قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 13-12-2018, 04:55 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
23-04-2014, 05:50 PM

بدور عبدالمنعم عبداللطيف
<aبدور عبدالمنعم عبداللطيف
تاريخ التسجيل: 26-10-2013
مجموع المشاركات: 54

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف

    [email protected]


    بناءً على رغبة وسؤال الكثيرين، وما وردني مؤخراً – عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني - عن حالات مماثلة يلتمس أصحابها المشورة والتطمين، أعيد سرد قصتي مع ذلك المرض ..

    تكون في كامل صحتك وعافيتك ولم تصب بأيِّ داء أو عارض صحي طوال حياتك .. وفجأة تنزل بك نازلة مرضية تشطرك إلى نصفين، النصف الأول يبدو غير آبه أو معترف بها والنصف الثاني يأخذه الخوف وتذهب به الحيرة مذاهب شتى .

    هذه قصتي مع ذلك المرض النادر والذي أحمد الله كثيراً أن قيَّض لي برحمته طبيباً من بلدي الحبيب شخَّص مرضي النادر منذ الوهلة الأولى والذي لولا سرعة تشخيصه لكنت أدور في حلقة مفرغة نهايتها الموت الحتمي .. فكم من مرضى نسمع عنهم كل يوم يلقون حتفهم نتيجة خطأ في تشخيص المرض .

    الطبيب الذي أعنيه هو الدكتور عبدالله أمين التوم إستشاري الباطنية بمستشفى زايد العسكري بأبوظبي .

    وأنا إذ أذكر الدكتور عبدالله أمين التوم في إطار تجاوزي لتلك المحنة الصحية العصيبة أعلم أن قولي هذا سيخجل تواضعه كسوداني أولاً وكعالم ثانياً ، كلاهما يأبى إلاَّ أن يتلفح بعباءة التواضع مهما علا شأنه .. ولكنني أقول إنه وزملاءه بلدي التي أعتز بها وأتمنى أن أعتز بها على الدوام .

    المرض الذي ألمَّ بي يطلق عليه متلازمة أو عارض «جليان-باري« على إسم مكتشفيه وهما طبيبان فرنسيان ، ويسببه فيروس يتسلل إلى الجسم عن طريق نزلة برد أو بعد عملية جراحية وثبتت إصابات لبعض النساء بعد عملية الولادة إلى جانب أسباب أخرى لا تزال مجهولة .

    يصيب الفيروس أعصاب الجسم بالتلف ويؤثر بالتالي على العضلات فيضعفها ثم يشلها .. ومن أعراض المرض آلام مبرحة في الظهر والأطراف إلى جانب خلل في حاسة التذوق .
    ومنذ عام 1981 أنشأ «روبرت« و «استيل بنسون« مؤسسة «جليان-باري الدولية« التي لها الآن أكثر من مائة وخمسين فرعاً في الولايات المتحدة وكندا وأوربا وأستراليا وجنوب أفريقيا هدفها مساعدة مرضى «جليان - باري« عن طريق زيارتهم من قِبل أشخاص أصيبوا بالمرض من قبل وكتب الله لهم الشفاء منه.. كذلك هنالك كتيبات ومطبوعات شاملة تعرِّف بالمرض إلى جانب إصدارات وندوات دولية للأطباء وللناس عامة .. إلخ .

    أضيف فأقول أن هنالك عدة جمعيات لمرضى «جليان-باري« توفر لهم فرصة التواصل فيما بينهم وتتيح لهم التحدث عن تجاربهم الذاتية مع المرض.. ولندرة هذا المرض في العالم لم تجر عليه حتى الآن الأبحاث الكافية ولربما راح ضحيته أعداد من الناس لتداخل أعراضه مع أعراض أمراض أخرى.. وحتى في حال تشخيصه يتطلب علاجه نفقات باهظة إذا ما تطورت أعراضه واقتضى الأمر إمضاء فترة طويلة في جهاز التنفس الإصطناعي إلى جانب الدواء الغالي الثمن والذي هو ضروري لتقوية جهاز المناعة .. ثم يأتي بعد ذلك دور العلاج الطبيعي الذي لا تكتمل عملية الشفاء بدونه .

    ومرض “جليان - باري« ينقسم إلى نوعين .. النوع البسيط الذي يصيب الجزء الأسفل من الجسم ... أما النوع القاتل والذي شاء لي قدري أن أقع بين براثنه فهو الذي يصيب كل عضلات الجسم ومن بينها عضلات الصدر .. لأن عضلات الصدر في تمددها وانقباضها تساعد الرئتين على أداء وظيفتهما فإذا أصابها الشلل إنحبست الرئتان بالداخل وانعدم التنفس ومات الإنسان ما لم يوضع في جهاز التنفس الاصطناعي.

    أضيف فأقول إنه في حالة التشخيص السليم المبكر وتوفر العلاج فإن الشفاء منه يكون كاملاً كما أنه من الأمراض التي تصيب الإنسان مرة واحدة .

    هذا تعريف موجز بالمرض إستخرجت جزءاً منه من «الإنترنت« والجزء الآخر إستقيته من خلال تجربتي الشخصية، ومن ثمَّ لن أرهق ذهن القارئ بمصطلحات طبية وشروحات هو في غنى عنها خاصة وإن هدفي من إيراد تفاصيل تلك التجربة الشخصية في المقام الأول هو إشراك القارئ معي في أحاسيسي وانفعالاتي خلال تلك التجربة .

    أمضي فأقول إن المرض لما غدا في تطور مضطرد أُدخلت في جهاز التنفس الإصطناعي الذي كان يشرف عليه الطبيب السوداني الدكتور مأمون حنفي إستشاري التخدير .
    وفي البداية كان التنفس يتم عن طريق أنبوب يمر من خلال الحلق إلى القصبة الهوائية وموصل بجهاز التنفس الإصطناعي .. وبعد أسبوعين ولما لم تتحسن عضلات الصدر قام إستشاري الجراحة العامة السوداني الدكتور ممدوح محمد طه بإجراء فتحة في الحلق للمساعدة على التنفس حيث أن وجود الأنبوب بالحلق لأكثر من أسبوعين يضر به . فيما كان دكتور مأمون حنفي طوال تلك الفترة يقوم برصد جرعات المورفين والمخدِّر التي تتواءم مع حالتي في تطوراتها المختلفة. أما الغذاء فقد كان يأتي عن طريق أنبوب يمر من خلال الأنف إلى المعدة .

    وخلال تلك الفترة كان دكتور عبدالله يقوم بإرسال تقارير شاملة تتضمن كافة الخطوات التي اتخذها إلى مستشفى «مايو كلينك« بالولايات المتحدة الأمريكية ، وكان الطبيب المختص في مستشفى «مايو كلينك« ورصيفه في جامعة «هارفارد« يؤيدان تلك الخطوات .

    وأنا أورد تلك التجربة لا أظنني أضيف جديداً في أن الطبيب السوداني في كل مستشفيات العالم كان وسيظل دائما محل ثقة ومفخرة لبلاده بعلمه وتواضعه وأمانته العلمية .

    وفي هذا الإطار أجد أنه من الضروري عليَّ أن أشكر أنا وزوجي وأبنائي الفريق الركن سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس أركان القوات المسلحة آنذاك الذي أوصى بنقلي للعلاج بالخارج منذ بدايات المرض .

    ولكن التدهور السريع في صحتي مع إجراءات السفر التي تستغرق بعض الوقت والخشية من المخاطرة في رحلة طيران طويلة إلى جانب إيماننا بالله وثقتنا بالدكتور عبدالله أمين التوم وزملائه ، جعلتنا نرجئ السفر إلى فترة إمتدت منذ دخولي المستشفى في الرابع من أكتوبر من عام 1999 وحتى العشرين من أبريل من عام 2000 سافرت بعدها برفقة زوجي وابنتي على نفقة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مدينة «بوسطن« بالولايات المتحدة الأمريكية حيث أُدخلت مستشفى Spaulding لإعادة التأهيل ولتكملة العلاج الطبيعي والذي كنت قد قطعت فيه شوطاً بعيداً في مستشفى زايد العسكري .

    وقبـل أن أستطرد لأروي تلك التجربة أستميح القراء - ممن لا يعرفوني - عذراً في سرد بعض تفاصيل من حياتي في الفترة التي سبقت إصابتي بذلك الداء ليقيني أن القارئ لن يتفاعل معي بالقدر الكافي إن لم يلم بتلك التفاصيل .

    وفي هذا المضمار أيضاً أقدم أسرتي الصغيرة التي تتكون من زوجي دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه المستشار القانوني للجنة الدائمة للحدود بأبوظبي وإبني البكر عبدالرحمن وهو متخرج من جامعة الخرطوم ويعمل بمركز رقابة الأغذية بأبوظبي، وقد تزوج حديثاً ثم إبنتي نوار وهي خريجة جامعة الأحفاد للبنات، وأخيراً إبنيَّ عمرو وواصل وكلاهما كان يدرس آنذاك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة .

    وأنا الآن وقد شارف الربع الأول من عام 2001 على الإنقضاء والداء قد انحسر إلاَّ من خدر وتنميل خفيف في باطن قدميَّ لم يمنعني من إنتعال حذاء عادي بدلاً من الحذاء الرياضي وممارسة حياتي الاجتماعية بشكل طبيعي، أجلس لأكتب هذه السطور أتأمل وأقول لنفسي إذا كان الله قد إبتلاني في تلك الفترة من حياتي بمرض أقعدني وكاد يفقدني حياتي فهو بالمقابل قد كافأني.. وكافأني كثيراً .. مادياً ومعنوياً وفي دنيتي قبل آخرتي وسيرى القارئ لاحقاً ومن خلال متابعته لتلك الأحداث أن ما سأورده لم يجانب الحقيقة إن لم يكن الحقيقة كلها.
    في ظهر يوم الخميس الموافق للثلاثين من شهر سبتمبر من عام 1999 كنت آخذ مكاني على متن طائرة طــيران الخليــج المتجهـة من أبوظبي -حيث يعمل زوجي - إلى القاهرة وفي نيتي تمضية الفصل الدراسي مع إبنيَّ عمرو وواصل وكانا قد سبقاني إلها بحوالي أسبوعين ثم يلحق بنا زوجي بعد ذلك في إجازته السنوية .

    وبعد الإرشادات الروتينية الخاصة بإجراءات السلامة أخذت أنقِّب بين الكتب والمجلات الموجودة بداخل حقيبتي الصغيرة حتى وقع اختياري على إحدى المجلات وجدتها مناسبة لأبدأ بها رحلتي.

    وقد دأبت في خلال كل أسفاري على صحبة الكتاب والمجلة فلا يعتريني حينها السأم والملل مهما طالت الرحلة.

    والقراءة عادة ألاحظها بوضوح عند الأسر الأوربية المسافرة سواء في داخل الطائرة أو في قاعات الإنتظار حيث تجد الجميع على اختلاف أعمارهم مشدودين إلى ما يطالعون من كتاب أو مجلة فلا صراخ الميكروفونات بما تحمله من تعليمات ولا جلبة وضوضاء المسافرين بقادرة على انتزاعهم من تلك العوالم السحرية التي يجولون فيها باختيارهم .

    أمسكت بالمجلة وقلبت الصفحة وأنا أُمنِّي النفس بوجبة دسمة حملها لي العنوان المثير ، ولكن فكري غافلني وفرَّ هارباً مني كطفل مشاغب تاركاً عينايَّ تهيمان في الفراغ ثم ما لبث أن عاد إليَّ حاملاً معه أحداث الشهور المنصرمة من ذلك العام الذي شهد زواج إبني البكر عبد الرحمن .

    رأيت نفسي في شهر مارس وأبريل ومايو أتنقل بلا كلل أو ملل بصحبة إبنتي «نوار« في أسواق أبوظبي ودبي والشارقة والقاهرة لانتقاء الأفضل والأجمل من مستلزمات الزواج .. وعندما أقول أتنقل بلا كلل أو ملل قد يُستنتج منه إنني قد صادفت عنتاً ومشقة في التسوق مما يعني قيامي بتضحية كبيرة . وفي واقع الأمر إن هذا القول يجوز إذا كانت المتسوق رجلاً أما نحن معشر النساء فالتسوق بالنسبة لنا يمثل متعة كبيرة حتى في حياتنا العادية حيث تجد الواحدة منا إذا أرادت شراء ثوب واحد تمضي الساعات الطوال تجوب المحال التجارية وتقارن بين الأشكال والألوان والخامة وقد تلتفت إلى الزوج المسكين في إستشارة شكلية فتجده يزفر في ضيق ولسان حاله يقول خذي كل ما أملك وأعفيني من هذه المهمة الثقيلة إلى نفسي . وأعتقد أن هذا ما أصبح يحدث فعلاً إذ صارت الزوجة تخرج للتسوق وحدها أو برفقة صويحباتها وكفى الله المؤمنين القتال.

    وبعد أن فرغت من مهمة التسوق في منتصف شهر يونيو غادرت برفقة إبنتي إلى السودان وفي معيتنا متطلبات الزواج من مهر وشيلة وخلافه .

    ولما كان تقديم هذه الأشياء يدخل في إطار المراسم النسائية فقد رافقتنا بعض النسوة من الأهل والجيران والأصحاب لمنزل أهل العروس الذين غمرونا بكرمهم وحفاوتهم البالغة .
    وما لبث زوجي وإبني عبد الرحمن أن لحقا بنا بعد أسبوعين .. كان زوجي سعيداً بعودته لأرض الوطن بعد غياب قسري دام أكثر من عشر سنوات .. كان مبتهجاً مسروراً بلقاء الأهل والأحباب والأصدقاء الذين باعدت بينه وبينهم سنوات الغربة الطويلة .

    وفي الثامن من يوليو من عام 1999 وفيما كانت مراسم عقد القران تتم في «الصيوان« خارج منزل أهل العروس كانت تتصارع في داخلي مشاعر متباينة هي مزيج من الفرح والحزن .. يجتاحني الفرح العارم وأنا أرى إبني بقلبي مرتدياً بدلة الزفاف فيبدو فيها وسيماً أنيقاً فارهاً مشرق الوجه والوجدان تتناثر حوله باقات التهاني من أهله وأصدقائه وأصدقاء والده وزملائه فأحس بأنني أسعد إنسانة في الوجود وما يلبث أن يلفني الحزن بعباءته الكثيفة السواد فأفتقد في وسط هذا الخضم من العمائم والجلابيب والدي الحبيب وأفتقده بشدة .. أفتقد حضوره المميز وسط هذه الوجوه جميعها والتي أحسها هي الأخرى تشاركني فقد من كان زينة المجالس .



    ثم أنظر حولي في مجلس النسوة فأفتقد أمي الحبيبة التي كانت تقيم آنذاك مع أخي بولاية «فيرجينيا« الأمريكية بعد وفاة والدي العام الماضي فيتضاعف إحساسي بالفقد واليتم ويعتريني القهر والحزن وتطفر من عينيَّ رغماً عني دمعتان - يعلم الله - كم بذلت من جهد لقمعهما .

    وفي الرابع عشر من نفس الشهر غادرت مع زوجي وابنتي الخرطوم تاركين عبد الرحمن لعروسه يمضي معها بضعة أيام ثم يعود لمقر عمله في أبوظبي فيما تكمل هي عامها النهائي بجامعة الخرطوم .

    وأنا أتتبع مسار تلك الأيام على - قلتها - أجدني فيها قد نهلت من نبع السعادة الحقيقية، والسعادة الحقيقية في نظري هي الإنعتاق من إسار الأنانية الضيق إلى آفاق أرحب وأوسع بحيث يستمد حينها الإنسان سعادته من إحساسه بسعادة الآخرين وهم يشاركونه فرحته .

    في تلك الأيام الجميلة تجمع شمل الأهل والأصدقاء والجيران في دارنا الصغيرة .. هرعوا يقدمون لنا العون المعجون بماء الحب والمودة الصافية.

    وفي لحظة تحول ذلك البيت الذي ظل حتى الأمس مهجوراً يروي بمنظره الكئيب والحاوية الباهتة اللون التي تجثم أمامه مأساة المغتربين وقد أمسوا كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى .. عزاؤهم الوحيد أنهم قد أسهموا بقصد أو بدون قصد في حل ضائقة السكن لشريحة بائسة من البشر هي شريحة الخفراء وأسرهم .

    تحول ذلك المنزل الكئيب ويا سبحان الله إلى جنة عرضها السموات والأرض تتلألأ ساحاته بتلك الوجوه النضرة البهية .. وتضج جنباته بأصوات الزغاريد .. وتتمايل جدرانه على دقات الطبول وأنغام الموسيقى.

    ثم أقبل علينا شهر سبتمبر بوجهٍ مكفهر حاملاً معه العواصف والبروق والرعود معلناً لنا بكل قسوة أن حصيلتنا من السعادة كانت أكثر مما ينبغي مما يستوجب منا السداد .. والسداد الفوري .. فجاءت الفاتورة باهظة.

    مات سيف الدولة عبدالرحمن علي طه.. مات من كان ملء السمع والبصر.. مات أخو زوجي وتوأم روحه.. مات أخي سيف الدولة فماتت معه كل معاني الشهامة والشجاعة والرجولة.. إغتال رحيله المفاجئ كل الفرح.. كل الفرح.

    إنتبهت على صوت قائد الطائرة يعلن هبوطنا مطار القاهرة .. لملمت حاجياتي وكفكفت دمعي وغادرت الطائرة .

    في المطار أخذت أدفع أمامي عربة الأمتعة إلى مكتب إحدى شركات تأجير السيارات عندما أحسست بها ثقيلة على غير العادة .. وأنا أبذل جهداً إضافياً لدفعها تقدم مني أحد إخواننا المصريين وتبرع مشكوراً وأرخى الكابحة (الفرملة) المثبتة في عجلتها لتنطلق بعدها العربة منسابة إلى صالة الجمارك .. ثم إلى موقف السيارات لتقلني السيارة الليموزين إلى ضاحية المعادي حيث أقطن.

    في المنزل شرعت أفرغ الحقائب من محتوياتها حين أحسست ببعض الألم في ظهري أرجعته في الحال إلى دفعي عربة الأمتعة قبل إرخاء الكابحة (الفرملة(

    رقدت على السرير الخشبي وأنا آمل أن تعمل مرتبته القوية على استرخاء عضلات ظهري وتغادرني الأوجاع دون الحاجة إلى طبيب أو عقاقير. ويبدو أن تلك أول مرة أخلو فيها لنفسي حين فطنت وأنا أبتلع ريقي لطعم مرارة غير عادية تخالطه.. مرارة طالما ارتبطت في ذهني دائما بالحمى.. تنهدت بارتياح وأنا أذكر وصف المتنبي للحمى..

    بذلــت لها المطــارف والحشــايا فعافتهـــا وباتـــت في عظـــامي
    وهكذا قدَّرت أن حمى المتنبي لابد أنها قد وجدت ضالتها في عظام ظهري فاتخذتها مأوىً ومبيتاً لها.. وضعت ميزان الحرارة تحت لساني.. الميزان يبين أن درجة الحرارة عادية.. إذن لابد أن دفعي لعربة الأمتعة قد تسبب لي في حالة إنزلاق غضروفي.

    طلبت من إبني عمرو أن يحضر لي دواءً مُسكِّناً من الصيدلية المجاورة.. كان للقرص المُسكِّن مفعول السحر.. زالت كل الأوجاع والآلام كأن لم تكن.. ثم رحت في نوم عميق.

    إستيقظت صباح الجمعة وأنا أحس بتحسن نوعاً ما وفي نيتي الإتصال بأخواتي وصديقاتي في المعادي وعلى رأسهن أختنا الكبرى وعميدتنا فوزية مصطفى أبو العلا .

    ولعلي أتوقف قليلاً عند هذه الشخصية والتي قد لا يعرفها الكثيرون لأنها قد أمضت الجزء
    الأكبر من حياتها منذ زواجها بالقاهرة (أي ما يقارب النصف قرن من الزمان) وإن كان اسم عائلتها الكبير في مجال التجارة والإقتصاد قديماً لا يخفى على أحد.

    كانت بداية علاقتي بفوزية في يناير من عام 1995 عندما عرَّفتني بها -عن طريق التيلفون- إبنة أختها هدى عبدالعزيز ميرغني لتساعدني عند وصولي للقاهرة والتي كنت أنوي الإستقرار فيها لبعض الوقت مع أولادي أثناء فترة دراستهم بالجامعة الأمريكية بالقاهرة .. فكان أن شرحت لها قضيتي وبعد ذلك سارت الأمور.

    وصلت مطار القاهرة مع زوجي وإبني عمرو فكان سائق فوزية بانتظارنا حيث أخذنا إلى الشقة المفروشة التي استأجرتها لنا في المعادي والتي أشرفت بنفسها على تجهيزها بكافة التفاصيل من البطاطين والفرش إلى الثلاجة التي حوت كافة الأطعمة.. وبعد فترة.. ولما رغبنا في شراء شقة كانت فوزية هي الموجه والمرشد والمعين.. وهكذا كانت تلك الإنسانة أول من فتح لنا بوابة القاهرة على مصراعيها وكفانا مؤنة التخبط في تجارب مريرة كالتي يتعرض لها القادم لأول مرة.

    جمعني منزلها العامر بكوكبة من الأخوات والصديقات كن لي وسيبقين أخوات على الدوام أذكر منهن الأخوات عواطف عبدالسلام أبوالعلا.. الدكتورة أمال أيوب.. الدكتورة منى الماحي.. وفاء وحباب عبدالله الفاضل.. ووالدتهما السيدة منيرة.. سمية يوسف هباني.. منى عزالدين مصطفى.. أسماء عبدالقادر علي.. ميمي أحمد يوسف هاشم.. نوال عثمان عبدالمنعم.. ميرفت أبوبكر فريد.. محاسن بخاري.. وأخريات.

    نَظَمَت مجموعتنا بتلقائية وعفوية نادرة نابعة من روحها المفعمة بالإيثار والكرم والمروءة، كما ينظم الناسك حبات المسبحة.. في مزرعتها (عزبتها) الوارفة الظليلة أكلنا المرارة والشية (الشواء) على نغمات أغنيات أحمد المصطفى ونحن نجتر ذكريات الماضي الجميل.. في منازلنا المتفرقة كانت لقاءاتنا المليئة بالحوارات الثرية.
    كان تجمعاً نموذجياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. ولذلك عندما وقعت الواقعة وسقطت أسيرة الداء اللعين إهتز ذلك الركن الحميم في القاهرة خوف أن ينفرط عقد المسبحة وتتناثر حباته.

    جاءت أصواتهن قلقة واجفة عبر الأسلاك تنشد الطمأنينة على أختهن الغالية.
    أعود فأستميح القارئ لهذه التداعيات والتي لابد منها وأنا منذ البداية قد ذكرت إنني ربما أوغل في بعض التفاصيل لعلمي أنك لكيَّ تعيش تجربة شخص ما معايشة حقيقية وصادقة فلابد أن تجوب معه حواري وأزقة أعماقه وإلا فإن شخصية فوزية في إنفاقها الخفي على الفقراء والمساكين ودور اليتامى تستحق أن تُفرد لها صفحات وصفحات.

    إتصلت بفوزية ولكن لا أحد بالمنزل.. تذكرت أنها تمضي يوميَّ الخميس والجمعة بالعزبة .. عاودني ألم الظهر.. تجاهلت الألم ومضيت في مواصلة أعمال البيت الروتينية .

    في تلك اللحظات خُيل إليَّ أنني بالكاد أحس ملمس «الشبشب« على حافة الجزء الأيسر من قدمي.. توقفت عند ذلك العارض لبرهة ثم واصلت مهامي.


    لم يستطع إستغراقي في العمل أن يصرف إنتباهي إلى أن الأمر تعدى حدود ذلك الجزء من القدم وامتد الخدر والتنميل إلى باطن قدميَّ الإثنين.

    مساء الجمعة هاتفت فوزية بعد عودتها وأخبرتها بأنني أعاني من ألم في ظهري دون أن أتطرق إلى باقي الأعراض كما ذكرت لها إنني إتصلت بآمال أيوب لمعرفة إسم الطبيب الذي تتعالج عنده من آلام الغضروف ولكني لم أجدها .. أيضا قلت لها إنه طالما أن الألم ليس بالحدة بحيث يجعلني أخاطر وأستعجل الذهاب إلى أي طبيب فإنني سأظل مستلقية على ظهري وأتناول القرص المسكن عسى أن يزول الألم من تلقاء نفسه وفعلا نمت حتى الصباح .
    صباح السبت لم يطرأ أي تحسن على وضعي بل إنتابني إحساس جديد بدا لي غريباً وغامضاً. ضعف وفتور يتسللان تدريجياً إلى ساقيَّ مما يجعلني لا شعورياً أستند على الجدران أثناء سيري كمن يخشى السقوط.

    أخبرت فوزية بتلك الأعراض التي تجاهلتها في البداية .. وكعادتها راحت فوزية تجري إتصالاتها بطريقتها الخاصة وعادت لتخبرني أنها قد حددت لي موعداً غداً الأحد الساعة التاسعة صباحاً لدى إستشاري في أمراض المخ والأعصاب كما أشار عليها طبيب من أسرتها بعد أن علم بأعراض الخدر والتنميل .

    مساء السبت ساقايَّ تزدادان ضعفاً .. أرفض الإستسلام لتلك الإنذارات. أقرر أن أذهب إلى المطبخ وأنا أحمل في يدي كوباً به قليل من الماء.. أبنائي كل في غرفته يستذكر دروسه أو ربما أمام شاشة الكمبيوتر.. ولهم عذرهم فلم أشأ أن أخبرهم بما أعاني.. ربما إنني حتى تلك اللحظات كنت أغالط نفسي أو لم أتعامل مع الأمر بجدية.

    وأنا أهبط الدَرَج في نهاية الممر إلى الصالة إذا بقدمي اليسرى تنثني وأجدني قد هويت بكل ثِقَلي على السجادة وقد سقط الكوب الزجاجي من يدي وتناثر الماء القليل الذي بداخله على السجادة .

    في تلك اللحظة رنَّ جرس التيلفون على الطاولة أمامي .. رفعت السماعة .. كان زوجي من الطرف الآخر يسأل عن حالة ظهري ويلح عليّ بضرورة العودة لأبوظبي .. وأن لا أهمل الأمر و ... و ... و ....

    وأنا هناك على الأرض قدمي تئن من الألم وقلبي واجف مما هو آتٍ وكأنَّ سقوطي المفاجئ على الأرض والذي لم أجد له تبريراً معقولاً قد نبهني إلى خطورة الحالة التي اعترتني. طمأنته وأخبرته بأنني سأذهب غداً مع فوزية لأخصائي العظام بمستشفى السلام بالمعادي ولم أشأ أن أخبره بالخدر والتنميل وبالتالي أغفلت ذكر أخصائي أمراض المخ والأعصاب . ولما لم يبدو عليه الإقتناع واستمر في إلحاحه عليَّ بالعودة السريعة إلى أبوظبي إفتعلت ضحكة أداري بها ما كان يعتمل لحظتها في داخلي من خوف مبهم وقلت له : «وعلى أي حال رجوعي إليكم أمر وارد فأنا لا أريد أن أكون حقل تجارب هنا«.

    بعد ذلك تحاملت على نفسي ووقفت مستندة إلى كرسي ثم اتجهت إلى سريري في غرفة النوم .
    خرج أولادي في أوقات مختلفة من اليوم يستفسران عن حالة ظهري كمن يستفسر عن أحد الأمراض العادية . أخبرتهما أنني بخير وهما يعلمان بموعدي غداً مع الطبيب .
    صباح الأحد ساقاي تزدادان ضعفاً .. أتجه إلى الحمام مستندة في طريقي على كل ما يصادفني من أثاث أو جدران غير عابئة بقدمي التي تورمت بعد أن أضحت كل الأمور مختلطة في نظري .

    ألبس ثوبي وأجلس في انتظار فوزية التي اتصلت بعد قليل لتقول لي أن الطبيب لن يداوم اليوم في الصباح وعليه فقد حددت لي موعداً في الساعة السادسة من مساء نفس اليوم .
    أنهيت المكالمة وقد ومض في ذهني خاطر فجأة أفرخه وضعي الغريب.. إتصلت بمكتب طيران الخليج لأحجز مقعداً في الطائرة التي تغادر إلى أبوظبي في الساعة السادسة مساءً .. أخبرتني موظفة الحجز أنه ليس من الممكن تقديم هذه الخدمة في نفس اليوم وأنَّ الطائرة - فيما تعلم - كاملة العدد ولكنها ستدرج إسمي في قائمة الإنتظار وعليَّ التوجه إلى المطار فلربما يتخلف بعض المسافرين .
    أخبرت أبنائي بما راودني من فكرة العودة فأصرا على مصاحبتي وقد إستشعرا خطورة الموقف ولكني قلت لهما إنَّ الأمر لا يستحق كما أن دخولهما إلى مصر مرة أخرى يتطلب في حالتيهما تأشيرة تستغرق إجراءاتها ثلاثة أسابيع مما يفقدهما فصلاً دراسياً بأكمله .
    قال واصل: “بالنسبة لي تأشيرتي تتيح لي الدخول والخروج ثلاث مرات... سأذهب معك وأعود في اليوم التالي.«

    أقنعني بقوله لا أدري من رنَّة الصدق والتأكيد التي اكتسى بها صوته أو لأن حالتي كانت قد أصبحت لا تسمح لي بالتفكير .

    إتصلت بفوزية لأعلمها بقراري السفر إذا تيسر لي مقعد في الطائرة.
    جاءني صوتها عنيفاً صارخاً تمتزج فيه اللهجة السودانية بالمصرية والتي تأثرت بها بحكم إقامتها الطويلة في القاهرة: «إيه الدلع ده يا بدور .. في حد إرجع في يومين عشان حتة وجع ضهر .. ده أنا عملتلك حجز و...«.

    إبتلعت صراخها وتقريعها كما يبتلع الطفل تعنيف والديه ثم قلت : «إذا ما لقيت مقعد حأتصل بيك عشان ميعاد الساعة ستة« .

    برطمت فوزية بكلام كثير معظمه يصب في خانة الإستهجان لقراري الذي فاجأها تماماً فهي إلى جانب سجاياها العديدة تتميز بالصراحة والوضوح .. الصراحة والوضوح اللذين كم أفتقدهما وأنا في ذلك الوضع المحيـَّر والمربك .

    ودعت عمرو وأوصيته أن يبذل جهداً مضاعفاً في دراسته فهذا آخر فصل دراسي له ويتخرج وبالمقابل شددت عليه أن لا يُعلم والده - في حال وجود مقعدين بالطائرة - بمرافقة واصل لي حتى لا يقلقه بلا مبرر.. ولكن عرفت لاحقاً أنه لم يحتمل أو لم يرد أن يكذب فأخبره . ومن حسن الحظ كان ذلك قبل وصول طائرتنا بساعة مما وفر على زوجي ساعات من القلق والتفكير .

    في قاعة المسافرين بمطار القاهرة جلسنا في انتظار أن يمن الله علينا ولو بمقعد واحد .. وفي آخر لحظة .. وبترتيبات من عند الله الواحد الأحد -تلك الترتيبات التي سيلحظها القارئ طوال رحلتي المرضية - أومأت لنا مسئولة الحجز لنحضر .. سلمتنا التذاكر وقالت إننا محظوظان لأن راكبين تخلفا عن الحضور ومن ثمَّ علينا الإسراع إلى الطائرة.
    أخذت مقعدي في الطائرة بجوار واصل .. بعد ثلاث ساعات وصلنا مطار «الدوحة« وكان علينا أن ننتظر في مطار «الدوحة« لمدة ساعتين - لأنَّ الرحلة لم تكن مباشرة - حتى تأتي الطائرة التي تقلنا إلى أبوظبي ضمن ركاب آخرين.

    الركاب يغادرون الطائرة تباعاً .. أستند على الكرسي وأنتصب واقفة ثم أتقدم نحو ممشى الخروج في الطائرة .. تخذلني ساقاي .. أسقط.. ينحشر جسدي بين مقعدي والمقعد الذي أمامي.. واصل يحاول مساعدتي على النهوض.. يقول : «أرجوك يا أمي تشجعي.. إستندي على ذراعي«. أقول: «لا فائدة يا بنيَّ.. لا فائدة.. أطلب منهم أن يحضروا لي الكرسي المتحرك«.

    في مطار الدوحة القاعة تعج بالمسافرين من مختلف الجنسيات.. أغلبهم من الجنسية الآسيوية .. تطالع عينايَّ الوجوه السمراء ثم ما تلبث أن تتجاوزها لتسقط على الأقدام المهرولة.. تقبض يداي بحركة لا إرادية على ساقيَّ تحت الثوب.. صوت الميكروفون يطلب من المسافرين التوجه إلى متن الطائرة.. بعد خمسين دقيقة حطَّت بنا الطائرة في مطار أبوظبي .

    عامل المطار يدفعني بالكرسي نحو مكتب الجوازات متخطياً الصفوف الطويلة .. هنا في المطارات أمثالي من ذوي الحالات المرضية الخاصة يتمتعون بمعاملة خاصة.

    من خلال الحاجز الزجاجي حيث يصطف المستقبلون في انتظار القادمين يطالعني وجه زوجي وإبنتي وإبني .. أرسم إبتسامة واسعة وألوح لهم بيدي .. تنزل إبتسامتي برداً وسلاماً على ولدي وبنتي .. تغمرهما الطمأنينة .. أمهما بخير .
    بقيَّ زوجي .. رفيق الدرب .. ثلاثون عاماً قطعناها معاً .. السراء والضراء ذرعناها معاً .. مظهره وهو يرتدي ثوباً لا يناسبه من الجلد والصبر يقتلني .. ليت كان بمقدوري أن أطفئ نيران القلق المدمِّر الذي يعصف بكيانه .. ولكن كيف وكلانا يقرأ ما بداخل الآخر كما يقرأ في كتاب مفتوح.

    أجلس على المقعد الأمامي بالسيارة وأربط حزام الأمان فأحس بأمان الدنيا كله يلفني.. يغطيني.. وأنا وسط أسرتي وبين أحبتي . أفطن لأول مرة أنني مرهقة.. متعبة وأريد أن أنام يوماً بأكمله.. ولكن زوجي يصر على أن نذهب لقسم الحوادث بالمستشفى المركزي.. أتوسل إليه أن يأخذني إلى البيت والصباح رباح كما يقولون . أقول له إن الموضوع لا يعدو أن يكون ضغطاً على السلسلة الفقرية أسفل الظهر تسبب في حالة الخدر والتنميل وبالتالي ضعف الساقين.. سمعت عن ذلك.. ولكنه يصر.. أرضخ فليس أمامي غير الرضوخ.. أعلم أنه من داخله يموت قلقاً ويتلهف إلى أيِّ بارقة أمل تخفف من قلقه.
    على طاولة الفحص أرقدوني.. الطبيب الممارس العام الهندي يسألني عن حالتي.. أشرح له الوضع بدءً من ألم الظهر وانتهاءً بسقوطي على قدمي.. يركز على قدمي المتورمة وكأنَّ مشكلتي كلها قد إنحصرت في ذلك الورم.. ثم يدق بجهاز حديدي صغير على أجزاء مختلفة من الساقين.

    أذهب مع الممرضة بعد ذلك لغرفة الأشعة.. أخصائي الأشعة يلتقط صورة لقدمي.. ثم لظهري في أوضاع مختلفة.. أنا جالسة.. وأنا على الجنب.. وعلى البطن .. يعتريني التعب والألم.. أعود مرة أخرى لغرفة الفحص.

    يجئ الطبيب الممارس العام الهندي وهو يمسك بيده صورة الأشعة.. يقول بعربية مكسرة . “مبروك .. كل شيء تمام .. شرخ بسيط في سلسلة فقرية .. يوم أربعاء إنت إجي إقابل أخصائي مال عظام«. ثم يطلب من الممرضة أن تضع جبساً على قدمي المتورمة .

    نعود إلى البيت في الساعة الثالثة من صباح الإثنين .. أرمي بجسدي على السرير .. أرفض رجاء ابنتي أن أبدِّل ملابسي .. أريد أن أنام وأنام فقط .

    أصحو في العاشرة صباحاً وأنا أحس بشيء من التفاؤل لعل مبعثه كلام الطبيب الهندي في قسم الحوادث بالمستشفى المركزي .. أحاول أن أصدِّر ذلك الشعور لزوجي .. يبدي تجاوباً ظاهرياً .. أعرفه كثير الهواجس والوساوس فيما يختص بأي عارض يمسنا .

    إبنتي تحضر لي الشاي في الكوب الكبير الـ« « mug أضع عليه نصف ملعقة صغيرة سكر مع ملعقة صغيرة من لبن النيدو كما تعودت وأحرِّك المزيج.. أرتشف من السائل البني اللون.. أحس بالغثيان.. معدتي تنقلب.. الشاي يبدو وكأنه قد أُهيلت عليه أطنان وأطنان من السكر، ولكن بنتي تؤكد أنها لم تضع عليه أيَّ سكر.. أغوص في جنبات الحيرة للحظة ثم أنسى الأمر.. وقد علمت لاحقاً أن هذا المرض يُحدث خللاً في حاسة التذوق.

    الساعة العاشرة من مساء الإثنين أجلس على سرير بغرفة في الدور الأرضي بعد أن أصبحت لا أقدر على صعود الدَرَج مع قدمي التي في الجبس وضعف ساقيَّ .. يذهب زوجي للطابق الأعلى لبعض شئونه .. يساورني إحساس بأن عيني اليسرى لا تغمض جيداً .. أطلب من نوار أن تحضر لي مرآة .. يا إلهي فمي أيضاً يميل إلى الجهة اليسرى بصورة ملحوظة .

    أطلب من إبنتي أن تستدعي والدها .. يأتي مهرولاً.. أقول : “الموضوع أكبر من حكاية شرخ في الظهر .. أنظر إلى عيني وإلى فمي.. لذلك من الأفضل أن نلغي ميعاد يوم الأربعاء مع أخصائي العظام في المستشفى المركزي«. وقد تبين لي لاحقاً أن ما حدث لعيني ولفمي كان نعمة وليس نقمة كما تبدو في ظاهرها.. وإنه ترتيب من عند الله ليوجهنا الوجهة الصحيحة .
    زوجي يجلس على السرير في صمت وقد تحولت هواجسه إلى واقع يشل تفكيره .. يده تبحث في جيب الجلابية عن المفكرة التي تحوي أرقام التليفونات.
    « ألو.. دكتور عبدالله.. كيف أحوالك..؟ يا أخي بدور دي سافرت القاهرة يوم الخميس وجات راجعة مساء الأحد و..«.

    ويبدو أن حالته لم تسعفه للشرح أو رأى أنني أقدر منه على وصف حالتي فناولني السماعة قائلاً : « أحسن أخليها تشرح ليك بنفسها«.

    أمسكت بالسماعة وشرحت لدكتور عبدالله بالتفصيل بدءً من شعوري بآلام الظهر وذهابنا لحوادث المستشفى المركزي وموعدي مع أخصائي العظام وانتهاءً بما طرأ على وجهي .
    طلب منا دكتور عبدالله أن نأتي في الصباح لقسم الحوادث بمستشفى زايد العسكري وسيقابلنا هو هناك .

    في صباح الثلاثاء ذهب زوجي لتجديد البطاقة الصحية التي تسمح لي بتلقي العلاج في مستشفى زايد العسكري .. أجلس في غرفة الجلوس مع أولادي في انتظار عودته .. يتأخر .. يعتريني النَصَب والتعب .. يعاودني ألم الظهر .. يتصبب مني العرق غزيراً .. يداهمني إحباط شديد لا قِبل لي به .. تنهار حصون مقاومتي .. أواجه أولادي في لحظة ضعف بكل ما اختزنته في داخلي طوال تلك الأيام .
    «أنا طالعة من البيت ده وما عارفه حأرجع هنا تاني ولا ما حأرجع .. لو مت خلو بالكم من نفسكم ومن أبوكم«.

    لا أدري كيف غاب عقلي ومات قلبي في تلك اللحظة .. لا أدري كيف تسببت في ترويع صغاري وإلحاق الأذى بنفوسهم الغضة ولكنه اليأس قاتله الله يعمي البصر والبصيرة .
    سمعنا صوت سيارة فيصل في الكراج .. سرت أستند على ذراع عبدالرحمن وواصل تتبعنا نوار.. أحاول الوصول إلى المقعد الأمامي.. ساقايَّ لا تحملاني.. أنزلق منهم على الأرض.. يحملونني ويجلسونني على المقعد الخلفي بالسيارة ومن ثم نتوجه صوب المستشفى.
    في غرفة الفحص بقسم الحوادث دكتور عبدالله يفحصني بدقة واهتمام .. يسأل عن أدق التفاصيل .. «هل أحسست بألم في الحلق أو نزلة برد«؟ أجيب: «شوية بس كنت بحس بطعم مرارة في فمي لكن لما أقيس الحرارة بلقاها عادية«.

    أضيف متسائلة : «وبخصوص ما طرأ على وجهي ؟« يجيب : «ما تقلقي ده إلتهاب في العصب السابع وبيزول بعد أيام .. ودلوقت حأخليهم ياخدوا ليك صور أشعة للظهر وإنشاء الله خير«.

    كلمات دكتور عبدالله تنزل على روحي القانطة كما تنزل قطرات المطر على الأرض المجدبة فتبعث فيها الحياة .

    في غرفة الأشعة طالعني وجه أسمر وحياني بلهجة سودانية أزالت من داخلي كل رهبة وتوتر .. إنه دكتور عبدالله جابر أخصائي الأشعة .

    بعد ذلك تم نقلي إلى غرفة عادية حيث جاء دكتور مأمون حنفي إستشاري التخدير وأخبرني أنه سيسحب سائلاً من الظهر وطلب مني بعد الحقنة ألا أتحرك لفترة حتى لا تؤثر على ظهري .
    أستسلم وقد أصبح عقلي عاجزاً عن التفكير .. أقول لنفسي هل يا ترى يشكون في إصابتي بمرض التهاب السحائي ؟

    يحضر دكتور عبدالله .. أبادره وقد نسيت أمر الحقنة : «هل ظهرت نتيجة الأشعة يا دكتور ؟«.
    يجيبني : «في شوية شروخ في الظهر«.
    «هل هي السبب في الحاصل لي ده يا دكتور ؟«.
    يرد : «حنشوف ما تخافي«.

    إجابته الهلامية تُصدِّر إليَّ شعور القلق من جديد .. وفي واقع الأمر كان دكتور عبدالله ينتظر نتيجة فحص السائل الذي سُحب من ظهري، والتي تؤكد شكوكه من عدمها.. وفعلا جاءت النتيجة مؤيدة لتوقعاته..

    في غرفة العناية المركزة المليئة بالأجهزة والمعدات إستقر بي المقام .. الممرضة تشبك أصبع يدي بمشبك يشبه ذلك الذي تُثبَّت به الملابس عندما تنشر على حبل الغسيل .. أسألها .. تقول لي إنه موصول بأجهزة لقياس الأوكسجين في الدم .. وضغط الدم والنبض .. ثم بعد ذلك تثبِّت في صدري أشكالاً دائرية عديدة بحجم قطعة النقود المعدنية الصغيرة في نهايتها أسلاك موصولة بجهاز رسم القلب .

    زوجي وأبنائي بجانبي .. يحاولون جهدهم معي أن أتناول ولو قليلاً من الطعام .. لا أستطيع .. وفي النهاية يأتي وقت المغادرة .. يغادرون ويتركونني وحدي مع الآلام .
    آلام ... وآلام مبرحة تصرخ في كل عظم من عظام جسدي .. في عظام ظهري وساقي وذراعي .. أطلب من الممرضة أن تساعدني على الإتكاء على جنبي ولا تمضي خمس دقائق حتى أطلب منها أن تعيدني إلى وضعي الأول .. ثم إلى الجانب الآخر .. وهكذا .. مسكينات هؤلاء الممرضات فإلى جانب الجهد الذي تتطلبه مهنتهن الإنسانية فهن يعشن هذه الأجواء الكئيبة من المعاناة والألم مع المرضى .

    في وقت خُيِّل إلي إنه حوالي العاشرة مساءً يحضر دكتور عبدالله يتأكد من الممرضة أن السائل يأخذ طريقه من الزجاجة المتدلية من على رافع معدني عبر الأنبوب إلى وريدي ثم يطمئني ويغادر الغرفة.

    يتسلل إلىَّ صوته هامساً متقطعاً.. دكتور عبدالله لا يعرف أن حاسة السمع عندي قوية وأنا الآن أرهف السمع لأقصى درجة علَّني أسمع أي شيء.. أي شيء ينبئني عن حالتي.. تخترق أذني عبارة مرض نادر بالإنجليزية. يا الله مرض نادر معناه مجهول.. معناه الموت.. أكذب سمعي.. ولكن ها هو شكي يصبح يقيناً وأنا ألمح دكتور عبدالله من خلال الواجهة الزجاجية للغرفة يهم بمغادرة مكتب الممرضات المناوبات.

    أنادي: « سستر .. سستر .. من فضلك نادي دكتور عبدالله«.
    أقول: «أنا سمعتك يا دكتور وإنت بتكلم الممرضات عني.. أنا إنسانة شجاعة ومؤمنة.. أرجوك صارحني بحقيقة حالتي«.
    دكتور عبدالله يستجمع صوته ويقول بهدوء:
    «أنا كنت بديهم تعليمات عشان إهتموا بيك فقط.. صحيح المرض ده نادر لكن بتعالج .. والحمد الله العرفناه من البداية ومن حسن حظك في دواء إسمه Immunoglobulin إمينوقلوبلين عندنا منه كمية محدودة هنا وسنحاول تكملتها من خارج المستشفى.. والدواء ده مهمته تقوية جهاز المناعة في الجسم وقد بدأنا في حقنه لك عن طريق الوريد.. وإطمئني المرض لن يتعدى ساقيك وبعدها سوف ينحسر بالتدريج.. بس أهم شيء روحك المعنوية لازم تكون عالية«.

    غادر دكتور عبدالله وتركني لأفكاري.. لابد أنه قد أخبر زوجي.. ياترى كيف يكون حاله الآن .. لشد ما أرثى له .

    الليل طويل .. طويل.. الآلام لا تبارح عظامي .. جسدي أصبح ثقيلاً وكأنَّ عظامي قد صُهرت من الحديد .. الممرضات يساعدنني بصبر على التقلب من جنب إلى جنب للتغلب على أوجاعي.
    الممرضة الفلبينية ذات القد الصغير تطفيء نور الغرفة.. يتسلل ضوء خافت من الممر الخارجي .. الممرضة تطلب مني أن آخذ قسطاً من النوم.. أرجوها.. أتوسل إليها أن تبقى معي.. أريد أي إنسان أتحدث معه.. تقول لي لابد لك من النوم.. الراحة ضرورية.. تستطرد قائلة: «أنت محظوظة مرضك فيروس وينتهي.. أنا مصابة بسرطان في الثدي وكل ستة أشهر أخضع لعلاج كيمائي قاسي«.

    تغادرني وهي تظن أنها قد خففت عني.. مواساتها تخيفني.. السرطان وهذا الفيروس كلاهما صنوان في الغدر والخيانة .. كلاهما يتسلل إليك دون أن تدري.. الأول يفتك بخلايا جسدك والثاني يتلف أعصاب هذا الجسد ويضعف عضلاته ويؤدي به إلى الهمود والشلل التام.

    أمضيت الليل بطوله بين الصحو واليقظة.. الممرضات في حركة دائبة طوال الليل .
    في الصباح كان زوجي وأولادي معي.. الهالات السوداء التي حول عيونهم تقول أنهم لم يذوقوا طعم النوم .

    أقول لزوجي بعد أن أصبحنا أمام واقع مواجهته تتطلب قدراً من الثبات والتعقل: «إتصل بإخواني إبراهيم وأحمد في لندن وبأخي الفاتح في أمريكا.. قل للفاتح أن لا يخبر أمي -التي تقيم معه- بحالتي«.
    «إتصل بأخي وأبن خالي فريد عمر مدني في السودان«. وفريد هذا من البشر الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس فهو شهم.. كريم.. نقيَّ القلب.. متواضع.. يعمل جاهداً رغم مشاغله العديدة وتفانيه الجاد في عمله على ربط الأهل بحبال الود.. يُذكِّر الغافل ويفطِّن الناسي فلا غرو أن أجمع الأهل وغير الأهل على محبته واحترامه .

    ومن ترتيبات القدر أيضاً أن يكون فريد في تلك اللحظة في مدينة دبيّ في مهمة رسمية تتعلق بعمله في شركة سكر كنانة.. وكعادته دائما عندما يحضر في مثل هذه المهام إتصل بالمنزل فور وصوله ، ولما علم بحالتي جاء على عجل إلى المستشفى فخفف عني وجوده كثيرا.

    جاءت صديقتي وأختي عواطف الشيخ وهي ترسم إبتسامة على وجهها جاهدت قدر المستطاع أن تخفي بها قلقها .

    دكتور عبدالله يحذرني من عدم الأكل.. لا أستطيع .. كل شيء طعمه غريب.. الفواكه.. وحلو الجلي والكسترد.. كلها كمية السكر فيها غير محتملة.. عواطف تحضر كل يوم ومعها عصيدة بملاح الروب، ولكن إذا قدرت على معلقة لا أقدر على الثانية.

    الأهل والأصحاب والمعارف يتقاطرون من كل أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة ، وقد هزهم ما ترامى إليهم من نبأ مرضي .

    في اليوم الثالث أو الرابع لا أدرى حضر دكتور عبدالله ومعه رجل من الجنسية الآسيوية قدمه لي قائلاً : «هذا دكتور حكيم إستشاري أمراض المخ والأعصاب ذهبت خصيصاً لمستشفى المفرق (مستشفى المفرق يبعد حواليَّ خمس وأربعين دقيقة من مركز المدينة) وأحضرته ليطمئنك على سلامة تشخيصي لأن مرضك هذا يدخل في دائرة تخصصه حيث لا يوجد أخصائي في هذا المجال في المستشفى العسكري في الوقت الحاضر«.

    دكتور حكيم يدق بآلة حديدية صغيرة على أماكن مختلفة من الساقين والذراعين.. يؤمِّن على كلام دكتور عبدالله ويطلب منهم أن يفكوا الجبس من على قدمي.. يطمئني ويغادر المكان.
    الخدر والشلل يأخذان طريقهما إلى الأعلى.. بطني بدأت أفقد الإحساس بها.. ذراعايَّ ثقلتا.. لا أستطيع رفعهما.. وفيصل ونوار وعبدالرحمن دائماً بجواري يُسرون عني وهم يخبرونني عمن سأل واستفسر عني من الأحباب في كل مكان.. يحدثونني عن إتصالات إخواني اليومية وقد حال عدم حصولهم على الجوازات الإنجليزية والأمريكية دون حضورهم.. مهاتفات أخي وإبن خالتي الدكتور سامي خليفة إستشاري الجراحة العامة والمسالك البولية بدولة الكويت المتواصلة، وهو بقلقه هذا يمزج بين مهنة الطبيب وشعور وقلق الأخ.. إتصالات الأخوان أمال التيجاني علي وزوجها عبدالرحمن الطيب على طه المستمرة من جدة.. تلفونات فريد عمر مدني المتواصلة.. وغيرهم من الأحباب.. وهكذا أجدهم يحاولون التخفيف عني ما وسعهم ذلك.. ولكنهم في النهاية يغادرون ويتركونني مع الليل .. والليل في المستشفى طويل.. الليل في تلك الغرف مخيف.. في الليل تزكم أنفك رائحة الموت.. دبيب الأقدام.. الهمسات الخافتة.. صرير عجلات النقالة عندما تخرج من إحدى تلك الغرف تعني لي أن أحد جيراني قد غادر.. أترحم عليه.. وأبقى أعد الدقائق في انتظار طلوع النهار.
    الأيام تمر.. حالتي تتدهور.. عضلات الحلق تضعف.. عضلات الحنجرة تضعف.. الثِقل يغزو لساني.. لا أستطيع الكلام .. عشرون يوماً مرَّت.. وفي اليوم الحادي والعشرين كان الداء يحط رحاله على عضلات صدري.. يشلها.

    ألهث.. أستجدي نسمة الهواء.. الممرضة تضع كمامة الأوكسجين على أنفي.. لا فائدة.. تحضر المروحة .. المروحة تشوش على الأجهزة.. وأخيراً أدخلوني جهاز التنفس الإصطناعي لأبدأ مرحلة جديدة في صراعي مع المرض.. تلك المرحلة التي كان دكتور عبدالله متحسباً لها منذ البداية ولم يشأ أن يكاشفني بها.

    وهكذا دخلت في غيبوبة المخدر التي امتدت قرابة الشهرين .. تلك الغيبوبة كانت لي الرحمة من معاناتي الجسدية وكانت لي الراحة من معاناتي النفسية وأنا أرى أحبائي يتمزقون من أجلي كل يوم .

    في تلك الفترة كان أخصائيو العلاج الطبيعي يواظبون على تدليك وتحريك كافة أطراف جسمي والممرضات بدورهن يعدلن من وضع جسدي من وقت لآخر حتى لا أصاب بتقرحات الفراش من جراء الرقاد لفترة طويلة على وضع واحد.. دكتور عبدالله دائماً بجواري مضحياً حتى بيوم إجازته وراحته.. عناية لو كنت في أرقى مستشفيات العالم لما حظيت بها.

    وإذا كان للمجهود الطبي والعلاجي دور كبير في تجاوزي لتلك المحنة الصحية العصيبة فإن قراءة القرآن والدعاء لي من القلوب المؤمنة والعامرة بالحب والمودة الصادقة كان لهما الدور الأكبر في شفائي .

    الأحباء من كل أنحاء دولة الإمارات يجيئون وقد إرتجت جوانحهم من تدهور حالتي.. يدخلون غرفتي.. ينهارون.. تنهمر دموعهم أمام الجسد المسجى بلا حراك وقد غطيت العينان بضمادتين.. يعودون لبيوتهم.. يتْلُون القرآن.. يختمون الكتاب ويدعون لي بالشفاء.
    الأحباء في السودان والبلاد العربية وأمريكا وإنجلترا.. كندا والسويد وباريس وحتى في الصين بلغهم نبأ تدهور حالتي فاتجهوا بقلوبهم إلى رب العالمين أن تحدث المعجزة ويمن الله عليَّ بالشفاء .

    الأخ أحمد حسن عبدالمطلب يحضر وبصحبته شيخ جليل عُرف بالتقوى والورع.. إنه الشيخ المهندس سيد أحمد عبداللطيف.. يظل ذلك الشيخ بجانب سريري يتلو آيات الله البينات من قلب مخلص مؤمن وتشاء حكمة الله أن يذهب ذلك الشيخ الجليل إلى رحاب ربه راضياً مرضياً إثر نوبة قلبية مفاجئة وقد كان أكمل ما يكون صحة وعافية.

    ومولانا أحمد الحاج قبوجة يجيئني بالشيخ عبدالوهاب الذي يقيم في منطقة الشهامة خارج مدينة أبو ظبي ليتلو لي من آيات الله البينات ويبتهل إلى الله أن يلبسني ثوب العافية .
    وفي السودان كان الشيخ عبدالمحمود أبو يقوم بتنظيم حلقات لختم القرآن والدعاء لي بالشفاء في مساجد الأنصار بأم درمان والجزيرة أبا فيما كان آل الشيخ أبو صباح بالهلالية بدورهم يختمون القرآن ويدعون الله أن يشفيني ويزيل عني السقم والمرض.
    وإذا كنت قد تطرقت إلى دور الطب والقرآن في علاجي فمن المحتم عليَّ أيضاً أن أذكر أن تعاطف الناس معي ووقوفهم بجانبي طيلة تلك الفترة، كان لهما فضل كبير في رفع روحي لمعنوية مما عمل على تقوية جهاز المناعة في جسدي وساعدني على مقاومة المرض .
    «جريذلدا« تلك الفتاة الإنجليزية الشقراء التي جاءت إلى السودان بصحبة زوجها البروفيسور عبدالله الطيب في نهاية الأربعينات .. وها هي الآن كهلة تتوكأ على عصاها من ألم في الركبة وتجلس بجوار زوجها في غيبوبته التي أدعو الله أن يخرجه منها.
    زارتني «جريذلدا« بصحبة عواطف الشيخ وحزنت لأن غيبوبة المخدِّر حرمتني من متعة الجلوس إلى هذه الشخصية الثرية التي تتمتع بروح المرح والدعابة السودانية الصرفة لدرجة تجعل الجالس معها لا يكف عن الضحك .

    أول ما التقيت «جريذلدا« كان في منزل عواطف الشيخ بأبوظبي في أوائل التسعينيات عندما حضرت بصحبة زوجها البروفيسور عبدالله الطيب الذي كان مدعواً من قبل المجمع الثقافي بأبوظبي لإلقاء محاضرة.. وبعد ذلك تكررت لقاءاتنا عند حضورها لأبوظبي مع كل زيارة لزوجها في ذلك الإطار.. كذلك إلتقيتها في القاهرة في منزل الأخت محاسن بخاري .
    ولما كانت «جريذلدا« من الفنانات المخضرمات في مجال الفن التشكيلي فقد قادنا الحديث ذات مرة إلى بنت خالتي الفنانة التشكيلية القديرة ستنا بابكر بدري ويومها علقت «جريذلدا« بتلقائيتها المعهودة وعربيتها المكسرة على ستنا بقولها :
    «ستنا ده قلبه أبيض زي اللبن«

    فقلت لها: «إن الفنان الحقيقي لابد أن يكون أبيض القلب نقيَّ الوجدان لأن الحقد والسواد لا يمكن لهما أن يخلقا فناً ولا أن ينجبا إبداعاً«.

    كذلك كنا نتحدث عن عمي عبدالرازق عبدالغفار الفنان التشكيلي المبدع ومثَّال السودان الأول والذي لو ظهر في بلد غير السودان لوجد حظه من الشهرة والرعاية.. ولكننا هكذا.. دائما نغمط مبدعينا حقهم.


    ويكفي أن أقول أن لا أحد يتذكر للعم عبدالرازق الآن دوره في المساهمة في بعث الفنون الشعبية . فعندما شارك معهد التربية بالدلنج في عيد مدينة العلم (بخت الرضا) ولأول مرة - بعد إنشائه عام 1947 - قدَّم المعهد رقصة (الكمبلا) . تلك الرقصة التي استرعت إهتمام العم عبدالرازق أثناء طوافه بقرى جبال النوبة .. ومما رسخها في فكره ووجدانه ما كان يحس به من متعة عندما كان يشاهد طلابه يؤدونها في عطلة نهاية الأسبوع كضربٍ من ضروب التسلية والترفيه .

    وبحاسة وموهبة الفنان التي تدفعه للإهتمام بأدق التفاصيل الجمالية والفنية طوَّر الأزياء البدائية التي كانت تُؤدى بها هذه الرقصة إلى ألوان زاهية جميلة تدخل البهجة إلى النفوس وتتواءم مع إيقاعاتها المختلفة .

    أما في مجال النحت فإن كل من يزور مكتبة التيجاني الماحي بجامعة الخرطوم سيلفت نظره تمثال للراحل الجليل نُحت بمنتهى الدقة والبراعة كذلك الحال بالنسبة للزائر لمكتبة المرحوم محمد صالح الشنقيطي بالجامعة.

    أعتذر للقارئ لهذا الإستطراد والإقحام الذي بالنسبة لي له ما يبرره فأنا مريضة وبمرض غير عادي والمريض دائماً يكون حساساً وممتناً لكل من يتعاطف معه .. فكيف إذا كان ذلك الشخص «جريذلدا« والتي لم تكن علاقتي بها وثيقة للدرجة التي تجعلها تتجشم مشاق الرحلة لمستشفى زايد العسكري البعيد خاصة وأنها جاءت في زيارة قصيرة لا تتعدى بضعة أيام تمضي معظمها متنقلة بين الإمارات حسب جدول محاضرات زوجها .

    وأخيراً.. وبعد حوالي الشهرين الداء ينحسر.. العضلات الهامدة في صدري تدُب فيها الحياة.. العضلات الهامدة تتمدد وتنقبض.. الرئتان تنطلقان.. تمارسان وظيفتهما الطبيعية .. وأخيراً.. إنني أحيا.. إنني أعيش.. إنني أتنفس من جديد .

    دكتور عبدالله وأسرتي الصغيرة وأهلي وأحبابي يتنفسون الصعداء.. الممرضات ينقلنني إلى غرفة عادية كبيرة بها كنبة وكراسي وثلاجة وتليفزيون فأحس بالجو البيتي الذي طالما افتقدته .

    ومنذ تلك اللحظة بدأ دور إبنتي «نوار« التي أصبحت رفيقتي في تلك الغرفة، وفيما بعد.. إبنتي التي انقلبت الأوضاع وشاءت لها الأقدار أن تلعب دور الأم لبنت في مثل عمري.. تحملتني بحنكة وصبر الأم الرؤوم.. شاركتني آلام وخزة إبرة الحقنة اليومية التي كنت أخضع لها وأنا في كامل وعيِّ كما كنت أخضع لها وأنا في غيبوبة المخدر لأنها في كلتا الحالتين ضرورية للوقاية من تجلط الدم الذي ينتج عن الرقاد الطويل.. تحملت ضجري وقلة صبري في لحظات ضعفي ويأسي وعجزي.. كانت تجلس الساعات الطوال تحكي لي عمن سأل عني مهاتفاً ومن زارني طوال فترة غيبوبتي.. كانت تقرأ لي خطابات المستفسرين والمشفقين والداعين بالشفاء.. تقف مع الممرضات تعاونهن في غسلي وحمامي وتشذيب شعري فجزاها الله عني خير الجزاء .

    وزوجي الذي ليس هناك من يتصور حجم معاناته غيري والذي لا أظنني أستطيع مهما حاولت في قادم الأيام أن أعوضه عما سببته له من معاناة نفسية تفوق طاقة البشر يجيئني بالصحف والمجلات مسرعاً بمجرد سؤالي عنها وهو يعلم مدى ولعي وشغفي بالقراءة.. أمسك بالصحيفة فإذا بها تسقط من بين يديَّ.. يدايَّ لا تزالان ضعيفتان.. تصفعني الحقيقة القاسية لبرهة ولكنني سرعان ما أتمالك نفسي وأقول لزوجي وبصدقٍ - هذه المرة - الحمد الله على كل حال .. المهم إن المرض في إنحسار.. زوجي يأتي للمستشفى مرتين في اليوم.. في الصباح وقبل المكتب ليساعدني في تناول الإفطار وشرب الشاي وفي العصر ليستقبل معنا الزوار.

    وهل أنسى دور الأخت هيلين .. هذه الإنسانة الطيبة القادمة من لبنان بلد السحر والجمال .. ما أروعها وما أبرعها وهي تمارس معي مهام وظيفتها في العلاج الطبيعي الذي كان قاسياً مؤلماً في بداياته ولكنها بصبرها وحنكتها وتمرسها جعلتني أتجاوز حدود الألم وأصبحت تلك الجلسات متعة حقيقية لي ربطتني معها فيما بعد بأواصر أخوية وإنسانية.
    سرى خبر خروجي من غرفة العناية المركزة سريان النار في الهشيم .. تدفق الأهل والأحباب من كل الإمارات.. الغرفة تمتليء بالوجوه المشرقة والقلوب المحبة.. تلفوني لا يكف عن الرنين.. أرد بصوت واهن على إخواني وأهلي وأحبابي.. حبالي الصوتية لا تزال ضعيفة .. ولكن فرحتهم لهفتهم.. تجعلني أرفض الإستسلام للمرض .. تحفزني على أن أستعجل الشفاء..
    إحساسي بقلق أهلي وأحبابي في السودان وهم يركضون نحو مكاتب الإتصالات للإطمئنان على صحتي يزيدني قوة .. يبعث الحياة في أوصالي وفي حبالي الصوتية .

    الأخ السيد الصادق المهدي الذي ما فتئ يتصل بنا في أبوظبي وحتى بعد إنتقالنا لمدينة بوسطن الأمريكية في مرحلة لاحقة للعلاج، وكذلك الأخوة مبارك عبدالله الفاضل وعبدالرسول النور .

    الأخوان غازي سليمان وعمر نور الدائم، وعبدالرحمن نقد الله .. وإبراهيم الأمين الذين تصادف وجودهم في أبوظبي آنذاك يتكبدون مشاق زيارتي في المستشفى.

    وأنا إذ أذكر هؤلاء النفر الكرام إنما أذكرهم في إطار أن مشاغلهم السياسية واستغراقهم في هموم البلد كان من الممكن أن تجد لهم العذر إذا لم يتمكنوا من زيارتي في المستشفى .

    ولكننا نحن السودانيين هكذا.. أولاد بلد وبلد عريق نتصرف بسجيتنا السودانية الأصيلة التي أنشأنا عليها أسلافنا مهما اختلفت ألوان الطيف السياسي عندنا. فليت هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حراساً على عقيدتنا وديننا.. وليت هؤلاء الذين زرعوا الفرقة والتناحر حتى بين أفراد الأسرة الواحدة عن طريق ذلك التمييز البغيض.. ليتهم يتركوننا في حالنا.. نريد سوداننا القديم بكل مثله وقيمه الإسلامية الحقيقية.

    أعود فأقول إن أكثر ما ساعدني على احتمال البقاء تلك الفترة الطويلة بالمستشفى ودرأ عني الإحساس بالغربة هو تلك الكوكبة من الإخوة الأطباء السودانيين الذي يعملون بمستشفى زايد العسكري والذين كانوا بحق أهلي وعشيرتي أعانوني بتعاطفهم وتوادهم الذي لا حدود له على اجتياز ظروف محنتي الصحية والنفسية .

    الدكتورة نادية حسن عثمان أخصائية أمراض العيون وقرينة الدكتور عبدالله أمين التوم التي تزورني دائما خلال النهار كلما سنحت لها سانحة من عيادة مرضاها فأستمتع بصحبتها النابعة من صفاء روحها ونقاء سريرتها .

    دكتور ممدوح محمد طه.. ذلك الطبيب الإنسان.. يعود بعد أداء مناسك العمرة ومعه هدية لي.. مسبحتين وماء زمزم.. أعب من الماء الطاهر الممزوج بمشاعر الأخوة الصادقة فأحس بدبيب العافية قوياً يسري في بدني.

    الدكتور محمد البر إستشاري القلب.. الدكتور محمد الحسن إستشاري الباطنية.. الدكتور مأمون حنفي.. الدكتورة بشيرة أخصائية أمراض النساء والولادة .. العراقية الأصل، وهي قرينة الدكتور ممدوح محمد طه.. الدكتور عبدالله جابر.. الدكتور عادل إبراهيم أحمد.. ودكتور التاج.. كلهم يزورنني دائماً وقد عايشوا حالتي - والتي كانت أول حالة ترد لمستشفى زايد العسكري- فجزاهم الله عني خير الجزاء.

    ومع إطلالة عام 2000 كنت أحصد أول مكافآتي التي تمثلت في نجاح إبني عمرو وتخرجه من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد تسلم درجته العلمية في حفل كبير شهدته سيدة مصر الأولى السيدة سوزان مبارك.

    أهلي وأحبائي لا تنقطع زياراتهم في المستشفى.. تلفوني لا يتوقف عن الرنين.. هيلين لا تكف عن تدريبي ورفع روحي المعنوية حتى حان الوقت لألبس الحذاء الرياضي وأذهب لغرفة العلاج الطبيعي على الكرسي المتحرك.

    في غرفة العلاج الطبيعي كنت أتدرب على الوقوف أولاً ثم تدريجياً على السير بضع خطوات في ممر على جانبيه قضيبان من الحديد أستند عليهما بكلتا يديَّ ولما قويت عضلات ساقيَّ بالقدر الذي يؤهلني للسير دون الإعتماد على شيء كنت أمشي مسافات قصيرة بصحبة هيلين في ممرات قسم العلاج الطبيعي. وهكذا كانت تمضي بي الأيام .
    في شهر أبريل وعندما سمحت حالتي الصحية بالسفر غادرت إلى أمريكا لاستكمال العلاج الطبيعي في مستشفى اسبولدنق Spaulding بمدنية بوسطن والذي يُعد من أكبر مراكز إعادة التأهيل في الولايات المتحدة .

    يطل المركز على نهر «شارلس« حيث يستطيع المرضى أن يخرجوا في أوقات مختلفة من اليوم على كراسيهم المتحركة ليتمتعوا بمنظر النهر الخلاب، وقد حطَّت عليه طيور بيضاء بمناقير طويلة تشبه طيور البط أو البجع.

    تلك الطيور تقف على أعمدة خشبية قصيرة ومتباعدة غُرست على طول النهر في تناسق جميل يسحر الوجدان ويبعث حب الحياة لمن يطالعه .

    والمرضى في مستشفى Spaulding مجموعات يتفاوتون في درجة الإعاقة وفي نوع ودرجة التأهيل الذي يحتاجونه .. منهم كبار السن ممن خضعوا لعمليات تبديل مفصل أو غيره ومنهم أطفال لديهم إعاقات شديدة أو متوسطة.

    وهناك أيضاً شباب في عمر الزهور تسببت حوادث الطرق لهم في إعاقات مؤلمة .. كل مجموعة لها طابق خاص.. حسب الحالة شدتها أو بساطتها.

    أما بالنسبة لي وقد تحسنت حالتي كثيراً فقد صُنفت كحالة متوسطة إذ أنني كنت أستطيع المشي بحذر منتعلة حذائي الرياضي .

    في تلك البقعة النائية من العالم يحس المرء برودة الوحدة تسري في أوصاله والتي يضاعف من وطأتها ساعات الفراغ الطويلة، فقد فات عليَّ في غمرة إنشغالي بترتيبات السفر أن أحضر معي من الكتب ما يعين على ملء ذلك الفراغ.. صحيفة الحياة، وبعض المجلات العربية التي يجلبها زوجي من مكتبة قرب جامعة «هارفارد« هي أقصى ما كنا نطمع فيه.
    القناة التليفزيونية الوحيدة في الغرفة محلية ليس فيها ما يجذب.. وحشة في كل شيء أنا ونوار في الغرفة.. زوجي يمضي معنا كل الوقت ثم يذهب ليبيت في الشقة القريبة من المستشفى.. الأكل ماسخ.. كل شيء ماسخ.. إفتقدنا أهلنا.. دفئهم.. حرارتهم. الوجه السوداني الوحيد الذي رأيناه كان وجه إبننا طارق -حفيد السلطان علي دينار- بحكم عمله المؤقت في الشركة المسئولة عن علاجي فهو أصلاً يدرس الطب وهو أيضاً حفيد السيدة العظيمة نفيسة كامل وإبن السيدة سميرة حسن على كرار .
    طارق وأمثاله من الشباب فرضت عليهم ظروف واقعنا السوداني المرير أن يحملوا الهم باكراً.

    تلفونات أخي وزوجته والوالدة.. وبعض المكالمات من أبوظبي والقاهرة وولايات أمريكا تُسري عني قليلاً.. الوالدة لا تستطيع الحضور .. الرحلة طويلة من «فيرجينيا« إلى «بوسطن«.. ثمانية ساعات وهي في طور نقاهة من عملية تغيير مفصل الركبة.. يحضر أخي الفاتح وأبناؤنا الصادق ومنى مهلب عبدالرحمن علي طه ومحمد عبدالرحمن محمد علي. الفاتح حمل لي معه مجموعة من جرائد الشرق الأوسط ومجلات سيدتي القديمة.. رجعوا في صبيحة اليوم التالي.. الحياة هناك قاسية لا ترحم.. الإنسان هناك مثل الترس في الماكينة لا يملك إلاَّ أن يدور معها حتى يحصل على ضروريات الحياة.

    وأخيراً شاء الله لوحشتنا أن تتبدد بعد أن علم بوجودنا بابكر محمد عبدالكريم بدري إبن أختي وبنت خالتي ستنا بابكر بدري والذي أخذ على عاتقه مهمة تعريفنا بمعالم المدينة، فكان يصطحبنا مع أسرته بالسيارة في جولات شملت كل أرجاء «بوسطن« وعن طريق بابكر علمت بوجودنا الدكتورة شاهيناز أحمد عبد الكريم بدري - إبنة رفيقة طفولتي سلافة خالد موسى - فزارتنا مع أسرتها أيضا وأكرمت وفادتنا.

    في تلك الفترة وصل دكتور يونس عبدالله مختار إلى مدينة «بوسطن« في رحلة عمل كان يزورنا خلالها بالمستشفى .. وفي أمسية معينة بالذات كان فيصل يشكو لدكتور يونس من رداءة الأكل في المطاعم فاقترح عليه أن يصطحبه إلى مطعم أثيوبي معين إشتهر بوجباته المتبلة التي تقارب الأكل السوداني .

    وتشاء الصدف أن تكون في المائدة المجاورة لمائدتهم سيدة سودانية جاءت برفقة إبنها الشاب وزوجته طالبة الجامعة الباكستانية الأصل .

    كانت السيدة هي ثريا بشير حامد زميلة دراستي.. جمعتنا أم درمان الثانوية.. وجمعتنا جامعة القاهرة الفرع بالخرطوم بعد ذلك ثم تفرقت بنا السبل والدروب .

    هرعت إلىَّ ثريا بكل الشوق واللهفة وكلانا في دهشة أن يكون لقاؤنا الصدفة في تلك البقعة النائية من العالم .

    تحدثنا وضحكنا كثيراً ونحن نتذكر أيام المدرسة وحياة الداخلية .. وهكذا كانت تلك الأيام القليلة التي أمضتها ثريا معي مدعاة لإدخال البهجة إلى نفسي ورفع روحي المعنوية .

    ذات يوم حملت إلىَّ الممرضة الأمريكية وعاءً تتوسطه باقة جميلة من الورد.. دهشت وقلت لها إنها ربما أخطأت العنوان فليس هنا من يعلم بوجودنا غير الذين ذكرتهم.. ولكنها أرتني بطاقة مثبتة في الباقة .

    كانت تلك الباقة الجميلة المعطرة مهداة لي من ابني حسن محمود ساتي (ابن الكابتن طيار محمود حسن ساتي) وزوجته ولاء .

    حسن ساتي صديق ابني عبد الرحمن منذ فترة الجامعة وهو يقيم في ولاية «شيكاغو« ولكنك هناك تستطيع عن طريق التلفون أن تكلف أيَّاً من الشركات المتخصصة في بيع الزهور بإرسال ما ترغب في إرساله من أنواع الزهور إلى أيِّ عنوان في أمريكا.

    الممرضات وأخصائيات العلاج الطبيعي يؤدين واجبهن بدقة وفق البرنامج الذي وضعوه لإعادة تأهيلي .

    الشيء المهم الذي حصلت عليه في تلك الرحلة هو قالب مصنوع من البلاستيك المقوّى مشكَّل علي هيئة باطن قدميَّ ووفق مقاسهما ويمتد على طول الساقين من الخلف .. يُدخل القالب في حذاء الرياضة ثم يُثبَّت من أمام الساق بأربطة .. وبتلك الطريقة أستطيع أن أمشي وأتحرك بطريقة عادية وطبيعية ، وأنا أرتدي البنطلون الذي يؤمِّن لي حرية أكبر في الحركة، وحتى تتضح معالم الصورة أكثر للقارئ أوضح أن هذا المرض وغيره من بعض أمراض الشلل يسبب ارتخاء في القدم نتيجة الضعف الذي يصيب العضلة التي تعلو كعب القدم خلف الساق ومن ثم تتأتى أهمية هذا الجهاز من أنه يشد القدم إلى أعلى ويثبتها في الوضع الطبيعي فلا يتعثر حينها المريض عند السير .. ويداوم المريض على استعمال هذا الجهاز مع رياضة المشي لمسافات طويلة إلى أن يتعافى تماماً .

    وبعد أن إنتهت مرحلة العلاج الطبيعي في مركز Spaulding في مستهل شهر يونيو توجهنا بالقطار إلى «فيرجينيا« حيث يقطن أخي وأسرته .

    الرحلة بالقطار ممتعة رغم طولها .. القطارات هناك مجهزة بأحدث الوسائل.. يوجد بها بوفيه يُقدم فيه الشاي والقهوة والمشروبات المثلجة إلى جانب الوجبات الخفيفة.. المقاعد الأمامية لذوي الإحتياجات الخاصة حتى يتسنى لهم التحرك بسهولة عند الذهاب إلى المرافق الصحية.. القطار ينهب بنا الأرض نهباً ماراً في طريقه بالخضرة الممتدة على مرأى البصر.. خضرة تتخللها بين كل مسافة وأخرى مجموعة من الأشجار الطويلة المزدهرة مما يخفف من وطأة الملل لدى المسافر ويبعث في نفسه الإحساس بالبهجة .

    بجوارنا كانت تجلس أسرة أندونيسية تتكون من زوجين في مقتبل العمر وطفلهما ذي الخمسة أعوام.. الطفل لا يكف عن الحركة.. تذكِّرني تقاطيع وجهه وخاصة عيناه بجفونهما الثقيلة المنتفخة بـ «رغدة« ابنة أخي التي جاءت إلى السودان لأول مرة مع والدتها وأخواتها «ريلة« و «رزان« في العطلة الصيفية التي تزامنت مع مناسبة زواج إبني عبد الرحمن.
    القطار يصل بنا مدينة «واشنطن«.. المحطة كبيرة يتوه فيها الإنسان.. يستقبلنا أخي الفاتح وإبننا عبدالباقي علي عبد الله ثم نتوجه بالسيارة إلى «فيرجينيا« التي تبعد نصف ساعة من «واشنطن«.

    في المنزل إلتقيت أمي وناهد وبناتها الحبيبات وسعدت بالضيفة الجديدة «روان« التي انضمت إلى الركب .

    محي الدين خلف الله (أخو ناهد) يصر على أن يذبح خروف الكرامة إحتفاءً بقدومنا واحتفالاً بمناسبة تماثلي للشفاء .. نمضي في منزله لحظات سعيدة بوجود أخيه عصام وزوجته وبعض الأهل .
    وما أن تناهى خبر قدومنا إلى «فيرجينيا« إلى أسماع الأهل والأصدقاء حتى خفوا لتحيتنا وللإطمئنان على صحتي.

    إبن خالتي وأخي عصام عبد الغفار يحضر فرحا سعيدا باللقاء والشفاء .

    الأخوات الدكتورة دينا شيخ الدين وليلى عبد العزيز الكابلي وأبناؤها ومنى إبراهيم عثمان اسحق وعفاف عوض ساتي (رحمها الله) وزوجها الدكتور سلفاب وزميلة الدراسة آمال شديد والأخ علي حمد إبراهيم .. كلهم أشاهدهم بعد طول غياب فيذكرونني بتلك الأيام البعيدة المليئة بالخير والجمال .

    وتزيد حصيلتي من السعادة بالتعرف على زوجات الإخوة أسامة نقد الله وفايز عبد الرحمن عبد المجيد والطيب السلاوي وأخريات وآخرون فلهم مني من الشكر أجزله وأطيبه .

    أيام جميلة أمضيتها في «فيرجينيا« شحنت روحي بالتفاؤل وأمدَّت عضلاتي بالطاقة والقوة غادرنا بعدها إلى أبوظبي في رحلة طيران طويلة إستغرقت أكثر من أربع عشر ساعة .
    ومنذ وصولنا ودارنا لا تفرغ حتى تمتليء من جديد بوفود المهنئين بسلامة الوصول والشفاء .. القلوب المحبة والوجوه المتلألئة بفرحة عودتي ترفع من روحي المعنوية وتزود جهاز المناعة في جسدي بالقوة فأحس بأني أسير بخطى حثيثة نحو الشفاء الكامل .

    وفي وسط ذلك الفيض من الأفراح عاد إبني واصل من القاهرة ليدخل البهجة إلى نفوسنا بنجاحه وتخرجه من الجامعة الأمريكية بالقاهرة .. أزداد فرحة وقوة .. أشكر الله .. ولئن شكرتم لأزيدنكم .. ها هيَّ ابنتي «لميس« كريمة الدكتور سليم صادق وعروس ابني عبد الرحمن تفاجئنا ببشرى نجاحها وتخرجها من جامعة الخرطوم .. ما أجمل الدنيا .. وما أوسع رحمة الخالق .

    لميس وعبد الرحمن يستقران في عش الزوجية ليواصلا مشوارهما معاً تحرسهما عناية الله وتتبعهما دعواتنا الصالحات بالذرية الصالحة والسعادة الخالصة التي لا تشوبها شائبة .
    وبعد أن فرغت من إستقبال الزوار والمهنئين توجهت برفقة زوجي وابنتي إلى مستشفى زايد العسكري في زيارة كان لابد منها لأُناس قد قدموا لي الكثير.. ملائكة الرحمة الآسيويات في قسم العناية المركَّزة وقسم الباطنية يستقبلن زيارتي لهن بمظاهرة من الفرح والإبتهاج وأنا أدخل عليهن لأول مرة ماشية على قدميَّ.. أوزع عليهن هدايا رمزية من علب الحلوى ثم أتجه إلى قسم العلاج الطبيعي لأحظى بمثل حرارة الإستقبال التي حظيت بها في الأقسام السابقة .

    وهكذا أغادر ذلك المستشفى العريق الذي حملني بين جنباته في أحلك فترة من فترات حياتي وأنا أحمل له في قلبي وللعاملين به أسمى آيات التقدير والامتنان.

    وفي شهر سبتمبر وبعد إجراءات طويلة معقدة تمكنا من الحصول على إقامة لوالدتي التي ستقيم معي طوال عمرها المديد إن شاء الله وتلك أيضاً مكافأتي من ربي على صبري بأن أمدَّ في عمري لأخدمها في كبرها كما رعتني في صغري.

    في تلك الفترة عمرو في القاهرة يعكف على دبلوم يؤهله للإعداد لدرجة الماجستير بالولايات المتحدة الأمريكية فيما واصل قد سبقه إلى هناك والتحق بجامعة دالاس بولاية تكساس .

    وتأبى سنة 2000 وهي تصافحني مودعة إلاَّ أن تمنحني مكافأتها الأخيرة والتي لم تكن تخطر لي على البال . وتنطلق أهمية تلك المكافأة من أنها تدخل في إطار الكتابة .. هذه الهواية التي طالما أحببتها وتمنيت ممارستها دائما لولا بعضٌ من كسل يعود على ما أعتقد إلى أنني قارئة نهمة بطبعي أميل إلى أن أعُب أكبر قدر من أفكار الآخرين وكتاباتهم مما لا يدع لديَّ وقتاً للكتابة .

    وقد درجت في وقتٍ من الأوقات على تحرير مقالات في «واحة« صحيفة الإتحاد بدولة الإمارات العربية المتحدة ضمن نخبة مختارة من الكتاب والأدباء من مختلف البلدان العربية ، وكان ذلك في حد ذاته يمثل تحدياً كبيراً لي لا سيما وقد كنت القلم النسائي الوحيد في وسط تلك المجموعة .. وهكذا داومت على الكتابة بهمة وحماس إلى أن قام صدام حسين بإعتدائه الغاشم على دولة الكويت وتغير تبويب الجريدة تبعا لمستجدات الحرب وتوقفت «واحة« الإتحاد نهائياً وبالتالي توقفت كتاباتي .

    كما كنت أيضاً أمارس كتابة قصة العدد في مجلة «ماجد« للأطفال التي تصدر عن مؤسسة دار الإتحاد للنشر بأبوظبي وهو نفس مجالي سابقاً حيث عملت لفترة من الوقت قبل إنتقالي لأبوظبي محررة بمجلة «الصبيان« التابعة لدار النشر التربوي بالخرطوم .. ولما انتقلت للقاهرة مع أبنائي واصلت هواية الكتابة لجريدة «الخرطوم« إبَّان فترة صدورها من القاهرة وكنت أنوي مواصلة الكتابة لولا مرضي .

    بعد السرد الذي لابد منه لأنه يدخل في صميم المكافأة التي أنا بصدد الحديث عنها والتي تمثلت في أن الله قد أوقف لي في طريقي الأخ السيد محمود صالح عثمان صالح مؤسس وراعي مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي فأشعل جذوة الحماس في داخلي للكتابة من جديد
    وأعادني مرة أخرى لهذه الهواية المحببة إلى نفسي .

    والسيد محمود صالح رجل مسكون بحب العلم والثقافة سعى لإنشاء مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان الذي ما لبث أن أثبت في سنوات قلائل وجوده في الساحة الثقافية السودانية.. ومن أهم أهداف المركز نشر كل ما من شأنه أن يعمل على إثراء المكتبة السودانية أو يضيف إليها .

    شجعني السيد محمود صالح على جمع مقالاتي تلك في كتاب بعنوان “ذكريات وخواطر« بعد أن أطلع عليها. كذلك تكفل المركز بنشر كتاب لي يضم مجموعة قصصية للأطفال بعنوان «القافلة«، ومنذ ذلك الوقت إستغرقت بهمة ونشاط طوال شهر يناير وفبراير ومارس من عام 2001 في الكتابة والتنقيح والإضافة وأنا الآن في إنتظار أن تصل الكتب إلى أيدي القراء .

    وعندما كان فنان المركز يقوم بإعداد الرسومات المناسبة لمجموعتي القصصية بالأطفال اطلع على هذه القصص الشاعر والأديب المعروف الأستاذ محجوب شريف، وقدم عرضاً لها بجريدة الصحافة كذلك نُشر عرض للكتاب في صحيفة الاتحاد الظبيانية في نوفمبر 2001 وفي صحيفة البيان الظبيانية في 8 أبريل من عام 2002 ، الأمر الذي ربما يحفزني للعودة مرة أخرى إلى هذا المجال الذي يفتقر إليه أطفالنا إذا ساعدتني الظروف وواتتني الأفكار المناسبة .

    أما أكثر ما أسعدني في كتابي الثاني «ذكريات و خواطر« فهو أني قد أهديته لروح والدي.. وأنا إذ أذكر والدي في هذا الإطار أجد نفسي رغماً عني وقد تداعت السنوات القهقري طفلة في منزلٍ يلجه أنماط متباينة من البشر كلهم تجمع بينهم الحاجة.. التلميذ الذي تقف المصاريف حائلاً بينه وبين الدراسة .. المدرس الذي يرجو نقله بجانب أسرته بعد وفاة والده.. المريض يحتاج العلاج والدواء.. الأرملة فقدت عائلها.. العاطل ينشد عملاً وأنماطاً أخرى كثيرة تسعهم الدار ولا يضيق بهم صاحب الدار وكيف يضيق بهم وهو دوماً يلقاهم بوجهٍ بشوش ضاحك يتبعه بدعابات طريفة كانت جزءاً من شخصيته مما يرفع عن كاهل صاحب الحاجة الإحساس بالحرج .

    شببت عن الطوق فرأيت في والدي إنساناً صريحاً واضحاً شجاعاً يرفض أن يحني هامته أمام أيِّ نظام شمولي مهما كانت شراسته.. عارض سياسة مايو المرتجلة في وزارة التربية والتعليم فكان أن أُعفي من منصبه وأُعفى معه وكيل الوزارة المرحوم مندور المهدي وعميد بخت الرضا المرحوم أحمد حامد الفكي، وكالعادة صدر قرار الإعفاء من خلال المذياع في أخبار الساعة الثانية والنصف بعد الظهر .

    وحسبما جاء في المذكرة المؤرخة في 4 أغسطس من عام ،1969 والتي رفعها دكتور محي الدين صابر وزير التربية آنذاك إلى مجلس وزراء إنقلاب مايو فقد كان سبب الإعفاء هو “عدم التجاوب مع ثورة مايو المظفرة وعدم التعاون مع العاملين وبخاصة إتحاد نقابات المعلمين والمعلمات«.

    وفي صبيحة اليوم التالي من صدور قرار الإعفاء كان منزلنا في ثكنات الجيش الإنجليزي (البركس) يعج بأفواج المعلمين والمعلمات وعلى رأسهم قيادات نقابات المعلمين الذين ورد في المذكرة أن الإعفاء جاء بسبب عدم التعاون معهم... كلهم هرعوا إلى منزلنا مناصرين ومؤيدين حتى أن جدي لأبي قال له مداعباً: «الزول ما بعرفوا قيمته إلاَّ بعد موته دحين يا ولدي إنت عرفت قيمتك في حياتك« .

    وقد دحض المرحوم عبد الخالق محجوب تلك المزاعم أيضاً عندما زار الوالد في منزله برفقة الدكتور محمد سعيد القدال وأكدا له أن ليس لحزبهم أو أيٍ من نقابات المعلمين التي يسيطرون عليها بما فيها إتحاد المعلمين العام دخل بتلك التوصية فيما يتعلق به.
    ثم تمضي الأيام ويسقط نظام نميري كأيِّ شيء هش تذروه الرياح ويُعرض عليه منصب وزير التربية والتعليم بعد الانتفاضة ، ولكنه يعتذر عن المنصب فلم يكن والدي وهو يؤدي عمله يوماً من طُلاَّب المناصب أو الجاه ، ولعل الكثيرين من تلامذته قد ساروا على نهجه .
    وفي هذا المعنى يحضرني رثاء للوالد قرأته في صحيفة الرأي العام ، ونشر لاحقاً في جريدة «الخرطوم« إبَّان فترة صدورها من القاهرة .. الرثاء بقلم الأستاذ صادق عبد الله حامد .

    وقد كان أكثر ما استوقفني في ذلك الرثاء أو بالأحرى أذهلني هو مقدرة ذلك التلميذ في الولوج إلى عمق شخصية أستاذه بتلك البراعة والتي كان من نتاجها قطعة أدبية رائعة أحسبها من أجمل ما قرأت في رثاء تلميذ لأستاذه ، وقد زَّينها التلميذ بمآثر ومناقب الأستاذ كما يزِّين الصانع الماهر الحلية الذهبية باللآلئ والأحجار الكريمة فجاءت على ذلك النحو من الصدق والجمال الذي ينم عن شفافية روح صاحبها العامرة بكل معاني الخير والوفاء .

    لم يُذكر عن والدي أنه تخلف عن دفن أو تشييع ميِّت يسمع به طوال حياته.. عربته «الفولكس واجن« الصغيرة، وبعدها «الفولجا« تنهبان الأرض نهباً بين العاصمة الخرطوم ومدني ورفاعة وما جاورهما من قرى (حَّلال) لا تثنيهما العواصف والأمطار والرعود.. حتى عندما كبر وذوى عوده ظل لآخر لحظة يؤدي ذلك الواجب المقدس مشفعاً إياه دائما بمبلغ نقدي “مساعدة الفُراش« وكانت له عبارته المأثورة «أنا لا يمنعني من تشييع ميِّت أسمع به إلا إذا كنت أنا في النعش مكانه«.

    وقد عبَّر الأهل والأصدقاء بمدينة «رفاعة« بلد والدي ومسقط رأسه عن وفائهم بإقامة حفل تأبين له حضره عدد من تلامذته وأصدقائه وقرروا من خلاله أيضاً إطلاق أسمه على مدرسة في مرحلة الأساس.. ذلك القرار الذي عُرض عليه مراراً في حياته وكان يرفضه دائماً.

    وأعود بالقارئ مرة أخرى إلى ما حباني الله به من نعم ومكافآت جزاء صبري على دائي وشكره على ابتلائي فأتحدث عن مكافأتي الأخيرة والتي أسميها مسك الختام .

    وقد تلقيت تلك المكافأة في مستشفى الكورنيش للولادة بأبوظبي عندما كنت مع ابنتي «لميس« أشاطرها ووالدتها وعبد الرحمن آلام المخاض.. تعذبنا من أجلها كثيراً.وجاءت صرخة المولود في السادس من أبريل .. جاء «عبدالمنعم« إلى الوجود فرقص الوجود

    .. جاء في الذكرى السنوية الثالثة لوفاة جده الكبير عبد المنعم عبد اللطيف ، وفي الذكرى السادسة عشرة لانتفاضة أبريل المجيدة.. مكافأتي الكبرى يا ربي .. حفيدي الأول.. حملته بين ذراعيَّ وأنا أرتدي الثوب السوداني لأول مرة بعد أن خلعت (البنطلون) الذي فرضته علىَّ ظروف المرض.

    ومع إطلالة النصف الثاني من هذا العام السعيد لملمت إبنتي نوار التي ضحت معي بوقتها ودراستها حاجياتها وحزمت أمتعتها وغادرتنا للسودان للإعداد لدرجة الماجستير بقسم الدراسات العليا بجامعة الأحفاد للبنات.. ودَّعتها ودعوت لها بالنجاح والتوفيق بعدد كل ثانيةٍ رعتني فيها وبعدد كل لحظةٍ شاطرتني فيها عذاباتي وآلامي .

    وفي الختام عزيزي القارئ أرجو ألا أكون قد أثقلت عليك وعطلتك معي في بعض محطات من رحلة حياتي، ولكنه ذلك الحجر الذي قذفته أحداث ورمت به وجوه -طال العهد بها- في بركة ذكرياتي الساكنة فحركتها بعنفٍ وقوة فكان النتاج هذه السطور، والتي لم يكن لها أن ترى النور لو لم يشملني الله بعنايته ورحمته ويخرجني من ذلك النفق المظلم الذي قضيت في غياهب ظلمته أياماً مجللَّة بالسواد.. أياماً طويلة مهولة كنت أقبع فيها ساكنة بلا حراك وبلا حول ولا قوة ولا قدرة على فعل شيء سوى انتظار نهاية ذلك الصراع الضاري بين الموت والحياة على جسدي الضعيف .

    وها أنا ذا وقد لبست ثوب العافية وأحكمته جيدا حول جسدي أردد لنفسي ولكل صاحب داء الآية الكريمة « ولا تيأسوا من رَّوْحِ الله إنه لا ييأس من رَّوْحِ الله إلاَّ القوم الكافرون«.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف بدور عبدالمنعم عبداللطيف23-04-14, 05:50 PM
  Re: قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف Siddig Elghali26-04-14, 06:14 AM
  Re: قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف معتصم سليمان26-04-14, 09:10 PM
    Re: قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف اميرة السيد29-04-14, 09:33 PM
      Re: قصتي مع مرض نادر وقاتل بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف الطاهر الطاهر02-05-14, 08:30 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de