منذ يبلغون سن الرشد..

    2)و لما كان حكم الشعب ، بواسطة الشعب ، من الناحية العملية ، مستحيلا ، فقد جاء الحكم النيابي، و نشأت الأحزاب السياسية.. و في الحكم النيابي قلة قليلة جدا هي التي تباشر ، نيابة عن الشعب ، السلطة التشريعيـة ، و السلطة القضائية ، و السلطة التنفيذية.. و المفترض ان الشعب يراقب هذه القلة حتى يطمئن إلى إنها، إنما تدير دولاب السلطة لمصلحته هو ، لا لمصلحتها هي . و هذا أمر يقتضي وعي الشعب، و يقتضي وعي القلة التي تباشر السلطة ايضا.. و ليس هناك شعب من الشعــوب ، إلى وقتنا الحاضر، استطاع ان يكون في مستوي الوعي الذي يمكنـه من مراقـبة أداء من يتولـون ، نيابة عنه ، إدارة مرافقه بصورة تقرب ، و لو من بعيد من مستوي الحكم الديمقراطي بمعني هذه الكلمة.. و ليست هناك، إلى وقتنا الحاضر ،قلــة، في اى شعب من شعوب الأرض، استطاعت ان ترتفع فوق مطامعها ، و أنانيتها ، و جهلـها ، لتحكم شعبهـا حكمـا ديمقراطيـا صحيحا.. فالقلة إنما تحكم الشعب لمصلحتها هي ، لا لمصلحته هو.. و يصدق في كل قلـــة حاكمــة اليوم ما قاله أبو العلاء المعري منذ وقت طويل:
    مـــلّ المقـــــام ، فكم اعاشر امة *** امرت بغير صلاحـــها، امراؤها !!
    ظلموا الرعية و استباحوا كيدها *** و عدوا مصالحها، و هم اجراؤها !!

    3) اما نحن السودانيين فقد بلونا اسوأ الوان الحكم النيابي ، في محاولتنـا الاولي ، في بدء الحكــم الوطني، و في محاولتنـا الثانيــة ، بعـد ثورة اكتوبر 1964.. فقد كانت احزابنا السياسية طائفية الولاء ، طائفيـة الممارسـة ، فهي لم تكن تملك مذهبيــة في الـحكم .. و الطائفية نقيض الديمقراطية.. ففي حين تقوم الديمقراطية علي توسيـع وعي المواطنين ، تقوم الطائفية علي تجميد وعيهم.. و في حين ان الديمقـراطية في خدمة مصلحة الشعب ، فان الطائفية في خدمة مصلحتها ، هي ، ضد مصلحـة الشعب .. و من ههنا جاء فساد الحكم النيابي الاول عندنا .. فكانت اصوات الناخبين توجه بالاشارة من زعيم الطائفة، كما كانت تشتري!! و كـان النـواب يشترون أيضا!! و ذلك في جـو مـن الصـراع الحزبي الطاحن علي السلطة ادي الي تهديد سيادة البلاد و استقلالها.. فقد كانت الحكومة ائتلافية بين حزب الامة،و حزب الشعب ــ حزبـي الطائفتين ذواتي الخصومة التقليدية ، طائفة الانصار ، و طائفة الختمية .. و دخلت البلاد في ازمة سياسية من جراء عدم الانسجام في الوزارة ، و بروز الاتجاه للالتقاء بين الحزب الوطني الاتحادي ، الذي كان في المعارضه ، و حزب الشعب ، عن طريق وساطة مصر .. فسافر رئيسا الحزبين ، السيد اسماعيل الازهري ، و السيد علي عبد الرحمن، الي مصر. لهذا الغرض ، و لقد نسب لرئيس الوطني الاتحادي تصريح ، بمصر، يعترف فيه باتفاقية 1929، التي كانت حكومة السودان الشرعية قــد الغتها.. ( و هي الاتفاقية التي ابرمت في الماضي بين دولتي الحكم الثنائي، بريطانيا، و مصر ،بينما كان السودان غائبا ، تحت الاستعمار ، فاعطت السودان نصيبا مجحفا من مياه النيل ، بالنسبة لنصيب مصر..) و كان ذلك الاعتراف بالاتفاقية بمثابة مساومة مع مصر لتعين الحزب علي العوده للحكم، كما صرح رئيس حزب الشعب ، بمصر ، بان حزبه يقف في المعارضه ! ! (انباء السودان 15/11/1958 ، الراي العام9/11 /1958 .. في هــذا الجو السيـاسي الذي يهدد استقـلال البلاد، و سيادتـها ، بالتدخـل الاجنبي ، سلم السيد عبد الله خليل ، رئيس الـوزراء ، الحكــم للجيش.. ( اقوال الفريق عبود في التحقيق الجنائي حـول الانقــلاب بعد ثورة اكتوبر 1964 ، " التجـربة الديمقراطية ، و تطور الحكم في السودان " للدكتور ابراهيم محمد حاج) .. فكان انقلاب 17 نوفمبر 58 بمثابة انقاذ للبلاد.. و حكم الحكم العسكـري ست سنوات، صادر فيها الحريات الديمقراطية.. و برغم انه حقق شيئا من التنمية الاقتصادية ، إلا انه آل إلى صور من العجز عن الإصلاح ، و في الفساد، أدت إلى قيام ثورة 21 أكتوبر 1964 .. و لقد تمثل في تلـــك الثــورة الشعبيـة ، السلمية، إجماع الشعب السوداني الكامل علي الرغبة في التغيير ، و ان لم يكن يملك المعرفة بطريقة التغيير.. فتخطي الشعب الولاءات الطائفية ، و هو ينادي بعدم العودة لماضي الحزبية الطائفية.. و لكـن سرعان ما أجهضت الأحزاب الطائفية تـلك الثورة، و صفـــت مكتسباتها .. فقــد ضغطت ، بالإرهـاب السياسي ، علي رئيس حكومة أكتوبر الثورية حتى استقال ، و شكل حكومة حزبيـة برئاستـه .. ثم عادت الأحزاب الطائفية للسلطة ، عن طريق الأغلبية الميكانيكيـة الطائفيـة ، فـي الانتخابات .. و قامت حكومة ائتلافية من حزب الأمة و الوطني الاتحادي.. و تعرضت الديمقراطية ، في هذه التجربة النيابية الثانية ، لاسـوأ صـــور المسـخ، عــلاوة علــي المسـخ الذي تعرضت له الديمقراطيـة من جراء فسـاد القلة ، و مـن جراء قصــور وعـي الشعب .. فقد عدل الدستور مرتين للتمكين للحكم الطائفي في الاستمرار : مرة ليتمكن أزهري من أن يكون رئيسا دائما لمجلس السيادة ، في إطار الاتفاق بين الحزبين علي اقتسام السلطه .. و مرة أخري لحل الحزب الشيوعي ، و طرد نوابه من الجمعية التأسيسية.. فقد عدلت الجمعية التأسيسية المادة 5/2 من الدستور، و التي تعد بمثابة روح الدستور.. و هي المادة التي تنص علي الحقوق الأساسية ، كحق التعبير ، و حق التنظيم.. و لما حكمت المحكمة العليـا بعدم دستورية ذلك التعديــل (مجلة الأحكام القضائية 1968) أعلن رئيس الوزراء آنذاك ، السيد الصادق المهدي "ان الحكومة غير ملزمـة بان تأخـذ بالحـكم القضائـي الـخاص بالقضيــة الدستوريــة" (الـــرأي العــــــام 13/7/1966).. ليتعرض القضاء السوداني بذلك لصـورة مـن التحقيـر لم يتعـرض لـها في تاريخه قط!! و لما رفعت الهيئة القضائية مذكرة إلى مجلس السيادة تطلب فيها تصحيح الوضع بما يعيد للهيئة مكانتها(الرأي العام27/12/1966) وصف مجلـس السيادة حكم المحكمة العليا بالخطأ القانوني (الأيام 20/4/1967) فاستقال رئيس القضاء السيد بابكر عوض الله ، و قد جاء في إستقالته ( إنني لم أشهد في كل حياتي القضائية اتجاها نحو التحقير من شأن القضاء، و النيل من استقلاله كما أري اليوم.. إنني أعلم بكل أسف تلـك الاتجاهات الخطـيرة عنـد قــادة الحكم اليـوم، لا للحـد مـن سلطـات القضـاء في الدستـور فحسب ، بل لوضعـه تحت إشـراف الهيئة التنفيذية )) الكتاب المشار إليه آنفا.. هذه صورة لفشل التجربة الديمقراطية النيابية في بلادنا، مما حولها إلى دكتاتورية مدنية ، فهدد الاستقرار السياسي ، حتى جاءت ثورة مايو بمثابة إنقاذ للبلاد !! ان قصور تجربتنا الديمقراطية مرده الأساسي إلى قصور الوعى ــ وعي الشعب، ووعي القلة التي تحكم الشعب، مما أفرغ مدلول كلمة الديمقراطية من محتواها ــ هذا و فشل الديمقراطية في ظل البلاد المتخلفة ادي الي الانقلابات العسكريه ، في كل مكان ، في النصف الاخير من هذا القرن و ليس في الانقلابات العسكريه حــل..

    4)إن الانسان المعاصر يري ان الديمقراطية ، و الاشتراكيه،يمثلان معا الحقوق الأساسية له ــ حق الحياه ، و حق الحرية .. و يري ان الاشتراكية وسيلة لازمة لتحقيق الديمقراطية.. ففي حين أن الديمقراطية هي الحرية السياسية ،فان الاشتراكية هي الحرية الاقتصادية فمن غير المعقول ان يطلب إلى الإنسان التنازل عن حريته الديمقراطية لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الاشتراكية : كما تريد الماركسيـة ، أو يطلب اليه ان يحقق حريته الديمقراطيـة في ظل نظام اقتصادي تستأثر فيه القلة بالثروة ،كما تريد له الرأسمالية.. اما النظام الماركسي فهو نظــام ديكتاتـوري ،لا يمارس الديمقرطيه اصلا،و انما يزيفها،
    فيسميها دكتاتورية البروليتارياــ العمال والمزارعين ــ و ما هي ، في الحقيقة ، إلا ديكتاتورية المثقفـين علـي العمــال و المزارعــين .. و اما النظـام الرأسـمالي الغربـي فانه يمارس الديمقراطية ، و لكنه يتسـم بقصور الممارسه، حيث تسعي القلة الراسمالية للسيطرة علي السلطة، حتي تخدم مصالحها الرأسماليه ضد مصلحة طبقات الشعب الاخري..فلا تتحقق الديمقراطية مع الرأسمالية..
    و في أمريكا، أقوي ، و اغني دول العالم، فان تجربة الديمقرطيه النيابية تعتبر فاشله، اذا ما قورنت بالمرجو منها،و ما ذاك الا لان القلة التي تتولي السلطة لا تستطيع ان ترتفع فوق انانيتها ، و طمعها ،و اثرتها ، فهـي تحكم الشعـب لمصلحتها هي ، لا لمصلحته هو،و آية ذلك ما جري في السبعينات من رئيس الجمهورية ــ رتشرد نكسون ـــ فيما سمي بفضيحة ووترقيت .. فقد مارس الرئيس الامريكي ، مع كبار موظفي ادارته : مثل جون ميتشل النائب العام ، وعن طريق اعوانهـم ،عملية تجسس، و سطو علي مقر الحزب الديمقراطي ،بفندق ووترقيت :و ذلك لجمع معلومات عن هذا الحزب لمعركة انتخابات الرئاسة.. فلما كشف امر النائب العام ، و كبار الموظفين المتورطين في العملية،بادرت الإدارة الجمهورية باتهام صحيفة الواشنطن بوست،التي كشفت العملية ،بالعمل لحساب الحزب الديمقراطي ،و وصفت الاتهامات بالسخف .. ثم أخذت خيوط المؤامرة تتكشف، حيث أثبتت تحقيقات المحكمـة العليا ،ان النائب العام ،و بعض معاوني الرئيس،قد اعدوا ، و أشرفوا ، علي العملية .. ثم اتهم بعض هؤلاء المعاونين بتعطيل العدالة.. و خاطب الرئيس نيكسون الشعب الامريكي بان هناك تقدما ملحوظا نحو كشـف الحقائق حول القضية !! ثم قبل استقالة أعوانه المتورطين معه في القضية.. و خاطب الشعب الامريكي ، مرة أخري بان هناك محاولات لاخفـاء الحقيقة عنه هو ، و عن الشعب!! فاخــذ تـورط الرئيس يتضـح جليـا مـع استمرار التحقيقات .. فلما طلبت المحكمة منه الشرائط التي سجلت عليها محادثاته في مكتبه، سلم بعضها و اخفي بعضها.. فلما كشف عن التسجيلات المفقودة وجد أنها مسحت.. فاستقال الرئيس نيكسون ، تجنبا للمحاكمة .. و خلفــه احد أعوانـه في البيت الأبيـض ــ الرئيس جيرالد فورد ــ فاعلن عفوا عاما عنه.. و هكذا حاول الرئيس نيكسون ممارسة الكذب ،و تضليل الشعب، حتى انكشف أمره، و حوصر ، و اضطر إلى الاستقالة ،من أقوي منصب تنفيذي في العالم.. و قد حاول نائب الرئيس نيكسون، اسبروا اقنيو، الكذب و التضليل للشعب، من قبل، و هو يواجه الاتهام باستغلال النفوذ و سوء استخدام المال العام، أثناء توليه منصب حاكم ولاية(ميري لاند)، حتى انكشف أمره ، و اضطر إلى الاستقالة ، من منصب يعتبر المنصب الثاني في تلك الدولة.. و لقد استطاع ان يتجنب المحاكمة حتى قاضاه أحد مواطني تلك الولاية مؤخرا علي تلك المخالفات..
    لقد كان هذا في أمريكا في السبعينات ، و الآن ، و في الثمانينات، فقـد لاحظ المعلقــون السياسيون أن مناظرات الرئيس ريغان، و منافسه علي الرئاسة ،المستر مونديل، قد كانت تتجه الى المواقف المسرحية، أكثر مما كانت تتجه لتنوير الشعب .. و قالوا ان هذه المناظرات ستربـك الشعب أكثر مما تنوره، و توعيه.. و قالوا انه لمن الغريب ان يختلف المرشحان حول حقائق تاريخية كل هذا الاختلاف ، حتى لكأنما قد حضر احدهما من كوكب الزهرة، و الآخر من كوكب المريخ.. و لقد أوردت مجلة الحوادث 2نوفمبر1984 إن بين السكرتير الصحافي لنائب الرئيس((بوستن)) و بين فريق الإعلام الذي يقوم بتغطية حملة ((بوستن)) أزمة شديده سببها موقـف هذا السكرتير من التصريحات المنافية للحقائق التي يطلقها المرشحون في مناظراتهم التلفزيونية.. فقد استفسر الصحافيـون من السكرتير عن عــدة وقائـع منافيـة للحقيقـة سردها "بوستن" في مناظرته مع منافسته جيرالدين فيرارو.. فكان رد السكرتير:
    ” و ماذا يهم ؟؟ يمكن الإدلاء باي شيء في مناظرة تلفزيونية و يستمع إليك 80 مليون مشاهـد .. و إذا ثبت عدم صـدق ذلـك، فمـن سيقرأ التصحيح؟؟ الفان، أو ربما ، عشرون الفا ، لا اكثر!! و علقت صحيفة واشنطن بوست علي ذلك بقولها:" لا نذكر في تاريخ الولايات المتحدة ان صدر مثل هذا الاحتقار، و الاستهزاء بالشعب الأمريكي "

    5)نحن لا نسوق هذا لندلل به علي فشل الديمقراطيـة،و إنما لندلل به علي فشل الممارسات القواصر،مما يوجب علينا تطوير،و تسديد، ممارستنا، في سبيل تحقيق الديمقراطية.. و يجب ان يكون واضحا ، فان الديمقراطية بمعني حكـم الشعب ، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب ، لا تفشل.. و هي الحكم الباقي.. تتطور المجتمعات في تجويـده ، و في الارتفاع به ، حتي تكون الشعوب هي الوالدين الشرعيـين للافراد الاحرار حرية فردية مطلقة.. و لقـد تطـورت الديمقراطيـة ، في معني ما تطور مدلول كلمة الشعب،حتي اصبحت تشمل كل المواطنين،من نساء،ورجال ،منذ ان يبلغوا سن الرشد..
    و اصبح علينا الآن ان نطـور مدلـول هـذه الكلمـة ــ كلمة الشعـب ــ لندخـل بها مجـال "الـنـوع" ، بعـد ان فرغنـا من مجال "الكـم" .. ذلك بان الشعوب الواعية ،وحدها، هي التي تستطيع تحقيق الديمقراطية الشعبية.. و للوصول لتوعية الشعوب لا بد من اعادةالتعليم، في جميع صوره، فان فشل البشرية المعاصـرة ، انما هو فشــل منهاج التعليم ،في كل بلــد..) انتهي

    السؤال هو: كيف نصحح مناهج التعليم لتكون فعالة في توعية الشعوب ؟؟ الاجابة على هذا السؤال هي موضوع الحلقة الثانية من هذا الاستعراض
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-08-2007, 05:14 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: kh_abboud)

    يتواصل عرضو تعليق الدكتور محمد محمد الأمين على ديباجة دستور السودان للأستاذ محمود محمد طه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-08-2007, 08:56 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الديباجة - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: kh_abboud)

    سلسلة مقالات صحفية حول موضوعات (ديباجة الدستور) (2)
    من أوراق الأستاذ/ محمد طه داخل معتقلات مايو (2)
    التواؤم مع البيئة ظل مادة التعليم والتعلم منذ بداية الحياة والى يومنا هذا

    د. محمد محمد الأمين عبد الرزاق

    أقام الحزب الجمهوري في فترة الديموقراطية الثانية 64 –1969م ، المهرجانات والأسابيع بالعاصمة والولايات وكثف من حملة التوعية ضد استغلال الدين لمصادرة حرية التفكير والاعتقاد .. على سبيل المثال: (مهرجان الحقوق الأساسية) (أسبوع تصفية المحاكم الشرعية) (مناهضة الدستور الإسلامي المزيف) .. الخ .. الهدف من هذا العمل المكثف هو تسليح الشعب بالفكر الإسلامي الواعي حتى لا يقع فريسة سهلة في يد الطائفية والهوس الديني الذي كان يخطط لإجازة دستور يسمى بالدستور الإسلامي وهو لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد .. وفي إحدى الندوات أخذ الفرصة شاب يساري وقال: إن عمل الحزب الجمهوري الفكري هذا لا فائدة منه لأن تيار الهوس الديني جارف بدرجة لا يمكن مقاومتها بهذا الأسلوب ، فهم لا بد أن يستلموا السلطة ويعملوا في الشعب ما يريدون .. فرد عليه الأستاذ محمود بما معناه : (الثمرة البيحدثها العمل الفكري نحن شايفنها ، لكن التجربة السيئة الإنت خايف منها دي هي نفسها أكبر رافد من روافد التوعية عندنا .. والشعب السوداني قد يحتاج لتجربتين: تجربة في التطبيق المشوه للشريعة ، ويذوق الشعب من جرائها الأمرين ويحدث فساد لا حد له .. ثم ينفر منها في اتجاه الشيوعية في رفض الدين فيدخل في تجربة علمانية .. ولن تتقصر هذه التجارب إلا إذا برزوا دعاة وضحوا للناس الإسلام الصحيح وين من هذه التجارب الفاشلة ؟؟ .. ثم واصل: نحن شعب بيتعلم نحن ما وجدنا فرصة في أن نجتمع ونتفاكر في كفاحنا ضد الاستعمار ، الإنجليز خرجوا بعوامل خارجية أكثر مما هي عوامل داخلية في الحركة الوطنية .. ولذلك نحن بنتعلم في داخل مراحل الحكم الوطني ما فاتنا أن نتعلموا في الصراع مع الاستعمار .. وما دام إنت بتتعلم لا بد أن تدفع مصاريف تعليمك .. الفشل والمعاناة وخيبة الأمل البتحصل لينا من حكوماتنا الوطنية في كل مرة ، دي المصاريف النحن بندفعها عشان ما نتعلم ، الشعوب بطبيعة الحال تطورها بطيء ، لكن الأرض البتقطعها ما بترجع منه ، وأسوأ مرحلة يمكن أن يصلها شعب من الشعوب هي أن يفقد الثقة في قادته ، استعادة الثقة هذه تحتاج إلى أجيال وزمن طويل .. ولحسن التوفيق نحن شعبنا بيتعلم ويوعى أسرع من القادة ، وراح يجي وقت يستطيع فيه هذا الشعب أن يخرج قادته الحقيقيين من بين أبنائه )..
    هذا وقد أشار الاستاذ محمود إلى أزمة القيادة في السودان منذ وقت مبكر حين قال : ( أسيت للشعب السوداني لأنه شعب بلا قادة أو قل هو شعب عملاق يتقدمه أقزام أحترفوا السياسة في آخريات أيامهم بعد أن أفنوا عرامها في التمسح بأعتاب الأسياد ) .
    السؤال هو: هل استفاد الشعب من تجربة الحركة الإسلامية في السودان ؟ الجواب: نعم .. نحن الآن أكثر استعداداً من أي وقت مضى لاستيعاب لماذا كان الأستاذ يبذل كل ذلك الجهد في النشاط الفكري .. لقد جاب الأخوان الجمهوريون جميع أرجاء السودان في حمل هذه الدعوة ..في الجبال في الشرق والرمال في الغرب ، أحراش الجنوب وتحت ظلال أشجار النخيل في الشمال ، يوزعون الكتب والمنشورات بلا كلل ولا ملل ، يصفحون عن من يصفعهم ، ويجيبون على من يسألهم بصدق وإخلاص في السر والعلن.. يسهرون الليالي في طباعة الكتب واعدادها ، يلتحفون الأبسطة ويكتفون بأي مستوى من الطعام .. ينتظرون اليوم الذي يتآخى فيه الذئب والحمل ، المفترس والأليف ، وأن تملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأت جوراً .. يقيمون أركان النقاش بالجامعات والأسواق في العاصمة والولايات ، حتى أن أحد ضباط الجيش في أحد المعسكرات بالجنوب عندما وجد أمامه أثنين من الجمهوريين يعرضون عليه الكتب وضع يديه على رأسه مندهشاً وصاح: الجمهوريين في بور !! ؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ، والله إنتو ما دام وصلتوا لا عند هنا راح تمسكو السودان دا كله !! ..
    السبب في هذا النشاط هو أن الأستاذ محمود كان يعلم أن من يتحدثون باسم الإسلام ليس لهم أي قدم في تحقيق التوحيد والمعرفة بالله ، وإنما هم طلاب دنيا يريدون أن يستغلوا العاطفة الدينية في احراز السلطة والمال فقط ، ولا شأن لهم بالإسلام الحقيقي البتة .. وهذا النشاط في التوعية لم يبدأ بعد أكتوبر وحسب ، وإنما هو جاري منذ بداية الدعوة الإسلامية الجديدة في أكتوبر 1951م .. ففي كلمة نشرت بجريدة أنباء السودان في 6/12/1956م بعنوان: (تعالوا إلى كلمة سواء) جاء ما يلي: (إن الإسلام بقدر ما هو قوة خلاقة إذا ما انبعث من معينه الصافي ، واتصل بالعقول الحرة وأشعل فيها ثورته وانطلاقه بقدر ما هو قوة هدامة إذا ما انبعث من كدورة النفوس الغثة واتصل بالعقول الجاهلة وأثار فيها سخائم التعصب والهوس .. فإذا ما قدر لدعاة الفكرة الإسلامية الذين أعرفهم جيداً أن يطبقوا الدستور الإسلامي الذي يعرفونه هم ، ويظنونه اسلامياً لرجعوا بهذه البلاد خطوات عديدة إلى الوراء ولأفقدوها حتى هذا التقدم البسيط الذي حصلت عليه في عهود الاستعمار .. ولبدا الإسلام على يديهم وكأنه حدود وعقوبات على نحو ما هو مطبق الآن في بعض البلاد الإسلامية ، ولكانوا نكبة على هذه البلاد وعلى الدعوة الإسلامية أيضاً ..) إنتهى..
    عندما ضاق الحال بنظام مايو ، ذهب نميري في نفس الاتجاه ، استغلال الدين لبقاء في السلطة ، فاعتقل الأستاذ محمود في يونيو 1983م ومعه 62 من تلاميذه .. وأثناء فترة الاعتقال أصدر قوانين سبتمبر 1983م ليدخل البلاد في مرحلة حالكة الظلام ، وشرع في البتر والقتل ليوحي للشعب بأنه إنما يقيم الإسلام .. مد له في غيه ، أدعياء الإسلام من عامة السلفيين .. ثم افرج عن الجمهوريين في 19/12/1984م ، وفي أمسية الإفراج افتتح الأستاذ محمود أول جلسة للجمهوريين بقوله: (نحن أخرجنا من المعتقلات لمؤامرة ، نحن خرجنا في وقت يتعرض فيه الشعب للإذلال والجوع ، الجوع بصورة محزنة .. ونحن عبر تاريخنا عرفنا بأننا لا نصمت عن قولة الحق .. وكل من يحتاج أن يقال ليهو في نفسه شيء قلناهو ليهو .. ومايو تعرف الأمر دا عننا ، ولذلك أخرجتنا من المعتقلات لنتكلم لتسوقنا مرة أخرى ليس لمعتقلات أمن الدولة وإنما لمحاكم ناس المكاشفي .. لكن نحن ما بنصمت ، نميري شعر بالسلطة تتزلزل تحت أقدامه فأنشأ هذه المحاكم ليرهب بها الناس ليستمر في الحكم .. وإذا لم تكسر هيبة هذه المحاكم لن يسقط نميري .. وإذا كسرت هيبتها سقطت هيبته هو وعورض وأسقط .. نحن سنواجه هذه المحاكم ونكسر هيبتها ، فإذا المواطنين البسيطين زي الواثق صباح الخير لاقو من المحاكم دي ما لاقو ، فأصحاب القضية أولى ..) ثم قال أمام المحكمة رقم (4) كلمته المشهورة: (أنا أعلنت رأيي مراراً في قوانين سبتمبر 1983م من أنها مخالفة للشريعة وللاسلام .. أكثر من ذلك فإنها شوهت الشريعة وشوهت الإسلام ونفرت عنه .. يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله .. ثم انها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير .. أما من حيث التطبيق فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنياً .. وضعفوا أخلاقياً عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لاضاعة الحقوق ، وتشويه الإسلام وازلال الشعب ، وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين).. وبعد النطق بحكم الإعدام وجه تلاميذه بأن يصدروا منشوراً يحوي عبارة (أحكام الإعدام لن ترهب الجمهوريين) وبالفعل صدر المنشور ..
    وهكذا دفع الأستاذ محمود نفسه في مواجهة نميري فداء للشعب السوداني ، فعورض وأسقط ..
    لقد كان الأستاذ محمود يردد: (المزارع بنوم لكن الزرع ما بنوم) .. إن ما بذرته الدعوة الجمهورية من افكار على أرض الشعب السوداني نامية ومتحركة ، تتلقى الري والسماد من التجارب التي تمر بها .. هذا الواقع يلقي علينا نحن الجمهوريين والمثقفين الذين تعلمنا على حساب هذا الشعب في المدارس والجامعات والداخليات والبعثات الخارجية مسئولية ألا نقف موقف سلبي ونذهب إلى الخارج لنحل مشاكلنا الخاصة بكل سبيل .. تحضرني عبارة الأستاذ محمود في هذا المقام (نحن مع البقاء في السودان ولو بنصف بطن) .. وفي تقديري أن من وجد متسعاً في معاشه بالخارج ، يكون واجبه أكبر في أن يبذل نفسه من أجل الذين عجزوا عن الخروج من الآخرين بالداخل .. ويمكن ان يكون ذلك بإقامة المشروعات الاقتصادية لتخفيف وطأة الفقر ، أو بالتوعية الفكرية باستصحاب الوسائل الحديثة لإستنهاض الهمم ..
    هل ترك العمل الذي قام به الجمهوريون أثراً ظاهراً على الواقع في السودان اليوم ؟؟ الجواب: نعم .. وأكبر دليل هو توقيع اتفاقية السلام في يناير 2005م .. إن اقرار حق المواطنة المتساوية لجميع المواطنين لا سند له في الشريعة الإسلامية السلفية ، وإنما السند في القرآن على أن يفهم على هدي الرسالة الثانية من الإسلام .. ففي تلك الشريعة الكتابي لا يساوي المسلم ، والمرأة لا تساوي الرجل ، واللاديني الوثني ليست له حقوق وأمامه خيار واحد هو الدخول في الإسلام صادقاً كان أو منافقاً وإلا يقتل بنص القرآن: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .. إن من وقعوا تلك الاتفاقية لا يخالجهم شك في أن حقوق المواطنة المتساوية تخالف أحكام الشريعة الإسلامية قولاً واحد ، فعلى أي فهم اتكئوا وهم يوقعون على تلك المفاهيم الجديدة !؟ الحقيقة ان الشعب السوداني لم يقف في يوم من الأيام وجهاً لوجه أمام الدعوة الجمهورية كما هي الحال اليوم ..
    انتهينا في الحلقة الأولى بالسؤال: كيف نصحح مناهج التعليم لتكون فعالة في توعية الشعوب ؟؟ إليك الآن عزيزي القارئ الكريم ماذا قال الأستاذ محمود في الإجابة على هذا السؤال المهم لتصحيح مسيرة الديمقراطية من (ديباجة الدستور) التي تعتبر عندنا (الفكرة الجمهورية موضوعة في كبسولة):-
    6)إن التعليم الرسمي الذي تقدمه السلطات لابناء شعوبها ،و بناتها في معـاهدها علي يومنا الحاضـر ، بدأ متاخرا جدا .. فقد بدأ التعليـم المنظم الذي يخاطب العقول ، منذ نشأة المجتمع البشري، و ذلك عهد يرجع الي بداية بدائيـة، ممعنه في البعد الزمني، من وقتنا الحاضر .. و كان الفرد البشري يعلم عادات المجتمـع الذي يعيش فيه،و تقاليده، و يعلم كيف يحترمهـا، و يقدسـها ، و يطيعها .. و بفضل معرفة ،و احترام ، و طاعة، هذه العادات، نشأ المجتمع البشري، و ارتفع فوق قطيـع الحيوان .. و كذلك نشأت القوانين..

    7) و قبيـل هـذه المرحلـة ــ مرحلة نشأة المجتمع ــ فان التعليم قد بدأ .. بدأ التعليم بنشأة الفرد ــ و هي بالطبع سابقة لنشأة المجتمع، لقد خلـق الله الفرد البشري وسطا، بين القوة و الرخاوة ــ فلا هو قوي العضلات، قوة الأسد و الفيل ، فيعتمد في حل مشكلاته الحياتية علي العضلات و لا هو رخو ، لا يستطيـع ان ينهض للمناجزة ، و للقتال، فيعتمد ، في حل مشكلاته الحياتية ، علي الفرار ، و الاستخفـاء ، و في هذه النشأة الوسط ، وجـد العقـل فرصته للبروز، و للقوة، بحاجة الحي لرسم الخطط ، و لتنفيذها .. و من ثـم ارتفــع الحي البشري فوق مستـوي الحيوان .. لقــد وجـد الفرد البشري نفسه محاطا بقوي البيئة الهائلة ،المخيفة،البادية العداوة له، فاسترهبته، و اخافته،و لكنه بمحـض الفضل الإلهي عليه،وجد في هذه القوي الطبيعية،ما هو في صورة الصديق،كضوء الشمس ، و نور القمر ، و الماء العـذب، و الظـل الظليـل ، و الثمـر الداني، من الشجر المثمر، فسكن اليه.. ووجد في هذه القوي الطبيعية ما هو في صورة العدو، كالصواعـق ، و الزلازل،و النيران المجتاحة، ففر منها.. ثم انه هدي، بمحض الفضل الآلهي،الي تقسيم القوي العدوة إلي عدو يستطيع ان ينازله ، و يصاوله، و يتغلب عليه، بالحيلة، و الفكر، و بالقـوة العضليـة الميسورة، كالحيوان المفترس ، و كالعدو من بني جنسه.. و الي عدو ليست تناله الحيلة .. فنازل أو صــاول ، و احتـال ، صنوف الحيل،في مواجهة العدو الاول.. و من صنوف هذه الحيل ، اتخاذ الآلة ، من الخشب ــ العصا ــ ومن الحجر ــ السكين ، و الحربة ــ و أمـا القوي الصديقة، و أمـا القـوي العـدوة التي لا تنـالهـا مناجـزته،فقــد هدتــه الحيلة إلى التزلـف إليها بمحبة،للقوي الصديقة، و بخوف من القوي العدوة.. و من يومئذ نشأ العلم التجريبي، الذي تطور من السلاح الحجري إلـــى القنبلة الهايدروجينيـة في و قتنا الحاضر.. و نشـأ الدين الذي تطور مـن التعدديات إلى دين التوحيد،في وقتنا الحاضر ايضا.. و من القـوي الصديقة،في تعددها ، و من القوي العدوة، في تعددهـا، نشأت فكرة الآلهة، في تعددهـا أيضا .. و آخر منازل تطور الآلهة المتعددة ، نحو الإلـه الواحد ، منزلة الثنائية ، في إله النور، و إله الظـلام ، الذي منه نشأت ديانة الفـرس، حين كانوا يعبدون النـار ، فكانـوا مجـوسا ــ كانوا يعبدون إلـه النور ــ القوي الصديقة ــ لينصروه علي إلـه الظلام ـــ القـوي العدوة ــ وجـاء هذا بعـد تطـور طويـل ووئيد للعبادة البدائية، التي نشأت في الزمن السحيق .. و يلاحظ ان هذه الثنائية قائمة، عنـــد المسلمين اليوم بصورة ملطفة .. فمن علماء المسلمين من يعتقد ان الشر ليس من الله، و إنما هو من ابليس..

    و كمـا هـدت الحيلة الفرد البشري الأول ، إلى اتخاذ السلاح، و إلى اتخاذ الدين، ليوجد التوائم بيـنه و بين بيئته ،تلك القاسية، هدته أيضا إلي اختراع المجتمع ـــ هدته إلى أن يعيش في مجتمع، ينمو في عدده، و يتطور في أساليبه، و عاداته، و أعرافه، كل حين.. ان مجتمع الحيوان لا ينمو في عدد ذكوره، و إن نما في عدد إناثه، ذلك ان الغيرة الجنسية تحمـل الفحول علـي ان يقتتلوا في سبيل الإناث، حتى لا يكون في المراح الواحد، إلا فحل واحد .. فإذا كان هناك ذكور ، إلى جانب الفحل ، في المراح، فإنما هم ذكور لا اربة لهم في الإناث، فان كانت لهم اربة في الإناث فانهم سيدخلـون حلبة الصراع مع الفحل الأب، فأما ان يطـردوه من المراح، و أما ان يقتلـوه، و أما ان يطردهم، أو ان يقتلهم هو .. و هذا هو الشأن بينهم هم فيما بينهم .. و لقد جعل الله طفولـة البشر أضعف، و أطول، من طفولـة الحيوان، ليؤكد له ضرورة المجتمع ، لطفولتـه و لشيخوخته ، و كذلك نشأ المجتمع البشري.. و لكنه لم ينشأ إلا بعد ان نشأ العرف الذي نظم الغريزة الجنسية، و أمّن الملكية الفرديـة ، فحرمت الأخت علي أخيها ، و حرمت الأم علي ولـدها ، و حرمت البنـت علي أبيها، و كذلك استطاع الابن ان يعيش مع أبيه، و أمه ، بعد ان بلغ سن الرشد .. و كذلك استطـاع ان يعيش الصهر ، مع صهره، و هـو آمـن علي زوجتـه، من أبيها ، و من أخيها .. و من ناحية الملكيـة الفردية للسـلاح الذي يتخذ من الحجر الجيد، و للكهـف ينحت في الجبل مثلا، فقد قام العرف بالاعتراف بها لأصحابها، و منع السطو عليها، و كذلك استطاع أفراد المجتمع ان يعيشوا في سلام، يحتكمون إلى شيوخهم ، عند التنازع، علي أمر من أمورهم .. و لقد فهمت الآلهة بصورة تجعلها تطلع علي المخالفات التي قــد تجري من الأفراد في السطـو علي ملكيـة الآخرين أو علي زوجاتهم حين يظنون انهم آمنوا أعين الرقباء.. و توقـع علي هـؤلاء اللعنة ، و سوء المنقلب .. هـذا بالإضافة إلى مايوقعه شيوخ الأسر من عقوبة مخالفة العرف، و التقليد، و العادة (القانون) حين يطلعون على هذه المخالفة .. و لقد نشأت ، مع نشأة العبادة (الدين و الآلهة) ، فكرة الحياة الأخرى ، بعـد الحياة الدنيا .. نشأت من الشعـور ، و مـن الاحلام .. و أعانت فكرة الحياة الأخرى علي ضبط نزوات الافـراد ..

    9) بنشأة العرف الذي ينظم العلاقـة الجنسية ، و الملكية الفردية نشأ الكبت الذي أوجب أن يكون للعقل سلطان علي النفس.. و من ههنا برز الإنسان ، في مستـوي مـن مستويات المسئوليـة ، ميزته عن الحيوان السائـم .. فـالغريزة الجنسية، و حب الملكية الفردية ، هما أول ما وقع عليه الكبت .. فهما ،من ثم، في قاع العقل المكبوت ــ العقل الباطن ــ النفس الأمارة بالسوء ــ كما يقـول أصحابنا الصوفيـة .. و مـن هـذا العرف الذي نظم الغريزة الجنسية ، و الملكية الفردية، تطـورت الـحدود المعروفة عندنا في الاسلام.. و هي أربعة ترجع إلى اصلين: الزنا و القذف ، و ترجع إلى حفظ القـوي الجنسيـة ، و السرقة ، و قطع الطريق، و ترجع إلى حفظ حب التملك.. و بملاحظة هذه الحدود ، و عدم التعدي عليها، يقـوي العقل ، و يسيطر علي نزوات النفس ــ أو قـل علي نزوات الغرائز .. و من أجـل كرامـة العقـل جـاء حد الخمر .. و هو حد أقل انضباطا من الحدود الأربعة السابقة .. و هو لا يقوم علي مجرد الشرب ، و إنما يقـوم علي السكر .. هـذا في عهد المسئولية.. و أمـا في عهد الوصاية فانه قـد قام علي مجرد الشرب ، فجاء ( ما اسكر كثيره ، فقليله حرام)) .. لأن عهد الوصاية إنما يقوم علي حماية القاصـر مـن تحمـل مسئولية تصرفـه، حين يظن به العجز عن تحمل هذه المسئولية..

    10) هل بدأ التعليم عندما بلغ الفرد البشري مستوي معينا من الإدراك و الخيال به ارتفع فـوق الحيوان فاحتال بالمصالحة و المناجزة علي القوي الطبيعية التي احتوشته في بيئته علي نحو ما جري به الشرح قبل قليل ؟؟ لا !! و لا كرامة !! و إنما بدأ التعليم قبل ذلك بآماد يخطئها العد ، و يصح ان يقال فيها أنها تبلغ بلايين السنين.. ان الأرض قد كانت في أمـها الشمس ، هي و أخواتها الكواكب السيـارة .. كانت مرتتقة مع الشمس ،فجرى الانفصال ، قبل مـا يزيـد علي العشـرة بلايـين من السنين ( أ ولم يـر الذين كفـروا : ان السمـوات ، و الأرض ، كانتا رتقا ، ففتقناهمـا ، و جعلنا من الـماء كل شـيء حـي ؟؟ أفـلا يؤمنون ؟؟ )) كانت الشمس ، و بناتها ــ الكواكـب السيـارة و منها الأرض ، في سحـابـة واحدة من غاز الهايدروجـين الملتهب، فانفتقـت هـذه السحـابة فبرزت الكواكب ، و برزت الأرض، و كانت ملتهبة ، فبردت إلى ان ظهر فيها، علي السطح، الطين و الماء.. و هي لا تزال ، في مركزها، غازا ملتهبا.. و عندما برز فيها الطين، و الماء، نشأت الحياة بينهما، في معني مـا يعرفـه علماء الأحيـاء الآن عـن الحياة ، و أول لـوازمها ان تتمتع بالحركـة التلقائية، .. و ان تتغذى، و ان تتناسل ، و قبل هذا ، أول لوازم الحي ان يشعر بحياتـه ، و من هذا الشعور تجيء الحركة ، في محاولة الاحتفاظ بالحياة، و يجيء الغذاء، و يجيء التناسل، للاحتفاظ بالحياة، في معني الاحتفاظ بالنسل..
    تحولت المادة غير العضوية إلى مادة عضوية فبرز حيوان الخلية الواحدة.. و من يومئذ بدأ التعليم!! من المعلـم ؟؟ هـو المعلم الواحد – اللّه.. الله هو المعلـم الأصلي !! مـن المعلـم المباشر ؟؟ هو العناصر المتعددة في البيئة.. في الحقيقة كل عناصر البيئة حية ، و لكنها حياة فوق إدراك العقول ، و لا تصبح حيـاة في إدراك العقول حتى تخرج، من المادة غـير العضوية ، المادة العضوية ، و هـي ما تسمي ، اصطلاحـا، بالحياة.. و ما هي المادة التي يعلمهـا المعلم الواحد ــ الله ــ بواسطة العناصر المتعددة للحي في مستوي الخلية الواحدة ؟؟ هـي المقدرة علي التواؤم بين الحي و بيئته!!
    11) فـي الحقيقـة ليـس في الوجـود الحـادث غير الانسان.. وجـود الإنسان وجـود أزلـي ابدي ــ سرمدي ــ فهو ينزل المنازل في البعد من الله ، و في القرب.. هو مغترب، و راجع من الاغتراب إلى وطنه، الأصلي، إلى الله في اطلاقه.. و ليس لهذا السير نهاية ، و إنما هو سير في السـرمد ، لأنـه سير إلى المطلـق : (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافليـن * إلا الذين آمنوا ، و عملـوا الصالحات ، فلهم اجر غير ممنـون )).. خـلق الإنسان في أحسـن تقويـم في الملكـوت عند الله ، ثم جـاءه التكليف فعصي أمـر الله بإغـواء إبليـس إياه، فأبعـد ، هـو و زوجـه ، و ابعـد إبليس .. ابعـدوا إلى أسفل سافلين، و هـو مستوي ذرة غـاز الهايدروجين ، ثم ظـل إبليـس في منزلـة أسفل سافلـين لإصـراره علي المعصية ، و الحكمة ان يمثـل النقيـض لأحسن تقويـم ، حتى يتحرك البندول بين النقيضيـن ، فيكون بذلـك رجـوع الإنسان ، مـن اغترابـه ، في أسفل سافلين ، إلى وطنـه في أحسن تقويم ، و إنما كان ذلك لمجيء الإيمان اليه ، و لهدايتـه لعمـل الصالحـات ، حيـث هـداه الله إلـى التوبـة ، و النـدم .. و الإيمان ، و عمــل الصالحات ، إنما هـو الإنابة إلى الله .. و لقد أتى علي الإنسان دهر دهـير قبل ان ينزل منزلة العقل ، فيكون مذكورا في ملكوت الله ــ قبل ان يكون مكلفا بشرع الحرام و الحلال : (( هل أتى علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا !!)) .. و (( يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا ، فملاقيه )) و لا تكون ملاقاة الله في الزمان ، و لا في المكان ، و إنما هي معرفته .. و لقد علم الله الإنسان ، و هو في منزلة العناصر الصماء ، عن طريق مباشر ، و هو طريق القهر الإرادي للعناصر ، و بالعناصر ، فكانت نتيجة هذا التعليم الطاعة المطلقة للإرادة الواحدة ( و إن من شيء الا يسبح بحمده ، و لكن لا تفقهون تسبيحهم ، انه كان حليما غفورا ..)) و لقد علّم الله الإنسان ، و هو في منزلة المادة العضوية ــ الحياة البدائية و في مرتبة الحياة العليا ، دون الإنسان ، عن طريق شبه مباشر ، و ذلك بإرادة الحياة .. ثم سير الله الإنسان ــ أو قل علّمه ــ و هو في منزلة الإنسان ، عن طريق غير مباشر ، و ذلك بإرادة الحرية، فارادة الحياة معنى زائد عن حياة العناصر قبل ظهور المادة العضوية .. و إرادة الحرية معني زائد عن إرادة الحياة ، منذ ظهور المادة العضوية ــ الحياة السفلي .. إرادة الحرية ظهرت بظهور الانسان.. و الاختلاف في جميع المستويات إنما هو اختلاف مقدار .. الاختلاف بين الإنسان ،في ((أحسن تقويم )) فــي الملكــوت ، و بين الإنسان في (( أسفل سافلين)) ــ أدني مستويات التجسيد في الملك ــ إنما هو اختلاف مقدار ، لا اختلاف نوع ، فان التوحيد يمنع ان يدخل في الوجود اختلاف النـــوع ..

    12) بإيجاز نعرف التعليم بأنه اكتساب الحي للقدرة التي بها يستطيع ان يوائم بين حياته ، و بين بيئته.. و هذه المقدرة علي التواؤم هي مقاس ذكاء الحيوان ، سواء أكان في مستوي الحيوات البدائية ، أو في مستوي الحيوانات العليا ، او في مستوي الإنسان .. و المشكلة هى دائما في معرفة ما هي البيئة؟؟ ذلك بأن العنف العنيف الذي لقيناه ، منذ نشأة الحياة ، من القوي الصماء ، التي تذخر بها البيئة ، قد رسب في صدورنا الخوف بصورة عميقة ، حتى لقد بدت لنا البيئة في صورة المخالب الحمر ، و الأنياب الزرق.. و لقد كان الخوف علي اجتثاث حياتنا صديقا ، في أول الطريق، إذ لولاه لما برزت الحياة من الماء ، و الطين في المكان الأول ، و لما برزت العقول من الجسد الحي ، في المكان الثاني ، و لما تطورت ، و ترقت ، العقول عند العقلاء ، في المكان الثالث .. و بترقي العقول أصبحنا ندرك البيئة إدراكا أدق كل حين .. و كلما أدركنا البيئة إدراكا دقيقا ، كلما اطمأنت نفوسنا ، و انتصرنا علي الخوف ..
    13) إنما من أجل التواؤم بين حياة الحي البشري ، و بين البيئة ، نشأ الدين ،و نشأ العلم المادي ، و نشأ كتؤامين ، في وقت واحد ، كما سبقت إلى ذلك الاشارة.. ثم نشا المجتمع ، فعمق معني الدين ، و طور العلم المادي .. و لقد ظلت البشرية ، في طول عمرها ، تسير علي رجلين من روح و من مادة .. و هي لم تستغن ،في أي وقت من أوقاتها ،عن أي رجل من هذين الرجلين.. و كل ما هناك أنها كانت ، في سيرها ، تقدم رجل الروح تارة ، و رجل المادة تارة أخرى .. كما يفعل الإنسان حين يسير علي رجليه من يمين و شمال .. و الآن فان البشرية قد قدمت رجل الروح في القرن السابع .. ثم أخذت تتهيأ لتقديم رجل المادة ، من ذلك الوقت البعيد .. اليوم العالم مادي .. و حتى المتدينون من يهود ، و من نصاري ، و من مسلمين ، و من غيرهم من الملل ، و النحل ، إنما يظهرون التدين ، و يبطنون المادية .. أسوأ من ذلك !! فان أغلبية المتدينين إنما يتوسلون بالدين ، و يستغلونه ، للمادة .. و لقد تطور ، بفضل الله ، ثم بفضل الصراع بين الأحياء البشرية ، السلاح ، من مستوي السلاح الحجري ، حتى وصل القنبلة الذرية ، علي يد علماء العلم المادي التجريبي المعاصرين .. و بمحض الفضل الإلهي ، فان العلم المادي التجريبي قد أعان البشرية علي مزيد من التعرف علي البيئة التي نعيش فيها ، و ظللنا ، طوال حياتنا الطويلة ، نتوق إلى التعرف عليها .. لقد اظهر العلم التجريبي ، بانفلاق الذرة ، ان المادة ، بصورها المتعدده ، كلها وحدة.. بل لقد اظهر ان المادة التي نعرفها فيما مضي ، ونلمسها و نحسها بحواسنا، أو ندركها بعقولنا ، ليست هناك ، و إنما هي طاقة ، تدفع ، و تجذب ، في الفضاء .. و يعرف العلم المادي التجريبي خواص هذه الطاقة ، و لكنه يجهل كنهها .. بل ان كنهها لا يدخل في نطاق تجاريبه .. و لا هو يدعي انه سيدخل ، يوما ما ، في نطاق تجاريبه .. و حين تطور العلم التجريبي المادي حتى رد المادة في جميع صورها إلى اصلها الأصيل في الوحدة ــ في الطاقة ــ تطور توأمه الدين ، حتى لقد وصل بتصعيد التوحيد إلى رد كل المناشط البشرية ، و الطبيعية ، في العوالم المنظورة ، و غير المنظورة ، إلى اصل واحد .. ان العالم جميعه،ماديه ، و روحيه ، إنما هو مظهر الله الذي خلقه ، و قدره ، و سيره.. علي ذلك اتفق إنجاز العلم المادي التجريبي، و العلم الروحي التوحيدي .. بإيجاز فان البيئة التي نعيش فيها اليوم ، و ظللنا نعيش فيها في عهودنــــا السحيقة ، و نحاول التعـــرف عليها ، بكل وســائل البحـــث ،
    و التقصي ، قد انكشفت اليوم ، بفضل الله علينا و علي الناس .. أنها ليست بيئة مادية كما توهمنا ــ بمعني المادة التي نألفها ــ و إنما هي في الأصل بيئة روحية ذات مظهر مادي .. هي ذات الله متنزلة إلى حياته ، ثم متنزلة إلى علمه ، ثم متنزلة إلى إرادته، ثم متنزلة إلى قدرته .. فبعلمه الاحاطه ، و بإرادته التخصيص ، و بقدرته التجسيد .. و بالتجسيد جاء المظهر المادي ، بمعني ما اصطلحنا عليه من معني المادة .. فلما فتت العلم التجريبي المادة ، فردها إلى طاقة معروفة الخصائص ، مجهولة الكنه ، و صلنا إلى الاراده الإلهية التي قهرت الوجود ، و سيرته إلى الله .. ان العلم المادي التجريبي ، و العلم الروحي التجريبي ــ التوحيدي .. اتحدا اليوم في الدلالة علي وحدة الوجود . لقد انفلقت نواة المادة فأحدثت دويا عظيما ، و توشك ان تنفلق نواة الدين و سيسمع لها دوي أعتي ، و أعظم ، من ذلك الذي أحدثته الذرة حين انفلقت ..
    14) ان البيئة التي نعيش فيها إذن إنما هي بيئة روحية ، ذات مظهر مادي.. و هذه الحقيقة ستحدث ثورة في مناهج التعليم الحاضرة ، التي ظهر قصورها ، و إليها يرجع فساد الحكم ، و قصور الحكام ، و المحكومين .. ما هي الروح ؟؟ هي الجسد الحي الذي لا يموت!! و في المرحلة ،قبل ظهور الجسد الحي، الذي لا يموت ، فان الروح هي الطرف اللطيف من الجسد الحاضر ــ الروح هي العقل المتخلص من أوهام الحواس، و من أوهام العقل البدائي الساذج .. الروح هي العقل المتحرر من سلطان الرغبة ــ الهوى .. و نحن لا نصل إلى الروح إلا بالإيمان ، و بتهذيب الفكر ، و من اجل ذلك قال النبي الكريم ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.. )) و ما جاء به هو الشريعة ، و الطريقة ، و الحقيقة .. هذا شرط أول الطريق .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-09-2007, 04:45 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الديباجة - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: kh_abboud)


    من أوراق الأستاذ/ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (3)
    ما هو الفرق الأساسي الجوهري بين الطريق (العلمي) والطريق (العلماني)؟ ؟
    د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
    [email protected]

    تتحدث الدعوة الإسلامية الجديدة أو الفكرة الجمهورية ، باستمرار في كتاباتها عن الإسلام في مستواه العلمي أو المرحلة العلمية من الإسلام ، ذلك في مقابلة المرحلة العقائدية أو الإسلام في مستواه العقائدي .. وتقول أن الإسلام في حقيقته ليس ديناً بالمعنى المألوف للأديان العقائدية السابقة كاليهودية والمسيحية ، وإنما هو علم نفس يعالج بمنهاجه العلمي وفق السنة النبوية العقد النفسية المو######## والمكتسبة ، ويحرر الإنسان من الخوف الذي هو الأب الشرعي لجميع آفات السلوك التي إيفت بها الحياة البشرية في جميع العصور .. وبالتحرر من الخوف تتسع الحياة داخل النفس تدريجياً يغذيها الالتصاق بالله حتى تصل مرتبة ما لا عين رأت وأذن سمعت ، ولا خطرت على قلب بشر .. هذا العلم المعرف بالألف واللام كان عليه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في خاصة نفسه ، ولم تكن طاقة المجتمع في القرن السابع الميلادي تسمح بالأخذ بهذا المستوى الذي عاشه النبي الكريم بين الناس ، فنسخ من ثم واستعيض عنه بتشريع أقرب إلى واقع الأمة تنزل عن المستوى العلمي لضرورة حكم الوقت .. ذلك هو المستوى العقائدي .. ما هو الفرق الأساسي بين المستويين العلمي والعقائدي ؟ الجواب هو أن المستوى العلمي يخاطب الناس على أنهم مسئولين ويعطي الفرد مطلق الحرية في التصرف بشرط ألا يتعدى على حريات الآخرين ، يدعمه في أن يحسن التصرف المنهاج التربوي .. وإذا تعدى تصادر حريته وفق قانون دستوري .. القانون الدستوري هو الذي يحفظ في سياق واحد حق الفرد في الحرية وحق المجتمع في الأمن .. مصدر هذا الفهم والسبب فيه هو المسئولية أمام الله يوم الحساب مسئولية فردية: (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) أو (كل نفس بما كسبت رهينة) أو (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) .. هذه هي المسئولية الفردية التي أثبتت في آصل أصول الدين .. من هذا المنطلق نجد أن القرآن المكي عندما بدأت الدعوة أعطى الحريات بصورة واضحة: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أو (فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر) أو (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أو (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ..واستمرت الدعوة الإسلامية على هذا المنهج ثلاثة عشر عاماً ، تحمل النبي الكريم وأصحابه خلالها الأذى الجسيم في سبيل إرساء هذه الأسس على ارض الواقع .. الشاهد في الأمر أن المجتمع الجاهلي في ذلك الوقت لم يستجب لهذه المبادئ ، فدبر المشركون مكيدة لقتل النبي الكريم والتخلص منه ، فاختاروا شبان أقوياء من مختلف القبائل وتجمعوا حول بيته ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل ولا يعرف من هو القاتل بالتحديد ، فيقبل أولياء الدم بالدية ..هذا الانتهاك الصارخ للحقوق الأساسية للإنسان نموذج ، دل دلالة واضحة وعملية على أن ذلك الأسلوب العلمي أرفع من الواقع ، ولا بد من مرحلة عقائدية تكون قاعدة للانطلاق والانفتاح على مرحلة العلم .. فهاجر النبي وأصحابه إلى المدينة وبدأ عهد جديد ، فيه فرضت وصاية النبي على الأمة ، وشرع القتال في مواجهة المعتدين وفق الآيات المدنية: (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) إلى أن نزلت سورة براءة وجاء فيها: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .. وأصبح الدخول في عقيدة الإسلام إجبارياً على كل فرد ولو كان منافقاً غير مقتنع ..وعليه نسخت الآيات المكية وأحكمت الآيات المدنية .. ما هو الحد الفاصل بين المستوى العلمي والمستوى العقائدي ؟ الجواب هو مستوى المسئولية .. هل الفرد مسئول مستعد لتحمل مسئوليته أمام القانون ، أم هو قاصر محتاج لوصي يرشده ويدرجه بصورة مباشرة نحو تلك المسئولية ؟ لقد كان المستوى العقائدي هو الأنسب لذلك الوقت ، وتربى عليه رجال كانوا نماذج في الانضباط وفي مستوى المسئولية ، وانتشر الإسلام عن طريق الجهاد والسيف ، وهذا الأسلوب أوقف العديد من ممارسات الجاهلية المتخلفة كوأد البنات وأكل الربا وقطع الرحم .. الخ .. وذلك بحشد الناس داخل العقيدة الواحدة حتى لو كانوا منافقين .. وعلى هذا ارتفع المجتمع درجة في التطور ما كان يمكن تحقيقها عن طريق المستوى العلمي الذي يريده الإسلام في الأساس ..
    اليوم هو يوم المستوى العلمي ، ما في ذلك أدنى ريب ، فإذا كانت الدعوات تنطلق من جميع الاتجاهات تؤسس لحقوق الإنسان عبر المواثيق والعهود الدولية وتبحث عن قانون الإنسان بكل سبيل ، فهل يعقل أن ندعو الناس للمستوى العقائدي ونترك المستوى العلمي الذي أسس مبادئ الحقوق الأساسية من قبل أن يعرف الناس شيئاً عن تلك الحقوق ؟؟ إن حكم الوقت يقتضي أن نحكم الآيات المكية وننسخ الآيات المدنية ، لكي نقيم الحكم الدستوري الذي يكفل حقوق المواطنة المتساوية للجميع ولا يفرق بين مواطن وآخر بسبب العقيدة أو الجنس .. وأي تأخير في الأخذ بهذه الدعوة إنما هو مضيعة للوقت وهروب من مواجهة المسئولية التي كلفنا بها الإسلام في أصوله .. العيب ليس في أحكام الشريعة الإسلامية أو الفروع التي أحكمت في القرن السابع وإنما العيب في العقول التي تحاول إقحامها في زمان غير زمانها ، وتطبقها على مجتمع لا تشبه مشاكله مشاكل ذلك الوقت بأي وجه من الوجوه .. لقد خدمت الفروع غرضها حتى استنفذته وعالجت مشاكل مجتمعها بالحلول الناجعة ، فوجب الآن الانتقال منها إلى الأصول حتى نظفر بالحلول الناجعة لمشاكل عصرنا نحن .. هذه هي الدعوة الجمهورية ، أو الرسالة الثانية من الإسلام ، وقد كتب الأستاذ محمود منذ عام 1951م عن أساس دعوته فقال: (إن ما جئت به من الجدة ، بحيث أصبحت به بين أهلي كالغريب ، وبحسبك أن تعلم أن ما أدعوا إليه هو نقطة التقاء الأديان جميعها حيث تنتهي العقيدة ويبدأ العلم ، وتلك نقطة يدخل بها الإنسان عهد إنسانيته ولأول مرة في تاريخه الطويل) ..
    هنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: هل ما حدث بالسودان خلال تجربة الحركة الإسلامية السلفية نابع من المستوى العقائدي أم من المستوى العلمي ؟؟ الجواب: إن ما شاهدناه على أرض الواقع لا علاقة له لا بالمستوى العلمي ولا بالمستوى العقائدي ، وإنما هو انحراف عن المستوى العقائدي سببه ضعف التربية الدينية .. فهم أقرب إلى عصابة نهب تلهث خلف السلطة من أجل المال ، هذا هو منهجها منذ المصالحة الوطنية أيام مايو ، وحتى لا يتهمنا القارئ بأننا إنما نبالغ بهذا الاتهام أو نصفي حسابات قديمة مع تلك الجماعة نقدم فيما يلي دليلنا على ما نقول .. عندما أنشأت الحركة الإسلامية بنك فيصل الإسلامي في عهد مايو ، لم يكن همها أن ترسي تعاليم الإسلام في العدل بين الناس على الأرض ، ليتساوى الناس في الحقوق أو على الأقل ليجد كل إنسان الحد الأدنى من المال الضروري للحياة الكريمة .. وإنما كان هدفها الأول هو تجميع أقصى قدر يمكن تحقيقه من أموال الشعب لمصلحة تنظيمهم هم .. ولذلك خدعوا السلطة بالإرهاب الديني ، بفكرة الصيغ الإسلامية فاستجابت لهم فأقاموا بنك فيصل لتنفيذ خطتهم .. ففي عام 1979م – 1981م ، ارتفع حجم التمويل لدى البنك بنحو 318% بينما لم تتجاوز الزيادة في حجم التمويل لدى البنوك التجارية الأخرى مجتمعة نسبة 56% !! فهل نتجت هذه الطفرة من التجويد والكفاءة أم من الزج باسم الإسلام واستغلال العاطفة الدينية ؟؟ لقد نال بنك فيصل من الإعفاءات والامتيازات ما لم تنله البنوك المملوكة للدولة في ذلك الوقت ، واليك قائمة بذلك:-
    1- كل أموال وأرباح البنك معفاة من جميع الضرائب..
    2- الأموال المودعة في البنك بغرض الاستثمار معفاة من الضرائب..
    3- مرتبات الأجور ومكافئات العاملين بالبنك وأعضاء مجلس إدارته ، ومكافئات هيئة الرقابة الشرعية ، معفاة جميعها من الضرائب..
    4- خول القانون محافظ بنك السودان إعفاء البنك من أحكام القوانين المنظمة للرقابة على النقد في الحدود التي يراها مناسبة.. وعند افتتاح البنك أعفى المحافظ كل معاملات وتحركات رأس مال البنك وودائعه بالعملات الأجنبية من القوانين المنظمة للرقابة على النقد.
    5- القوانين المنظمة للخدمة وفوائد ما بعد الخدمة غير ملزمة للبنك ، كما أن قانون المراجع العام لسنة 1970م غير ملزم أيضاً..
    لقد مكنت هذه الإعفاءات والامتيازات البنك من أن يحقق أرباحاً عالية جداً ، إذ ارتفع صافي أرباحه من 2.5مليون جنيه عام 1980م إلى 10.2ميون جنيه عام 1981م ، أي بنسبة زيادة 330% في عام واحد!! (للمزيد راجع كتاب بنك فيصل الإسلامي – الأخوان الجمهوريون).. تصور كم من الأموال ضاعت على الخزينة العامة بسبب تلك الامتيازات والإعفاءات التي انتزعها هذا البنك من سلطة مايو عن طريق الإرهاب الديني ؟؟ إن تلك الأموال هي أموال الشعب نهبت في وضح النهار باسم الإسلام ، ولذلك قلنا أن ممارسة هذه الجماعة لا علاقة لها بالإسلام في أي مستوى من مستوياته .. هذا ما كان في عهد مايو ، وفي فترة الإنقاذ خاصة التسعينات من القرن الماضي وجدت جماعة الحركة الإسلامية الفرصة كاملة في السلطة ، وشرعت منذ اليوم الأول في السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد .. وقد عبر أحد قادتهم بعد الانقسام الشهير: (في عهد الإنقاذ عندما كنا سوياً في السلطة لا فرق بين أموال الدولة وأموال الحركة الإسلامية !!) لقد فصلوا للصالح العام كل من يظنون أنه عقبة في طريق هذا النهب المنظم ، فشردوا بذلك أبناء الشعب في أصقاع الأرض المختلفة تركوا زوجاتهم وأطفالهم وهاجروا يبحثون عن لقمة العيش الكريم .. فتعرضت تلك الأسر لضربات الخصخصة الموجعة ففقدت العلاج ، وفقدت التعليم .. أكثر من ذلك فإنهم مسخوا الخلق السوداني الأصيل الذي زرعه قادة الطرق الصوفية في هذه البلاد ، والذي شكل سمة الجاذبية التي تميز بها السودانيون عندما اغتربوا في الخارج .. هذا في القطاع العام ، أما في القطاع الخاص فقد سيطروا على كل قطاعاته سيطرة تكاد تكون تامة ، ولم يتركوا مجالاً في السوق إلا احتكروه لأنفسهم ، يستغلون الأسماء المنسوبة للإسلام كلافتات لأعمالهم الخاصة فمثلاً :المستوصف الإسلامي ، المخبز الإسلامي ، الصيدلية النبوية .. الخ .. إن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الشعب السوداني تحت سلطة هذه الجماعة ، نحتاج في متابعتها وتسجيلها إلى مجلدات ، فهذه مجرد خطوط عريضة .. فهل في هذا الواقع المرير ما يدل على وجود روح تربية دينية في أي مستوى من مستوياتها ؟؟ ألم نكن على حق عندما قررنا بصورة حاسمة أن ما جرى في السودان على يد الحركة الإسلامية لا علاقة له بالمستوى العلمي ولا بالمستوى العقائدي ؟؟
    في الفقرة التالية نقدم من ديباجة الدستور: ما هو الفرق بين الطريق العلمي والطريق العلماني ؟ ونترك للقارئ الفرصة ليقيم من خلال شرح الأستاذ محمود لهذا الموضوع هل ممارسات الحركة الإسلامية التي أشرنا إليها موجهة من عقل المعاش العلماني أم من عقل المعاد العلمي ؟ فإلى الديباجة:-
    يسمي كارل ماركس اشتراكيته : الاشتراكية العلمية .. في حين يسمي اشتراكية روبيرت اوين: الاشتراكية المثالية.. و الناس يتحدثون، في الوقت الحاضر ، عن العلمية بتأثر كبير برأي كارل ماركس عن اشتراكيته ، و لكنهم غير دقيقين في هذه التسمية .. اشتراكية ماركس علمانية ، و ليست علمية .. و كذلك كل ما يتحدث عنه الناس الآن ، إنما هو علماني ، و ليس علميا .. الفرق بين العلمية ، و العلمانية ، ان العلمانية علم ناقص .. و تجيء العبارة عنه في القرآن ( وعد الله ، لا يخلف الله وعده ، و لكن اكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم ، عن الآخرة ، هم غافلون!!)) سماه ، و نفي عنه ، انه علم .. قال ((لا يعلمون)) ثم قال " يعلمون ظاهرا" .. و هذا الظاهر إنما هو المادة كما تتبادر إلى حواسنا .. العلمانية تتعلق بالحياة الدنيا ــ الحياة السفلي ــ حياة الحيوان ، و تغفل عن الحياة الأخرى .. الحياة العليا ، و هي حياة الإنسان .. كارل ماركس ينكر الغيب ، و ينكر الحياة الأخرى ، و تتعلق اشتراكيته بالسعي في الحياة الدنيا ، وفي ، ظاهرها ، و من ثم فهو علماني ، و ليس عالما .. العلم هو الذي ينسق بين الحياة الدنيا ، و الحياة الأخرى، علي غرار العبارة النبوية : "الدنيا مطية الآخرة “ .. العالم ذكي، و العلماني شاطر.. و الفرق بين الذكي و الشاطر ان الذكي يملك ميزان القيمة ، و يقيم الوزن بالقســــط .. و الشاطر لا يملك هذا الميزان ، فهو يخبط كحاطب ليل .. الذكي يعرف الوسائل و الغايات ، و ينسق بينها ، فلا يصرف ، في سبيل الوسيلة ، من الجهد ، ما ينبغي ان يصرف في تحصيل الغاية .. و الشاطر قد يفني حياته في سبيل الوسيلة ، لأنه لا يملك التمييز الدقيق بين الوسائل،والغايات.. الدنيا وسيلة الآخرة ، فيجب ان تنظم بذكاء ، و بعلمية لتتأدي إلى الغاية المرجوة منها.. و لا يستطيع ذلك العلمانيون و إنما يستطيعه العلماء..

    16) الحضارة الغربية الحاضرة بشقيها ــ الاشتراكي و الرأسمالي ــ إنما هي حضارة مادية ــ قيمة الإنسان فيها مهدرة ، و قيمة الحطام مرتفعة.. هي حضارة، و ليست مدنية.. هي حضارة التكنولوجيا الهائلة ، و الآلات الرهيبة ، و لكن الإنسان فيها ليس سيد الآلة .. لقد نمت التكنولوجيا الثروة بصورة خيالية، و لكن ، لغياب القيمة ، لم يكن هناك عدل في توزيع الثروة ، و إنما انحصـرت في أيدي القلة ، و اصبح الفقر نصيب الكثرة ، فذهل الغني ، بالغني ، عن إنسانيته، كما شغل الفقير ، بالفقر ، عن إنسانيته، فانهزم الإنسان ، في هذه الحضارة المادية ، الآلية الهائلة، المذهلة.. لقد وصلت هذه الحضارة إلى نهاية تطورها ، ووقف طلائعها في نهاية الطريق المقفول ــ طريق المادية الخالية من الروحية.. و لا بد للبشرية التي سارت في هذا الطريق العلماني حتى بلغت نهايته من ان تعود لتدخل من جديد ، في الطريق العلمي..

    17) من الأمم الإسلامية أمم متقدمة ، بمقاس الوقت الحاضر ، فدخلت خلف طلائع الحضارة الغربية في هذا الطريق العلماني، و قطعت فيه شوطا ، به اعتبرت متقدمة ، في الوقت الحاضر.. و من الأمم الإسلامية أمم متخلفة ، بمقاس الوقت الحاضر ، فلم تصل حتى إلى مفترق الطريقين ــ الطريق العلمي و الطريق العلماني ــ وهي بذلك اعتبرت متخلفة .. أما نحن السودانيين ، فإننا ، بفضل الله علينا ، نقف اليوم في مفترق الطريقين .. لقد دخل بعضنا في طريق الحضارة الغربية الحاضرة ، تبعا لطلائـع هذه الحضارة ، و لكنه لم يوغل ، و لم يبعد عن مفترق الطريقين .. أما الشعب فانه بفضل الله علينا ، و علي الناس ، يقف عند مفترق الطريقين ، تماما ، محتفظا باصائل طبائعه التي قد قدها الله تعالي له من شريحة الدين (( أما نحن الجمهوريين ، فبفضل الله علينا ، و علي الناس ، قد امتد بصرنا حتى رأينا قافلة البشرية الحاضرة ، و هي تقف حائرة، عند نهاية طريق العلمانية المسدود ، و اصبح واضحا عندنا، ان علينا لأن ندخل بشعبنا طريق العلمية حتى نكون للبشرية ــ قل للإنسانية ــ طليعة جديدة .. طريق العلمية طريق مفتوح علي الإطلاق ، و سير الإنسانية فيه سير سرمدي .. فهو يحقق فيه ، كل حين ، قدرا من إنسانيته ، و من كرامته ، و من عزه ، و من كماله.. و ليس لكمال الإنسان نهاية ، لان نهايته عند الله (( و ان إلى ربك المنتهي )) و لا منتهي لكمال الله تبارك و تعالي .

    18) ان العلمية لا تستغني عن العلمانية ، و إنما تضعها في موضعها ، و هو موضع الوسيلة من الغاية ، علي غرار (( الدنيا مطية الآخرة)) .. فمن استغني بالدنيا عن الآخرة لقد ضل ضلالا بعيدا .. و من حاول ان يطلب الآخرة بدون الدنيا فقد ضل .. و القصد القويم هو ان تأخذ من دنياك زاد الراكب ، لتسير إلى أخراك .. هذا هو المقصود بقولنا ان العلمية لا تستغني عن العلمانية .. الحضارة العلمانية ، المادية الآلية ، الحاضرة ، حضارة عملاقة ، و لكنها بلا روح ، فهي تحتاج إلى مدنية جديدة تنفخ فيها هذا الروح و توجهها الوجهة الجديدة ، التي تجعلها مطية للإنسان بها يحقق إنسانيته، وكماله.. وهذا ماعلينا ان نقدمه نحن من الاسلام.. ان الطريق العلمي الجديد الذي علي الشعب السوداني ان يدخله منذ اليوم ، هاديه كتاب الأجيال ــ القرآن ــ و دليله محمد ، النبي الأمي، الذي جسد القرآن ، في اللحم و الدم فمعرفة الأكوان ــ العلمانية ــ و معرفة الله ــ العلمية ــ يجب التنسيق بينهما بعلم ، لان الأكوان إنما هي مطية الإنسان، في سيره إلى الله .. يقول تعالي : ((سنريهم آياتنا في الآفاق ، و في أنفسهم ، حتى يتبين لهم : انه الحق.. أو لم يكف بربك ، انه علي كل شيء شهيد ؟؟)) و يقول ( خلقت الأكوان للإنسان ، و خلقت الإنسان لي.. )) و هذا هو معني قوله تعالي : (( ما وسعني أرضي، و لا سمائي ، و إنما وسعني قلب عبدي المؤمن !!))

    19) علينا ان نعلم أنفسنا ! و ان نعلم شعبنا، و ان نعيد تعليم المتعلمين منا ، من جديد ، فنخرجهم من الطريق العلماني، إلى الطريق العلمي.. ان علينا لان ننشئ التربية ، و التعليم .. فأما التربية فببعث سنة النبي فينا معاشة .. و هي تعني ((العدل)) : العدل بين العبد و الرب ، و العدل بين العبد و نفسه، و العدل بين العبد و أهله ، و العدل بين العبد و الناس، و العدل بين الناس.. و هذا كله وارد في الكتب الجمهورية ــ ((طريق محمد)) و (( أدب السالك في طريق محمد )) و (( الرسالة الثانية من الإسلام)) و (( رسالة الصلاة)) و (( تعلموا كيف تصلون)) الخ الخ .. و سيكون مجال التربية التعليم الرسمي ، في المدارس ، و المنابر الحرة ، في كل ميادين القرى ، المدن ، و منابر المساجد ، و منابر المدارس ، و المعاهد ، و الجامعات ، و كل مجاميع الشعب .. و أما التعليم الرسمي سيكون مجاله المدارس ، و المعاهد ، و الجامعات ،هو تعليم يقوم علي العلم المادي التجريبي، حتى يتقن المواطن، و المواطنة ، المقدرة علي تصميم الآلة ، و صنعها ، و استعمالها ، و صيانتها ، لكي يكون نافعا لمجتمعه بتسخير العلم المادي لخدمته .. لقد قلنا ان العلم المادي ، و العلم الروحي، قد اتفقا علي وحدة الوجود ، و ذلك يعني ان بيئتنا التي ظللنا نحاول التعرف عليها في الآماد السحيقة بوسيلة العلم المادي ، و العلم الروحي ، قد ظهرت لنا علي حقيقتها ، بفضل الله علينا ، ثم بفضل هذين العلمين.. ان علينا لان نعيد توجيه برامج تعليمنا حتى يجد الفرد منا المقدرة علي المواءمة بين حياته وبين بيئته هذه الجديدة ، و لما كانت هذه البيئة الجديدة ، إنما هي بيئة روحية، ذات مظهر مادي كما سبق ان قررنا فقد أصبح علي الحي ان يعلم مظهرها و مخبرها ــ خصائصها و كنهها ــ و هذا ما يوجب تعلم العلم المادي ، التجريبي ، و العلم الروحي كليهما ، لكي يتم تواؤم الحي مع بيئته هذه القديمة، الجديدة..


    20) لقد أصبح علينا ان نعطي كلمة الديمقراطية : حكم الشعب بواسطة الشعب لمصلحة الشعب معني جديدا يناسب المرحلة المقبلة من مراحل تطور البشرية المعاصرة .. لقد سبق ان قررنا ان كلمة الديمقراطية قد تطورت في معناها عبر ما يزيد علي الألفي سنة بتطور معني كلمة الشعب .. لقـد أصبحت كلمة الشعب في الديمقراطيات النيابية عندنا اليوم تعني كل المواطنين ، من رجال، و نساء، منذ ان يبلغوا الرشد .. هذا تطور في ((الكم)) لا يكاد يحتاج إلى مزيد ، و إنما يجب ان ندخل ، في تطوير كلمة الشعب ،((الكيف)) بعد ان استوفينا ، أو كدنا نستوفي ، (( الكم)) .. ذلك بان الحكم الديمقراطي لا يمكن ان يحققه شعب جاهل كما سبقت إلى ذلك الإشارة .. و لا نعني بالجهل هنا عدم تعليم المدارس ، فقد سبق ان بينا ان تعليم المدارس، الحاضر ،علي النهج الغربي وحده ، ليس بعلم ، و إنما هو علم ناقص ــ هو علمانية ..
    هذه مرحلة البشرية ، و أمامنا مرحلة الإنسانية .. و مرحلة الإنسانية تطور فوق مرحلة البشرية ، كتطور مرحلة البشرية ، فوق مرحلة الحيوانية .. و لقد فصّلنا في ذلك في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابنا : (( رسالة الصلاة)) حيث تحدثنا عن مراحل نشأة الإنسان ، و قلنا ان له أربع مراحل ، في نشأته هذه المباركة .. قلنا هناك (( لقد تحدثنا عن المراحل الأربع من نشأة الإنسان .. تحدثنا عن المرحلة الأولى فقلنــا : ان بدايتها في الأزل ، حيث برز الإنسان في الجسد ، في المادة غير العضوية تلك التي نسميها ، اصطلاحا ميتة ــ ونهايتها عند دخول المادة العضوية فى المسرح..
    (( و تحدثنا عن المرحلة الثانية ، و قلنا : ان بدايتها عند ظهور المادة العضوية ــ تلك التي نسميها ، اصطلاحا ، حية ــ و نهايتها عند ظهور العقل .. و يتضح لنا من هذا ، ان الشبه كبير بين المرحلتين : الأولى و الثانية ، فهما معا مرحلة الجسد الصرف ، علي اختلاف مستوياته من ذرة بخار الماء وإلى أعلي الحيوانات الثديية ، ما خلا الإنسان ..
    وأما المرحلة الثالثة فهي تتميز عن المرحلة الثانية ببروز العقل من الجسد، و هو عهد جديد و خطير .. (( و أما المرحلة الرابعة فهي تتميز عن المرحلة الثالثة ، بدخول الحاسة السادسة ، و الحاسة السابعة ، في المسرح ، و تلك درجة جديدة من درجات الترقي ، تصبح بها الحياة البشرية شيئا جديدا ، مختلفا عما ألفنا من قبل .. و لذلك فأنا نستطيع ان نقول : ان لدينا ثلاث مراحل لنشأة الإنسان ، مرحلة الجسد الصرف ، و مرحلة الجسد و العقل المتنازعين، و أخيرا مرحلة الجسد ، و العقل المتسقين .. )) انتهي..
    و أما مرحلة الجسد و العقل المتنازعين هي مرحلة البشرية ، منذ بدء الخليقة ، و إلى اليوم .. و أما مرحلة الجسد و العقل المتسقين ، فهي مرحلة الإنسانية ، التي هي قبلة البشرية الحاضرة ، منذ اليوم ، و ليس لها منها بد ..

    21) مرحلة الجسد و العقل المتنازعين، هي مرحلة الكبت ، التي نعيشها الآن و التي بها ارتفع الإنسان فوق مرتبة الحيوان ــ فوق مرحلة الجسد الصرف ــ و الفضل في ذلك لله ، ثم للعقل.. و العقل عقلان، عقل المعاش، و عقل المعاد .. فأما عقل المعاش فهو القوة الّدراكه فينا التي استلها من الجسد ، الخوف من القوي الرهيبة التي هددت الحياة بالموت الذريع ، منذ أول النشأة .. فهو ، من أجل ذلك ،قلق، مضطرب ، خفيف ، يجسد الخوف و يجسد الحرص .. و هو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان و حركته ليست فكرا ، و إنما هي قلق ، و خوف مما يجيء به المستقبل المجهول .. هو غريزي ، و ليس مفكرا .. هو شاطر، و ليس ذكيا ، و إدراكه علماني، و ليس علميا .. و قد وردت الإشارة لهذين المعنيين قبل حين .. و من هذا العقل يجيء الجبن، و الحرص ، و حب الادخار ، و البخل ، و كل مذام الصفات .. و أما عقل المعاد فهو أيضا القوة الدّراكه فينا ، و هو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش ، والقلب ، وهو أيضا خايف ، و لكن خوفه ليس عنصريا ، ساذجا ، و إنما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد ، الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر .. عقل المعاد ،موزون،رزين ، وقور .. و هو أيضا موكل بحفظ الحياة ، و لكنه لا يخاف عليها من كل ناعق ، كما يفعل عقل المعاش ، و ذلك لأنه يملك موازين القيم .. فهو قد يستهين بالخطر الماثل ، في سبيل الآمن الدائم ، و هو قد يضحي باللذة العاجلة ، ابتغاء اللذة الباقية ــ هو ينشغل بالحياة الأخرى ، اكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا ــ عقل المعاد هو عقل الدين ــ هو الروح ــ نحن لا نفهم الدين بعقل المعاش ، و إنما نفهمه بعقل المعاد.. و عقل المعاش يتأثر بعقل المعاد ، و يؤثر فيه ، قال تعالي في العقلين ( الشيطان يعدكم الفقر ، و يأمركم بالفحشاء ، و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا ، و الله واسع عليم ..)) الشيطان هنا عقل المعاش ، و الرحمن عقل المعاد .. و الشيطان داخلنا ، و خارجنا.. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير ، و داخلنا هو عقل المعاش ، الذي ينصت للشيطان ، و يأتمر بأمره .. و إنما هو داخلنا لأننا خلقنا مـن الطين المحروق بالنار ، في حين خلق الشيطان من النار .. (( خلق الإنسان مـن صلصال كالفخار* و خلق الجآن من مارج من نار )) .. و عقل المعاش حين يؤثر علي عقل المعاد يزلزله ، و يخرجه من وقاره ، و يذهله عن قيمه ، و إنما من أجل تهذيب عقل المعاش جاءت الشريعة .. فهي، بوسيلة العبادة ، و بوسيلة العقوبة ، تسير عقل المعاش ليتهذب ، و يلتقي بعقل المعاد ..

    22) و العبادة ثلاث مستويات: فكرية و قولية ، و عملية .. و اعلي مستويات العبادة العملـية الصلاة .. و هي تشمل الفكر، و القول، و العمل، منذ بداياتها .. و الصلاة تهذب عقل المعاش ، بصورة أوكد من كل عبادة ، لأنها تحارب الجولان بين الماضي، و المستقبل، و تروض المصلي على ان يعيش اللحظة الحاضرة .. و هي قد فرضت في مقام ( ما زاغ البصر و ما طغي)) .. و من ههنا اكتسبت المقدرة علي محاربة الجولان ، بين الماضي و المستقبل، الذي هو آفة فكر المعاش الأساسية .. و أما وسيلة العقوبة و أعلاها الحدود.. و الحدود خمسة ، و قد وردت الإشارة إليها في موضع سابق من هذا الحديث.. و الحدود يمكن ان تنضوي تحت القصاص .. فالقصاص معاوضه ــ من اتلف شيئا يعوضه ــ و الحدود معاوضه و القصاص قانون حياة ، أولا ، ثم قانون دين، ثانيا .. قبل ظهور العقول كان القصاص ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* و من يعمل مثقال ذرة شر يره)).. ثم بعد ظهور العقول جاء قانون الدين ( و كتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس ، و العين بالعين ، و الأنف بالأنف ، و الأذن بالأذن ، و السن بالسن، و الجروح قصاص..)) و اليوم فان قانون الحياة ساير.. و أحسن حالات الناس ان يسيروا بقانونهم مصاقبين لقانون الحياة .. و قد جاء قانون الدين مصاقبا لقانون الحياة ، لان الله تبارك و تعالي ، يريد ،بمحض فضله، للعقل البشري ان يصاقب ، و ينطبق ، علي العقل الكلي ــ العقل المحيط ــ العقل الالهي.. و من اجل ذلك أرسل الرسل ، و أنزل الكتب ، و شرع الشرائع.. و لقد جاء عندنا في القرآن ( و أنزلنا اليك الذكر ، لتبين للناس ما نزل إليهم ، و لعلهم يتفكرون ..)) فبالعبادة و المعاملة ، في المجتمع ، وفق الشريعة ، و الطريقة ، و الحقيقة ، يــقوي الفكر ، و يسير العقل بالحياة مصاقبا للعقل الكلي ، كل حين، و في ذلك كمال العقل ، و القلب ، و الجسد..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-09-2007, 02:33 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)


    أخي الأستاذ خلف الله
    رمضان كريم
    شكرا على رفد الخيط بمقالات الأخ محمد محمد الأمين القيمة
    أنا بدوري سأواصل عرض بقية أجزاء الديباجة على امل اكمالها قبل الأرشفة حتى تحفظ متكملة في المكتبة لقراء المستقبل
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-09-2007, 02:40 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    "43"

    وعن فتق الأكوان قال تعالي: ((أو لم ير الذين كفروا: إن السموات، والأرض، كانتا رتقا، ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شئ حي؟؟ أفلا يؤمنون؟؟)) ولكن هل رأى الذين كفروا: ((إن السموات، والأرض، كانتا رتقا؟؟)) نعم!! ولا!! وإلا لما جاز السؤال!! ، رأوا، لأنهم كانوا في جرم الإنسان‏.‏‏. وبالإنسان خلقت السموات، والأرض، مرتتقة‏.‏‏. وبالإنسان فتقت‏.‏‏. وهم قد كانوا هناك!! ولم يروا، عندما برزوا، من جرم الإنسان، إلى أجرامهم الخاصة بهم، والتي وقع عليها التكليف الشرعي بالأيمان‏.‏‏. فالحقيقة دائما بين بين، لا هي في النقيض الأيمن، ولا هي في النقيض الأيسر، وإنما هي بينهما، ويمر عليها البندول، وهو في حركته يمنة ويسرة‏.‏‏. بانفتاق السحابة التي كانت مرتتقة برز الكون، بأجرامه التي لا تحصى‏.‏‏. والكون كونان، انفتق أحدهما من الآخر، وفق السنة الإلهية في خلق الزوجين‏.‏‏. الكون الخارجي، والكون الداخلي‏.‏‏. الكون الخارجي هو كون الشموس، والمجرات - كون الشموس الثابتة‏.‏‏. وهي لم تسم ((الثابتة)) لأنها غير متحركة، فما في الكون الحادث إلا متحرك، وإنما سميت ((الثابتة)) لأنها محفوظة النسب، في مواقعها، رغم حركتها الدائبة، حول نفسها، وحول ونحو مركز، هو نفسه، متحرك، يطلب من لا تصح في حقه، الحركة، ولا السكون: ((وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم!!)) ‏.‏‏. والكون الداخلي هو كون المجموعة الشمسية - وهو جيب صغير جدا، داخل الكون الخارجي‏.‏‏. ولقد كان الكون الخارجي سحابة مرتتقة، فانفتقت، فبرزت، من تلك السحابة، النجوم، والشموس، والمجرات‏.‏‏. ولقد كان الكون الداخلي سحابة مرتتقة، فانفتقت، فبرزت من تلك السحابة شمسنا المعروفة، وبناتها، الكواكب السيارة التسعة - الأرض، والزهرة، وعطارد، والمريخ، والمشتري، وزحل، ويورينص، ونبتون، وبلوتو‏.‏‏. ومن الناحية المادية فان مركز الكون الداخلي الشمس‏.‏‏. ولكن، من الناحية الروحية، فان مركزه الأرض، لأن الأرض هي موطن الإنسان‏.‏‏. والإنسان سيد الأكوان‏.‏‏. وكان القدامى، السذج، البسطاء، الطيبون، يظنون هذا الظن‏.‏‏. فلما تقدم العلم المادي ، وجاء الفلكيون، المحدثون، اكتشفوا أن مركز الكون الداخلي، إنما هو الشمس، وما الأرض إلا كوكب سيار، لا نور له من ذاته، وإنما يستمد نوره من الشمس‏.‏‏. وهذا صحيح في المرحلة‏.‏‏. وعندما يجئ الوقت المعلوم‏.‏‏. عندما تتحد المادة والروح‏.‏‏. فستظهر الأرض الكبرى، من الشمس، وبناتها، ومنها، وأهمها الأرض‏.‏‏. ويومها تنطفئ الشمس، وتبرد، وتنشأ فيها الحياة الأخرى‏.‏‏. وتصبح هذه الأرض الكبرى هي الكون الداخلي، وحولها يدور الكون الخارجي، والجميع يدور حول المطلق، حيث لا حول، يومها يتحقق حلم القدامى السذج، البسطاء، الطيبين، الذين ضحك، من سذاجتهم، الفلكيون، الماديون، المتحذلقون، اليوم‏.‏‏. يومها يصبح الكون الداخلي، والكون الخارجي، مركز الأرض الجديدة، الأرض الكبرى - يصبح المركز المادي، والروحي، واحدا، لأن المادة، والروح، قد زوجتا، فبرزت الوحدة‏.‏‏.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-09-2007, 05:53 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    "44"

    الكون الداخلي صغير جدا‏.‏‏. أبعد كواكبه، من الشمس، كوكب بلوتو‏.‏‏. وهو على بعد 3671 مليون ميل، تقريبا، من الشمس‏.‏‏. وأقرب نجم، من نجوم الكون الخارجي من الشمس، يقع على بعد 4‏.‏22 سنوات ضوئية‏.‏‏. يعنى أن نوره يصل إلى الشمس في 4‏.‏22 سنوات‏.‏‏. فإذا علمنا أن النور يسير بسرعة 186‏.‏282 ميل في الثانية الواحدة، تبين لنا كيف أن الكون الداخلي جيب صغير، داخل الكون الخارجي‏.‏‏. إن الكون الداخلي بمثابة الرحم، من الكون الخارجي‏.‏‏. وفي هذا الرحم تكونت الحياة - حياة الدم واللحم - في الأرض، كما تتكون حياة الأحياء في أرحام الأمهات اليوم‏.‏‏. الكون الداخلي صغير، ومحدود، إلا باعتبار المادة - باعتبار المسافات، وإلا فانه أهم من الكون الخارجي، بنحو قريب من كون الإنسان - برغم صغر جرمه - أهم من جميـــع الأكوان‏.‏‏. وما دمنا نتحدث عن الأبعاد لتصوير صغر الكون الداخلي، إذا ما قورن، من حيث الحجم، بالكون الخارجي، فلنذكر أن نور القمر يصل إلى الأرض في 1‏.‏28 ثانية ((ولقد قطعت مسافة القمر من الأرض بمركبة القمر في أربعة أيام ‏.‏‏.)) فهل نستطيع أن نتصور بُعد أقرب نجم إلينا من الكون الخارجي، حين يسافر نوره إلينا، في 4‏.‏22 سنوات؟؟ وما هي فرصة الإنسان في السفر في الكون الخارجي؟؟ أو ما سمي بالفضاء الخارجي؟؟ (و الحقيقة ليس هناك فضاء في الكون، وإنما كله معمور بالحياة، ولكنها ليست الحياة التي نعرفها بعقولنا)‏.‏‏. وما دمنا في ذكر القمر، فلنقل إنه، عند الفلكيين، ليس بكوكب من الكواكب السيارة، وإنما هو تابع للأرض والأرض هي الكوكب السيار حول الشمس‏.‏‏. ولكن، من وجهة نظر الدين، فان القمر أهم من جميع الكواكب السيارة، ما خلا الأرض‏.‏‏. وثالوث الأرض، والشمس، والقمر، يرد كثيرا في القرآن‏.‏‏. ولقد ورد ذكر القمر سبعا وعشرين مرة‏.‏‏. وورد ذكر الشمس، ثلاثا وثلاثين مرة‏.‏ وورد ذكر الأرض، من حيث هي، نحو أربعمائة وستون مرة‏.‏‏. ولأهمية الكون الداخلي فان الدين، في المرحلة، ركز عليه كثيرا‏.‏‏. يقول تعالي: ((و لئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ليقولن الله‏.‏‏. فأنّى يؤفكون؟؟)) ويقول تعالي: ((الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها، ثم استوي على العرش، وسخر الشمس، والقمر، كل يجرى لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون ‏.‏‏.)) قولــه تعالي: ((كل يجــرى لأجل مسمى)) هو ما قلنا عنه: إن الدين ركز، في المرحلة علي، الكون الداخلي، وإلا فان، في عبارة السموات، موجودٌ الكون الخارجي المرئي الآن، وغير المرئي، المعروف الآن، وغير المعروف‏.‏‏. وفي الكون الداخلي، فإن السموات سبع، باعتبار أن الأرض هي المركز‏.‏‏. السماء الأولى القمر، والثانية الزهرة، والثالثة عطارد، والرابعة الشمس، والخامسة المريخ، والسادسة المشتري، والسابعة زحل‏.‏‏. والكواكب السيارة، فوق زحل، وهي ثلاثة، لا تكاد ترى بالعين المجردة‏.‏‏. وعلى عهد العرب ، فان الفلكيين كانوا يعتبرون زحلا أبعد الكواكب‏.‏‏. ولقد قال أبو العلاء المعري، في ذلك:

    زحل أشرف الكواكب دارا من لقاء الردى على ميعاد

    فالسموات السبع هن، الأجرام السبعة، ومداراتها السبعة، قال تعالي، في ذلك: ((ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وما كنا، عن الخلق، غافلين ‏.‏‏.)) وإلى هذه الأجرام السبعة وثامنتها الأرض، تشير لدى التجسيد، الأسماء الحسنى الثمانية، وهي: الملك للأرض، والقدوس للقمر، والسلام للزهرة، والمؤمن لعطارد، والمهيمن للشمس، والعزيز للمريخ، والجبار للمشتري، والمتكبر لزحل‏.‏‏. وهذه الأسماء، وجميع الأسماء الحسنى، هي في حق الإنسان، وتتعالى عنها الذات العلية، فهي فوق الأسماء، وفوق الإشارات‏.‏‏. ولان الكون، من الإنسان، أبرزه الله خارجه ليعلمه به، قال تبارك وتعالي: ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق‏.‏‏. أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟؟)) و(أنه الحق)) هنا تعود على الإنسان، ومن ورائه إلى الذات المطلقة، ولكن عندما يصبح الحق حقيقة، وعندما تنقطع العبارة والإشارة ‏.‏‏.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-09-2007, 08:12 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    "45"

    كل ذرة، من ذرات الكون، أرضه، وسمواته، المرئي منها، وغير المرئي، والمعروف منها، وغير المعروف، له مقابل في بنية الإنسان - قلبه، وجسده، وعقله‏.‏‏. ذلك بأن الله، تبارك، وتعالي، قد خلق الكون على صورة الإنسان، وخلق الإنسان على صورته هو سبحانه وتعالي، ولقد قال المعصوم: ((إن الله خلق آدم على صورته))‏.‏‏. وهذه العلاقة الحميمة هي التي جعلت قوى العبادة في الإنسان تتجه إلى نظائرها في الكون، فعبد الشجر، وعبد الحجر، وعبد النار، وعبد الأجرام السماوية، وعبد الظواهر المختلفة، في البيئة التي تكتنفه‏.‏‏. وأرفع العبادة، لقوى الطبيعة، في طريق التوسل بها إلى خالقها، ما اتفق لإبراهيـم الخليل، حيث يقص علينا الله، تبارك، وتعالي، من خبره: ((و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات، والأرض، وليكون من الموقنين * فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبا‏.‏‏. قال هذا ربى!! فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا، قال: هذا ربى‏.‏‏. فلما أفل، قال: لئن لم يهدني ربى، لأكونن من القوم الظالمين * فلما رأى الشمس بازغة، قال: هذا ربى‏.‏‏. هذا أكبر‏.‏‏. فلما أفلت، قال: يا قومي!! إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات، والأرض، حنيفا، وما أنا من المشركين))‏.‏‏. وكذلك هداه الله إلى الحق بآيات الآفاق‏.‏‏.
    ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم انه الحق ‏.‏‏.)) إن الكون هو الإنسان، ولكن الإنسان ليس هو الكون، لأن الإنسان أهم من الكون‏.‏‏. وإن الإنسان هو الله، ولكن الله ليس الإنسان، لأن الله باق - كائن - والإنسان فان - مستمر التكوين‏.‏‏. وهو مستمر التكوين يطلب كينونة الله!! وهيهات!! هيهات!! وإنما حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين، في السرمد، وهذا هو كماله، وليس لكماله نهاية، لأن إنما هي عند الله، حيث لا عند‏.‏‏. ((وأن إلى ربك المنتهى)) ولا منتهى ‏.‏‏.
    هذا هو الله‏.‏‏. وهذا هو الكون‏.‏‏. نحن من الله، وإلى الله‏.‏‏. والكون منا، وقد خلقه الله لنا ليعيننا، فهو منا، وإلينا‏.‏‏. ولكن الجهل، منذ أول النشأة، وإلى اليوم، قد أوهمنا أننا إنما نعيش في وسط العداوة‏.‏‏. قال شاعرنا، في وقت متأخر جدا، إذا ما قورن ببدء النشأة:
    كأن فجاج الأرض، وهي عريضة لدى الخائف، المطرود كفة، حابل
    يؤتى إليـه: أن كل ثنية تيممهـا ترمـى إليـــه بقـاتــل‏.‏‏.
    هذا الخوف الساذج، الفطري، الذي أملاه علينا الجهل، المطبق، في سالف عصورنا، لا يزال يوهمنا بالعداوات، ويغرى بيننا البغضا، والأحقاد، والضغائن، ويثير الحروب‏.‏‏. وفى تطورنا نحو التحرر من الخوف ننزل المنازل المختلفة، ونعرف، في مستوى من المستويات، كل حين، حقيقة البيئة التي نعيش فيها‏.‏‏.
    ولقد جاء القرآن ليوحد هذا الخوف في الله وحده، ريثما يحررنا، بالعلم، من الخوف العنصرى، الساذج، وحتى من خوف الله‏.‏‏. إقرأوا هذه الآيات، شديدة الدلالة على جهلنا، بالغة الحكمة في علاجنا، من ذلك الجهل‏.‏‏. قال تبارك وتعالى: ((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات، أو قتل، انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه، فلن يضر الله شيئا، وسيجزى الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، كتابا مؤجلا، من يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها‏.‏‏. وسنجزى الشاكرين * وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في امرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين * يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم، فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم، وهو خير الناصرين * سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانا، ومأواهم النار، وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم، ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم، والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم، من بعد الغم، أمنة، نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون: هل لنا من الأمر من شئ؟؟ قل إن الأمر كله لله‏.‏‏. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك‏.‏‏. يقولون: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا‏.‏‏. قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، وليبتلى الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم، يوم التقى الجمعان، إنما استذلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم‏.‏‏. إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا، وقالوا لإخوانهم، إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحي، ويميت، والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله، أو متم، لمغفرة من الله، ورحمة، خير مما يجمعون * ولئن متم، أو قتلتم، لإلى الله تحشرون * فبما رحمة، من الله، لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب، لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون))‏.‏‏. ومشكلتنا كلها واردة في قوله تعالى: ((وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية!!)) سبب الخوف جهلنا، وحرصنا على سلامة أنفسنا، حتى لقد ظننا بالله غير الحق‏.‏‏. والآن فان كل وكد الدين هو تحريرنا من الخوف، عن طريق العلم، وعن طريق تسليم أنفسنا لله، فهو أولى بها منا‏.‏‏.
    و إنما من أجل ذلك، كتب علينا أن نقاتل في سبيل نصرة الله، ونصرة الحق، قال تعالى: ((كتب عليكم القتال، وهو كره لكم‏.‏‏. وعسى أن تكرهوا شيئا، وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شئ وهو شر لكم، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون ‏.‏‏.))
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-09-2007, 05:37 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    الحلقة الرابعة
    من أوراق الأستاذ/ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (4)
    الحدود والقصاص قوانين علمية ودستورية في قمة الانسجام مع الدستور الإنساني

    محمد الأمين عبد الرازق
    [email protected]
    قال الأستاذ عبد الخالق محجوب وهو يتجاذب أطراف الحديث مع الأستاذ محمود حول تجربة تطبيق الاشتراكية على الفهم الماركسي ، أنه لاحظ من متابعاته لإصدارات المكتبة السوفيتية بالخرطوم ، أن هناك حوادث سرقة وسطو بالاتحاد السوفيتي بالرغم من النجاح الذي حققته الاشتراكية في توفير حد معقول من الاحتياجات المادية لكل مواطن .. أوضح الأستاذ محمود في تعقيبه أن السبب في ذلك هو الخوف الموروث المترسب داخل النفوس والذي لا يمكن معالجته إلا بمنهاج الإسلام في مستواه العلمي ، فلا بد من إدخال الدين في الصورة وربط الدنيا بالآخرة ، الأمر الذي رفضته الماركسية ابتداءً.
    إن تهذيب عقل المعاش في اتجاه عقل المعاد ، هو موضوع المرحلة العلمية من الإسلام .. والإنسان في هذا المستوى محاسب على سريرته الداخلية ، قال تعالى: (إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ، أما في المستوى العقائدي فإن القاعدة هي الحديث النبوي: (إن الله قد تجاوز لأمتي ما حدثوا به نفوسهم ما لم يقولوا أو يعملوا) .. الخطاب هنا لأمة المؤمنين بصورة خاصة ، فإن الله قد خفف عليهم في التشريع لظروف حكم الوقت .. وعندما نزل قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) قالوا: أينا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته يا رسول الله؟؟ فنزل قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) .. المستوى العلمي دعوة إلى جميع الناس على اختلاف معتقداتهم ليتوافوا على حكم الدستور وسيادة حكم القانون .. قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله وعمل صالحاً فلهم جرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .. المستوى العقائدي يفرق الناس على قاعدة (كل حزب بما لديهم فرحون) والمستوى العلمي يجمع الناس كاجتماع الناس اليوم على العلم المادي .. ومن أوضح ما جاء عن المستويين قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) هم مؤمنون ثم يندبهم إلى الإيمان من جديد ، فكأنه يشير بالإيمان الجديد إلى إيمان النبي الكريم القائم على العلم وليس على العقيدة .. قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) والفرق كبير بين إيمان النبي وإيمان الأمة .. إن المستوى العقائدي من الإسلام الذي قامت عليه الشريعة السلفية للفرد ولتنظيم المجتمع باستثناء الحدود والقصاص ، قد خدم غرضه حتى استنفذه ووجب الانتقال منه إلى المستوى العلمي الذي كان عليه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. والحدود والقصاص مستثناة لأنها في الأساس مأخوذة من العلم وليس من العقيدة .. ويمكن القول أن المستوى العقائدي عندما يوضع بازاء المستوى العلمي يكون في عداد العقائد السابقة ، لأن الالتزام به وتطبيقه غير ممكن عملياً ، وطاقة البشرية اكبر منه .. وقد أنذر النبي بذلك في الحديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه ، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟؟ قال فمن؟) يعني من غيرهم .. والمعنى المراد من النذارة واضح ، وهو أن حركة التطور عندما تتخطى مرحلة معينة فإن أي محاولة للرجوع إليها تفرز انحرافات ، ولذلك ما نراه اليوم من دعاوى للإسلام أو المسيحية واليهودية ، إنما هو انحراف ، فهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، ويعتبرون كل من ليس معهم مجرد حطب للنار ، فينتهكون حقوقهم ويجورون عليهم .. قال تعالى: (قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق) .. نكتفي بهذه الإضاءة في توضيح الفرق بين المستوى العلمي والمستوى العقائدي من ناحية المنهاج التربوي وقد تناولنا انعكاس ذلك على تشريع المجتمع في الحلقة السابقة.
    إن الربط بين الدنيا والآخرة على قاعدة الحديث النبوي(الدنيا مطية الآخرة) إنما بشكل الأساس الذي ترتكز عليه حركة تطور الفرد الروحية .. وهذه المسيرة توجه بالتربية وتحكم بالعقوبة وفق القوانين الدستورية .. والقانون الدستوري هو الذي يحقق حين يطبق مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ، في آن واحد .. فما هي مصلحة الجماعة؟ وما هي مصلحة الفرد؟ .. الجواب إن مصلحة الجماعة هي استتباب الأمن وإقامة المجتمع الصالح الذي يقوم على الدعامات الثلاث الاشتراكية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية .. عندما تحقق هذه الأرضية فإن الفرد يجد الفرصة في تحقيق حريته الداخلية وكمالاته في تجديد حياة فكره وحياة شعوره في انطلاق نحو الحياة الكاملة ، فالإنسان الكامل هو الابن الشرعي لمجتمع الكامل .. إذن مصلحة الفرد في المرحلة هي أن يتربى ويضبط نفسه بحيث لا يتعدى على حريات الآخرين حتى يكتمل البناء الاجتماعي المنشود من أجل مستقبله هو .. من اجل ذلك جاءت العقوبات في الإسلام لتعين الفرد على الانضباط واحترام القانون الدستوري .. والمجتمع البشري له حدود كحدود ملعب كرة القدم .. القانون هو الذي يجعل لعبة كرة القدم ممتعة وجذابة ، وإذا أخرجنا القانون من الصورة تصبح فوضى لا قيمة لها .. وكذلك المجتمع البشري فإن حياة الناس لا يمكن أن تكون نامية ومتطورة إلا إذا حكمت بالقانون الدستوري الذي يكفل الحقوق الأساسية ، في حرية الرأي والتفكير لجمع المواطنين على قدم المساواة ، ويعاقب كل من يتعدى على الحريات .. وكما أن هناك قدر من الأخطاء يمكن أن تعالج داخل ملعب كرة القدم بالعقوبة ، فإن هناك حد إذا وصله اللاعب فإنه يطرد خارج الملعب تماماً .. هذه الصورة تنطبق على المجتمع البشري ، فإن للمجتمع حدود إذا وصلها المتعدي فإنه يطرد خارج الحياة البشرية بعقوبة الموت .. إن الحكمة من هذه العقوبة النهائية هي أن هذا الشخص استهان بالتجربة البشرية كلها التي وصلت إلى هذا المستوى من التطور بالدماء والعرق والدموع ، فكأنه أراد إرجاع الناس إلى الحيوانية مرة أخرى .. وهو على ذلك غير جدير بالبقاء فيها ، فبهذه العقوبة تتحقق مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد نفسه بتطهيره مما لحق به من الجريمة التي ارتكبها وإرساله إلى الحياة الأخرى بكفاءة عالية ما كان يمكن أن تتحقق بغير هذا الأسلوب .. المشكلة أننا نتفهم مصلحة المجتمع ولكننا لن نفهم أين مصلحة الفرد وقد فقد حياته إلا إذا استقر في أذهاننا معنى واضح للحياة الأخرى ، حياة ما بعد الموت .. هذه هي النقطة التي يجب أن نركز عليها .. أن حياة الإنسان تتكون من حلقات: حلقة أرحام الأمهات ، الحياة الدنيا وحلقة ما بعد الموت .. ولا يمكن لإنسان علمي أن يفصل بين هذه الحلقات وهو يتناول أي شأن من شئونها ، وذلك لأنها تؤثر على بعضها تأثيراً واضحاً .. فمثلاً طريقتنا في الحياة واختيار زوجاتنا تؤثر مباشرة على حياة الجنين في رحم أمه وتحدد تركيبته الوراثية ومن ثم تؤثر على حياته بعد الولادة كذلك.
    وحياة ما بعد الموت ، تاركة آثار واضحة على حياتنا الحاضرة ، وكل المصائب التي نعاني منها إنما تأتي بسبب الخوف من الموت بالجوع أو بالمرض أو بالكوارث ، هذا الخوف يجعلنا نؤذي بعضنا البعض فتضطرب حياتنا في جميع اتجاهاتها .. إذن هناك علاقة وثيقة بين هذه المراحل لا يمكن تجاهلها تجعل مراعاتها في وضع القوانين أمراً مقبولاً علمياً .. أقول هذا وفي ذهني مطالبة الأستاذ محمود بأن نضع الإشراف على الأطفال قبل الولادة تحت قانون وزارة الصحة حتى يضبط هل من يريدان الزواج خليقان بأن ينجبا أطفالاً أصحاء أم لا؟ وإذا لا يمنع الزواج بالقانون .. ولذلك إن من يقترف جريمة الحدود يعاقب بالعقوبة المحددة لأن فيها مصلحته هو في الحياة الأخرى ، ما بعد الموت وقد كانت عنده الفرصة الكافية لينتفع بالتربية نحو تلك الحياة ، والعقل يمكن أن يقتنع ويؤمن بذلك ريثما يوقن طالما أن الإطار العام يقبل ذلك بموضوعية .. من أجل ذلك قلنا في عنوان هذه الحلقة أن الحدود والقصاص قوانين دستورية وعلمية في قمة الانسجام مع الدستور الإنساني .. إن من يقطع حلقات الحياة المتصلة هذه ، ويركن إلى الحياة ما بين الولادة والموت فقط ، يقع في غفلة حقيقية ، فهو علماني وليس علمياً .. ونحب أن نؤكد نقطة هامة هي أن هذه القوانين الدستورية في الحدود أو في غيرها لا تفرض على الناس قسراً وإنما تشرع بالحجة والمنطق والإقناع .. هذا هو أسلوب المرحلة العلمية وقد ورد ذلك .. فإذا أجيزت في البرلمان تصبح قوانين سارية المفعول وألا تطرح في الحوار الموضوعي لإيجاد مزيد من القناعة بها ..
    جاء في كتاب (أسس دستور السودان – محمود محمد طه) حول موضوع الحدود والقصاص ما يلي: (وينتج من هذا أمران: أولهما أن القرآن اشتمل على دستور للفرد في المكان الأول ودستور للجماعة في المكان الثاني .. وثانيهما أن القرآن نسق تنسيقاً متسقاً بين حاجة الفرد الذي هو غايته ، وحاجة الجماعة التي هي وسيلته ، فلم يقم هنالك تعارض يوجب التضحية بأيهما ويمكن أن يلتمس هذا التنسيق الدقيق في تشريع الحدود حيث قد بلغ أقصى اوجه ، والله تعالى يقول: (وتلك حدود الله فمن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وأن توهم المعتدي جهلاً أنه قد ظلم غيره .. ولذلك فإن إقامة الحد عليه إنصاف لنفسه من نفسه في المكان الأول ، وإنصاف لغيره من نفسه في المكان الثاني .. وكذلك يلتمس هذا التنسيق الفريد في قوانين القصاص .. والله يقول: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) فهي حياة للفرد المقتص منه بنفي أوهامه وتنشيط ذهنه وتوسيع خياله ، وهي حياة للجماعة المقتص لها بحفظ نظامها واستتباب أمنها ..) إلى أن يقول: (يتضح من هذا أننا نتمسك بالتوحيد ، ونستقي منه تشريعنا الفرعي بالقياس على تشريعي الحدود والقصاص ، حتى يجيء متسقاً في اتجاه موحد لحاجة الفرد وحاجة الجماعة ، ونستسقى منه تشريعنا الأساسي (الدستور) بتمثل روح القرآن) .. انتهى النص ..
    هذا وقد نقلت الأخت بتول مختار يوم 16/9/1984م سؤال إلى الأستاذ داخل المعتقل حول مسألة الحدود فحواه أن فيها قسوة شديدة بالفرد ، أن تقطع يد زول مثلاً .. فهل ممكن تكون في تربية تغني عن ذلك ؟ رد الأستاذ: (مثل هذا الكلام يرد كثيراً ، وأننا نحن المسلمين تكون عندنا أفكار فيها بتر الأيدي في الوقت البتكون فيه جمعيات للمعوقين لتساعدهم ، .. لكن المجتمع البتكون فيه الحدود ، ما بتكون فيه أي مشكلة تجعل الفرد يتعرض للسرقة ، مجتمع اشتراكي وديموقراطي والفرد كل حاجياته مكفية ، فإذا سرق بعد ذلك يبحث هل هو مريض أو محتاج؟ ويستفاد من التطور في درء الحدود بالشبهات ، وبعد ذلك إذا سرق يقطع ، لأن الحياة ليست هذه الحياة الدنيا فحسب ، وإنما في الدنيا العذاب قصير) وضرب مثل: (إذا كان في امرأة بتدافع عن ابنها وهو دائماً يعمل مشاكل مع ناس الفريق ، وهي تدافع عنه أيضاً ، نفس الشيء إذا الناس أهملوا في العقوبة هنا سينال الناس عقوبة أشد) .. ثم حكى قصة سيدنا عمر عندما أقام الحد على ابنه وكان ابنه يطلب الرفق فيقول له أبوههذا رفق بك وأنا أريد أن أجعل حقك هناك في الآخرة أخف من هنا).. انتهى
    ماذا قال الأستاذ محمود عن قوانين الحدود والقصاص ، في آخر كتاباته (ديباجة الدستور) إذن اقرأ:
    23) وأشد القوانين انضباطا قوانين الحدود، و القصاص.. و آية انضباطها مقدرتها علي التوفيق بين حاجة الفرد، و حاجة الجماعة .. هذه المقدرة عجزت عنها جميع الفلسفات البشرية القديمة ، و المعاصرة .. و اظهر ما يظهر هذا العجز في الفكرة الماركسية .. و هي عندما عجزت عن التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية ،و حاجة الجماعة إلى العدالة ، اتخذت من عجزها فضيلة ، فادعت ان الجماعة أهم من الفرد ، فهزمت بذلك الغاية بالوسيلة.. و عجز الرأسمالية في هذا المجال ظاهر أيضا .. و يمكن القول بان إفلاس الحضارة الغربية ،الآلية المادية الحاضرة ، إنما يرجع إلى انعدام المذهبية التي تملك القدرة علي التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، و حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة.. ان حاجة الفرد، بدون ادني ريب ، إنما هي إلى الحرية الفردية المطلقة .. و في النظم السياسية التي تقوم عليها الحضارة الغربية الحاضرة ، بشقيها ، فان الحرية الفردية المطلقة تعتبر فوضي ، و ما ذاك إلا لانعدام التربية التي ترتفع بالإنسان فوق مستوي القوانين ــ ترتفع به إلى مستوي الأخلاق التي هي قمة القوانين .. الحرية الفردية،عندنا، في الإسلام ، علي مستويين : الحرية النسبية ، و هي ان يفكر الإنسان كما يريد ، و ان يقول كما يفكر ، و ان يعمل كما يقول ، علي شرط ان يتحمل مسئولية قوله ، و عمله ، أمام القانون الدستوري.. و الحرية المطلقة ، و هي ان يفكر الإنسان كما يريد ، و يقول كما يفكر ، و يعمل كما يقول علي شرط ان يكون فكره، و قوله، و عمله ،برا، و خيرا، بالأشياء ، و الاحياء..
    و القانون الدستوري،هو الذي حين يطبق، يحقق، في آن معا، حاجة الفرد، و حاجة الجماعة.. فلا هو يضحي بالفرد لمصلحة الجماعة ، و لا هو يضحي بمصلحة الجماعة في سبيل الفرد .. و لان المعلم واحد ، كما سبق ان قررنا ، و ان الأعراف البدائية ، الساذجة، البسيطة ، التي نشأ عليها المجتمع البشري ، حين نشأ ، بتقييد القوة الجنسية ، و بتقييد شهوة التملك ، و التي هي بدايات الحدود عندنا ، في الزنا ، و القذف ، و السرقة ، و قطع الطريق ، قد كانت دستورية ، فى معني التوفيق، بين حاجة الفرد، يومئذ ، و حاجة الجماعة.. لقد كانت عقوبات المخالفة لهذه الأعراف عنيفة ، اشد العنف ، و أقساه ، و لكن هذا العنف ، و هذه القسوة، قد كانت حاجة الفرد ، في المكان الأول ، ذلك لان الفرد قد كان حيواني النشأة ، غليظ القلب ، جافي الطبع ، ضعيف العقل ، لا يكاد عقله يسيطر علي نزوته ، و رعونة نفسه ، فكان غرض هذا العنف به، و القسوة عليه ، ان تقوي إرادته فيسيطر علي نفسه ، و يكبح جماحها .. و بهذا يسلك مسلك البشر ، و يتجافي عن مسلك الحيوان.. هذه حاجة الفرد ، في المكان الأول ، و ان لم يدركها .. ثم ان المجتمع قد كفل له حقه في الأمن ، و في التماسك ، في معني ما كف أفراده عن مخالفات أعرافه ، أو كادوا..
    24) ان الكبت قد بدأ من يومئذ.. و الكبت يعني السيطرة علي الشهوة، فلا تعبر عن نفسها في انطلاق بلا قيد ، كما يفعل الحيوان .. و إنما تعبر عن نفسها من خلال شريعة الحرام ، و الحلال.. و يضعف عقل المعاش عن السيطرة علي نزوة الشهوة ، ليحتاج إلى التقوية ، و ذلك بالتربية ، و بالعقوبة ، حين تعجز التربية عن بلوغ المرام .. و لقد جاء التعليم ، و جاءت شريعة العبادة ، و جاءت شريعة المعاملة ، في القرآن، لتروض الشهوة حتى تسير في مراقي الإنسان ، وتتجافي عن دركات الحيوان ، قال تعالي:
    (( أ تل ما أوحى إليك من الكتاب ، و أقم الصلاة.. ان الصلاة تنهي عن الفحشاء ، و المنكر ، و لذكر الله أكبر.. و الله يعلم ما تصنعون..)) .. و الفحشاء هنا تعني الزنا.. و المنكر يعني كل ما ينكره الشرع ، و من أعلاه القذف ــ قذف الآخرين بالزناــ و من أعلي المنكر أيضا السرقة ، و قطع الطريق.. من انتفع بصلاته امتنع عن الفحشاء ، و المنكر.. و من لم ينتفع تعرض للحدود.. و حد الزنا للمحصن الرجم بالحجارة علي رأسه حتى يتهشم.. و للبكر الجلد مائة جلده .. و حد السرقة اختلاسا ، و خفية ، قطع اليد اليمني .. أما حد الحرابة ، و هي الخروج علي الحاكم ، و قطع الطريق ، و إخافة السابلة في الطريق العام ، خارج المدينة ، و قتل النفوس ، و أخذ الأموال ، فهو درجات : فان أخاف الطريق ، و قتل ، و لم يأخذ المال ، يقتل .. و ان أخاف الطريق ، و قتل ، و اخذ المال ، يصلب.. و ان أخاف الطريق ، و لم يقتل ، و لكنه اخذ المال، يقطع من خلاف ــ اليد اليمني و الرجل اليسري .. و ان أخاف الطريق ، و لم يقتل ، و لم يأخذ المال ، ينفي من ارض وطنه ، لمدة يقررها القانون .. و لقد تبدو، لأول وهلة ، هذه العقوبات قاسية ، عنيفة ، و لكنها ليست كذلك ، في حقيقة الأمر ، و إنما هي حكيمة ، كل الحكمة ، حيث وفقت توفيقا تاما ، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية الطلقة ، و حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة .. و يجب ان يكون مفهوما بان هذه الحدود لا تطبق إلا من أجل إصلاح الفرد ، في المكان الأول ، ثم إصلاح المجتمع في المكان الثاني ، و ذلك لان ، في الإسلام ، الفرد هو محط نظر الله إلى الوجود ــ الفرد هو الغاية ، و كل شيء عداه هو وسيلته لتكميل نفسه ، و تطويرها ، و ترقيتها في المراقي لتلاقي الله .. القرآن ، و الإسلام ، و إرسال الرسول ، و تشريع التشريع، الغرض منه الإنسان .. المجتمع وسيلة الإنسان .. و لقد رأينا ، في أول النشأة ، كيف ان الله قد هدي الإنسان لاختراع المجتمع .. (( و أنزلنا إليك الذكر ، لتبين للناس ما نزل إليهم .. و لعلهم يتفكرون ..)) لعلهم يتفكرون التفكير المستقيم الذي يخلصهم من جهالة عقل المعاش ، و من قلقه ، و من خوفه ، و من شطارته ، ليصلوا إلى عقل المعاد، و اتزانه ، و شجاعته ، و ذكائه..
    25)بالتخلص من عقل المعاش ـ قل بتهذيب عقل المعاش ــ نتحرر من الخوف ، و نفض الكبت الذي رسبه فينا جهلنا بالبيئة ، التي عشنا فيها طوال الحقب السوالف من عمر الحياة علي هذا الكوكب.. يقول تبارك و تعالي عن الجبال : (( ألم نجعل الأرض مهادا* و الجبال أوتادا؟؟)) "أوتادا" ثبت بها الأرض .. و قال تعالي في ذلك ( و جعلنا في الأرض رواسي ان تميد بهم ، و جعلنا فيها فجاجا سبلا ، لعلهم يهتدون.. )) و هذا أوضح في تثبيت الله الأرض بالجبال .. و قد جعل الله العقول في ارض البنية البشرية كالجبال في ارض الكوكب ــ فهي لتثبيت البنية أيضا .. الجبال هي عقل المعاش .. و قد جاء التشريع ، و الرسول ، و القرآن ، من اجل تهذيب عقل المعاش ، و تطمينه من الخوف العنصري ، الذي هو الأب الشرعي لكل آفات السلوك.. و لقد جسد الرسول القرآن فعاشه في جميع حركاته ، و سكناته .. فتحرر من المخاوف التي يسوقها عقل المعاش ، فكان لا يخاف الرزق ، من أين يجيء ، و كان ينفق ما يزيد عن حاجته الحاضرة ، و كان يأخذ من الدنيا زاد الراكب ، وزهد في كل شيء عدا الله ، فتحرر من حب الادخار ، و حب السلطة، و حب التعالي على الناس، و من استرقاق العناصر إياه ، فاخلص عبوديته لله ( قل ان صلاتي ، و نسكي ، و محياي ، و مماتي ، لله رب العالمين، لا شريك له .. و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين ..)) هكذا كان ، و نحن نرفع نموذجه للناس ليهذبوا عقول معاشهم ، و يفضوا إلى عقول معادهم علي نحو ما فعل..

    26) ثم ان الذي لا يهذب ، بعبادته على المنهاج النبوي ـــ النموذج الحي ــ عقل معاشه ، فانه يحتاج إلى العقوبة لتسد ثغرات التربية التي لم تفلح فيها عبادته .. فان لم يتفق له ، بمحض الفضل ، هذا التهذيب بين العبادة ، و العقوبة ، فانه قد أضاع حياته الدنيا ، و ذهب لحياته الأخرى بغير زاد.. و الدنيا دار مسئولية ، و لكنها مؤجلة ، و الآخرة دار مسئولية ، و لكنها مباشرة ، و ناجزة ( و في الآخرة عذاب شديد ، و مغفرة من الله ، و رضوان .. و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور..)) فمن هذب عقل معاشه فجعله عقل معاد بممارسة العبادة وحدها ، أو بممارسة العبادة و العقوبة ، معا ، فقد ذهب إلى الله و له (( مغفرة من الله و رضوان )).. ومن أضاع فرصة مهلة الحياة الدنيا ، فله " فى الآخرة عذاب شديد " .. و يقول تعالي عن عقول المعاش التي لم تهذب في مهلة الحياة الدنيا (و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا تري فيها عوجا و لا امتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ، و خشعت الأصـوات للرحمــن ، فلا تسمـع إلا همسـا !!)).. و هم لا يتبعون الداعي إلا بعقل .. و هذا هو عقل المعاد ، و قد خلصهم الله ، بالعذاب الشديد ، من عقول معاشهم التي أهملوا تهذيبها في الحياة الدنيا .. و من نسف العقول ــ عقول المعاش ــ في الآخرة ، جاءت حكمة الرجم بالحجارة، حتى يتهشم الرأس، لمن يتورط في الزنا ، و هو محصن ، أي متزوج ، و قد سلفت له تجربة في معاشرة النساء .. فان كان غرا غير مجرب ــ بكرا ــ فانه يجلد مائة جلدة ، ليقوي الألم عقله ، حتى يسيطر علي نفسه ، حينما تتهالك علي اللذة الحرام .. فلسفة الألم تبدو معقولة في حق البكر، لأنه سيعيش ، بعد المائة جلده ، لينتفع ، في باقي حياته ، من التجربة .. و لكن ما بال المحصن الذي يفقد حياته بالرجم ؟! ما الذي أفاده ؟؟ سيدخل حياته الأخرى ، و هو مطهر ، قد نسف عقل معاشه هنا ، مما يغنيه عن نسفه في الآخرة .. و معلوم ان عذاب الدنيا قصير ، و نعيمها فان .. و عذاب الآخرة ابدي، و نعيمها سرمدي .. و لذلك فقد استيقن هذا أصحاب عقول المعاد ، فطلبوا ان يرجموا ليدخلوا حياتهم الأخرى مطهرين : ماعز ، و الغامدية ، اعترفا للنبي بالزنا ، و طلبا ان يطهرا ، و قد طهرا ..
    و قال النبي الكريم عن الغامدية أنها قد تابت توبة لو قسمت علي أهل الأرض لوسعتهم ))

    27) و عقل المعاش هو الذي يخيف الإنسان من الرزق ، من أين يجيْ؟؟ و يعده الفقر ، و يأمره بالسرقة ، فيسرق .. و لو كان عقل معاشه مهذبا ، حتى أفضى إلى عقــــل المعاد، لتحرر من خوف الرزق بعلمه ( ان الله هو الرزاق )) و بعلمه ( و علي الله فليتوكل المتوكلون )).. و هذا العلم هو الذي جعل النبي يدعوا ربه ( اللهم اجعل قوت آل محمد الكفاف )).. لم يكن يخاف ألا يرزقه الله الكفاف ، و لكنه كان يخاف الغني الذي يمد لعقل معاشه في الوهم .. و معلوم ان حاجة الله إلى العباد عقولهم ، و من اجل ذلك خلقهم في نشأة وسط ، لا هم بالأقوياء الذين يحلون مشاكلهم الحياتية بعضلاتهم ، فتتأخر عقولهم ، و لا هم بالضعاف ، الرخوين ، الذين لا يستطيعون ان ينهضوا لمطلق مناجزة ، او مصاولة .. هذه النشأة الوسط أعانتهم على حل مشاكلهم بعقولهم ، و بأيديهم ــ يخططون بعقولهم ، و ينفذون بأيديهم خططهم تلك فتتطور عقولهم في المراقي .. و السارق يهمل عقله ، و يحاول ان يــحل مشكلتـه بيده .. و لما كانت اليد وثيقة الصلة بالعقل فان حكمة الله اقتضت تعطيل اليد لينشــط العقل، أو قل : ليتهذب عقل المعاش .. و اكثر من هذا يقال عن قطع الطريق لأنــه محاربة للسلطان ، و إخافة للآمنين ، و سطو علي أموال الناس .. و الغرض ، وراء كل العقوبات ، هو تهذيب عقل المعاش عند المعاقب ، أو إرساله للحياة الأخرى و هو مطهر ، حين تبلغ العقوبة به اجتثاث حياته.. و إنما شدد في أمر الزنا للمحصن ، اكثر مما شدد علي السارق ، و قاطع الطريق ، لان الغريزة الجنسية هي الحياة كلها ، و لكن حب الملكية ليس غريزة ، و إنما هو التواء للغريزة ، سببه الخوف علي الرزق الذي يسوله وهم عقل المعاش .. أما حد السكر فهو ، كما سبقت إلى ذلك الإشارة ، اقل الحدود الخمسة انضباطا .. و هو إنما يقع علي السكر ، و ليس علي مجرد الشرب ، و الحكمة فيه ان الشارب إنما يهرب من واقعه لأنه لا يعجبه ، و يغرق عقله بالخمر ، ليعيش في دنيا من صنع خياله المريض ، و عقله المعطل بالخمر ، حتى ان شاعرهم قد قال :-
    فإذا سكرت فإنني * * رب الخورنق و السدير
    و إذا صحوت فإنني * * رب الشويهة و البعير

    فهذا الهروب من الواقع حالة مرضية ، و المطلوب من العاقل ان يتواءم مع واقعه ، مع أعمال عقله لتغييره للصورة التي يطمح إليها .. فمن اجل كرامة الفكر جاءت العقوبة بالجلد ، حتى يرده الألم للواقع ، فانه ليس مع وقع الألم فرصة لخيال مريض .. و هكذا تصان مصلحة الفرد ، و مصلحة الجماعة ، فى آن معا ، مصلحة الفرد بتهذيب عقل المعاش .. و مصلحة الجماعة بجعل أحد أفرادها فردا منتجا ، و نافعا لمجتمعه .
    2 هذه هي الحدود.. و هي شديدة الانضباط.. هي دستورية، في قمة الدستورية.. و لقد قلنا ان دستورية القوانين تعني مقدرتها علي التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، و حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة .. و تلي الحدود في هذا المضمار قوانين القصاص.. و لقد قلنا ان القصاص يقوم علي المعاوضه ـ من اتلف شيئا عليه ان يصلحه ـ عليه ان يعوضه ـ و هي ، بمعني أوسع ، تقوم علي ان تعامل الناس بما تحب ان يعاملوك به .. و هذه قاعدة تربية عظيمة النفع للفرد ، و للمجتمع.. و لقد قلنا ان تشاريع الحدود يمكن ان تنطوي تحت كلمة القصاص ، بمعني المعاوضه ، ذلك بان الحدود أيضا معاوضه .. و قلنا ان الحدود اشد انضباطا من القصاص ، ذلك بان القصاص يمكن فيه العفو ، كما تمكن فيه الدية .. و لكن الحدود إذا بلغت الحاكم ، فليس فيها إلا إقامتها .. و القصاص إنما تجيء دستورية قوانينه من مقدرته علي الجمع بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة ، و حاجة المجتمع إلى العدالة الاجتماعية الشاملة .. فمثلا من قلع عين إنسان لا بد ان يكون ضعيف التصور لمبلغ الألم الذي يلحقه ، بقلع عين أخيه الإنسان ، لأخيه الإنسان .. قد يكون ضعف التصور ناتجا من غضب استولي عليه ، فأخرجه عــن طوره، و عطل عقله ، فلم يسيطر علي رعونة نفسه .. و قد يكون ضعف التصــور ناتجا من ضعف عقل المعتدي ، و من قصر خياله ، فرأت حكمة التشريع ان تضعه في موضع المعتدي عليه ، فتقلع عينه ، ليذوق الألم الذي قصر خياله عن تصوره .. هذه التجربة توقظ عقله ، و تخصب خياله ، و تحي ضميره ــ تورثه حياة حية ــ و لذلك فقد قال ، تبارك و تعالي ، عن القصاص ، و هو يشمل الحدود ، كما سلفت الإشارة ( و لكم في القصاص حياة ، يا أولى الألباب ، لعلكم تتقون ..))و يجب ان يكون واضحا ، فان الحدود ، و القصاص ، لا تقام الا علي خلفية من العدل ــ العدل الاقتصادي ، و العدل السياسي ، و العدل الاجتماعي ــ و إلا علي بعث للتربية بإحياء منهاج العبادة ، التي تعين الأفراد علي أنفسهم ، ثم لا تجيء العقوبة ، حين تجيء ، إلا لتسد ثغرات الممارسة في العبادة ، حتى يعان الفرد الذي قصرت به عبادته بالعقوبة ليبلغ مبلغ يقظة العقل ، و حياة الضمير ، و توقد الذهن.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-09-2007, 02:24 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    "46"

    البيئة بيئتان: بيئة طبيعية، من العناصر الصماء، في الأرض، وفي السموات، وبيئة اجتماعية، من جميع الأحياء، من لدن حيوان الخلية الواحدة - سواء أن كانت خلية حيوان، أو خلية نبات‏.‏‏. والبيئة مع ذلك، وحدة متحدة، الاختلاف بين أعلاها، وهو الإنسان، وأسفلها وهو ذرة بخار الماء، إنما هو اختلاف مقدار‏.‏‏. هذا يعنى أن أصغر جزيئات المادة، إنما هي على صورة الإنسان، وهي الإنسان ، في طور من أطوار نموه، نحن لا نعرفه، كما أنا لا نعرف الإنسان، وهو في طور الحيوان المنوي‏.‏‏. نحن لا نعرفه إلا بعد أن يولد، بشرا، بعد مكث تسعة أشهر، وبضعة أيام، في الرحم‏.‏‏. أن البيئة - سواء أكانت طبيعية، أو اجتماعية ‏.‏ إنما هي مظهر الله العلى‏.‏‏. لقد تنزلت الذات العلية من صرافتها إلى مراتب الأسماء والصفات‏.‏‏. تنزلت إلى مرتبة الاسم (الله) وبهذا الاسم قامت الأسماء والصفات والأفعال‏.‏‏. وأعلى هذه الأسماء: الله، الرحمن، الرحيم‏.‏‏. ثم يجئ ثالوث الأسماء: العالم، المريد، القادر‏.‏‏. وبهذا الثالوث، بصورة ندركها أكثر مما ندرك ثالوث الأسماء الأول، ظهر الخلق - ظهرت البيئة - ونحن، إنما ندرك هذا الثالوث أكثر مما ندرك الثالوث الأول - الله، الرحمن، الرحيم - لأن عندنا فيه مشاركة، أكثر مما عندنا في الثالوث الأول‏.‏‏. فنحن، كل منا، قد خلقه الله عالما، ومريدا، وقادرا، في المستوى الذي يليق بنا‏.‏‏. وإنما برزت البيئة الطبيعية، والاجتماعية، إلى الوجود بهذه الأسماء الثلاثة‏.‏‏. فالله، تبارك، وتعالى، قد أحاط بها علما، وقد خصص الصورة الأولى منها إرادة، وقد جسدها، بالصورة التي تؤثر على حواسنا، وعقلنا، قدرة‏.‏‏. فهو بالعلم أحاط بالمخلوقات، وبالإرادة خصص صورتها المحددة، وبالقدرة أبرز هذه الصورة في عالم الاجساد‏.‏‏.
    هذه صورة خلق الله‏.‏‏. وتشبهها صورة خلق الإنسان‏.‏‏. فالنجار، تكون في عقله صورة للتربيزة التي يريد صنعها - تكون في علمه، بصورة عامة‏.‏‏. فإذا أخذ قلما، وورقة، فرسم ارتفاعها، وأبعاد قرصها، وحجم أرجلها، فقد خصص صورة العلم، بالإرادة‏.‏‏. فإذا أخذ أدوات نجارته، وبدأ في تجهيز أجزاء التربيزة من الخشب الخام الذي في ورشته، إلى أن جمعها على بعضها، فقد أبرز التربيزة، بالقدرة - أحاط بالتربيزة بالعلم، وخصصها بالإرادة، وأبرزها بالقدرة‏.‏‏. هذا هو المعنى المقصود من قول المعصوم: ((إن الله خلق آدم على صورته))‏.‏‏. وقد سبقت إلى ذلك الاشارة‏.‏‏. فالله، تبارك، وتعالى، حي، وعالم، ومريد، وقادر، وسميع، وبصير، ومتكلم‏.‏‏. وهكذا قد جعل الإنسان حيا، وعالما ومريدا، وقادرا، وسميعا، وبصيرا، ومتكلما‏.‏‏. الإنسان يعلم بالعقل، ويريد بالهمة، ويقدر بالعضلات‏.‏‏. ولكن الله، تبارك وتعالى، لا يفعل بالجارحة، وإنما يفعل بالذات‏.‏‏. فهو تبارك، وتعالى، يعلم بذاته، ويريد بذاته، ويقدر بذاته‏.‏‏. وهو قد خلق العالم بثالوث الأسماء – العالم، المريد، القادر‏.‏‏. يمكن أذن أن نقول: إن العالم هو تجسيد علم الله‏.‏‏. يمكن أن نقول: إن العالم هو تجسيد ذات الله، في مستوى التنزل، في منازل القرب، من عقل الإنسان – في مستوى القدرة – وذلك من أجل أن يفهم الإنسان‏.‏‏. ((اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم‏.‏‏.)) علمه بقلم القدرة‏.‏‏. وذلك القلم الذي أبرز المعاني إلى عالم المباني – عالم الأجساد‏.‏‏. تحرك العلم إلى القدرة، وتحركت بينهما، الإرادة‏.‏‏. وما دمنا نتحدث عن الفتق ، بعد الرتق ، في الخلق، فلنواصل تعبيرنا في أمر تنزلات الذات العلية‏.‏‏. فقد كانت الإرادة والقدرة مرتتقتين، في العلم، فانفتق العلم عن القدرة، وهي تمثل النقيض، لأنها في جانب التجسيد، وتحرك البندول - وهو الإرادة - بين العلم والقدرة‏.‏‏. فلإرادة صفة وسطى، من أعلاها العلم، ومن أسفلها القدرة، وهي تمثلهما، كلتيهما، كما يمثل كل وسط، الطرفين الذين يكتنفانه‏.‏‏. وعلى هذا يمكن القول بأن علم الله تبارك وتعالى قد خلق العالم - البيئة الطبيعية والاجتماعية - بالإرادة‏.‏
    البيئة مظهر إرادة الله‏.‏‏. والإرادة "ريدة" والريدة عندنا نحن السودانيين - محبة‏.‏‏. العالم "محبة" والله "محبة" ولم يجعل الله في العالم بغضا وعداوة إلا لحكمة تعليمنا نحن‏.‏ والتعليم يبدأ من الجهل - وكذلك بدأنا نحن بني البشر نعلم من الجهل ونسير بتسيير الله لنا من الظلام إلى النور - من الجهل إلى العلم‏.‏‏. وما خلق الله الظلام إلا لنتعلم نحن بالضد‏.‏‏. قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)) خلق الظلام لنعرف النور، وخلق الشر لنعرف الخير، وعندما نفهم، لا يبقى إلا العلم، ولا يبقى إلا الخير: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم‏.‏‏. وكان الله شاكرا عليما‏.‏‏.)) والله هو الذي سيرنا من الجهل إلى العلم ومن الظلام إلى النور: ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور‏.‏‏.)) ‏.‏‏. ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بآيات الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور‏.‏‏.))‏.‏‏.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-09-2007, 02:24 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    "47"

    لقد خلق الله تبارك، وتعالى، الإنسان ليكون عالما، وحرا، وحيا، حياة لا موت فيها، وهكذا والاه بالتعليم، وفرض عليه العلم فرضا: ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه.‏‏.))‏.‏ أردت أو لم ترد! فإنه ما من ملاقاة الله بد! ولا تكون ملاقاة الله إلا بالعلم‏.‏‏. ولقد خلق لنا الله العالم لنتعلم منه، وفيه‏.‏‏. وقد سيرنا إليه بالعالم - بالبيئة تسييرا‏.‏‏. لقد خلق الله العالم كله مطيعا، ومجبورا على الطاعة‏.‏‏. وخلق الناس وأعطاهم حق المعصية، والطاعة، ليصلوا إلى الطاعة عن طريق العلم، والحرية‏.‏‏. ((ألم تر أن الله يسجد له، من في السموات، ومن في الأرض، والشمس والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء؟))‏.‏‏. ((وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب))‏.‏ هذا لمكان الطاعة، والمعصية التي متع الله بها الإنسان‏.‏‏. كل الوجود مسلم لله: ((أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض، طوعا، وكرها، وإليه يرجعون؟))‏.‏ هذا هو الإسلام العام، يخضع له كل العالم، ولا يشذ عنه شاذ‏.‏‏. هذا هو إسلام الأجساد‏.‏‏. وهناك الإسلام الخاص، وهو إسلام العقول، وفيه تقع المعصية، ونقع الطاعة، ولذلك قال في الآية السابقة، بعد أن ذكر سجود كل شيء لله، قال، عن الناس: ((وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب)) ، إشارة إلى الطاعة، والمعصية‏.‏‏. وليس للإسلام العام - ليس بالطاعة في الإسلام العام عبرة عند الله - وإنما العبرة بالطاعة في الإسلام الخاص‏.‏ العبرة عنده بالطاعة طوعا، واختيارا، لا كرها واقتسارا‏.‏‏. ((ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا؟))‏.‏ وروح الآية في عبارة ((وهو محسن)) أي مختار، ومدرك، لإسلام وجهه لله‏.‏

    محمود محمد طه
    السودان 30/10/1984


    بهذا نصل الى ختام "الديباجة" وختام هذا الخيط الذي نرجو أن يكون قد استفاد منه المتابعون وعشمنا في أن يضيفه الأخ بكري الى مكتبة الأستاذ محمود عند الأرشفة ..
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2007, 05:38 PM

kh_abboud
<akh_abboud
تاريخ التسجيل: 16-01-2003
مجموع المشاركات: 508

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: "الديباجة" - آخر ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه (Re: Omer Abdalla)

    الحلقة السادسة
    من أوراق الأستاذ/ محمود محمد طه داخل معتقلات مايو (6)
    الهوية في ظل الحكم الدستوري تعني الانتماء للوطن المعين أو (الجنسية)
    د. محمد محمد الأمين عبد الرازق

    لقد مرت مسيرة تطور الإنسان بمراحل عديدة يخطؤها الحصر ، ويمكن تلخيصها في ثلاثة مراحل رئيسية: مرحلة الجسد الصرف ، مرحلة الجسد والعقل المتنازعين ثم مرحلة الجسد والعقل المتسقين .. الجسد الصرف هي مرحلة الحيوان ، والجسد والعقل المتنازعين هي مرحلة البشرية الحاضرة ، أما مرحلة الجسد والعقل المتسقين فلا تزال أمامنا وهي مرحلة الإنسانية فيها تكون الحياة البشرية شيئاً جديداً لدرجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت بقلب بشر .. المهم بالنسبة لنا المرحلة التي نحن فها وهي مرحلة الجسد والعقل المتنازعين ، وهي تتبع في عمومها لمرحلة الحيوان إذ أن الحيوان لا تشير إلى الحيوان الأعجم وحده ، وإنما تعني أيضاً البشر الذين لا يختلف سلوكهم كثيراً عن الحيوان.
    إن مرحلة الجسد والعقل المتنازعين بدأت بظهور العقل في المسرح ، وقد نمت القدرة على التفكير تدريجياً ، يغذيها الصراع مع البيئة الطبيعية ومع الأحياء .. ولما كان الفكر ضعيفاً ، في مراحله الأولى ، فقد وظف توظيفاً يكاد يكون تاماً في خدمة دوافع الجسد ومطالبه المادية ، أي عقل معاش .. وكان من الصعب على الفرد أن يضبط استرساله في الاستجابة لمطالب الجسد إلا إذا اضطر اضطراراً على ضرورة ماثلة لا يمكن تجاوزها .. لقد كانت حركة الفكر مزعجة للفرد البشري ، وكان باستمرار يحاول طرد الفكر الوافد الجديد هذا ، لكي تنساب الحياة كالحيوان من غير ضابط ، ولذلك فقد شهدت هذه المرحلة شرب الخمر بصورة مكثفة لفعاليتها في تغييب العقل وإبعاده عن الواقع .. ويمكن من هنا أن يلتمس الإنسان السبب في التدرج خطوة خطوة الذي اتخذه الإسلام في تحريم الخمر ، والسبب في جعل عقوبتها حداً أيضاً .. وفي بدايات هذه المرحلة التي نحن فيها الآن ، كانت المجموعات البشرية تتعرض للانقراض الحسي بسبب فشلها الاستجابة لدواعي التطور .. والقرآن ملئ بالقصص التي تحكي عن وسائل ذلك الانقراض ، كقوم عاد أو نوح مثلاً .. هذا الأسلوب قد خدم غرضه حتى استنفده ، وصارت البشرية تهتدي بالصراع الاجتماعي .. وفي إشارة لهذا المعنى قال النبي الكريم أنه سأل الله أن يرفع سخطه عن أمته فأجاب ، ثم سأله عن أن يرفع عنهم بأسهم بينهم فأبى ولذلك قال تعالى: (ولو لا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).. ولا يزال الصراع الاجتماعي هو الأساس في تنمية الحياة البشرية ودفعها إلى الأمام ، وفي كل خطوة يقل الصراع الجسدي بالحرب ويحل محله التفاوض وهكذا تطور الحياة إلى أن يكون الفكر وحده سيد الموقف ..
    إن الصراع العنيف في الحروب ، والنزاع على الأرض والمرعى الذي كان سائداً ، ولا يزال بصورة من الصور ، دفع البشرية لأن تتكتل في شكل مجموعات تربطها أواصر الدم ، فبرزت القبيلة والعنصرية .. وعندما جاءت أديان التوحيد فإن الدعوة كانت إلى تجميع تلك العناصر في عقيدة واحدة ، فجاءت العقائد المختلفة .. وفي اليهودية كأول دين كتابي كانت الصورة غير مفهومة فقد اعتبروا أن الدين اليهودي خاص بهم كعنصر ، والى الآن فإن من يدخل في اليهودية من غير اليهود يعتبر متدين يهودي من الدرجة الثانية ، لأنهم هم شعب الله المختار .. والعقيدة أضعفت العنصرية في الأديان اللاحقة كالمسيحية والإسلام ، فهي تطور عليها ولكنها لم تلغها ، فقد كان المتدينون يضربون بهذه العقائد عرض الحائط ويركنون إلى عناصرهم متى ما ضغطتهم الظروف ..
    هذه الخلفية تقودنا إلى الحديث عن أوضاعنا في السودان .. فقد برزت من خلال الصراع المسلح بين الشمال والجنوب الاتجاهات إلى تحديد هوية السودان .. فمن الناس من يقول أن هوية السودان عربية ، ومنهم من يذهب في الاتجاه المضاد ويقول أن السودان أفريقي .. والذين في قلوبهم حنين إلى الدين يحاولون أن يبحثوا عن هوية من الإسلام ، لكنهم يصطدمون بالفهم العقائدي في الشريعة الذي يفرق بين الناس على أساس العقيدة والجنس .. ولذلك فإن اتجاه الواقع العملي الضاغط دفع المواطنين جميعاً على اختلاف معتقداتهم أن يقولوا أن الهوية هي السودان في محاولة للقفز فوق هذه الأسلاك الشائكة من المفاهيم القديمة ..
    إن من يقول أن هوية السودان عربية أو أفريقية ، لا يستند على حقائق من الواقع ، فالسودانيون لا هم عرب ولا هم أفارقة ، وإنما هم مزيج بين ذلك .. وقد وصف الشاعر إسماعيل حسن حال السودانيين بدقة حين قال: (عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحارة ديل أهلي .. ديل قبيلتي لمن أدور أفصل للبدور فصلي) .. العرب لم يكن لهم وزن في التاريخ كعرب ، وإنما أتاهم الوزن والقيمة من الإسلام ، وكذلك وحد الإسلام اللغة وهذبها على لغة قريش ..ومن يدعو إلى العروبة كما فعلت القومية العربية ، كأنه يقول العروبة كعنصر تجمع العرب والإسلام كفكر يفرق ، وهذا خطأ فادح وقع فيه دعاة القومية العربية .. فهم حتى النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يسمونه (الثائر العربي) .. أما الأسماء العامة جميعها ينسبونها إلى العروبة: النادي العربي ، المكتبة العربية .. الخ .. وعلى عهد جمال عبد الناصر (الجمهورية العربية المتحدة) عندما توحدت مصر وسوريا على العروبة .. ولا عبرة بمن يطورون القومية لتقوم على أساس وحدة التاريخ واللغة ، فإن الأمم قد تجاوزت ذلك أيضاً إذ أن المهم ما هي القيمة الإنسانية التي أنجزها ذلك التاريخ؟ ..
    الإسلام في جميع مستوياته يقف بصورة حاسمة ضد العنصرية ، قال تعالى: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) .. قوله (شعوباً وقبائل) إشارة إلى العناصر المختلفة من البشر ، وقوله (لتعارفوا) يعني لتقيموا علاقات بينكم تنقلكم من العنصرية إلى القيمة الإنسانية والكرامة عند الله المعبر عنها بعبارة (اتقاكم) لأنه (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) .. وفي هذا الاتجاه جاء الحديث النبوي: (لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم) ومن أجل تخفيف ضغوط العنصرية جاء الحديث النبوي في اختيار الزوجة: (اغتربوا لا تضووا) يعني ابتعدوا عن عناصركم لتتفاعلوا مع عناصر أخرى فتقوى فيكم الإنسانية وتضعف العنصرية .. هذا وقد حدد الفقهاء شروط الكفاءة في الزواج بستة أمور: الإسلام ، الدين ، النسب ، الحرية ، الحرفة والمال .. وفي الشريعة المطورة المأخوذة من الإسلام في مستواه العلمي تسقط جميع هذه الشروط ما عدا الدين والنسب .. الدين يعني مكارم الأخلاق وليس العقيدة ، والنسب وهو النسب المتعلق بالدين بمعنى الخلق وليس العنصر .. وقد سأل أحد الباحثين الوافدين: ما مغزى آيات سورة (المسد)؟ التي تبدأ بقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) وقال أنه لم يهتد إلى القيمة المستقبلية لهذه الآيات لأنها تشرح عقوبة فرد معين لا دخل للآخرين به .. فرد عليه الأستاذ محمود: (في الحقيقة دي أكبر آيات في القرآن ضربت العنصرية لأنو ده عمه!!) .. الدعوة العنصرية قد تجاوزها الزمن ، ومن يتبناها يكون في أدنى درجات التخلف .. ولا يقلل من هذا الفهم النفور الذي نجده في أنفسنا عندما نلتقي بالعناصر الأخرى التي نعايشها يومياً ، فإن هذا النفور مصيره إلى الزوال كلما تطورت المجتمعات واهتدت بالقيم الإنسانية الرفيعة ، وهذا التطور مستمر ومضطرد .. هل تزيد هذه المعاني عمقاً وتثبتاً ، إذا قلنا أن كل المفكرين والمخترعين الذين قادوا البشرية ، إنما يرجعون إلى عناصر متنوعة في تكوينهم العرقي ؟؟ ويمكن القول أن العنصرية والعقائدية بمقاس اليوم وجهان لعملة واحدة هي التعصب .. وفي وقتنا الحاضر نرى العقائديين من المسلمين ينسبون الأسماء إلى عقيدتهم كما فعل العنصريون من دعاة القومية العربية ، وعلى سبيل المثال تجد: المخبز الإسلامي ، مكتبة خاتم الأنبياء ، صيدلية ما شاء الله تبارك الله.. الخ.. وكلها صور من استغلال حب الناس للدين للكسب الدنيوي..
    الحقيقة التي نحاول إثباتها في هذا البحث هي أن الهوية في عصرنا الحالي لا تعني غير الجنسية ، بمعنى الانتماء للبقعة الجغرافية المحددة إدارياً وليس على أي أساس آخر .. السودان لا هو عربي ولا هو أفريقي وإنما هو السودان وسكانه هم السودانيون .. ولا يمكن أن نقول أن الهوية هي الإسلام كعقيدة وقد شرحنا سابقاً بتفصيل أن وقت العقائد قد آذن بالزوال وأن أمامنا مرحلة الإنسانية .. ووضع السودان بالتحديد يجعله أكثر استعداداً لقبول هذه المبادئ ، فمثلاً إذا أردنا تحديد مؤهلات وظيفة محافظ بنك السودان ، لا يمكن أن ندخل عقيدة الشخص ضمن المؤهلات المطلوبة ، وإنما الكفاءة تنحصر في الشهادات ، الأمانة ، الخبرة .. فإذا توفرت هذه الشروط في شخص يخالف عقيدتنا فهو أحق بالوظيفة ، وهذا هو الأسلوب العلمي الذي يرمي إليه الإسلام .. ونحن لدينا تجربة مع السودانيين من غير المسلمين في جميع مرافق الدولة ، وقد كانوا نماذج في الدقة والانضباط والأمانة ، وخير مثال على ذلك هيئة السكة حديد في عهدها الذهبي ..
    إن الصراع المسلح الذي كان دائراً في السودان بين الشمال والجنوب قبل اتفاقية السلام في يناير 2005م ، إنما ارتكز على أسباب كلها تنبع من العقائدية والعنصرية .. ولذلك فإن الارتفاع في الوعي بخطورة هذه الدعوات يعمل على إرساء دعائم السلام الشامل .. لقد كان الأستاذ محمود يجمع قتلى الطرفين أثناء الحرب ويقول: نحن السودانيين فقدنا كذا من أبنائنا .. إن الحل لجميع هذه المشاكل المعقدة إنما هو في نشر الوعي من خلال الصراع الفكري في المنابر الحرة .. ولذلك فإن تكاتف جميع أفراد الشعب بالتمسك باتفاقية السلام وحمايتها من الانهيار ، هو واجب المرحلة التي نحن فيها حتى لا تتكرر تجربة الحرب مرة أخرى ، ومعلوم أن كل تجربة لا تورث حكمة تكرر نفسها .. هل هذا هو تأييد لنظام الإنقاذ؟ التأييد للاتفاقية ، وإذا سار النظام في تطبيقها فبقاءه مرهون بفوزه بالانتخابات .. نحن نؤيد مبادئ دستورية ينص عليها الدستور الانتقالي ، ولذلك فإننا نعمل مع من يحترمها ونختلف مع من يعمل على تقويضها ..
    هذا وقد لخص منشور (هذا .. أو الطوفان) الصادر بتاريخ 25/12/1984م ، والذي كانت نتيجته الإعدام لأستاذ الأجيال ، مطالب الجمهوريين في: إلغاء قوانين سبتمبر 1983م ، الحل السياسي لمشكلة الجنوب ثم إقامة المنابر الحرة .. والآن فإن جميع هذه المطالب قد تحققت بقدر طيب على الواقع يمكن البناء عليه وتكميله بالحوار الموضوعي ، من أجل خلق رأي عام ضد الهوس الديني يقوم على المعرفة بأصول الإسلام .. إذن المطلوب اليوم هو زيادة حضور قادة الفكر الإسلامي المستنير في الميدان السياسي ..
    فيما يلي نقدم أضواء على مسيرة الإنسان في مرحلة البشرية الحاضرة ، منذ آدم أبي البشر والى يومنا هذا من (ديباجة الدستور) في الفقرة التالية:
    34) ((اليوم أكملت لكم دينكم، و أتممت عليكم نعمتي ، و رضيت لكم الإسلام دينا..)) هذا اليوم ، هو يوم عرفة ، من سنة عشر للهجرة ، و هو يوم حجة الوداع ، و قد كان يوم جمعة.. هذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن .. و لقد لبث النبي بعدها بين الناس ، بقية ذي الحجة ، و محرم ، و صفر ، ثم لحق بالرفيق الأعلى، و كان ذلك يوم 12 ربيع الأول ، من السنة الحادية عشرة ، من الهجرة المباركة.. لقد كمل يومئذ إنزال القرآن ، و لكن لم يكمل بيانه ــ و لن يكمل ، لان بيانه عند الله ، حيث لا عند ( ثم ان علينا بيانه))، هكذا قال ربي العظيم ، و ما علي الله بيانه لا يقع الفراغ من بيانه ، لأنه مطلق ،(( و كل يوم هو في شأن)) .. و لقد بين ،تبارك و تعالي ، لنبيه قدرا عظيما منه ، و لكنه نهاه عن تبليغه للامة ( نحن معاشر الأنبياء، امرنا ان نخاطب الناس علي قدر عقولهم )).. و لقد أرشدنا ، تبارك و تعالي ، إلى الطريقة التي بها نكون مهيئين لتلقي البيان منه ، تبارك و تعالي، فقال ( و اتقوا الله ، و يعلمكم الله و الله بكل شيء عليم .. )) و قال النبى الكريم( إنما أنا قاسم، و الله يعطي، و من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين ..)) فالنبي جاء ليعلمنا كيف نتقي الله حتي يعلمنا الله .. فقوله (( إنما أنا قاسم )) يعني أرسلت بالشريعة لأعلمكم كيف تتقون ، و أرسلت بالطريقة أيضا لأكون لكم قدوة بإتباعها تزيدون في تقواكم لله ، فيعلمكم الله ،(( و الله بكل شيء عليم )) .. فهو يعلمكم بقدر استعداد المكان منكم للتعليم . (( و من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين )).. و اليوم ، بفضل الله ، ثم بفضل إتباع النبي الكريم ، يدخل في الوجود زيادة بيان للقرآن يناسب القرن العشرين ، حتي يكون الإسلام ، و القرآن ، للناس ــ جميع الناس ــ ملاذا ، و مفازة .. ان " لا إله إلا الله “ اليوم لا تعني : " لا معبود بحق إلا الله “ ، و إنما تزيد علي ذلك المعني، فتصبح ( لا فاعل لكبير الأشياء ، و لا لصغيرها ، إلا الله )) .. يقول تعالي ( و كأين من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها ، و إياكم، و هو السميع العليم* و لئن سألتهم : من خلق السموات، و الأرض، و سخر الشمس، و القمر؟؟ ليقولنّ: الله .. فأنّي يؤفكون* الله يبسط الرزق، لمن يشاء من عباده ، و يقدر له .. ان الله بكل شيء عليم ..)) فكأن الناس يردون فعل الأشياء الكبيرة إلى الله ، و لكن فعل الأشياء الصغيرة ينسبونه للمخلوقات ، من دون الله .. و إنما جاء ذلك لوهم الإرادة التي ورطتنا فيها حركاتنا التلقائية .. نحن نظن ان عندنا إرادة مستقلة ، عن الله ، سبحانه و تعالي، بها ننفذ الأعمال الصغيرة، التي تتطلبها حياتنا اليومية ، في هذه الدنيا ، مثل تدبير الرزق ، و هو اكبر شيء رسب الخوف في صدورنا، منذ نشأة الحياة ، بين الماء ، و الطين ، في سحيق الآماد.. و لقد ساق الله لنا هنا الآية الأولى عن الرزق ثم ساق الآية الثانية عن خلق السموات ، و الأرض ، و تسخير الشمس ، و القمر.. و ساق الآية الثالثة عن الرزق أيضا .. نحن لا دعوي لنا في خلق السموات ، و الأرض، و لا في تسخير الشمس ، و القمر .. هذه لا طاقة لنا بها ، فلا دعوي.. و لكن لنا طاقة بتدبير الرزق بالزراعة ، و بالتجارة ، و باحتراف الحرف المختلفة .. و لذلك فقد تورطنا في الدعوي ههنا .. و استولي علينا عقل المعاش .. و ركز فينا خوف الجوع ، وخوف الموت بالـجوع ، و امرنا بالبخل ، و بالحرص ، و بالادخار ، و بالعداوة ، و بالحرب، و بكل مذام الصفات .. هذه هي الأصنام التي نعبدها اليوم ، لا الأصنام الحسية .. لقد كانت الأصنام الحسية ، في حينها ، رمزا، مجسدا ، لهذه المعاني.. كانت الأصنام الحسية رمزا للإرادة البشرية و تسويلاتها المختلفة التي أملاها علينا الجهل، في سحيق الآماد . و لقد جاء تبارك و تعالي ، في فاصلة الآية الأولى بقوله ( و هو السميع العليم)) .. و في فاصلة الآية الثالثة بقوله ( ان الله بكل شيء عليم )) و جاءت فاصلة الآية المتوسطة بين الآية الأولى ، و الآية الثالثة ، بقوله ( فأنى يؤفكون؟؟ )) .. و ((يؤفكون)) هنا تعني ((يصرفون)) .. كأنه قال ( فكيف .. يجهلون؟؟)) .. عبر، تبارك و تعالي ، في ثلاث الآيات عن العلم ، إشارة إلى وجوب الخلاص من وهم الحواس ، و وهم العقول التي أملت علينا وهم استقلال الإرادة .. ان صنمنا الأعظم اليوم إنما هو الإرادة البشرية المتوهمة التي تعارض الإرادة الإلهية المحققة..
    ,
    35) الآية العظيمة التي صدرنا بها حديثنا هذا ، و هي ( اليوم أكملت لكم دينكم ، و أتممت عليكم نعمتي ، و رضيت لكم الإسلام دينا ..)) أخطأ في فهمها جميع علماء الإسلام ، حين ظنوا ان كل ما يخص الدين قد كمل، و ان ليس هناك أمر مستأنف، يجيء فيما يقبل من الزمان .. و الحق ان الدين كله أمامنا .. و انه لمن فضل الله، علينا ، و علي الناس ، ان جاءتنا هذه البشارة، بان الله اكمل لنا ديننا ، و أتم علينا نعمته ، و رضي لنا الإسلام دينا .. معلوم ان الإسلام قد جاءت به جميع الرسالات السماوية ، من لدن آدم ، و إلى محمد ، و قد قال المعصوم خير ما جئت به ، انا و النبيون من قبلي :" لا إله إلا الله ") .. اللفظ واحد ، و التحصيل يختلف ، بين الأمم ، و أنبيائها، و بين الأمم ، فيما بينها ، و بين الأنبياء، فيما بينهم .. و اكبر تحصيل ، في ذلك : بين الأنبياء ، ما قيضه الله، تبارك و تعالي، لنبيه الكريم .. وأكبر تحصيل ، فى ذلك : بين الأمم ، ماقيضه الله لأمة نبيه الكريم ــ أمة المؤمنين .. فأما عند الأمة المؤمنة ــ أمة المؤمنين ــ فقد كانت تعني " لا إله إلا الله " . لا معبود بحق إلا الله .. و قد سبق ان قررنا ذلك .. و أما عند النبي فقد كانت تعني " لا فاعل، لكبير الأشياء ، و لا لصغيرها ، إلا الله !!
    و الدين الذي أشارت له الآية السابقة ، هو الدين الذي أشارت اليه آية :" فأقم وجهك للدين حنيفا ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ،ذلك الدين القيم .. و لكن اكثر الناس لا يعلمون.." هو الفطرة ــ " فطرة الله التي فطر الناس عليها " ، جميع الناس .. و لقد قال النبي ( كل مولود يولد علي الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ..)) و هذه الفطرة لا يقع عليها الكبت ، و إنما يقع الكبت علي حواشيها ــ هي في سويداوات القلوب.. و لذلك قال تعالي عنها ( لا تبديل لخلق الله)) .. و لقد سبقت الإشارة إلى الكبت ، و قلنا سببه الخوف العنصري ، و به انقسم الإنسان على نفسه ، و بهذه القسمة ارتفع فوق مستوي الحيوان ، و اخذ الخطوة الأولى في سيره إلى مقام إنسانيته .. و ستكون الخطوة الثانية في فضّ الكبت .. و بفضّ الكبت يصل السالك إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها ، في سويداوات القلوب.. و لقد وقع الكبت بين عقل المعاش ، و عقل المعاد..
    و عقل المعاد هو طبقة العقل التي تلي عقل المعاش فيما بينه و بين سويداء القلب .. و طبقات العقل سبع ، تطابق النفوس السبع ، عند أصحابنا السادة الصوفية.. و تطابق أسماء الصفات السبع : الحي ، العالم، المريد ، القادر ، السميع ، البصير ، المتكلم .. فالحي في سويداء القلوب و هذه ــ الحياة ـــ هي الفطرة ــ فطرة الله التي فطر الناس عليها ..

    36) بالكبت أخذنا أول خطوة في طريق السير إلى مقام إنسانيتنا .. و بفضّ الكبت نصل إليها .. و لقد ذكرنا ان التطور، في مضمار البشرية ، منذ ان ارتفعت فوق مستوي الحيوانية بالكبت ، ظل في نطاق الكبت .. و الكبت سببه الخوف .. و الخوف سببه الجهل بالبيئة التي نعيش فيها .. و لقد قلنا : ان العلم المادي التجريبي قد رد الكون الظاهري ــ أو قل قد رد المادة إلى اصل واحد ، هو الطاقة.. و عندما وصل الدين إلى معني (( لا إله إلا الله )) بأنه لا فاعل لكبير الأشياء ، و لا لصغيرها ، إلا الله ، فقد رد جميع مظاهر الوجود إلى مظهر واحد ، هو ــ الله ــ الكون مظهر الله في ذاته ــ لقد تحققت وحدة الوجود بتضافر العلم المادي ، و العلم الروحي.. و أصبحت البيئة القديمة بيئة جديدة 00.. هي بيئة روحية في مظهر مادي .. و أصبح علينا إذن ان نتواءم معها.. ثم ان هناك أمرا آخر تقرره الكلمة ( لا إله إلا الله )) .. هذا الأمر هو ان الوجود واحد ، و انه هو خير مطلق، و صرف، و لا مكان للشر فيه ، إلا لحكمة تعليمنا نحن قال تعالي (و من كل شيء خلقنا زوجين،لعلكم تذكرون* ففروا إلى الله .. اني لكم منه نذير مبين)) .." فالاثنينية" مظهر للواحد، و ليست أصلا فيه .. و الحكمة من الاثنينية ان نتعلم نحن ، لان حواسنا التي تؤدي المعاني إلى عقولنا اثنينية ، و كذلك عقولنا .. فنحن إنما نعرف الأشياء باضدادها ــ نعرف الظلام ، بالنور.. و نعرف البرد، بالحر..
    و نعرف الشر، بالخير، وهكذا.. لقد دخل الشر في الوجود ليعرفنا بالخير ..
    و الله خير مطلق.. فان نحن استطعنا ان نتواءم مع خلقه ــ نرضى بفعله ــ لا نري الشر اطلاقا.. و الله تعالي يقول( ما يفعل الله بعذابكم ، ان شكرتم ، و آمنتم ، و كان الله شاكرا عليما ؟؟)).. و في الآيتين السابقتين يأمرنا ، تبارك و تعالي ، ان نفر من الثنائية إلى الوحدة ، حيث ينقطع عنا الشر و يبقي الخير وحده.. هذه المعرفة الجديدة للبيئة القديمة هي التي تحررنا من الخوف .. و بالتحرر من الخوف ينفض الكبت الذي رسبه فينا الخوف الذي دفعه إلى قلوبنا الجهل بحقيقة البيئة..

    37) فطرة الله التي فطر الناس عليها هي ((الحياة)) .. هي حياة الإنسان ،
    و ما حياة الحيوان إلا الخطوة الأولى في السير إلى حياة الإنسان .. حياة الإنسان عالمة و حياة الحيوان جاهلة .. حياة الإنسان هي الحياة الأخرى، و حياة الحيوان هي الحياة الدنيا.. للحياة الأخرى عقل المعاد، و للحياة الدنيا عقل المعاش، و إنما جاء الدين ليهذب عقل المعاش ، حتي يرتفع بنا إلى عقل المعاد .. و لقد ورد في ذلك بعض التفصيل .. و لما كانت حياة الإنسان عالمة، كانت أيضا طائعة لله ، مؤمنة به :
    (( الذين آمنوا ، و لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، أولئك لهم الأمن ، و هم مهتدون..)) و لقد قال ، تبارك و تعالي، في الحياتين ، الحياة الدنيا ، و الحياة الاخري ( و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو و لعب ، و ان الدار الآخرة لهي الحيوان ، لو كانوا يعلمون!!)) و"الحيوان" تعني المبالغة في الحياة ــ تعني الحياة الكاملة ..
    و لقد خلق الإنسان ــ آدم ــ علي هذه الفطرة ـ الحياة الكاملة.. (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )) و ذلك في أعلي الجنان ـ في الملكوت ـ عند الله ، و ترد عنها العبارة القرآنية (( عند مليك مقتدر)) من قوله ، تبارك و تعالي ( ان المتقين في جنات، و نهر * في مقعد صدق ، عند مليك مقتدر ..)) .. ثم انه ، من مقام (( أحسن تقويم )) قد رد إلى (( أسفل سافلين)) ، و إنما رد بالأمر التكويني.. و الأمر التكويني يقوم علي حكمة الخلق.. و لقد رد إلى (( أسفل سافلين )) ، و في ذاكرته (( أحسن تقويم )) ، من اجل ذلك ظل يحلم بالكمال دائما، و يسعي إلى تحصيله .. و لقد قلنا : ان (( أسفل سافلين )) هو مرتبة ادني التجسيد في عالم الملك ــ مرتبة ذرة بخار الماء ــ ذرة غاز الهايدروجين .. و لقد أخذ الإنسان طريقه ، في العودة إلى الله ، من ذلك التجسيد المهين، و ذلك بمحض الفضل الإلهي و لقد انفق في ذلك السير دهرا ، دهيرا .. و لقد عبر ، تبارك وتعالي، عن ذلك بقوله ( هل أتى علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * انا خلقنا الإنسان من نطفة ، امشاج، نبتليه.. فجعلناه سميعا بصيرا..)) و هو إنما لم يكن شيئا مذكورا في ملكوت الله لأنه لم يبلغ ان يكون مكلفا ، في ذلك الحين الطويل من الدهر، و إنما كان يتقلب في الحيوات الدنيا ــ حياة الذر ، و الهوام ، و الحيوان .. ثم انه لما برز فيه العقل اصبح منورا بالعقل من أعلاه ، مظلما بالنفس من أسفله .. و ظل علي ذلك متجاذبا بين الواجب ، و يمليــه العقل، و بين الشهوة ، و تمليها النفس .. و كان علي ذلك أيضا خطاء.. و جعـل الله ، تبارك و تعالي ، كماله في هذه النشأة الخطّاءة .. فهو يخطئ ، و يصيب ، و يزيد رصيــد صوابه من ممارسة خطئه .. و لقد قال المعصوم ( ان لم تخطئوا ، و تستغفروا ، فسيأتي الله بقوم ، يخطئون ، و يستغفرون ، فيغفر لهم ..)) و عندما نزل آدم الأول ــ آدم الخليفة ــ منزلة التكليف ، فنبئ ، اسكن جنة الملك ــ جنة الأرض ــ ( و قلنا يا آدم اسكن ، أنت ، و زوجك الجنة ، و كلا منها رغدا حيث شئتما ، و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه ، و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، و لكم في الأرض مستقر ، و متاع ، إلى حين * فتلقي آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه ، انه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا ، فأما يأتينكم مني هدي ، فمن تبع هداي ، فلا خوف عليهم ، و لا هم يحزنون * و الذين كفروا ، و كذبوا بآياتنا ، أولئك أصحاب النار .. هم فيها خالدون )) .. "ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " هذا أول أمر تشريعي لآدم ، بعد الأمر بالعبادة ، و هو تنظيم القوة الجنسية .. و لقد كان هذا أول أمر تشريعي لأسلاف آدم عند ظهور العقل ،و قبل وفرة العلم .. و لقد وردت إلى ذلك الإشارة عند الحديث عن نشأة المجتمع .. و لقد اهبط آدم من جنة الأرض بمخالفة هذا الأمر التشريعي.. و هذه الخطيئة قد جبرت بالاستغفار ، و عاد آدم الخليفة إلى الطاعة ، و الهداية .. قال تعالي في ذلك ( فتلقي آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه ، انه هو التواب الرحيم )) .. و لقد كانت تلك الكلمات هي قول آدم ، وزوجه ( ربنا ظلمنا أنفسنا ، و ان لم تغفر لنا ، و ترحمنا ، لنكونن من الخاسرين )).. لقد اهبط آدم من جنة الأرض ــ و ذلك ، في مستوي من المستويات ، رد من (( أحسن تقويم )) إلى (( أسفل سافلين )) كما رد ، أو اهبط ، بعض ذريته ، من بعده ، و لا يزال هذا يجري ، و سيظل يجري ، مع كل خطيئة ( و ذا النون إذ ذهب مغاضبا ، فظن ان لن نقدر عليه ، فنادي في الظلمات ، إلاّ اله إلا أنت، سبحانك ، اني كنت من الظالمين * و استجبنا له ، و نجيناه من الغم ، و كذلك ننجي المؤمنين )).. و عن قوم سبأ يخبرنا ، تبارك و تعالي ،( لقد كان لسبأ ، في مساكنهم ، آية : جنتان ، عن يمين ، و شمال ، كلوا من رزق ربكم ، و اشكروا له بلدة طيبة ، و رب غفور * فأعرضوا ، فأرسلنا عليهم سيل العرم ، و بدلناهم ، بجنتيهم ، جنتين ذواتي أكل خمط ، و اثل ، و شيء من سدر قليل ))..

    3 لقد اهبط آدم الخليفة من جنة المعاني ، في الملكوت ، إلى جنة المباني ، في الملك ، بالأمر التكويني، و علي الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق ، و لا تقع ، في الأمر التكويني ، معصية ، فما فيه غير الطاعة .. ثم ان آدم قد اهبط من جنة الطاعة ، حيث الرغد ، و الوفرة ، إلى جنة الشقاء ، و الضيق ، لما عصا الأمر التشريعي ، (( و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )).. و قال تعالي عنه ( و عصي آدم ربه فغوي)).. و هو إنما عصي لأنه استمع لأمر الشيطان ، و نسي أمر ربه: (( فوسوس إليه الشيطان : قال : يا آدم !! هل أدلك علي شجرة الخلد ، و ملك لا يبلي ؟؟ * فأكلا منها ، فبدت لهما سوآتهما ، و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، و عصي آدم ربه فغوي * ثم اجتباه ربه ، فتاب عليه ، و هدي )).. و هو إنما استمع لأمر الشيطان ، لان عقل معاده ، قد كان محجوبا بعقل معاشه ، و هو عقل يسيطر عليه الخوف العنصري ، الساذج ، و لذلك فقد طمع في الخلد ، و الملك الذي لا يبلي.. و لقد سبقت الإشارة إلى عقل المعاد و عقل المعاش.. (( ثم اجتباه ربه ، فتاب عليه ، و هدي)) ، هدي عقل معاشه بالتهذيب بالعبادة ، و بالعقوبة ، ليسير به إلى عقل معاده ، حيث يعرف القيم ، فيطيع أمر الله ، و يعصي أمر الشيطان ، و لقد قلنا ان المعصية لا تقع في الأمر التكويني ، فليس ثمة إلا الطاعة .. و قلنا علي الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق .. و أما علي الأمر التشريعي فتقوم حكمة التعليم .. و في الأمر التشريعي تقع المعصية ، و تقع الطاعة .. والأمر التكويني مسيطر علي عالم الملكوت و علي عالم الملك ــ علي عالم العقول ، و علي عالم الأجساد ، علي السواء.. و لهيمنة الأمر التكويني ، علي الأمر التشريعي ،فليست هناك معصية ،في الحقيقة، و إنما المعصية في الشريعة ــ في حكم العقل .. و في هذا سر التسيير ، و التخيير ، الذي شغل ، و لا يزال يشغل ، عقول المفكرين ، من علماء الدين ، و من علماء الدنيا .. و الحكمة وراء المعصية ، إنما هي ترويض العقول ، لتسير ، بالممارسة ، من المعصية إلى الطاعة ، حتى تصبح مطبوعة علي الطاعة ، و هي مختارة لها ، و مقتنعة بقيمها .. لقد خلق الله ، في الملكوت ، خلقا مرحليين ، و ضرب عليهم الطاعة ، فهم (( لا يعصون الله ما أمرهم ، و يفعلون ما يؤمرون )) .. هم بذلك علماء ، و لكنهم ليسوا أحرارا .. و خلق الله في الملك خلقا مرحليين ، و ضرب عليهم المعصية ، فهم لا يطيعون ..اولئك هم الملائكة .. و هؤلاء هم الأبالسة ، و عدم الحرية في أولئك ، و هؤلاء إنما هو أمر مرحلي .. ثم ان الله خلق ، بين أولئك ، و هؤلاء ، خلقا هم البشر .. الملائكة عقول بدون شهوة.. و الأبالسة شهوة ، بدون عقول ، و البشر شهوة ، ركبت عليها العقول لتسوسها .. و جاء الشرع ليقوي العقول علي هذه السياسة ، فتسير إلى الطاعة ، و هي مدركة ، و عالمة ، فتكون الحصيلة : العلم ، و الحرية ، و ذلك بفضل الله ، ثم بفضل كمال النشأة البشرية ، التي أعطيت حق : الخطأ .. و بهذه النشأة اصبح سائر بشر اكمل ، مآلا ، من سائر الملائكة .. و لا يكمل الملائكة ، و لا الأبالسة ، بان يكونوا علماء ، و أحرارا ، حتى يدخلوا في هيكل الإنسان ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 2 „‰ 2:   <<  1 2  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de