حكومة الإنقاذ الجديدة إرهاصات هبوط ناعم أم عسكرة وعودة للمربع الأول/د. أحمد عثمان عمر

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 15-12-2018, 11:09 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
16-12-2013, 03:25 PM

د. أحمد عثمان عمر


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


حكومة الإنقاذ الجديدة إرهاصات هبوط ناعم أم عسكرة وعودة للمربع الأول/د. أحمد عثمان عمر

    حكومة الإنقاذ الجديدة
    إرهاصات هبوط ناعم أم عسكرة وعودة للمربع الأول
    and#61623; مدخل:
    تتباين الآراء بشدة حول طبيعة وكنه التعديل الوزاري الواسع الذي قام به الرئيس البشير في طاقم حكومته. فمن قائل أن الرئيس قد قرر تسليم السلطة للعسكريين، وآخر يرى أن الأمر مجرد تكريس سلطة للرئيس بتصفية مراكز القوى لتحويل النظام الشمولي لديكتاتوري خالص، وثالث يؤكد بأن ماتم مجرد تمثيلية لإخراج الإنقاذ بثوب جديد في حين أن الخارجين مازالوا يمسكون بأوراق اللعب من وراء الكواليس، ورابع يزعم بأن ماتم يأتي في إطار تجديد دماء الإنقاذ ليس إلا ولا يعكس أي صراعات داخل المؤتمر الوطني. وبرغم هذا التباين الواضح في التحليل لطبيعة التغيير الذي حدث، إلا أن الموقف الغالب هو أن ماتم لا يعتبر تغييراً جوهرياً لأنه تغيير للأشخاص وليس السياسات. ولعلنا نصيب إذا قلنا بأن الوصف المتسرع لطبيعة ومآلات ماحدث من تغيير ، أو التحليل الإنطباعي له، كلاهما يقودان لخلاصات ونتائج لا تساعد في الوصول لتقييم مبدئي مفيد، يسمح بالتعاطي مع هذا التغيير وفقاً لحقيقة ماهو عليه، بدلاً من التعامل مع تصور غير حقيقي يقود بالضرورة لمواقف وتكتيكات سياسية خاطئة ومدمرة للوطن وللعمل المعارض على وجه الخصوص. وبما أننا لا ندعي إمتلاك الحقيقة أو فطنة أكثر من جميع من أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع ، فإننا نتقدم بمساهمة محدودة نحاول عبرها سبر أغوار ماحدث من تغيير، عبر وضعه في سياق عام يسمح بالوصول إلى نتائج أولية قد تعززها وقائع قادمة أو تخطئها، فيبقى لنا أجر المحاولة.


    • السياق الداخلي للتعديلات الوزارية:
    أول مايجب الإنتباه إليه، هو الظرف التاريخي الذي أتت التعديلات الوزارية الواسعة فيه، لإستخلاص الدلالات من الظروف التي سبقت وواكبت مثل هكذا تغيير. فالملاحظ للمناخ العام، يجد أن هذا التغيير الواسع قد أتى بعد حوالي ثلاثة أشهر من إنتفاضة سبتمبر المجيدة، التي إندلعت نتيجة لزيادة أسعار المحروقات، والتي هددت سلطة المؤتمر الوطني تهديداً حقيقياً ، إضطرها لإستخدام آخر وسائل التعاطي مع التهديد وهو القمع السافر والإستخدام المفرط للقوة، مما يدلل على أن السلطة كانت في أقصى حالات الدفاع عن نفسها، ولم تجد مناصاً من تجاوز كل آليات التضليل والإحتواء والقمع الناعم، والوصول لإستخدام مليشياتها الخاصة في قمع الإنتفاضة، والتسبب في سقوط عدد كبير من الشهداء. أدركت السلطة أيضاً من إتساع دائرة الإحتجاجات، ومن إستمرارها رغم القمع الشديد، أن حاجز الخوف قد إنكسر لدى جماهير الشعب، وأن إنتصارها الجزئي عبر القمع ، سوف تعقبه هزيمة مؤكدة في حال عاود الشعب إنتفاضته، وهي معاودة متوقعة في ظل إصرار السلطة إنفاذ برنامجها الإقتصادي الذي يرمي لتحميل الشعب نتائج أخطائها المتراكمة مع عدم مقدرتها على تقديم برنامج بديل يتحمل تبعاته الرأسمال الطفيلي الذي يشكل أساسها الإجتماعي.
    أدت الإنتفاضة المذكورة المجيدة إلى خلخلة بنية المؤتمر الوطني نفسه، وأجبرته على التخلص مما عرف بالتيار الإصلاحي بقيادة د. غازي صلاح الدين وأربعة آخرين من مكتب المؤتمر الوطني القيادي الذي رفض السياسة الإقتصادية الجديدة، وكذلك طفت إلى السطح معارضة مجموعة "سائحون" وثيقة الصلة بالضباط الذين أتهموا بالمحاولة الإنقلابية سابقاً، والتي شكلت محطة مهمة في تحديد مدى التململ الذي أصبح يهدد وحدة حزب الحكومة. أيضاً لم يهدأ الصراع الحزبي الداخلي بين مجموعتي علي عثمان محمد طه ود. نافع، وإن بدا في شكل تراشق بتسريب وقائع فساد كل مجموعة بواسطة الأخرى، وتصفية الحسابات عبر قصقصة أجنحة كل مجموعة لأخرى، وإن كانت مجموعة د. نافع صاحبة القدح المعلى بدعم الرئيس الذي مكنها من الإطاحة بأحد أهم لاعبي المجموعة الأخرى صلاح قوش، وكلها صراعات عززتها الإنتفاضة وعمقت من آثارها ومخاطرها.
    رفعت الإنتفاضة كذلك من وتيرة العمل المعارض وأكسبت المعارضة الحزبية زخماً برغم ضعفها وعدم قدرتها على الإستفادة بشكل كبير مما تم إنجازه، إلا أنها صارت أكثر ثقة بإتجاهها العام الرامي لإسقاط النظام، وخصوصاً أن الإنتفاضة قد فضحت قدرات المؤتمر الوطني الفعلية وأوضحت ضعف وهزال آلته الإعلامية، ومدى وحدود قدرته حتى على القمع. أيضاً قيضت الإنتفاضة للمعارضة السلمية فرصة لرفع وتيرة التحدى والتحدث علناً عن مشروعية النضال المسلح إن إختارته، وعن عزمها في التنسيق مع الجبهة الثورية لإسقاط النظام بكافة الوسائل مع تمسكها بالنضال السلمي، وهو أمر بالحتم لم يكن متاحاً قبل الإنتفاضة والكل يذكر التنصل من وثيقة الفجر الجديد.
    واكب الإنتفاضة وسبقها وأعقبها تقدم عسكري ملحوظ للجبهة الثورية وقواتها، وانتصار صريح لها في عدد من المعارك المهمة، حيث نجحت في نقل المعارك إلى شمال كردفان، وأصبحت تهدد العاصمة نفسها من ناحية إستراتيجية. وبالرغم من التصريحات المتعددة لقيادة السلطة بأنها في الطريق إلى حسم التمرد وإستئصال شأفته هذا العام، جاءت النتائج مخيبة للآمال وعلى عكس ما تطمح إليه السلطة. فإذا أخذنا في الإعتبار أن حكومة المؤتمر الوطني تكرس أكثر من 70% من الميزانية لحروبها وأمنها، وأنها تمر بأزمة إقتصادية خانقة، يصبح لزاماً علينا أن نستنتج بأن هذه الحكومة لن تصمد أمام حرب إستنزاف طويلة، وهذا هو سر محاولاتها الفاشلة لحسم هذه الحروب عسكرياً وبضربة واحدة ذات فاعلية.
    • السياق الخارجي للتعديلات الوزارية:
    أول المؤثرات الخارجية هو الأزمة المستمرة مع دولة جنوب السودان وفشل المؤتمر الوطني في إبتزاز حكومتها عبر الإيقاف المستمر لصادرات النفط ، حتى تساهم في حل مأزقه الإقتصادي وتضخ في شرايين إقتصاده المتيبسة ما يسمح بإستمرار عملية التطفل مع إستقرار سياسي نسبي. هذا بالإضافة للمشاكل الأمنية المستحكمة والفشل في ترسيم الحدود المشتركة، ومشاكل المناطق الثلاث وخصوصاً أبيي التي تشن دولة جنوب السودان حملة دبلوماسية شعبية بشأنها عبر الإستفتاء الذي نظمه دينكا نقوك. واستمرار هذا التجاذب الضار وفشل المؤتمر الوطني في وضع إستراتيجية تفاوض تفضي إلى سلام مستدام وحلول فاعلة تخفف من مأزقه السياسي وتعيد التوازن لعلاقاته الإقليمية المتوترة، كرس عجز الحكومة في مخاطبة الكثير من القضايا.
    بالإضافة إلى ذلك يأتي موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت لاعباً مؤثراً في السياسة السودانية بعد تدويل جميع قضاياها الحيوية نتيجة لقصر نظر حكومة المؤتمر الوطني. وهي وإن كانت تصرح ليل نهار -وهي صادقة- بأنها لا ترغب في إسقاط نظام المؤتمر الوطني، لكنها في نفس الوقت تدعو لإدارة حوار شامل يفضي لإصلاح النظام، بتصور إن قيض له التطبيق سوف يقود حتماً لإنتاج نظام بديل شكلاً ، يضمن إستمرار التبعية جوهرياً. وهذا الأمر يتضح جلياً من الورقة التي دفع بها قبل فترة وجيزة برينستون ليمان المبعوث الأمريكي السابق، والتي تضمنت إطاراً عاماً للحوار يشكل أساساً لهبوط ناعم وخروج سلس لنظام الإنقاذ. وبالطبع وجهة النظر الأمريكية التي تركز على ضرورة الوصول لحل متفاوض عليه يقود لحكومة ذات قاعدة عريضة، تشرف على إنتخابات حرة ونزيهة، الإسلاميين جزء منها بل هم أساسها، قد تم إيصاله باكراً للمؤتمر الوطني، بل للرئيس شخصياً عبر منصات الحوار غير المباشر. وهذا يشكل ضغطاً كبيراً على الرئيس خصوصاً أنه حل تتبناه دول إقليمية فاعلة، وفي نفس الوقت يشكل مخرجاً للرئيس من المأزق المزدوج الذي أدخل نفسه فيه.
    فالرئيس ومنذ خمس سنوات هاجسه الأساس ليس مشاكل السودان وكيفية حكمه، بل ضمان سلامته الشخصية وكيفية الإفلات من المحكمة الجنائية الدولية. فبالرغم من الإدعاءات الجوفاء التي أكثر منها حول عدم إعتداده بالمحكمة المذكورة وتحديه لها، الواقع هو أنه مشغول بها وبتداعيات أمر التوقيف الذي أصدرته في مواجهته وهو يعلم مدى خطورته لا من ناحية توظيف البعض له سياسياً، ولكن من ناحية إمكانية تنفيذه فعلياً في أي وقت. وهروبه من نيجريا مع محاولته التسلل عبر المملكة العربية السعودية لزيارة إيران يؤكدان ذلك. وسلامة الرئيس الشخصية مع التصعيد الذي تشهده مسألة توقيفه وتحركها صعوداً وهبوطاً في أوقات أخرى، هي المحرك الرئيسي لردود أفعاله والمتحكم فيها مع رغبته في حماية الفاسدين من أسرته.
    فوق كل ذلك أتى مآل إنتفاضات الربيع العربي على غير مايشتهي النظام، فبعد أن أينعت السلطة وحان قطاف ثمارها للتنظيم الدولي للأخوان المسلمين الذي يشكل عمقاً إستراتيجياً للمؤتمر الوطني، سقط النظام المصري الأخواني بدوي هائل ومفاجئ نتيجة لقصر نظر قيادة تنظيم الأخوان واستعجالها التمكين في مرحلة بطبيعتها إنتقالية سمتها العامة عدم الإستقرار، وتضعضعت سلطة حزب النهضة في تونس، وفشل التنظيم في السيطرة سيطرة كاملة على ليبيا ، وتعرض لهزائم مرة في سوريا، وتراجع دور أردوغان الإقليمي مع عودة بروز الدور السعودي الداعم للتنظيمات السلفية المنافسة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقرر حتى هذه اللحظة التخلي عن التعاون والتنسيق مع حركات الإسلام السياسي المعتدل كما تسميها والتي توهمت أنها حليف إستراتيجي لهذه الإمبراطورية، إلا أنها بدأت في إعادة حساباتها حتى لا تضع جميع أوراقها في أيدي الفاشلين وفتحت نوافذ مع قوى أخرى والمثال المصري والسوري باديان للعيان.
    • أثر السياقين الداخلي والخارجي في التعديلات الوزارية:
    إنتفاضة سبتمبر المجيدة حققت أهدافاً متعددة وكبيرة وإن لم تنجح في إسقاط النظام. فهي بتهديدها للنظام من حيث القوة والإتساع والإستمرارية والجسارة، شكلت مع الهزائم العسكرية مؤشراً هاماً جعل السلطة وخصوصاً الرئيس تتخوف من سقوط سوف يقود لا محالة لمحاسبة. فبالرغم من إستهانة البعض بنتائج هذه الإنتفاضة ويأس البعض من التغيير بعد قمعها، إلا أنها نقلت حالة الخوف من معسكر الشعب إلى معسكر السلطة وخصوصاً إلى الرئيس، بحيث ألجأته للبحث عن مخرج من الأزمة والمأزق الكبير الذي هو فيه. فواقعة الإنهيار الإقتصادي الماثلة والتي دفعته وحكومته إلى تحميل الشعب نتائج فشلهما لأنهما لا يستطيعان تحميلها للرأسمال الطفيلي الذي كان سبباً مباشراً فيها لأنهما لا يستطيعان نفي ذاتهما وتحطيم الأساس الإجتماعي المنبنية عليه السلطة، أكدت بلا شك أن الإنتفاضة عائدة وراجحة ومنتصرة في وقت ليس بالبعيد لأن الأعباء القادمة أسوأ مما سبق ولن يطيقها المواطن الذي لم يتبق له شئ من الممكن أن يشبع نهم الحكومة وطفيلييها أو حتى يرتق فتقها الذي يتسع على مدار الساعة.
    والإنتفاضة نفسها هي التي كشفت مدى تداعي حزب الحكومة وعمق التباين في وجهات النظر بداخله ورغبة الكثيرين ممن خدموا رأسماليته الطفيلية في مغادرة السفينة الغارقة أو تركها لأسباب تتعلق باليأس من خدمتهم لربابنتها مع عدم إستفادتهم من تطفلها وتحمل المسئولية معها في نفس الوقت. وهي نفسها التي كشفت عجز فريق د. نافع وفريق علي عثمان عن إجتراح الحلول، بل وفشلهما في الدفاع عن برنامجها الإقتصادي وتسويقه، وتحولهما إلى عبء على الرئيس من ناحيتين: الكراهية المستحكمة لهما من قبل الشعب بكافة شرائحه وإتجاهاته، وطموح قيادتيهما لخلافته وهو لا يثق في أي من القيادتين بحيث تشكل له حماية من الخطر الخارجي المتمثل في المحكمة الجنائية الدولية، والخطر الداخلي المتمثل في شعب منتفض راغب في إسترداد سلطته ومحاسبة جلاديه.
    ولحسابات تخوف الرئيس وهلعه من السقوط في شباك صيادي المحكمة الجنائية الدولية بالذات وعدم ثقته في علي عثمان ود. نافع مع إحساسه بتداعي نظامه تحت ضغط الظروف الداخلية والخارجية المنوه عنها أعلاه، قرر أن يتخلص من قيادة المجموعتين معاً بضربة واحدة، بعد أن أضعف د. نافع مجموعة علي عثمان وجير مجموعته لمصلحة الرئيس الذي إقتطفها واستوزر جزء كبير من عناصرها بعد طرد رئيسها من الجهاز التنفيذي. وبجمعه النفوذ تحت يده وتنصيب أحد خلصائه نائباً له، يعتقد الرئيس أنه قد إمتلك كامل القدرة التفاوضية تحت يده ليبدأ عملية تفاوض معقدة هدفها فقط سلامته الشخصية أولاً وحماية أسرته ثانياً وليذهب السودان للجحيم. وهو وإن كان يرى أن سلامته الشخصية ضمانتها الوحيدة الإستمرار في السلطة، إلا أنه يعلم تماماً أن هذه الإستمرارية غير مضمونة وأصبحت مهددة بشكل جدي. ولهذا نحن لا نميل إلى الرأي الذي يقول بأن الرئيس قد قرر عسكرة السلطة والعودة بالبلاد لمربع الإنقلاب الأول. وذلك لأن العسكرة المزعومة ماهي إلا وسيلة للتخلص من مراكز القوى داخل المؤتمر الوطني توطئة لتوحيد مركز النفوذ والمساومة وتفادياً لغدر قيادة المجموعات الطامحة لخلافة الرئيس. ولهذا تم طرد علي عثمان ود. نافع وسوف تستمر الحملة لتصفية مواقع نفوذهما خصوصاً في الأجهزة الأمنية والعسكرية.
    والخطوة القادمة لا محالة هي خروج المذكورين وآخرين من الموقعين على مذكرة العشرة الشهيرة بالمكتب القيادي كإبراهيم أحمد عمر، توطئة لبدء مساومة الرئيس على رأسه. فحسب المشروع الذي تم طرحه على الرئيس من قبل قوى إقليمية ونوهنا له في كتابات سابقة، عرض عليه ملاذ آمن له ولأسرته مع وعد بعدم ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية وعدم مطالبته وأسرته برد ما نهبوه من الشعب السوداني من أموال، في مقابل توحيد الحركة الإسلامية مجدداً تحت قيادة د. الترابي لتقود مرحلة الإنتقال الديمقراطي عبر حكومة إنتقالية ذات قاعدة عريضة تشرف على إنتخابات حرة نزيهة في نهاية فترة الإنتقال، وتتوصل لسلام مع الجماعات المتمردة، ولسلام مستدام مع دولة جنوب السودان.
    كنا قد ذكرنا في السابق حين تقدمنا بمحاولة لتقييم إنقسام الجبهة القومية الإسلامية لمؤتمرين، برأي يؤكد أن الحركة الإسلامية قابلة للتوحيد في حال شعرت السلطة أو المؤتمر الوطني بتهديد جدي لسلطته يشي بزوالها، وقبول شروط د. الترابي وأولها الجراحة التنظيمية وطرد جميع من يرغب في طرده من الحركة بالإضافة للشروط الأخرى التي قد يضعها الشيخ. والفرصة الآن مؤاتية لأن الرئيس يعلم برغم الجعجعة والأكاذيب أن سلطته في أضعف حالاتها وهي مهددة بالزوال، وهو لن يتردد في القيام بأي جراحة تنظيمية تطلب منه من أجل خلاصه الفردي، وتسليم السلطة.
    وفي تقديرنا أن التخلص من مراكز القوى وإن جاء في سياق التخلص من التهديد ورفع القدرات التفاوضية للرئيس، إلا أنه يأتي أيضاً في باب الغزل ومحاولة التودد للشق الآخر من الحركة الإسلامية. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا الآن أن مصير الرئيس في يد د. الترابي. فقبول الشيخ توحيد الحركة تحت قيادته يرفع الحرج عن الرئيس ويعفيه من تخليه عن جميع كادر المؤتمر الوطني للنجاة بنفسه، حيث أنه يستطيع الإدعاء بأنه قد تنازل من أجل وحدة الحركة وأنه قد تركهم أمانة للشيخ، وفي نفس الوقت –وهو الأهم- يحقق مطلب المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل التحديد في فتح أفق لحل متفاوض عليه وفترة إنتقالية تؤسس لسلام مستدام. والرئيس يعلم أن هذا التصور مدعوم من التنظيم الدولي ومن الدول الإقليمية التي تدعمه، ولا يقف في طريقه سوى رفض سابق للشيخ لأن الرئيس لم يستطع أن يف بمستحقات هذا التحول. فالواضح أن الشيخ لن يكتف بالجراحة التنظيمية، بل سيطالب بأمور أخرى قد لا تصل لعدالة إنتقالية كاملة ولكن على أقل تقدير تعيد ثقة نسبية عبر محاسبة لفاسدين، أو قد يطلب أمور أخرى لم يطرحها في العلن.
    قصارى القول هو أن التعديل الوزاري الموسع الذي ولد ولادة متعسرة داخل أروقة المؤتمر الوطني، جاء نتيجة لإنتفاضة سبتمبر المجيدة التي كشفت ضعف النظام وأدخلت الرعب في قلب رئيسه الذي بادر بتصفية مراكز القوى وجمع كل أوراق المساومة في يديه ليفاوض على سلامته الشخصية وحماية أسرته، ولن نستغرب في أية لحظة إذا إنحسر الأمر ليقتصر على سلامته الشخصية ومعالجة مشكلته مع المحكمة الجنائية الدولية في مقابل إنسحابه من المشهد السياسي وتسليم السلطة. فالحكومة الجديدة ليس لديها المقدرة ولا الرغبة في معالجة أي من المشكلات التي تواجه الوطن، ولا تمتلك أي سياسات أو مناهج جديدة تؤهلها لإجتراح الحلول. فهي أقرب إلى حكومة تسيير أعمال، لحين توصل الرئيس لصفقة يتنازل عبرها عن السلطة لحكومة أخرى، ولن تتحول لحكومة فعلية تدعم توجهاً عسكرياً متزمتاً يعيد البلاد إلى المربع الأول للإنقلاب، إلا في حال فشل الرئيس في الوصول إلى تلك الصفقة، وقرر أن يمارس إنتحارياً سياسياً في سبيل الحفاظ على سلامته الشخصية وحماية فساد أسرته. ويقيننا أن الأيام القادمة حبلى بكل جديد، وأن تداعي الأحداث سوف يكشف لا محالة أن المناخ هو مناخ تسويات لا مناخ مواجهة، لأن المؤتمر الوطني رغم طاؤوسيته في أضعف حالاته بمستوى يجعله يقوم بعرض طابور لجهاز أمنه حتى يستطيع رئيسه حسم صراعه الداخلي مع مراكز القوى وتصفيتها وتعيين حكومة تقيض له فرصة التفاوض والمساومة على إنسحاب سلس وهبوط آمن.
    هذا بالطبع مخطط الرئيس وحزبه رغم المكابرة والكذب والإدعاءات، ولكنه بالحتم ليس تصور الشعب السوداني ولا أحزابه وقواه الحية بما فيها المؤتمر الشعبي الذي يعتقد الرئيس بأنه سيمد له طوق النجاة، إذ أن الجميع يعمل على إسقاط النظام والقذف به في مزبلة التاريخ، والأتيان بنظام ديمقراطي يكرس قيم المواطنة والحرية ويحاسب المفسدين.
    د. أحمد عثمان عمر
    15/12/2013م
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de