الفساد والقهر عمراً كاملاً في معاركته في دولة الولادة المتعسرة الجزء الثاني: شركة سكر كنانة بقلم: س

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 23-09-2018, 07:58 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
18-02-2014, 00:02 AM

سعيد محمد عدنان


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الفساد والقهر عمراً كاملاً في معاركته في دولة الولادة المتعسرة الجزء الثاني: شركة سكر كنانة بقلم: س

    الفساد والقهر عمراً كاملاً في معاركته
    في دولة الولادة المتعسرة
    الجزء الثاني: شركة سكر كنانة
    بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة

    قضيت وقتي في المملكة المتحدة في حسرةٍ شديدة على ماجرى في السودان وعلى القضاء السريع بحسم طموحاتنا التي طالما حلمنا بها أنا وزملائي في كلية الهندسة (والذين في هذه المناسبة غمروني برسائلهم الكريمة فور قراءة الموضوع السابق، فجيلنا هذا هو جيل أكتوبر وكانت دماوهم تغلي من أجل تخطي الحواجز التي أقعدت هذا الوطن)، حلمنا بأن نرتفع بمستوى العمل الهندسي في السودان إلى مصاف التقنيات العالمية والإبتكار بدلاً من الجلوس تحت مروحة نوقع أرانيك العمل الإضافي للعاملين ونحتسي القهوة ونقرأ الجرائد.... كان ذلك هو الكابوس الذي نهابه ونحن طلبة... وإذا بنا نواجه "الغول" الذي لم نكن نعلم به: الفساد والمحسوبية والسلطة المطلقة
    وعذّبت نفسي كثيراً بالسؤال: هل تسرعت في اتخاذ قرار المغادرة؟ هل كان هناك بصيص أملٍ لم أُتابع؟ أعلم أن خياري فيما منحني الدكتور عبد السلام كان صائباً، فلاتدري أبداً حتى متى يمكنك أن تنوم على العسل في دولةٍ واضحٌ أن ليس لها منهجية وتحكمها سلطة مطلقة، ويظل كل عباد الله فيها رهن التكتلات والمحاباة ونتائجها – فإذا أبينا الهجرة لدول البترول التي كانت تعطي عطاءاً سخياً للعقول العلمية، وذلك تعففاً من حرمان دولتنا من عطائنا، وإذا قفلت دولتنا بابها موصداً أمامنا بسبب بعض السفهاء، فعلى الأقل نهاجر لدول العالم الأول، والذين يترفعون عنا نعم، ولكن "نسردب" لننهل منهم مزيداً من المعرفة لعل يوماً ما يقدر اللله ونعوض بها بلادنا
    بهذا وصلت لقناعة أن أعمل وأكد لأتعلم أحدث التقنيات وحلول المشاكل في المجتمعات ا لصناعية، على أن أعود لبلدي مستقبلاً لأخدمها بعد أن تكون قد تطهّرَت من السفهاء والفساد – وفعلاً عملت في أرقى الصناعات الثقيلة مع شركة قبونز بروذرز لتصميم وتنفيذ أفران تصفية الفحم الحجري وفي تصميم وتنفيذ مصافي تكرير غاز البيوتين من عوالق القطران والبنزول والأمونيا، وعملت في مجال تصميم مصافي الغاز لمصنع بنزنت في شمال إنجلترا، والتابع لمؤسسة الحديد والصلب البريطانية ، حتي كتابة كتالوجات الصيانة والتشغيل ، والقفل، ثم قمت بعملية تسليمه وتدويره.
    عندما عدت للسودان عام 1980، أعلنت أنني نويت أن أعمل في الأقاليم وليس العاصمة، لأن الأقاليم هي موقع المؤسسات الهندسية الكبيرة، وأن ندرة المهندسين تجعل مطالبتهم بالعمل في العاصمة ملزمة لكل المصالح الحكومية. كان أهلي غير سعداء بقراري لأنهم كانوا يريدون لي الوضع الأفضل، ولم نتفق حتى سُئلت إن كنت أمانع في العمل في كنانة، ولم أكن أعرف ماهي كنانة، ففرحوا وأخطروني إنها في الأقاليم فوافقت والتحقت بكنانة في سبتمبر 1980، حيث تم تعييني مهندس كبير في وظيفة مهندس مشروع أكون ملحقاً بمكتب المدير الفني في المصنع. تشمل مهامي الإشراف على برامج صيانة المصنع والزيوت وأكون ضمن تيم التصاميم وهو تيم من الأجانب، ويشمل مستر ثياقا راجان مسئول الزيوت، ومهندس مصري كان مديراً لمصنع سكر بمصر وتقاعد، كلنا نعمل تحت رئيس التيم وهو مهندس من باناما في وظيفة كبير المهندسين (راتبه 85 ألف دولار في السنة خالي من الضرائب، وكل مصروفات سكنه وطعامه وأسرته والعربة والوقود وتذاكرسفره لدولته ثلاث مرات في السنة مجاناً) وكان يشرف على تصاميم المصنع، وبما أنه ثاني أكبر مصنع في العالم، كانت تصاميمه فريدة ومن التجارب الجديدة، أهمها "الإنترميديت كاريار" وهي الحزام الذي يحمل القصب من مطحنة لمطحنة، وهي أحزمة ضخمة معقدة لها ضوابط حساسة، ويكلف الواحد منها مابين 800 ألف دولار إلى مليون دولار في ذلك الوقت، وكلما يعمل فيه تعديل تتم مكافأته ب10% من تكلفة تصنيع الحزام الجديد والذي كان يصنع في ألمانيا، ويسافر هو لجنوب إفريقيا لمقارنته بمصنع جنوب إفريقيا ويسافر لألمانيا لتنويرهم بتصميمه ومتابعة تصميمه
    وكنت أشرف على مهندس هندي يقوم بتوزيع وتسجيل الزيوت للمصنع مع تيم من المهندسين
    في يوم ٍ ما إجتمع بي المستر راجان وأخطرني بوضع خطير وهو أن مخزون زيوت المصنع المتوقع وصولها من شركة شل لم تصل وأن شل أفادت بأن باخرة الزيوت لن تصل قريباً، وقد تبقت زيوت غير كافية أهمها زيت طواحين القصب "ماكوما آرإكس" وتحتاجه الطواحين بمعدل أربعة براميل في اليوم. طلب مني الذهاب في مأمورية للخرطوم للإتصال بشل والتحقق من سبب التعطيل وتحديد الموقف وضمان حل مشكلتنا، على أن أداوم الإتصال معه بالراديو لإفادته بكل التطورات.
    غادرت إلى الخرطوم واجتمعت بشل، ولكنهم لم يكونوا متعاونين واعتذروا أن الوضع كما هو ولايملكون حلاً. إتصلت مع المصنع بالراديو فوجهوني بالتحويل فوراً لموبيل أويل، فقمت بالإتصال بالسيد المدير المالي لكنانة، السيد عبدالعظيم، وأخطرته، فاستصدر تصديقاً من العضوالمنتدب السيد دفع الله الوقيع، وطلبنا اجتماعاً مع موبيل أويل، وكانوا في منتهى التعاون، إتصلوا بالراديو مباشرةً ببورتسودان ودبروا لنا الزيوت المطلوبة وشحنها على قطارين للسفر لكنانة في ظرف يومين من الإتفاق، بتكلفة كلية 54 ألف جنيه دفعها المدير المالي بشيك من كنانة اليوم التالي.
    إتصلت بالرديو بعد عصر ذلك اليوم وأفدتهم بما تم وأستأذنت للرجوع للمصنع
    قابلني السيد عبدالعظيم وقال أن السيد العضو المنتدب يطلب مني تقريراً بالموضوع، فطلبت أن يعذرني فلا أستطيع تخطي رؤسائي ولكن أعده بأن أقدم التقرير اليوم التالي من المصنع. في المصنع قدمت تقرير المأمورية للمدير الفني للمصنع المستر فيلاسكو، بواسطة راجان، موضحاً فيه رغبة العضوالمنتدب في تقرير مني حول ملابسات مشكلة الزيوت. صادق فيلاسكو على تقريري ولكنه ظلل طلب التقرير للعضو المنتدب معلقاً "لاتقرير للعضو المنتدب"، واستلمت التقرير ووضعته في أضبوره.
    جاءني المهندس المصري ينصحني قائلاً "ياابني نصيحة مني لك تعمل فايل خاص بك وتضع به صورة من أي مكاتبة أو وثيقة تكون موقّعها، فالخبث منتشر هنا"، ولم يشرح لي، ولم أفهم، ولكني التزمت بنصيحته ووضعت صورة من التقرير بتعليق فيلاسكو في فايل يخصني. بعدها جاءني فيلاسكو وهنّأني بما قمت به وأخطرني بأنه مضت ثلاثة أشهر وقرر أن يتم تثبيتي في الوظيفة وترقيتي لوظيفة مساعد كبير المهندسين الميكانيكيين (أو التسمية الصحيحة المقابل السوداني لوظيفة كبير المهندسين الأجنبي)، وأصبحت أشرف على كل المكتب بما فيهم ثياقا راجان.
    في اليوم التالي جاءني راجان وقال أن مندوبنا بعشر في بورسودان بعث رسالة تلكس تقول أن الزيوت المطلوبة سابقاً من شل وصلت وتم شحنها وستصل غداً. بناءاً على ذلك قامت إدارة المصنع بإلغاء عقد الشراء من موبيل اويل وأوقفت شحنتهم المقرر وصولها بالغد أيضاً.
    في نهاية اليوم جاءني فيلاسكو غاضباً بأنه لن يثبَتني ولن أنال الترقية، وقال إنني لم أقم بمأموريتي بالوجه المطلوب إذ أنه تبقى من مخزون زيت ال"ماكوما آر إكس" أربعون برميلاً كافية لعشرة أيام عمل، والمصنع يعمل بأقصى طاقته وينتج سكر بما يعادل 2 مليون دولار في اليوم، وإيقافه معناها يتوجب إخطار رئيس الجمهورية مباشرةً إذ أن شل لم ترسل شحنتها مشيراً إلى أن التلكس كان كاذباً فمندوبنا ببورتسودان، السيد بعشر، قال إنه لم يرسل ذلك التلكس. قمت بجمع تيم مهندسي الزيوت وراجعنا المكاتبات الموجودة ولم يصدر منا أي شئ يقود لسوء فهم، وبحثت عن خطابي الخاص بالمأمورية فوجدته سحب من السجلات، وجاءني المهندس المصري وذكرني بنصيحته ويبدو أن فيلاسكو كان قد كتب عني تقريراً بفشلي في المأمورية بحجة أنني لم أستجب للعضو المنتدب بالتقرير الذي طلبه، فكتبت خطاباً لشئون العاملين عن رضا فيلاسكو عن أدائي المأمورية وأرفقت صورة من خطاب المأمورية إثباتاً لذلك، والذي انتفى به عذره، فكتبوا له يسألون عن سبب رفض تثبيتي، فقال أني لست مؤهلاً، فرفض سببه وطلب منه تقييم الأداء، ولما لم أقم بمهمة معينة غير زيوت المصنع، أمرني فيلاسكو بعمل تصميم جديد لحزام نقل القصب بين الطواحين "الإنترميديت كاريار"!! فطلبت أن أطلع على ماتم من تعديلات في الماضي ونوع المشاكل التي عملت التعديلات لها، حتى أعمل تعديلاً في نفس خط التصميم، وعملت رسومات تبين التعديل الكلي للحزام الأصلي. لكن فيلاسكو لم يستجب
    هذه الرسومات تدفع شركة سكر كنانة ال 10% عمولة لكبير المهندسين فوق مرتبه ال85000$، وبذا لايحق له أخذها معه لبيته ويجب ان تكون مع المدير الفني فيلاسكو وبدا لي أنني في مواجهة فسادٍ آخر غير فساد الزيوت الذي زكم الأنوف، ما تقرر ان أكون كبش الفداء له
    توظّف كنانة 29 جنسية، كان بينها بالطبع كثير من الإحتكاكات والمكايدات خاصةً بين الثلاثة الكبار: الأوروبيين ، والأمريكان، ومهندسي أمريكا الللاتينية (باناما على الأخص). فالأمريكان لهم وظيفة مدير المصنع مستر شيفر، وكبار مهندسي الميكانيكا والكهرباء والتشغيل الآلي للمصنع، والأوروبيون لهم أغلب الوظائف الكبرى في هندسة التصميم والري والكهرباء، والباناميون وبقية أمريكا اللاتينية الوظائف الفنية الكبرى كلها في التشغيل والإنتاج والتعبئة إلخ، أما بقية الجنسيات من هنود وكوريين وخلافه فكان لهم وظائف الخبرة العملية، وكانت قراراتهم ومصائرهم مملوكة لمن يشرفون عليهم من الجنسيات الأعلى، وكان على وضع ذلك في الحسبان.
    قام قسم تعبئة السكر بالإتصال بي عن طريق مستر فيلاسكو لحل مشكلة التعبئة الآلية لجوالات السكر والتي يجب أن تكون 50 كيلو جراماً بالضبط تقريباً، على أن تتم التعبئة وتحريكها للخياطة في 20 ثانية، وأنه ريثما يتم تعيين من يملأ وظيفة رئيس قسم التشغيل الآلي قام مهندس تشغيل آلي وهو هندي الجنسية بعمل نظام وضع فيه حوالي 29 جهاز ترحيل آلي، فزاد المشكلة تعقيداً ولم يعمل
    فاقترحت إستعمال مرحّل كهربائي واحد فقط مع جهاز ميكانيكي أساسه حذاء إبتدعته، يكون بتضاريس حسب الرسم البياني العكسي لعملية نزول السكر في مراحل تخفيض السرعة رأسياً حتى الإغلاق النهائي، وبمراحل أفقية تمثل في جملتها العشرين ثانية المطلوبة. يستقبل الحذاء السكر النازل على الجوال متحكماً فيه بتضاريسه حتى ميعاد محسوب للتشطيب النهائي فيتدخل المرحل الكهربائي فيدافعه للقفل ولكن بتحكم الحذاء في السرعة حتي يلتقيان عند وزن ال 50 كيلوجراماً فينقطع تدفق السكر.
    في ذات يوم كنت في مطعم كبار موظفي كنانة السودانيين وكل الخبراء الأجانب فجلس معي في منضدتي خبير أمريكي فعرّف نفسه وعرّفت نفسي، فدهش وقال لي "هل أنت عدنان الذي صمم جهاز ضبط جوالات السكر؟" فأجبته بالإيجاب فتعجب وقال "أنا خبير في التشغيل الآلي وكانت أول مافي أجندتي عند وصولي كنانة حل مشكلة تعبئة جوالات السكر، فوجدت مافعلته أنت وعلمت أنك مهندس ميكانيكي فأعجبت بحلك فأنا لم أمر قبل ذلك بمثل ذاك الحل". دهشت أنا أيضاً وقلت له "إذاً أنت المهندس الذي تم اختياره بعد أن إختارت لجان القبول واحد سوداني في المملكة المتحدة" أجابني "هذا صحيح وبصراحة لم أفهم ولم تفهم زوجتي ولا أصدقائي هذا القرار الغريب: منح الوظيفة لأجنبي بعد أن فاز بها سوداني" ثم سألني "ولكن كيف عرفت أنت؟" فقلت "لأنه أبن خالتي دكتور عبدالعظيم محمد صالح" فأجاب "نعم إنه مستر صالح"، ثم بدأ يتفرّس في وجهي حرجاً وكأنه يسأل نفسه ما رأيي في كل ذلك وفيه هو. (كنت مرةً مع المرحوم الدكتور قلندر في زيارة للسيد عبدالقادر المرضي مدير شئون العاملين، وكنا نقف خارج مكتبه، فسألته عن قصة إبن خالتي الدكتور عبدالعظيم محمد صالح، إن كان فعلاً رفض طلبه لأنه سوداني، فاجابني بالإيجاب، فسألته كيف ذلك؟ قال: لوعيناه سيكون راتبه 3000$ بينما راتبك أنت 500 جنيه، هل ترضى؟ قلت ومادخل رضاي برضا بلدي ورضا مهندس قامر وتقدم لهذه الدولة المنكوبة، هل رضاي كشخص قبل بالهوان يضيع حق رضا شخص طالب حتى وصل لحقه؟" وكان نوعاً من المنتدى حول من يجب جبر خاطره إلى حين إصلاح النظام الإداري في السودان، هل الشخص الذي اختار عربة الفرملة أم الذي اختار "راس القطر"؟
    مرةً أخرى، كانت الورشة قد دعتني للمشاورة في حل علاج لقطعة غيار ضخمة. وبعد معالجتها أخطرت المهندس المسئول بأنه يستحسن أن يتم التنسيق مع مسبك الخرطوم المركزي (بنفس نمط النظام الذي وضعته لصوامع الغلال) لاستحداث كتالوجات لمثل تلك القطع. ولما حمل المهندس اقتراحي للمسئولين، ناداني كبير مهندسي المصنع الميكانيكي – الأمريكي الجنسية – وحاورني في الموضوع وأعجب به، وسأل إن كان من الممكن أن أقيم مسبكاً لكنانة لأن قطع الغيار التي يحتاجونها تبرر قيام مسبك خاص بكنانة، فأجبت بالإيجاب فطلب مني تقديم دراسة لمسبك، فقدمت دراسة لمشروع مسبك صغير كبداية يعمل بفرنين مائلين، فقدمتها له فعرضها على مدير المصنع المستر شيفر، والذي دعاني وسألني إن كان من الممكن الشروع فيه فأجبته بأنه غالباً ماأستطيع بعد الغياب الطويل الإتصال بالفني فيصل والذي بني لنا أفراننا في مدة عملي بالمسبك المركزي، فأمرني بالسفر فوراً للخرطوم لمقابلته ليقدم لنا عرضاً بمدنا بفرنين، حتى يصادق على باقي المشروع، وأصدر توجيهاً بصورة لفيلاسكو لسفري للخرطوم في تلك المأمورية، ووجدت الفني فيصل وقد أسس نفسه وعرفني بفنيي المسبك الذين غادروا المسبك وأنشأوا مسابكهم الخاصة، ورحبوا بي وجلست معهم في "البنبر" أشاهد مهاراتهم في سبك قطع الغيار، وكان أمراً أثلج صدري وأدمع عينيّ منه، وأخذت منه عروض حول أنواع الأفران التي يمكنه عملها ونطاق أسعارها
    قدمت نتائجي لمستر شيفر بواسطة مستر فيلاسكو، والذي اشتط غضباً (ليس لمخالفة إدارية مني ولكن حنقاً على كسبي ثقة المدير طبعاً)، وعساه تحدث مع المدير، فقد اخطرني المهندس الأمريكي أن الوضع حساس ويتطلب التوقف عن مشروع المسبك حالياً (بعد مغادرتي كنانة علمت أنه تم تنفيذ المشروع وتم تسميته مشروع مسبك الصُّفَيّة – والذي توسع ليشمل أعمال التصنيع الهندسي بأنواعه والمسمى الآن بكنانة الهندسية
    تلك التجربة نبهتني للتحوط بألا أقوم بأي خطوة مالم أستشر فيها وأشهد عليها كل المدراء السودانيين: مدير شئون العاملين السيد عبدالقادر المرضي، السيد المدير الإداري، المدير الطبي المرحوم الدكتور عبدالله أحمد قلندر، مدير الأشغال الهندسية المهندس"مسكين" والمدير الزراعي، وذلك لحماية نفسي من المطبات القانونية
    صادف في ذلك الوقت حفل إفتتاح كنانة، فقدمت الدعوات لكل الدول المشتركة ومنها بريطانيا، وكان من المنظور حضور الأمير شارلس ولي عهد التاج البريطاني، وتم أختيار عشرة مهندسين كنت أنا منهم للتواجد حيث كبار الضيوف في صالة الإحتفال للمساعدة في استضافة كبار الضيوف، ولكن في آخر اللحظات سمعنا بإلغاء رحلة الأمير شارلز، وسادت إشاعة بأن الأمن الإنجليزي لم يكن مرتاحاً (خاصة وأن حزب الأمة كان محتدماً بالغضب وأهل الجزيرة أبا كانوا قد تجمهروا)، وكان لي صديق – الأستاذ مكي يوسف، وهو كبير موظفي الإسكان ومن قادة معارضة الأنصار.
    في يوم التدشين قابلني أستاذي دكتور بشير عبادي ومعه الرئيس جعفر نميري، وعرّفه بي، وحييته وتحدث دكتور عبادي عني في بعض المواضيع الطريفة...كانت هنالك أعين كثيرة ترقبني
    وكنت يوماً أجلس في نادي كبار الموظفين مع صديقيّ فيصل: مدير الراديو، ومحمد تاج الدين: مهندس كيمائي، فدخل علينا مدير العلاقات العامة السيد الصاوي، والذي حيانا وجلس ثم قال لي أنه قد بلغهم أني كنت أدبر إغتيال نميري!! فضحكنا ثلاثتنا ضحكة "نكتة كبيرة"، وبادر مهندس الراديو فيصل وقال له "دي لازم تكون من إفرازات مشكلة سعيد مع فيلاسكو"، فرد الصاوي: " أيضاً سمعنا بهذه المشكلة – وأنا جئت لأقول لك أن السيد العضو المنتدب (دفع الله الوقيع) طلب مني أخطارك لتقدم له شكوى حول ذلك الموضوع وغادرنا وتركنا في حيرة ننظر لبعضنا بعضاً، ثم نصحني زملائي بالتشاور مع إتحاد المهندسين وأيدت حديثهم، فوعد محمد تاج الدين بإخطار الإتحاد لأنني ليست لدي حرية حركة مع رقابة فيلاسكو، على أن أقوم أنا بإدخال المدراء السودانيين في الصورة، وهذا مافعلت في اليوم التالي.
    وفي اليوم الذي تلاه، وبينما كنت ماراً بمكتب مدير المصنع جاءني رجل أجنبي وأخطرني بأن مستر كرسنجر يريد مقابلتي
    مستر كرسنجر يشغل منصب مدير "مكتب رئيس مجلس الإدارة الفني"– من جنوب إفريقيا – كان في نظام الشركة ومهمته مراقبة أداء مدير المصنع بدون التدخل في عمله (مايعادل وظيفة مهندس المشروع والذي يعمل مع صاحب العمل لمراقبة أداء المقاول الأجنبي في إنشاء المشروع). علم كرسنجر من مهندسي المصنع بمشكلتي، فدعاني وعرض مساعدتي في تقديم شكواى للعضو المنتدب، ونصحني بتوخي الحذر في خطواتي وأن أكون على بعد ذراع من أي تهمة بالتحرش أو تعدي الحواجز الإدارية.
    كتبت شكواي وأرفقت معها صور المكاتبات وقام هو بطباعتها في مجلّد كبير وعمل منه 15 نسخة لتوزع على الإدارات في التسلسل الهرمي حتى العضو المنتدب وصورة إضافية للسيد المدير المالي عبدالعظيم بصفته شاهد على مشكلة الزيوت
    بعد حوالي شهرين تقريباً،قامت الإدارة بإرسال السيد عبدالقادر المرضي لمأمورية لبورتسودان، وسلمت مهامه مؤقتاً لمدير بريطاني، والذي أرسل لطلبي في مكتبه ومعه مساعد مدير شئون العاملين "أظن إسمه حسبو"، وكان المدير البريطاني يضع على منضدته كل نسخ شكواي، وبجانبها أوراق نقدية جديدة برقم متسلسل بمبلغ 5000 جنيه سوداني قال لي "للأسف ضاعت شكواك في البريد(؟) وإذا بها تحل عندنا (؟)، وبما أن عامل الزمن وقف دون صلاحيتها فإنني أقترح عليك الآتي: نرجع لك شكواك ومعها هذا المبلغ "هدية من عندنا"، على أن تقدم إستقالتك وتغادر كنانة في ظرف 48 ساعة من اليوم" سألت: "ولماذا أفعل ذلك؟" قال "لأن إسمك مكتوب بالرصاص" – وأمسك بممحاة وقال "وماعلينا إلا أن نمحوه بدون أي هدية، لأنك تعلم إنك غير مثبت" فطلبت مهلة للتفكير، فقال "حتى غداً في نفس هذا الوقت الساعة 12، ولازال قرار مغادرتك يجب أن يتم اليوم التالي" قلت طائرة كنانة صغيرة ويمنع الكابتن من حمل شنط ثقيلة لأنها تقلل الفرص للمسافرين" قال "سنصدر أمراً للكابتن يحملك أنت وأمتعتك أولاً حتى لو أدى ذلك لعدم سفر شخص آخر معك"
    قابلت محمد تاج الدين وطلبت منه يخطر النقابة بالأمر ، فجاءني بقرار النقابة بالإجتماع بي تحت شجرة في باحة المصنع بعد العمل مباشرةً الساعة الخامسة مساءاً
    بعد مقابلتي اجتمت اللجنة واطلعتني على قرارها بقبولي المبلغ واسترداد الشكوى ومغادرة كنانة على أن أسلم الشكوى للنقابة
    وقمت بذلك وغادرت كنانة
    بعدها سمعت أن المهندسين أثاروا الموضوع وتم فصل 52 مهندس (كلهم كانوا قد أوفدتهم كنانة في منح لدراسة مختلف مجالات صناعة السكر)
    جاءني في منزلي الباشمهندس منير الحكيم والمحامي المرحوم الأستاذ حافظ الشيخ الزاكي وأخطراني بأن مجلس الشعب لديه علم بقضيتي في كنانة وهم يطلبون مني منحهم نسخة من الشكوى، فأجبت غاضباً " حتى يرد لي نميري حقي؟ نميري الصديق الشخصي لدفع الله الوقيع؟" قالوا لي "ليس لنميري ولكن لنا نحن" فقلت "ومن أنتم؟ هل أنتم إلا رجال نميري في حلة مختلفة؟ لوكان لي أمل فيكم لما دخلت هذه المعارك مفرداً"، وغادرا بدون تجاوب مني
    وقلت أجرب العمل في القطاع الخاص بعد أن قرفت من الخدمة الحكومية

    وموضوعنا القادم سيكون عن مشروع خاص:"شركة خدمات البترول"
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de