رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
التحالف الديمقراطي بأمريكا يقيم ندوة بعنوان آفاق التغيير ما بعد هبة يناير 2018
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 19-10-2018, 05:19 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة الاديب محسن خالد(محسن خالد)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
27-02-2006, 09:46 AM

محسن خالد
<aمحسن خالد
تاريخ التسجيل: 06-01-2005
مجموع المشاركات: 4898

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء (Re: نهال كرار)

    ..


    Quote: My

    بريتوريا




    بريتوريا مدينة باسلة، وولايتها لم تسقط في أيدي الكولنياليين إلا تلو معارك شرسة ودامية، وبعد حصار يعتبر من أهم الحصارات في تاريخ المقاطعات التي أُسقطت بالتجويع والمحاصرة، وإثر عشرات المعارك طويلة الأمد بين الزعيم والمناضل الإفريقي "كجوسي كي لبوهو" قائد الهنانوا Hananwa، وبين الكولنيالي "جن بي جوبيرت" قائد مرتزقة قوات الزار Zar. مدينة أسطورتي البلوبيرغ والمامو غاسوي، "البلوبيرغ" الرجال فاتحو الألوان الذين يخرجون من الدغل ومعهم الكنوز، "المامو غاسوي" ثعابين الماء الضخمة التي تتجول بين الأحياء وتخطف ما تشاء من أرواح.
    في يوم الأحد 8 يناير، خرجت من فندق برويتا بجوهانسبيرغ لأكون في انتظار صديقي بيتر، من سيقلني إلى مدينة بريتوريا. سمعتُ موسيقى الغوسبيل Gospel الدينية، وافرة الحنان، وتلطش فراغات المدى بألوان صوتية كرسّام، ممزوجة بأصوات درمز إفريقية، ثم كتلة الأصوات الجماعية، "ممبو.. ممبو نانجي، ممبو.. ممبو نانجي"، ما دكوا به جبروت الكولنيال وما عُرف عن مظاهراتهم، التي كان يصفها الكولنيالون بأنَّها مجرّد كتلة صوت لرعاع. لم يكن بوسعي مقاومة ذلك السحر مع أول كأس قهوة للصباح. الموسيقى كانت تتدفق من الكنيسة المجاورة فاليوم أحد، ذهبتُ لتلك الكنيسة وصليتُ معهم ورقصتُ، فالمسألة بدت لي أشبه بالأذكار الصوفية، التي أضاف لها أهلنا من الأفارقة الموسيقى لتضرب في أعماق الروح، ولتقوم بنقلها من حالة وجد سكوني إلى حُمَّى وجد استاتيكي ألفه وجدان إفريقيا. اندمجت معهم وقمت بالتقاط بعض الصور، ما اضطر بيتر العزيز ليطلق ثلاث زمارات مستعجلاً لي، هو رجل رقيق الحاشية ومهذّب، من قبيلة الزولو ببلدة "شاكا"، "من حيث تأتي الشمس" كما ترجم لي المفردة، فالاتفاق أن نمضي في هذا الصباح إلى مدينة بريتوريا، وهناك سأقابل موظفة وزارة الخارجية "أوليتا" التي ستنسق لي لقاءات مع الزعيم مانديلا، والأب ديسموند توتو، ونادين غورديمر، وجون كويتزي، والشاعر الكبير سوروتي الذي كان سجيناً مع مانديلا في جزيرة روبن. يا أخانا يا أخانا، نادى فيّ أولئك الإخوة المتدينين، أعجبوني أولئك الفتيان والفتيات بمودتهم داخل الكنيسة، هنا التديّن منتشر جداً بين الشباب، في نفس الوقت الذي ترتفع فيه حالات العنف في أعمارهم أيضاً، اعتذرتُ لهم بكوني مسافراً ورأوني من مدخل الكنيسة وأنا أركب السيارة، ربما عذروني في بالهم لكوني لم أكمل الصلاة معهم، تركتهم والأورغ يصدح في المدى الذي أخذ الرذاذ يلوّنه، كانت صباحية مباركة يدعمها جو غائم وفاتن، اتجهنا ناحية بريتوريا والقلب من صلصال الموسيقى وتملأه نهنهة بيوت الرب.
    مررنا أولاً بحي سويتو حيث متحف هكتور بيترسون الذي تحدثنا عنه حين تناولنا جوهانسبيرغ، ثم غادرنا المدينة ناحية ضاحية الاكساندر Alexander Township التي تبدو كجزء من المدينة يقع خارجها قليلاً، لا تشعر بالانفلات من ربقة جوبيك تماماً إلا بالوصول إلى ضاحية ميدراندMidrand والتي ذكّرتني كثيراً بالمنطقة التي تقع خارج مدينة دبي، حيث تُعسكر الشركات العملاقة، كسوني وبورش ونسيان وشب Chubb وفولفو..إلخ.
    لمحتُ جسراً طائراً فوق الشارع الذي نستغلّه من بعيد، يشير إليه بيتر ويقول: هذا هو المطعم المعلّق الشهير، قلت له دعنا نتوقّف قليلاً، بالحق هو تحفة، لكونها تقع خارج الأحياء أولاً، ونسبة لطريقة معماره العجيبة، فهم قد اختاروا أن يبنوه في شكل جسر طائر من فوق الشوارع التي تجري من تحته كالأنهار، يقصده الناس حين ينوون تمضية جُلّ اليوم في منطقة هادئة.
    بعدها تحركنا نحو منطقة سينشريون Centurion التي تمتد بداخل وادي خفيض تملأه الأشجار والخضرة، العشبيات والورد البري، المباني فيها جميلة ومنسّقة، منتهى اختزال الطبيعة في مسكن.
    بدخولنا منطقة بريتوريا أوّل ما لفت انتباهي هو اللافتات الضخمة التي تُطالب بتوقّف الحرب في العراق وخروج الكولنيال الأمريكي من أرض العراقيين، وهي معمولة بواسطة حكومة جنوب إفريقيا وليس بواسطة السفارات العربية الموجودة هناك. الأرض هنا مفتوحة لكل فكر ثوري وضد الكولنيال، هذا ما تعلّمه الناس بعد تاريخ دامٍ ومرير، وما يحاولون الآن تعليمه لأجيالهم القادمة، وما يحاولون فيه دعم رفاقهم العراقيين وإن في أرضٍ تبعد عنهم موقعاً وثقافةً وديانة.
    بالمرور على قاعدة عسكرية ضخمة جداً، كانت في السابق تستخدم من قبل النظام الكولينيالي كوحدة احتياط أو معونة في حالات الطوارئ، هذا أيام تأزم الوضع وبلوغه مراحل خطيرة من المواجهات اليومية الشرسة، في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات، بعدها بمسيرة ربع الساعة تبدأ معالم مدينة بريتوريا في الظهور.
    جامعة يونيسا UNISA، التي تبدو كأحفورة مذهلة تبرز من ثنايا مرتفع موازٍ لمجموعة من الجسور الطائرة، هي الأشهر على الإطلاق وتعرف بـ"يونيسا" مختصر تسميتها "جامعة جنوب إفريقيا"، هذه الجامعة كانت من أهم الخلايا السرية لحزب المؤتمر الإفريقي وما زالت تُعتبر من أهم مواقعه.
    بريتوريا هي المدينة السياسية لجنوب إفريقيا، فيها تُوجد جميع السفارات والقنصليات لبلدان العالم الأخرى، لذلك المدينة هادئة، ولا تتميّز بالحركة والصخب كجوبيك أو الكاب تاون مثلاً، حتى الأوضاع الحياتية هنا مستقرة لحد بعيد، وتخلو من سيرة العنف أو عدم الأمن الذي ينتشر في مدن أخرى مثل جوهانسبيرغ أو الكاب تاون وديربن. طابعها ريفي بامتياز، منسّقة وتتميز بذات الضخامة والتمدّد الذي تتميّز به كل مدن جنوب إفريقيا. الأسواق الكبيرة، والمحال التجارية ذات الطابع الخاص بالأفارقة، أو الأخرى التي هي غاية الأوربية والرفاه، الساحات الكبرى والمسارح ودور السينما ومعظم تكتّلات الصحافة في بريتوريا.
    في صباح ممطر، بعد أُلفتي مع فندق بروتيا ومع البحيرة الصغيرة بداخله، كنتُ قد عشقتُ هذا الفندق من جوهانسبيرغ لذلك نزلتُ في أحد فروعه ببريتوريا. خطر لي أنَّ الصباح غير مناسب أبداً ليخرج فيه أحد، لذا قَرَّرت استثناء نفسي من خاصية هذا الصباح والذهاب لمتحف الترانسفال للتاريخ الطبيعي، اليوم سيقلُّ الزائرون مما يُقَلِّل الرقابة على الكاميرات، كلما كثُرت الحشود سيكون هناك موظفون مراقبة كُثْر، وسيسلخون أذنيك بكثرة نصائحهم وبمواهبهم المتقنة في إخبارك بما يجوز داخل المتحف وما لا يجوز، مضافاً لكل ذلك عقدتهم الأزلية مع الكاميرا.
    بعد ألبسة ثقيلة وبدون شمسية كنتُ أُكافح المطر بالخارج، أتسلل من تحت جدار لآخر، المتحف لم يكن بعيداً عن مكان إقامتي، اختار لي بيتر هذه المواقع بحساب دقيق عندما أنزلني هنا، وبعد أن أرشدني لكثرة الأماكن المفيدة الواقعة قريباً من الفندق. كنتُ قد رأيتُ "أوليتا" موظفة وزارة الخارجية ورتَّبنا برامجنا معاً، وهي قد أرتني كيف يمكن لي الوصول إلى متحف الترانسفال من الفندق.
    بخروجي من الفندق مباشرة والتوجّه يساراً ثم يميناً والسير على نحو مستقيم، لمسافة 2 كيلومتر تقريباً، ثم الانعراج يساراً والسير لمسافة نصف كيلومتر آخر، كنت هناك، وكان تقديري للأمر مُصيباً إذ لم يكن ثمَّة ازدحام ولا سيّاح مزعجين، وإن واجهتني المشكلة الأولى مع ثمن التذكرة لعدم توفّر فكّة، قال لي الحارس ادخل بعد خروجك سنتفق، ضحكت وتحسست الكاميرا لأجد أنّ باب البطارية مفتوحاً، ما يعني أنّني تركتُ البطارية في الشاحن بالفندق، لكم هذا الصباح الممطر مشاكس، أحب الأمور عندما تبوظ في آخر دقيقة. عدتُ مرة ثانية وأتيتُ بالبطارية الدّلوعة، بعد أن أثبتت أهميتها كاملة وتحالفها مع المطر ضد شخصي المسكين.
    متحف الترانسفال من أقدم متاحف جنوب إفريقيا، ومعروف رسوخ علم التاريخ الطبيعي هنا وما يجاوره من علوم أخرى كالتي تبحث في أصل الإنسان والعُصر القديمة وعلوم الأرض، بل نظرية التطور نفسها تُنسب بذرتها الأولى إلى علماء جنوب إفريقيا. والعالم الشهير أوستن روبرت كان أحد العاملين بهذا المتحف وقد التحق به في العام 1910م، وهو من قام برسم أولى الخُطط للمحافظة على حياة الكثير من الطيور، ومنها ما انقرض فعلاً ولا يُوجد إلا من ضمن محنطات هذا المتحف.
    قسم الطيور هو أول ما تبدأ به، ويدهشك باتساعه وكثرة الطيور بداخله، ترى أنواعاً من الطيور لا يمكن حتى تخيّل وجودها في الحياة. أكثر ما استهواني هنا، هو طيور الحفريات واللُّقى القديمة، على وجه الخصوص المرحلة الديناصورية للطيور، هناك طائر ديناصور له سبعة أنواع بجنوب إفريقيا وإن كان أول طائر يُعثر عليه من نوعه كان في ألمانيا عام 1861م. أيضاً أعجبتني منقوشات حجرية حقيقية تنتمي لملايين السنين للوراء، تم العثور عليها وتوزيعها على حسب أقسام المتحف، هناك مثلاً آلات بدائية قديمة كان يستخدمها إنسان العصر الحجري في صيد الطيور، هذه وُضعت بأقسام الطيور، أما الآلات التي كانت تستخدم في صيد الثديات فهذه وضعت لجوار قسم الثديات، ومع ذلك هناك قسم كامل مخصّص للعلاقة التي كانت تربط بين الإنسان القديم والحيوان، إنْ علاقة افتراسه لهذه الحيوانات أو استئناسها أو حتى دخول هذه الحيوانات في بعض طقوسه الدينية وشعائره.
    هذه قارة الطوطم والأقنعة وشعائر الإنسان القديم، مما قبل إنسان جاوة وبكين، اللّقى حول هذا الإنسان والأثارة التي تركها لا حصر لها، أعجبتني أكثر المنقوشات والحفر على الصخور، وهو نفسه ما ساعد العلماء كثيراً على دراسة ذلك التاريخ القديم والاقتراب من أكواده وشفراته الخاصة والبائدة، من هنا تابعوا أصول الزولو والهنانوا والباتو وغيرهم ممن يُعتقد بأنهم نسلٌ لسلالات ضاربة في القِدَم والعراقة الكونية.
    كنتُ قد رأيتُ رسوماً جميلة ومعاصرة تحاول تقليد هذه النقوش البدائية، ولكن هيهات، المسألة هنا تبدو كرسوم الأطفال، تراها سهلة وبسيطة وربما مباشرة، ولكن تصعب محاكاتها لدرجة أعيت فنانين كبار، هنا أصالة روح وقدرة طبيعية، ما أبعدها عن قدرات الفنانين المدركة بالصقل والنظرية.
    قسم الدكتور جورج فان صون الروسي الأصل والمولود بالعام 1898م، قسم يثير الاستغراب والحَيْرة، العالم جورج التحق بمتحف الترانسفال عام 1923م وهو أشهر عالم "فَرَاش" عرفته دنيا البحث العلمي في هذا المجال، كَرَّس حياته كلها لبحث حياة هذه المخلوقات ونُظم وجودها وتطورها. تصوري في السابق مهما اتسع –برغم انتمائي لبلد إفريقي تكثُر فيه أنواع الفراش- لن يتجاوز العشرين نوعاً، ولكن هنا تجد نفسك في صالات طويلة مخصّصة لآلاف الأنواع، فَراش الجبال، البحر، الحقول، الليلي، النهاري، السام، غير السام، الملوّن وله رائحة، المائي، وما يصعب حصره من الصفات والتمايزات بين هذه الأنواع. حتى هناك أشكال لأنواع من الفراش إن لم تُخَبَّر مُسَبَّقاً بأنها فراش، فلن تعرف إن كانت هي لصغار فئران أو أرانب وما يشبه مخلوقات أخرى غاية في البعد –الآني- عن أشكال هذه المخلوقات الجميلة، وأيضاً تكتشف منها ما هو غير جميل إطلاقاً ولا يمتّ إلى الفراش الذي نعرفه ولو بمجرَّد التصور. دكتور جورج كان عالماً كبيراً ومثابراً، مَضَّى حياته كلها في مطاردة الفراش، وأخرج ثلاثة مجلدات ضخمة حول هذا الجانب الضخم من الكون إذ تكتشف ذلك، والمجلّد الرابع تركه كمخطوطة أُخرجت بعد رحيله في العام 1967م. هنا تجوّلت كثيراً في صحبة الدكتور جورج، خصوصاً وقد أعجبتني ميزة فيه، وهي رصده لما هو غريب في حياة هذه المخلوقات، وما هو غامض أيضاً، بتواضع شديد تستشف من تعليقاته أنّه يقول نحن بقلب هذا العالم فقط من أجل تأمّله، لسنا بصدد مزاعم تفسيرية تدّعي فهم كل شيء، وهذا بالطبع هو القانون المعروف بخصوص الكائنات الحيّة كلها، الثابت أنَّ ما هو معروف عن حياتها لا يساوي شيئاً إذا قُورن بما هو مجهول. الأمور مع علوم أخرى كالميكانيكا ومشتقاتها، أو أقسام الطبيعيات الأخرى، تبدو معروضة في حد أكبر من الاختبار والتأكد، ولكن هنا ينضاف عنصر إلغاز الروح، التي ما تزال العقدة التي بلا حل.
    متحف علم الأرض:
    في ناحية من هذا المتحف خصصوا قسماً منفصلاً لمتحف علم الأرض Geoscience Museum ، وهو يشمل القسم الخاص بالصخور والرواسب والمعدنيات، أعجبني الكوارتز في هيئته الطبيعية التي يخرجونه بها من داخل الأرض، له بياض مشعٌ وغريب، تلك القليعة من الكوارتز كانت منقّطة ببعض الأخضر في أنحاء منها، وهو الكلورايت، تلمس على الفور الفرق بين ألوان الطبيعة والتشكيل كما قال لي ذلك الفنّان الأمريكي بداخل متحف الأكوريم بالكاب تاون، وكنَّا نقف أمام إطارات لعرض المخلوقات البحرية الجميلة، جمال تلك المخلوقات بالطبع ينطلق بشكل أساسي من الألوان ثم لاحقاً تقاطيع الكائن، وكانت سمكة اسمها الكلاون Clown Tiggerfish تقف على رأس حسناوات الأعماق، بألوانها التي لا يمكن تصديق درجة نقائها وتداخلها وتنوعها، فمازحني ذلك الفنّان التشكيلي الأمريكي بصدد ألوان الطبيعة المذهلة لحد الإرباك هذه قائلاً: هل تعرفني يا رجل، من أي بلد أنت؟ قلتُ لا أعرفك، أنا من السودان. فأجابني أنا أفضل تشكيلي في الدنيا، وأنت لا تعرفني فقط لأنني لم أكن أستخدم ألوان هذه السمكة. قلتُ له ضاحكاً، ولكنني سمعتُ بالملوِّنين الثلاثة العظام مارك شاقال وماتييس وفي مؤخرتهما بيكاسو، الذي هو أشهر منهما لأسباب لا علاقة لها بالتلوين، ضحك وفاجأته مباغتتي له في آن، فأكملتُ قائلاً: وهل تحمل هذه الكلاون ألواناً لا تُوجد بالخارج أو يصعب تحضيرها؟ أجابني: بل هي تحمل ألواناً مجهولة بالنسبة لي، أنا لم أرَ بهاءً كهذا في حياتي. وبالفعل أجنحة الطيور بمتحف الترانسفال والفراش وهذه المعادن، وكل ما هو طبيعي يحملُ ألواناً لا تشابه ألوان الكمبيوتر مهما عدّدوا من قدرته على توفير ألوان مختلفة وصافية.


    ثم مررت بقسم المعادن، الذي يُريك مدى ثراء جنوب إفريقيا من خامات وتِعَم الأرض، بالإضافة لهذه المعادن الطبيعية والمعروضة في أوان استخراجها من الأرض وقبل التدخل في طبيعتها بمعالجة من أي نوع، تجد نماذج للمصنوعات التي تُشغل منها، حلَّة البريستو بجانب الاستيل، مراكم الرصاص بجانب معدنها، الربط الفوري لخام الحياة وهو في جيب إنسانها وبداخل رصيد حيازته.
    متحف التاريخ الثقافي
    بالفعل جنوب إفريقيا بلد مختلف في كل شيء، أذكر أنني في أحاديث لاحقة لي قلتُ لأحد الشباب المثقفين هنا، حول مدارس التشكيل، إنّ حركة الفنون والآداب بداخل جنوب إفريقيا لا يمكن الاتّكال في دراستها أو متابعتها على منجزات أوروبا فحسب، إذ لها طعم عجيب ومختلف، كل الأشياء تقريباً على أرض جنوب إفريقيا جاءت مصاغة بـ"غرائبية المَنْفِي والمبتوت" كإشارة مني لموقع الرجل الأبيض هنا، ضحك وقال لي: هذه مدرسة جميلة. قلتُ له أنا لا أمزح لقد لاحظت ذلك حين ذهبتُ إلى متحف التاريخ الثقافي، يمكنك مراجعة فن عصر الريونساس والباروك والفيكتوري والإدواردي والركوكو الجديد والكلاسيكية الجديدة وفنون الديكو ومقارنتها بجذورها الأوروبية خاصة البريطانية، هي ليست هي، وإن بقيت بعض العلائم التي تُشير إلى ذلك، في هذه الأرجاء تتنفّس الغابة، والحس هنا موسيقي وبدائي أكثر، بمعنى له خصوصية انتماؤه العميق للطبيعة، هذا بالرغم من أنّ جنوب إفريقيا كانت بشكل من الأشكال مرايا بعيدة في أقاصي الدنيا تنعكس عليها حراكات أمور أوربية كثيرة. لعامل الارتباط بين إنسانها الأبيض الكولنيالي، الذي كانت يتعشّم ويرتهن بشكل كبير لأبوّة وأمومة أوروبية، لذا ظَلّ على تشبث دائم بجذوره، من نظرته إلى إنسان إفريقيا، وحتى سفره الذي لا ينقطع إلى أوروبا، ليبقى في المقابل مرتبكاً ومشوشاً على هذه الأرض. الأشياء كانت تخرج اليوم أو الآن في أوروبا وتجدها قد بلغت جنوب إفريقيا في نفس اللحظة، كل شيء هنا متطور وقديم، ما يعني العزلة بين الإنسان الأبيض وبين الأرض التي يعيش عليها وبين ما يساكنه من مجتمعاتها، وفي نفس الوقت ما يعني مواكبته لأحداث تلك الدنيا البعيدة وفي آخر الجليد. لذا العلوم والآداب والفنون هنا قديمة وراسخة بما لا شك فيه، وتاريخها كله ملكٌ للرجل الأبيض. لتقوم المفارقة الثانية وهي التاريخ الحديث لجنوب إفريقيا –تاريخ الصراع- والوعي المضاد، وهذا كله جاء من نصيب الرجل الأسود. الذي قاتل أولاً من أجل تعليم نفسه وإخراجها من دائرة الجهل الذي كان مضروباً عليه بأسيجة البارود والرصاص، ومن أجل استعادة أرضه وتاريخه ثانياً، لذا تجد أنّ متاحفاً علمية كهذا المتحف أبطاله جميعاً من البيض، بينما كل متاحف التاريخ الحديث لجنوب إفريقيا لا تكاد تعثر فيها على شخص أبيض إلا لماماً. أمّا بخصوص مدرسة "غرائبية المَنْفِي والمبتوت" فهي تجلّت في أعمال الرجل الأبيض الذي هو في الحقيقة وبعد مرور مئات السنين أضحى أبيضَ بجلده فحسب، بينما هو ممتلك لوعي إفريقي خالص ومغاير جداً لوعي الرجل الأوربي على أرضه، حتى نظرته إلى الجمال نفسها تغيّرت، وإلا لما كان هناك مُلَوَّنون وحالات تزاوج مع السود لا حصر لها، أي صار له مزاج جديد. وهذا لا ينفي أيضاً مدرسة "غرائيبية المنفي والمبتوت" عن السود، أبداً، بل يثبتها من الجهة الأخرى من ناحية ما جرى وظلّ يحدث على أرضهم، فهم أصبحوا متعايشين في وسط يختلف مثلاً عن الوسط المجاور لهم في زامبيا أو زيمباوي، لأنّ هناك ثقافة أخرى ومختلفة تماماً جُلبت إلى أرضهم بكل ثقلها وغرائبيتها بالنسبة لمجتمعاتهم البسيطة، وبكل أحكام قيمتها ونظرتها إلى الحياة وإمكانياتها، وهذا أزاحهم على صعيد المعنوي من أرضهم، وازدادت هذه الإزاحة إحكاماً وفجوراً باستصدار قوانين الأبارتيد التي أزاحتهم على صعيد المادي من أرضهم، أي ما إنّ خلاصته أصبح الجميع يعيش على الأرض نفسها ومبتوتاً عن الانتماء لها، أو لخلاصة جوهر مجتمع واحد يشبهه، أفليس بوسع ذلك إنتاج غرائبية المنفي والمبتوت يا صديقي مايكل، ضحك اللعين، يبدو أنّ هذه المدرسة -كما أسماها- راقته، ليسألني مبتسماً: قلت لي إنك درست الفلسفة يا مستر خالد؟ ضحكت وقلتُ له: بل الاقتصاد، فكل ذلك حدث حين رنّ الذهب بجهانسبيرغ.
    وفعلاً بالعودة إلى حقب الفنون المذكورة هذه تكتشف أنّ هناك روح مختلفة لا تخطئها العين أبداً، وحتى بالعودة إلى الأثاث المنزلي المعروض أيضاً وفق هذه الحقب الفكتورية والإدواردية وغيرها، مع صور لتصاميم أثاث أوروبية معروضة لجوارها، تجد أنّ ما لأوربا لأوربا، وما صاغته يدٌ ترعرعت في الغابة لبهار إفريقي مشبوب النكهة، أو لروح غريبة وبَريّة تخطرُ بينهما.
    كما هناك قسم مخصص لأكبر نحات أنجبته بريتوريا، وهو لورنس ستين بيرغ وأقسام أخرى لفنانين قدماء من أمثال "بيتر وينينغ" و"أنطون فان وو" و"دبليو كويتزر". وهؤلاء ملوّنون كبار عندهم ولهم شأنهم في متاحف أوربا. وتلمس نفس الروح المختلفة في أعمالهم توقها المبتوت وغرائبيتها المرتبكة. بخروجي من هذا القسم دخلت وحدةً مخصّصة للتباكو، فهو له تقاليده هنا بل وطقوسه الخاصة، يُمثِّل واحداً من أهم منتجاتهم الوطنية، ويتعاملون معه بشكل خاص كما يتعامل البرازيليون والإثيوبيون مع البن والقهوة، أو كما يتعامل اليمنيون مع القات، أو سكّان جنوب السودان مع القامشا والكُدْكُد. بمعنى أنّ الموضوع معه يخرج من إطار مجرّد المنتج الوطني والمحصول، وينضاف لرصيد الثقافة الشعبية التي تُخصّص في التعامل معه، ومع أجوائه.
    بعد استكمالي لمشاهدة المعرض قمتُ بزيارة المسرح القريب، ووجدتُ نصاً يعرض بلغة الأفريكان –الملونين، فلم أفهم شيئاً لأُغادر بعدها عوداً لبروتيا هوتيل ولبحيرته الجميلة بالداخل.
    غادرتُ بريتوريا يوم الأربعاء 11 يناير، والحزن له ندى كذاك الصباح، الطيور كانت تجفل بعيداً في المدى الضبابي، ومنها ما يجفل في قلبي، ليملكّني إحساساً مرفرفاً بالحياة وبمحبّة هذه المدينة القائدة والحسناء.





    ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار10-02-06, 06:39 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار10-02-06, 06:40 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء Tragie Mustafa10-02-06, 07:35 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عاطف عبدالله10-02-06, 12:26 PM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عبد الحميد البرنس10-02-06, 01:43 PM
          Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محمدين محمد اسحق10-02-06, 03:18 PM
            Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء القلب النابض10-02-06, 09:33 PM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عمر الفاروق11-02-06, 00:50 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد11-02-06, 03:06 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء bayan11-02-06, 04:06 AM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد11-02-06, 07:02 AM
          Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد11-02-06, 07:11 AM
            Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء alin18-02-06, 06:52 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء ahmed haneen11-02-06, 08:15 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد11-02-06, 08:31 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار11-02-06, 01:07 PM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عبد الحميد البرنس11-02-06, 01:44 PM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عبد الحميد البرنس11-02-06, 01:51 PM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد12-02-06, 06:46 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار12-02-06, 07:26 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار12-02-06, 07:37 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نادية عثمان12-02-06, 07:39 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار12-02-06, 08:04 AM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نادية عثمان12-02-06, 09:04 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد12-02-06, 08:24 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عبد الله عقيد12-02-06, 07:58 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء عبد الحميد البرنس12-02-06, 01:09 PM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء طارق جبريل12-02-06, 03:45 PM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار14-02-06, 03:38 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار14-02-06, 03:41 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار14-02-06, 03:45 AM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار14-02-06, 03:58 AM
          Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء انور الطيب14-02-06, 09:28 AM
          Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء انور الطيب14-02-06, 09:29 AM
  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار17-02-06, 10:48 AM
    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار17-02-06, 10:51 AM
      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار17-02-06, 11:18 AM
        Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار17-02-06, 11:23 AM
          Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار17-02-06, 11:25 AM
            Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد18-02-06, 09:15 AM
              Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء انور الطيب18-02-06, 10:04 AM
                Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد19-02-06, 09:31 AM
                  Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد19-02-06, 09:53 AM
                    Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء نهال كرار24-02-06, 10:25 AM
                      Re: رحلة الروائي السوداني محسن خالد في قلب القارة السمراء محسن خالد27-02-06, 09:46 AM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de