مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 22-09-2018, 11:47 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف للعام 2015م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
30-09-2015, 00:58 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    حين تجد امرءًا سهلاً ميسرًا ، يتنازل عن حظ نفسه أو جزء من حقه ، ليحلّ مشكلة هو طرف فيها ، أو ليطوي صفحة طال الحديث فيها ، أو ليتألف قلبـًا يدعوه ، أو ليستطيب نفس أخيه ، وهو قبل ذلك لا يتعدى على حق أخيه، ولا يلحف في المطالبة بحقوقه ، فذلك هو الرجل السمح ، وتلك هي السماحة.

    وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة للرجل السمح : ((رحم الله رجلاً سمحـًا إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى))(رواه البخاري)، وفي رواية (وإذا قضى ) . وما هي إلا صور من المعاملات اليومية ، التي تقتضي قدرًا كبيرًا من السماحة .
    ويعلق ابن حجر على رواية البخاري بقوله : " السهولة والسماحة متقاربان في المعنى .. والمراد بالسماحة ترك المضجرة ونحوها ، وإذا اقتضى : أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف ، وإذا قضى : أي أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل ، وفيه الحض على السماحة في المعاملة ، واستعمال معالي الأخلاق ، وترك المشاحنة ، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة ، وأخذ العفو منهم ".
    وأكثر ما تكون الخصومات في المعاملات المالية ، والمناظرات الخلافية ، والملاسنات الكلامية ، وقلّ أن يسلم فيها من لم يتحلّ بكرم الخلق ، وجود النفس ، وسماحة الطبع .

    من صور السماحة :
    1- التنازل عن الحق :
    إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأن يحصّل حقـًا لم تطب به نفسه الطرف الآخر ، فيؤثر التنازل أو السماحة ، ,إن كان الحق له ، وهذا ما كان من عثمان - رضي الله عنها - حين اشترى من رجل أرضـًا ، فتأخر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن ، وتبين له أن سبب تأخره أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون ، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن ؟ قال عثمان : " فاختر بين أرضك ومالك " ثم ذكر له الحديث : ((أدخل الله عز وجل الجنة رجلاً ، كان سهلاً مشتريـًا وبائعـًا ، وقاضيـًا ومقتضيًا))(رواه أحمد) .

    2- إنظار المعسر :
    إن إنظار المعسر ، أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه ، صورة عظمية من صور الكرم وسماحة النفس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((كان تاجر يداين الناس ، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه : تجاوزوا عنه ؛ لعل الله أن يتجاوز عنا ، فتجاوز الله عنه))(رواه البخاري) .
    بل إن توفيق الدنيا والآخرة مرهون بتيسيرك على أخيك المعسر : ((من يسّر على معسرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة))(رواه مسلم) .
    3- رد القرض بأحسن منه :
    وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يردّ القرض بخير منه وبالزيادة فيه ، ويقول : ((أعطه ، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء))(رواه ابن ماجه).
    وما ترك صاحب القرض يمضي إلا وهو راضٍ .

    4- السماحة مع الشريك :
    كما شهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شريكه في التجارة قبل البعثة : (السائب بن عبد الله ) بقوله له : " كنت شريكي في الجاهلية ، فكنت خير شريك ، كنت لا تداريني ولا تماريني "(رواه ابن ماجة) .
    أي كنت لا تدافعني في أمر ولا تجادلني ، بل كنت شريكـًا موافقـًا ، ولم ينسها له ، وكانت سببـًا من أسباب محبته له ، وتكون سببـًا من أسباب النجاة من النار لمن تخلَّق بها ((حرم على النار كل هيِّن ليِّن سهل ، قريب من الناس))(رواه أحمد) .

    5- رفع الحرج عن الناس :
    صاحب السماحة لا يحرص على إيقاع الناس في الحرج ، ولا يشغله التفكير بما له عن التفكير بما عليه من سماحة مع إخوانه وتقدير لظروفهم ، وفي الحديث الصحيح : " أن الصحابي أبا اليسر - رضي الله عنه - كان له على رجل قرض ، فلما ذهب لاستيفاء حقه اختبأ الغريم في داره ؛ لئلا يلقى أبا اليسر ، وهو لا يملك السداد ، فلما علم أبو اليسر أن صاحبه يتخفى منه حياء لعدم تمكنه من أداء ما عليه ، أتى بصحيفة القرض فمحاها ، وقال : " إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حلّ "(رواه مسلم) . وبسماحته تلك أخرج أخاه من الحرج الشديد .

    6- السماحة مع من أساء :
    وأبرز مواقف السماحة ما يكون مع من أساء إليك ، كالذي جرى مع أبي بكر - رضي الله عنه - حين أقسم ألاَّ ينفق على مسطح بن أثاثة ؛ لتورطه في حديث الإفك ، فأمره الله تعالى أن يعفو ويصفح ، فكفر عن يمينه ، وعاد ينفق عليه ، وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - : ((ارحموا تُرحموا ، واغفروا يغفر لكم))(صحيح الجامع) . وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم : ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)(الشورى/37) .

    7- السماحة بين تهمة العجز أو الفجور :
    وقد يوسوس الشيطان للمسلم : إنك لو تسامحت وصفك الناس بالعجز ، وظنوا فيك الضعف ، ولأَنَ تُؤْثِرَ أن يقال فيك ما يقال خير لك من الوقوع في الفجور ، بحيث يخشى الناس شرّك ، وقد ورج في الحديث : ((يأتي عليكم زمان يُخيَّر فيه الرجل بين العجز والفجور ، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور))(رواه أحمد) .
    ولابد من الإشارة إلى أن السماحة هنا مع أصحاب الفلتات من المسلمين، أما الذين يظلمون الناس ، ويصرون على ذلك ، فيُعامَلون بخلق (الانتصار) .

    صور تتنافى مع السماحة :
    1- كثرة الخصومات : وإن مما يتنافى مع السماحة الانزلاق إلى اللدد والخصومة ، إذ كما يحب الله السماحة فإن ((أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم))(رواه البخاري) . قال في الفتح : " الألدّ : الكذاب ، وكأنه أراد أن من يكثر المخاصمة ، يقع في الكذب كثيرًا " .
    وحين يفتقد المرء السماحة تجده ينحدر في أخلاقه ، إلى أن ينجرف إلى التصايح والجدل لأمر يعلم بطلانه ، أو وقوفـًا على طرف لا يدري مدى أحقيته ! ((… ومن خاصم في باطل - وهو يعلمه - لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه …))(رواه أبي داود) . وقد قيل في المثل : ما استرسل كريم قط .

    2- كثرة الجدل : إن خلق السماحة يقتضي من صاحبه المبادرة إلى التنازل عند الوقوع في أي موقف جدلي ، ولنتذكر دائمـًا أن العلم بميقات ليلة القدر خير كبير حرمت منه الأمة ؛ بسبب انعدام روح السماحة بين رجلين من الأمة : ((خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت))(رواه البخاري). وكم تُحرم الأمة من البركات والنعم والنصر حين تدب الخصومات ، بل إن صفة أساسية من أخلاقيات المنافق أنه : ((وإذا خاصم فجر)(رواه البخاري) .
    ولا يليق بالرجل السمح أن يتعنت ويجادل ويشد ويصيح ، ناهيك عن أن يفجر في الخصومة ((والجور : الميل عن الحق والاحتيال في رده))(فتح الباري) .

    وإنه مما يتنافى مع روح السماحة أن يقع الإخوة في جدالات تافهة لأمور سياسية ، أو قضايا فكرية ، أو توقعات غيبية ، ثم تجدهم ينفضّون متباغضين ، وما كانت البداية إلا روح الجدل و((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل))(رواه ابن ماجه) .
    ولحث المسلمين على السماحة في الحوار ، والتنازل عند الاختلاف ، وعدم الوقوع في مغبة الجدل ، تعهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيت في الجنة لمن تنازل : ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقـًا))(رواه أبي داود) . ولا يمكن أن يكون سماحة وتنازلاً إلاَّ حين يكوم محقـًا ، وإنه لعسير ، وإن أجره لكبير .
    3- كثرة اللغو : ومن نتائج انعدام روح السماحة أن تغدر أمتنا تتبارى بألسنتها ، فتنقلب إلى أمة كلام بدل أن تكون أمة عمل ، وتضيع الأوقات في الشد والجذب والأخذ والرد ، وكل يناصر رأيه ، إن مما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته ((منعـًا وهات)) ، ومما كره لهم : ((قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال))(رواه البخاري) .

    مواقف تقتضي السماحة :
    1- السماحة في الجهاد : ولا يكمل أجر المجاهد إلا بالسهولة والسماحة ((الغزو غزوان : فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام ، وأنفق الكيمة ، وياسر الشريك ، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله))(رواه أبي داود ، وهو حسن) . قال الباجي في (ياسر الشريك) : يريد موافقته في رأيه مما يكون طاعة ، ومتابعته عليه وقلة مشاحّته فيما يشاركه فيه ؛ من نفقة أو عمل .
    فلنوفر أوقاتنا ، ولنحفظ أخوتنا ؛ بتعميم روح السماحة فيما بيننا ، وبالنزول عند رغبة إخواننا إيثارًا لما هو أغلى .
    2- السماحة مع الزوج : تظهر آثار (السماحة) في جميع مظاهر حياة صاحبها ، فانظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زوجه (عائشة) - رضي الله عنها - حين قصدت الحج والعمرة ، فأصابها الحيض ، فحزنت لعدم تمكنها من أداء العمرة ، وبكت لذلك وقالت : " يرجع الناس بحجة وعمرة ، وأرجع بحجة؟!! " يقول جابر بن عبد الله : " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً سهلاً ، حتى إذا هَوِيَتْ الشيء تابعها عليه ، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلّت بعمرة من التنعيم … " . قال النووي : " سهلاً : أي سهل الخلق ، كريم الشمائل ، لطيفـًا ميسرًا في الخلق "(رواه مسلم) .
    فما أعظم سماحته - صلى الله عليه وسلم - مع أهله في مثل هذا الموطن المزدحم ، وفي حال السفر .
    3- مع المدعوين : وتأمل سماحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته : فحين وجد ريح ثوم في مسجده ، نهي الصحابة عن أن يرد أحد مسجده قبل ذهاب ريح الثوم منه ، وكان المقصود بالنهي (المغيرة بن شعبة) يقول - رضي الله عنه - : " أتيته فقلت : يا رسول الله إن لي عذرًا ، ناولني يدك - قال فوجدته والله سهلاً - فناولني يده ، فأدخلتها في كمي إلى صدري ، فوجده معصوبـًا ، فقال : إن لك عذرًا " فعذره حين وجد أنه أكل الثوم لمرض ، وكم نحتاج إلى أن نتأسى بهذه السماحة مع المدعوين لنكون مبشرين غير منفرين ، ميسّرين غير معسّرين .
    4- العلاقة بين الصبر والسماحة : وإن مما عرّف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإيمان قوله : (الإيمان: الصبر والسماحة)(صحيح الجامع) .

    حيث عرّف الإيمان بحسن المعاملة مع الخالق والمعاملة مع المخلوق ، وكأنما يريد بالصبر علاقة العبد مع ربه ؛ بالصبر على طاعته ، والصبر عن معصيته والصبر على أقداره ، وكأنما أراد بالسماحة علاقة العبد بأخيه ؛ بحيث تغلب عليها السهولة والمياسرة والسماحة ، وقابلية التوسيع والتناول لرضى الله ، وفيما يرضي الله وربما كان من حكمة الربط بينما أن السماحة تقتضي قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل : (وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)(الشورى/43) .
    فكن سمحـًا إذا عاملت أو دعوت ، سمحـًا إذا حاورت أو رافقت ، سمحـًا إذا ظُلمت أو جُهل عليك ، فرسالتنا حنيفية سمحة .
    ...............................
    هذه أخلاقنا -الخزندار-رحمه الله
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-09-2015, 08:42 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    التكافل صفة شاملة لصور كثيرة من التعاون والتآزر والمشاركة في سد الثغرات ، تتمثل بتقديم العون والحماية والنصرة والمواساة ، إلى أن تُقضى حاجة المضطر ، ويزول همّ الحزين ، ويندمل جُرح المصاب .
    ولا ينعدم خلق التكافل إلا حينما تسود الأنانية ، وتفتر المشاعر الأخوية، ويستغرق الناس في همومهم الفردية ومشاغلهم الشخصية .
    وقد تآزر بنو هاشم - مسلمهم وكافرهم - مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا تقتله قريش ، وانحازوا به إلى شعب أبي طالب ، وقاطعتهم العرب وحصروهم في الشعب ، وكتبوا صحيفة المقاطعة وعلقوها في الكعبة ، إلى أن اندفع بعض رجال قريش لاستنكار الحصار المضروب على بني هاشم في شعب أبي طالب بدافع خلق التكافل - رغم جاهليتهم - ولم يطمئنوا حتى نقضوا الصحيفة الظالمة التي قضت بهذه المقاطعة .

    وفي واقعنا كثير من صور تكافل أهل الباطل فيما بينهم ، وبعض صور تعاطفهم مع المسلمين ، بدوافع إنسانية أو قومية أو سياسية ، فهل يكون ذلك حافزًا إضافيـًا للتكافل مع أخيك المسلم وأنت به أولى ؟
    كما أن السيدة خديجة - رضي الله عنها - لما أرادت أن تخفف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تخوفه من نزول الوحي ، اتخذت من صفة التكافل التي اشتهر بها محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة دليلاً عقليـًا على أن الله لا يخزيه ، فقالت : " كلا والله ، ما يخزيك الله أبدًا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلَّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ".(صحيح البخاري) .
    والمهاجر من أحوج الناس إلى أنصار يتكافلون معه ، لغربته وفقره وانقطاعه ، وقد ضرب أنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكبر الأمثلة في التكافل مع إخوانهم المهاجرين ، وكان منهم أن أشاروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يقسم النخل بينهم وبين المهاجرين ، فقال : لا ، فقال الأنصار : " تكفونا المؤونة ، ونشرككم في الثمرة ".(صحيح البخاري) .

    وبذلك عمل بعض المهاجرين في بساتين الأنصار ، وقاسموهم الثمار ، وحُلّت مشكلة البطالة والفقر ، وكان من صور تكافلهم أن " المهاجر كان يرث أخاه الأنصاري دون ذوي رحمه) ".(صحيح البخاري) للأخوة التي آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها بينهما ، وكانت مرحلة استصفت فيها النفوس ، وأخلصت لله تعالى ، ثم نُسخ ذلك .

    وهذا التكافل لا يبرز بأسمى صوره ، إلا كلما تعمقت معاني الأخوة والإيثار ، واندثرت جذور الأنانية والاستئثار .

    سداد دين المدين

    ومما يمكن أن يتميز به مجتمع المسلمين من صور التكافل : إعانة المدين (الغارم) بسداد دينه ، حتى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتح الله عليه الفتوح ، واستغنى بيت مال المسلمين ، قال : ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي من، المؤمنين فترك دينـًا ، فعليَّ قضاؤه…)). (رواه البخاري) .
    تحرير الرقيق

    ومن صور التكافل الأخرى ، مساعدة الرقيق في تحصيل حريته ، ومن ذلك أن بريرة - رضي الله عنها - جاءت تستعين بعائشة - رضي الله عنها - في التحرر من رقها ، فكان من تكافل عائشة - رضي الله عنها - معها أن قالت لها : " إن شاء مواليك صببت لهم ثمنك صبة واحدة ، وأعتقتك … ". (مسند الإمام أحمد) .

    دفع دية المقتول
    ومن صور التكافل الشرعية ، التكافل مع القاتل في دفع دية المقتول ، حيث تكلف عصبته وعشيرته الأقربون الموسرون بتحمل دية المقتول ، مواساة وإعانة للقاتل خطًأ ، الذي قد تأتي الدية على كل ماله فترهقه ، ولو عجزت عصبته ، أو لم يكن له عصبة ، دُفعت الدية من بيت المال .

    استنقاذ الأسير

    ومن أشد الصور : استنقاذ الأخ الأسير بكل غالٍ وثمين ، وقد روي أن سلمة بن الاكوع غزا " هوازن " مع أبي بكر - رضي الله عنه - فنفله جارية من بني فزارة من أجمل العرب ، فلقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ، فقال له : ((لله أبوك ، هبها لي)) فوهبها له ، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين كانوا بمكة .(صحيح سنن ابن ماجة) .
    ولا شك أن ذلك من أرقى صور الإيثار والتجرد .

    ويروي أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه أتى خيبر مع رهط من قومه ، وقد فتحت خيبر على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، (فكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين ، فأشركونا في سهامهم ).(مسند الإمام أحمد) .
    إذا لم تكن النفوس تطيب بمثل هذا ، فسوف تفتقدها في ميادين التضحية ، وسوف لا تجدها عند الهيعة ومظان الموت .
    ونقل عن عمر - رضي الله عنه - أيضـًا قوله في الأسرى : " لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحبّ إلي من جزيرة العرب ".(حياة الصحابة) .

    كفالة الأرملة واليتيم

    وحين يفرز الجهاد أرامل وأيتامـًا ومعوّقين ، فليس من الوفاء تغافلهم بعد أن قدم أولياؤهم الروح في سبيل الله تعالى ، ولذلك اعتبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((الساعي على الأرملة والمسكين ، كالمجاهد في سبيل الله ، أو القائم الليل الصائم النهار)). (صحيح البخاري) .
    بل وعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كافل اليتيم بأن يكون رفيقه في الجنة .

    ولا ننسى أن نشير إلى التكافل النفسي فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبّر عنه بالإجمال فقال - صلى الله عليه وسلم - : ((من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)). (رواه مسلم) .

    وقد بلغ من تكافل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتفقد صحابته الذين لا يراهم ، ويسأل عن مشاكلهم ، وأمثلة ذلك في السنة كثيرة ، نختار منها ما ورد في قصة إسلام سلمان الفارسي - رضي الله عنه - وفي آخرها أنه جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض المغازي مثل بيضة الدجاجة من ذهب ، فتذكر سلمان - رضي الله عنه - وأنه بقي عليه مال ليُعتق نفسه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ((ما فعل الفارسي المكاتَب ؟ )) فأرسل - صلى الله عليه وسلم - إليه واستدعاه ، فلما جاء سلمان قال له: النبي - صلى الله عليه وسلم - ((خذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان)). (مسند الإمام أحمد) .
    قال سلمان : " فأوفيتهم حقهم وعُتقت فشهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخندق ثم لم يفتني معه مشهد " .
    وكم يكتسب الداعية قلوب المدعوين حين يرون أنه يفكر بهم ، ويسعى في أمرهم ويهيئ الخير لهم ؟!

    ومن التكافل الشعوري : تفقد حال الأخ والاطمئنان على ظروفه ، وتطييب خاطره ، فقد ورد أن ثابت بن قيس بن الشماس لمّا نزل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات/2) قال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حبط عملي وأنا من أهل النار ، وجلس في أهله حزينـًا ، فتفقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له : " تفقدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك ؟ " وأخبروه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((لا ، بل هو من أهل الجنة)) (مسند الإمام أحمد) .
    وهكذا يشعر كل فرد بقيمته وكل مدعو بمنزلته في نفس مربيه .

    ومن أسمى الأخلاق : أن يُقابَل التكافل بعفة نفس المحتاج ؛ كما فعل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - حين رفض تقاسم المال والزوجتين مع الأنصاري ، وقال له : " بارك الله لك في أهلك ومالك ، أين سوقكم ؟ ".(صحيح البخاري) .
    وطلب أن يدله على السوق ليعمل بيديه ويعتمد على نفسه ، بل كانت ظاهرة عامة بعد خيبر لما استغنى المهاجرون ؛ إذ ردوا إلى الأنصار ما كانوا أكرموهم به ، فقد ورد أنه : " لما فرغ من قتال أهل خيبر ، فانصرف إلى المدينة ، ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من ثمارهم… ".(صحيح البخاري) .
    وإن مجتمعـًا يشيع فيه التكافل ، لهو المجتمع المتماسك الذي يستطيع أن يجاهد في سبيل الله تعالى صفـًا كأنه بنيان مرصوص ، بينما تجد مجتمع الأنانية والبخل متصدعـًا من الداخل ، تأكله العداوات والأحقاد قبل حراب الأعداء ، فأي المجتمعين نختار لأنفسنا ؟! وبأي الأخلاق نتحلّى ؟!
    هذه أخلاقنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-10-2015, 06:54 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    حين تستقيم الفطرة وتسلم من اتباع الهوى تتمثل في صاحبها بخلق الأمانة، وفي تفسير قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزاب:72].
    يقول القرطبي : ( والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال ) كما يقول في تفسير قوله تعالى :( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)
    [المؤمنون :8] : ( والأمانة والعهد : يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلاً ، وهذا يعم معاشرة الناس ، والمواعيد، وغير ذلك, وغاية ذلك حفظه والقيام به ) .

    وحين يعم التعامل بالأمانة يؤدي الذي أؤتمن أمانته ، سواء أؤتمن على قنطار أو دينار ، لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها ، ونهى عن خيانة الله والرسول وخيانة الأمانات ، وجعل من صفات المفلحين أنهم يرعون عهودهم وأماناتهم .
    والنفوس البشرية بفطرتها تميل إلى الناصح الأمين ، وتثق بالقوي الأمين، حتى غير المسلمين يؤثرون الأمين ، فقد ورد في قصة أهل نجران لما وافقوا على دفع الجزية أنهم قالوا : ( إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث معناً رجلاً أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أميناً . فقال : لأبعثن معكم رجلاً أمينا ، حق أمين ) ، وأرسل معهم أبا عبيدة .

    إن من أغلى ما يرزقه الله للعبد ، ولا يحزن بعده على أي عرض من الدنيا ، ما جاء في الحديث : ( أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : صدق الحديث، وحفظ الأمانة ، وحسن الخلق ، وعفة مطعم ) فالأمانة ركن من هذه الأركان الأخلاقية الأربعة ، التي لا يعدلها شيء في الدنيا ، بل قد تكون سببا في إقبال الدنيا على العبد ، لما يجده الناس فيه .
    والأمانة صفة مميزة لأصحاب الرسالات ، فقد كان كل منهم يقول لقومه ( إني لكم رسول أمين ) [ الشعراء : 107، 125 ،143،162، 178] .
    وكانت تلك شهادة أعدائهم فيهم ، كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل ، حيث قال هرقل : ( سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة ، والصدق، والعفاف ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ـ قال : و هذه صفة نبي ) وفي موضع آخر في صحيح البخاري : ( .. وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أن لا. وكذلك الرسل لا يغدرون ..).
    ولئن كانت هذه صفة أصحاب الدعوات فإن أتباعهم كذلك متميزون ، ولذلك اقترن تعريف المؤمن بسلوكه المميز ، حيث قال صلى الله عليه وسلم :
    ( والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ) .

    وإذا تمكنت صفة الأمانة من صاحبها تعامل بها القريب والبعيد ، والمسلم ، والكافر ، يقول ابن حجر : ( الغدر حرام باتفاق ، سواء كان في حق المسلم أو الذمي ) . وكذلك حال المؤمن حتى مع من عرف بالخيانة ، واشتهر بالغدر كما في الحديث : ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ) . وذلك لأن خطورة السقوط في الخيانة ، وفساد الفطرة بنقص العهد ، أشد من مجرد مقابلة الخائن بمثل فعله ، لأن السقوط مرة قد تستمرئه النفس ، وتواصل في منحدر الخيانة .

    ومن الصور العملية للأمانة : أن تنصح من استشارك ، وأن تصدق من وثق برأيك ، فقد جاء في الحديث : ( المستشار مؤتمن ) ( .. ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه ) وماذا يكون قد بقي فيه من الخير من أشار على أخيه بما لا ينفعه ، بل ربما بما يضره ؟ ! ..

    والمجاهد في أرض المعركة مأمور بالأمانة ، ومنهي عن الغدر والخيانة والغلول :
    ( لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثلوا ... ) والقاعد الذي يخلف المجاهد في أهله بخير قائم بالأمانة ، وإن قصر أو خان وقف له المجاهد يوم القيامة ، يأخذ من حسناته ما شاء : ( .. وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف يوم القيامة ، فيأخذ من عمله ما شاء .. فما ظنكم ؟ )
    أي هل تظنون أنه يبقي له من حسناته شيئاً ؟.

    ومن أخطر الأمانات شأنا حفظ أسرار الناس ، وستر عوراتهم وكتمان أحاديث مجالسهم ، فقد ورد في الحديث ( المجالس بالأمانة ) وإن لم يوص المتحدث بكتمان حديثه الخاص إليك يكن لم لك أن تشيعه إلاّ بإذنه وعلمه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت فهو أمانة) وأقل ما في هذه الأمانة أن ينقله الناقل ـ حين ينقله ـ بنصه ، ولا يحمله ما ليس فيه بتدليس أو تحريف .
    ومن الأمانة في العمل إتقانه، وكتمان أسراره ، ولذلك ترجم البخاري في كتاب الأحكام ( باب : يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلاً ) مشيراً بذلك إلى قول أبي بكر لزيد بن ثابت ـ رضي الله عنهما ـ حين أراد أن يستعمله :
    ( إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ) .

    ومن مخاطر الأزمان المتأخرة اضطراب الموازين ، وفساد القيم ، إلى الدرجة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( سيأتي على الناس سنوات خداعات ،يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة في أمر العامة ، قيل وما الرويبضة ؟
    قال : الرجل التافه ) .
    وقد خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم من انتشار الخيانة بعد قرون الخير فقال " .. إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ... ".
    ومنذ ذلك الحين استمر مسلسل السقوط إلى أن أصبحنا نرى الأمر يوّسد إلى غير أهله ، ويؤتمن الخائن ، ويخون الأمين . ويغدو الأمناء ـ حقا ـ ندرة يشار إليهم كما جاء في الحديث : ( .. فيصبح الناس يتبايعون ، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة ، فيقال : إن في بني فلان رجلا أمينا .. ) .

    ومع ندرة الأمناء يستبعدون ويولى غيرهم ، ويكون ذلك سببا في تضييع الأمانات ـ وهو من علامات الساعة ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال أبو هريرة : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة " . وفي الفتح : (( قال ابن بطال : معنى
    ( أسند الأمر إلى غير أهله ) : أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم . فينبغي لهم توليه أهل الدين : فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها " .
    ومن اللمحات الفقهية لتبويب البخاري أنه استشهد بحديث : " فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " في كتاب العلم . ويعلل ابن حجر إيراده في كتاب العلم فيقول : " .. ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ، ورفع العلم ، وذلك من جملة الأشراط " .

    الوفاء بحقوق الأمانة من صفات المؤمنين ، والإخلال بشيء منها خصلة من النفاق، ولذلك جاء في صفات المنافق أنه ( إذا ائتمن خان ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ) .
    صاحب خلق ( الأمانة ) حريص على أداء واجبه ، بعيد عن المكر والخيانة ، حافظ للعهود ، وافٍ بالوعود .
    ورسالة عظيمة مثل رسالتنا لا يصلح لحملها والمضي بها إِلاّ الأمناء ، فهل نرشح أنفسنا لذلك ؟ ! .
    هذه أخلاقنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-10-2015, 11:20 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    إن التوازن في شخصية المسلم ليجمع الشدة والرحمة ، وإن من الحكمة مراعاة كل ظرف بما يناسبه، والتعامل مع كل حالة بما تقتضيه؛ من الأخذ بقوة أو الرفق واللين ، غير أنه يبقى أن الأصل في التعامل الاجتماعي اللين والرقة ، ما لم يقم ما يقتضي خلاف ذلك .
    أما حين تنضب ينابيع العاطفة ، فلابد من تطهير القلب من عوامل القسوة ؛ لتنعكس صورة اللين على المعاملة والسلوك .

    إن طول الزمن قد يخفف من رقة الشعور ، وتطاول الأيام قد ينسي بعض القيم ، وتقادم العهد قد يغير المشاعر القلبية ، ما لم يتعهد المرء نفسه ويجلو قلبه ، ليبقى حاضر الفكر ، واعي القلب ، يقظ الإحساس ، ولأن اللين ظاهرة سلوكية تنبع عن قلب لين ، فقد عاتب ربنا وعز وجل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حين رأى منهم تغيرا في القلوب ، يقول الله تعالى : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:16]. وحدث ابن مسعود فقال : ( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ... إلا أربع سنين ) وزاد في رواية ( فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول : ما أحدثنا ؟ ) فإن كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قد احتاجوا إلى تلك اللفتة القلبية بعد أربع سنوات من إسلامهم ، فكم تحتاج قلوبنا إلى تعهد وتزكية ؟!

    وقسوة القلب قد تكون أحيانا نتيجة المعاصي ، ومظهراً من مظاهر غضب الله سبحانه وتعالى على العبد ، ولذلك يقول مالك بن دينار : ( ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم . ) .
    وإن العيش في أعطاف النعمة ليجعل على القلب غشاوة ، تشغل المرء بذاته ، من همته ، ولذلك رأى محمد بن كعب في الآية السابقة توجيها آخر فقال :
    ( كانت الصحابة بمكة مجدبين ،فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتروا عما كانوا فيه فقست قلوبهم فوعظهم الله فأفاقوا ) ، ألا فلنتواص حتى نفيق ..

    إن الانشغال بلغو الكلام وتتبع الهفوات يجفف منابع اللين في القلب ، وتنعكس الآثار على صورة حدة في التعامل . جاء في موطأ الإمام مالك قوله : ( بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى ؛ فتقسو قلوبكم ؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله ، ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، و انظروا فيها كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان : معافى ومبتلى .
    فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية ).

    إن شخصية الداعية لتقتضي القدرة على التعامل مع الناس باللين . وقد تعجبت السيدة عائشة من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استأذن رجل بالدخول عليه ، فنعته بقوله : (( بئس أخو العشيرة )) ( فلما دخل ألان له الكلام) صحيح البخاري . وليس عجيبا أن يكون هذا شأن نبينا صلى الله عليه وسلم وهو القائل : ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ...الحديث ) ولما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، أوجزها له في صفات ذكر منها : ( لين الكلام وبذل الطعام ... ) ( مسند أحمد ) .
    وإذا كان قصدنا الفوز برضا الله عز وجل ، والنجاة من النار ، فإن المسلم لينال باللين ما لا يناله بالغلظة والشدة ، كما في الحديث : ( حُرِّم على النار : كل هيّن ليّن سهل ، قريب من الناس ) صححه الألباني : صحيح الجامع 3135).

    ويمكن أن يكون تكلف السلوكيات اللينة مدخلا إلى اكتساب اللين القلبي ، فقد شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له : ( إن أردت أن يلين قلبك ، فأطعم المسكين ، وامسح رأس اليتيم ) حسنه الألباني : صحيح الجامع 1410) .
    وكثيرا ما يحرش الشيطان في الصدور ، حتى في لحظة القيام للصلاة ، وتسوية الإمام للصفوف ، بتأخير هذا وتقديم ذاك إلى أن يستقيم الصف ، وقد كان من وصيته صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في الصلاة : ( ... ولينوا في أيدي إخوانكم ... ) صححه الألباني ) (صحيح الجامع 1187ورواه أبو داود). لأن إقامة الصفوف وسد الخلل تقتضيان الاستجابة وعدم المعاندة .

    وليس المقصود باللين عدم إنكار المنكر ، وإنما اللين في الأسلوب حيث يغني اللين ويحقق الغرض ، وذلك باستنفاذ جميع الوسائل الممكنة التي تضمن الاستجابة ، ولا تستعدي الآخرين ، وراجع ـ إن شئت ـ حديث البخاري في قصة الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان ، كيف عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عدداً من الخيارات للتكفير عن ذنبه فقال له : ( هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال :لا قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا ) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم تمر ، فأعطاه للرجل ، وقال له : ( خذ هذا فتصدق به فقال الرجل : على أفقر مني يا رسول الله ، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه أهلك . ) ( البخاري ) .

    فاللين صورة من صور الرحمة يضعها الله في قلب العبد ، قال تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل: عمران:159].
    والرفيق الرحيم أحق الناس برحمة الله عز وجل كما في الحديث : " الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".( صحيح الجامع 3522).

    ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان أرحم الناس بالصبيان والعيال ) ( صحيح الجامع 4797) ونفى كمال الإيمان عمن لا يرحم ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف شرف كبيرنا ) ( صحيح الجامع 5444) .

    وحتى الرحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاق رحمة الله في الآخرة ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من رحم ولو ذبيحة عصفور ، رحمه الله يوم القيامة) (حسنه الألباني ) .

    والعلاقات الأسرية مع الأهل وذوي الرحم ، ينبغي أن يسودها الرفق واللين ؛ للمحافظة على تماسك بنيان الأسرة المسلمة وصفاء أجوائها ، كما في الحديث :
    ( إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق ) . رواه أحمد

    والهين اللين ينسحب رفقه على كل صور حياته ، التي تقتضي السماحة واللين في التعامل مع المؤمنين ، حتى يحظى بمحبة الله سبحانه وتعالى ( إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله ) رواه البخاري. كما نحظى بعون الله عز وجل يقول رسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ، ويرضاه ، ويعين عليه ما لا يعين على العنف ... ) .
    وصورة الشديد الغليظ ، الغاضب العنيف ، صورة مشينة معيبة تنفر منها الطباع البشرية ، بينما صورة السهل الرفيق ، اللين اللطيف، صورة تزين صاحبها ، وترتاح إليها النفوس ، وتأنس إليها القلوب ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه )
    ( صحيح الجامع 5654).
    ولا ينفي كل ما مضى أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم، ولا أنهم يغضبون لله ، كما أنهم يلينون لوجه الله عز وجل.
    كتاب (هذه أخلاقنا ).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-11-2015, 05:22 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    أثبتت الدراسات أن أصحاب المشاريع يفشلون في المتوسط أربع مرات قبل أن يدركوا النجاح في أعمالهم، ولذا فإن الناجح يفكر في الحل، والفاشل يفكر في المشكلة، والناجح لا تنضب أفكاره، والفاشل لا تنضب أعذاره.
    أعظم المخترعين والمكتشفين ورؤساء الدول والسلاطين والصناعيين والمبتكرين والاقتصاديين والإعلاميين والموسيقيين والرياضيين.. كلهم يجمعهم شيء واحد. كلهم فشلوا فشلاً ذريعاً قبل أن ينجحوا، كلهم فهموا المعنى الحقيقي للفشل فاحتضنوه، بل جعلوا من كل فشل لبنة في بناء نجاحهم.. كلهم طبقوا مفهوم (الفشل البنَّاء).
    عانى من مشاكل في السمع في سن مبكرة، وصفه مدرسوه في المدرسة بـ(المغفل) و(شديد الغباء) الذي لا تجدي محاولات تعليمه. ترك المدرسة بعد ثلاثة أشهر من دخولها فدرسته أمه في البيت، فانكب على قراءة كل ما يقع بين يديه من كتب وموسوعات وصحف ومجلات، وأطلقت يديه ليختبر ما يشاء فأعد مختبر كيمياء في منزله وهو في العاشرة من عمره، وكان يعمل في السوق بائعاً للخضروات، ثم بائعاً للحلوى والصحف في القطارات حتى طرد من عمله بعد اشتعال النيران بمختبره الكيميائي في عربة نقل في محطة القطارات وأُلقي به في الشارع، مما جعله يتفرغ للأبحاث والتجارب.
    كان يقول: والدتي صنعتني، فاحترامها لي وثقتها بي أشعرتني أني أهم شخص في الوجود، فعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلني قط. سجل 122 اختراعاً ولمَّا يبلغ الثالثة والعشرين من عمره. يعد أحد أعظم المخترعين وأكثرهم إنتاجاً في التاريخ، فامتلك 1093 براءة اختراع وأكثر من 1300 جهاز وأداة علمية كان لها الأثر الواضح في حياة إنسان العصر الحديث.
    مرضت أمه مرضاً شديداً فقرر الأطباء إجراء عملية جراحية فورية لها، ولكن الليل حال دون ذلك لانعدام الضوء الكافي لإجراء العملية، فاضطروا إلى الانتظار حتى شروق الشمس، فقرر أن يخترع مصباحاً كهربائياً متوهجاً عملياً تجارياً طويل الأجل. فشل في ألف محاولة حتى نجح، وكان يسمي كل تجربة فاشلة خطوة في سبيل تحقيق النجاح. ويقول: أنا لم أفشل، بل وجدت ألف طريقة لا يمكن للمصباح أن يعمل بها، ولم أكن لأنجح في اختباراتي لو لم أدرك حاجات البشر، كنت أرى حاجات الناس ثم أبدأ بالاختراع.
    فقد مختبره في حريق كبير عام 1914 وعمره يناهز الـ67 عاماً. وفي الصباح التالي كان يقول: “هناك فائدة عظيمة لما حصل البارحة، فقد احترقت كل أخطائي فالشكر لربي لأنني يمكنني البدء من جديد”. وبعد ثلاثة أسابيع فقط اخترع أول مشغل أسطوانات (فونوجراف)، ومن اختراعاته آلة التصوير السينمائي، وتطوير الآلة الطابعة والهاتف والحاكي وجعل صناعة التلفزيون ممكنة.. وغيرها كثير.
    النجاح
    أسس أكثر من 14 شركة منها شركة GE” General Electric” العالمية.. يقول: “كل شخص يفكر في تغيير العالم ولكن قليلين هم من يفكرون في تغيير أنفسهم”، ويقول: “سقوط الإنسان ليس فشلاً، ولكن الفشل أن يبقى حيث سقط، فالأشخاص الذين فشلوا في الحياة هم أشخاص لم يتعلموا كم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا للفشل”.. إنه توماس إديسون.
    يقول المؤلف جون ماكسويل في كتابه Failing Forward: “أنت الشخص الوحيد القادر فعلاً على تسمية ما تفعله فشلاً.. وكل عبقري كان يمكن أن يصبح فاشلاً”.
    د. وليد فتيحي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2015, 00:11 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    نعني بالثبات الاسمرار في طريق الهداية ، والالتزام بمقتضيات هذا الطريق ، والمداومة على الخير ، والسعي الدائم للاستزادة ، ومهما فتر المرء ، فهنالك مستوى معين لا يقبل التنازل عنه أو التقصير فيه ، وإن زلت قدمه فلا يلبث أن يتوب ، وربما كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها ، ذلك هو حال المتصف بخلق الثبات .
    حماس البدايات :
    كثيرًا ما نجد شبابـًا يحنون إلى البدايات التي كانوا يتفجرون فيها حيوية ، ويتدفقون حماسـًا ، ويبالغون في الحرص على دقائق السنن ، ناهيك عن البعد عن دائرة الحرام والشبهات ، ثم ماذا ؟ كلَّت النفوس ، وفترت الهمم ، واكتفى بعض الشباب بأن يكونوا من عامة المسلمين ، وهذا أحسن حالاً ممن انقلبوا على أعقابهم ؛ فغدوا يعادون الدعوة ويسخرون من أهلها ، ويحذرون من سبيلها ، إنها معركة تقرير المصير بين الارتداد على الأعقاب والثبات .
    من صور الثبات :
    1- الثبات أمام الأعداء :
    وللثبات صور تشمل عددًا من جوانب حياة المسلم منها : الثبات في المعركة كما ثبت الرّبيّون الكثير من أنبيائهم ، وكان قولهم : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)(آل عمرا/147) ، والفئة الصابرة بإمرة طالوت الذين قال الله فيهم : (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)(البقرة/250) ، وفي ذلك توجيه للمؤمن أن يلتجئ إلى الله طالبـًا منه التثبيت .
    وخوطب أبناء هذه الأمة بأمر الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا)(الأنفال/45) .
    ومن الكبائر في ديننا الفرار من الزحف ؛ ولذلك كان من الوصايا العشر التي أوصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل : ((وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس ، وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت))(رواه أحمد) ؛ لأن الثبات يزيد المؤمنين قوة ، ويوقع في نفوس العدو رهبة ، وتزعزع المواقف يخذل الصديق ويشمت العدو ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمّق هذا المعنى يوم الأحزاب وهو ينقل التراب وقد وارى التراب بطنه وهو يقول : ((لولا أنت ما اهتدينا ، ولا تصدقنا ولا صلينا ، فأنزل السكينة علينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا ، إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا))(رواه البخاري) .
    2- طلب الثبات من الله تعالى :
    ولأن مسألة الثبات على الدين قضية تشغل فكر المسلم فإنه يكثر من الدعاء بها ، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قول : ((يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك)(رواه أحمد) .
    وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشى على نفسه في مواجهة الجاهلية أن يداهن أو يلين ، ولذلك خاطبه ربنا عز وجل بفضله عليه بأن أخلص ولاءه لله : (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)(الإسراء/74 ، 75) .
    3- المتذبذب يفتن الناس :
    وقد حذر حذيفة العلماء العباد لأنهم قدوة : " يا معشر القراء استقيموا ، فإن أخذتم يمينـًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا "(رواه البخاري) .
    ولو أن ضلالة المتذبذب يمينـًا وشمالاً يقتصر عليه لهان الأمر ، ولكن يُفتن بضلاله آخرون .
    وقد كان من وسائل أهل الكتاب في زعزعة صفوف المسلمين أن يتظاهروا بالدخول في الإسلام ، ثم يرتدون ليرتد معهم آخرون ، (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران/72) ، فالسعيد من وفقه الله تعالى للثبات ، وخُتم له بخير ومات وهو يعمل عمل أهل الجنة إلى أن يرزقه الله التثبيت حين يُسأل .
    ولو تأملت في أحاديث الحوض من صحيح مسلم لوجدت أناسـًا مُنعوا منه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيدعو عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحقـًا ، سحقًا لمن غيّر بعدي)) ، وفي رواية أخرى : يقال له : ((والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) فكان ابن أبي مليكة - أحد رواة هذا الحديث - يقول : " اللهم إنَّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا " ، وكلمة " ما برحوا يرجعون " توحي بالتراجع البطيء المتواصل المؤدي إلى الهاوية ، وربما يصعب الرجوع بعد طول الاستدارج ، فهنيئـًا لمن استدرك نفسه لئلا تزل قدمه بعد ثبوتها .
    كما نجد كثيرًا من الأدعية تركز على معنى الثبات ، ومن ذلك دعاء عبد الله بن مسعود : " اللهم إني أسألك إيمانـًا لا يرتدّ ، ونعيمـًا لا ينفد "(رواه أحمد) .
    وقال شداد بن أوس : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا كلمات ندعو بهنّ في صلاتنا : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر وأسألك عزيمة الرشد "(رواه أحمد) .
    4- الثبات في أيام الفتن :
    ومن صور الثبات في الفتن : الصبر في أيام الصبر التي وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((الصبر فيهنَّ مثل القبض على الجمر))(رواه أبي داود والترمذي) ، وفي رواية : ((يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه ، كالقابض على الجمر))(رواه الترمذي) ، ومن ذا الذي يثبت قابضـًا على الجمر؟! لذلك بشّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن الثابت من هؤلاء له أجر خمسين من الصحابة : ((إن من ورائكم أيام الصبر ، للمتمسك فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم))(سلسلة الأحاديث الصحيحة) .
    وفي أشد ما يلقاه المسلمون من الفتن حين يخرج الدجال ويعيث يمينـًا وشمالاً ، فإن الوصية الأساسية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي يوصي بها أمته حينئذٍ ك ((يا عباد الله . اثبتوا))(رواه ابن ماجة) .
    5- المداومة على الطاعات :
    ومن أهم صور الثبات المداومة على الطاعات ، فالمطلوب في بعضها المثابرة عليها ، يروي الترمذي : ((من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتـًا في الجنة))(الجامع الصحيح) .
    وفي رواية مسلم تقول أم حبيبة راوية الحديث ، ويقول كل من عمرو بن أوس والنعمان بن ثابت - من رجال السند - : ((ما تركتهنَّ منذ سمعتهنَّ))(رواه مسلم) .
    وتقول عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه))(رواه مسلم) .
    وعند مسلم كذلك : ((وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته))(رواه مسلم) .
    وحين سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أحب إلى الله؟ قال : (( أدومه وإن قلَّ))(رواه مسلم) .
    وكان آل محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا عملوا عملاً أثبتوه .
    يقول النووي : أي لازموه وداوموا عليه .
    الثبات مظهر الاستقامة :
    والثبات مظهر بارز للاستقامة ؛ لأن المذبذب المتقلب لا يقدر على الثبات ، ولا يقوى على الاستقامة ، فقد كان الواحد من الصحابة يقول : يا رسول الله حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله ، فأجبه بأوجب الواجبات وقتها : ((عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها))(رواه ؟؟) .
    وكان من دقيق ملاحظة الصحابة لظاهرة الثبات في سلوك كل فرد أن بريدة بن الحصيب لقى سلمة بن الأكوع قادمـًا من البادية فظن أنه قطع هجرته إلى المدينة ، وأقام خارجها فقال له : " ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟! فقال سلمة: معاذ الله إني في إذن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "(رواه أحمد).
    ومن الملعونين على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((المرتد أعرابيـًا بعد هجرته))(انظر صحيح الجامع حديث 5) .
    هذه صورة الجيل الفريد كيف يحرص على الثبات ويتواصى به ، ويخشى الانقلاب على الأعقاب ، وإلى عام (حجة الوداع) والرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو للصحابة بالثبات على هجرتهم إلى المدينة لتقوى بهم الدولة الناشئة : ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم))(رواه البخاري) .
    الإسلام إيمان وثبات :
    والقول الجامع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان حقيقة الإسلام : إيمان وثبات : ((قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك ، قال : قل آمنت بالله ثم استقم).
    هذه أخلاقنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-10-2015, 00:13 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    أبناؤنا والصلاة
    مما لا شك فيه أن للأبوين أثرا كبيرا في صلاح الأبناء واستقامتهم، ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".لعل في هذا الحديث دلالة واضحة على مدى هذا الأثر للآباء في الأبناء.
    وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم أنظار الآباء إلى هذه القضية وذكرهم بمسؤوليتهم تجاه أبنائهم حين قال:" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته...".
    والوالد مسؤول مسؤولية عظيمة عن أسرته والأخذ بأيدي الأبناء نحو الصلاح والاستقامة بل هو مسؤول عن الأخذ بأسباب وقايتهم من النار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}.
    وهذا من أوكد حقوق الأبناء على الآباء، حيث قال انبي صلى الله عليه وسلم:" وإن لولدك عليك حقاً".
    ومن أهم أسباب صلاحهم وحُسن تربيتهم تنشئتهم على حُبِّ الصلاة والمحافظة عليها والاهتمام بها، امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
    " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر".
    والله عز وجل يقول:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}
    وكان عمر بن الخطاب إذا قام من الليل أقام أهله ويقرأ:
    {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}.
    وكان عروة رضي الله عنه إذا رجع من السوق إلى البيت يقول لأهله: الصلاة الصلاة رحمكم الله.
    وامتدح الله نبيه إسماعيل عليه السلام فقال:
    {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}
    وكان من دعاء الخليل عليه السلام: ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريّتي ).
    كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصطحب عبد الله بن عباس والفضل وأسامة بن زيد وغيرهم من أطفال المسلمين معه فيشهدون صلاة العيد ويستمعون الخطبة تعويداً لهم على الخير.
    وقد ذكرت الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ في تعويد الأطفال على صيام عاشوراء فقالت: ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن...". نعم يأخذونهم إلى المسجد فيتعلمون هناك الصلاة من خلال رؤية الأمهات يصلين.
    قال ابن عباس: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم" (والمحكم من أول الحجرات إلى سورة الناس).
    وابن عباس كان معروفاً بين الصحابة وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وأردفه على حماره...إلخ.
    وهو الذي قام مع النبي صلى الله عليه وسلم حين بات عند خالته ميمونة.
    وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول لولده: يا بني ليكن المسجد بيتك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    إن المساجد بيوت المتقين، فمن كانت المساجد بيوته ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة".
    قال مجاهد: سمعت رجلاً من أصحاب النبي يقول لولده: أدركت الصلاة؟ قال: نعم. قال: أدركت التكبيرة الأولى؟ قال: لا. قال: لما فاتك منها خير من مائة ناقة كلها سود العين.
    واظر إلى حرص الآباء الصالحين على استقامة أبنائهم ومحافظتهم على الصلاة متمثلة في رد فعل عبد العزيز بن مروان مع ولده عمر حين تأخر عن الصلاة بسبب ترجيل شعره، فقد أرسل له رسولا وامره أن يدخل على ولده عمر بن عبد العزيز وألا يكلمه حتى يحلق له شعره الذي تسبب في تأخره على الصلاة، فلم يؤثر عن عمر أنه تأخر عن الجماعة بعدها.
    من أهم الأساليب لبث الحرص على الصلاة في نفوس الأبناء:
    1- القدوة الصالحة: أنت بالنسبة لطفلك الأسوة والقدوة، وقد زين في عين طفلك كل ما تفعله، ولهذا لما رأى بعض السلف رجلا ينقر صلاته ولا يحسنها قال: ما أرحمني بعياله.
    ومن ذلك أن يحرص الأب على صلاة النوافل في البيوت.
    2- الحرص على اصطحابه إلى المسجد وربطه بالآخرة...
    3- التشجيع والتحفيز بوسائل مختلفة، ومن ذلك:
    - الثناء الطيب عليه أمام الآخرين لمحافظته على الصلاة..
    - رصد مبلغ أو هدية عند محافظته على الصلاة...
    - نزهة لمكان يحبه لأنه يصلي،وقد أحسنت بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية حين رصدت بعض الهدايا في مناسبات مختلفة وكتبت عليها: هدية لأنك تصلي.
    4- الدعاء الكثير لهم وجعل ذلك هماً تحمله...
    5- استعمال وسائل التعليم الحديثة.
    6- تعليمه آداب المساجد.
    ولنتذكر قول القائل:
    وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
    وما دان الفتى حجى ولكن يعوده التدين أقربوه
    قال ابن تيمية: من كان عنده صغير ... فلم يأمره بالصلاة فإنه يُعاقَبُ الكبير إذ لم يأمر الصغير، ويُعَزَّرُ ( أي يعاقب ) الكبير على ذلك تعزيراً بليغاً لأنه عصى الله ورسوله.
    وقال ابن القيم:وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته على شهواته وهو بذلك يزعم أنه يكرمه وقد أهانه، ويرحمه وقد ظلمه ففاته انتفاعه بولده، وفوّت على ولده حظه من الدنيا والآخرة... ثم قال: وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.
    نسأل الله تعالى أن يجعلنا مقيمي الصلاة ومن ذرياتنا إنه سميع الدعاء.
    اسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-11-2015, 04:41 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    Quote: حُكي أن إبنة عُمر بنِ عبدالعزيز دخلت عليه تبكي وكانت طفلةً صغيرةً آنذآك ، وكان اليومُ يوم عيدٍ للمُسلمين ..
    فسألها أبوها : لماذا تبكين ؟!
    قالت : كُل الأطفالِ يرتدُون ثياباً جديدةً ، وأنا بنتُ أميرِ المُؤمنين أرتدي ثوباً قديماً ..
    فتأثر عُمرُ رضي اللهُ عنهُ ببُكائها وذهب إلي خازنِ بيت مالِ المُسلمين وقال لهُ :
    أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهرِ القادم !!
    فقال لهُ الخازنُ : لمَ يا أميرِ المُؤمنين ؟!
    فحكي لهُ أميرُ المُؤمنين السبب ..
    فقال الخازنُ : لا مانعُ ولكن بشرطٍ .. فقال عُمرُ رضي اللهُ عنهُ : وما هو ؟!
    فقال الخازنُ : أنْ تضمنَ لي أنْ تبقي حياً لتعمل بالأجرِ الذي ستصرفُهُ مُسَّقاً !!
    فتركهُ أميرُ المُؤمنين عُمر رضي اللهُ عنهُ ورجع بيته فسألهُ أبناؤهُ : ماذا فعلت يا أبانا ؟!
    قال : أتصبرُون وندخُلُ جميعاً الجنة ؟! أم لا تصبرُون ويدخُلُ { أباكُم } النار ؟!
    قالوا جميعاً : نصبرُ يا أبانا .
    يا ليت أُمة مُحمدٍ صلي اللهُ عليه وسلم الآن تمتلكُ الثلاثة : [ عمرُ والخازنُ وأبناءُ عمر ] !
    أتعبت المُلُوك والأُمراء من بعدك يا عُمر !!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2015, 01:48 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    في قلوب الكثير منَّا فرعون صغير؛ يصيح كلما واتته فرصة: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (24:النازعات)..
    ويحتاج إلى موسى ليهتف به: {هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}(18،19:النازعات).
    موسى وكل الأنبياء بُعثوا لقمع الأنانية الطاغية، ومساندة التواضع لله، وكانت رسالتهم العبادة لله وحده، لا تشركوا معه إلهاً آخر من أنفسكم، ولا من ناسكم، ولا من أحجاركم أو أشجاركم!
    ولذا كان السجود قمة التواضع وهو ذروة العبادة.

    ولذا عزف موسى عن أبهة القصر، وعاهد الله على البُعد عنها: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} (17:القصص).
    وقرر أن يقف مع الضعيف المغلوب في المشاجرات التي حكاها الله عنه، ليُحارب عنصرية الفراعنة ضد بني إسرائيل المستضعفين.
    وأدرك بفطرته طبيعة مجتمع ذكوري لا يلتفت لمعاناة امرأةٍ ضعيفةٍ فوقف في صف الفتاتين، وسقى لهما غير آبه بالعيون التي ترمقه باستغراب وتشكك..
    ورضي أن يظل عشر سنوات يرعى الغنم كمهرٍ للزوجية، و" السَّكينة والوَقَار في أهل الغنم " (البخاري)، وما من نبي إلا رعى الغنم، وكان محمد -صلى الله عليه وسلم- يرعاها لأهل مكة على قَرَارِيط ..
    صُحبة الغنم تورِّث التواضع والسكون والهدوء، وتصنع رابطة غريبة من الإلف والتعارف.. نعم التعارف!
    ولذا ظل موسى وهو يناجي ربه يُفسِّر وجود العصا معه بأنه يتوكأ عليها ويهشُّ بها على غنمه، فيضرب الشجر حتى يتساقط ورقها فتأكله غنمه.
    والاتكاء على العصا لأنه كان يُكثر المشي على قدميه في البرية؛ هارباً من الظلم، أو باحثاً عن الأمن، أو عائداً إلى أمه وأسرته، أو راعياً لغنمه.. وهي تربية على التواضع.

    المرَّة الوحيدة التي أُثر أن موسى قال فيها (أنا)، هي حينما سأله رجل وهو على المنبر: مَنْ أعلم أهل الأرض؟ قال: أنا!
    وهذه الـ(أنا) لم تكن من شأن موسى؛ لأنه لا يجزم بذلك، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فيقول: لا أدري، أو الله أعلم.
    فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ.. وهو الخَضِر.
    موسى كان أفضل منه، فهو رسول من أولي العزم، والخَضِر نبي عنده علمٌ من عند الله لم يطَّلع عليه موسى في مسائل مفردة، وكأنها أمثال ضُربت لموسى، وفي طيَّاتها إشارة لسرعته في الجواب عن سؤال: مَنْ أعلم الناس؟!
    لم يصبر موسى على التعلُّم من الخَضِر كما وعد، فعاتبه على خرق السفينة؛ خيفة أن يغرق أهلها، وكأن هذا تذكير له بإلقائه في اليَمِّ وهو رضيع؛ لا ليغرق، ولكن ليسلِّم بإرادة الله وتدبيره من بطش الطاغية فرعون، ولذلك عُدَّ هذا نسياناً منه..

    على أن موسى قاوم طغيان فرعون حتى انتصر عليه، والخَضِر اكتفى بحماية السفينة والحفاظ على مال المساكين، وبهذا يتبيَّن الفرق العظيم بينهما!
    ولم يصبر موسى على قتل الغلام الفاسد فأنكر على الخَضِر قتله، وكأن هذا تنبيه على أن قتل فرعون لأولاد بني إسرائيل وإن كان جرماً إلا أنه قَدَرٌ إلهي له أسراره وأبعاده التي لا يُحيط بها إلا من آتاه الله من لدنه علماً..
    أو أنه تنبيه لموسى على قتله للقبطي؛ الذي لم يؤمر بقتله، وأن من ورائه سراً إلهياً لا يعلمه موسى، ولعله لو عاش لأرهق من حوله طغياناً وكفراً أو كان عائقاً عن دعوة الحق، وهذا يُخفف من لوعة موسى من تلك الفعلة..
    ولم يصبر على إقامة الجدار بغير أجرة لغلامين يتيمين من أهل قرية أبوا أن يضيفوهما، وكأن هذا نظير ما فعله موسى للفتاتين الضعيفتين في أرض مدين، حيث كان موسى غريباً طارئاً لم يجد منهم الحفاوة، ولذا دعا ربه: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24:القصص)..
    وكان خاتمة اللقاء بينهما هو هذا الموقف الذي يختلف عن سابقيه بأن للنفس فيه بعض الحظ، ولذا قال الخَضِر: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} (78:الكهف)!
    في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -صلى الله عليه وسلم- وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي " (رواه مسلم ).

    ذلٌّ وانكسارٌ وتعبُّد هو سر الفضل والسَّبق، ولذا كان موسى هو الرجل الثالث في الفضيلة الإنسانية بعد محمد وإبراهيم -عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام- على قول الأكثرين.
    قتل موسى قبل النبوة رجلاً ظالماً من القبط؛ كان يريد تسخير بعض بني إسرائيل في مصالحه، ولكن لم يكن له في قتله حق، فظل الندم على هذا الفعل يلاحقه طيلة حياته مع أن الله غفر له، وحتى بعد موته لم ينس هذا الذنب، فإذا جاءه أهل الموقف يطلبون شفاعته إلى الله اعتذر وقال:" إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا "( الترمذي)
    وأحدنا يفعل أمثال الجبال من الذنوب ثم ينساها أو لا يدري عنها أصلاً؛ لأنها من الذنوب الخفية ..ذنوب القلوب!
    ولكنه يحتفظ بذنوب الآخرين وكأنه ربٌّ يحاسبهم، ولذا قال عيسى: (لَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ)، رواه مالك بلاغاً، والله أعلم
    د. سلمان بن فهد العودة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-10-2015, 10:15 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من آداب معاملة الأجير في الإسلام
    اشتمل الإسلام على آداب راقية في فن التعامل مع الناس على مختلف مستوياتهم وإكرامهم والاحتفاء بهم مهما كانت الطبقة المادية أو الاجتماعية التي ينتمون إليها، والمتأمل في تشريعات الإسلام يلحظ ما فيها من عناية كبرى بأسلوب المعاملة خصوصا مع تلك الطبقات الدنيا التي غالبا ما تُهضَم حقوقها وتُستغَل حاجتها الملحة لسد حاجياتها الأساسية التي لا تستقر الحياة الإنسانية الكريمة من دون توفرها كالمأكل والملبس والمشرب، وجوانب التأدب والرفق في المعاملة نجدها عامة في تشريعات الإسلام كله إلا أن ما يتعلق منها بالتعامل مع الأجراء وضعاف المجتمع أكثر عمقا وإلحاحا في لسان التشريع .

    ثم إن هذه الآداب ليست منحصرة في النصوص الفقهية القانونية التي تَوصَّل إليها الفقهاء من قراءاتهم المتعددة لنصوص الشرع واستنباطاتهم المعمقة من دلالات تلك النصوص وما تحمله بين طياتها من معاني بل إنها لواضحة جلية في التعليمات النبوية المباشرة التي وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمته من يوم رسالته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد برز هذا واضحا في سيرته صلوات ربي وسلامه عليه وسيرة إخوانه الأنبياء من قبله؛ فقد كانوا – وهم قمة الكمال البشري نسبا وكَرَم مَحْتِد – يواسون الأجراء ويساكنونهم ولا يتميزون عنهم بمأكل ولا مشرب؛ حتى قال قوم نوح لنوح عليه السلام: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]؛ يقصدون: أهل الصناعات والأعمال اليدوية كما قال المفسرون؛ والصناعة لا تزري بالديانة فالغنى غنى الدين والنسب نسب التقوى .

    وبشكل تفصيلي فإن نصوص السنة النبوية المطهرة قد اشتملت على كثير من الأخلاق وكريم الآداب في التعامل مع الأجراء لم تصل إليها أرقى مواثيق حقوق الإنسان حتى يوم الناس هذا ولم تقرها بعد مجتمعات الغرب ولا الشرق رغم ضخامة الإرث الإنساني والتجربة العملية في مجال التطور نحو إنصاف الأجراء والعمال، ومن تلك الآداب ما يلي:
    • مساواة الأجراء بأرباب العمل في المأكل والمشرب والمجلس: فقد روى المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أعيرته بأمه»، ثم قال: «إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم عليه»، [ البخاري ومسلم )]؛ في هذا الحديث الشريف يوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم قدرا كبير من المفاهيم الإنسانية الراقية في التعامل مع الأجراء.
    أولها: استحضار معنى الأخوة الإنسانية في التعامل معهم.
    وثانيها: استيعاب معنى الاستخلاف ومعاملة الأجير على نحو ما يحب رب العمل أن يعامل به لو قُدِّر أن كان هو الأجير.
    وثالثها: ألا نَتمَيَّز عن الأجير بفارِهٍ من اللباس أو الحالة، بل إن من السنة التواضع له ومشاركته في العمل ومد يد العون له إن احتاج المساعدة في رفع الأثقال أو نحو ذلك.
    وقد ورد في سبب رواية أبي ذر لهذا الحديث أن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ ، وعلى غلامه مثله، قال: فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت أخذت الذي على غلامك، فجعلته مع هذا فكانت حلة، وكسوت غلامك ثوبا غيره ... فذكر لهم الحديث

    وتجربة سلفنا الصالح ثَرَّةٌ غنيةٌ في هذا المجال فقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يلي وَضوء الليل بنفسه ولا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، فقيل له: لو أمرتَ بعض الخدم فكَفَوك، فقال: لا، إن الليل لهم يستريحون فيه، وروى محمد بْن أَبِي حاتم الورّاق – وهو النساخ الذي كان يكتب للإمام البخاري الحديث - قال: كَانَ البخاري يقوم فِي اللَيْلَةٍ الواحدةٍ خمس عشرة مرّة إلى عشرين مرّة، فِي كلّ ذَلِكَ يأخذ القُدّاحة فيُوري نارًا ويُسرج، ثمّ يُخرج أحاديث فيُعلِّم عليها، ثمّ يضع رأسه، وكان لَا يوقظني فِي كلّ ما يقوم، فقلتُ لَهُ: إنّك تحمل عَلى نفسك فِي كلّ هذا ولا تُوقظني! قَالَ: أنتَ شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك.

    • ودافعت السنة النبوية عن حقوق المستأجر فنهت عن الغرر في عقود الإجارة؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نَهَى عَنْ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ»، [أخرجه أحمد ] .

    • بل لقد توعّد الله تعالى في الحديث القدسي الذي أخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه كل من يبخس العامل أو الأجير حقه؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ ".

    • واستحب الشارع الحكيم التعجيل بتنجيز أجر العامل له فور انتهائه من عمله؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعْطوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» [أخرجه ابن ماجه ].

    وجِماع الأمر أن السنة النبوية المطهرة – بشِقَّيْها؛ العملي والقولي - قد حوت خصالا جمة تمثل الأدب الراقي في التعامل بين الأجير والمستأجر، وحافظت على الحقوق الإنسانية لكليهما؛ وتتبع تلك الخصال يقصر دونه المجال، وقد لخص جلها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ضربه لنا من الأمم السابقة لأمتنا حوى معاني الوفاء والالتزام وقيم الأدب والفضيلة من جانب المستأجر الذي يرعى حق الله فيما استُؤمن عليه؛ وذلك في خبر الرهط الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فتوسل كل منهم إلى الله بأرجى عمل عمله حتى جاء الدور على الثالث منهم فقال: "اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ بِهِ بَقَرًا وَرَعَيْتُهَا لَهُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي، وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَخُذْهُ فَهُوَ لَكَ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ تِلْكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيهَا، فَأَخَذَهَا وَذَهَبَ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرِجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ "، [رواه البخاري ].

    من كل ما مضى نستنبط أن المعاملة بين الأجير والمستأجر في الإسلام تقوم على أسس الفضيلة والعدل والإنصاف، ورغم أن العقد فيها نفعي يرتبط بالمصلحة التي يتحصل عليها كل طرف منهما باستيفاء حق العقد إلا أن السنة النبوية تربطها بمعاني المروءة وقيم الكرم حتى لا تنخدش نفس الأجير من استعلاء المستأجر عليه أو غمصه حقه ولا يبقى شيء في نفس المستأجر على الأجير من عدم استيفاء عمله الذي به يستحق الحقوق التي رتبها الشارع على عقد الاستئجار.
    اسلام ويب ( د. محفوظ ولد خيري )
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-10-2015, 02:44 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ﺃﻗﻮﻯ ﺍﻋﺘﺬﺍﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ .... {}{}{}
    ﺇﺟﺘﻤﻊ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺲ ...
    ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻌﻬﻢ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ...
    ﻓﺠﻠﺲ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ ..
    ﻭﺟﻠﺲ ﺍﺑﻦ ﻋﻮﻑ .. ﻭﺟﻠﺲ ﺑﻼﻝ ﻭﺟﻠﺲ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ ...
    ﻓﺘﻜﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﻣﺎ ..
    ﻓﺘﻜﻠﻢ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﺍﻗﺘﺮﺍﺡ:
    ﺃﻧﺎ ﺃﻗﺘﺮﺡ ﻓﻲﺍﻟﺠﻴﺶ ﺃﻥ ﻳﻔﻌﻞ ﺑﻪ ﻛﺬﺍ ﻭﻛﺬﺍ
    ﻗﺎﻝ ﺑﻼﻝ: ﻻ .. ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺡ ﺧﻄﺄ
    ﻓﻘﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ: ﺣﺘﻰ ﺃﻧﺖ ﻳﺎﺍﺑﻦ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﺀ ﺗﺨﻄﺌﻨﻲ؟!!!
    ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻼﻝ ﻣﺪﻫﻮﺷﺎً ﻏﻀﺒﺎﻥ ﺃﺳﻔﺎً ... ﻭﻗﺎﻝ :
    ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻷﺭﻓﻌﻨﻚ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ...
    ﻭﺃﻧﺪﻓﻊ ﻣﺎﺿﻴﺎً ﺇﻟﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ
    ﻭﺻﻞ ﺑﻼﻝ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ..
    ﻭﻗﺎﻝ : ﻳﺎﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ... ﺃﻣﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﺃﺑﺎ ﺫﺭ ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ؟
    ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ: ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻴﻚ ؟؟
    ﻗﺎﻝ ﺑﻼﻝ: ﻳﻘﻮﻝ ﻛﺬﺍ ﻭﻛﺬﺍ ...
    ﻓﺘﻐﻴﺮ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ..
    ﻭﺃﺗﻰ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ ﻭﻗﺪ ﺳﻤﻊ ﺍﻟﺨﺒﺮ .ﻓﺎﻧﺪﻓﻊ ﻣﺴﺮﻋﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ............ﻓﻘﺎﻝ : ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ
    ﺍﻟﻠﻪ ... ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﻛﺎﺗﻪ ..
    ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ:
    ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﺫﺭ ﺃﻋﻴﺮﺗﻪ ﺑﺄﻣﻪ ... ؟!!!
    ﺇﻧﻚ ﺍﻣﺮﺅ ﻓﻴﻚ ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ !!.
    ﻓﺒﻜﻰ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ .. ﻭﺃﺗﻰ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺟﻠﺲ ..
    ﻭﻗﺎﻝ ﻳﺎﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﺳﺘﻐﻔﺮ ﻟﻲ .. ﺳﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻲ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ..
    ﺛﻢ ﺧﺮﺝ ﺑﺎﻛﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ...
    ﻭﺃﻗﺒﻞ ﺑﻼﻝ ﻣﺎﺷﻴﺎً .. ﻓﻄﺮﺡ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ ﺭﺃﺳﻪ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺑﻼﻝ ﻭﻭﺿﻊ ﺧﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ .. ﻭﻗﺎﻝ :
    ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎﺑﻼﻝ ﻻ ﺍﺭﻓﻊ ﺧﺪﻱ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﺣﺘﻰ ﺗﻄﺄﻩ ﺑﺮﺟﻠﻚ
    ﺃﻧﺖ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺃﻧﺎ ﺍﻟﻤﻬﺎﻥ !!.... ـ
    ﻓﺄﺧﺬ ﺑﻼﻝ ﻳﺒﻜﻲ .. ﻭﺃﻗﺘﺮﺏ ﻭﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺨﺪ ﻭﻗﺎﻝ -:
    ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺍﻃﺄ ﻭﺟﻬﺎ ﺳﺠﺪ ﻟﻠﻪ ﺳﺠﺪﻩ ﻭﺍﺣﺪﻩ ﺛﻢ ﻗﺎﻣﺎ ﻭﺗﻌﺎﻧﻘﺎ ﻭﺗﺒﺎﻛﻴﺎ !!!...
    ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ !!!! ﺍﻟﻴﻮﻡ!!!
    ﺇﻥ ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻳﺴﻲﺀ ﻟﻠﺒﻌﺾ ﻋﺸﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺍﺕﻓﻼ ﻳﻘﻮﻝ : ﻋﻔﻮﺍ ﺃﺧﻲ .
    ﺇﻥ ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻳﺠﺮﺡ ﺑﻌﻀﺎ ﺟﺮﺣﺎ ﻋﻈﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﻋﻘﻴﺪﺗﻪ ﻭﻣﺒﺎﺩﺋﻪ ﻭﺃﻏﻠﻰ ﺷﻲﺀ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻪ، ﻓﻼ ﻳﻘﻮﻝ
    .. ﺳﺎﻣﺤﻨﻲ
    ﺇﻥ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻗﺪ ﻳﺘﻌﺪﻯ ﺑﻴﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺯﻣﻴﻠﻪ . ﻭﺃﺧﻴﻪ، ﻭﻳﺨﺠﻞ ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ: ﺁﺳﻒ ..
    ﺍﻹﻋﺘﺬﺍﺭ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺭﺍﻗﻴﺔ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺃﻧﻬﺎ ﺇﻫﺎﻧﺔ ﻟﻠﻨﻔﺲ .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-10-2015, 02:42 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ذكروا أن سليمان عليه السلام كان جالساً على شاطيء بحر , فبصر بنملة تحمل حبة قمح
    تذهب بها نحو البحر , فجعل سليمان عليه السلام ينظر إليها حتى بلغت الماء فإذا بضفدعة
    قد أخرجت رأسها من الماء ففتحت فمها , فدخلت النملة وغاصت الضفدعة في
    البحر ساعة طويلة وسليمان يتفكر في ذلك متعجباً. ثم أنها خرجت من الماء
    وفتحت فمها فخرجت النملة ولم يكن معها الحبة. فدعاها سليمان عليه السلام
    وسألها وشأنها وأين كانت ؟ فقالت : يا نبي الله إن في قعر البحر الذي تراه
    صخرة مجوفة وفي جوفها دودة عمياء وقد خلقها الله تعالى هنالك , فلا تقدرأن
    تخرج منها لطلب معاشها , وقد وكلني الله برزقها فأنا أحمل رزقها وسخرالله
    تعالى هذه الضفدعة لتحملني فلا يضرني الماء في فمها , وتضع فمها على ثقب
    الصخرة وأدخلها , ثم إذا أوصلت رزقها إليها وخرجت من ثقب الصخرة إلى
    فمها فتخرجني من البحر. فقال سليمان عليه السلام : وهل سمعت لها من
    تسبيحة ؟
    قالت نعم ,
    إنها تقول: (يا من لا تنساني في جوف هذه الصخرة تحت هذه اللجة، برزقك، لا تنس عبادك المؤمنين برحمتك).
    إن من لا ينسى دودة عمياء في جوف صخرة صمّاء، تحت مياه ظلماء، كيف ينسى الإنسان؟
    فعلى الإنسان أن لا يتكاسل عن طلب رزقه أو يتذمر من تأخر وصوله فالله الذي خلق الانسان
    أدرى بما هو أصلح لحاله وكفيل بأن يرزقه من عنده سبحانه.
    ( دع رساله مثل هذه تدور بين الناس وخذ أجرها ، لأن الدنيا فانية
    معلومة جعلتني أصلي قيام الليل ولو ركعة واحدة
    يقول الشيخ عمر عبدالكافـي البيوت التي يُصلّى فيها قيام الليل يشّع منها نور يراه أهل السماء ! وكما ننظر إلى السماء ليلاً لنرى نور النجوم تنظر الملائكة إلى الأرض لترى نور البيوت التي تنوّر بصلاة أهلها
    والأعجب من ذلك أن الملائكة إذا اعتادت على رؤية نور بيتك كل يوم ولم تُصل قيام الليل يوماً تسأل عنك لأنها رأت بيتك مُظلماً فيُقال لهم إنك لم تقم لأنك مريض أو مهموم أو غير ذلك فتبدأ الملائكة بالدعاء لك بالشفاء أو تفريج الهم والدعاء لك حسب حاجتك ؛ شوقاً لرؤية نور بيتك المضاء بسبت صلاتك
    وأخيراً إذا أعجبتك كلماتي فلا تقل شكـرًا بل انقلها لغيرك كي يستفيد .
    رحم الله من نقلها عني وجعلها بميزان حسنات
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-10-2015, 02:25 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ﺍﻟﻠَّﻬُﻢَّ ﺻَﻞِّ ﻭَﺳَﻠِّﻢْ ﻭَﺑَﺎﺭِﻙَ ﻋَﻠَﻰ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪٍ ﻋَﺪَﺩَ ﺍﻟﺘَّﺎﻟِﻴﻦَ ﻟِﻠْﻘُﺮْﺁﻥ *
    ﻭَﻋَﺪَﺩَ ﺣَﺴَﻨَﺎﺗِﻬِﻢْ ﻭَﻋُﻠُﻮﻣِﻬِﻢْ ﻭَﺑَﺮَﻛَﺎﺗِﻬِﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﺮِّ ﺍﻟﺰَّﻣَﺎﻥ *
    ﻭَﺿَﺎﻋِﻒْ ﻫَﺬِﻩِ ﺍﻟﺼَّﻠَﻮَﺍﺕ ﻳَﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻳَﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻳَﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺃَﺿْﻌَﺎﻓًﺎ ﻣُﻀَﺎﻋَﻔَﺔً ﻻ ﻳَﺤْﺼُﺮُﻫَﺎ ﺟَﻨَﺎﻥ *
    ﻭَﻻ ﻳُﺤِﻴﻂُ ﺑِﻬَﺎ ﻛَﺎﺋِﻦٌ ﺃَﻳًﺎ ﻛَﺎﻥ * ﺻَﻼﺓً ﻻ ﻳﺤْﺼُﺮُﻫَﺎ حد ﻭَﻻ ﻳَﺤُﺪُّﻫَﺎ ﺑَﻴَﺎﻥ*
    ﺻَﻼﺓً ﺗَﺘَﻮَﺍﻟَﻰ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻣِﻦْ ﺑَﺪْﺀِ ﺍﻟْﺒَﺪْﺀِ ﺇِﻟَﻰ ﻣَﺎ ﻻ ﻧِﻬَﺎﻳَﺔَ ﻟِﻜَﻤَﺎﻝِ ﺍﻟﻠﻪِ ﺍﻟْﺤَﻨَّﺎﻥِ ﺍﻟْﻤَﻨَّﺎﻥ *
    ﻭَﺍﺟْﻌَﻠْﻨَﺎ ﺑِﻬَﺎ ﻣِﻦْ ﺃَﻫْﻞِ ﺍﻟْﻘُﺮْﺁﻥ * ﺍﻟْﻤَﺨْﺼُﻮﺻِﻴﻦَ ﺑِﺄَﻫْﻠِﻴَّﺔِ ﺍﻟﺮَّﺣْﻤَﻦ *
    ﻧَﺤْﻴَﺎ ﺑِﻪِ ﻭَﻧَﻤُﻮﺕُ ﺑِﻪِ ﻭَﻧَﻠْﻘَﺎﻙَ ﺑِﻪِ ﻭَﻧَﺮْﻗَﻰ ﺑِﻪِ ﺍﻟﺪَّﺭَﺟَﺎﺕِ ﺍﻟْﻌُﻠَﻰ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺠِﻨَﺎﻥ *
    ﻣُﺘَﻤَﺘِّﻌِﻴﻦَ ﺑِﺠِﻮَﺍﺭِ ﺳَﻴِّﺪِ ﺍﻷَﻛْﻮَﺍﻥ * ﻭَﺁﻟِﻪِ ﺷُﻤُﻮﺱِ ﺍﻟْﻌِﺮْﻓَﺎﻥ * ﻭَﺃَﺻْﺤَﺎﺑِﻪِ ﺍﻷَﺋِﻤَّﺔِ ﺍﻷَﻋْﻴَﺎﻥ *
    ﻭَﺃَﺣْﺒَﺎﺑِﻪِ ﻓِﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﻜَﺎﻥ * ﻭَﺍﺟْﻌَﻞ ﺛَﻮَﺍﺏَ ﺫَﻟِﻚَ ﻓِﻲﺻَﺤِﻴﻔَﺔِ ﺍﻟْﻤُﺼْﻄَﻔَﻰ ﺻَﻠَّﻰ ﺍﻟﻠﻪُ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻭَﺁﻟِﻪِ ﻭَﺳَﻠَّﻢَ
    ﺁﻣِﻴﻦ ﺁﻣِﻴﻦ ﺁﻣِﻴﻦ.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-10-2015, 03:09 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    قبل عشرين سنة ألقيتُ محاضرة عنوانها: (الإغراق في الجزئيات)، وكانت في مسجد الصديق الدائم عبدالوهاب الطريري (جامع الملك عبدالعزيز بالعليا)، وهو الذي تولَّى تقديمها، وطُبعت فيما بعد في كتيب صغير..
    أحد المتابعين الأفاضل أُعجب بفكرة المحاضرة، ولكنه لم يتقبَّل الأمثلة التي ضربتها للجزئيات، وخشي أن يكون السياق سبباً للتقليل من شأنها أو التهاون بها!
    يا صديقي.. {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (4 الأحزاب)، وإذا ازدحمت قلوبنا بالفرعيات؛ جدلاً، واستدلالاً، وترجيحاً، ومناظرةً، وتقريراً.. فأين سيكون نصيب قضية الإلوهية، وهي لُبّ الدين، وأساس الإيمان، وجوهر التوحيد في قلب المكلَّف؟
    يا صديقي.. أليس نقرأ في كتاب الله هذا النص المحكم: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(13 الشورى)؟
    ما هو الأمر الذي تواطأ عليه هؤلاء الأنبياء وإخوانهم وأجمعوا على الوصية به ونشره دون اختلاف ولا تَفرُّق؟
    أليس هو الدين الجامع في معرفة الله وحبه وتعظيمه وعبادته، ونبذ الآلهة والمعبودات التى تُعبد من دونه؟
    أليس هو إخبات القلوب لبارئها، وذلها له، وقربها منه، وتسليمها لأمره، وانقيادها لطاعته؛ محبةً ورضاً ورجاءً لفضله، ومخافةً من أخذه وعقابه؟
    أليس يقول تعالى بعد تلك الآية في آية جامعة ذات فقرات عشر:
    {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (15 الشورى)
    نص يتضمن: الدعوة إلى الأصول المحكمة الجامعة، واستقامة الدَّاعي عليها في ذات نفسه، واجتناب أهواء المشركين والكافرين، والإيمان بالكتب السماوية وما تحويه من الحقائق والأخبار والأحكام، والعدل بين الناس، وتقرير الربوبية، ومسؤولية الإنسان عن عمله فلا تزر وازرة وزر أخرى، وقطع الجدال حين يتحول إلى مماحكة وعناد وصدود عن الحق، والإقرار بالبعث وجمع الناس ليومٍ لاريب فيه، وأن الحكم فيه لله الواحد الأحد الصمد..
    هذه الأصول أساس يجب السعي لتوصيلها إلى كل المكلَّفين وغرسها في قلوبهم، وإحياء معانيها بشتى الوسائل والأسباب والمناسبات حتى لا يجهلوها ولا يغفلوا عنها ولا ينسوها.. وحتى تؤثر في نفوسهم فتحملهم على فعل الخير وترك الشر، وعلى أن يعلِّموها لأهلهم وأبنائهم، ومن تصلهم دعوتهم.
    ومما يترتب عليها أن يعرف المكلَّف تفصيلات ما يحتاجه في حياته العملية بقدر وسعه، ولا يلزم أن يكون فقيهاً عارفاً بالأقوال، والمذاهب، والاستنباطات، وأوجه الترجيح.. فإن الجاهل يسأل العالم.
    وربما وقع أن يكون التأليف في مسألة فرعية عبر القرون والأجيال يبلغ مئات الكتب، وأن تدبَّج فيها الخطب والمقالات بأكثر من التأليف في جوهر الإيمان والوحدانية وتعظيم الرب وتزكية النفس..
    وكثيراً ما يقع التباعد وتتسع الهوة بين صالحين بسبب تعظيم مسألة جزئية فرعية وقع الخلف فيها بين الصحابة فمن بعدهم؛ كمسألة زكاة الحلي، أو إفطار الصائم بالحجامة، أو موضع اليدين في الصلاة أثناء القيام، أو حكم طواف الوداع للمعتمر..
    وقد يقع لمبتدئ أن يغلظ ويشدد على مخالفيه ويتوعّدهم بالعذاب؛ لأنهم اختاروا غير رأيه أو قلَّدوا عالماً غير الذي يتبع.
    وليس المقصود إغلاق باب البحث في المسائل، وليس هذا بمطلوب ولا هو في الإمكان، لكن إعطاء الأشياء قدرها واعتدالها و{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (3 الطلاق).
    والاشتغال بالمسائل الأصلية والأصولية يجب أن يكون أعظم وأجلّ؛ لأنه يورث خشية الله ومحبته ورجاءه، وإذا رُزق المؤمن هذا فحريٌّ به أن يتحرَّى الصواب والحق في فروع المسائل، وأن يدقق فيمن يتبعه، وأن يحتاط لدينه وعرضه عند التردد والاشتباه.
    أما إذا ضعفت حرارة الإيمان في القلب فيُخشى على طالب علم مبتدئ من الوعيد المرويِّ عن رسول الله: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ »، والحديث رواه الترمذي، وفيه ضعْف، وله شواهد يتقوَّى بها.
    أليس من الأجدر أن يكون للإيمان والتعريف بالله العظيم حظ وافر من دروسنا العلمية ومجالسنا الوعظية وكتاباتنا ودوراتنا وجهودنا، وأن نعيد ونبدئ في أبواب التوكل على الله والحب والخوف والرجاء؟
    وأن يكون تقرير ذلك منتزعاً من الكتاب العزيز، ومتأسِّياً بالطريقة الربانية في تقرير الإيمان ومخاطبة العقول والقلوب؛ بعيداً عن المماحكات والمعاندات التي تحرم القلب من التأثر والانفعال بالحق والوحي، مع الانتفاع مما سطَّره الأئمة المعتنون؛ كأكابر المفسرين، وكابن تيمية، وابن القيم، والغزالي، والمقدسي، ومن سبقهم.. بعد تنقيته، وتسهيله، وتقريبه للمتلقين حتى تلين له قلوبهم وتخشع {لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (16 الحديد).
    ومن باب أولى فإن من المذموم الانشغال بفرعيات الحياة وجزئياتها في السياسة أو الرياضة أو الأدب أو المجريات اليومية العادية عما هو أهم وأولى من التحقق بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وتمجيده، وتعظيمه، وذكره، وشكره جل وعز.
    وإنني أقول هذا وأعلم أنني فيه شديد التقصير، ولعل هذه الموعظة تكون درساً لي قبل غيري، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
    وأسال الله لي ولأحبتي أن يفتح على قلوبنا من لدنه فتحاً حسناً، وأن يرزقنا التأسِّي بالأنبياء، وأن يمنحنا فهم كتابه، والإيمان الصادق بمجمله، وتفصيله، ومحكمه، ومتشابهه.. وهو الفتَّاح العليم.
    د. سلمان بن فهد العودة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-10-2015, 10:54 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    قال الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "[ لقمان:
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2015, 02:00 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من أشد الغبن وأجهل الجهل أن يهتم المرء بالفاني على حساب الباقي، وبالترحال عن الحل، وبالزوال عن الخلد .. والدنيا جبلت على الفناء، .. فما حلوها صاف، وما نعيمها خال، بل لابد من المنغصات، ولا مفر من العقبات والكبوات.
    هذا وليس المقصود من أحاديث ذم الدنيا أن نُعقّد على الناس أمورهم ومعايشهم، حتى ترى الرجل الذي منّ الله عليه بشيء من متاع الدنيا وبسطة الرزق يجلس في مثل هذه المحاضرات مكسوف البال، مطأطئ الرأس، وكأنه المقصود بالكلام، أو كأنه ارتكب جرما يستحي منه .. وهذا تقدير فاحش وفهم قاصر، فما ذكر أهل الفضل مناقص الدنيا إلا للاعتبار، وتذكرة لمن كان بها منهمكا، وفي هواها منغمسا، ولحبها شغوفا ولآخرته عبوسا، وكأن له مع الخلد في حطامها موعدا ولفراقها مجانبا.

    وما زال النجباء يزرعون ويتاجرون ويعمرون، وفي كل مضمار خير لهم سبق، وفي كل بر لهم يد، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، لكن معقد القضية وملخص الأمر أن أهل الصلاح جعلوا الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم وشتان بين الفريقين.
    وحول هذا المعنى يقول يونس بن ميسرة الجيلاني: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد اللّه تعالى أوثق منك بما في يديك، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون ذامّك ومادحك في الحقّ سواء".

    هذه هي حقيقة الدنيا .. إقبال وإدبار، فرح وحزن, شدة ورخاء, سقم وعافية، إلا أن الله تعالى لطيف بعباده، رحيم بخلقه، فتح لهم باباً يتنفسون منه الرحمة، وتنزل منه على قلوبهم السكينة والطمأنينة، ألا وهو: الأنس به والتعلق بجنابه جل وعلا .. فلا يزال المؤمن بخير ما تعلق قلبه بربه ومولاه.. {وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ} [العنكبوت/64] أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ: {لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ} [البلد/4].
    قال بعض السلف: "الدنيا دنيئة، وأدنى منها قلب من يحبّها".
    وروي عن عليّ رضي اللّه عنه: "الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مزاحمة الكلاب".
    ويقول أبو العلاء المعري: "الدنيا إذا أقبلت بلت، وإذا أدبرت برت، وإذا حلت أوحلت، وإذا جلت أوجلت، وكم من ملك رفعت له علامات، فلما علا مات".
    وإنما تهلك الدنيا صاحبها كمدا وغما لأنها إذا أقبلت عليه خلعوا عليه مِن صفات الكمال ما ليس فِيه أصلا، فإذا أدبرت عنه الدنيا لا يسأل عنه سائل.

    يقول الأديب إبراهيم عبد القادر المازني: "قد أعرف لماذا أقرأ، وما يستهويني من الكتب ويُغريني بالاطلاع، فإنَّ أقلَّ ما في ذلك أنه نقلة إلى عالم غير دنيانا الحافلة بالمنغِّصات المائجة بالمتعبات، ولكني والله لا أدري لماذا أكتب؟ ولست أراني أفدت شيئًا، ولا لي أملٌ في شيء، وأحسبَنِي بين الكتَّاب الوحيد الذي يعيش بلا أمل جاد أو طمع مستحث؛ بل لعلِّي الكاتب الوحيد الذي يعتقد أنَّ الدنيا لا تخسر شيئًا - وقد تكسب - إذا خلتْ رقعتها من الأدباء والشعراء، واعتقادي هذا فرع من أصل أعمَّ وأشْمل، هو أنَّ الدنيا لا تنقص إذا قضت الحياة نفسُها نَحبها، فلا إنسان، ولا حياة، ولا نبات، وقد تغير زمن كنت فيه مجنونًا كشيللي [تأتي بمعنى سخرية لعدم فهم الشيء أو عدم الاستطاعة على فعله]، فالآن صار جنوني بهوان الحياة وغرور الإنسان، وعبث العيش كله، وما لقيتُ نعماءَ أو أصابَنِي ضرَّاء إلا قلت كما قال سليمان بن داود: (باطل الأباطيل، الكل باطل)؛ حتَّى لقد هممت أن أسمِّي كتابًا لي: (باطل الأباطيل)، كما سميت آخر (قبض الريح)، وثالثًا (حصاد الهشيم)، فليس إيثاري لهذه الأسماء عن تواضع كما توهم البعض، بل عن نُزُوع إلى الاستخفاف حتى بالنفس، وعن شعور قوي بمرارة الهوان الذي أجده لهذه الحياة وكل مظاهرها".

    يقول الشيخ عائض القرني: "إذا كانت الحياة في البساط والسياط والسلطة والسطوة، فأين أصحابها بعد موتهم {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم:98]؟ .. عاصر الشافعي خمسة ملوك، عاشوا أغنياء وهو فقير، هم في حشمٍ وخدم وهو في غربة وعزلة، بقي وذهبوا، ذكر ونسوا، عاش وماتوا؛ لأنه أمات الدنيا في حياته، وأحيا الآخرة قبل وفاته، وهم أشربوا في قلوبهم عجل العاجلة، وأخروا في بطاقة أعمالهم الآخرة، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف".

    وفي مقدمة كتاب ذم الدنيا من (إحياء علوم) الدين كتب أبو حامد الغزالي يقول: "الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها، حتى نظروا في شواهدها وآياتها، ووزنوا بحسناتها سيئاتها، فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها، ولا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها، ثم هي فرارة عن طلابها شحيحة بإقبالها، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها، إن أحسنت ساعة أساءت سنة، وإن أساءت مرة جعلتها سُنّة، فدوائر إقبالها على التقارب دائرة، وتجارة بنيها خاسرة بائرة، وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة، ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة، فكل مغرور بها إلى الذل مصيره، وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره، شأنها الهرب من طالبها، والطلب لهاربها، ومن خدمها فاتته، ومن أعرض عنها واتته، لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات، ولا ينفك سرورها عن المنغصات، سلامتها تعقب السقم، وشبابها يسوق إلى الهرم، ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم، فهي خداعة مكارة طيارة فرارة، لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها، وشوشت عليهم مناظم أسبابها، وكشفت لهم عن مكنون عجائبها، فأذاقتهم قواتل سمامها، ورشقتهم بصوائب سهامها، بينما أصحابها منها في سرور وإنعام، إذ ولت عنهم كأنها أضغاث أحلام، ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد، ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد، إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس، تُمنى أصحابها سرورا، وتعدهم غرورا، حتى يأملون كثيرا ويبنون قصورا، فتصبح قصورهم قبورا، وجمعهم بورا، وسعيهم هباء منثورا، ودعاؤهم ثبورا، هذه صفتها، وكان أمر الله قدرا مقدورا".

    ويقول أيضا: "إن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة ولهم علامات: فمنها أن لا يطلب الدنيا بعلمه، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادتان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ، فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر".

    وقال بعض الحكماء: "انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، ولا تتأملها تأمل العاشق الْوَامِقِ بها".
    وسئل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن الدنيا فقال: "تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ".
    وسأل بعض خلفاء بني العباس جليسا له عن الدنيا فقال: "إذا أقبلت أدبرت".
    وقال عمرو بن عبيد: "الدنيا أمد والآخرة أبد".
    وقال أَنُوشِرْوَانَ: "إن أحببت أن لا تغتم فلا تقتن ما به تهتم".

    ولما قتل بَزَرْجَمْهَرُ وجد في جيب قميصه رقعة فيها مكتوب: "إذا لم يكن جد ففيم الكد، وإن لم يكن للأمر دوام ففيم السرور، وإذا لم يرد الله دوام ملك ففيم الحيلة".
    وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: "إن الدنيا ليست بدار قراركم، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها الظعن عنها، فكم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، إنما الدنيا كفيء ظلال، قلص فذهب، بينا ابن آدم في الدنيا ينافس وهو قرير العين إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه آثاره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه .. إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، إنها تسر قليلا وتحزن طويلا".
    د/ خالد سعد النجار
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2015, 02:08 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    اشتهر اليابانيون منذ قديم الزمان بحبهم الشديد للسمك الطازج. لكن الأسماك لم تكن تعيش في المساحات القريبة من الجزر اليابانية بكميات كبيرة. لذلك كان على صيادي السمك الدخول لعمق البحر مما تطلب وجود قوارب أكبر. وكلما زادت المسافة التي يقطعها الصيادون في عرض البحر، كلما تأخرت عودتهم إلى الشاطئ مرة أخرى. الأمر الذي يعني أن السمك الذي اصطادوه لم يعد طازجاً كما يحبه اليابانيون.
    ولحل المشكلة قام الصيادون بتركيب ثلاجات كبيرة على ظهر المراكب لكي يحفظوا فيها الأسماك لحين عودتهم إلى الشاطئ. إلا أن ذلك لم يحل المشكلة لأن السمك يأتي مثلجاً والزبائن يفرقون جيداً بين الطازج والمثلج.
    لذلك قرر أحد الصيادين أن يضع خزاناً مملوءا بالماء فوق القارب بحيث يتم اصطياد السمك ووضعه في الخزان لكي يظل حياً إلى أن يصل إلى الشاطئ. إلا أن الخزانات كانت صغيرة وكانت الأسماك تبقى حبيسة دون حراك طوال رحلة الصيد الطويلة. وبالتالي أصيبت الأسماك بالكسل وربما الشلل، وعندما تصل إلى الشاطئ يشعر المشترون أنه سمك ميت فلا يقبلون عليه.
    اضطر الصيادون اليابانيون إلى وضع سمك قرش صغير في هذه الخزانات، فلا يؤذي الأسماك، ولكنه كان يبعث الرعب فيها فتظل متحفزة دائمة الحركة طوال الرحلة إلى أن تصل إلى الشاطئ.
    وبهذا نجح اليابانيون في الحصول على سمك طازج وبيعه لمحبي السمك الطازج.
    إن طموحات الإنسان وأحلامه هي ما تدفعه للمستقبل بكامل طاقته، تماماً كما تفعل أسماك القرش بالأسماك الأخرى. فينبغي على العاقل اللبيب ألا يقنع بما عليه حاله، بل ينزع دائما إلى معالي الأمور، ويعمل على تغيير وضعه إلى ما هو أرقى وأسمى وأنفع، وكلما نال مرتبة نظر إلى ما فوقها في غير ركون إلى الدنيا أو مخالفة لشرع ربه.
    وإذا كان الأمر كذلك فإنه لن تكون له غاية دون الجنة .. قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: " إن لي نفسًا تواقة [تشتاق إلى الشيء] لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نالتها تاقت إلى الخلافة، فلما نالتها تاقت إلى الجنة، وأرجو أن أنالها".
    وهذا هو الطموح الصادق، وحقيقته: أن تتطلع النفس إلى ما هو أكمل وأحسن وأسمى. وقد كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يدل الأمة دائمًا على طلب المعالي والتنزه عن الدنايا، فيقول –صلى الله عليه وسلم-: " إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها " [رواه الطبراني]. وما أكثر ما يوصي –صلى الله عليه وسلم-المسلم بالحرص على ما ينفعه والاستعاذة من العجز والكسل.
    بين الطموح وعلو الهمة
    مما لا شك فيه أن الطموح وعلو الهمة يشتركان في هدف طلب معالي الأمور، غير أنهما يختلفان في الباعث والوسيلة، فالباعث في علو الهمة قد يكون الأنفة من خمول الضعة، أو دفع مهانة النقص، أما الباعث على الطموح فهو نزوع النفس دائمًا نحو الأعلى، وأما من حيث الوسيلة فإن علو الهمة لا يسلك بصاحبه إلا الدروب الشريفة الموافقة لشرع رب العالمين، بينما نجد أن الطموح قد يجنح بصاحبه إلى الغلو والإسراف في استخدام الوسائل.
    والذي لا شك فيه أيضًا أن صاحب الطموح إن لم يبذل جهده للوصول إلى غايته، تبقى دوافعه مجرد أماني، لكن الشخص الطَّمُوح حقًا هو الذي يسعى لنيل ما يريد، بل ويُتعب نفسه في هذا:
    وإذا كانت النفوس كبارًا......تعبت في مرادها الأجسامُ
    الطموح محفوف بالمكاره
    الطموح خصلة نفسية لا يملكها إلا ذو العزيمة الصلبة والإرادة القوية والصبر المستميت على كل الأمور، فمعالي الأمور دائما وعرة المسالك محفوفة بالمكاره؛ ولهذا قال معاوية لعمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: "من طلب عظيمًا خاطر بعظيمته". وكان عمرو بن العاص يقول: "عليكم بكل أمرٍ مَزْلَقَةٍ مَهْلَكَةٍ " يعني عليكم بجسام الأمور وعظيمها.
    إن الإنسان يملك طاقات كبيرة وقوى خفية يحتاج أن يزيل عنها غبار التقصير والكسل .. فأنت أقدر مما تتصور، وأقوى مما تتخيل، وأذكى بكثير مما تعتقد .. اشطب كل الكلمات السلبية عن نفسك مثل: " لا أستطيع، لا أحسن " وردّد باستمرار: " أنا أستحق الأفضل، أنا مبدع، أنا ممتاز، أنا أقدر".
    أنبل أنواع الطموح
    أنبل أنواع الطموح هو ذلك الذي تتعدى أهدافه الفرد لتصل إلى المجموع، إذ تتجسد من خلاله أروع صور نكران الذات والذوبان في الآخر، وهذا الصنف من الطموح له مظاهر عدة، فعلى الصعيد الأسري نجد طموح الوالدين فيما يتعلق بمستقبل أطفالهما، وعلى الصعيد الاجتماعي يتجلى هذا الطموح من خلال ميل الجماعات والأمم لحفظ تراثها وتاريخها باسم المجموع لا الفرد، ولعل الكثير من الحكم والأشعار التي تزخر بها أغلب الثقافات الإنسانية تصلح أن تكون مثالا على ذلك، فأغلبها ليس لها مؤلف تعرف به، بل شعب تدل على وجوده !
    كلمات في الطموح
    • قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم: 7].
    • " لولا سعي الإنسان للكمال لاستحال دودة " [هنري ميلر _ كاتب أمريكي].
    • " ليس المرء بما يفعله، لكن بما قد يفعله " [ روبرت براونيغ _ شاعر بريطاني ].
    • " إن شئت الارتقاء في هذا العالم فعليك تعزيز حسناتك .. تحريكها وضبطها .. عليك نفخ البوق باسمك، وإلا خذها مني: لا فرصة لديك " [ دبليو إس جلبرت _ كاتب مسرحي ].
    • " إنك طموح .. وهو أمر ينفع أكثر مما يضر، طالما بقي في حدوده المعقولة " [ إبراهم لينكون _ الرئيس الأمريكي السادس عشر ].
    • " الطموح يا سيدتي، جنون العظماء " [ جون ويستر _ كاتب مسرحي بريطاني ].
    • " بمجرد أن تقنع بالدرجة الثانية، فستبقى كذلك طيلة حياتك " [ جون كينيدي _ الرئيس الأمريكي الثالث والخمسون ].
    • " الطموح حجة واهية لعدم قدرتك على أن تكون كسولا " [ تشارلي ماك كارثي _ خبير أمريكي في فنون القتال ].
    • " ثمة دوما مكان في القمة " [ دانيال ويستر _ سياسي أمريكي ].
    • " الإنسان هو المخلوق الوحيد على هذه الأرض الذي يسعى إلى التفوق على ذاته، والوحيد الذي يحن إلى المستحيل " [إيريك هوفر _ كاتب اجتماعي أمريكي].
    • " الشخـص الذي يتحـدث بأهدافه ويدونها يحقق نسبـة عالية منها بعون الله ".
    • " حيـن نجعـل أهدافنا سامية: تكـون همتنا عالية، وأمانينا غالية، ونستثمر كل دقيقة وثانية ".
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2015, 08:52 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الشيشة .. جليس السوء
    تعالت صيحات التحذيرات من مخاطر تدخين «الشيشة» مؤخرا، ويصف المراقبون تفشيها في العالم بأنه «وباء حقيقي»!! وقد أظهر المسح العالمي لاستخدام التبغ بين الشباب الذي يغطي الحقبة 1999-2008م ويشمل نصف مليون مشارك حول العالم، أن تدخين السجائر قد استقرّت نسبته أو تراجعت، ولكن أنواعاً أخرى من التدخين آخذة في الانتشار وأهمها تدخين الشيشة.

    ويعتبر الشرق الأوسط واحدا من المناطق الأكثر استهلاكا للتبغ في العالم .. وبحسب أطلس التبغ، فقد شهد العقد الأخير زيادة لافتة في عدد المدخنين بدول الشرق الأوسط، وشكلت فئة الفتيان نسبة تقترب من 15 % والفتيات نسبة 9 % من إجمالي عدد المدخنين.

    وتشير الدراسات المسحية الحالية إلى حقائق مقلقة، إذ تُظهر دراسة من العام 2011م في لبنان أن ما يقرب من 35% من الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين 13-15عاماً يدخّنون الشيشة بانتظام، التي قد تختلف تسمياتها (أرجيلة ونارجيلة). وبالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقارب60% من المراهقين من الفئة العمرية ذاتها جرَّبوا تدخينها مرة واحدة على الأقل في تلك السنة.

    أما في الأردن فقد ارتفعت نسبة تدخين الشيشة بين المراهقين بمقدار 72% بين الفتيان، 36% بين الفتيات، ما بين العامين 2008 -2011م، بحسب دراسة نُشرت في العام 2013م في المجلة الأوروبية للصحة العامة.

    وقال البروفسور (توماس أيسنبرج) الأستاذ المشارك في دائرة علم النفس في كلية الإنسانيات والعلوم ومدير مركز دراسة المنتجات التبغية في جامعة فرجينيا كومونولت: "إن تدخين الشيشة شعبي جداً في العالم العربي. وأردنا أن نُصدر الملحق للفت النظر خلال «المؤتمر العالمي حول التبغ أو الصحة» إلى أن هذا النوع قد انتشر بشكل بتنا نعرف أنه خطير".

    وكشفت بعض الأوراق البحثية أن ستة ملايين شخص في العالم يموتون سنويا بسبب التدخين، وهو رقم يفوق إلى حدٍّ بعيد أعداد ضحايا الكوارث الطبيعية، وحتى الأوبئة الفيروسية والجرثومية.

    فروق خطيرة
    نعم التدخين كله شر لا فرق بين السجائر أو الشيشة أو غيرها من وسائل التدخين، كما أن الموضوع ليس دعوة لاستبدال الشيشة بالسجائر، لكنه نوع من تجلية الحقائق وإيضاح المضار المترتبة من الشيشة والتي تفوق مخاطر السجائر، ورغم أن معسل الشيشة هو نفسه تبغ السجائر الحنتوي على النيكوتين والقطران وأول أكسيد الكربون والمعادن الثقيلة مثل الزرنيخ والرصاص وإلا أنها تتفوق عليها ضررا من وجوه كثيرة:
    - كل «نفس» شيشة يوازي تدخين سيجارة واحدة. كما أوضحت منظمة الصحة العالمية أنّ جلسة واحدة من تدخين الشيشة قد تساوي تدخين من 20 - 30 سيجارة.

    - تدخين دورة واحدة من الشيشة يطلق ما معدله أربعة أضعاف المادة المسرطنة (PAH)، وأربعة أضعاف الألدهايد الطيار، وثلاثين ضعف أول أكسيد الكربون ما تطلقه سيجارة واحدة. كما أظهرت دراسات أن تدخين ساعة من كاملة من الشيشة يطلق في الجو المحيط من المواد المسرطنة والسامة ما تطلقه 10-20 سيجارة. أي أن تأثير التدخين السلبي الناتج عن تدخين الشيشة قد يفوق في خطره تدخين السجائر.

    - تدخين الشيشة لمرة واحدة لمدة 45 دقيقة له أثرا سلبيا على وظائف الرئة. وارتفاع حاد بنسبة غاز أول أكسيد الكربون السام من 307 جزء في المليون إلى 24.2 جزء في المليون.

    - تدخين الشيشة لمدة ساعة يعرض المدخنين لمستويات كبيرة جداً من الدخان تقدر بنحو 100 -200 ضعف من كمية دخان السجائر. لأن قارورة الشيشة الزجاجية يتجمع بها قدرا كبيرا من الدخان مما يجعل المدخن كما لو أنه يتنشق علبة سجائر كاملة أو أكثر في وقت واحد.

    - أثناء تدخين الشيشة يميل المدخنون إلى إطالة زمن سحب الدخان مما يزيد من تشبع الرئة به وارتفاع نسبة الخطورة منه بالمقارنة بالضرر الناجم من تدخين السجائر (100 ضعف السموم الموجودة بالسجائر العادية) حيث يحتوي دخان الشيشة على أكثر من أربعة آلاف مادّة ضارّة أهمها: النيكوتين، والمعادن الثقيلة، وأوّل أكسيد الكربون والقطران وغيرها من المواد السامّة.

    - الدخان المنبعث من الشيشة يحتوى على مستويات قاتلة من اليورانيوم والرصاص، وهى من العناصر السامة التي ترفع فرص الإصابة بأمراض القلب والسرطانات على المدى البعيد، وخاصة ًسرطان الرأس والعنق. جدير بالذكر أن مستويات اليورانيوم بالدم جراء تدخين الشيشة تصل إلى حدود خطيرة للغاية، تقدر بنحو 26 ضعف المستويات الموصى بها.

    - توصى منظمة الصحة العالمية "WHO" وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية "FDA" بألا يزيد الحد الأقصى من اليورانيوم داخل مياه الشرب التي يتناولها الإنسان عن 30 ميكروجرام بكل لتر "30 جزءا في المليون"، بينما كشفت النتائج المخبرية أن مستوياته في دخان الشيشة بلغ حوالي 800 جزء من المليون، وهو ما يعد أمراً خطيراً للغاية.

    - من السموم الإضافية في دخان الشيشة (الهيدروكربون الاروماتي البوليسكلي) وهي مادة لا توجد في دخان السجائر وهي أحد المواد المسرطنة الفتاكة، حيث وجد أن 85 - 90 % من مرضى سرطان الرئة هم من المدخنين للمعسل.

    - تدخين الشيشة يؤدي إلى ارتفاع مستوى النيكوتين والكوتينين في بلازما الدم واللعاب وكذلك في البول وبالتالي فهو يؤثر على أنسجة الفم واللثة، ويسبب سرطان الشفاه لأن الاحتراق يؤدي إلى تقرحات شديدة تصيب النسيج الحرشفي للشفة السفلية فيتغير لونها وتتورم.

    - التبغ المستعمل في تحضير المعسل يحتوي على نسبة كبيرة من المبيد الكيماوي السام (دي تي تي) بنسبة مرتفعة، بل هنالك أكثر من 140 ملجم من المعادن الثقيلة وكمية كبيرة من السموم في كل كيلو جرام من التبغ .

    - الخرطوم الذي يستخدمه المدخن في السحب عند تدخين الشيشة والصمام الذي يطرد منه الدخان الزائد هما مصدر الخطورة الأكبر في الشيشة، ففيهما تنتقل ملايين الميكروبات من مدخن إلى أخر حتى أصبحت الشيشة أهم ناقل للعدوى الميكروبية بين أوساط المدخنين وخاصة مرض الدرن (30-40% من أنابيب الشيشة تحتوي على العصيّات المسبّبة للسلّ الرئويّ)، وبكتيريا الهليكوبكتر التي تسبب قرحة المعدة، ومسببات التهاب الكبد الوبائي (ب).

    - المعسل المنكه بالتفاح -وغيره من أنواع المنكهات- ليس أقل ضررا كما يعتقد البعض، حيث كشفت البحوث أن خطر المواد السرطانية في حالة الشيشة بالنكهات يتضاعف. كما أن الرائحة المميزة لدخان شيشة التفاح يعطى انطباع باللذة والمتعة مع إحساس بأنها أكثر قبولا لدى الجالسين في مجلس تدخين الشيشة حتى ولو كانوا من غير المدخنين، وهذا من شأنه أن يزيد النهم للتدخين ويزيد الطين بلة بالنسبة لنعمة الصحة.

    - لا يفوتنا أن نذكر أضرار أوراق الألومونيوم التي تتفاعل مع الفحم الساخن لتنتج في نهاية المطاف المواد المسرطنة. بالإضافة إلى أن المواد المستخدَمة لإشعال التبغ، مثل الخشب سريع الاحتـراق أو الفحم الخطيرةً على صحة الإنسان، بسبب المواد السامّة الّتي تنبعث منها.

    - يعتقد بعض مدخني الشيشة أنها لا تسبب الإدمان لأن النيكوتين يمتص في المياه المستخدمة في الشيشة .. ولكن هذا الأمر غير صحيح, حيث أن المياه تمتص بعضاً من النيكوتين فقط. بالإضافة إلى أن الماء لا يفلتر المواد السامة والمسرطنة التي يحتويها تبغ الشيشة.

    - مادة النيكوتين في الشيشة لها تأثير على الأوعية الدموية، وتجعلها تتقلص وهذا يؤدي إلى شحوبة الوجه ويجعل وجه المرأة رمادياً، كما إنه يسبب تجاعيد مبكرة ويؤثر على الشعر والأظافر، إضافة إلى اصفرار الأسنان، والشيشة لها تأثير على الدورة الشهرية وتقلل من خصوبة المرأة وتسبب العقم أحياناً، والمرأة الحامل يسبب تدخين الشيشة لها نقصاً في نمو الجنين وصعوبة في تنفسه، إضافة إلى الإجهاد المتكرر لها.
    اسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-11-2015, 10:24 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الاسم الأعظم (الله)
    ورد هذا الاسم الأعظم في الآية الأولى والثانية من (الفاتحة)، وتكرر في القرآن الكريم في (2707) من المرات، منها 980 مرة في حالة الرفع، و592 مرة في حالة النصب، و1135 في حالة الجر فلنتعرف إلى مكامن الجمال والجلال والكمال في هذه الكلمة المباركة:

    هل هذه الكلمة المعظمة (الله) مشتقة؟

    الجواب: قيل: إن هذه الكلمة المعظمة (الله) مشتقة من (إله) بمعنى معبود، دخلت عليه (أل)، ثم حذفت همزته لكثرة استعمال هذا اللفظ عند الدلالة عليه تعالى كما حذفوا همزة الأناس فقالوا الناس، ولذلك أظهروها في بعض الكلام. قال البعِيث بن حريث:

    معاذ الإِله أن تــكـــون كظبـــيـــــة .... ولا دمــــيـــةٍ ولا عـــقـــيــلة ربــــرب
    ولكـنها زدت علـى الحـسـن كـــله .... كمالا، ومن طـيب علــى كــل طـــيب

    وبعد حذف الهمزة أدغم اللامان فصارت الكلمة (الله)

    كلمة (الله) ولو كان لها أصل اشتقاقي فهي عَلَمُ الأعلام:

    ولذا قال الإمام الشافعي: (الله) اسم علم لا اشتقاق له، يُنادى به الله سبحانه وتعالى، فهو الإله الحق، وينطق باللام المفخمة ما لم تسبقه الكسرة أو الياء، ويذكر عادة مقرونا بألفاظ تدلّ على الإجلال.

    تعريف الاسم العظيم (الله)، واحتواء الاسم المبارك على دليل الوحدانية:

    يعرف العلماء هذا الاسم العظيم (الله): بأنه عَلَمٌ على واجب الوجود الجامع لصفات الألوهيّة، وقولهم (واجب الوجود) أي أنه لا يمكن تصور الكون والخلق بدونه، فالاسم العظيم ذاته يشير إلى الرد على الملحدين، ولذا ذكر سيبويه أن هذه الكلمة المباركة تُشير إلى أعرف المعارف كما قال الله –تعالى ذكره- {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65].. سبحانه لا سمي له، ولا مثيل ولا نِدَّ ولا نظير.. فماذا يريد الملحدون.. ماذا يريدون دليلاً على وجود الله ووحدانيته جلَّ في علاه؟ وكل ذرةٍ من الوجود تشهد بذلك، كما قال العارفون: "كيف يُعرف بالمعارف من به عُرِفَتْ المعارف؟ أم كيف يُعْرف بشيءٍ من سبق وجودُه وجودَ كلِّ شيء؟".

    ولذا فإن تصور الكون من دون خالقٍ هو تصورٌ يدل على سفهٍ في التفكير، وخللٍ في العقل، واستكبارٍ وتعاظمٍ بغيضٍ كما قال الله عن أصحاب هذا المرض العقلي الخلقي: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان:21]، فإنه لا يمكن لعاقلٍ أن يتصور وجود الكون دون الخالق العظيم الأول الذي ليس قبله شيء، ولذا نحن نستعيذ به في كل شيء، ونلجأ إليه في كل شيء، لأنه الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، وكم نتلذذ ونحن نردد بعقولنا وقلوبنا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم –فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه- كان يقول قبل نومه: ((اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شىء، فَالق الحب والنوى، ومنزِل التوراة والإِنجيل والفرقَان أعوذ بك من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قَبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء اقض عنا الدين وأغننا من الفقرِ))

    اللهُ حـــــــــق أول كـــــــــان ولـــــم يكن سواه ثم من بعد العدم
    أنشــــــأَ خلــــــقَه اختـيـــاراً بقَــــدر لـحـكم لا عبـــثاً ،كما ذكـــر
    بقــــــوله كُنْ فيــــــــكُون مـــــا طلب بِلا علاجٍ ولغوب ونصب
    قل صــدق اللهُ، فما في الله شــك مــالـــك كل مالـــك وما ملـــك
    خـــــالق كل فاعل وما فَعـــــــل مسبب الأسباب واضــع العــلل

    يترتب على ذلك الآتي:

    1) لا يجوز أن يتسمى بهذا الاسم العظيم (الله) أحد، ولم يجرؤ أحد على فعل ذلك بحمد الله.
    2) لفظ الجلالة (الله) هو علم يوصف ولا يوصف به.
    3) أسماء الله الحسنى الأخرى هي صفات تجرِي على هذا الاسم العظيم، فهي أسماء تدل على صفات كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف:180].
    4) تسند إِلَى هذا الاسم العظيم (الله) أفعال تلك الأسماء، فيقال فيما يشتق من اسم (الرحمن) مثلاً: رحم الله فلانا، ويرحمه الله، واللهم ارحم فلانا.
    5) تضاف إِلَى هذا الاسم العظيم (الله) مصادر الأسماء الأخرى، فَيقال: رحمة الله وربوبِيته ومغفرته {إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56].
    6) هذه الأَسماء المشتقّة (كالرحمن والغفار..) كل منها يدل على ذات الله تعالى، وعلى الصفة التي اشتق منها معا بالمطابقة، فمثلاً: الرحمن يدل على ذات الله، وعلى رحمته بالمطابقة لهذا الاسم العظيم (الرحمن).
    وَتدل هذه الأسماء على الذات وحدها أوِ الصفة بالتضمن، فـ(العظيم) يتضمن الذات كما يتضمن صفة العظمة، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام، كدلالة الرحمن على الإِحسان والإِنعام، ودلالة الحكيم على الْإِتقان والنظام.

    لا اسم لإله النصارى:

    هرب الـمُحَرِّفة من أهل الكتاب من تسمية رب العالمين بهذا الاسم العظيم (الله)، ولم يوجد له ذكرٌ في الكتاب المقدس عندهم مع أن كل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- عندما دعوا أقوامهم إنما قالوا: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، ولا يمكن لنا تصور أن الأنبياء يدعون قومهم إلى عبادة من لا اسم له، ولكن المعتدين حرفوا الكلم عن مواضعه، ووضعوا كلامهم وخرافاتهم في مواقعه، ولم يذكروا اسم {الله} عَلَماً على رب العالمين مع أنه اسمه الأعظم جل في علاه، واكتفى النصارى بالإشارة إليه بأنه (الآب)، واتخذوا له أسماء أخرى مع اليهود كاسم: يهوه، وألوهيم، وإيل، ثم تقرباً من المسلمين بغيةَ إضلالهم استخدموا في الإعلام لفظ الجلالة (الله) مع عدم وروده بهذا الاسم في كتابهم المقدس المتعارف عليه بطبعاته الحديثة، فكم حرموا أنفسهم من خير، وكم جلبوا على أنفسهم بهذا التحريف من سوءٍ وضير.. {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:74].

    أثر ترديد الاسم الأعظم (الله) على النفس:

    مجرد نطقك بهذه الكلمة العظيمة (الله) يجعل قلبك يمتلئ حباً وإجلالاً وتعظيماً وارتياحاً، واطمئناناً وأُنساً وانشراحاً، ولذا روى الشيخان عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند الكرب: ((لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم))، لكم يعيد ترديد الاسم العظيم على الشفاه الراحة والفرحة، ويزيل كل غصةٍ وقُرحة



    (اللهُ) يا أعذبَ الألفاظ في لــغتي ويــــا أجــــلَّ حـــروفٍ فـــي معــانيــــها
    (اللهُ) يا أمتعَ الأسماء كم ســعدت نفسي، وفاض ســروري حين أرويـــــها
    (اللهُ) أُنســـــي وبســـتاني وقـــــافيـــتي (اللهُ) يا زينةَ الدنيــا ومــــا فـيــــها
    (اللهُ) يرتـــاح قلـبي حين أسمــعـهــا وحـــين أُبصــرها نقـــشـــاً وأُمــليــها
    (اللهُ) فـيــهـا إجــابـاتـي وأسـئـلـتــي ومـن معانـي الـرضا والـحـب صافيها
    (اللهُ) فيـها بيـاـي، بسمـتِي، طـربِـي مشاعـرِي، حاضـر البشـرى وماضيها
    (اللهُ) روحي، طموحي، راحتي، سكني لا أجـتـنـي الأنـس إِلا مـن مغانـيـهَا
    (اللهُ) شـهـد الـهوى والــود لـيس لـهـا فــي مهـجـة الـمـتقـي شــيء يساويها

    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-11-2015, 10:27 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام
    "خليل الرحمن" ذاك هو اللقب الخاص بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وهي منزلةٌ عليّةٌ نالها دون غيرِه من الأنبياء والمرسلين، ولإبراهيم عليه السلام وصفٌ آخر مذكورٍ في القرآن، وهو وصفُ الحنيفيّة، أي الميلُ عن الشرك.

    وقصّةُ نبي الله إبراهيم عليه السلام في مناظرةِ قومِه إثباتاً للوحدانيّةٍ وإبطالاً للوثنيّة والمسالك الشركيّة معروفةٌ، وأحداثُها مسطورةٌ في سورة الأنعام، إلا أن ما يلفتُ انتباهنا في قصّته عليه السلام في هذا الموضع، دعاؤه على أعتاب البيت الحرام: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم:35).

    إن الداعي بهذا الدعاء هو نفسُه الذي عاتب أباهُ "آزر" من قبل قائلاً له: {أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} (الأنعام:74)، {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} (مريم:42)، وهو الذي شهدَ الله له بالرّشْدِ والنجابة منذ نعومةِ أظفارِه، لِيُدرك ضلال قومِه وعدم معقوليّةِ ما يفعلونَه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} (الأنبياء:51-52)، {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} (الأنبياء-66-67)، {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} (العنكبوت:16-17)، فصاحبُ الحجج العقليّة النجيبةِ عليه الصلاةُ والسلام، يدعو ربّه أن يجنّبه ويجنّب بنيه من بعدِه عبادة الأصنام، فما دلالةُ ذلك؟

    إن الدرسَ الذي نستفيدُه هنا، وينبغي التأكيد عليه مراراً وتكراراً، أن الكفرَ والإيمان ليسا عمليّةً عقليّةً محضة، بحيث تكونُ إقامةُ البراهين العقليّة على التوحيد وبطلان الشرك ضامنة لصاحبِها أن يبقى على هذه الهداية حتى مماتِه، بل إن مسألة الهدايةِ والثبات لها طرْفٌ خفيٌّ غيبيّ ليس بيد الناس، وإنما هو بيدِ الله تعالى، ولذلك فإننا نستدِيم طلب الهداية والثبات على الحق يوميًّا في صلواتنا وفي كلّ ركعةٍ منها إذ ندعوا: {إيّاك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم} (الفاتحة:5-6)، فلا بد من الاستعانةِ الدائمةِ بالله جلّ وعلا؛ كي نبقى على طريق الحق، ولا بد من الإلحاح الدائم أن يُلهمنا العزيمةَ على الرُّشْد، والثبات على الحق.

    قال إبراهيم بن يزيد التيمي، تعليقاً على دعوة الخليل عليه السلام: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ ويتهاون بكلمة التوحيد، ويعيب على من اجتهد في تعلمها إلا من هو أكبر الناس شركًا، وأجهلهم بلا إله إلا الله".

    دعونا ننظر نظرةَ تجرّدٍ للواقع التاريخي بعد الخليل عليه السلام، إن الذي خافه الخليل عليه السلام على نفسه وبنيه وسأل الله السلامة منه، صارَ واقعاً كرّستْه الأيّامُ من أقوامٍ يشهدون ألا إله إلا الله، ويُنكرون عبادة الأصنام، ثم هم يقعون فيما يحذرون، فبعد القرون المفضّلة ومع قلّة العلم وانتشار الجهل، وقع الكثيرُ من أمّة التوحيد في ألوانٍ من الشرك تسلّلت إليهم، ومظاهرُ ذلك لا تخفى من بناءِ المساجد والمشاهد على القبور، والذبح لها والاستغاثةِ بأصحابها من الأولياء وأصحابِ الكرامات، وصرف العبادات بأنواعِها لها، وتفريغ سدنةٌ وخدّامٌ تقوم بشأنها كما كان عليه الأمر في الجاهليّة، فهذا من الشرك الذي خاف منه الخليل عليه السلام، وإن اختلفت الصور والقوالب والأسماء، وليس شرطاً أن تكون الأصنام لاتاً وعزّى، بل كلّ ما صُرف فيه نوعٌ من العبادةِ صار صنماً أو وثناً، فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم.

    قالت أمُّ سلمة رضي الله عنها: كان أكثرُ دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهمّ يا مصرّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك) قالت: يا رسول الله: أو إن القلوب لتتقلب قال: (نعم، ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه) رواه أحمد.

    قد قالَها إبليس منذ إعلانِه عن لحظة المعركة الكبرى مع الجنس البشري: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} (الأعراف:16-17) فأعظمُ أمانيه إيقاع الناس في الشرك، الذي لا يغفرُه الله، ولا يقبلُ من صاحبِه صرفاً ولا عدلاً، فكانت هذه القضيّة على سلّم أولويّاتِه، ومقدّمِ اهتماماتِه، وجنّد جنودَه لهذا المقصِد مستعينين بما لهم من فصاحةٍ وتزيينٍ وشبهات.

    كل ذلك يدعونا إلى أن نكون أكثرَ تعلّقاً بالله جلّ وعلا واستعانةً به، وألا نغترّ بأنفسنا مهما آتانا الله من العلم والفهم حتى لا نهلك، والله الموفق.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-11-2015, 10:31 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    معاقد الفرج.. كلماتٌ ثلاث
    من بين ظلماتٍ ثلاث: ظلمةِ أكبرِ كائنٍ بحري، وظلمةِ البحرِ اللجّي الهائج، وظلمةِ السماء الملبّدةِ بالغيوم السود، ومع الرياح العاصفة التي أهاجت الموج فجعلتْه كأمثال الجبال، ولعبتْ بالسفن التي تحاول عبثاً أن تحافظ على استقرارها، من بين ذلك كلّه: انطلقت دعواتٌ خالصةٌ تشق هذا الركام الظلاميّ إلى السماء مسرعةً، فتفتّحت لها أبوابها، ولأجلها جاء الجواب الإلهي سريعاً ومنقذاً من هذه المهالك، وتحقّق الفرجُ لصاحبها.

    لا إله إلا أنت..سبحانك..إني كنت من الظالمين، كلماتٌ ثلاث اختصرت الكثير من معاناة نبيٍّ من الأنبياء، أراد الله أن يكون ابتلاؤه في السجن، ولكن أيُّ سجن ذلك الذي احتواه؟ ليس لذلك السجن بابٌ يوصد ولا قفلٌ يُفتح، بل ليس فيه حرّاسٌ يُؤمرون فيَأتمرون، ويُطلب منهم فكاك من حُبس عندهم فيُطلقوا سراحه؛ لأن السجنَ والسجّانُ هنا هو مخلوقٌ واحدٌ، لا يفهم خطاب البشر، وهو الحوت الذي احتوى سيدنا يونس عليه السلام، والشهير باسمِه الآخر: ذي "النون"، والذي جاء من قصّتِه مع الحوت.

    القصّة معروفةٌ ومشهورة، وليس القصدُ سردُها أو تناولُها، إنما المُراد الحديث عن تلك الدعوة النبويّة التي ما فَتَرَ لسان هذا النبي الكريم من تردِيدها وهو في ظُلمة الحوت، وتتداعى في الذهن أسئلة عديدة عنها: ما معنى تلك الدعوة النبوية؟ولم كانت كاشفة للكرب؟ وما مناسبة ذكر الاعتراف بالظلم ووقوع الذنب؟ والأهم من هذا كلّه: كيف يمكن تناول هذه الدعوة النبويّة من منظورٍ عقديٍّ يكشف عن عظمتِها وأهميّتها وارتباطها بمنهجٍ عامٍ له أبعادُه العقديّة؟ وللإجابةِ عن هذه التساؤلات ينبغي الشروع في التعليق على هذه الألفاظ، فنقول وبالله التوفيق.

    اللفتة الأولى:لا إله إلا أنت

    كلمةُ التوحيد شاملةٌ للنفي والإثبات، فهي كمثلِ قولِ الله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة: 5) فلا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وقوله سبحانه: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} (البينة: 5). وقوله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} (الحج: 62 )، فكلّ معبودٍ من دون الله فهو باطلٌ، مهما كان لهذا المعبودِ من فضلٍ أو مكانةٍ أو منزلة، لا أنبياءَ ولا أولياءَ ولا ملائكةَ ولا غيرّهم، فكلّ معبودٍ غير الله تعالى فهو باطل، وعبادةُ صاحبِه باطلةٌ، وعابدُه على باطلٍ، والمقصودُ بــ"الباطل" هنا: الذي لا يَنفع عابدَه، ولا ينتفع المعبودُ بعبادتِه، كما يقولُ العلماء، ولذلك ثمّنَ النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- قولَ لبيد معتبراً إياه أصدق كلمة قالها في حياتِه:

    ألا كل شيء ما خلا الله باطل

    واللافت هنا، أن كثيراً من الأذكار والأدعيّة النبويّة استُفتحت بشهادة التوحيد، نذكر منها على سبيل المثال، سيد الاستغفار كما جاء في صحيح البخاري: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

    وفي الدعاء بقوله: (لا إله إلا أنت) معنىً عميق قلّ من ينتبهُ إليه، وهو أن التقديم والاستفتاح في هذا الدعاء بذكر شهادةِ التوحيد القصدُ منه الإقرار والعهد على البقاء والتفيّؤ في ظلال العبوديّة مهما اشتدّت المحن وتوالت الابتلاءات، قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} (الحج:11)، لأن الأساس الذي بنى عليه توحيده كان على تقوى من الله ورضوان، وهذا هو السببُ في ثباتِ صاحبِه على المِحَن: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم} (التوبة: 109)، وبذلك يتبيّن السرّ في تقديم هذه الكلمات بين يدي الدعاء، لأنها متضمّنةٌ لمعنى التوسّل بالأعمال الصالحة، وأعظمها ولا شك: توحيد الله جلّ وعلا، فكأن صاحب الابتلاء يقول: "إلهي! مهما صنعتَ من شيء وقدّرتَ من بلاء فلن أعبدَ غيرك".

    اللفتة الثانية: سبحانك

    (التسبيح) في اللغة: التنزيه، تقول: سبحان الله تسبيحاً، أي: نزهته تنزيهاً، فهو تنزيه الحق عن النقائص، وما لا يليق بعظمته وكماله.

    والنفيُ هنا عن النقائص ليس نفياً مجرّداً عن السوء، أو كما يقول علماء المعتقد: ليس نفياً محضاً، ولكنه نفيٌ يُقصد به إثبات المحاسن والكمال لله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالنفي لا يكون مدحاً إلا إذا تضمن ثبوتاً، وإلا فالنفي المحض لا مدح فيه، ونفي السوء والنقص عنه، يستلزم إثبات محاسنه وكماله".

    واللفظ هنا وإن كان نفياً عامًّا لكل أنواع النقص، إلا أن المقصود الأعظم منه في هذا المقام: نفي الظلم عن الله تبارك وتعالى، حيث قدّر هذا الابتلاء على عبدِه دون أن يكون ذلك منه ظلماً أو عقوبةً بغير ذنب؛ لأن الظلمَ من أقبح الأمور التي يُنزّه عنها الباري تبارك وتعالى؛ لتمام عدلِه وإحسانِه: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} (النساء:40)، {وما الله يريد ظلما للعالمين} (آل عمران:108) ، {وما الله يريد ظلما للعباد} (غافر:31)، {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما} (طه:112)، ويؤكّد ذلك ما جاء في السنة من مثلِ قول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا...يا عبادي! إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففي قوله: {سبحانك} تبرئته من الظلم، وإثبات العظمة الموجبة له براءته من الظلم؛ فإن الظالم إنما يظلم لحاجته إلى الظلم أو لجهله، والله غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهو غني بنفسه، وكل ما سواه فقير إليه، وهذا كمال العظمة".

    أما فائدة هذا التسبيح وثمرتُه، فهي مذكورةٌ في قوله سبحانه: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات:143-144)، فكان هذا التنزيه المتتالي لله تعالى عن النقائص والعظائم سبباً في تعجيل الفرج وانتهاء المحنة.

    اللفتة الثالثة: إني كنت من الظالمين

    بعد أن نفى يونس عليه السلام الظلم عن الله تبارك وتعالى، كان الاعتراف بالذنب والتقصير، ولا شك أنه هو السبب الحقيقي لنزول البلاء، وفي إثبات ظلم العباد لأنفسهم وردت الكثير من الآيات، التي تثبت ذلك، نذكر بعضاً منها: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (النحل:118)، {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} (هود:101)، {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} (الزخرف:76)، وقول نبي الله آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا} (الأعراف:23).

    وهذه ثنائيّةٌ رائعةٌ نستقيها من مشكاة النبوّة، أن يجمع العبدُ بين حالين عظيمين من حالات التوسّل: التوسّل بالعمل الصالح، وبضعفِ حال السائل، فكان جديراً بالإجابة، ولذلك كان التعليم النبوي لأصحابه أن يقولوا في كل صلاةٍ، وعند دعاء الاستفتاح: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) رواه مسلم في "صحيحه".

    وهذا الاعتراف والإقرار ووصفِ النفسِ بدخولها في جملةِ الظالمين -والظلمُ وصفٌ لازمٌ للإنسان إما لنفسِه وإما لغيرِه- كان ذلك الإخبار سبباً للنجاة، كما قال الحسن البصري: "ما نجا إلا بإقراره على نفسه بالظلم"، ثم إن هذا الإخبار قد تضمّن طلباً للمغفرة من الله تعالى، فكان سبباً للنجاة.

    اللفتة الرابعة: إلا استجاب الله له

    حينما تضمّنت تلك الكلمات الإقرار بالتوحيد، والتوسّل بالعمل الصالح، وتنزيه الباري سبحانه عن الظلم، والإقرار بالذنب، شكّلت بمجموعها صورةً مثاليةً للعجز والانكسار والاطّراح بين يدي رب العباد، والله تعالى قد اتصف بالحياء والكرم كما جاء في الحديث الصحيح: (إن ربكم حييٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا) رواه أصحاب السنن عدا النسائي، فكيف بمن أحسن الدعاء، وأحسن التضرّع؟ ولذلك كانت الاستجابةُ وعداً إلهياً أكيداً، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) رواه الترمذي.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-11-2015, 06:38 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    كثيراً ما نمرّ على الآيات ونقرأ الأحاديث، فنجد حبلاً ينظم بين عددٍ منها، ونلحظ علاقاتٍ تقوم بينها، لا تظهر إلا عند التأمّل في هذه النصوص الشرعيّة وتدبّرها، ولعل من اللافت في ذلك، ما نراه من رابطةٍ متينة، وتوافقاتٍ لطيفة، قامت بين شهادة أن لا إله إلا الله، وبين الاستغفار وطلب التجاوز والعفو منه تعالى.
    لنتأمّل كيف ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الأمرين جميعاً في سياقٍ واحد: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} (محمد: 19)، ثم لننظر كيف اشتملت الآية السابقة على هاتين العبادتين، وما جمع الله بينهما إلا ليُنبّه عباده على التلازم والتوافق الحاصل بينهما.
    والسرّ في هذه العلاقة أن التوحيد سببٌ في تحصيل الخيرات بأنواعها، والاستغفار سببٌ في محو الذنوب التي تسوء الإنسان في دنياه وأخراه، فيتحصّل من هاتين العبادتين: تحقيق الخير بأنواعه، وإزالة الشرّ بأصنافه، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالتوحيد هو جماع الدين الذي هو أصلُه وفرعه ولُبّه، وهو الخير كلُّه، والاستغفارُ يُزيل الشرَّ كلَّه، فيحصل من هذين جميعُ الخَيْر وزوالُ جميع الشرّ. وكلُّ ما يُصيب المؤمن من الشرِّ فإنما هو بذنوبه".
    ويمكن القول كذلك: إن تحقيق التوحيد الخالص يقتلع من القلب شجرة الشرك الخبيثة من جذورها، وأما الاستغفار: فيمحو الذنوب والعثرات التي هي من عوالق الشرك، فالتوحيد يُذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، ولذلك نجد أن الحديث القدسي تعرّض لهاتين القضيّتين في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.
    وإننا لنجد هذه العلاقة تتكرّر بين الحين والآخر، فنراها في قوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه} (فصلت: 6)، فهنا الأمر الإلهي ببيان حقيقة التوحيد، والمتضمّنة لإفراد الله بالعبودية، ولزوم الاستقامة النابعة من هذه الحقيقة، مع المداومة على الاستغفار؛ لأن العامل وفق مقتضى التوحيد، لا مناص من وقوعه في التقصير والخلل؛ وحتى يصحّح الموحّد مساره ويقوّم صراطه، كان ينبغي عليه أن يُلازم الاستغفار.
    وقد يحسن بنا أن نضرب لهذه القضيّة مثلاً، فإن من أراد بأحد الملوك حاجةً، فإن أوّل ما يُفكّر فيه: كيف يستطيع الوصول إلى هذا الملك؟ وكيف تُزال عنه الموانع التي تمنع من محادثته ومخاطبته بطلبه وحاجته، كذلك أمرُ التوحيد والاستغفار، فالتوحيد –كما يقول الإمام ابن القيم-: "يدخل العبد على الله عزّ وجل، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه: زال عنه همّه وغمّه وحزنه"، ولعل ذلك هو ما جعل من دعوة يونس عليه السلام خير ما دعا بها أهل البلاء والكروب، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دعوة ذي النون، إذْ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط، إلا استجاب الله له) رواه الترمذي، وذو النون هو نبي الله يونس عليه السلام.
    ثم نجد هذه الرابطة اللطيفة في حديث اشتُهر وعُرف باسم سيد الاستغفار، وهو حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سيد الاستغفار أن تقول:اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ثم خُتم الحديث بفضلٍ آخر يدلّ على حُسْن خاتمة الملازِمين والمداومين لهذا الدعاء الجليل، قال عليه الصلاة والسلام: (ومن قالها من النهار موقناً بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة) رواه البخاري.
    قال ابن أبي جمرة تعليقاً: "جمُع في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه هو الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذ عليه، والرجاء بما وعده به، والاستغفار من شر ما جنى العبد على نفسه".
    وجرت العادة في العُرف الشرعي أن تُختتم العبادات بالدعاء المتضمّن لطلب التجاوز من العلي الغفّار جلّ جلاله، خصوصاً لما يقع من الإنسان من الخطأ والتقصير، الأمر الذي يوضّح ويُبرز هذا التلازم جليّاً واضحاً، ففي الوضوء يُسنّ اختتامه بدعاء: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) رواه الترمذي، وفي مُختتم الصلاة يقول المصّلي قبل تسليمه: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) رواه الترمذي بطوله، ورواه أبو داود مختصراً.
    ويروي ابن عباس رضي الله عنهما قائلاً:كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تهجّد من الليل، قال: ( اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت) رواه البخاري.
    وقد تجاوز الأمر دائرة العبادات ليشمل مجالس الناس التي يحدث فيها اللغو والكلام الذي لا يكون في ميزان حسنات العبد، فجاءت السنّة لتُقرّر ختم هذه المجالس بالدعاء المشتمل على شهادة التوحيد والاستغفار، ففي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك).
    فيتبيّن مما سبق، شمول اقتران الاستغفار بشهادة أن لا إله إلا الله، وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم، فحق الله أن نوحّده ولا نُشرك به شيئاً، ومقتضى الإنسانيّة أن نستغفر الله من ذنوبنا وخطئنا وتقصيرنا، وبهاتين العبادتين يحصل الفلاح للعبد وتتحقق له النجاة.
    اسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-11-2015, 06:39 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    كيف نتوسل إلى الله تعالى؟
    العبادات في جوهرها تجمع بين غاية الحب والذل والتوحيد، وبين إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى والإخلاص له، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} (البينة: 5)، ومن بين تلك العبادات التي يصدق عليها ذلك: عبادة التوسّل؛ فإنك ترى باعثها محبّة الله، وتنطوي في ألفاظها على الحب لله تعالى والاستشفاع بكماله، والتوحيد لذاته.

    وإذا كانت حقيقة التوسّل: الإتيان بالسبب الموصل إلى المطلوب، واتخاذ الوسيلة التي توصل العبد إلى مقصوده ومُراده، فإن الإتيان بالتوسّل على الوجه الصحيح يقتضي أن يكون منضبطاً بضوابط الشرع كغيره من العبادات، وآيات القرآن الكريم بمختلفِ أساليبها ومضامينها، وسنّة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- قد اشتركا في رسمِ الأوجه الصحيحة التي يكون بها التوسّل موافقاً للشرع، وبالتالي يكون أرجى للقبول وأدعى للإجابة.

    ولكل إنسان مسألتُه من الله تعالى، يرجو أن يُجاب طلبُه فيها، فمن الأهميّة بمكانٍ أن نتعلّم كيف نحقّق عبادة التوسّل على أكملِ وجهٍ وأتمّ صورة، عسى أن يُقبل منّا الدعاء والرجاء، ويتحقّق لنا المقصود.

    ويمكن القول: إن أنواع التوسّل الصحيح ستّة، نتناولها فيما يلي:

    التوسل بأسماء الله تعالى

    لله سبحانه وتعالى أسماءٌ هي الغاية في الحُسْن والجمال، وهي تليق بجلاله وعظمته، وليست مجرّد أسماءٍ لا ارتباط بينها وبين من تسمّى بها، كما هو الحال في أسماء المخلوقات. ومن حُسْنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها لأنها وسيلة مقربة إليه، ودالّةٌ عليه، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف:180).

    والظاهر من استقراء النصوص الشرعيّة أن التوسّل بأسماء الله سبحانه وتعالى يكون على وجهين:

    الأوّل: التوسّل بأسمائه سبحانه على سبيل العموم؛ فإذا أراد الداعي الدعاء فإنّه يتوسّل بأسمائه تعالى دون تحديد واحدٍ منها، وشاهدُ ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الشهير بدعاء الهم والغم، حيث قال: (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حُزني، وذهاب همّي) رواه أحمد، فألفاظ الدعاء هنا لم تحدّد اسماً له سبحانه معيّناً، وإنما كان توسّلاً عامّاً غير مخصّص، ولا شكّ أن هذا التوسّل من أعظم أنواع التوسّل، ليس لتعلّقِه بالأسماء الحسنى فحسب، ولكنّ عمومه يشمل جميع الأسماء التي نعرفها أو نجهلها، كما قال ابن القيم: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه، وتعرّفَ به إلى عباده، وقسمٌ استأثر به في علم غيبه، فلم يُطلِعْ عليه أحداً من خلقه". ولعظم هذا النوع من التوسّل كان حقيقاً على من أتى به تحقّق مراده، ولننظر إلى خاتمة الحديث السابق: (إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً) بل دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى تعلّم التوسّل المذكور على نحوٍ يدلّ على أهميّته، فقال: (ينبغى لمن سمعهنّ أن يتعلمهنّ).

    الثاني: أن يتخيّر الداعي من أسماء الله تعالى ما يتناسب مع مُرادِه فيتوسّلَ به، وهذا الاتّساق والمناسبةُ أدعى لإجابة الدعاء، فمن كان يشكو قلّة المال وضيق الحال ناسبَ أن يتوسّل باسم "الرزّاق" و"الغني"، ومن أذنبَ وأسرف على نفسه بالمعاصي كان الأجدى به أن يتوسّل بأسماء: "الرحمن، والرحيم، والتوّاب، والعفو الغفور"، ولننظر إلى الدعاء النبوي التالي: (اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفرُ الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) متفق عليه، فالشاهد هنا هو اختيار اسمي: "الغفور الرحيم" للوصول إلى غفران الذنوب وتكفير السيئات.

    وعلاوةً على دلالة الشرع، فإن ذلك من مقتضى العقل؛ لأن من يُريد حاجةً ممّن هو فوقه، ذكرَ له من الألفاظ التي تتناسب مع مطلوبه، وكذلك ينبغي للمتوسّل بالله تعالى أن يتخيّر الاسم المناسب لمطلوبه.

    التوسل إلى الله تعالى بصفاته

    وهذا القسم مثل سابقِه، فإن التوسّل بصفاتِ الله كالتوسّل بأسمائه، لتساويهما في الفضل والمكانة، ومن صفاتِ الله أفعاله سبحانه وتعالى، فإن الأفعال صفات كما يقرّر علماء التوحيد.
    وكما قيل في الأسماء، فإن التوسّل بالصفات على وجهين:

    الأوّل: أن يكون توسّلاً عامّاً بالصفات، كقول القائل: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا"، أو قوله: "يا من اتصف بجميل الصفات، وتكلّل بعظيم السجايا والنعوت.." فهذا كلّه توسّل مجملٌ بالصفات دون تعيينٍ لها.

    الثاني: أن يكون توسّلاً خاصّاً بالصفات، وذلك بتحديد صفاتٍ إلهيّة أو أفعالٍ ربّانيّةٍ، تناسب مطلوب العبد ومسألتَه من خالقه ومولاه، كقول القائل: أسألك بجاهك العظيم، وبعلمك الذي أحاط بكل شيء، أو: برحمتك وإحسانك، أو: بجبروتك وعزتك، ثم يذكرُ مطلوبَه الذي يتناسب مع معاني هذه الصفات، فإن ذلك يكون أرجى في الإجابة.

    ومن أدلّة ذلك وأمثلته، دعاء إبراهيم عليه السلام وقوله: {الذي خلقني فهو يهدين * والذي يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الأخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم} (الشعراء:78-85) الآيات.

    ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (اللهم فالق الحب والنوى، ومنزِّل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدين، وأغننا من الفقر) رواه مسلم.

    ومن جميل المناسَبة بين الصفات المذكورة، والمطلب المُراد من الله، قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) رواه أحمد والنسائي، فكان التوسّل بصفة العلم وسيلة إلى طلب اختيار الله تعالى وتحديد عمرِه، وكان التوسّل بصفة الخلقِ مرتبطاً بالإحياء والإماتة.

    ومن التوسّل بأفعال الله، الأبيات المشهورة المنسوبة لابن القاسم السهيلي، حيث قال:
    يـا من يرى ما في الضمـير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع
    يـا من يرجّى للشدائد كلها يا من اليه المشتكى و المفزع
    يـا من خزائن رزقه في قول كن امنن فان الخير عندك أجمع

    التوسّل بالعمل الصالح

    من التوسّل المشروع: التوسّل إلى الله بالعمل الصالح؛ فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، وتحقيق المراد وإجابة المطلوب، فيتخيّرُ العبد من الأعمال ما يرى فيها تحقّق الإخلاص لوجهه تعالى، وما يرى تقيّدها بالهدي النبوي، بعيدةً عن الأعمال المبتدعة المخترعة.

    وتشتمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النوع من التوسّل، ومن أمثلة ذلك، دعاؤه عليه الصلاة والسلام في استفتاح صلاة الليل: (اللهم عليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت) متفق عليه.

    أما أشهر الأدلّة المرويّة في هذا النوع من التوسّل، فهو حديث الثلاثة الذين أطبقَ عليهم الغار، وهم أصحاب الرقيم المذكورون في قوله سبحانه: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} (الكهف:9)، فقد توسّل ثلاثتهم بأعمالٍ صالحةٍ قاموا بها، ورأوا في أنفسهم خلوصها من شوائب الرياء، فجعلوها ذخراً لهم ووسيلة لتحقّق مطلوبهم من انفراج الصخرة التي سدّت عليهم باب الغار، فتوسّل الأوّل بعظيم برّه بوالديه. والثاني بعفافِه عن مقاربة الفواحش رغم تيسّر الوقوع فيها، وتهيؤ الظروف المعينة على ملابستها. والثالث توسّل بوفائه لأجيره، وإعطائه كامل مستحقّاته رغم ضخامة المبلغ، فانفرجت عنهم الصخرة بعد ذلك، والحديث طويل السياق مذكور بتمامه في "الصحيحين".

    التوسّل بالإيمان

    من التوسّل المشروع، أن يتوسّل العبد بإيمانِه بالله ورسولِه، وهذا توسّلٌ داخلٌ في العموم السابق، فإن إيمان العبدِ هو من أعمالِه الصالحة، إلا أنه أُفردَ هنا لأهميّته، ولكونه أفضل ما يُتوسّل به من الأعمال الصالحة، والأدلّة فيها كثيرة، منها قول الله تعالى: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} (آل عمران:193)، وقوله سبحانه:{ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} (آل عمران:53)، وقول الحق سبحانه: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} (آل عمران:16) فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.

    التوسل بحال الداعي

    بيان ضعف السائل وذلّه وافتقارِه إلى مولاه، هو من أنواع التوسّل المشروع، وهو دالٌّ على حسن الأدب في السؤال والدعاء، فإن قول القائل لمن يعظّمه ويرغب إليه: أنا جائع، أنا مريض، أولى من تصريحه بمطلوبه وقوله: أطعمني، داوِنِي؛ لأن وصف الحال تستجلب الرحمة واللطف والإحسان، ونحن نرى حدوث ذلك في عالم الناس، إذ يكفي بيان سوء الحال والمعيشة حتى يدفع الآخرين إلى تقديم العون، وبذل المساعدة، وقد قال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان:
    أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحياء
    إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء

    فإذا كان ذلك في مخلوقٍ يخاطب مخلوقاً مثلَه، فكيف بالخالق تعالى؟

    ولذلك نرى من حُسن آداب الدعاء التي تعلّمناها من الأنبياء والمرسلين، شكايَتَهم لربّهم ما يمرّ بهم من الضيق والكربات، فهذا نبي الله أيوب عليه السلام يدعو قائلاً: {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} (الأنبياء:83) فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره، فجاء السؤال بصيغة خبرية؛ تأدباً معه سبحانه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أمثلة ذلك قول موسى عليه السلام {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} (القصص:24)، وقول زكريا عليه السلام: {رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} (مريم:4-6) ولا شك أن ذلك يُعدُّ من حسنِ الأدب في السؤال.

    التوسّل بدعاء الرجل الصالح

    من أنواع التوسّل المشروع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابتُه، فهذا مما دلّ عليه الشرع وبيّن جوازَه، من ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه وقال: (اللهم أغثنا). يقول أنس: فما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره حتى رأيت ماء السماء يتحادر على لحيته. وبقي الغيث أسبوعًا كاملًا، وفي الجمعة الأخرى جاء الأعرابي فقال: يا رسول الله! غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا) فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس. متفق عليه.

    وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من بعضهم الدعاء، فقد روى مسلم عن صفوان بن عبد الله رضي الله عنه قال: "قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء –وكانت أم زوجته- فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل) رواه مسلم، قال: فخرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    وعلى الرغم من جواز هذا النوع من الدعاء والتوسّل، إلا أن الخشيةَ أن يكون أكثرُ توسّل الإنسان من هذا النوع، في حين أن بقيّة الطرق المذكورةِ قبلها أولى وأفضل؛ لارتباطها بعمل المرءِ نفسِه، وإذا كان الصحابة قد توسّلوا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وبدعاء العباس رضي الله عنه من بعدِه، فإن توسّلهم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبحالهم وضعفهم أكثر من ذلك بكثير، حيث يحقّق القرب والارتباط المباشر بالخالق واستشعار معيّته، فيفوز بكل مرغوب، وينجو من كل مرهوب.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-11-2015, 11:37 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الحسد ومنافاته لعقيدة القضاء والقدر
    "لله دّر الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله"
    كلمةٌ عظيمة تدل على شناعة هذا المرض القلبي العُضال، والناشيء من بذرةٍ خبيثةٍ أثمرت حنظلاً من الأخلاق الرديّة، وكانت سبباً في النزاع والشقاق والخصام.
    إنه الداء العُضال، والسمٌّ القاتل، حزن لازم، وحقدٌ دائم، وعقل هائم، وحسرةٌ لا تنقضي، وهو أول ذنب عُصِيَ الله تعالى به في السماء، حينما حسد إبليس آدم عليه السلام، وأول ذنب عُصِيَ الله به في الأرض، حينما حسد ابن آدم أخاه حتى قتله، ومثالب الحسد أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تسطّر، وأوسع من أن تستوعب.
    يقول الماوردي: "اعلم أنّ الحسد خلق ذميم، مع إضراره بالبدن، وإفساده للدّين، حتّى لقد أمر الله بالاستعاذة من شرّه، فقال تعالى: {ومن شرِّ حاسد إِذا حسد} (الفلق/ 5)، وناهيك بحال ذلك شرّاً، ولو لم يكن من ذمّ الحسد إلا أنه خلق دنيء، يتوجّه نحو الأكفاء والأقارب، ويختصّ بالمخالط والصاحب، لكانت النزاهة عنه كرماً، والسلامة منه مغنماً، فكيف وهو بالنّفس مضرّ، وعلى الهمّ مصرٌّ، حتى ربما أفضى بصاحبه إلى التلف، من غير نكاية في عدوّ، ولا إضرار بمحسود".
    وإذا كان الحسد بمثل هذا السوء، فما علاقة الحسد بأركان الإيمان؟ وما مدخله في مباحث العقيدة الإسلاميّة؟ وما وجه منافاته ومصادمته لعقيدة القضاء والقدر؟
    للإجابة على هذه الأسئلة نقول: لقد جعل الله سبحانه وتعالى مسألة الإيمان بما قضاه الله وقدّره على الخلائق ركيزةً إيمانيّة أساسية وعروةً وثقى لا انفصام لها، ولا يمكن تصوّر إيمان عبدٍ دونها، قال الله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)، فالله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بقضاءٍ سبق به علمه، وجرى به قلمه، فحدّد وقته ومقداره، وحقيقته وماهيّته، وجميع ما اشتمل عليه من الأوصاف والهيئات، وانظر إلى العموم في قوله سبحانه: { وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (الفرقان:2).
    ولا يمكن تصوّر مفهوم القضاء والقدر، دون إثبات علم الله عز وجل الأزليّ الواسع المطلق، والإيمان بأن الله جلّ جلاله كتب جميع ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ، وإدراك مشيئة الخالق النافذة، فلا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، مع الإيمان بأن الله هو خالق كلّ شيء، ويدخل ضمن ذلك أفعال العباد، وأنه سبحانه على كلّ شيءٍ قدير.
    وعليه، فإن توزيع الأرزاق والأقوات على العباد، إرادةٌ إلهيّة نافذةٌ ومشيئةٌ عامّةٌ تنطلق من صفات العدل وتمام المُلك، والرحمة والإحسان، وقدرته التامة، وعلمه المحيط، والحكمة البالغة في كل ما أعطى وما أخذ، وما منح وما منع، قال سبحانه: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير* تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} (آل عمران:26-27).
    وحقيقة الحسد: تمني الحاسد زوال نعمة المحسود، أو هو كراهة الحاسد وصول النعمة إلى المحسود، ولا شكّ أن ذلك ناتجٌ في حقيقته إلى الاعتراض على أقدار الله الكونية ؛ وأحكامه الشرعية، وعدم الرضا بقضائه، والتسليم لقدره، وقد جرى مجرى الأمثال قولهم: " من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يَدْخله حسد" .
    والحاسد حين يحسد فهو يُنكر حكمة الله سبحانه في تدبيره، ومعلومٌ بالضرورة أن أفعال الله سبحانه منزهةٌ عن النقائص والمعايب، بل هي في غاية الحسن والكمال، ومن فروع ذلك مسألة توزيع الهبات والعطايا والمواهب والنعم على العباد، ولذلك جاء النكير على الحاسدين في عدّة مواضع في كتاب الله، منها قوله تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} (النساء: 54)، وفي سورة الزخرف: { أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} (الزخرف:32).
    والحسد عداءٌ صراح واعتراضٌ فجّ على الله فيما قضى وقدّر، فإنّ غيظه من حاسده ناتجٌ عن رؤيته عدم أهليّة المحسود لتلك النعمة وعدم استحقاقه لها، وهو الذي يستلزم اتهام الخالق في قسمته بين عباده؛ وهذا سوء أدبٍ مع الله تعالى:
    ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب
    أسأت على الله سبحانه لأنك لم ترض لي ما وهب
    والحاسد لا يُدرك جانباً مهماً من جوانب الإيمان بالقضاء والقدر، وهو أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية الموجودة عند غيره، والتي يظن فيها إدراك بغيته، فيعلم الله سبحانه وتعالى أنها تضره وتصدّه عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظلّ العبد كارهاً لهذه القسمة الإلهيّة حيث حرمه منها وأعطاها لغيره، ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل، وصدق أحكم الحاكيمن إذ قال: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216).
    ويذكر العلماء أن الحسد يضر الحاسد في الدين والدنيا، أما ضرره في الدين، فإن الحاسد قد سخط قضاء الله تعالى وأنكر حكمة الله في تدبيره، فكره نعمته على عباده، وهذا قذى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد وفارق الأنبياء في حبهم الخير لكل أحد.
    ومن فقه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: "لا تعادوا نِعَم الله"، فقيل له: "ومن يعادي نعم الله؟!" قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله".
    وفي صحيح ابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد).
    والمقصود به كما يُفهم من كلام العلماء: أن الإيمان الصادق الكامل الذي يستحضر صاحبه أن كل أفعال الله عز وجل لحكمة، يتناقض مع الحسد الذي هو غضبٌ من فعل الله وقسمته، ناتجٌ عن ضيق النفس وعدم إرادتها وكراهتها للخير على الغير.
    وإلى من ابتُلي بهذه الآفة كلمةٌ لعل الله ينفعه بها، قالها محمد بن سيرين رحمه الله: "ما حسدتُ أحدا على شيء مِن الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى النار؟".
    اسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-11-2015, 06:04 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    والجبال أوتادا
    ورد ذكر لفظ (الجبال) بصيغة الجمع في القرآن الكريم ثلاثاً وثلاثين مرة، وورد بصيغة المفرد ست مرات، ما يعني أهمية الجبال في حياة الكون والإنسان، وأنها آية من آيات الله المبثوثة في هذا الكون، والدالة على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى.
    وقد ذكر القرآن الكريم وأشار في عدد من آيته إلى ظاهرة الجبال شكلاً ووظيفة، والتي لم يستطع الإنسان أن يصل إليها كحقيقة معروفة إلا بعد التقدم والتطور العلمي والتقني الهائل الذي حصل في القرنين الأخيرين من عمر البشرية.
    لقد عرف الإنسان الجبال منذ القدم، وتعامل معها، وعاش في أكنافها، واستفاد منها، ومن مكوناتها المستفادة المباشرة التي عرفها من خلال شكلها الظاهري؛ فقد عُرِّف الجبل بأنه: كل ما ارتفع عن سطح الأرض واستطال وتجاوز التل ارتفاعاً. فهل يفي هذا التعريف (الجبل) حقه الآن؟
    إجابة على هذا التساؤل سنجول في صفحات (تاريخ الجبال) على مدى القرون الثلاثة الأخيرة، والتي تميزت بالكثير من الكشوف العلمية الهامة في شتى المجالات الكونية.
    لقد فُتن الإنسان بالجبال شكلاً، وجُذب إليها؛ لما فيها من منافع واكتفى بمعرفتها ظاهريًّا إلى بداية القرن الثامن عشر عندما تنبه (بير بوجر) والذي كان يرأس بعثة إلى جبال (الأنديز) إلى أن قوة الجذب المقاسة في هذه المنطقة لا تتناسب مع كتلة هذه الجبال الهائلة، وإنما هي أقل بكثير مما هو متوقع، معتمداً على الانحراف في اتجاه القمم البركانية في تلك المنطقة، والملاحظ على قياس الجذب التقليدي الذي كان متوفراً لديه، والمسمى بميزان البناء (Plumb Bab) ونتيجة لهذه الملاحظة الأولية، افترض (بوجر) ضرورة وجود كتلة صخرية هائلة غير مرئية، ليس لها مكان إلا أسفل تلك الجبال البارزة.
    ولقد حفلت بدايات القرن التاسع عشر الميلادي بالكثير من أعمال المسح الجيولوجي، التي قامت بها بعثات جيولوجية بريطانية في شبه الجزيرة الهندية، وفسرت من خلالها الكثير من الظواهر. غير أن ظاهرة الشذوذ في قراءات الجاذبية قريباً من جبال الهيمالايا، والتي اشتهرت باسم لغز الهند، لم تفسر تفسيراً منطقيًّا إلا في منتصف ذلك القرن من خلال أعمال المسح، التي كان يتولى الإشراف عليها (جورج أفرست) والتي كانت تشير بوضوح إلى أنه لا يمكن تفسير هذا الشذوذ إلا بافتراض وجود امتدادات لهذه الجبال الهائلة منغرسة في جوف القشرة الأرضية إلى مسافات عميقة، وأن هذه الامتدادات إما أن تكون من نفس مادة الجبال البارزة، أو أكثر كثافة منها.
    بهذه الفرضية أمكن حل مشكلة الفارق الملاحظ في قياس المسافة بين محطة (كإلىانا) الواقعة في أحضان جبال الهيمالايا، و(كإلىان بور) البعيدة نسبياً عن جبال الهيمالايا، والواقعة في المنطقة المنبسطة، والذي قدر بحوالي (153) مترا، هذا الفرق كان قد لوحظ عندما قيست المسافة بطريقتي قياس مختلفتين: الأولى تعتمد علي حساب المثلثات، وتسمى بطريقة المسح الثلثي (Triangulation Technique) والثانية تعتمد على موقع النجم القطبي، وتسمي بطريقة المسح الفلكي (Astronoical Technique) وقد عزى جون هاري برات ( John Henry Pratt) هذا الفارق إلى تأثر الطريقة الثانية المستخدمة في القياس بقوة جذب كتلة غير منظورة، لم يتم إدخالها في المعادلات المستخدمة لإنجاز الحسابات النهائية للقياسات. وبعبارة أخرى كان يشير إلى وجود جذور (Roots) لجبال الهيمالايا ممتدة أسفل منها، وهي التي أثرت على القياسات، وأظهرت الفارق سالف الذكر.
    في عام (1865م) تقدم جورج أيري (George Airy) بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسبا للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزراً طافية على بحر من صخور أعلى كثافة. وعليه، فلا بد للجبال لضمان ثباتها واستقرارها على هذه المادة الأكثر كثافة، أن تكون لها جذور ممتدة من داخل تلك المنطقة العالية الكثافة.
    إن التفسير العلمي لنظرية جورج أيري أتى من خلال النموذج الذي قدمه الجيولوجي الأمريكي دتون في عام (1989م) (Theory of Isostasy) شارحاً به نظريته المسماة بـ (نظرية الاتزان) والمتمثل في مجموعه من حوض مملوء بالماء، شكل المجسمات الخشبية المختلفة الارتفاعات طافية فيه، وقد تبين من هذا النموذج أن الجزء المغمور في الماء من المجسمات الخشبية يتناسب طرداً مع ارتفاعه، ذاكراً أنها في حالة أسماها بحالة الاتزان الهيدروستاني (State of Hydrostatic Balance) أما التمثيل الطبيعي والتقليدي لهذه الحالة فهي في الواقع حالة جبال الجليد العائمة (Iceebergs).
    ثم تطورت العلوم وتوالت الكشوف، وانتقلت قضية جذور الجبال من مرحلة النظرية إلى الحقيقة والواقع الملموس، ثم تقدمت الأبحاث والمعارف بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات (السايزمية تحت السطحية) والتي كشفت أن القشرة الأرضية الصلبة التي نحيا عليها لا تمثل إلا طبقة رقيقة جداً قياساً بما تحتها من طبقات وتراكيب أخرى، وأن هذه الطبقة في الواقع تطلق على طبقة أعلى كثافة منها، ولكنها في حالة مانعة تكسا بالوشاح، ثم عرفنا حقيقة أخرى، تتمثل في أن استقرار واتزان القشرة الأرضية بما تحمله من جبال وتلال ووديان، لا يتم على طبقة الوشاح إلا من خلال امتدادات من مادة القشرة داخل نطاق الوشاح، وأن هذه الامتدادات لا يمكن أن تُمَثَّل عمليًّا إلا بوتر الأوتاد في تثبيت الخيمة على سطح الأرض لضمان ثباتها وعدم اضطرابها.
    ثم وصلت الأبحاث إلى مرحلة من المعرفة أمكن من خلالها رسم العديد من الخرائط تحت السطحية في أجزاء عديدة من الكرة الأرضية، كما أمكن من خلالها إثبات أن الجذور التحت سطحية تتناسب طرداً مع ما يعلوها من تراكيب؛ فهي ضحلة في حالة المنخفضات، وعميقة جداً في حالة الجبال المرتفعة. ليس هذا فحسب، بل أمكن أن نقيس أطوال هذه الجذور، وتوقع تركيبها وخواصها الطبيعية والكيميائية.
    هذا ما قاله العلم فماذا قال القرآن؟
    أليىست هذه الحقائق التي ثبتت الآن بيقين، هي ما أشار إليه كتاب الله الكريم بإيجازه المعجز، عندما قال جل من قائل: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} (النحل:15) مشيراً إلى ما خفي على الإنسان من دور ووظيفة الجبال في ثبات واستقرار الأرض التي يعيش عليها هذا الإنسان، وفي قوله تعالى: {والجبال أوتادا} (النبأ:7) مشيراً إلى الشكل الحقيقي للجبل وجذره الخفي الممتد أسفل منه. كل ذلك في كلمتين سهلتين واضحتين. ولقد أدرك العلماء المسلمون الأوائل هذه الحقائق من كتاب ربهم عندما تعرضوا لتفسير هذه الآيات الكريمة.
    مقارنة بين ما ذكره القرآن وما ذكرته الموسوعة البريطانية
    عرَّفت الموسوعة البريطانية (Encyclopedia Britannica) ذائعة الصيت (الجبال) حيث قالت: "إن الجبل هو منطقة من الأرض مرتفعة نسبياً عما حولها". ثم تحدثت الموسوعة عن سلاسل الجبال وأنواعها المختلفة. وهكذا نجد أن الموسوعة قد اقتصرت في تعريفها للجبال على الشكل الخارجي فحسب.
    والقرآن الكريم كان قد لفت انتباه الإنسان إلى (ظاهرة الجبال) كونها آية من آياته الكونية عندما قال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت} (الغاشية:17-19)، كما أن القرآن الكريم كان قد وجه الإنسان إلى تلك الحقيقة من خلال الآية الكريمة: {والجبال أوتادا} (النبأ:7) ومعرفة أسرار هذه الحقيقة ما كان متيسراً في القرون التي سبقت قرون الكشوف العلمية، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم أيضاً في قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} (الأنعام:67) إلا أن ذلك لم يمنع العالم المسلم من أن يسبق عصره في فهمه لبعض الظواهر والسنن الكونية -على الأقل في صورتها الجمالية- فكيف به لو استفاد مما هو متوفر له الآن، أو يتوفر في المستقبل من إمكانات علمية ومفاتيح معرفية.
    وسيكون العلم في عصرنا والعصور التالية برهاناً ساطعاً على صدق الوحي. وسيشهد العلماء قبل غيرهم بهذا، قال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} (سبأ:6) وستتجلى آيات الله في الآفاق والأنفس حتى يتبين للناس أن الذي أنزل على محمد هو الحق.
    * مادة المقال مستفادة من موقع (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) بتصرف.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-11-2015, 10:51 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    قصة سمكتين
    توضّح هذه القصّة قضيّة الإيمان بالغيب ، وكيف يستدلّ العاقل بآثار الكون على وجود الخالق سبحانه وتعالى ، وبإخبار النبي – صلى الله عليه وسلم - على ما لا تدركه الحواسّ من عالم الملائكة والجن والشياطين ، وما يدور في عالم البرزخ ، وأحداث يوم القيامة ، وغيرها من الأمور .
    المشهد الأول
    تحت أمواج البحار .. وبين الشعاب المرجانية ..
    عالم يموج بالحياة .. ألوانٌ شتّى من مخلوقات الله تسبح يمنةً ويسرة تبحث عن رزقها وقوت يومها ..
    وبين تلك الشعاب سمكتان توثّقت بينهما رابطة الصداقة منذ الطفولة على الرغم من اختلافهما في كل شيء .. فالسمكة (غيداء) اشتهرت بين أقرانها بجمالها الباهر .. أما السمكة ( لبيبة ) فلم يكن لها ذلك الحظ الوافر من البهاء والروعة كما لدى صاحبتها .. إلا أن الله عوضها عن ذلك بذكاء وفطنة.
    وفي صباح يوم هادئ ، خرجت السمكتان كعادتهما تتجولان بين الصخور والشعاب .. فإذا بهما تشعران بحركة واضطراب في مياه البحر .. ثم أعقبه هدوء نسبيّ يتخلّله صوت حلقات المياه المتراجعة التي سبّبها ذلك الاضطراب .. وكان سبب ذلك الصخب اقتراب أحد القوارب الكبيرة ..
    توقّف القارب بعد دقائق بالقرب من الشعاب .. ومرت لحظات من الصمت الثقيل قطعها صوت ارتطام جسم غاص في الأعماق بسرعة .. كان ذلك الجسم قطعة من المعدن اتصل بها خيط رفيع يمتد إلى السطح .. وهناك فرعٌ آخر لذلك الخيط كان يحتوي على طُعم للأسماك ..
    نظرت السمكة (غيداء) إلى الطعام أمامها فلم تتمالك نفسها من الاندفاع نحوه للفوز به .. لكن السمكة (لبيبة) أسرعت نحوها واستوقفتها قائلة :
    - ما بك يا مجنونة ؟ إلى أين تريدين أن تذهبي ؟
    - إلى الطعام بالطبع ، أتريدين أن تمنعيني من رزقٍ ساقه الله إلي ؟
    - لا تنخدعي بالمظاهر ؛ إنه فخٌّ محكم لك ولأمثالك
    - أي فخٍّ تتكلمين عنه ، ذاك طعامٌ شهيّ وفرصة لا تعوّض
    - لا تتعجّلي في الحكم على الأمور ، إنك لا تدرين ما الذي سيصيبك لو حاولت الحصول على ذلك الطعام ، سيعلق الخيط بك ، وستحاولين التخلّص منه دون جدوى ، ثم ستودّعين مملكتنا إلى عالم قاسٍ ورهيب ، فهناك فوق السطح صيّادٌ من بني البشر ينتظر قدومك بشغف ، ليس حبّاً فيكِ ، ولكن رغبةً في أن تكوني طعاماً له ولأولاده ، مصيرك يا زميلتي شواءٌ على صفيحة ساخنةٍ تتقلّبين عليها.
    نظرت السمكة (غيداء) إليها بسخرية وقالت : أي سخفٍ تقولين ؟ أنا لا أرى شيئاً مما تذكرينه ، ثم من قال لك أن وراء الأمواج التي تعلونا عالمٌ آخر ؟ إنها أفكارٌ ساذجة ابتدعها خيالك المريض.
    وبصوتٍ يملأه الشفقة قالت السمكة (لبيبة) : مسكينة أنتِ إن كنت لا تدركين وجود عالم علوي لا علم لنا به على وجه التفصيل ، فيه سماءٌ وجبال ، وأشجار ونباتات ، وشكلٌ آخر يختلف تماماً عما ترينه حولك من مظاهر الحياة عندنا .
    - ومن الذي ملأ رأسك بهذه الخيالات العجيبة التي لا دليل عليها ؟
    - تريدين الدليل ؟!! إذاً تعالي معي
    المشهد الثاني
    انطلقت السمكتان (غيداء) و (لبيبة) نحو منطقة نائية وموحشة من قاع البحر ..
    كانت مليئة بالقوارب الغارقة التي علت أركانها الطحالب ، واستوطنتها بعض الكائنات الأخرى ..
    ظلام دامس وسكون كانا يبعثان في النفس القشعريرة ، ويثيران مكامن الخوف .. وانتهى المسير بالسمكتين إلى داخل إحدى تلك القوارب.
    قالت السمكة (غيداء) : ما الذي جعلك تأتين بنا إلى مثل هذا المكان المخيف ؟ ، فأجابتها صديقتها : اصبري قليلاً يا أختاه ، فثمّة أمور يهمّك مشاهدتها!!.
    ومن شقّ لآخر .. ومن غرفة لأخرى .. وقفت السمكتان أمام مجموعة من الأدوات التي يستخدمها البشر ، وقد علاها الصدأ .
    نظرت السمكة (غيداء) حولها بدهشة وقالت : ما هذا الذي أراه؟ لا أذكر أنني شاهدت ما يشبه هذه الأدوات.
    قالت السمكة (لبيبة) : هذه مجموعة من الأدوات التي صنعها البشر ، انظري إلى تلك القطعة المعدنية ؟ إنها الأداة التي يقطّعون بها أغذيتهم ، وهذه هي صفيحة الشواء التي حدّثتك عنها ، وفوقها أداةٌ أخرى يسمّونها ( شوكة) ، ويستخدمونها في تناول أطعمتهم ، وأنت بتهوّرك تريدين أن تكوني ذلك الطعام.
    أطلقت السمكة (غيداء) نظرها نحو تلك الأطلال .. واستغرقت في تفكير عميق مدّة من الزمن ثم قالت : على الرغم مما أراه ، إلا أنه يصعب علي تصديق ما تقولين ، كما أنه لا يمكنني الجزم بأن تلك الأدوات من صنع البشر ، ولعل لها تفسيراً آخر لم تبلغه أفهامنا بعد.
    ردت عليها صاحبتها : يا عزيزتي ، إن أي عاقل تكفيه مثل هذه الدلائل على وجود العالم الآخر .. ودعيني أقدّم لك برهاناً جديداً على صدق ما ذكرته لك ، هلمّي بنا نزور شخصّية مهمّة في مملكتنا ، وأرجو أن تجدي في زيارتها ما يجيب على تساؤلاتك .
    المشهد الثالث
    في ناحية من الشعاب المرجانية .. وقفت السمكتان (غيداء) و (لبيبة) أمام إحدى البيوت . نظرت السمكة (غيداء) إلى البيت ثم قالت لصاحبتها: ولكنك لم تخبريني من الذي سنقوم بزيارته ؟
    فأجباتها قائلة : إنها السمكة (حكيمة) ، وهي من القلائل الذين أتيحت لهم فرصة الذهاب إلى ذلك العالم ثم العودة إلى الوطن .
    فتحت السمكة (حكيمة) باب المنزل ، وتبادلت الترحاب مع ضيوفها ، حتى قالت السمكة (لبيبة) : آمل ألا نكون سبباً في إزعاجك في مثل هذا الوقت ، ولكننا في الحقيقة سمعنا عن قصّتك المدهشة في الصعود إلى سطح البحر ومشاهدة ذلك العالم المجهول ، فأحببنا سماع القصّة منك مباشرة .
    - بنيّاتي !! لقد أرجعتموني بالذاكرة إلى واقعة أليمة .. وأحداث لا تمحى من سجلّ أيامي .. ولولا فضل الله عليّ ولطفه بي لما كنت بينكم الآن ..
    كان ذلك قبل وقت طويل من الزمن .. عندما كنت شابة في مثل سنّكم .. أسبح بين الشعاب ، وألتقط الطعام من هنا وهناك ، وفي يوم من الأيام ، رأيت طعاماً كبير الحجم .. جميل المنظر .. يتدلّى من أعلى سطح البحر .. فاندفعت نحوه بسرعة ودون أدنى تفكير ..
    وفجأة تغيّر حولي كل شيء .. فلا ماء ولا قاع ولا أسماك .. ولكن سماء وقارب وآلاتٌ غريبة ..
    عندها أدركت أنني غادرت عالمي إلى العالم المجهول .. ثم أبصرت أمامي واحداً من أولئك البشر الذين سارعوا بانتزاعي من الماء .. وحرّرني من الخيط الذي علق بي ثم وضعني داخل سلّة أنا ومجموعة من السمك .. كان الصيّاد يأتي بين الحين والآخر لينتزع إحدى تلك السمكات .. ثم ..
    توقّفت السمكة (حكيمة) عن الحديث ، وشخصت ببصرها لتسبح في بحر تلك الذكريات المؤلمة ، ثم قالت : رأيته يقوم بتقطيع السمكة وإخراج أحشائها .. ثم يلقيها دون رحمة في وعاء كبير تتصاعد منه الأبخرة .. فتملّكني الهلع .. وأدركت أن مصيري هو ذات المصير ما لم أتمكّن من الخروج من هذا المأزق ..
    وهكذا حزمت أمري .. وجعلت أتحرّك بسرعة وأحاول القفز .. حتى تمكّنت من الخروج من تلك السلّة .. أبصرني ذلك الصيّاد فأسرع للقبض علي .. ولكني استطعت الإفلات من يده والعودة إلى المياه من جديد .. والحمد لله على نعمة النجاة ..
    لقد تركت تلك التجربة في نفسي جروحاً غائرة وفي جسدي آثاراً لا يمحوها الزمن .. وإن كان من نصيحة أقدمها لكما ، فهي أن تحذروا من ذلك العالم .. فكم من فضول قتل صاحبه.
    المشهد الرابع
    أمام ذلك الطعم من جديد .. وقفت السمكتان ترمقان المشهد في صمت .. حتى قالت السمكة (لبيبة) : والآن .. ما رأيك؟ هل اكتفيت بما شاهدته من الآثار ، وما أخبرتنا به السمكة (حكيمة)، على ما يحصل في ذلك العالم ؟
    -بصراحة ، لم يكفني ذلك ، وأرغب في المزيد .
    - أي مزيدٍ تطلبين أكثر من ذلك ، لا تكابري يا صديقتي .
    - لست مكابرة ، ولكن أخبريني بصراحة ، لماذا يجب عليّ أن أصدّقك أنت وتلك السيّدة ؟!!
    - لأنني أريتك الآثار الدالة على وجود ذلك العالم ، والسمكة (حكيمة) أخبرتنا بمشاهدتها وتجربتها ، والعاقل يصدّق الأخبار التي تصله من الثقات ، ويؤمن بالأدلة والقرائن التي يقف عليها.
    تبدي السمكة (غيداء) عدم قناعتها فتقول لها السمكة (لبيبة) : هل رأيت سمكة القرش من قبل ؟
    -بالطبع لا .
    - كيف تؤمنين إذاً بوجودها رغم أنك لم ترينها من قبل ؟ أليس السبب أن أجدادنا قد أخبرونا بوجودها ونحن نصدّقهم ونثق بهم ؟.
    -ولكني أرى أنه لا سبيل إلى اليقين بوجود ذلك العالم إلا بأن أجرّب بنفسي الذهاب إليه.
    - ذاك هو الجنون بعينه ، أتطلبين الخروج من عالمنا ومشاهدة العالم الآخر حتى تصدقينني؟ .. لن يفيدك ذلك شيئاً .. نعم ، ستدركين حقيقة ذلك العالم .. لكن بعد فوات الأوان .. وسترين بنفسك ما يفعله البشر بك وبأمثالك .. ولن يفيدك وقوفك على الحقيقة حينئذٍ .. لأنك –وببساطة – لن يمكنك العودة إلى عالمنا!!.
    - اعذريني يا زميلتي العزيزة ، لا تحاولي منعي من المحاولة ، فأنا مصرّةٌ على ذلك!!
    - لك مطلق الحريّة فيما تفعلين ، ولكن أرجو ألا تقولي بعد ذلك أنني لم أبالغ في نصيحتك وتحذيرك .
    وانطلقت السمكة (غيداء) نحو ذلك الطعم فابتلعته ، وسرعان ما جرّها الخيط إلى العالم الآخر ، عندها أبصرت بعينها كل ما سمعته من قبل ، وعاينت الأهوال بنفسها ، وتملّكها الندم حين لا ينفع الندم .
    اسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2015, 07:35 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ركب إلى جواري في الطائرة ذات مرة شاب غريب ، بدت عليه ملامح الحزن والكآبة والانعزال عن الآخرين ، وكأنه يتوجس خيفة من كل أحد يجالسه أو يحادثه أو يصافحه .. ويتساءل عن نوع الأذى الذي ينوي إلحاقه به !
    خطر في بالي أن هذا الشاب هو بيت مغلق بأقفال ، ولكي تلج إلى هذا البيت لأي غرض كان عليك أن تبحث عن المفاتيح .
    ربما تريد أن تدخل مع هذا الإنسان أو غيره في مشاركة تجارية ، أو في مشروع تقني ، أو منجز ثقافي ، أو تطمع في دعوته إلى خير ، أو حمايته من شر ، أو تريد أن تنتفع منه بحكم وجود حالة إيجابية لديه يمكن توظيفها .. وهب أنك تريد أن تقدم له خدمة ما يحتاجها ..
    أنت هنا أمام ثري ، أو مبدع ، أو قارئ ، أو منحرف ، أو شحاذ ، أو ما شئت ..
    هو إنسان قبل أن يكون أياً من ذلك ، ويوم ولد لم يكن له لون ولا شيء معه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(النحل) ، (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..)(الأنعام) .
    وأي محاولة تواصل تتجاوز مبدأ الإنسانية ستمنى بالفشل .
    ومن حسن الحظ أنك أنت إنسان أيضاً فلديك الكثير من المعرفة المفصلة والواقعية عن الإنسان وحاجاته وضروراته ومداخله ومشاعره وأحاسيسه .
    لم يكن بمعزل عن الحكمة الإلهية العظيمة أن يبعث الله رسله من الناس ، مثلهم يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، ويتزوجون وينجبون ، ويصحون ويمرضون ، وتصيبهم الأدواء .
    ولكل إنسان أسوار لا ينبغي تقحمها ولا تجاوزها ، ومداخل تناسبه بيد أنها تحتاج إلى اللطف والبصيرة وحسن التأتي .
    وحين قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ..) (رواه مسلم).
    كان يرسم منهجاً نبوياً رائعاً في التعامل مع الآخرين ، أن تضع نفسك في موضع الإنسان الذي أمامك وأنت تتعامل معه ، ما الذي يروقه ويعجبه منك ؟
    أن تثني عليه بخير ، ولا أحد إلا ولديه من الخير ما يمكن أن يثنى به عليه ، وبصدق ، دون خداع أو تزيّد .
    أن تعرب له عن محبتك وتقديرك لشخصه الكريم .. وكيف لا تقدّر إنساناً كرمه ربه واصطفاه وأحسن خلقه ، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70) ، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر:32) ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .
    انظر في عينيه ، وابتسم له بصفاء ، وصافحه بحرارة ، وتحدث إليه وأنت منبسط هاش باش ، واختر الكلمات الجميلة السحرية
    أُضاحك ضَيفي قَبلَ إِنزال رحله وَيُخصَب عِندي وَالمَحَلُّ جَديب
    وَما الخَصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب
    قبل أن تعطيه المال ، أو توفر له الاحتياج ، أو تجود عليه بما يطلب ، أعطه وجهك وقلبك واحترامك وتقديرك ، (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً)(البقرة: من الآية263) ، اصنع هذا لزوجك الذي تدوم معه عشرتك طوال الحياة ، واصنعه لولدك الذي خرج منك فأصبح كياناً مستقلاً له شخصيته وتكوينه وحسابه ومسؤوليته الكاملة في الدنيا والآخرة .
    واصنعه مع زميلك في العمل أو شريكك أو جارك الذي تلقاه كل يوم أو كل صلاة .
    واصنعه مع الخادم أو السائق دون ازدراء لإنسانيته أو تحقير لشخصيته ، واعتقد في داخلك أنه إن كان الله فضلك عليه في الدنيا بمال أو منصب فربما يكون فضله عليك في الآخرة بتقوى أو إيمان أو سريرة من إخلاص أو عمل صالح .
    واصنعه مع الغريب الذي تراه لأول مرة ، وربما لا تراه بعدها لتوفر لديه انطباعاً إيجابياً عنك ، وعن الفئة أو الجماعة التي تنتمي إليها ، ولتمنحه قدراً من الرضا والسرور والفرح والاغتباط ، وتبعث إليه برسائل من السعادة سوف يكافؤك الله العظيم بما هو خير منها عاجلاً ، فالمعطي ينتفع أكثر من الآخذ ؛ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .
    واصنع ذلك بصفة أساسية لأولئك الناس الذين تريد أن توجههم أو تنتقدهم أو تقدم لهم نصحاً يحميهم من ردى أو يحملهم على هدى وأنت عليهم مشفق بار راشد فإياك أن تتعسف أو تتهم أو تجفو في أسلوبك فتحكم على محاولتك بالفشل المحتم حتى قبل أن تشرع فيها ، وكان الإمام أحمد يقول : " قلما أغضبت أحداً فقبل منك " .
    فإلى أولئك الذين يتبوؤون مقام التعليم والدعوة والإصلاح والاحتساب نهدي هذه الكلمات النورانية النابعة من عمق التجربة ، والمتوافقة مع هدي الأنبياء ومنهجهم ، ونص القرآن ودعوته ، رزقنا الله الحكمة والبصيرة وكفانا شر نفوسنا الأمارة بالسوء.
    د. سلمان بن فهد العودة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2015, 07:37 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الاستفهام كما يراه البلاغيون أسلوب عقلي يستخدم لإيقاظ الوجدان واستثارة العواطف شوقاً إلى ما بعد الاستفهام، لذا يعد من أميز الأساليب وأفضلها في مجال المحاجة والجدل والمناقشات التي تدور بين طرفين أو عدة أطراف، وفي مجال الخطاب الإقناعي كذلك، حيث أن له مميزات هامة وجذابة ولافتة للانتباه وجاذبة للفكر آخذة للعقل شادة للنشاط العقلي.
    لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يطرح بعض الأسئلة على أصحابه بهدف تقرير معنى، أو تثبيته لديهم، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قُدم عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟" قُلْنَا: لَا، وَاللهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"، هذا الأسلوب شائع كثير في كلام العرب وفي القرآن الكريم، ولكن اللافت للانتباه أن نصوص السنة المطهرة حافلة بظاهرة أخرى عكس هذه الظاهرة، وذلك عندما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم مفردات غريبة على الاستخدام في ذلك الوقت أو يذكر معان جديدة لمفردات مطروقة فيستثير بذلك استفهام السامعين فيتوجهون إليه بالسؤال طالبين تفسير معناها وهذا ما يعرف عند البلاغيين بالاختراع؛ وهو خَلقُ الأديب المعاني التي لم يسبق إليها، وربما سماه بعضهم: سلامة الابتداع أو سلامة الاختراع .
    مهدنا بهذه المقدمة لنقول كلمتنا التي أردنا أن نعقد عليها هذه المقالة؛ وهي أن الإسلام مثلما تضمن تطورا وارتقاء بالحياة في مختلف مشاربها وشتى أنحائها وضروبها تضمن كذلك ارتقاء بدلالات اللغة وتطويرا لمفرداتها ويلوح ذلك من خلال خطب النبي صلى الله عليه وسلم وسنته القولية في منحيين اثنين:
    المنحى الأول: إثراء مفردات اللغة بكلمات جديدة لم تكن معروفة أو شهيرة من قبل؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن ويهلك الوعول وتظهر التحوت، قيل: وما الوعول والتحوت؟ قال: الوعول: وجوه الناس والتحوت: الذين كانوا تحت أقدامهم"، [أخرجه الحاكم (4/590 ، رقم 8644) وقال: حديث رواته كلهم مدنيون ممن لم ينسبوا إلى نوع من الجرح، وابن حبان في صحيحه (15/258 ، رقم 6844)]، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ " قَالَ: " هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ "[مسلم] .
    المنحى الثاني: تحرير دلالات معاني بعض المفردات بقصرها على جزئيات مخصوصة من معاني دلالاتها أو بتغيير معانيها؛ ومن أمثلة ذلك حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله عليه السلام قال: "أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا لَهُ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي من يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ , وَيَأْتِي قَدْ قَذَفَ هَذَا، وَشَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحْنَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" [أخرجه الترمذي، وابن حبان] وعن الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ: هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ " أخرجه أحمد.
    قال ابن فارس – معللا أسباب هذه الظاهرة وأهم مظاهرها -: كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخرى بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت، فعفى الآخرُ الأولَ، فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر والمنافق؛ وإن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان، وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا؛ وكذلك الإسلام والمسلم: إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء؛ وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر؛ فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع .
    وإضافة إلى ما ذكره ابن فارس هنا من أن الإسلام أحدث ألفاظا ومعاني لم تكن موجودة قبله نجد أن الإسلام والسنة على وجه الخصوص هذبت اللغة وشذبتها فحذفت منها الألفاظ ذات الدلالات السلبية أو تلك التي تكرس معاني العنصرية والتفريق الانتقائي بين بني البشر؛ من ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقِسَتْ نفسي [رواه البخاري، ومسلم]، مع أن خبثت ولقست معناهما واحد - أي: ضعفت نفسي وساء خُلقها - لكن كره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ الخبث؛ لما فيه من القُبح والشناعة، وأرشدنا إلى استعمال الحسن، وهجران القبيح، وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يقولن أحدكم لمملوكه: عبدي، وأمتي، ولكن يقول: فتاي، وفتاتي، ولا يقول المملوك: ربي، وربتي، ولكن يقول: سيدي وسيدتي"، ومثل هذا كثير، وكما أنتجت السنة النبوية المطهرة ألفاظا جديدة للتعبير عن معان جديدة، اقتضاها الشرع والعلم فقد محت من اللغة ألفاظا قديمة، ذهبت بذهاب بعض اعتقادات الجاهلية وعاداتهم منها قولهم: "المرباع" وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه كبير القوم في الجاهلية و"النشيطة" وهي ما يحوزه الغزاة لأنفسهم من المغنم قبل قسمه، وكقولهم: "أنعم صباحا وأنعم ظلاما"، وتسمية من لم يحج "صرورة" إلى غير ذلك من ألفاظ الجاهلية التي أميتت في الإسلام.
    وهكذا نجد أن السنة النبوية المطهرة قد ارتقت بآداب الأمة وأخلاقها وسلوكها إلى قمم عالية من الرقي والسمو وارتقت كذلك بلسانها ولغتها وهذبتها غاية التهذيب فحذفت وأضافت وطورت في الدلالة مواكبة للتطور الحضاري الذي اكتنف شتى مناحي حياة الأمة بظهور الإسلام.
    اسلام ويب ( دكتور محفوظ ولد خيري )
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-11-2015, 07:39 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    يروي أهل الأدب أن زياد ابن أبيه مر بالحيرة، فنظر إلى دير هناك، فقال لخادمه: لمن هذا؟ قيل له: هذا دير حُرَقة بنت النعمان بن المنذر الذي كان ملكا على الحيرة قبل الإسلام، فقال: ميلوا بنا إليه نسمع كلامها، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: كلمي الأمير، فقالت: أأوجز أم أطيل؟ قال: بل أوجزي، قالت: كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا، وما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا، قال: فأمر لها بأوساق من شعير، فقالت له: أطعمتك يد شبعاء جاعت، ولا أطعمتك يد جوعاء شبعت، فسر زياد بكلامها، وقال لشاعر معه: قيد هذا الكلام ليدرس، فقال :
    سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتىً ذاق طعم الخير منذ قريب
    وروى أحمد بن موسى بن حمزة قال: رأيت مروان بن أبي حفصة الشاعر في دار الخلافة وهو شيخ كبير، فسألته عن جرير والفرزدق أيهما أشعر؟ فقال لي: قد سُئلت عنهما في أيام المهدي وعن الأخطل قبل ذلك، فقلت فيهم قولا عقدته في شعر ليثبت، فسألته عنه فأنشدني:
    ذهب الفرزدق بالهجاء وإنما حلو القريض ومره لجرير
    ولقد هجا فأمضَّ أخطل تغلب وحوى النهى ببيانه المشهور
    إن صحت هاتان الروايتان فهما تمثلان البداية الأولى للظاهرة التي عرفت بعد ذلك بالشعر التعليمي؛ أو الأنظام التعليمية، وهي ظاهرة تمددت في الثقافة الإسلامية وفي التعليم التقليدي كافة، بعد أن وصل القائمون عليها لقناعة بدور ملكة الحفظ والتلقين في استيعاب العلوم اللغوية والشرعية، وقد نبعت هذه الفكرة من فكرة أخرى مؤداها أن الكلام المنظوم المقفى يسهل حفظه ويكثر بين النقلة تداوله نقيض الكلام المرسل المنثور فهو لا يعلق بالذهن ولا يبقى مقتضاه في النفوس.
    وينبري الأستاذ شوقي ضيف ليوضح الفوارق الفنية بين هذا النوع من نظم الكلام وبين الشعر بمفهومه الأدبي التقليدي حيث يقول: " نحن إذن بإزاء متون تؤلف لا بإزاء أشعار تصاغ و يعبر بها أصحابها عن حاجاتهم الوجدانية أو العقلية، فقد تطور الشعر العربي وأصبحت الأرجوزة منه خاصة تؤلف من أجل حاجة المدرسة اللغوية وما تريده من الشواهد و الأمثال، والأرجوزة الأموية من هذه الناحية تعد أول شعر تعليمي ظهر في اللغة العربية، ولعل في هذا ما يدل علی المکان الذی ينبغي أن توضع فيه، أو الذی وضعت فيه فعلاً، فمکانها صحف العلماء من مثل يونس و أبي عمرو بن العلاء، يتعلمونها و يعلمونها الناس، وينقلونها إلی أذهانهم وينقشونها في عقولهم، ليدللوا بها علی مدی علمهم في اللغة ومعرفتهم بألفاظها المستعملة والمهملة".
    ثم لما نضج هذا الفن واستوى على سوقه أصبح فنا ذا حدود معرفية معروفة وألفت فيه الأنظام المتعددة في الفنون كلها وحاز إعجاب المعلمين والمتعلمين على حد سواء في مدارس علوم اللسان والشريعة، حتى أصبحت معظم الفنون التي تدرس فيها هي من فصيل الشعر التعليمي لا سواه، ومعظم المؤلفات التي يتأهل بها المتخرجون والتي اعتمدت مراجع أصيلة في التعليم منه، وما زال كثير من المنظومات معتمدا في التدريس حتى يوم الناس هذا رغم مضي أكثر من 700 عام على زمان تأليفها؛ وتتصدر هذه المراجع ألفية ابن مالك في علم النحو وهي أشهر الألفيات على الإطلاق والمستأسرة بلفظ "الألفية" عند الإطلاق دونهن، ثم ألفية الحافظ العراقي في علم مصطلح الحديث، ومنظومة الإمام الشاطبي في علم القراءات والتي تقع 1173 بيتا يتمحض منها لمباحث علم القراءات نحو 1000 بيت، وقد غطت هذه الألفيات علوما شتى منها علم النحو وعلم الصرف، وعلوم الحديث والتفسير وأصول الفقه والسيرة النبوية وعلوم البلاغة وغيرها وحتى تعبير الرؤى نظم فيه زين الدين عمر بن الوردي ألفية طبعت لأول مرة بمطبعة بولاق سنة 1285هـ.
    تربعت هذه الألفيات على قمة هرم التخصص الدقيق في فنونها إذ تحلقت حولها شبكة ضخمة من الشروح الموسوعية، ثم إن سنة الله في التطور والنمو شملتها لتظهر موسوعات شعرية أعلى تشتمل على عدة ألوف من الأبيات؛ ومن أعجب ما رأيت في ذلك أن أحد الأدباء ألف منظومة في مائة وعشرين ألف بيت طبعت في عشر مجلدات! إلا أن هذه الألفيات المطولة لم يكتب لها من القبول ما كتب للألفيات البسيطة فلم تجد من حظوة التدارس والشروح ما وجدت تلك .
    لم تلبث هذه الموسوعات الشعرية أن أصبحت تمثل عماد الثقافة الإسلامية وعمودها الفقري، خاصة بعد أن ترتب المقرر المدرسي في كل المدارس الإسلامية على ثلاث وحدات رئيسية وهي المتن والشرح والحاشية، حيث يمثل المتن لب الموضوع ويختصر مضامينه الرئيسة في ألَفاظ قليلة بحيث لا يتجاوز في المجموع صفحات قليلة يتأبطها الرجل ويخرج، ويحسن استظهار المتن وحفظه عن ظهر قلب من طرف الأستاذ والتلميذ معا، ثم الشرح وهو الكتاب الذي يتضمن حلحلة ألفاظ المتن وبسط مختصره وإيضاح مجمله، أما الحاشية: فهي شرح الشرح؛ إذ هي تعليقات على الشرح وإضافات عليه تتضمن تفصيلات نادرة غالبا، وفي الأعصار الأخيرة أضيفت وحدت رابعة وهي التقريرات على الحواشي ومن أشهرها تقريرات الأنبابي وهي عبارة عن تعليقات لطيفة على الحواشي، تعتبر حاشية على الحاشية، وهكذا نجد أن المؤلفين – منذ القرن الخامس الهجري – انخرطوا في سلك التأليف في ضمن حدود هذه الدوائر المتداخلة: المتون المستقلة ثم الشروح الموضوعة على المتون ثم الحواشي ثم حواشي الحواشي أو التقريرات، وتقيدوا بمعالجة الكتب المتداولة على هذا النمط، حتى عرف لكل فن من الفنون متون متدرجة حسب حجم المعلومات من مرحلة ابتداء طلب العلم إلى مرحلة الانتهاء أو التخصص الدقيق، وعلى كل متن من هذه المتون وضع كم هائل من الشروح يثري المادة العلمية للكتاب ويزيدها بكمية كبيرة من المعلومات لدرجة ظهرت معها الشروح المتخصصة؛ بمعنى الشروح التي تهتم بالتحليل اللغوي للمتن، فالشروح التي تهتم بالاستدلال الحديثي لأحكام المتن، فالشروح الجامعه وهكذا! بل إن معظم المؤلفين في الثقافة الإسلامية في العصور المتأخرة هم من شراح المتون أو من مؤلفي الحواشي عليها وقل الابتكار والتأليف المستقل فيها جدا، وهذا أمر تسهل ملاحظته من مطالعة أي فهرس من فهارس مؤلفات علماء الإسلام.
    هذه الطريقة في التأليف أعطت أهمية متزايدة للمتن ومن ثم ابتكر المؤلفون فكرة معالجة المتن عن طريق النظم كوجه من أوجه العطاء الفكري الذي لقي رواجا كبيرا، وإن كان بعض الكتاب يقسوا كثيرا على هذا المنهج في التأليف وينظر إليه كشكل من أشكال دخول المسلمين مرحلة الانحطاط، ولا يخفى ما في هذا الرأي من التطرف وإن كنا لا ننكر أن المبالغة في استخدام النظم ضيقت عطن العلوم وقيدت فضاءات التعبير ومساحات التفكير فيها، لكن لا ينبغي – مع ذلك - تناسي الجوانب المشرقة لحركة الأنظام الزاهية وقِوام فنها الذي لم يزل مبدعوا الأمة ينسجونه لقرون، لم تفتر فيها همم إبداعهم ولم يتوقف سيرها واستمرارها منذ زمانهم إلى اليوم.
    اسلام ويب ( د. محفوظ خيري )
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-11-2015, 00:13 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الحق هو الصحيح الثابت الذي لا يسع عاقل إنكاره بل يلزمه إثباته والاعتراف به، ومن صفاته أنه واضح لمن أراد أن يسلكه، مَنْ تَعَدَّاه ظلم ومن قصر عنه ندم، ومَنْ صارعه صرعه . وأتباعه هم خيار الخلق، عقولهم رزينة ، وأخلاقهم فاضلة، إذا عَرَفُوا الحقّ انقادوا له، وإذا رأوا الباطل أنكروه وتزحزحوا عنه.
    أمَّا الباطل فهو ما لا ثبات له ، وما لا يستحق البقاء بل يستوجب الترك والقلع والإزالة. وأتباعه من أسافل الناس وأراذلهم وسَقَطهم، يُعْرَفُون بتكبرهم عن الحق، وجهلهم بالحقائق، بل إِنْ شئت فقل سُلِبُوا نعمة العقل، فالجهل لهم إماما، والسّفهاء لهم قادة وأعلاما. فَمَا إِنْ يتكلم أحدهم حتى يُعْرَفُ فساد ما عنده، يصور الباطل في صورة الحقّ، ويستر العيوب بزخرف القول، يتلون كالحرباء، فلا يثبت على مبدأ ، ولكن إذا شاء طفا، وإذا شاء رسب،. فيصدق فيه المثل القائل : يُطَيِّنُ عَيْنَ الشَّمْسِ . أي ينكر الحقَّ الجلىَّ الواضحَ بحجج سخيفة، وإذا كان الساكت عن الحقّ شيطان أخرس ، فالمتكلّم بالباطل شيطان ناطق.
    وقد حظيت المقارنة بين الحق والباطل باهتمام الحكماء والأدباء فقالوا : الحقُّ أَبْلَجُ والباطل لَجْلَجٌ، والمعنى: الحق واضح مُشْرِق والباطل غامض . ومن أقوالهم الجامعة : دولة الباطل ساعة ودولة الحقّ إلى قيام السَّاعة، للباطل جولة ثم يضمحل وللحق دولة لا تنخفض ولا تذل ، العاقل لا يبطل حقاً ولا يحق باطلاً ، الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ، حقّ يضرُّ خيرٌ من باطل يسرُّ .
    والتدافع بين الحق والباطل أمرٌ حتمي و سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الله في كونه ، وقديما قال ورقة بن نوفل للرسول صلّى الله عليه وسلّم في بداية نزول الوحي : « إِنَّه لم يأت أحد قطّ بمثل ما جئت به إلا عُودِي » والسبب في ذلك أن الحق والباطل ضِّدِّان والضِّدِّان لا يجتمعان ، بل لم يزل أحدهما ينفر من الآخر ويدافعه حتى يزيله ويطرده ، أو على الأقل يضعفه ويمنعه من أَنْ يكون له تأثير في واقع الحياة ، لذا فمَنْ حاول الجَمَعَ بين الحق والباطل لم يجتمعا له، وكان الباطلُ أولى به!!
    والعجيب أنَّ أهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم ، وإنما يسعون إلى محق الحق وأهله وإزالتهم وصَدّ الناس عنهم بكل ما أوتوا من قوة ، ويحْتَالُون في إِضْلَالِهم بكل حِيلَةٍ و إمالتهم إِليهم بكل وسيلة ، وقد صَوَّرَ القران طَرَفًا من ذلك ، قال سبحانه frown emoticon وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ] أي : ولقد كان مكرهم بالحق وبمن جاء به من الشدة بحيث كادت الجبال بسببه تزول وتنقلع من أماكنها، لكن الله بقدرته وقوته يَرُدُّ كيدهم في نحورهم ، فلا يغن عنهم كيدهم ولا مكرهم شيئا، قال سبحانه : [ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ] أي: يفسد ويبطل ، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فأمرهم لا يروج ويستمر إلا على غبي أو متغابي.
    والباطل مهما ملك من القوة والعتاد دائما ذليل ، و الحق دائما عزيز شعار صاحبه و المدافع عنه [لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى]، وهي العبارة التي ذَكَّر الله بها موسى عندما أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً من سحر فرعون وضخامته، ومعناها كما يقول صاحب الظلال : أنت الأعلى لأن معك الحق ومعهم الباطل. معك العقيدة ومعهم الحرفة. معك الإيمان بصدق ما أنت عليه ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة. أنت متصل بالقوة الكبرى وهم يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا. ان القوة المادية- كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنساناً يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية. فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال! انتهى كلامه
    والثابت بيقين أَنَّ الغلبة دائما للحق، أَمَّا الباطل فأمره الى زوال، وتلك سنة لا تتخلف أبداً : [فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض] والزَبَد :ما يعلو الماءَ وغيره من الرَّغوة عند غليانه أو سرعة حركته، ووجه الشبه هنا أَنَّ الحق في استقراره ونفعه كالماء المستقرّ النافع، وكالمعدن النّقي الصّافي. والباطل في زواله وعدم نفعه كالرغوة التي يقذفها السّيل على جوانبه، وكشوائب المعدن التي يطرحها ويتخلّص منها عند انصهاره، فيبقى الحقّ ويثبت، ويزول الباطل ويتبدّد.
    ومما يجب أنْ يُعرف أنَّه إِذا كان النصر أمر لا شك فيه فإِنَّه لا يأتي دون جهد عظيم يُبْذَلُ وتضحيات تُقَدَّمُ ، كما أنَّه قد يتأخر لأنَّ الله تعالى يريد لأهله النصر الأكبر والأكمل والأعظم والأدوم والأكثر تأثيراً في واقع الحياة وفي عموم الناس ، يدل على ذلك أنَّ نصر الرسول الكريم ومن معه من المؤمنين لم يحصل في يوم وليلة ولا سنة واحدة ، وإنَّما تأخر مدة ، ثم جآءهم النصر الذي دخل بسببه الناس في دين الله أفواجاً . اللهم ارزقنا حسن الثقة بك ، واجعلنا ممن يعلمون الحق ويعملون له ويوقنون بانتصاره كأنما يرونه رَأْيَ الْعَيْنِ. آمين
    دكتور : أحمد عبد المجيد مكي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-11-2015, 00:14 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الإسعافات الأولية ... عندما يساوي الوقت الحياة
    يكتسب الوقت قيمة كبيرة في الحياة، قد تزداد هذه القيمة أو تنخفض حسب الإحساس بأهميته، والقدرة على تحقيق الاستفادة القصوى منه، لكن ثمة ظروف ولحظات يبلغ فيها مؤشر أهمية الوقت حده الأقصى، خصوصا عندما يصبح فارقا بين الحياة والموت، فبضع دقائق – وربما ثوان – إذا ما أحسنت إدارتها واستغلالها قد تنقذ حالات من موت محقق كما أن نفس اللحظات قد تتسبب وبشكل مباشر في الموت إذا ما لم يتم استغلالها على النحو الأمثل، مجال الإسعافات الأولية وطب الطوارئ بشكل عام من المجالات التي تتعاظم فيها أهمية الوقت لحضوره كعامل أساسي وفيصلي في محافظة المصاب على حياته أو انتقاله إلى سجلات الموتى أو المعاقين في أحسن الأحوال.
    بشكل تفصيلي أصبح مجال الإسعافات الأولية من المجالات الضرورية والمهمة في الحياة العامة، وجزءً من الثقافة الصحية التي لا يسع أحدا جهلها مهما كان اختصاصه أو دائرة عمله، ذلك أن وسائل الرفاهية والدعة المعاصرة جلبت معها الكثير من نوبات الطوارئ الصحية التي لا بد لها من تدخل سريع يشكل إعادة لنفث دورة الحياة مرة أخرى في عجلة النشاط الصحي التي أصبحت تعاني من المرور بالكثير من محطات التوقف؛ فالسكتات بشتى أنواعها؛ السكتة القلبية والدماغية ونوبات ضعف التنفس أو توقفه قد تفاجئك في أي لحظة ودون سابق إنذار، ولا بد من إدراك تام بالكيفية اللازمة لإدارة والتعامل مع هذا النوع من الحالات حتى نستطيع المساهمة في إنقاذ نفس يساوي إنقاذها إحياء الناس جميعا، كما أن إصابات السير وحوادث الطرق والاصطدام والسقوط والارتطام هي الأخرى تمثل قدرا لا يستهان به من الحالات التي تحدث يوميا وبشكل متكرر على مقربة منا، وقد نكون - لا قدر الله – شاهد عيان عليها أو جزء منها؛ ذلك أن حضور الآلة وبشكل مكثف بكل ما تحمله من خصائص صلبة وميكانيكية حادة في نمط حياتنا اليومي زاد من مضاعفات الخطر، فالتسلح بسلاح المعرفة خير ما يعين على التفاعل بشكل إيجابي مع هذا النوع من المواقف .
    ولحسن الحظ فإن الدورات المتخصصة في مجال إسعاف حالات الطوارئ أصبحت متوفرة ويمكن الحصول عليها أو على الأقل مشاهدتها دون كبير مشقة، كما أن المراجع المتخصصة في هذا المجال الحيوي متوفرة وبكل اللغات، ويمكن تحقيق قدر لا بأس به من الوعي اللازم بثقافة التدخل الصحي في حالات الطوارئ من مجرد الاطلاع عليها وتطبيقها تحت إشراف المختصين، لكن ما نحب أن نلفت الانتباه إليه هنا هو بعض القواعد والخطوات العامة؛ المتعلقة باستثمار الوقت في إنجاح عمليات الإسعاف:
    أولا: لا بد من ضبط الأعصاب والتعامل مع الموقف بالهدوء والثقة اللازمين حتى يتسنى للمسعف مساعدة أكبر قدر من المصابين في وقت زماني قياسي .
    ثانيا: في حالات كثيرة قد لا يوفر محل الإصابة - بالضرورة – البيئة النموذجية للمعالجة ومن ثم فإن المسعف الناجح هو الذي يستفيد منه فقط بالقدر الذي يسمح بالمحافظة على صحة وحياة المصاب حتى يصل إلى أقرب مشفى أو نقطة صحية ليتلقى علاجا متخصصا.
    ثالثا: لا بد من ترتيب الأوليات فمثلا لا ينبغي الاهتمام بظروف وإصابات سطحية على حساب إصابات أعمق وأخطر، حتى الرعاية والاهتمام بالمصابين أو المرضى لابد أن تتناسب مع حِدَّة الإصابة ودرجتها؛ فعلينا تركيز العناية أولا على المرضى ذوي الإصابات الخطيرة التي قد تهدد الحياة مثل النزيف الدموي الحاد وحالات انسداد مجاري التنفس كليا أو جزئيا ثم العناية بمن هم أخف منهم إصابة ... وهكذا، وعلى مستوى المصاب الواحد يجب ترتيب العناية بالإصابات – في حالة وجود أكثر من إصابة – بالقانون ذاته؛ البدء بالإصابات الخطيرة ثم الأخف.
    رابعا: في حالة وجود مسعفين ذوي خبرة أكثر أو مهارات أكبر ينبغي إفساح المجال أمامهم توفيرا لجزء من الوقت الشحيح في مثل هذا النوع من الظروف.
    تبدو الطبيعة البيولوجية لتركيبة الكائن الحي حساسة تجاه الصدمات وحوادث الارتطام وهو ما يعط الوقت أهمية متعاظمة في حالات الطوارئ والحوادث وتدخلات الإنقاذ السريع، والأمثلة التالية خير شاهد على ذلك:
    • فقدان الدم عن طريق خروجه من الأوعية الدموية إلى خارج الدورة الدموية أي ما يعرف بالنزف الدموي بمعدل أكثر من 2,2 لتر للكبار و6 لتر للأطفال حسب الوزن يؤدي إلى قطع الأوكسجين عن بعض الأعضاء الحساسة والحيوية في الجسم مثل الدماغ والقلب مما يسبب لها التلف والوفاة.
    • لا يستطيع الدماغ أن يبقى حيا سوى أربع دقائق تقريبا بعد انقطاع التروية الدموية عنه، وهو أول الأعضاء تأثرا وموتا نتيجة توقف القلب عن النبض، وتوقف الدم عن الجريان في الأوعية الدموية .
    • النزف الدماغي الداخلي يمكن أن يؤدي من خلال الضغط على خلايا الدماغ إلى الوفاة في فترة لا تتعدى الدقائق حسب نوع ومنطقة الخلايا المتأثرة (دماغ، معدة، رئتين) .
    • تضيق المسالك الهوائية العلوية إلى حد الانسداد أو شبه الانسداد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يتلقى المصاب إنعاشا رئويا وقلبيا في فترة لا تتعدى الخمس دقائق .
    • توقف القلب وفقدانه لوظيفته الحيوية يؤدي إلى موت محتوم ما لم يتلق المصاب الإسعاف الفعال وبشكل فوري، لكن فرصة النجاة تنخفض بنسبة 10 % مع كل دقيقة تأخير، وتنعكس أعراضه بشكل مباشر في فقد الوعي وعدم وجود نبض للمريض وتوقف التنفس تقريبا .
    كل هذه التظاهرات المرضية شائعة ومنتشرة في حالات الحوادث والصدمات الطارئة التي تحتاج تدخلا إسعافيا عاجلا، وكل هذا يجعل من مجال الإسعافات الأولية وسرعة تلقي المصاب لها بعد أقل فترة عقب الحادث أمرا ضروريا وهاما في النشاط الحياتي اليومي، لذلك فإن من إجراءات السلامة الضرورية - التي لا نعمل بها غالبا اليوم مع الأسف - اصطحاب حقيبة إسعافات أولية وإيداعها في الصندوق الخلفي للسيارة مثلا بعد الإطلاع على الإجراءات اللازمة لاستخدامها
    غني عن القول أن هذه الإصابات كلها أو بعضها قد تفاجئنا في أنفسنا أو في عزيز علينا أو في أي نفس بشرية لذلك فإن الاستعداد التام للتدخل في مثل هذه المواقف والتسلح بالأدوات والمعرفة اللازمة لإنقاذ النفس البشرية في مثل هذه المواقف يعد من الأهمية بمكان، وفيه استثمار للطاقة والوقت اللذين يساعدان بشكل كبير في إنقاذ حياة الكثيرين وتجنيبهم عاهات مستديمة كانت يمكن أن تقعد بهم بقية حياتهم أو تسلبهم حياتهم، ومن هذا المنطلق يؤكد اختصاصيو طب الطوارئ أن كل دقيقة تمر على المصاب من دون إسعاف أو تلق للعلاج تقلل من فرص هذا المصاب في النجاة والبقاء على قيد الحياة، لذا فإن الوقت هنا يعني الفرق بين الحياة والموت.
    د. محفوظ ولد خيري
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-11-2015, 09:55 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون
    الاعتراض على نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - والنيل منها، والتنقص من قدرها، وتوهين أمرها، أمر كان ولا يزال شغل المشككين في هذا الدين، والضعفاء من أتباعه وأشياعه.
    وفي هذا السياق، يطالعنا من يعلم ظاهرًا من العلم دون حقيقته، بأن ثمة تعارضًا بين آيات وردت في القرآن الكريم، تصرح بأن دخول الجنة إنما يكون بعمل العبد، ونتيجة لسعيه وكسبه؛ في حين أن هناك أحاديث وردت في "الصحيحين" تصرح أيضًا أن دخول الجنة ليس جزاء لعمل العبد، ولا هو نتيجة لسعيه، وإنما هو بفضل الله ورحمته.
    ويفصل البعض الشبهة، بقوله: "إن حديث: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) مخالف لقوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} (النحل:32) ويضيفون إلى هذا قائلين: إن في القرآن آيات كثيرة في هذا المعنى...وإن (صحيح البخاري) فيه أصح الأحاديث، ولكن الناس بالغوا في تقديره، حتى وصلوا إلى تقديسه، مع أن المحدِّثين يقررون أن الحديث مهما كانت درجته، إذا خالف القرآن، ولم يمكن التوفيق بينه وبين الآية، نحكم بأن الرسول لم يقله".
    هذا حاصل قول من قال بهذه الشبهة. ومراد قائلها أن يضع ويقلل من قيمة (صحيح البخاري) ومن باب أولى أن يسحب هذا الطعن إلى ما سواه من كتب السنة؛ وذلك بحجة أن فيها ما يعارض القرآن ويخالفه!!
    وليس غرض مقالنا الرد على من أراد الطعن في كتب السنة، وما حوته من أحاديث وآثار، فقد كتب في هذا الكثير، وفي محور الحديث على موقعنا ما يفي بهذا الغرض، لكن حسبنا في مقالنا هذا أن نبين وجه التوفيق والجمع فيما يبدو من تعارض بين الآية والحديث، إذ هو الأليق بموضوع هذا المحور، محور القرآن الكريم.
    وللوصول إلى ما عقدنا المقال لأجله، نستعرض بداية بعضًا من الآيات القرآنية التي تثبت وتصرح بأن دخول العبد الجنة إنما هو بعمله، وجزاء لسعيه؛ ثم نردف تلك الآيات ببعض الأحاديث التي تقرر وتصرح بأن دخول الجنة ليس نتيجة لعمل العبد، ولا هو جزاء على سعيه وكده، وإنما هو بفضل الله ورحمته؛ ثم نعطف على ذلك بنقل أقوال أهل العلم في وجوه التوفيق بين الآيات والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، محاولين أن نستخلص منها القول الفصل في هذة المسألة. لكن قبل هذا وذاك نرى من المناسب -بل وربما من المهم- أن نمهد بكلمة موجزة تتعلق بمسألة التعارض بين نصوص الشريعة، فمن هذه النقطة نبدأ، فنقول:
    إن القول بوجود تعارض حقيقي بين نصوص الشريعة -قرآنًا وسنة صحيحة- إنما يصدر عن أحد رجلين؛ إما عن جاهل لا حظ له من علم الشريعة في شيء، فمن كان هذا شأنه فليس من المستغرب أن يصدر عنه مثل هذا القول، ويبني عليه ما يريد أن يبني؛ وإما عن حاقد مضاد لهذه الشريعة، يتقول عليها ما يوافق أغراضه وأهوائه، وغير هذين الرجلين لا نقف على قائل بوجود تعارض تام بين نصوص الشريعة، أو تناقض فيما جاءت به من أحكام وأخبار.
    ثم إنه من المفروغ منه عند كل من رضي الإسلام دينًا، والتزم به شرعة ومنهجًا، أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة، كلاهما يصدران عن مشكاة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك كان وجود التعارض بين نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - أمرًا غير واقع، بل هو غير وارد بحال من الأحوال، وإن بدا شيء من ذلك فهو فيما يبدو للإنسان بسبب محدودية قدراته العقلية، لا على أن واقع الأمر كذلك. كيف لا وقد قال الله سبحانه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فالآية الكريمة تقرر وتبين أن القرآن لو كان من عند غير الله سبحانه، لكان الاختلاف فيما جاء فيه وتضمنه أمر كائن وحاصل، بل هو الأمر الطبعي، أما وإنه ليس كذلك، إذ هو من عند الله سبحانه، فإن وقوع الاختلاف فيه أوالتناقض أمر غير وارد؛ لأن ذلك مما لا يليق بصفات الله سبحانه وتعالى.
    ثم إن نفي الاختلاف الوارد في الآية الكريمة الآنفة الذكر، ليس عن القرآن فحسب، بل هو أيضًا عن السنة الصحيحة الثابتة؛ لأنها شارحة ومفصلة ومبينة للقرآن، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44) وإذا كان الأمر كذلك، ثبت أن شأن القرآن والسنة واحد، ما دام أن مصدرهما واحد، وبالتالي امتنع أن يقع التعارض الحقيقي بينهما.
    على أنه لا يُنكر وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وأخرى، أو بين آية وحديث، أو بين حديث وحديث؛ لكن كل ما يبدو من هذا وذاك، هو عند التحقيق والتدقيق منتف ومعدوم، وإنما هو تعارض فيما يبدو للناظر، لا أنه كذلك في واقع الأمر.
    أجل هذا الملحظ، وجدنا أهل العلم -وخاصة علماء الأصول- يخصصون فصولاً في كتبهم تحت عنوان (التعارض والترجيح بين الأدلة) أو شيء من هذا القبيل، وهم يبحثون فيها ما كان من الأدلة ظاهره التعارض، ويقررون في ذلك قواعد تتعلق بالتوفيق والترجيح بين النصوص المتعارضة في ظاهرها، والمتوافقة في حقيقتها.
    فإذا تبين ما تقدم، ظهر لنا أن ما قامت عليه هذه الشبهة من بنيان، إنما هو في الحقيقة بنيان هاو وهار؛ من جهة أن النصوص التي قامت عليها هذه الشبهة نصوص ثابتة لا شك في سندها، ولا مطعن فيها بحال، وإنما الطعن والشك قد يرد على طريقة فهمها، ومنهج التوفيق بينها، مما قد تختلف فيه الأنظار، وتتباين فيه الأفكار.
    بعد هذا التوضيح لمسألة التعارض بين النصوص، نتجه صوب الشبهة -موضوع حديثنا- لنرى مدى صحة هذه الشبهة، ومدى قوة أو ضعف ما قامت عليه واستندت إليه. وهذا ما نسعى إلى توضيحه في الفقرات التالية، فنقول:
    وردت في القرآن الكريم آيات صريحة، تبين أن دخول الجنة مرتبط بعمل الإنسان، ومتوقف على سعيه وجهده في هذه الحياة. ويفهم من تلك الآيات أن ثمة علاقة سببية بين فعل الإنسان ودخوله الجنة، وأن العمل سبب للدخول، وأن الدخول نتيجة للعمل؛ من ذلك نورد الآيات الآتية:
    - قوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} (الأعراف:43) وقال تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} (النحل:32) ويقول سبحانه: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} (الزخرف:72) فهذه الآيات وما شاكلها تدل على أن سعي الإنسان وكسبه والعمل بما أمر الله به كان سببًا لدخوله الجنة. ويفهم من هذه الآيات أن من لم يعمل بطاعة الله في هذه الدنيا، ولم يلتزم بأحكام شرعه فليس له نصيب من الجنة، ولن يكون من داخليها ولا من أصحابها. فهذا بعض من الآيات الواردة في هذا الشأن؛ أما الأحاديث، فنسوق منها:
    - ما رواه البخاري في "صحيحه" أن أبا هريرة رضي الله عنه،قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) وقد روى البخاري هذا الحديث في موضعين آخرين من "صحيحه" بألفاظ متقاربة.
    - وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لن ينجي أحدًا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله ! قال: ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) وقد روى مسلم هذا الحديث في مواضع أُخر من "صحيحه" بألفاظ متقاربة أيضًا.
    - والحديث رواه عدد من أئمة الحديث؛ فهو في (صحيح ابن حبان) و(مسند الإمام أحمد) و(سنن ابن ماجه) و(السنن الكبرى للبيهقي) وهو عند الطبراني في (المعجم الكبير) و(الأوسط) وهو في (مسند أبي يعلى) و(مسند الطيالسي) وغيرها من كتب الحديث.
    وإذا كان الأمر كذلك، فالحديث ثابت سندًا لا شك فيه ولا مطعن، وهو إن لم يكن إلا في "الصحيحين" لكفى، فكيف وهو في غيرها من كتب الحديث.
    بعد ما تبين من تحرير موضع الشبهة، يجدر بنا أن نتجه إلى أقوال أهل العلم -وشراح الحديث منهم خاصة- لنرى ماذا يقولون في توجيه هذا التعارض، وماذا يقررون في منهج التوفيق بين الآية والحديث؛ والبداية مع الإمام النووي في شرحه على (صحيح مسلم) فماذا يقول النووي عند شرحه لحديث: (لن ينجي أحدًا منكم عمله)؟
    - بعد أن يقرر الإمام النووي عقيدة أهل السنة في مسألة الثواب والعقاب، وأن ذلك ثابت بالشرع لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة، يقول بعد تلك التقدمة: "...وفى ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لايستحق أحد الثواب والجنة بطاعته) ثم يورد ما يَرِدُ من اعتراض أو تعارض بين هذا الحديث -وما شاكله من أحاديث- وبعض الآيات القرآنية، فيقول: (وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} {وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدْخَل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة"، إذن، يقرر النووي ألا تعارض بين الآيات والأحاديث، وأن وجه التوفيق بينهما، بأن يقال: إن دخول الجنة نتيجة لعمل العبد، لكن عمل العبد لا يكون إلا بتوفيق من الله، وفتح منه، وبذلك تتفق النصوص وتتوافق. وهذا حاصل ما قرره النووي في هذه المسألة.
    - أما ابن حجر في (فتح الباري) فهو ينقل بعضًا من أقوال أهل العلم في المسألة؛ لبيان وجه التوفيق بين الأحاديث والآيات الواردة في هذا الشأن؛ فنقل قول ابن بطال بأن: "تحمل الآية على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها".
    ويدلي ابن حجر بدلوه في المسألة، فيقول: "ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك، فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه. وعلى هذا، فمعنى قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} أي: تعملونه من العمل المقبول. ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية". وما قرره ابن حجر يلتقي في المحصلة مع ما قرره النووي.
    - أما ابن كثير، فيقول في توجيه هذا التعارض: "...{وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات يُنال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات...) ثم يؤيد هذا التوجيه للآية، بما رواه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أهل النار يرى منـزله من الجنة، فيكون له حسرة، فيقول: {لو أن الله هداني لكنت من المتقين} (الزمر:57) وكل أهل الجنة يرى منـزله من النار، فيقول: {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} (الأعراف:43) فيكون له شكراً) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد إلا وله منـزل في الجنة ومنزل في النار؛ فالكافر يرث المؤمن منـزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منـزله من الجنة . وذلك قوله تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} (الزخرف:72). وحاصل كلام ابن كثير في هذه المسألة، أنه لا تعارض بين الآيات الدالة على ارتباط الجزاء بالعمل، وبين الأحاديث الدالة على أن دخول الجنة إنما يكون بفضل الله وبرحمته؛ من جهة أن القيام بالأعمال إنما هو حاصل من الله سبحانه بتوفيق العبد للقيام بها، وليس للعبد في ذلك سببية حقيقية في القيام بهذه الأعمال، ونيل الجزاء عليها، بل هي سببية عادية على حسب ما أقام الله عليه أمر الدنيا من الأسباب الظاهرة.
    - ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية وجه التوفيق بين الآية والحديث، بأن نيل الجنة ليس لمجرد العمل؛ إذ العمل مجرد سبب فحسب؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل..) أما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} قال: فهذه (باء السبب) أي: بسبب أعمالكم؛ والذى نفاه النبي صلى الله عليه وسلم ( باء المقابلة ) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: هذا مقابل هذا؛ ويكون المعنى: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا لدخول الجنة، بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته؛ فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات.
    - وقد سار ابن القيم على درب شيخه في التوفيق بين ما يبدو من تعارض الآية والحديث، واستحسن في الجواب أن يقال: إن (الباء) المقتضية لدخول الجنة، غير (الباء) التي نفي معها الدخول؛ فالمقتضية هي (باء) السببية، الدالة على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، ومقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها؛ و( الباء ) التي نفي بها الدخول، هي (باء) المعاوضة والمقابلة، التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا؛ فالحديث النافي أن يكون العمل سببًا لدخول الجنة، يقرر ويفيد أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل العبد، بل هو برحمة الله وفضله، فليس عمل العبد وإن تناهى موجبًا وكافيًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها. فإن أعمال العبد وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقارن نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله. وهذا حاصل جواب ابن القيم في هذه المسألة.
    - على أن المتأخرين من أهل العلم، لم يخرجوا في التوفيق بين الآية والحديث عن فحوى ما قاله المتقدمون؛ فهذا ابن عاشور في (التحرير والتنوير) يقول: "و(الباء) في قوله: {بما كنتم تعملون} سببية، أي: بسبب أعمالكم، وهي الإيمان والعمل الصالح". لكن السببية هنا ليست سببية محضة، بل هي سببية ظاهرة كما قدمنا؛ لذلك نجده يُتبع ما تقدم من كلامه بالقول: "وهذا الكلام ثناء عليهم بأن الله شكر لهم أعمالهم، فأعطاهم هذا النعيم الخالد لأجل أعمالهم، وأنهم لما عملوا ما عملوه من العمل، ما كانوا ينوون بعملهم إلا السلامة من غضب ربهم، وتطلب مرضاته شكرًا له على نعمائه، وما كانوا يمتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه، وذلك لا ينافي الطمع في ثوابه والنجاة من عقابه،. وقد دلل ابن عاشور على هذا التوجيه، بأن الآية جمعت بين لفظ (الإيراث) في قوله سبحانه: {أورثتموها} وبين (باء) السببية، في قوله تعالى: {بما كنتم تعملون} وذلك أن لفظ (الإيراث) دال على أنها عطية، بدون قصد تعاوض ولا تعاقد، وأنها فضل محض من الله تعالى؛ لأن إيمان العبد بربه وطاعته إياه لا يوجب إلا نجاته من العقاب، الذي من شأنه أن يترتب على الكفران والعصيان، وإلا حصول رضى ربه عنه، ولا يوجب جزاء ولا عطاء. وهذا محصل كلام ابن عاشور في هذه المسألة.
    وفي الجملة، نستطيع أن نلخص أقوال أهل العلم في التوفيق بين الآية والحديث، بالنقاط التالية:
    * أن الأعمال ليست سببًا حقيقًا لدخول الجنة، وإنما هي سبب حسب الظاهر والمعتاد والمألوف؛ وأن دخول الجنة إنما يحصل بفضل الله ورحمته.
    * أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكن التوفيق للقيام بالأعمال، إنما هو من الله سبحانه؛ فضلاً منه على عباده، ورحمة منه لخلقه؛ ولولا رحمة الله وفضله لما وِفِّق العباد لفعل الطاعات، التي يحصل بها دخول الجنات.
    * أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكنها ليست مقابلاً لها؛ فمن أراد دخول الجنة بعوض يقابلها، فلن يجد إلا رحمة الله وفضله، وتكون أعمال العباد سببًا لنيل تلك الرحمة.
    * أن أصل دخول الجنة إنما هو بفضل الله، لكن اقتسام درجاتها ومنازلها، مرده إلى عمل العباد؛ فيقع التفاوت في تلك الدرجات والمنازل بحسب الأعمال؛ كما قال بعض السلف: ينجون من النار بعفو الله ومغفرته، ويدخلون الجنة بفضله ونعمته ومغفرته، ويتقاسمون المنازل بأعمالهم.
    على أن الأمر الذي يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن ما نص عليه الحديث من كون دخول الجنة إنما يكون بفضل الله ورحمته، لا يفهم منه التقليل من سعي العبد وكسبه؛ لذلك جاء في الحديث نفسه: (سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) أي: اقصدوا بعملكم الصواب، أي: اتباع السنة من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم، فتنـزل عليكم الرحمة.
    نخلص من كل ما تقدم -وهو ما عقدنا المقال لأجله- أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول الأمين، وأن وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وحديث، لا يعني بحال إسقاط ذلك الحديث، وعدم اعتباره. ومن ظن أو اعتقد خلاف ذلك، فليس على بينة من أمره.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-11-2015, 01:39 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون
    الاعتراض على نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - والنيل منها، والتنقص من قدرها، وتوهين أمرها، أمر كان ولا يزال شغل المشككين في هذا الدين، والضعفاء من أتباعه وأشياعه.
    وفي هذا السياق، يطالعنا من يعلم ظاهرًا من العلم دون حقيقته، بأن ثمة تعارضًا بين آيات وردت في القرآن الكريم، تصرح بأن دخول الجنة إنما يكون بعمل العبد، ونتيجة لسعيه وكسبه؛ في حين أن هناك أحاديث وردت في "الصحيحين" تصرح أيضًا أن دخول الجنة ليس جزاء لعمل العبد، ولا هو نتيجة لسعيه، وإنما هو بفضل الله ورحمته.
    ويفصل البعض الشبهة، بقوله: "إن حديث: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) مخالف لقوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} (النحل:32) ويضيفون إلى هذا قائلين: إن في القرآن آيات كثيرة في هذا المعنى...وإن (صحيح البخاري) فيه أصح الأحاديث، ولكن الناس بالغوا في تقديره، حتى وصلوا إلى تقديسه، مع أن المحدِّثين يقررون أن الحديث مهما كانت درجته، إذا خالف القرآن، ولم يمكن التوفيق بينه وبين الآية، نحكم بأن الرسول لم يقله".
    هذا حاصل قول من قال بهذه الشبهة. ومراد قائلها أن يضع ويقلل من قيمة (صحيح البخاري) ومن باب أولى أن يسحب هذا الطعن إلى ما سواه من كتب السنة؛ وذلك بحجة أن فيها ما يعارض القرآن ويخالفه!!
    وليس غرض مقالنا الرد على من أراد الطعن في كتب السنة، وما حوته من أحاديث وآثار، فقد كتب في هذا الكثير، وفي محور الحديث على موقعنا ما يفي بهذا الغرض، لكن حسبنا في مقالنا هذا أن نبين وجه التوفيق والجمع فيما يبدو من تعارض بين الآية والحديث، إذ هو الأليق بموضوع هذا المحور، محور القرآن الكريم.
    وللوصول إلى ما عقدنا المقال لأجله، نستعرض بداية بعضًا من الآيات القرآنية التي تثبت وتصرح بأن دخول العبد الجنة إنما هو بعمله، وجزاء لسعيه؛ ثم نردف تلك الآيات ببعض الأحاديث التي تقرر وتصرح بأن دخول الجنة ليس نتيجة لعمل العبد، ولا هو جزاء على سعيه وكده، وإنما هو بفضل الله ورحمته؛ ثم نعطف على ذلك بنقل أقوال أهل العلم في وجوه التوفيق بين الآيات والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، محاولين أن نستخلص منها القول الفصل في هذة المسألة. لكن قبل هذا وذاك نرى من المناسب -بل وربما من المهم- أن نمهد بكلمة موجزة تتعلق بمسألة التعارض بين نصوص الشريعة، فمن هذه النقطة نبدأ، فنقول:
    إن القول بوجود تعارض حقيقي بين نصوص الشريعة -قرآنًا وسنة صحيحة- إنما يصدر عن أحد رجلين؛ إما عن جاهل لا حظ له من علم الشريعة في شيء، فمن كان هذا شأنه فليس من المستغرب أن يصدر عنه مثل هذا القول، ويبني عليه ما يريد أن يبني؛ وإما عن حاقد مضاد لهذه الشريعة، يتقول عليها ما يوافق أغراضه وأهوائه، وغير هذين الرجلين لا نقف على قائل بوجود تعارض تام بين نصوص الشريعة، أو تناقض فيما جاءت به من أحكام وأخبار.
    ثم إنه من المفروغ منه عند كل من رضي الإسلام دينًا، والتزم به شرعة ومنهجًا، أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة، كلاهما يصدران عن مشكاة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك كان وجود التعارض بين نصوص الشريعة - قرآنًا وسنة - أمرًا غير واقع، بل هو غير وارد بحال من الأحوال، وإن بدا شيء من ذلك فهو فيما يبدو للإنسان بسبب محدودية قدراته العقلية، لا على أن واقع الأمر كذلك. كيف لا وقد قال الله سبحانه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فالآية الكريمة تقرر وتبين أن القرآن لو كان من عند غير الله سبحانه، لكان الاختلاف فيما جاء فيه وتضمنه أمر كائن وحاصل، بل هو الأمر الطبعي، أما وإنه ليس كذلك، إذ هو من عند الله سبحانه، فإن وقوع الاختلاف فيه أوالتناقض أمر غير وارد؛ لأن ذلك مما لا يليق بصفات الله سبحانه وتعالى.
    ثم إن نفي الاختلاف الوارد في الآية الكريمة الآنفة الذكر، ليس عن القرآن فحسب، بل هو أيضًا عن السنة الصحيحة الثابتة؛ لأنها شارحة ومفصلة ومبينة للقرآن، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44) وإذا كان الأمر كذلك، ثبت أن شأن القرآن والسنة واحد، ما دام أن مصدرهما واحد، وبالتالي امتنع أن يقع التعارض الحقيقي بينهما.
    على أنه لا يُنكر وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وأخرى، أو بين آية وحديث، أو بين حديث وحديث؛ لكن كل ما يبدو من هذا وذاك، هو عند التحقيق والتدقيق منتف ومعدوم، وإنما هو تعارض فيما يبدو للناظر، لا أنه كذلك في واقع الأمر.
    أجل هذا الملحظ، وجدنا أهل العلم -وخاصة علماء الأصول- يخصصون فصولاً في كتبهم تحت عنوان (التعارض والترجيح بين الأدلة) أو شيء من هذا القبيل، وهم يبحثون فيها ما كان من الأدلة ظاهره التعارض، ويقررون في ذلك قواعد تتعلق بالتوفيق والترجيح بين النصوص المتعارضة في ظاهرها، والمتوافقة في حقيقتها.
    فإذا تبين ما تقدم، ظهر لنا أن ما قامت عليه هذه الشبهة من بنيان، إنما هو في الحقيقة بنيان هاو وهار؛ من جهة أن النصوص التي قامت عليها هذه الشبهة نصوص ثابتة لا شك في سندها، ولا مطعن فيها بحال، وإنما الطعن والشك قد يرد على طريقة فهمها، ومنهج التوفيق بينها، مما قد تختلف فيه الأنظار، وتتباين فيه الأفكار.
    بعد هذا التوضيح لمسألة التعارض بين النصوص، نتجه صوب الشبهة -موضوع حديثنا- لنرى مدى صحة هذه الشبهة، ومدى قوة أو ضعف ما قامت عليه واستندت إليه. وهذا ما نسعى إلى توضيحه في الفقرات التالية، فنقول:
    وردت في القرآن الكريم آيات صريحة، تبين أن دخول الجنة مرتبط بعمل الإنسان، ومتوقف على سعيه وجهده في هذه الحياة. ويفهم من تلك الآيات أن ثمة علاقة سببية بين فعل الإنسان ودخوله الجنة، وأن العمل سبب للدخول، وأن الدخول نتيجة للعمل؛ من ذلك نورد الآيات الآتية:
    - قوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} (الأعراف:43) وقال تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} (النحل:32) ويقول سبحانه: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} (الزخرف:72) فهذه الآيات وما شاكلها تدل على أن سعي الإنسان وكسبه والعمل بما أمر الله به كان سببًا لدخوله الجنة. ويفهم من هذه الآيات أن من لم يعمل بطاعة الله في هذه الدنيا، ولم يلتزم بأحكام شرعه فليس له نصيب من الجنة، ولن يكون من داخليها ولا من أصحابها. فهذا بعض من الآيات الواردة في هذا الشأن؛ أما الأحاديث، فنسوق منها:
    - ما رواه البخاري في "صحيحه" أن أبا هريرة رضي الله عنه،قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) وقد روى البخاري هذا الحديث في موضعين آخرين من "صحيحه" بألفاظ متقاربة.
    - وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لن ينجي أحدًا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله ! قال: ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) وقد روى مسلم هذا الحديث في مواضع أُخر من "صحيحه" بألفاظ متقاربة أيضًا.
    - والحديث رواه عدد من أئمة الحديث؛ فهو في (صحيح ابن حبان) و(مسند الإمام أحمد) و(سنن ابن ماجه) و(السنن الكبرى للبيهقي) وهو عند الطبراني في (المعجم الكبير) و(الأوسط) وهو في (مسند أبي يعلى) و(مسند الطيالسي) وغيرها من كتب الحديث.
    وإذا كان الأمر كذلك، فالحديث ثابت سندًا لا شك فيه ولا مطعن، وهو إن لم يكن إلا في "الصحيحين" لكفى، فكيف وهو في غيرها من كتب الحديث.
    بعد ما تبين من تحرير موضع الشبهة، يجدر بنا أن نتجه إلى أقوال أهل العلم -وشراح الحديث منهم خاصة- لنرى ماذا يقولون في توجيه هذا التعارض، وماذا يقررون في منهج التوفيق بين الآية والحديث؛ والبداية مع الإمام النووي في شرحه على (صحيح مسلم) فماذا يقول النووي عند شرحه لحديث: (لن ينجي أحدًا منكم عمله)؟
    - بعد أن يقرر الإمام النووي عقيدة أهل السنة في مسألة الثواب والعقاب، وأن ذلك ثابت بالشرع لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة، يقول بعد تلك التقدمة: "...وفى ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لايستحق أحد الثواب والجنة بطاعته) ثم يورد ما يَرِدُ من اعتراض أو تعارض بين هذا الحديث -وما شاكله من أحاديث- وبعض الآيات القرآنية، فيقول: (وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} {وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدْخَل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة"، إذن، يقرر النووي ألا تعارض بين الآيات والأحاديث، وأن وجه التوفيق بينهما، بأن يقال: إن دخول الجنة نتيجة لعمل العبد، لكن عمل العبد لا يكون إلا بتوفيق من الله، وفتح منه، وبذلك تتفق النصوص وتتوافق. وهذا حاصل ما قرره النووي في هذه المسألة.
    - أما ابن حجر في (فتح الباري) فهو ينقل بعضًا من أقوال أهل العلم في المسألة؛ لبيان وجه التوفيق بين الأحاديث والآيات الواردة في هذا الشأن؛ فنقل قول ابن بطال بأن: "تحمل الآية على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها".
    ويدلي ابن حجر بدلوه في المسألة، فيقول: "ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك، فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه. وعلى هذا، فمعنى قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} أي: تعملونه من العمل المقبول. ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية". وما قرره ابن حجر يلتقي في المحصلة مع ما قرره النووي.
    - أما ابن كثير، فيقول في توجيه هذا التعارض: "...{وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات يُنال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات...) ثم يؤيد هذا التوجيه للآية، بما رواه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أهل النار يرى منـزله من الجنة، فيكون له حسرة، فيقول: {لو أن الله هداني لكنت من المتقين} (الزمر:57) وكل أهل الجنة يرى منـزله من النار، فيقول: {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} (الأعراف:43) فيكون له شكراً) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد إلا وله منـزل في الجنة ومنزل في النار؛ فالكافر يرث المؤمن منـزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منـزله من الجنة . وذلك قوله تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} (الزخرف:72). وحاصل كلام ابن كثير في هذه المسألة، أنه لا تعارض بين الآيات الدالة على ارتباط الجزاء بالعمل، وبين الأحاديث الدالة على أن دخول الجنة إنما يكون بفضل الله وبرحمته؛ من جهة أن القيام بالأعمال إنما هو حاصل من الله سبحانه بتوفيق العبد للقيام بها، وليس للعبد في ذلك سببية حقيقية في القيام بهذه الأعمال، ونيل الجزاء عليها، بل هي سببية عادية على حسب ما أقام الله عليه أمر الدنيا من الأسباب الظاهرة.
    - ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية وجه التوفيق بين الآية والحديث، بأن نيل الجنة ليس لمجرد العمل؛ إذ العمل مجرد سبب فحسب؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل..) أما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} قال: فهذه (باء السبب) أي: بسبب أعمالكم؛ والذى نفاه النبي صلى الله عليه وسلم ( باء المقابلة ) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: هذا مقابل هذا؛ ويكون المعنى: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا لدخول الجنة، بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته؛ فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات.
    - وقد سار ابن القيم على درب شيخه في التوفيق بين ما يبدو من تعارض الآية والحديث، واستحسن في الجواب أن يقال: إن (الباء) المقتضية لدخول الجنة، غير (الباء) التي نفي معها الدخول؛ فالمقتضية هي (باء) السببية، الدالة على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، ومقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها؛ و( الباء ) التي نفي بها الدخول، هي (باء) المعاوضة والمقابلة، التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا؛ فالحديث النافي أن يكون العمل سببًا لدخول الجنة، يقرر ويفيد أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل العبد، بل هو برحمة الله وفضله، فليس عمل العبد وإن تناهى موجبًا وكافيًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها. فإن أعمال العبد وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقارن نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله. وهذا حاصل جواب ابن القيم في هذه المسألة.
    - على أن المتأخرين من أهل العلم، لم يخرجوا في التوفيق بين الآية والحديث عن فحوى ما قاله المتقدمون؛ فهذا ابن عاشور في (التحرير والتنوير) يقول: "و(الباء) في قوله: {بما كنتم تعملون} سببية، أي: بسبب أعمالكم، وهي الإيمان والعمل الصالح". لكن السببية هنا ليست سببية محضة، بل هي سببية ظاهرة كما قدمنا؛ لذلك نجده يُتبع ما تقدم من كلامه بالقول: "وهذا الكلام ثناء عليهم بأن الله شكر لهم أعمالهم، فأعطاهم هذا النعيم الخالد لأجل أعمالهم، وأنهم لما عملوا ما عملوه من العمل، ما كانوا ينوون بعملهم إلا السلامة من غضب ربهم، وتطلب مرضاته شكرًا له على نعمائه، وما كانوا يمتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه، وذلك لا ينافي الطمع في ثوابه والنجاة من عقابه،. وقد دلل ابن عاشور على هذا التوجيه، بأن الآية جمعت بين لفظ (الإيراث) في قوله سبحانه: {أورثتموها} وبين (باء) السببية، في قوله تعالى: {بما كنتم تعملون} وذلك أن لفظ (الإيراث) دال على أنها عطية، بدون قصد تعاوض ولا تعاقد، وأنها فضل محض من الله تعالى؛ لأن إيمان العبد بربه وطاعته إياه لا يوجب إلا نجاته من العقاب، الذي من شأنه أن يترتب على الكفران والعصيان، وإلا حصول رضى ربه عنه، ولا يوجب جزاء ولا عطاء. وهذا محصل كلام ابن عاشور في هذه المسألة.
    وفي الجملة، نستطيع أن نلخص أقوال أهل العلم في التوفيق بين الآية والحديث، بالنقاط التالية:
    * أن الأعمال ليست سببًا حقيقًا لدخول الجنة، وإنما هي سبب حسب الظاهر والمعتاد والمألوف؛ وأن دخول الجنة إنما يحصل بفضل الله ورحمته.
    * أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكن التوفيق للقيام بالأعمال، إنما هو من الله سبحانه؛ فضلاً منه على عباده، ورحمة منه لخلقه؛ ولولا رحمة الله وفضله لما وِفِّق العباد لفعل الطاعات، التي يحصل بها دخول الجنات.
    * أن الأعمال سبب لدخول الجنة، لكنها ليست مقابلاً لها؛ فمن أراد دخول الجنة بعوض يقابلها، فلن يجد إلا رحمة الله وفضله، وتكون أعمال العباد سببًا لنيل تلك الرحمة.
    * أن أصل دخول الجنة إنما هو بفضل الله، لكن اقتسام درجاتها ومنازلها، مرده إلى عمل العباد؛ فيقع التفاوت في تلك الدرجات والمنازل بحسب الأعمال؛ كما قال بعض السلف: ينجون من النار بعفو الله ومغفرته، ويدخلون الجنة بفضله ونعمته ومغفرته، ويتقاسمون المنازل بأعمالهم.
    على أن الأمر الذي يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن ما نص عليه الحديث من كون دخول الجنة إنما يكون بفضل الله ورحمته، لا يفهم منه التقليل من سعي العبد وكسبه؛ لذلك جاء في الحديث نفسه: (سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) أي: اقصدوا بعملكم الصواب، أي: اتباع السنة من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم، فتنـزل عليكم الرحمة.
    نخلص من كل ما تقدم -وهو ما عقدنا المقال لأجله- أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول الأمين، وأن وجود تعارض من حيث الظاهر بين آية وحديث، لا يعني بحال إسقاط ذلك الحديث، وعدم اعتباره. ومن ظن أو اعتقد خلاف ذلك، فليس على بينة من أمره.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-11-2015, 03:42 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    المحبة شعور متدفق بالحب لا يمكن أن يحده حد أو إطار. فكل إنسان يحب بطريقته. فالشاغل هو المحبوب وحين ينشغل المحب بالمحبوب يشعر أن لا أحد في الكون موجود إلا حبيبه. فالإيماءة مغزي والحركة رسالة والسكنة وصال للمحبوب. وجاء سؤالي للشيخ الجليل: وماذا عن البسطاء لماذا نستهزئ بمحبتهم؟، ولماذا نسخر حينما يخرج الحب في تصرفاتهم البسيطة؟ فكان رد الشيخ بابتسامة عريضة كلها محبة وود: وقال في زمن المصطفي - صلي الله عليه وسلم - كان رجلا لا يملك إلا جلبابا واحدا وامرأته كمثله تملك جلبابا واحدا. فحينما جاء موعد الصلاة كان جلبابه مبتلاً لأن امرأته كانت قد غسلته. فقال لامرأته اخلعي جلبابك، فلبسه وذهب للصلاة خلف سيدنا محمد - صلي الله عليه وسلم - فلما فرغت الصلاة، أخذ نعله وذهب إلي داره. فالتفت المصطفي - صلي الله عليه وسلم - خلفه بعد أن فرغ من ختام الصلاة ولم يسأل علي أحد إلا علي هذا الرجل. فقالت الصحابة ذهب إلي داره يا رسول الله. قال: آتوني به. فذهبوا إليه وجاءوا به بجلباب زوجته وجلس أمام المصطفي - صلي الله عليه وسلم -. فسأله الرسول: كيف الحال؟ فأجاب: الحمد لله علي ما تراه. فقام المصطفي - صلي الله عليه وسلم - وخلع جلبابه وأعطاه إياه.
    فذهب الرجل إلي زوجته وحينما رأت الجلباب نظرت إليه في غضب شديد وقال: أشكوت الخالق للمخلوق؟ فقال لها: لم يحدث ولن يحدث. حينما رآني المصطفي - صلي الله عليه وسلم - سألني عن الحال فحمدت خالق الأكوان. فرق قلب صاحب الأوان ومعلم كل الأزمان حامل لواء الحمد أول من عبد الرحمن. وقام صلي الله عليه وسلم وأعطاني هذا الجلباب. فقالت زوجته: وماذا أنت صانع به؟ فقال لها: حينما تبلغ روحي التراقي وتلتف الساق بالساق فكفنيني به. فقالت لماذا؟ فقال لها: حينما يواريني التراب ويوجه إلي السؤال من قبل الملائكة في القبر، ما دينك؟ أقول لهم الإسلام، ومن نبيك؟ أقول لهم هذا جلبابه. فهذا نوع من أنواع محبة المساكين الذين طلب المصطفي - صلي الله عليه وسلم - أن يحشر معهم. فأنواع المحبة كثيرة وكل يعبر بطريقته وبما يجول في صدره وبالذي أسسه من عبادات وصلوات علي المصطفي - صلي الله عليه وسلم -. فكل شخص يحب بمخزون إنائه فكل إناء بما فيه ينضح. وإنما البعض ينكر طريقة تعبير المساكين عن محبتهم وهو التعبير الفطري. فلو أخذ أحدنا قطعة من الجلد وقسمها نصفين وقام بتجليد كتاب الله بنصف الجلد والنصف الآخر جلَّد به كتابا عاديا وقام بتقبيل كتاب الله لوجدنا الأمر عاديا ولكننا سوف نتعجب إذا قبل أحدنا الكتاب العادي رغم وحدة الجلد الذي تم به التجليد للكتابين. فلماذا نقبل كتاب الله؟ لأنه يحوي كلام الله. وهنا عظم الجلد لما يحويه. كما تعظم الورقة حينما نكتب عليها أسماء الله. فكل شيء يعظم بما يحويه كما عظمت مقامات أهل البيت بما تحويه من أجساد طاهرة. وننظر إلي من قيل في حقه «إذا وضع إيمانه في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفته» وهو الصديق. حينما جلس بين يدي المصطفي - صلي الله عليه وسلم - وقال له: ماذا استفدت من هذه الدنيا؟ ومن عباداتك؟ وماذا أحببت منها؟ فقال الصديق وهو يهمس: حبب إلي في هذه الدنيا ثلاثة. أول شيء، النظر إليك. فهو لا يطمئن ولا يشعر بالسكينة ولا الرضا إلا حينما ينظر إلي المصطفي- صلي الله عليه وسلم -. وقال: أما ثاني شيء هو الجلوس بين يديك. فيداه هما الحصن والأمان، فأمان بغير حصن وهم وهدي بغير ما تقول ضلال. فإذا لم يكن بحصنك أمني فإلي من تري يبث سؤالي. يا سيدي يا رسول الله. وقال الشيء الثالث: إنفاق كل مالي عليك. وعليك هنا تعني، إنفاق مالي لنصرة دينه وعلو رايته. إذا أحب الصديق ثلاثة كما قال الصديق للمصطفي - صلي الله عليه وسلم - النظر إليك والجلوس بين يديك وإنفاق كل مالي عليك. فلماذا ننكر الحب؟، وهو القائل صلي الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتي يكون الله ورسوله أحب إليه من ماله وولده». كما قال أيضا: «لا يؤمن أحدكم حتي يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه». فكل شيء بُني علي الحب. كالرجل وزوجته، إذا حافظ علي المودة والرحمة التي جعلها الله بينهما لولد الحب. فالحب في كل آدمي، خلق معه، وهو في رحم أمه. فننظر إلي الطفل المتمرد الذي يرفض التعامل مع أبويه في لحظات التمرد، حينما يقابل فتاة في سنه تلاقي قبولا لديه، فيقف أمامها ساكنا ويتودد إليها. فمن الذي علمه هذا التودد والمحبة، إنها الفطرة التي فطرنا الله عليها والتي تولد مشاعر جميلة تحفز الإنسان علي تجاوز كثير من المصاعب والمتاعب. فأبواب المحبة كثيرة تبدأ معنا من الطفولة حتي الكهولة ولكن لابد لنا من موجه للعبور بنا إلي الصراط المستقيم الذي عليه سيد الأولين والآخرين. وهنا وقف الشيخ سيدي فخرالدين ودعا لنا بالستر.
    محبنا آمن الدارين منتصر محبنا وادع في كهف جنتنا
    فيا نبي الهدي لله نسألكم وقاية الحب إذ أنتم وقايتنا
    ويا أمانا لأهل الدين أجمعهم ويا مجيرا فلا يرضي إهانتنا
    .منقول
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-11-2015, 01:31 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    روعة البلاغــــــة:


    ⭕ما الفرق بين "السِبْط" و"الحَفِيد" ؟!


    السبط: هو ابن البنت، لذلك الحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم.


    الحفيد هو ابن الإبن..


    🔘════🍥════🔘


    ▫{ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }


    ⭕ما الفرق بين "المُخْتَال" و"الفَخُور"؟!


    المختال: في هيئتـه


    الفخـور: في قولـه


    🔘════🍥════🔘


    ⭕ما الفرق بين " الغدوة" و"الروحة" و"الدلجة" ؟!


    الغدوة: أول النهار


    الروحة: آخر النهار


    الدلجة: آخر الليـل


    🔘════🍥════🔘


    ⭕ما الفرق بين "المغفرة" و"الرحمة" إذا اقترنتا ببعضهما؟!


    المغفرة: لما مضى من الذنوب


    الرحمـة: السلامة من الذنوب في المستقبل


    🔘════🍥════🔘


    ⭕ما الفرق بين "جَنازة" بالفتح و"جِنازة" بالكسر ؟؟!!


    جَنازة: بالفتح إسم للميّت.


    جِنازة: بالكسر اسم للنعش الذي يُحمل عليه الميت.


    🔘════🍥════🔘


    ▫قال تعالى: {أحل لكم صيدُ البحر وطعامه}


    ⭕فما المقصود بـ "الصيد" و"الطعام" ؟!


    قال ابن عباس رضي الله عنه:


    صيـده: ما أُخِذَ حيـاً


    طعامه: ما أُخِذَ ميتاً


    🔘════🍥════🔘


    ▫قال تعالى: {ومَا يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيم}


    ⭕فما الفرق بين "المعتد" و"الأثيم" ؟!


    المعتد: في أفعاله


    الأثيـم: في أقواله وفي كسبه


    🔘════🍥════🔘


    ▫قال تعالى : {ويلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمُزَةٍ }


    ⭕فما هو الهمز واللمز ؟؟!!


    الهمز: بالفعل، كأن يعبس بوجهه


    اللمز: باللسان


    🔘════🍥════🔘


    ⭕ما الفرق بين "الصنم" و"الوثن" ؟


    الصنم: ما جعل على صورة إنسان يعبد من دون الله.


    الوثن: ما عبد من دون الله على أي وجه كان، فالوثن أعمّ من الصنم..


    🔘═══🍥═══🔘


    ⭕ما الفرق بين "أعوذ" و"ألوذ" ؟!


    العياذ: للفرار من الشر


    اللياذ: لطلب الخير .


    ✿┈┈••✿🍥✦••┈┈✿


    〰〰〰〰〰〰


    جزى الله خيرًا من قرأها وساعد على نشرها..

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-11-2015, 07:41 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    كل بيت في هذه


    القصيدة يعادل كتّاب أقرأها جيد . هي إحدى القصائد الخالدة للشاعر صالح بن عبدالقدوس احد شعراء الدوله العباسيه .الرجاء التمعن في كلماتها ومعانيها..



    فدَّعِ الصِّبا فلقدْ عداكَ زمانُهُ


    وازهَدْ فعُمرُكَ مرَّ منهُ الأطيَـبُ



    ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ


    وأتَى المشيبُ فأينَ منهُ المَهربُ



    دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا


    واذكُر ذنوبَكَ وابِكها يـا مُذنـبُ



    واذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه


    لابَـدَّ يُحصي ما جنيتَ ويَكتُبُ



    لم ينسَـهُ الملَكـانِ حيـنَ نسيتَـهُ


    بـل أثبتـاهُ وأنـتَ لاهٍ تلعـبُ



    والرُّوحُ فيكَ وديعـةٌ أودعتَهـا


    ستَردُّها بالرغمِ منكَ وتُسلَـبُ



    وغرورُ دنيـاكَ التي تسعى لها


    دارٌ حقيقتُهـا متـاعٌ يذهـبُ



    والليلُ فاعلـمْ والنهـارُ كلاهمـا


    أنفاسُنـا فيهـا تُعـدُّ وتُحسـبُ



    وجميعُ مـا خلَّفتَـهُ وجمعتَـهُ


    حقاً يَقيناً بعـدَ موتِـكَ يُنهـبُ



    تَبَّـاً لـدارٍ لا يـدومُ نعيمُهـا


    ومَشيدُها عمّا قليـلٍ يَـخـربُ



    فاسمعْ هُديـتَ نصيحةً أولاكَها


    بَـرٌّ نَصـوحٌ للأنـامِ مُجـرِّبُ



    صَحِبَ الزَّمانَ وأهلَه مُستبصراً


    ورأى الأمورَ بما تؤوبُ وتَعقُبُ



    لا تأمَنِ الدَّهـرَ فإنـهُ


    مـا زالَ قِدْمـاً للرِّجـالِ يُـؤدِّبُ



    وعواقِبُ الأيامِ في غَصَّاتِهـا


    مَضَضٌ يُـذَلُّ لهُ الأعزُّ الأنْجَـبْ



    فعليكَ تقوى اللهِ فالزمْهـا تفـزْ


    إنّّ التَّقـيَّ هـوَ البَهـيُّ الأهيَـبُ



    واعملْ بطاعتِهِ تنلْ منـهُ الرِّضـا


    إن المطيـعَ لـهُ لديـهِ مُقـرَّبُ



    واقنعْ ففي بعضِ القناعةِ راحةٌ


    واليأسُ ممّا فاتَ فهوَ المَطْلـبُ



    فإذا طَمِعتَ كُسيتَ ثوبَ مذلَّةٍ


    فلقدْ كُسيَ ثوبَ المَذلَّةِ أشعبُ



    وابـدأْ عَـدوَّكَ بالتحيّـةِ ولتَكُـنْ


    منـهُ زمانَـكَ خائفـاً تتـرقَّـبُ



    واحـذرهُ إن لاقيتَـهُ مُتَبَسِّمـاً


    فالليثُ يبدو نابُـهُ إذْ يغْـضَـبُ



    إنَّ العدوُّ وإنْ تقادَمَ عهـدُهُ


    فالحقدُ باقٍ في الصُّدورِ مُغَّيبُ



    وإذا الصَّديـقٌ لقيتَـهُ مُتملِّقـاً


    فهـوَ العـدوُّ وحـقُّـهُ يُتجـنَّـبُ



    لا خيرَ في ودِّ امـريءٍ مُتملِّـقٍ


    حُلـوِ اللسـانِ وقلبـهُ يتلهَّـبُ



    يلقاكَ يحلفُ أنـه بـكَ واثـقٌ


    وإذا تـوارَى عنكَ فهوَ العقرَبُ



    يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً


    ويَروغُ منكَ كمـا يـروغُ الثّعلـبُ



    وَصِلِ الكرامَ وإنْ رموكَ بجفوةٍ


    فالصفحُ عنهمْ بالتَّجاوزِ أصـوَبُ



    واخترْ قرينَكَ واصطنعهُ تفاخراً


    إنَّ القريـنَ إلى المُقارنِ يُنسبُ



    واخفضْ جناحَكَ للأقاربِ كُلِّهـمْ


    بتذلُّـلٍ واسمـحْ لهـمْ إن أذنبوا



    ودعِ الكَذوبَ فلا يكُنْ لكَ صاحباً


    إنَّ الكذوبَ يشيـنُ حُـراً يَصحبُ



    وزنِ الكلامَ إذا نطقـتَ ولا تكـنْ


    ثرثـارةً فـي كـلِّ نـادٍ تخطُـبُ



    واحفظْ لسانَكَ واحترزْ من لفظِهِ


    فالمرءُ يَسلَـمُ باللسانِ ويُعطَبُ



    والسِّرُّ فاكتمهُ ولا تنطُـقْ بـهِ


    إنَّ الزجاجةَ كسرُها لا يُشعَبُ



    وكذاكَ سرُّ المرءِ إنْ لـمْ يُطوهِ


    نشرتْـهُ ألسنـةٌ تزيـدُ وتكـذِبُ



    لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليسَ بزائدٍ


    في الرِّزقِ


    بل يشقى الحريصُ ويتعبُ



    ويظلُّ ملهوفـاً يـرومُ تحيّـلاً


    والـرِّزقُ ليسَ بحيلةٍ يُستجلَبُ



    كم عاجزٍ في الناسِ يأتي رزقُهُ


    رغَـداً ويُحـرَمُ كَيِّـسٌ ويُخيَّـبُ



    وارعَ الأمانةَ * والخيانةَ فاجتنبْ


    واعدِلْ ولاتظلمْ يَطبْ لكَ مكسبُ



    وإذا أصابكَ نكبةٌ فاصبـرْ لهـا


    مـن ذا رأيـتَ مسلَّماً لا يُنْكبُ



    وإذا رُميتَ من الزمانِ بريبـةٍ


    أو نالكَ الأمـرُ الأشقُّ الأصعبُ



    فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ


    يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ



    كُنْ ما استطعتَ عن الأنامِ بمعزِلٍ


    إنَّ الكثيرَ من الوَرَى لا يُصحبُ



    واحذرْ مُصاحبةَ اللئيم فإنّهُ


    يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ



    واحذرْ من المظلومِ سَهماً صائباً


    واعلـمْ بـأنَّ دعـاءَهُ لا يُحجَـبُ



    وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلـدةٍ


    وخشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ



    فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا


    طولاً وعَرضاً شرقُهـا والمغرِبُ



    فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي


    فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ ويُوهَـبُ .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-11-2015, 02:22 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    * ثلاث أعمال يبقى ثوابهم جاريا للإنسان بعد موته: صدقة جارية, علم ينتفع به, دعاء من ولد صالح.
    * نبي الله إسماعيل هو أول شخص ركب الخيل
    * صحيح البخاري, صحيح مسلم, سنن النسائي, سنن الترمذي, سنن ابن ماجة, سنن أبي داود, هي الكتب الصحاح للسنة.
    * 25 هو عدد الأنبياء والرسل الذي تم ذكرهم في القرآن الكريم.
    * قابيل هو الإبن الأول لآدم عليه الصلاة والسلام
    * سورة النمل هي السورة التي ذكرت فيها البسملة مرتين
    * سعد بن أبي وقاس هو أول من قام بإطلاق سهم في سبيل الله
    * زرقاء اليمامة كانت تستطيع الإبصار من مسيرة تقار 3 أيام
    * أول طبعة للمصحف الكريم في هامبورغ بألمانيا سنة 113 هجرية.
    * القلم هو أول شيء قام الله بخلقة.
    * علي بن أبي طالب هو أول من حفظ الفرقان بعد رسولنا الكريم
    * زيد بن حارثة هو الصحابي الوحيد الذي ذكر آسمه في المصحف الكريم, ومريم إبنة عمران أم عيسى عليه السلام هي المرأة التي ذكر إسمها في هذا الكتاب العظيم.
    * الفخذ والكفان هم أول من ينطق من جسم الإنسان يوم القيامة ويشهدون عليه
    * المجادلة هي السورة الوحيدة التي ذكر إسم الجلالة (الله) في جميع آياتها.
    * داود عليه السلام هو أول من آستعمل عبارة "أما بعد".
    منقول
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-11-2015, 02:49 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    👇ﻟﻐﺰ ﺷﺮﻋﻲ👇
    😮 ﺭﺟﻞ ﺗﺰﻭﺝ ﺑﺄﺭﺑﻊ ﻧﺴﺎﺀ ﺛﻢ ﻣﺎﺕ ﻭﻛﻞ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻷ‌ﺭبع ﻋﻠﻰ ﺫﻣﺘﻪ : 😵😵
    ﺍﻷ‌ﻭﻟﻰ : ﺗﺮﺙ ﻭ ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﻌﺪﺓ
    ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ : ﺗﺮﺙ ﻭ ﻻ‌ ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﻌﺪﺓ
    ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ : ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﻌﺪﺓ ﻭ ﻻ‌ ﺗﺮﺙ
    ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ : ﻻ‌ ﺗﺮﺙ ﻭ ﻻ‌ ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﻌﺪﺓ
    ﻓﻜﻴﻒ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ؟؟؟
    اللغز للجميع
    ☺☺☺ الزوجة الأولى : تعتد وترث.
    هي زوجته المسلمة فهي تعتد وترث
    الزوجة الثانية : ترث ولا تعتد
    الزوجة الحامل في الشهور الأخيرة تنتهي عدتها عند الولادة فهي ترث ولا تعتد
    الزوجة الثالثة: تعتد ولا ترث
    هي زوجته المسلمة التي قتلته فتعتد ولا ترث لأنها أتت بمانع من موانع الإرث الزوجة الرابعة : لا تعتد ولا ترث.
    الزوجة الكتابية فلاترث لاختلاف الدين عن الزوج ولا تعتد لأنها كتابيه.
    منقول
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-11-2015, 12:55 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا نافع بن
    عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن عمير قال: قال لقمان
    لابنه وهو يعظه:"يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت
    المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما
    ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله عليهم برحمة
    تصيبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك
    إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك غبيا يزيدوك غبيا، وإن يطلع الله
    إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم."
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-11-2015, 02:30 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    يا مغرور … أتعلم أن الله يعاقبك وأنت غافل؟ … يا مسكين…
    قال أحد الطلاب لشيخه: "كم نعصي الله ولا يعاقبنا".
    فرد عليه الشيخ: "كم يعاقبك الله وأنت لا تدري".!
    ألم يسلبك حلاوة مناجاته ..!!
    وما ابتلي أحد بمصيبة أعظم عليه من [قسوة القلب].
    إن أعظم عقاب يمكن أن تلقاه هو قلة التوفيق إلى أعمال الخير .
    ألم تمر عليك الأيام دون قراءة للقرآن ..!!
    بل ربما تسمع قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} ..
    وأنت لا تتأثر كأنك لم تسمعها ..!!!
    ألم تمر عليك الليالي الطوال وأنت محروم من [القيام] ..
    ألم تمر عليك مواسم الخير:
    رمضان ..
    ست شوال ..
    عشر ذي الحجة ..
    ولم تُوفق إلى استغلالها كما ينبغي ..!!
    أي عقاب أكثر من هذا!!
    يا مغرور بنفسك
    ألا تحس بثقل الطاعات..!!
    ألم يُمسِك لسانك عن ذكره تعالى ..!!
    ألا تحس بضعف أمام الهوى والشهوات ؟
    ألم تبتلى بحب المال والجاه والشهرة ؟
    أي عقاب أكثر من ذلك
    ألم تسهل عليك الغيبة والنميمة والكذب
    ألم يشغلك الفضول بالتدخل فيما لا يعنيك
    ألم يُنسِك الآخرة ويجعل الدنيا أكبر همك
    هذا الخذلان ما هو إلا صور من عقاب الله .
    إحذر يا بني فإن أهون عقاب لله : " ما كان محسوساً" في المال أو الولد أو الصحة .
    وأن أعظم عقاب "ما كان غير محسوس"في القلب .
    فاسأل الله العافية واستغفر لذنبك.
    أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
    اللهم أغفر ما سترته علينا
    وأرزقنا خشيتك في الغيب والشهادة
    وكلمة الحق في الرضى والغضب.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-11-2015, 02:01 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    أعداء الإيمان الثلاثة
    {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} (الأنفال:24)، كم يرتجف قلب المؤمن حينما يستذكر هذه الآية، لأنه يفهمُ منها أن لذّة الإيمان التي يتذوّقها في يومِه وليلتِه قد يحول بينَه وبينها سببٌ إلهيٌ يكون سبباً في تناقص منسوب الإيمان في قلبِه، وخفوتِ بريقِه الذي يسْطَعُ من روحِه، فالإيمان قد يعتريه الضعف، والقلبُ قد يشتكي القسوة، ونقاءُ النفس الإيماني قد يشوبُه شائبة.

    وما مِن أحدٍ إلا ويريد أن يظلّ على مسيرتِه الإيمانيّة المستمرّة في الرقيّ والصعود نحو الأعلى، وما من مؤمنٍ إلا ويكره أن يتراجع أو يتقهقر نحو الخلف، فلهؤلاء نقول: حتى يتحقّق لكم ما تريدونَه وما تأملونه، فاحذروا أعداء الإيمان الثلاثة.

    وكلّ واحدٍ من هؤلاء الأعداء سببٌ رئيس في نقصان الإيمان وضعفِه، فلابد إذن من التعرّف على هذه الأسباب واتّقائها، وإدراكِ أثرها على القلب والنفس، وهي كالآتي:

    الشيطان ووساوسه

    {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} (الأعراف:16-17)، بهذه الكلمات أعلن إبليس لعنه الله معركته الطويلة مع السلالة البشريّة بطولها وعرضها حتى قيام الساعة، وإنها لأعظم الحروب في الدنيا وأخطرها على الإطلاق، فيها من الاستفزاز بالصوت وإجلاب الخيل والرجال للمبارزات: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} (الإسراء:64)، وفيها من نسج المؤامرات وإغواء النفوس، وتزيين الباطل وإفساد القلوب، ما يعجز المرء عن تسطيره بيده، أو تصوّره بعقله مهما جنح به الخيال واشتطّ به التفكير.

    وقد تعدّدت مكائد إبليس وتنوّعت صور مكره، وكثرت مداخله على قلوب بني آدم بحسبِ كل نفسٍ وما تشتهيه، وكل امريءٍ وما يتناسب مع طبيعته ومكامن القوّة والضعف فيه، فنجد أنه يدخل للبعض من باب الرياء والعجب، ولآخرين من باب الزهد والورع، ولغيرهم من باب حب المال والرئاسة، ولمن دونهم من باب تزيين الباطل وتزويقه وترويجه، أو تسهيل الصغائر للإيقاع في الكبائر، ناهيك عماّ يدخل في باب الشهوات والشبهات.

    ومن مكائد إبليس سعيُه الدائم في إفساد الإيمان وإضعافه بشكل متدرّج قد لا يفطِنُ إليه المؤمن، فيبدأُ بتزيين الاشتغال بالأعمال المفضولة عن الفاضلة، ثم ينتقلٌ منها إلى الاشتغال بالمباحات، ثم مواقعة الصغائر، ثم الوقوع في الكبائر، ثم ألوان البدع، ثم الكفر والشرك، فإذا استرسلَ المؤمن في التراجع والضعف فقد يَصِلُ إلى أخطرِ الذنوبِ وهي الكفرُ والعياذ بالله، وهذا ما يجعلنا نضع الشيطان في المقام الأوّل من العداوة، وهو أمرٌ مفهوم في ظلّ النصوص القرآنية الكثيرة والأحاديث الصحيحة التي تحذّرنا من الشيطان وتأمرنا بعداوتِه، قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} (فاطر:6)، فهو لا يدعوا الإنسان إلى خير، ولا ينتهي به إلى نجاة، وفي آيةٍ أخرى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} (البقرة:208).

    لقد بين الله تعالى أن الشيطان عدو لبني آدم، ويريد ضلالتهم ليجرهم مع نفسه إلى النار، فالواجب على العاقل أن يجتهد في مجاهدته لكي يخلص نفسه منه.

    الدنيا وفتنتها للإنسان

    روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الدنيا حلوة خضرة)، والنفسُ تتأثّرُ بالعاجل الحاضر وقد تفضّله على الآجل الغائب، وليس المقصود أن الاستمتاع بما وهبَه الله وسخّره لنا مذمومٌ بذاتِه، ولكن القصد بيان أن النفس قد تنشغل بهذه الملذات فيضعفُ اشتغال صاحبِها في أمرِ الآخرة، فيتعلّق قلبُه بهذه الملذاتِ الفانية، فينقص الإيمان عندَه.

    يقول الإمام ابن القيم: ".. وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله، وطلب الآخرة".

    لهذا السبب نجد الخشيةَ النبويّة من فتنة الدنيا واضحةً جليّةً في قوله –صلى الله عليه وسلم-: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه، وإذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة، وإذا تعلّقت بالدنيا، ضعف ارتباطها في الآخرة، فقلّ مستوى إيمانها.

    قرناء السوء

    من أضرّ الأمور على إيمان العبد، صداقة السوءِ التي تُضعف دينَه وتسبّب فتورَه عن الطاعة وقصورَه في العبادة، حتى قال سفيان: "ليس شيء أبلغُ في فساد رجلٍ وصلاحِه من صاحب".

    ولأن صديق السوء لا يريد الخير لصديقِه، ويبغي إبقاءه على ضلاله وغيّه، وإضعافِ يقينِه وإيمانِه، حذرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من مجالسته، تعليماً لأمّته بأن الصاحب ساحب، قال –صلى الله عليه وسلم-: (إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسْكِ إما أن يُحذِيَكَ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة) متفق عليه.

    فهؤلاء إذن أعداؤنا الثلاثة، يتربّصون بنا كلّ حين، ويترقّبون منّا أي غفلة، حتى يُلقوا بسهامهم على قلوبنا أملاً في إسقاطنا، ولا نقول إلا: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-11-2015, 02:03 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    نحن المتوكلون!
    كم من الأخطاء تُرتكب عن حُسْن نيّة؟ وكم من التصوّرات الخاطئة تقوم في الأذهان فتُصادم الحقائق الشرعيّة بسببِ الجهلِ بالدين؟ وكم تكشفُ الأيامُ وجود قصور في الفهم عند المدعوّين، نتج عنهُ الخلل في العمل.
    هذا ما يُمكنُ أن يُقال في فاتحة الحديث عن موقفٍ مذكورٍ في كتب السنّة يجسّد صورةً من صورِ الجهل بالشريعة وإن لم يكن مقصوداً من صاحبِه.
    لقد كان الداعية الأوّل لأهل اليمن معاذٌ بن جبلٍ رضي الله عنه، وهو المعروف بين الصحابة في سعة علمِه وقوّة فهمِه وقدرتِه على التعليم والإرشاد، وكان مما علّمهم إيّاه: الحج إلى البيت العتيق، فما كان منهم إلا أن يمّموا وجوههم شطر المسجد الحرام، فحجّوا كما حجّ غيرُهم، إلا أنه قد صدرَ منهم ما يدلّ على وجود خللٍ لديهم في فهمِ إحدى العبادات القلبيّة، فما هو ذلك الخلل؟
    روى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: " كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} (البقرة: 197) رواه البخاري.
    ويبدو أن هذا الفهم الخاطيء قد استمرّ في أهل هذه الناحية حتى زمان الخليفة عمر رضي الله هنه، فقد ذكر الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"، عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي ناسًا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. فقال: "بل أنتم المتَّكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض، ويتوكل على الله".
    لقد أدرك هؤلاء القوم جزءاً من معنى التوكّل، وهو: الاعتماد على الله سبحانه وتعالى اعتمادًا صادقًا في مصالح الدين والدنيا، وتفويض جميعِ الأمورِ إليه والاستعانةِ به، كما قال سبحانه وتعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (التوبة:51)، وقال سبحانه: {وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه} (هود:123)، وغيرِها من الآيات، وأما الجزء الذي أغفلوه ولم يُدركوا أهميّته: فهو ضرورةُ فعل الأسباب المأذون فيها شرعاً، وأن إتيان هذه الأسباب ومباشرتِها هو جزءٌ أصيلٌ من مفهوم التوكّل لا يصحُّ إلا به.
    ذلك أن الله سبحانه وتعالى حين خلق هذا الكون، وضع له سنناً تنظّم سيرَه، وهي سننٌ كونيّةٌ ثابتةٌ لا تتغيّرٌ ولا تتبدّل، ومن بينها: الربط بين الأسباب ومسبّباتها، فقد جعل الله لكل شيءٍ سبباً، فلا ولد من غيرِ زواج، ولا حصادَ من غير بذرٍ وزراعة، ولا نجاحَ من غير جدٍّ واجتهادٍ ومثابرة.
    وإذا كان الله تعالى قد ربط بين الأخذ بالأسباب وحصولِ رغباتِ الإنسان وأمانِيه، فيكون إلغاء الأسباب طعناً مباشراً في حكمةِ الله تعالى؛ لأن حكمته سبحانه وتعالى اقتضت وجود هذا الربط بالأسباب، فالأخذُ بالأسباب المأذونِ بها ضرورةٌ شرعيّة، وحكمةٌ كونيّة، فالتوكّل إذن: اعتمادٌ على الله، وأخذٌ بالأسباب، فهذا هو التوكّل الذي أمرنا اللهُ به، وما سواه فهو اتكالٌ وتواكل.
    وانطلاقاً مما سبق، وضع علماء العقيدة قاعدةً مهمّةً ينبغي لمن أراد أن يحقّق التوكّل، وهي: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليّةِ قدْحٌ في الشرع".
    تلك هي الحقيقةُ التي لم يستوعبْها أولئك الحجّاج، إذْ ظنّوا أن تحقيق التوكّل على الله وصدق الاعتمادِ عليه يقتضي أن يُعرضوا عن الأخذ بالأسباب باعتبارِ أنها نوعُ التفاتٍ نحو أمورٍ دنيويّة تتنافى وتتصادم مع الثقة بمن بيدِه الأمر كلّه، وهذا غير صحيح، كما قال الحافظ ابن رجب: "واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدّر الله سبحانه وتعالى المقدورات بها، وجرت سنّته في خلقه بذلك؛ فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمرِه بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارحِ طاعةٌ له، والتوكّل بالقلبِ عليه إيمانٌ به".
    إذن فالسماء لا تمطرُ ذهباً كما يُقال، فلابد من السعي في الأرض وبذلِ الأسباب المشروعة ولكن مع دوام اتصال القلب بالله تعالى، وهذا هو ما سعى عمرُ رضي الله عنه إلى بيانِه وتوضيحه لأولئك الحجّاج حينما عبّروا عن أنفسِهم بالمتوكّلين، فقد قال لهم: "إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض، ويتوكل على الله" فكلّ ما يؤدي إلى ترك العمل فليس من التوكل في شيء.
    إن التوكّل الحقيقي لا يكون على تمامِه ولا يستوي على سوقِه إلا بالأخذ بالأسباب، وهذا ما استفاضت به آيات القرآن في الدعوة إليه وتأصيلِه، ومن ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً} (النساء: 71)، وقال سبحانه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال: 60)، وقال سبحانه: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } (الملك: 15).
    وإن سيّد المتوكّلين هو محمد –صلى الله عليه وسلم- ولقد كان يأخذ الزاد في السفر، ويوم الهجرة اختفى في الغار كي يتخفّى عن عيون أعدائه، ولما خرج من الغارِ إلى المدينة أخذ من يدلّه الطريق، ويوم أحد لبس درعين اثنين، ولم يستند على توكّله فحسب، وعندما دخل عليه الصلاة والسلام مكّة فاتحاً، كان يلبس البيضة على رأسه –وهي خوذة الرأس- بالرغم من عصمة الله له ودفاعِه عنه: {والله يعصمك من الناس} (المائدة:67).
    قال سهل: "من قال: التوكل يكون بترك العمل، فقد طعن في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
    والحاصلُ أن التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل، وبالله التوفيق.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-11-2015, 05:41 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن
    اهتم النبي صلى الله عليه وسلم اهتماما خاصاً بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن، فقد كان حريصاً على تأمين الجبهة الجنوبية للدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وظهر أثر هذا الاهتمام والحرص في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة، مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن للدعوة كان متصلا وبعيد المدى، وكانت سرايا النبي صلى الله عليه وسلم تساند هذا النشاط الدعوي السلمي، حيث بعث خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في سريتين متتابعتين إلى اليمن.

    ففي رمضان من السنة العاشرة من الهجرة النبوية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى اليمن بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأسلمت على يده همدان (قبيلة معروفة في اليمن) كلها في يوم واحد، فقد روى البيهقي في الدلائل، وابن القيم في زاد المعاد وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليّ بن أبي طالب وأمره أن يُقْفِل خالداً (يرجعه ويردّه)، وقال: مُرْ أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقّب معك فليعقّب ومن شاء فليقبل. قال البراء: فكنت فيمن عقّب (بقي) مع عليّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعاً، فكتب عليّ إلى رسول الله بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان). ثم تتابع أهل اليمن علي الإسلام، وقدمت وفودهم إلى المدينة المنورة .

    فائدة: سجود الشكر:

    السجود لله عز وجل شكراً عبادة مشروعة، وهو من السنن النبوية الثابتة التي هجرها كثير من المسلمين، ويُشرع سجود الشكر كلما حصلت للمسلمين نعمة عامة، أو اندفعت عنهم نقمة، أو حصلت للمسلم نعمة خاصة، سواء تسبب في حصولها أو لم يتسبب، وكلما اندفعت عنه نقمة، قال الشوكاني: "فإن قلتَ: نعَمُ الله على عباده لا تزال واردة عليهم في كل لحظة؟ قلتُ: المراد النعَم المتجددة التي يمكن وصولها ويمكن عدم وصولها، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد إلا عند تجدد تلك النعم، مع استمرار نعم الله سبحانه وتعالى عليه وتجددها في كل وقت".
    وكان من عادة الصحابة رضوان الله عليهم أن يسجدوا شكراً لله تعالى كلما تجددت لهم نعمة أو انصرفت عنهم نقمة، وقد تعلموا ذلك من سنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
    قال ابن القيم في زاد المعاد: "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسر، أو اندفاع نقمة، كما في "المسند" عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره، خرَّ لله ساجداً شكراً لله تعالى، وذكر ابن ماجه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: بُشِّر بحاجة فخر لله ساجداً. وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن علياً رضي الله عنه لما كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فقال: (السلام على همدان، السلام على همدان)، وفي "المسند" من حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد شكراً لما جاءته البشرى من ربه أنه من صلى عليك صليتُ عليه، ومن سلم عليك سلمتُ عليه .. وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه، ذكره البخاري. وذكر سعيد بن منصور أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة".
    ولا يشترط لسجود الشكر ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وهذا قول كثير من السلف، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الله بن جبرين وغيرهم.

    اليمن:

    أهلُ اليمن أهل دينٍ وإيمان، فقبل الإسلام كانوا أهل كتاب ـ يهوداً أو نصارى ـ، فلما جاء الإسلام دخلوا في دين الله أفواجا، طواعية دون إكراه أو طمع في دنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتى قوماً من أهل الكتاب، فإذا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ..) رواه البخاري، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لليمن وأهلها كما دعا للشام وأهلها بالبركة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللَّهمّ بارك لنا في شامنا، اللَّهمّ بارك لنا في يمننا..) رواه البخاري.
    لقد بشَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيراً عن انتشار الإسلام وظهور أمره، وبلوغه إلى الآفاق، وهو أمر غيبي لا دخل فيه للتوقع والظن، خاصة أن بعض هذه البشارات قالها في وقت ضعف المسلمين، وعلى عكس ونقيض ما تُوحي به الأحداث، وكان من ضمن بشاراته صلوات الله وسلامه عليه دخول اليمن وأهلها في الإسلام، ففي غزوة الأحزاب والمسلمون في حال شديدة من جوع وبردٍ شديدٍ، وعددٍ قليلٍ وأعداء كُثر، وفي أثناء مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حفر الخندق قال: (بسم الله، فضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ثانيةً فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة كسرت بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبْصِر أبواب صنعاء من مكاني هذا) رواه أحمد وحسنه الألباني.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 01:03 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    من صور حب النبي لأمته
    صور ومظاهر حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في السيرة النبوية كثيرة، ولم يُؤْثَر عن نبي من الأنبياء عليهم السلام ذلك الحرص والحب الشديد لأمته كما أثِر عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وصدق الله تعالى حين قال: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:28 ). قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم". وقال السعدي في تفسيره: "أي شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقّه مقدماً على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره".

    والناظر في السيرة النبوية المشرفة يجد صوراً وأمثلة كثيرة تدل على مدى حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، نذكر منها:

    دعوته لأمته في كل صلاة

    عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (لما رأيتُ من النبي صلى الله عليه وسلم طِيب نفس، قلت: يا رسول الله! ادع الله لي، فقال: (اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ)، فضحكت عائشة رضي الله عنها حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيسرُّك دعائي؟) فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (والله إنها لدعوتي لأمَّتي في كل صلاة) رواه ابن حبان وحسنه الألباني.

    شفاعته لأمته

    أعطى الله عز وجل كل نبي من الأنبياء دعوة، أعلمهم أنها تُستجاب لهم، فنالها كل نبي في الدنيا، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم ادَّخر دعوته إلى يوم القيامة؛ ليشْفَع لأمته بها عند الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل ومشهور في الشفاعة، قوله: (.. يا محمد! ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقول: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً) رواه البخاري.

    شفقته على أمته

    عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيمَ عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (إبراهيم:36)، وقال عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (المائدة:118)، فرفعَ يديهِ وقال: (اللهمَّ! أُمَّتي أُمَّتي، وبكى)، فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد، -وربُّكَ أعلم- فسَلهُ، ما يُبكيكَ؟ فأتاهُ جبريل عليهِ الصلاة والسلام فسَأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهبْ إلى محمدٍ فقلْ: إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوءُك) رواه مسلم. قال النووي: "هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد، منها: بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم".

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما مثَلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يقعْنَ فيها، فجعل ينزَعُهَّن ويغلِبْنَه فيقتحمنَ فيها، فأنا آخذ بحُجَزِكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها) رواه البخاري.

    نحره الأضاحي بدلاً عن فقراء أمته

    عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحَّى اشترى كبشينِ سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلَّى وخطب الناسَ أتى بأحدهما وهو قائمٌ في مصلاَّه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: (اللهم، إن هذا عن أمتي جميعاً ممن شهد لك بالتوحيدِ، وشهد لي بالبلاغ) رواه ابن حبان وحسنه الألباني. وفي كتاب "عون المعبود شرح سنن أبي داود": "والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يضحي عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وعن نفسه، وأهل بيته، ولا يخفى أن أمته صلى الله عليه وسلم ممن شهد له بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، كان كثير منهم موجوداً زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير منهم توفوا في عهده صلى الله عليه وسلم، فالأموات والأحياء كلهم من أمته صلى الله عليه وسلم دخلوا في أضحية النبي صلى الله عليه وسلم".

    دفعه للمشقة عن أمته

    من صور وشواهد حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أنّه كان حريصاً على ألا يشقَّ على أمته، وربما تركَ بعضَ الفضائل التي يحبها خشيةَ أن تُفرضَ فيشقَّ ذلك عليها، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سريَّةٍ، ولوَدِدتُ أني أُقتَل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتَل ثم أُحيا، ثم أُقتَل) رواه البخاري. وقوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا..) رواه البخاري، وقوله: (لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتِي لأمرتُهُمْ بالسِّوَاكِ عندَ كلِّ صلاة، ولأَخَّرْتُ صلاة العشاء إلى ثُلث الليل) رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم عندما قال له جبريل عليه السلام: (إن الله يأمرك أن تَقرأ أمتُك القرآن على حرف، فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك)، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تَقرأ أمتُك القرآن على حرفين، فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك)، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تَقرأ أمتُك القران على ثلاثة أحرف، فقال: (أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك) ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تَقرأ أمتُك القران على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا, فقد أصابوا) رواه مسلم.

    تمنِّيه رؤية من جاء بعده من أمته

    جرى حالُ المحبِّ أن يحدوه الشوق لرؤية من يعرفه ويحبه وطال فراقه، أما أن يحدوه الحب إلى رؤية من لم يرَهُ من قبل، فهذا حب اقتصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أتباعه من أمته، الذين أتوا بعده، ولم يرهم، فهو صلى الله عليه وسلم يود أن يلقانا، وقد قال عنا: إننا إخوانه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وددتُ أني لقِيت إخواني) قال: فقال أصحابه: أوليس نحن إخوانك؟ قال: (أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يرَوني) رواه أحمد والطبراني وصححه الألباني.

    مما لا شك فيه أن حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمتِه أكثرُ بكثير من حبها له، كيف لا، وقولته المشهورة صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: (أمتي أمتي)، وقد قال الله عن حاله مع أمته: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:28)، وإذا كان هذا حبه صلوات الله وسلامه عليه لنا ـكأفراد وأمةـ فحريٌّ بنا أن نحبه من أعماق قلوبنا، وأن يكون حبنا له حباً صادقاً بالقلب واللسان والأعضاء، وذلك بتوقيره وطاعته والاقتداء به، قال القاضي عياض: "اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه وكان مدعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه".
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 04:35 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من الهدي النبوي مع المسيء
    اصطفى الله عز وجل نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، وفضَّله على العالمين، وفطره على صفات وأخلاق عظيمة، ظهرت على معاملاته الطيبة مع الصديق والعدو، والموافق والمخالف، وكان من أثر ذلك أن القلوب فاضت بحبه، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين عاشروه أحبوه، لما رأوا من كمال خُلُقِه، فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4). ومن جميل وعظيم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أن حلمه مع من أساء إليه وجهل عليه اتسع حتى جاوز العدل إلى الفضل، والمواقف الدالة على هديه صلى الله عليه وسلم مع من أغلظ معه وأساء إليه من السيرة النبوية كثيرة، نذكر منها:
    ـ ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس رضي الله عنه: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثَّرتْ بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أَمَر له بعطاء) رواه البخاري.
    لقد جبذ الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم بردائه جبذة شديدة، أثَّرت في عاتقه، ولم يتلطَّف في طلب مسألته بل قال: "يا محمد! مُر لي من مال الله الذي عندك"، فناداه باسمه، وفي هذا جفاء وغلظة وسوء أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (النور:63)، روى ابن كثير عن ابن عباس، قال: كانوا يقولون: يا محمد! يا أبا القاسم! فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظاماً لنبيه صلوات الله وسلامه عليه. قال: فقالوا: يا رسول الله! يا نبي الله. وقال مقاتل بن حيان في قوله: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد! ولا تقولوا: يا ابن عبد الله! ولكن شرفوه، فقولوا: يا نبي الله! يا رسول الله!.
    ومع ما فعله الأعرابي من الغلظة والإساءة باليد واللسان إليه صلى الله عليه وسلم، فقد التفت إليه مبتسماً، وأمر له بعطاء، قال النووي: "فيه احتمال الجاهلين، والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله، وإباحة الضحك عند الأمور التي يُتعجب منها في العادة، وفيه كمال خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه".
    ـ وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم جزوراً من أعرابي بوسق من تمر، فجاء منزله فالتمس التمر فلم يجده، فخرج إلى الأعرابي، فقال: (عبد الله! إنا قد ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذّخيرة، ونحن نرى أن عندنا فلم نجده) فقال الأعرابي: واغدراه! واغدراه! فوكزه الناس، وقالوا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم تقول هذا؟! فقال: (دعوه، فإن لصاحب الحقّ مقالاً) فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم مرتين أو ثلاثاً، فلما رآه لا يفقه عنه، قال لرجل من أصحابه: (اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية، فقل لها: رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول لك: إن كان عندك وسق من تمر الذّخيرة فسلفينا حتى نؤديه إليك إن شاء الله تعالى) فذهب إليها الرجل، ثم رجع، قال: قالت: نعم هو عندنا يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم للرجل: (اذهب فأوفه الذي له) فذهب، فأوفاه الذي له، قال فمرَّ الأعرابي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيراً، فقد أوفيت وأطيبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (أولئك خيار الناس الْمُوفُونَ الْمُطَيِّبُون (الذين يؤدون ما عليهم من الحق بطيب نفس) رواه أحمد، وحسنه الألباني.
    ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا) ثم قال: (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّه) قالوا: يا رسول الله! إلا أمثل من سنه (أكبر منها وأغلى في الثمن)، فقال: (أعطوه، فإن من خياركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري. قال المناوي: " قوله: (دعوه) يعني اتركوا يا أصحابنا من طلب منا دَيْنه فأغلظ، فلا تبطشوا به، (فإن لصاحب الحق مقالاً) أي: صولة الطلب وقوة الحجة، فلا يلام إذا تكرر طلبه لحقه، لكن مع رعاية الأدب، وهذا من حسن خلق المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرمه وقوة صبره على الجفاة مع القدرة على الانتقام".
    لقد مَلَك النبي صلى الله عليه وسلم بحسن خلقه وجميل عفوه وعظيم حلمه شغافَ قلوب أصحابه، بل والمسيئين إليه، فقد سبق حلمُه جهلَه، ولم يزده شدة الجهل عليه إلا حلماً وفضلاً، وهذا من عظيم أخلاقه وجميل صفاته، ودلائل نبوته، كما قال زيد بن سعنة رضي الله عنه حين أسلم ـوقد كان أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبارـ: "إنه لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه (غضبه)، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، فقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً" رواه ابن حبان.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 04:54 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ضرب الأمثال أسلوب من أساليب التربية الناجحة، يحث المُرَبِّي والمعلِّم من خلاله النفوس والعقول على فعل الخير والبِر, ويدفعها إلى الخُلُق والفضيلة، ويحجزها عن الشر والمعصية، وهو أسلوب استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم وتربية أصحابه رضوان الله عليهم في أحداث ومواقف متعددة, لما يحمله من سرعة إيصال المعنى المراد، والذي من خلاله تغرس في النفس القيمة التربوية، ويستقر في العقل المعنى المطلوب, والأمثلة الدالة على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، ومنها:

    الدنيا:

    في بعض المواقف كان يكفي النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد رداً مباشراً على تساؤلٍ أو استفسار وُجِّه إليه من أحد أصحابه، لكنه صلوات الله وسلامه عليه آثر في بعض المواقف ضرب المثل رداً على ذلك، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: (ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي وصححه الألباني. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كنفتيه (عن جانبيه) فمر بجدي أسك (مقطوع الأذنين) ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟! قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) رواه مسلم.
    ومع هذا المثل من النبي صلى الله عليه وسلم للدنيا فقد ربَّى وعلَّم أصحابه أن تكون نظرتهم للدنيا نظرة متوازنة، تَزْهد فيها دون أن تترك إعمارها، فليس الزهد وعدم التعلُّق بالدنيا داعياً إلى خرابها، بل يعمرها المسلم دون أن يُفْتَنَ بها، ويحاول جمعها من حلال أو حرام، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل) رواه أحمد وصححه الألباني.

    خاتم الأنبياء:

    اصطفى الله من بين عباده خَلْقا هم أشرفهم حسباً ونسباً، وأرفعهم مقاماً وقدْراً، وأحسنهم خَلقاً وخُلُقاً، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أفضلهم وخاتمهم، قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(الأحزاب: 40)، وقد مَثَّل النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتعاقب إرسالهم إلى الناس بالبيت الذي أُسِّسَت قواعده، ورُفِع بنيانه, وقد اعتنى صاحبه عناية شديدة بعمارته وتزيينه حتى بلغ الغاية في الحسن والجمال, ولم يبق له إلا موضع حجر في زاوية به يتم هذا البناء ويكتمل حسنه وجماله, فشبه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وما بعث به من الرسالة الخاتمة, بهذا الحجر الذي اكتمل به هذا البنيان, فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون، ويقولون: لولا موضع اللبنة) رواه البخاري.
    قال ابن هبيرة: " شبههم (الأنبياء) صلى الله عليه وسلم ببناء دار بُنِيَت حتى لم يبق فيها إلى موضع لبنة، حتى إن تلك اللبنة إذا وُضِعَت لم يبق فيها محل لأن يُعمل فيها شيء، فكان خبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا مُشْعِرَاً أنه ختم الأنبياء كما ختمت تلك اللبنة ذلك البناء، فلم يبق بعده لبانٍ عمل، لأنه صلى الله عليه وسلم تمم البناء".
    وقال ابن حجر: "وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام".

    المؤمنون جسد واحد:

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم. قال ابن الجوزي: "إنما جعل المؤمنين كجسد واحد لأن الإيمان يجمعهم كما يجمع الجسد الأعضاء، فلموضع اجتماع الأعضاء يتأذى الكل بتأذى البعض وكذلك أهل الإيمان، يتأذى بعضهم بتأذي البعض".
    وقال النووي: "وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام".

    الصلاة والطهرة من الذنوب:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه سمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) رواه البخاري. قال ابن العربي: "وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنبا إلا أسقطته وكفرته".

    فرح الله بتوبة عبده:

    بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده المؤمن ـ فرحاً يليق بجلاله وكماله، ولا يشبه فرح المخلوقين ـ، وضرب المثل على ذلك بمثل رجل سار في صحراء مقفرة، شديدة الحر، ضاعت منه راحلته، وفيها متاعه وطعامه وشرابه، حتى استيأس فنام موقناً بالموت، فاستيقظ فوجد وسيلة سيره وسفره (راحلته) وفيها متاعه وطعامه وشرابه، ففرح لذلك فرحاً شديداً، فالله عز وجل أفرح بتوبة عبده المؤمن من هذا الرجل، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ في أرضِ دوِّيَّةٍ مَهلَكةٍ، معه راحلتُه، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطشُ، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموتَ، فوضع رأسَه على ساعدهليموت، فاستيقظ وعنده راحلتُه وعليها زادُه طعامه وشرابُه، فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده) رواه مسلم.
    قال ابن حجر: "وقال القرطبي: هذا مثل قُصِدَ به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب، وأنه يقبل عليه بمغفرته، ويعامله معاملة من يفرح بعمله".

    قراءة القرآن:

    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة (نوع ثمر من أفضل الثمار)، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن، مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مُر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُر) رواه مسلم.
    قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن) إلى آخره فيه: فضيلة حافظ القرآن، واستحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد". وقال ابن عثيمين: "هذا الحديث ساقه المؤلف (النووي) رحمه الله في باب فضل قراءة القرآن في رياض الصالحين، في بيان أحوال الناس بالنسبة للقرآن، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أمثلة للمؤمن والمنافق .. فالمؤمن الذي يقرأ القرآن كله خير في ذاته وفي غيره فهو كالأترجة، لها رائحة طيبة ذكية، وطعمها طيب، أما المؤمن الذي لا يقرأ القرآن فهو كمثل التمرة طعمها حلو ولكن ليس لها رائحة ذكية كرائحة الأترجة".

    الصاحب الصالح:

    ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لتأثير الرفقة والمجالسة في حياة الإنسان، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك (يعطيك)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير (الحَدَّاد)، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة) رواه البخاري.
    قال ابن حجر: "وفي الحديث النهي عن مُجالسة من يُتأذّى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مُجالسة من يُنتفع بمجالسته فيهما". وقال ابن عثيمين: "يعني أن الإنسان يكون في الدين، وكذلك في الخُلُق على حسب من يصاحبه، فلينظر أحدكم من يصاحب، فإن صاحب أهل الخير، صار منهم، وإن صاحب سواهم، صار مثلهم".

    المعاصي والشهوات:

    من الأحاديث التي ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مثلاً للتحذير من المعاصي واتباع الشهوات ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم - يقول : (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الْفَرَاشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يَقَعْنَ فيها، يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْن فيها، فأنا آخذ بِحُجَزِكُمْ عن النار، وهم يقتحمون فيها).
    قال ابن هُبَيْرَة: "في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمَّى أعمال النار ناراً، لأنها تؤدي إليها .. فهو صلى الله عليه وسلم بشرعه ووصاياه يمسك بالحجز عن التهافت في أعمال النار المؤدية إلى النار، والآدميون يتهافتون عليها تهافت الفراش على النار اتباعًا لطباعهم التي تؤدي من ذلك إلى ما يتلفها".
    وقال ابن بطال: "هذه أمثال ضربها النبى صلى الله عليه وسلم لأمته لينبههم بها على استشعار الحذر، خوف التورط فى محارم الله والوقوع فى معاصيه، ومثَّل لهم ذلك بما عاينوه وشاهدوه من أمور الدنيا، ليقرب ذلك من أفهامهم، ويكون أبلغ فى موعظتهم، فمثل صلى الله عليه وسلم اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش فى النار، لأن الفراش من شأنه اتباع ضوء النار حتى يقع فيها، فكذلك متبع شهوته يئول به ذلك إلى العذاب، وشبه جهل راكب الشهوات بجهل الفراش، لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها".

    يُعدّ ضرب الأمثال أسرع في التأثير، وأوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع، وهو أسلوب تربوي يؤدي دوراً عظيماً في الدعوة والتربية والتعليم، لما فيه من تقريب وتسهيل للمعاني البعيدة أو الغامضة، عن طريق عرض أمثالها وما يشابهها من المعاني المحسوسة والواضحة، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب في قضايا مختلفة وفي مواطن متعددة، والسيرة النبوية زاخرة بالأمثلة الدالة على ذلك.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 05:17 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    نبينا صلى الله عليه وسلم هو خير أسوةٍ وأفضل قدوة، بما اشتُهر به من جمال الخَلق والخُلق، وحسن السمت وطيب الرائحة، وكانَ من شأنه وصفته التي عُرِف بها بين أصحابه: رائحته الطيبة، فكان إذا صافحه أحد يعرف ذلك من أثر طيب يده التي صافح بها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (ما شممتُ عنبرًا قطُّ، ولا مسكاً ولا شيئاً أطيبَ من ريحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم. وكان صلوات الله وسلامه عليه يحب الطِّيبِ، ويأمر به خاصة في يوم الجمعة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منِ اغتسل يومَ الجمعة فأحسنَ الغُسْل، وتطهَّر فأحسَنَ الطُّهور، ولبِسَ مِنْ أحسن ثيابه، ومَسَّ مَا كتَبَ الله له مِنْ طيبِ أوْ دُهْنِ أهله، ثُمَّ أتى المسجد، فلم يَلْغُ، ولم يُفَرِّقْ بينَ اثنينِ، غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأُخْرى) رواه الطبراني.

    فالطيب والعِطْر سنة نبوية، وله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم شأنٌ وأهمية، وهو من الأمور التي حُبِّبت إليه من أمور الدنيا، وأمر بها صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يحب الطيب، ويأمر به). قال ابن القيم: "لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح، والروح مطيةُ القوى، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب، وسائر الأعضاء الباطنية، ويُفرح القلب، ويسرُّ النفس، ويبسُط الروح، وهو أصدق شيءٍ للروح، وأشدُّ مُلاءمةً لها، وبينه وبين الروح الطيبة نسبة قريبة، كان أحد المحبوبين من الدُّنيا إلى أطيب الطَّيبين صلوات الله عليه وسلامه". وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (حُبِّبَ إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه النسائي. قال ابن القيم: "هذا لفظ الحديث، ومن رواه: "حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث" فقد وهِم، ولم يقل صلى اللَّه عليه وسلم: ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها، وكان النساء والطيب أحب شيء إليه صلى اللَّه عليه وسلم". وقال النيسابوري: "مراده صلى الله عليه وسلم أن يفهم السامع أن ما حُبِّب إليه من أمور الدنيا ليس يلهيه عن أمور الآخرة وطلبها، فأشار إلى أن الصلاة -المتضمنة لمناجاته ربه- تسمو على ما حبب إليه من أمور الدنيا، فهي تشغله عن ذلك، لا أن الصلاة مما حبب إليه من أمور الدنيا فتأمل". وعن أنس رضي الله عنه قال: (كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سُكَّةٌ يتطيَّبُ منْها) رواه أبو داود. (سُكَّةٌ) بضم السين المهملة وتشديد الكاف: نوع من الطيب عزيز، وقيل: وعاء يوضع فيه الطيب، والظاهر أنه المراد هنا.

    الطيب لا يُرد

    ما عُرِضَ عليه صلَّى الله عليه وسلم طيبٌ قطُّ فردَّهُ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن عُرِضَ علَيهِ طيبٌ فلا يرُدَّهُ، فإنَّهُ طيِّبُ الرِّيح، خفيفُ المَحمل) رواه أبو داود، وصححه الألباني، وفي رواية مسلم: (من عُرِض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح). قال المنذري: "ويحتمل أن يراد بـ (الريحان) جميع أنواع الطيب، يعني مشتقاً من الرائحة". وقال النووي: "وفي هذا الحديث: كراهة رد الريحان لمن عُرِض عليه إلا لعذر". وقال ابن العربي: "إنما كان لا يردُّ الطيب لمحبته فيه، ولحاجته إليه أكثر من غيره، لأنه يُناجي مَنْ لا نُناجي، وأما نهيه عن رد الطيب فهو محمول على ما يجوز أخذه لا على ما لا يجوز أخذه، لأنه مردود بأصل الشرع".

    فائدة: تطيب وتعطر المرأة

    استعمال المرأة الطيب والعطر له حالتين، يختلف حكمهما بحسبهما، وبيان ذلك:

    الحالة الأولى: استعماله للزوج، فهو مستحب ومندوب، وهو داخل في أمره صلى الله عليه وسلم بالطيب، وذلك لأنه من حسن المعاشرة بالمعروف بين الزوجين، وهو أدْعى لزيادة المودة وتأكيد المحبة بينهما، وذلك حين يعتني كل منهما بما يحبه الآخر، قال المناوي: "أما التطيب والتزين للزوج فمطلوب محبوب، قال بعض الكبراء: تزيُّنُ المرأة وتطيُّبُها لزوجها من أقوى أسباب المحبة والألفة بينهما، وعدم الكراهة والنفرة؛ لأن العين رائد القلب، فإذا استحسنت منظراً أوصلته إلى القلب فحصلت المحبة، وإذا نظرت منظراً بشعاً أو ما لا يعجبها من زي أو لباس تلقيه إلى القلب، فتحصل الكراهة والنفرة، ولهذا كان من وصايا نساء العرب لبعضهن: إياك أن تقع عين زوجك على شئ لا يستملحه، أو يشم منك ما يستقبحه".

    الحالة الثانية: وضع الطِّيبِ والعِطر والخروج به بقصد أن يجد ريحَه الرجالُ الأجانب فهذا مُحَرَّم، والنبي صلى الله عليه وسلم سد ذرائع الشر، وأغلق أبواب الفتنة حرصاً على سلامة قلب المسلم وطهارة نفسه، ومن ثم نهى النساء عن التطيّب والتعطّر عند غير زوجها ومحارمهن من الرجال، وقد وردت في ذلك جملة من الأحاديث النبوية الشريفة منها: ما رواه الطبراني وصححه الألباني عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية). وقوله صلى الله عليه وسلم: (فَهِيَ زَانِيَة) ليس معناه أنها زانية حقيقة، وأن ذلك يبيح قذفها بالزنا، وإنما سُمِّيت زانية مجازاً، مبالغة وتهديداً وتشديداً عليها، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في "صحيح مسلم": (فالعينانِ زناهما النَّظرُ). قال المناوي: "(أيما امرأة استعطرت) استعملت العطر، أي الطِّيبِ الظاهر ريحه في بدنها أو ملبوسها، (فمرت على قوم) الرجال (ليجدوا) أي لأجل أن يشموا (ريحها) أي: ريح عطرها، (فهي زانية) أي: هي بسبب ذلك متعرضة للزنا، ساعية في أسبابه، داعية إلى طلابه، فسُمِّيت لذلك زانية مجازاً". وعن زينب الثقفية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرجَتْ إحداكنّ إلى المسجدِ فلا تقربنّ طيباً) رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم.

    قال الإمام هُبَيْرَة الشيبانيّ: "في هذا الحديث كراهية الطيب للنساء اللاتي يشهدن الجماعة، فإذا خالفت امرأة وتطيبت، فلا تشهد الجماعة حتى يذهب ريح الطيب، وهذا لأنه يوجب الالتفات إليها ويثير الشهوة". وقال ابن دقيق العيد: "وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد؛ لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال". فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة عن التطيب حال خروجها إلى المسجد فعند خروجها إلى غيره أولى.

    لقد علّمنا صلى الله عليه وسلم بسنّته القولية والفعلية كيف يكون المؤمن معتنياً بمظهره كاعتنائه بمخبره، ليتحقّق التوازن المنشود في الشخصيّة المسلمة، من جمال الظاهر والباطن، وحسن السمت والمظهر، وجمال السلوك والأخلاق. قال ابن القيم في كتابه الطب النبوي: "وفي الطِّيبِ من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما يناسبها، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح".
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 05:20 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    تمر السنون والأعوام، وتظل السيرة النبوية بأحداثها ومواقفها نبراساً يضيء لنا الطريق في التربية والتعليم، والعزة والتمكين، لما تحمله بين ثناياها من مواقف تربوية كثيرة تضع للدعاة والآباء والمعلمين والمربين المنهج القويم في التربية، والأسلوب الأفضل في التعليم، فنبينا صلى الله عليه وسلم كان نِعْمَ المُرَبِّي والمُعَلِّم، بل أفضل مُرَبًّ ومعلم، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) رواه مسلم، وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّياه (وافَقْد أمي لي)، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -فبأبي هو وأمي- ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني (ما نهرني ولا عبس في وجهي)، ولا ضربني ولا شتمني، قال صلى الله عليه وسلم: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم.

    قال النووي: " فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخُلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته وشفقته عليهم...وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه".

    وكان صلوات الله وسلامه عليه في تعليمه وتربيته لأصحابه ينتقل من أسلوبٍ إلى آخر، مراعياً حال المخاطَب، فكان يلجأ في بعض الأوقات ووفقاً لواقع الحال إلى استخدام أساليب مناسبة أسلوب الحوار والمناقشة، أو ضرب الأمثال والتشبيه، واستخدام القصة، والتعبير بحركة اليد والرسم، ورفع وإظهار المُتَحَدَّث عنه، والتعليم العملي بفعل الشيء أمام المُتَعَلِّم، واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب على حسب الحال، حرصاً منه صلى الله عليه وسلم على أن تنتقل توجيهاته الكريمة وتعاليمه النبوية من مرحلة القول إلى مرحلة الفهم الصحيح والتطبيق والفعل للمتعلم.

    ومن هذه الأساليب النبوية في تعليمه وتربيته: أسلوب التعليم والتربية من خلال طرح السؤال ليجيب عنه المُخَاطَب إنِ استطاع، أو ينتظر ليسمع الإجابة منه صلى الله عليه وسلم، أو السؤال عن بعض المعاني المعروفة للمتعلم، وحينما يخبر بما يعرفه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى آخر لهذا السؤال، ليترسخ في عقل وقلب المُعَلَّم والمُرَبَّى المعنى المقصود منه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من باب الملاطفة وزيادة العلم وحُسْن التربية، ولذلك خصص البخاري باباً في "صحيحه" في أول كتاب العلم تحت عنوان: "باب طرح الإمام المسألة ليختبر ما عندهم من العلم".

    والمواقف النبوية الدالة على أسلوبه في تعليمه لأصحابه بالسؤال كثيرة، منها:

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مَثَلُ المسلم، حَدِّثوني ما هي؟! فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة، قال عبد الله: فحدَّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا) رواه البخاري. وفي هذا الموقف والسؤال من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فوائد كثيرة منها:

    ـ حُسْن تعليمه لهم، حيث ألقى عليهم المعنى والمعلومة المراد تعليمهم إياها، على هيئة سؤال ليجعلهم يفكرون لمعرفة الإجابة، فإذا عجزوا عن الإجابة كانوا أشد اشتياقاً لمعرفة الجواب، وهذا يحقق فائدة اكتساب العلم، وترسيخ المعنى على أفضل وجه، بالإضافة إلى دفع الملل عن المتعلم، الذي قد يحدث إذا كان أسلوب التعليم يسير على وتيرة واحدة، إضافة إلى ما يحققه هذا أسلوب السؤال من إدخال النشاط والسرور والبهجة في نفوس المتعلمين.

    ـ ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم الصغير مع الأكبر منه ِسنَّاً، من أدب وتوقير وعدم إكثار من الكلام، إذا لم يترتب على عدم الكلام كتمان علم، أو تفويت مصلحة، فإن ظهرت مصلحة وفائدة لتكلم الصغير، فيجب عليه أن يراعي آداب الحديث المعروفة، فابن عمر رضي الله عنه قد سمع السؤال الذي ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع كل الحاضرين، ولم يخص بها الكبير دون الصغير، وقد علم إجابته، وكان هناك مصلحة أن يجاوب الرسول صلى الله عليه وسلم ليظهر فضله ويقر عين الرسول صلى الله عليه وسلم بما عليه أبناء الصحابة من علم وفكر، إلا أنه مع كل ذلك، آثر السكوت كراهية للتكلم في حالة سكوت أبي بكر وعمر مراعياً فضلهما وكبرهما رضي الله عنهما، ففي رواية للبخاري قال ابن عمر: (ورأيتُ أبا بكرٍ وعُمَرَ لا يتكلمان فكَرِهتُ أن أتكلم).

    ـ حرص الآباء على إظهار فضل أولادهم، خاصة في حضرة أهل الفضل لا حرج فيه، بل هو أمر مطلوب في تربية الأبناء، ولذا قال عمر رضي الله عنه لابنه عبد الله: (لأن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا). قال ابن حجر: "فيه التحريض على الفهم في العلم، وينبغي للمُلغَز له أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، كما ينبغي للملغِز ألا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للمُلغَز باباً يدخل منه، بل كلما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه".

    وقال النووي: "وفي هذا الحديث فوائد: منها استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في الفكر والاعتناء. وفيه: ضرب الأمثال والأشباه. وفيه: توقير الكبار كما فعل ابن عمر، لكن إذا لم يعرف الكبار المسألة، فينبغي للصغير الذي يعرفها أن يقولها. وفيه: سرور الإنسان بنجابة ولده، وحسن فهمه، وقول عمر رضي الله عنه: "لأن تكون قلتَ هي النخلة أحب إليَّ من كذا وكذا"، أراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لابنه، ويَعلم حسن فهمه ونجابته".

    ومن المواقف النبوية في التعليم والتربية من خلال السؤال: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال صلى الله عليه وسلم: إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وَسَفَك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طُرِح في النار)، وفي رواية ابن حبان: (أتدرون من المفلسُ؟).
    قال ابن عثيمين: "قوله: (أتدرون ما المفلس؟) الاستفهام هنا للاستعلام الذي يُراد به الإخبار؛ لأن المستفهِم تارة يستفهم عن جهل، ولا يدري فيسأل غيره، وتارة يستفهم لتنبيه المُخَاطَب لما يُلْقَى إليه، أو لتقرير الحكم". وقال الطيبي: "وهذا سؤال إرشاد لا استعلام".

    وقال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا) إلى آخره، معناه: أن هذا حقيقة المفلس، وأما من ليس له مال ومن قلَّ ماله فالناس يسمونه مفلساً، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث، فهو الهالك الهلاك التام، فتؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا فرغت حسناته أُخِذَ من سيئاتهم، فوُضِعَ عليه ثم أُلْقِيَ في النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه".

    إن التعليم بطريق إلقاء السؤال من الوسائل التعليمية والتربوية المهمة؛ حيث ينمي التواصل القوي بين المُعَلِّم والمتعلم، والمُرَبِّي والمُرَبَّى، ولذلك استخدم النبي صلى الله عليه وسلم السؤال في صور ومواقف متعددة لتعليم أصحابه رضوان الله عليهم، مما كان له كبير الأثر في حسن تعليمهم، وتفاعلهم عمليًّا وسلوكيًّا مع المعاني التربوية المقصودة منه صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما ينبغي أن يسلكه الآباء والمعلمون والمربون، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 05:26 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة
    أمة النبي صلى الله عليه وسلم وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لها في الآخرة منزلة وفضلا، فقد اختص الله تبارك وتعالى الأمة المحمدية بخصائص كثيرة لم تُعْطهَا غيرها من الأمم، وفي ذلك تكريم لنبيها صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110)، قال ابن كثير: "يُخْبِر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم"، وعن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

    ومما اختُص به نبينا صلى الله عليه وسلم في أمته أنهم أكثر أهل الجنة مقارنة بالمشركين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأبيض) رواه مسلم، وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) رواه ابن ماجه وصححه الألباني. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟ قلنا: نعم، قال: والّذي نفس محمّد بيده إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة، وذلك أنّ الجنّة لا يدخلها إلّا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشّرك إلّا كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود، أو كالشّعرة السّوداء في جلد الثّور الأحمر) رواه البخاري. وفي رواية مسلم: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فكبَّرنا، ثم قال: أما ترضونَ أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فكبَّرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبرُكم عن ذلك، ما المسلمونَ في الكفار إلا كشعرةٍ بيضاءَ في ثورٍ أسود، أو كشعرةٍ سوداء في ثورٍ أبيض)، قال ابن التين: "أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الوحدة، لأنه لا يكون ثور في جلده شعرة واحدة من غير لونه".

    فضْلُ الله تعالى على أمتنا عظيم، إذ جعلها نصف أهل الجنة، وفي بعض الروايات في غير الصحيحين ثلثي أهل الجنة، وهي في المقام الأول خصوصية وتكريم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أمته، ففي حديث الشفاعة المشهور: (.. فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسَلْ تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله) رواه البخاري. وفي رواية أخرى يقول الله عز وجل : (يا جبريل! اذهبْ إلى محمدٍ فقلْ: إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوءُك) رواه مسلم.

    وفي بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته من بعدهم ـ بأنهم نصف أو ثلثي أهل الجنة ـ إظهار لمدى حبه وشفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم بهم، وقد قال الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128)، وهو القائل صلى الله عليه وسلم في حرصه وحبه لأصحابه وأمته: (أصحابي أصحابي) رواه البخاري، (أمتي يا رب، أمتي يا رب) رواه البخاري.

    وقد بشر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بصيغة الاستفهام مرتين وثلاثة وذلك لإرادة تقرير البشارة، (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟ قلنا: نعم)، فلم يُبَشِّرِهم ويخبرهم أنهم نصف أهل الجنة ابتداءً، لأن التدريج أوقع فى النفس وأبلغ فى الإكرام، ولأن الإعطاء مرةً بعد أخرى دليل الاعتناء بالمُعْطَى، ولتتكرر منهم عبادة الشكر ويزداد سرورهم وفرحهم، قال النووي: "أما تكبيرهم فلسرورهم بهذه البشارة العظيمة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ربع أهل الجنة، ثم ثلث أهل الجنة، ثم الشطر، ولم يقل أولاً شطر أهل الجنة فلفائدة حسنة، وفي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم، فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وفيه فائدة أخرى هي تكريره البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه، والله أعلم. ثم إنه وقع في هذا الحديث: شطر أهل الجنة، وفي الرواية الأخرى: نصف أهل الجنة، وقد ثبت في الحديث الآخر: أن أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة منها ثمانون صفاً، فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أولاً بحديث الشطر، ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعلم بحديث الصفوف، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة".

    فائدة:

    لا حرج في تكبير المسلم عند سماعه ما يُفْرِحُه خاصةً في أمور الدين، لما ورد في رواية مسلم: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فكبّرنا)، ففي ذلك دلالة على مشروعية التكبير عند رؤية الشيء المُسْتَحْسَن، أو عند التعجب من أمْرٍ ما، وأنه لا حرج على من يفعل ذلك، قال العيني: "(فكبَّرنا) أي: فعظَّمنا ذلك، أو قلنا: الله أكبر، سروراً بهذه البشارة"، وقد بوب البخاري في صحيحه باباً بقوله: "باب التكبير والتسبيح عند التعجب". وقال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري:" التكبير والتسبيح معناهما تعظيم الله وتنزيهه من السوء، واستعماله عند التعجب واستعظام الأمور حسن، وفيه تمرين اللسان على ذكر الله، وذلك من أفضل الأعمال". وعلق ابن حجر في فتح الباري على كلام ابن بطال بقوله: "وهذا توجيه جيد، كأن البخاري رمز إلى الرد على مَنْ منع من ذلك".

    خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم التي أكرمه الله واختصه بها كثيرة، منها: أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل والأنبياء، وأنه سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة, وأنه أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة, وأول من يقرع ويُفتح له باب الجنة, كما أنه صلى الله عليه وسلم أول من يعبر الصراط من الرسل، وقد شرَّفه الله تعالى بالشفاعة لأمته، وأكرمه بالكوثر, وهو النهر العظيم الذي وعده الله به في الجنة.. ومن هذه الخصائص: تكريم الله عز وجل له أن جعل أمته نصف أهل الجنة وثلثيها .. تلك هي بعض خصائصه صلى الله عليه وسلم التي اختصه الله بها دون غيره من الأنبياء، وهي تبين مكانة نبينا صلى الله عليه وسلم بين الرسل، وتبين لنا كذلك مكانة أمته بين الأمم، وتُعطينا صورة حقيقية عن عظيم مكانته عند ربه وكرامته عليه, فصلوات الله وسلامه عليه.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 05:32 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    يا ربيعةُ ألا تَزَوَّجُ ؟
    ما مِن خصلة من خصال الخير إلا ولرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوفر الحظ والنصيب منها، وقد وصفه الله تعالى بلين الجانب لأصحابه فقال: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }(آل عمران: من الآية: 159) .
    والمتأمل في السيرة النبوية تستوقفه مواقف كثيرة، يظهر فيها حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه، وحسن معاملته لهم، والاهتمام بهم، فكان يؤلفهم ولا ينفرهم، ويتفقدهم ويعودهم، ويعطى كلَّ مَنْ جالسه نصيبه من العناية والاهتمام، حتى يظن جليسه أنه ليس أحدٌ أكرم منه، وكان يقضي حوائجهم، ويشفق عليهم، ويشعر بآلامهم وآمالهم، ومن هذه المواقف: موقفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ربيعة بن كعب الأسلمي الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ .

    عن ربيعة بن كعب الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنت أخدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال لي: يا ربيعة ألا تزوج؟، قال: قلت: والله، يا رسول الله، ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء، فأعرض عني، فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية: يا ربيعة، ألا تزوج؟، فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء، فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: والله، لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني، والله، لئن قال: تزوج، لأقولن: نعم يا رسول الله، مرني بما شئت .
    قال: فقال: يا ربيعة، ألا تزوج؟، فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: انطلق إلى آل فلان، حي من الأنصار، وكان فيهم تراخ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقل لهم: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسلني إليكم، يأمركم أن تزوجوني فلانة، لامرأة منهم، فذهبت، فقلت لهم: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسلني إليكم، يأمركم أن تزوجوني فلانة، فقالوا: مرحبا برسول الله، وبرسول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والله، لا يرجع رسولُ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بحاجته، فزوجوني وألطفوني، وما سألوني البينة .
    فرجعت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حزيناً، فقال لي: ما لك يا ربيعة؟، فقلت: يا رسول الله، أتيت قوما كراما، فزوجوني وأكرموني وألطفوني، وما سألوني بينة، وليس عندي صداق، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا بريدة الأسلمي، اجمعوا له وزن نواة من ذهب، قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا لي، فأتيت به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اذهب بهذا إليهم، فقل: هذا صداقها، فأتيتهم، فقلت: هذا صداقها، فرضوه وقبلوه، وقالوا: كثير طيب .
    قال: ثم رجعت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حزيناً، فقال: يا ربيعة، ما لك حزين؟، فقلت: يا رسول الله، ما رأيت قوما أكرم منهم، رضوا بما آتيتهم، وأحسنوا، وقالوا: كثيراً طيباً، وليس عندي ما أولم، قال: يا بريدة، اجمعوا له شاة، قال: فجمعوا لي كبشا عظيما سمينا، فقال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: اذهب إلى عائشة، فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام، قال: فأتيتها، فقلت لها ما أمرني به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، لا والله، إن أصبح لنا طعام غيره، خذه، فأخذته، فأتيت به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبرته بما قالت عائشة، فقال: اذهب بهذا إليهم، فقل: ليصبح هذا عندكم خبزاً، فذهبت إليهم، وذهبت بالكبش، ومعي أناس من أسلم، فقال: ليصبح هذا عندكم خبزا، وهذا طبيخا، فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش، أنا وأناس من أسلم، فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأولمت، ودعوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَأَجَابَنِي ) رواه أحمد .

    وفي موقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ربيعة بن كعب الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ الكثير من الفوائد، منها:

    ـ اهتمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأصحابه ـ لا سيما الفقراء منهم ـ، وحرصه عليهم، وتلمس احتياجاتهم، وشفقته بهم، وصدق الله ـ تعالى ـ في قوله عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }(التوبة الآية: 128)، وفي ذلك تعليم للأمة على اهتمام المسؤول برعيته .
    ـ معرفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأحوال أصحابه واحتياجاتهم، وبما يصلح لهم دنياهم وآخرتهم، فقد قال لربيعة ـ رضي الله عنه ـ: ( يا ربيعةُ ألا تَزَوَّجُ؟ )، كما أن فيه رجاحة عقل ربيعة ـ رضي الله عنه ـ، وثقته ويقينه في حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويظهر ذلك من قوله ـ رضي الله عنه ـ ( والله لرسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني ) .
    ـ سرعة استجابة أهل البنت لأمر النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وفرحهم بذلك واعتبارهم له بركة وكرم، وقولهم: ( مرحبا برسول الله، وبرسول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والله، لا يرجع رسولُ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بحاجته، فزوجوني وألطفوني )، وفي ذلك منقبة عظيمة من مناقب الأنصار تضاف إلى مناقبهم ـ رضي الله عنهم ـ الذين مدحهم الله ـ عز وجل ـ بقوله: { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ }(الحشر الآية: 9) .
    ـ استجابة الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وتعاونهم في جمع المهر وإقامة ولية زواج ربيعة ـ رضي الله عنه ـ تعطي صورة المجتمع المسلم في المدينة المنورة، والذي قام على السمع والطاعة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والأخوة والإيثار والتكافل الاجتماعي .

    لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعيش بعيداً عن أصحابه، بل كان يتفقدهم ويسأل عنهم، فما أن يفتقد أحدهم ويغيب عن مجلسه إلا ويسأل عنه، فإن كان مريضاً سارع إلى عيادته، وإن كان مسافراً خَلَفَه في أولاده، وإن كان في حاجة سارع إلى قضائها له، فكان مع أصحابه بمثابة الأب الحاني، والصاحب المعطاء، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويشاركهم مشكلاتهم ويعينهم على حلها، ويقترح عليهم ما يصلح شأنهم، ويعلمهم ما ينفعهم، ولا يضجر من مساعتهم، وقد قال عنه صاحبه وزوج ابنتيه وخليفته عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ: " لقد صحبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير " .

    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 05:37 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    بلغت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم مبْلغاً عجيباً في الكمال والسعة، حيث شملت تلك الرحمة الناس جميعاً؛ الضعيف منهم والقوي، والعبد والسيد، والقريب والبعيد، والصاحب والعدو، بل امتدت شفقته ورحمته صلوات الله وسلامه عليه لتشمل الطير والحيوان، ولا عجب في ذلك فالذي أوجد وغرس في قلبه صلوات الله وسلامه عليه تلك الرحمة الشاملة هو ربه سبحانه الذي قال عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)، وقال: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران:159)، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128)، وقال هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم: (أنا نبي الرحمة) رواه مسلم، وقال: (يا أيها الناس! إنما أنا رحمة مهداة) رواه الحاكم.

    يقول ابن تيمية: "الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين؛ فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله".

    وإذا كان الناس بوجه عام بحاجة إلى الرحمة والرعاية، فالأطفال بوجه خاص في حاجة إلى الكثير من الحب والرحمة والشفقة بهم، والمتأمل في سيرته ومواقفه صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان أرحم الناس بالأطفال، فعن أنس رضي الله عنه فال: (ما رأيتُ أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم.

    فكان صلى الله عليه وسلم مع الأطفال أباً حنوناً، شفوقاً رحيماً، يداعب ويلاعب، وينصح ويربي، ومن ثم صنع من الأطفال والصغار رجالاً، وأنشأ منهم جيلاً مثاليًّا في إيمانه وأخلاقه ومعاملاته، ولمعت على يديه أسماء كثير من الأطفال الأبطال، كان لهم تأثيرهم الواضح في المجتمع الإسلامي الأول، مثل: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل ومعاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح وسمرة بن جندب وغيرهم رضوان الله عليهم، الذين كانوا على مر السنين نماذج مثالية لأطفال المسلمين، بل لكبارهم.

    وقد تجلّت رحمته وشفقته صلى الله عليه وسلم بالأطفال في كثيرٍ من المظاهر والمواقف، ومنها:

    ما رواه عبد الله بن شداد عن أبيه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي، الظهر أو العصر، وهو حامل الحسن أو الحسين، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها، قال: إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال الناس يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني (ركب على ظهري) فكرهت أن أعجله، حتى يقضي حاجته) رواه أحمد.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: أثم لكع، أثم لكع (أين الحسن)؟! فحبسته شيئا (أخرته) فظننت أنها تلبسه سخاباً (قلادة) أو تغسله، فجاء يشتد، حتى عانقه وقبَّله، وقال: اللهم أحبه، وأحب من يحبه) رواه البخاري، وهكذا كان من حبه ورحمته صلى الله عليه وسلم بحفيده أنه كان يأخذ من وقته ليذهب إليه ويتعهده ويقبِّله، ويضعه في حجره ويدعو له.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلونَ الصِّبيان؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوَ أملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ من قلبِك الرحمةَ) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن عليّ وعنده الأقرع بن حابس التّميميّ جالساً، فقال الأقرع: إنّ لي عشرة من الولد، ما قبّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ قال: من لا يَرْحم لا يُرْحم) رواه البخاري.

    قال ابن عثيمين: "ففي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يُقَبِّل أبناءه، وأبناء بناته، وأبناء أبنائه، يقبلهم رحمة بهم، واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَّا ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان، فتجده لا يُمَكِّن صبيه من أن يحضر مجلسه، وإذا رآه عند الرجال انتهره، فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة".

    وفي موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأقرع بن حابس التّميميّ فوائد كثيرة، منها:

    ـ عظيم شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال، ومن مظاهر تلك الشفقة قيامه صلى الله عليه وسلم بتقبيل حفيده الصغير الحسن بن علي رضي الله عنه، قال ابن بطال: "رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التى يرضاها الله ويجازي عليها، ألا ترى قوله عليه السلام للأقرع بن حابس حين ذكر عند النبى أن له عشرة من الولد ما قبَّل منهم أحدًا: (من لا يَرْحم لا يُرْحَم) فدلَّ على أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به العبد رحمة الله".

    - إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الأقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه، حيث إنه لم يقبل أحداً من أولاده العشرة، بقوله: (من لا يَرْحَم لا يُرْحَم).

    - تهديد النبي صلى الله عليه وسلم وتخويفه لكل من لا يرحم الأطفال بأنه لا يُرحم، ولم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم عدم الرحمة بأناس معينين لتعم الفائدة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لا يَرْحَم لا يُرْحَم)، وإن كان هذا الموقف النبوي خاص برحمة الوالد ولده، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال النووي: "قال العلماء هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم".

    - وجوب شمول الأطفال بكل أنواع الرحمة، فالأمر لا يقتصر على التقبيل وحده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وسَّع نطاق الرحمة ليشمل كل أنواعها ومظاهرها، وإن كان مورد الحديث أصلاً على التقبيل، فعلى الوالدين بذل كل عمل يكون من شأنه إظهار الحب والرحمة والشفقة بالأطفال والصغار، من الاهتمام بهم وملاعبتهم وإدخال السرور عليهم، وحملهم إذا تطلب الأمر ولو في الصلاة. روى أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (كان لي أخ يقال له: أبو عمير، كان إذا جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا عمير! ما فعل النُغير) رواه البخاري. (النغير: طائر صغير). وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليّ وهو حامل أُمَامَة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) رواه البخاري.

    قال ابن بطال: "ألا ترى حمل النبى عليه السلام أُمَامَة ابنة أبى العاص على عنقه فى الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها فى الصلاة، وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم الأسوة لنا، فينبغى الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم".

    ـ من فوائد هذا الموقف النبوي: الجزاء من جنس العمل، فمن لا يَرْحَم لا يُرْحَم، وكذلك بيان ما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، حيث كل المعاني السابقة وغيرها مستنبط من جملة صغيرة، ومع تكرار الفعل مرتين فيها، أحدهما بالبناء للمعلوم والآخر بالبناء للمجهول (مَنْ لا يَرْحم لا يُرْحَم)، لا تشعر الأذن بسماعه أي تكلف أو نكارة، بل تشعر فيه بقوة البلاغة؛ لأن الله عز وجل أعطاه صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان يتكلم بالقول الموجز القليل، الكثير المعاني، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فُضِلتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) رواه مسلم.

    في حياة النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من المواقف التربوية التي تحتاج إلى وقفات من المعنيين بشأن التربية لاستخراج فوائدها والاقتداء بها، والتعامل من خلالها مع أطفالنا الذي هم رجال الغد والمستقبل، ومن يتأمل السيرة النبوية يعلم إلى أي مدى كان اهتمام نبينا صلوات الله وسلامه عليه بالأطفال وتنشئتهم النشأة الصالحة، التي من أهم سماتها الحب والشفقة والرحمة، فهو القائل صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 10:08 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    اشتهر عند بعض الناس أن نبينا صلى الله عليه وسلم له معجزة واحدة، وهي القرآن الكريم، ويستدلون بما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة). وهذا الحديث لا يدل على نفي المعجزات الحسية الكثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدل على المنزلة العظيمة لمعجزة القرآن الكريم، المحفوظ بحفظ الله له، الذي يستمر انتفاع الناس به إلى قيام الساعة، قال ابن حجر في قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما كان الذي أوتيتُ وحيا أوحاه الله إليّ): "أي إنَّ معجزتي التي تحدَّيت بها الوحي الذي أُنزل عليَّ وهو القرآن، لِمَا اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يُؤْتَ من المعجزات ما أُوتِي مَنْ تقدَّمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اخْتُصَّ بها دون غيره؛ لأن كلَّ نبي أُعْطِيَ معجزة خاصَّة به، لم يُعْطَهَا بعينها غيرُه، تحدَّى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسِبة لحال قومه".

    وقد غفل البعض عن المعجزات الحسية الكثيرة والصحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم التي أثبتها وسجلها العلماء في كتب السيرة والسنة النبوية، مثل نبع الماء بين أصابعه الشريفة، وانشقاق القمر، وحنين الجذع له، وتسليم الحجر عليه، وانقياد الشجر إليه، وتسبيح الحصى بين يديه...قال ابن تيمية: "ومعجزاته صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف معجزة، مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات".

    ومن هذه المعجزات الصحيحة والثابتة التي أكرم الله عز وجل بها نبينا صلى الله عليه وسلم تأييداً له، وإظهاراً لقدْره، ودلالة على صدقه ونبوته، شهادة الذئب له بالنبوة، والتي ينبغي تصديقها وقبولها، وإن خالفت عقول البشر. نعم، نطق الذئب وتكلم، وشهد بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل ودعا الناس إلى الإيمان به...وقصة شهادة الذئب للنبي صلى الله عليه وسلم وردت من رواية أبي سعيد الخدري ومن رواية أبي هريرة رضي الله عنهما، وقد أخرجهما الإمام أحمد في مسنده، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، والبيهقى فى دلائل النبوة، وابن حبان في صحيحه، والترمذي في سننه، والحاكم في مستدركه، وصححها الألباني في السلسلة الصحيحة.

    تقول الرواية فيما فيما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: (عدا الذئب على شاةٍ فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعَى (جلس مفترشاً رجليه) الذئب على ذَنَبِه، وقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إليَّ؟ فقال: يا عجبي! مُقْعٍ على ذَنَبِه يكلمني بكلام الإنس؟ فقال الذئبُ: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟: محمدٌ صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوقُ غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله فأخبره، فأمر رسول الله فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلِّم السِّبَاعُ الْإِنْسَ، ويكلم الرَّجُلَ عَذَبَةُ (طرف) سَوْطِه وشِرَاكُ (سير) نعْلِه، ويخبره فخِذه بما أحدث أهلهُ بعده) رواه أحمد وصححه الألباني.

    وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه عندما كلم الذئب راعي الغنم، فقال الرجل: (تالله إنْ رأيتُ كاليوم ذئباً يتكلم، قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين (المدينة) يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًّا، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وخبَّرَه، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم) رواه أحمد.

    وفي قصة شهادة الذئب للنبي صلى الله عليه وسلم: إخباره صلوات الله وسلامه عليه عن أمور متعلقة بأشراط وعلامات الساعة، وذلك بقوله: (والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلِّم السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكلم الرَّجُلَ عَذَبَةُ (طرف) سَوْطِه وشراك (سير) نَعْلِه، ويخبره فَخذه بما أحدث أهله بعده)، فقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم للتأكيد على ما سيُخْبِر به ـوهو الصادق وإن لم يُقْسمـ أن الساعة لن تقوم حتى تقع هذه الأمور: الأول: أن تكلم السباع ـأي سباع الوحش كالأسدـ الناس كما يكلم بعضهم بعضاً. الثاني: أن تكلم عذبة السوط صاحبها، وعذبة السوط طرفه التي في رأسه، فتكلم صاحبها بكلام يفهمه. الثالث: أن فخذ الإنسان نفسه يكلمه فيخبره بما فعل أهله في غيبته.. وهذه الثلاث من خوارق العادات، فهذه الأمور لا تتكلم في الأصل، ولكن عند اقتراب الساعة تتغير بعض نواميس الكون إيذاناً بقرب انتهائه، فيُنطق الله تعالى الذي أنطق كل شيء هذه الأشياء، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

    هل سمع أحدٌ أنَّ حيواناً شهد لإنسان بصدقه ونبوته؟ أو دلّ عليه، وأرشد إليه؟ هذا هو ما حدث من الذئب مع نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنها آية كريمة ومعجزة عظيمة، ضمن دلائل ومعجزات كثيرة وصحيحة، أكرم الله عز وجل بها نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعلها شاهدة على صدقه، ودليلاً من دلائل نبوته. قال ابن القيم ـ بعد أن ذكر معجزات موسى وعيسى عليهما السلام ـ: "وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين مع بُعْدِ العهد، وتشتت شمل أمتيهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما، فما الظن بنبوة مَنْ معجزاته وآياته تزيد على الألف، والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرناً بعد قرن".
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 10:10 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    لم يمنع زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وشدة خوفه من الله عز وجل، وكثرة عبادته، من دوام بشره، وطلاقة وجهه، وملاطفته لأهله وأصحابه، فكانت معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله وأصحابه والناس كافة أكمل معاملة وأحسنها، كما شهدت بذلك كتب السيرة والأحاديث النبوية، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:

    خيركم خيركم لأهله:

    الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يحسن معاشرة ومعاملة أهله، ويُولِيهم عناية فائقة ومحبَّة لائقة، فكان مع زوجاته حنوناً ودوداً، تجلّت فيه العواطف في أرقى معانيها، والمشاعر في أسمى مظاهرها، فكان يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، ولا يعنِّف ويَجْرَح، روى أنس رضي الله عنه قال: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله) رواه مسلم. بل وجعل صلى الله عليه وسلم حسن معاملة وعشرة الزوجة معياراً من معايير خيرية الرجال، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.

    ومن هديه صلى الله عليه وسلم في حسن معاملته لأهله (زوجته) النَّظَر إلى الجوانب الحَسَنَة فيها وهي كثيرة، والتغاضي عن عيوبها، فلا تخلو الزوجة من جوانب طيبة متعدِّدة، سواء ما يتعلَّق بالجانب الظاهري الشكلي أمِ الديني والأخلاقي، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْرك (يبغض) مؤمن مؤمنة، إن كَرِه منها خُلُقًا رضيَ منها آخر) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: "يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلاً، لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق؛ وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعاً، فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيراً، هذا هو العدل".

    ومن حسن عشرته صلى الله عليه وسلم لزوجته: مواساتها والتخفيف عنها حين حزنها وبكائها، ورقيتها حين مرضها، فعن أم المؤمنين صفية بنت حىّ رضي الله عنها: (أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم حج بنسائه، حتى إذا كان في بعض الطريق، نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (كذاك سوقك بالقوارير(النساء)، فبينما هم يسيرون، برك بصفية بنت حيي جملُها ـوكانت من أحسنهن مركباًـ فبكت، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُخْبِرَ بذلك فجعل يمسح دُمُوعَهَا بيده) رواه النسائي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا مرض أحدٌ من أهله نفثَ عليهِ بالمعوِّذات) رواه مسلم، وفي رواية الطبراني: (من أهل بيته).

    ومِن حسن معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله مَدْحُهنَّ، والثناء عليهنَّ، وبيان فضلهنَّ، وما لهنَّ من مزايا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَمُل منَ الرِّجال كثيرٌ، ولم يكملْ منَ النساء إلاَّ آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضلِ الثريد على سائر الطعام) رواه البخاري. وكان صلى الله عليه وسلم يستمع لهن، وربما يعاتِبْنَهُ، ويردِّدن القول عليه، ويقابل ذلك بالصبر والإحسان، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كنا معشر قريش نغلب النساء، فلمَّا قدمنا على الأنصار، إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطَفِق نساؤنا يأخذْنَ مِن أدب نساء الأنصار، فصحتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجِعَنِي، فقالتْ: ولِمَ تُنكر أن أراجعكَ؟، فوالله، إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليُرَاجِعنه، وإن إحداهنَّ لتهجره اليوم حتى الليل) رواه البخاري.

    ومِن جميل معاملته وعشرته صلى الله عليه وسلم لأزواجه، حفظه لودَّهُنَّ، واعترافه بِجَمِيلهنَّ حتى بعد وفاتهنَّ، وكذلك حُسن معاملة أهل الزوجة والمقربين منها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْت على نساء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ على خديجة، وإني لم أدركْها، قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذَبَحَ الشاة يقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عنها: (إنها كانتْ وكانتْ، وكان لي منها ولد) رواه البخاري.

    ومن لطيف معاملته صلى الله عليه وسلم لزوجته أنه كان يشرب من موضع شربها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيَضَعُ فاه على موضِعِ فيَّ فيشرب، وأَتَعَرَّقُ العَرَقَ (تأكل من العظم الذي عليه لحم)وأنا حائضٌ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيَضَعُ فاه على مَوضِعِ فيَّ) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنك لن تنفق نفقة الا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى فِّيّ امرأتك) رواه البخاري. قال ابن كثير: "وكان من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه جميل العشرة، دائم البِشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه".

    لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم مع أهله الزوج الحبيب، والموجِّه الناصِح، والجليس المؤانِس، يمازحهن ويداعبهن، ويواسيهنَّ ويمسح دموعهن بيده، ولا يؤذيهنَّ بلسانه أو بيده، يتحمَّل منهنَّ كما يتحمل أحدنا من أهله، وما ضرب بيده امرأةً قط، وكان يوصي أصحابه بزوجاتهم خيراً، فعن عمرو بن الأحوص الجشمي ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوانٌ عندكم) رواه الترمذي، (العوان: الأسير).

    مع أصحابه:

    في معاملته صلى الله عليه وسلم لأصحابه من حُسن الخُلق واللين والحُب ما لا يخفي، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159)، فكان صلى الله عليه وسلم يتواضع معهم، ويجيب دعوتهم، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويدعو لهم ولأبنائهم، ويمازحهم ويداعبهم، ويشفق عليهم ويقضي حوائجهم، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويعطى كلَّ مَنْ جالسه نصيبه من العناية والاهتمام، حتى يظن جليسه أنه ليس أحدٌ أكرم منه، وكان لا يواجه أحداً منهم بما يكره. روى أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدراً، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحرّ والعبد، والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة". وعن أنس رضي الله عنه أيضاً قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، فيسلم على صبيانهم، ويمسح برؤوسهم، ويدعو لهم".

    وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم". وعن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: "ما رأيت أكثر تبسّما من رسول الله صلى الله عليه وسلم". وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "جالست رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرّة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهليّة، وهو ساكت وربّما تبسّم معهم". وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لا أقول إلا حقاً) قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟!، فقال: (إني لا أقول إلا حقا) رواه أحمد.

    ومن جميل وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم لأصحابه مشاركته آلامهم وآمالهم، وشعوره بأحزانهم، والتخفيف عنهم، وتحويل ألمهم أملاً، ومحنتهم منحة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النَصَب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة). فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا) رواه البخاري. وقال قرة بن إياس رضي الله عنه: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، فمات، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة، لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما لي لا أرى فلانا؟)، قالوا: يا رسول الله! بنيه الذي رأيته مات، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن بنيه، فأخبره أنه مات، فعزاه عليه، ثم قال: (يا فلان! أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟)، قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى باب الجنة، فيفتحها لي لهو أحب إليَّ، قال: (فذاك لك)، فقالوا: يا رسول الله! أله خاصة، أم لكلنا؟ قال: (بل لكلكم) رواه النسائي وصححه الألباني.

    لقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حسن عشرته ومعاملته لأهله وأصحابه، وسَمَتْ معاملاته معهم سموًّا لا يدانيه فيه أَحد، فكان صلوات الله وسلامه عليه القدوة الحسنة لنا في ذلك. فما أحوجنا إلى أن نتأسى بهديه صلى الله عليه وسلم، وأن نحول هديه وخلقه وتعامله مع أهله وأصحابه والناس عامة إلى سلوك عملي، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 10:12 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    حسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أُلْقِيَ فى النار، وقالها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد غزوة أحد أن قريشاً ومَنْ معها قد أجمعوا على الرجوع إلى المدينة المنورة واستئصال وإبادة المسلمين، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلْقِيَ في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)) رواه البخاري.

    لما انصرف المشركون من غزوة أُحُد وأصابوا من المسلمين ما أصابوا لحكمة يريدها الله عز وجل، قال المسلمون في هَمّ وحيرة: "أنَّى هذا ؟!"، وقد قال الله تعالى عن ذلك: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:165). قال ابن كثير: " {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: من أين جرى علينا هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} أي: بسبب عصيانكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة، {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه".
    أحسَّ النبي صلى الله عليه وسلم بما يقاسيه ويعانيه أصحابه من مرارة وحُزن بعد أحد، وخشي أن يعود جيش المشركين لغزو المدينة، فقرر ـ رغم ما به هو وأصحابه من آلام وجراح ـ، أن يقوم بعملية مطاردة للمشركين، وكان ذلك صباح اليوم التالي من معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة النبوية، قال ابن إسحاق: "كان أحُد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد يوم الأحد سادس عشر من شوال: أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه فأذن له، وإنما خرج مرهباً للعدو، وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم". وعن عائشة رضي الله عنها أنها: (قرأت قول الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} (آل عمران: 172)، فقالت لعروة ابن أختها: يا ابن أختي كان أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فانتدب منهم سبعين رجلاً كان فيهم الزبير وأبو بكر) رواه البخاري.

    سار النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، على بعد ثمانية أميال من المدينة المنورة، فعسكروا هناك وأقاموا فيها ثلاثة أيام، فلم يتشجع المشركون على لقائه، غير أن أبا سفيان حاول أن يشن حرب نفسية ضد المسلمين، فقد مر به رَكْبٌ من عبد القيس يريد المدينة، فقال لهم: هل أنتم مُبلغون عني محمداً رسالة، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيباً بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم، قال: فأبلغوا محمداً أنّا قد أجمعنا الكَرَّة (الرجعة) لنستأصله ونستأصل أصحابه. فمر هذا الركب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال صلى الله عليه وسلم هو والمسلمون: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عن قاله: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)) رواه البخاري، واستمر المسلمون في معسكرهم، فخاف أبو سفيان ومن معه وآثروا السلامة ورجعوا إلى مكة.

    إن خروج النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ مُتْعَبٍ مُثقل بالآلام والجراح، وقولهم أمام تهديد وتخويف عدوهم لهم: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، هو خير رسالة لأعدائه بأن المسلمين لا زالوا أعزّة قادرين على المواجهة، فلا يمكن أن يعوقهم أو يوقفهم عن مواصلة الجهاد في سبيل الله شيء، فأزال النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ما حدث لأصحابه في أُحُد، ورجعوا إلى المدينة المنورة أعزة مرفوعي الرأس، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قول الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:172: 175). قال القرطبي: "{وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} أي: كافينا الله"، وقال السعدي في تفسيره لهذه الآيات: "لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا ـ على ما بهم من الجراح ـ استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم من جاءهم وقال لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} وهمّوا باستئصالكم، تخويفاً لهم وترهيباً، فلم يزدهم ذلك إلا إيماناً بالله واتكالاً عليه، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} أي: كافينا كل ما أهمَّنا {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} المفوَّض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم".

    لا شك أن قولنا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" له عظيم النفع وبالغ الأثر في كشف الضر والبلاء، لما فيه من اعتصام بالله عز وجل، وركون إليه، وتفويض الأمر له، وإظهار التوكل عليه سبحانه، وهو دعاء يناسب كل موقف يصيب المسلم فيه هَمٌّ أو فزع أو خوف، أو شدة أو كرب أو مصيبة، فيكون لسان حاله ومقاله الالتجاء إلى الله، والاكتفاء بحمايته وجنابه العظيم عن الخلق أجمعين، ولذلك بوّب النسائي على هذا الدعاء: "حسبنا الله ونعم الوكيل" بقوله: "مَا يَقُول إذا خَافَ قوماً"، وذكره ابن القيم في كتابه "الوابل الصيب" في فصل: "الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطاناً وغيره"، وقال ابن عثيمين:"(حَسْبُنَا) أي: كافينا في مهماتنا وملماتنا، (وَنِعْمَ الوكيل) إنه نعم الكافي جلَّ وعلا، فإنه نعم المولى ونعم النصير".. وقد قاله إبراهيم الخليل عليه السلام حين أُلْقِيَ في النار، فصَرَف الله عنه شَـرّ ألأشرار، وكفاه حَـرّ النار، وجعلها برداً وسلاماً عليه، قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء:69)، وقاله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بعد غزوة أحد حين قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173)، فحفظهم الله عز وجل ورجعوا بعافية وفضل من ربهم، لم يمسسهم مكروه من عدوّهم ولا أذى، قال الله تعالى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران: 174).
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 10:17 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح والتربية؛ إذ هي منهج متميز, وعِبَر متجددة, ومادة علمية تربوية ذات أهداف اعتقادية وأخلاقية وتشريعية؛ لأنها سيرة الرسول الأسوة، والإمام القدوة صلى الله عليه وسلم، الذي لا يصح عمل ولا عبادة إلا باتباعه، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر:7)، وقال: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (النور:54).
    ومن أهم هذه المزايا والسمات للسيرة النبوية الشمول والوضوح، فقد ثبتت تفاصيل سيرته وحياته صلى الله عليه وسلم بصورة شاملة وواضحة في جميع مراحلها، منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة بنت وهب، إلى ولادته صلى الله عليه وسلم وطفولته وشبابه، ثم إلى بعثته ودعوته وهجرته، وكل ما مر به قبلها وبعدها، إلى يوم ولحظة وفاته صلوات الله وسلامه عليه، فكل من أراد أن يعرف تفاصيل حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستطيع ذلك بيسر ومن مصادر صحيحة متعددة وثابتة؛ لأن المسلمين الأوائل اهتموا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسننه ومغازيه من قبل أن تُدوَّن الأحاديث تدويناً عاماً في آخر القرن الأول الهجري، إذ كانوا يحفظونها كما يحفظون السورة من القرآن، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم ، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن".
    وقد توفر لسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحفظ والصون ما لم يتهيأ لبشر من قبله، ولن يتوفر لكائنٍ منْ كان مِن بعده، ما يجعلنا على يقين تام بصحة هذه السيرة، وأنها سيرة النبي الخاتم محمد بن عبد الله ـصلى الله عليه وسلم، إذ لم تُعْنَ أمةٌ من الأمم في القديمِ والحديث بآثار نبيِّها وحياته وكل ما يتصل به مثل ما عنيت الأمة الإسلامية بسيرة نبيها صلى الله عليه وسلم، والتي كانِ من آثارها هذه الثروة من الكتب المؤلفة والصحيحة في مولده وسيرته، وحياته وشمائله، وفضائله وخصوصياته، ومعجزاته وأخلاقه وآدابه، وأزواجه ونسبه، وخدمه ومرضعاته وحاضناته، وسراياه وغزواته...إلى غير ذلك، ما يدل على غاية الحب والعناية بآثاره، والدقة في تدوين كل شىء عن حياته وسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
    وعلاوة على وضوح سيرته صلى الله عليه وسلم، فهي تتسم أيضاً بشمولها لكل النواحي الإنسانية في الإنسان؛ فهي توضح للمسلم حياة نبيه صلى الله عليه وسلم بدقائقها وتفاصيلها، منذ ولادته وحتى موته، مروراً بطفولته وشبابه ودعوته، وجهاده وصبره وانتصاره على عدوه، وكيف كان زوجاً وأًباً، وقائداً ومحارباً، ومربياً وداعية، وزاهدًا وقاضياً، فكل مسلم يجد بغيته فيها...فهي تحكي لنا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم الشاب العفيف المستقيم، الصادق الأمين من قبل أن يكرمه الله بالرسالة، فقد عُرِفَ النبي صلى الله عليه وسلم في قومه قبل بعثته بخلال عذبة، وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقاً، وأصدقهم حديثاً، وأعفهم نفساً، وأوفاهم عهداً، وأشهرهم أمانة حتى سماه قومه: "الصادق الأمين"، فكانت قريش إذا ذهب أو جاء يقولون: جاء الأمين، وذهب الأمين، ويدل على ذلك قصة الحجر الأسود عند بناء الكعبة المشرفة بعدما تنازعت قريش في استحقاق شرف رفعه ووضعه في محله، حتى كادوا يقتتلون لولا اتفاقهم على تحكيم أول من يدخل المسجد الحرام، فكان محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من دخل عليهم، فلما رأوه قالوا: "هذا الأمين، رضينا، هذا محمد".
    كما تحكي لنا سيرته صلى الله عليه وسلم الداعي إلى الله، المتلمس أحسن السبل والوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته، ومعلوم أن هديه صلى الله عليه وسلم هو الميزان الذي توزن به الأعمال، فما كان منها موافقاً لهديه فهو المقبول، وما كان مخالفاً لهديه فهو مردود، يقول سفيان بن عيينة: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خُلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل".
    وفي السيرة النبوية المنهج الصحيح والأسلوب الأمثل في الدعوة إلى الله عز وجل، من حيث طريقته صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه، وتواضعه مع المدعوين ورفقه بهم، وأساليب الدعوة ومراحلها، والوسائل المناسبة لكل مرحلة منها، ويستشعر الجهد العظيم الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل إعلاء كلمة الله، والصبر والثبات أمام المحن والابتلاءات، وكيفية التصرف أمام العوائق والعقبات، وما هو الموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن...إلى غير ذلك من الأمور التي هي من مقومات الدعوة إلى الله، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف :108).
    قال ابن القيم: "فلا يكون الرجل من أتباعه حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه، ويكون على بصيرة".
    كما تروي لنا سيرته صلى الله عليه وسلم سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة، وحسن المعاملة للزوجة والأولاد، فلم يمنعه زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وشدة خوفه من الله عز وجل، وكثرة عبادته، وعظم مسئولياته عن دوام بِشْرِهِ وطلاقة وجهه وملاطفته لأهله وأولاده، فكان يُولِيهم عناية فائقة ومحبَّة لائقة، فكان مع زوجاته حنوناً ودوداً، تجلّت فيه عواطف الأبوة في أرقى معانيها، ومشاعر الرحمة في أسمى مظاهرها، فكان يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، ولا يعنِّف ويَجْرَح، ومع أولاده كان أباً حنوناً رحيماً، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
    كما تعلمنا سيرته صلى الله عليه وسلم سيرة الرسول الصاحب، الذي يحب أصحابه ويحسن إليهم، ويتواضع معهم، ويجيب دعوتهم، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويدعو لهم ولأبنائهم، ويمازحهم ويداعبهم، ويشفق عليهم ويقضي حوائجهم، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويعطى كلَّ مَنْ جالسه نصيبه من العناية والاهتمام، ويشاركهم آلامهم وآمالهم، ويشعر بأحزانهم ويخففها عنهم، ويحول ألمهم أملا، ومحنتهم منحة...ما جعل أصحابه رضوان الله عليهم يحبونه كحبهم لأنفسهم، وأكثر من حبهم لأهليهم وأولادهم وأقربائهم، حتى قال أبو سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه: "ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً".
    ففي معاملته صلى الله عليه وسلم لأصحابه من حُسن الخُلق واللين والحُب ما لا يخفي، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159).
    كما يتعلم المربي من سيرته صلى الله عليه وسلم دروساً نبوية في التربية من خلال مواقفه مع أصحابه الذين رباهم، فأخرج منهم جيلاً قرآنيًّا فريداً، وجعل منهم أمة هي خير أمة أخرجت للناس، وأقام بهم دولة نشرت العدل في مشارق الأرض ومغاربها، فالمتأمل في حياته وسيرته صلى الله عليه وسلم يعجب من فقهه في معاملة النفوس، وحكمته في تربيتها وإصلاح أخطائها، وعلاج ما بها من خلل، وتصحيح ما يظهر منها من انحراف في القول أو السلوك أو الاعتقاد، ولو أن االدعاة والمربين اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمواقفه التربوية مع أصحابه، وما فيها من حلم ورفق، ونصح وحكمة، لأثروا فيمن يعلمونهم تأثيراً يجعلهم يستجيبوا لتنفيذ أمر الله وهدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
    كما يجد الحاكم والقائد في السيرة النبوية زاده وقدوته في أصول القيادة والسياسة، وإقامة العدل بين الرعية، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أعدل الناس، وأبعدهم عن الظلم، فما ظلم أحداً، ولا حابى أحداً، ولا جار في حكم أبداً، ومن أخلاقه وصفاته التي عُرِف بها العدل في الرضا والغضب، فكان مثالاً للعدل مع أهله وأولاده وأصحابه، ووسع عدله القريب والبعيد، والصديق والعدو، والمؤمن والكافر، وقل مثل ذلك في القضاة والأغنياء والفقراء، وكل طوائف المجتمع، فكل أولئك إذا اتخذوا من السيرة النبوية المباركة أسوةً وقدرةً وجدوا فيها النور الذي يُسْتَضاء به في ظلمات الحياة، والمثل الأعلى الذي تنشده الإنسانية للوصول إلى الأمن والسعادة، قال الله تعالى واصفاً خلقه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3-4)، وقال سبحانه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (النور:54)، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} (الأحزاب:21).
    وتعدُّ السيرة النبوية تجسيداً حيًّا للإسلام، فلا يستغني عن دراستها والنظر فيها أي مسلم، فهي دوْحة عظيمة فيها من كل الثمرات، كلُّ يقطف منها ما يناسبه، وكيف لا تكون كذلك، وهي سيرة نبينا وحبيبنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، والتي تشتمل على أدق تفاصيل حياته في المرحلة المكية والمدنية، بل ومنذ ولادته إلى يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، وتتميز وتختص بخصائص كثيرة، منها: الشمولية التي لا نجد مثلها ولا قريباً منها فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، ومؤسسي مناهج الإصلاح والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، ومن ثم تمر السنون والأعوام وتظل سيرته صلى الله عليه وسلم نبراساً وهادياً، يضيء لنا الطريق في التربية والإصلاح، والعزة والتمكين.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2015, 11:01 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي الصفحة الجَلِيَّة والروضة الندِيَّة التي نتنسم فيها ونتعلم منها الأخلاق النبوية الكريمة، فقد نشأ نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أول أمره إلى آخر يوم في حياته متحلياً بكل خُلُقٍ كريم، مبتعداً عن كل وَصْفٍ ذميم، أدَّبه ربُه فأحسن تأديبه، فكان أحسن الناس عِشْرةً وأدباً، فهو أشد الناس حياءً من العذراء(البنت البكر) في خِدرها(بيتها وسترها)، ضُرِبَ به المثل في الأمانة والصدق، وقد أسموه الصادق الأمين، وكان أكرمَ الناس نَفساً، فما ردَّ سائلاً ولا فقيراً .. ومع علو قدره ومنزلته كان أشد الناس تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، قال له رجلٌ: يا خيرَ البريّة، فقالَ مُتواضعًا ( ذاك إبراهيم )، ولما جاءه رجل ترعد فرائصه قال له: ( هوِّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ) رواه ابن ماجه .

    وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوفى الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورحمة، يتَجوَّز في صلاتِه إذا سمِع بكاءَ الصَّبيّ كراهَةَ أن يشقَّ علَى أمّه، ورحمته شملت الإنسان والحيوان .. وكان خير الناس لأهله، لم يضرِب شيئًا قطّ بيدِه لا امرأةً ولا خادماً، ويقول: ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) رواه الترمذي .
    ومن جميل صفاته وعظيم أخلاقه أنه أوفر الناس حِلماً، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، فقد آذاه قومُه فسَأله ملَك الجِبال أن يطبقَ عليهم جبلين فأبَىَ وقال: ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ) رواه الطبراني . وعندما دخل مكة المكرمة فاتحاً منتصراً كان قوله لمن حاربوه وعادوه: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .. ومع كثرة أعبائه ومسئولياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أطلق الناس وجهاً وتبسماً، فقد قال عبد الله بن الحارث ـ رضي الله عنه: " ما رأيتُ أحدًا أكثرَ تبسُّمًا من رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "، وقال جرير ـ رضي الله عنه ـ: " ما رآني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلاَّ تَبَسَّم " .
    وبالجملة فإن نبينا وحبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خُلقا، ويكفيه شهادة ربه ـ عز وجل ـ له بقوله: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(القلم الآية: 4)، وقد سأل سعد بن هشام أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت له: ( ألست تقرأ القرآن؟، قال: بلى، قالت: فإن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان القرآن ) رواه مسلم .
    قال القاضي عياض: " وأما الأخلاق المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه، وأثنى الشرع على جميعها، وأمر بها، ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ووصف بعضها بأنه جزء من أجزاء النبوة، وهي المسماة بحسن الخُلق، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ " .

    حسن خلقه من أسباب دخول الناس الإسلام :

    السيرة النبوية مليئة بأمثلة كثيرة لصحابة دخلوا في الإسلام بسبب حسن خلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عفوه وصفحه، أو جوده وكرمه، أو حلمه ورفقه، أو تواضعه وعدله، أو رحمته وشفقته، فهذا ثُمامةُ بن أُثال يُسلِمُ بسبب عفو النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويقول: ( واللهِ ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهِكَ، فقد أصبح وجهُك أحب الوجوهِ كلِّها إليّ، واللهِ ما كان على وجه الأرض دينٌ أبغضَ إليّ من دينِك، وقد أصبحَ دينُك أحبّ الأديانِ كلِّها إليّ، والله ما كان على وجه الأرض بلادٌ أبغض إليَّ من بلادك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلِّها إليّ ) رواه البخاري، وآخر يتأثر بكرمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجوده فيقول: ( يا قومي أسلموا، فإن محمدًا يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة ) رواه مسلم، وزيد بن سعنة الحبر اليهودي يقول: " ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُهُ جهلَه، ولا تزيده شدَّةُ الجهلِ إلا حلمًا، وقد اختبرتُهما فأشهدك يا عمر أني قد رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً " .
    قال ابن حجر في كتابه ( الإصابة ) حين عرَّف بالصحابي الجلندى ملك عمان أنه قال: " لقد دَلَّنِي على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر ( لا يتلفظ بقبيح )، وأنه يفي بالعهد وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي " .

    قطوف من أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حُسْنِ الخُلُق ومنزلته :

    ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم ) رواه الترمذي .
    ـ وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( إنَّ من أحبِّكم إليّ، وأقربِكم مني مجلساً يومَ القيامةِ أحاسِنُكم أخلاقا ) رواه الترمذي .
    ـ وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( لم يكنِ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحشًا ولا مُتَفَحِّشاً، وكان يقول: إن مِن خِيارِكم أحسنَكم أخلاقاً ) رواه البخاري
    ـ وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( ما شيءٌ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامةِ مِن خُلُقٍ حسَنٍ ) رواه الطبراني، وعن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنه ـ قالت: قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( إنَّ المؤمنَ ليُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصَّائمِ القائم ) رواه أبو داود .
    ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سُئِلَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أَكْثرِ ما يُدخلُ النَّاسَ الجنَّة؟، فقال: ( تَقوى اللَّه وحُسنُ الخلُق ) رواه الترمذي .

    ولأهمية الخلق الحسن ـ للفرد والمجتمع والأمة ـ أوصى به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين عامة، وأهل القدوة من الدعاة والمربين والولاة والقضاة ـ خاصة ـ، ولذلك لما بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن قاضياً ومعلماً وأميراً، أوصاه بوصايا كثيرة، منها: ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) رواه أحمد، بل جعله النبي - صلى الله عليه وسلم ـ حسن الخلق سبباً من أسباب بعثته، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) رواه أحمد .

    إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإنْ هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

    وكثيراً ما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، قائلا: ( واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ) رواه مسلم، ويقول: ( اللَّهمَّ كما حَسَّنتَ خَلقي، فحسِّن خُلُقي ) رواه ابن حبان .

    لقد أصبحت الأخلاق الطيبة مطلبا أساسياً لنا ـ أفراداً ومجتمعات ـ، ندعو بها إلى الله، ونسترجع بها سالف عِزِّ ومَجْدِ أمتنا الإسلامية، فقد كان الناس يدخلون في دين الله لِمَا يروا من عظيم أخلاق نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن حسن معاملة الصحابة وجميل أخلاقهم مع بعضهم البعض ومع أعدائهم، ومن أجل ذلك جعل الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الخلق العظيم قدوة ونموذجاً، يطبق ويُجَّسِّد الإسلام الذي أُرْسِل به واقعًا عملياً، بكلِّ ما يحمله من مبادئ تدعو إلى الأخلاق، وقِيَم تحث على الفضيلة، قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }(الأحزاب من الآية: 21) .
    قال ابن كثير : " هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِرَ الناسُ بالتأسي بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته، ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه ـ عز وجل - " .
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 04:42 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    المرضُ مظهرٌ من مظاهر الضعف البشري، وهو ابتلاء من الله ـ عز وجل ـ، يُصيب الصالح والفاسد، والطائع والعاصي، وما منّا من أحدٍ إلا ويصيبه المرض، أو يصيب من حوله ممّن يحبّ

    ثمانية لابد منها على الفتى ولابد أن تجري عليه الثمانية
    سرور وهَمٌّ، واجتماع وفُرْقة ويُسْر وعُسْر، ثم سقم وعافية

    والمرض فيه وجوه متعددة من الفضل والخير لمن يصبر عليه، ويرضى بقدر الله فيه، علمها من عَلِم، وجهلها من جهل، والكثير من الناس يُبتلى بالمرض لكنه قد ينسى ما في المرض من مِنحٍ، إذِ المرض في السنة النبوية مِنحة لا مِحنة، فإذا صبر المسلم عليه تُكَفَّر سيئاته، وتزداد حسناته، وتُرفع به درجاته، وذلك عام في الأسقام والأمراض، ومصائب الدنيا وهمومها، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما يصيب المسلم من نصب (تعب) ولا وصب (وجع وألم)، ولا همّ ولا حزن، ولا أذى ولا غمّ، حتّى الشّوكة يشاكها، إلّا كفّر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري .
    فالمرض وإن كان في ظاهره بلاء ومحنة، إلا أنه يحمل في طياته خيراً ومنحة، فعند كل مريض منح ربانية، وهدايا نبوية، وثمرات الصبر على الابتلاء بالمرض في السنة النبوية كبير وكثير، ومن ذلك :

    تكفير الذنوب :

    عن عبد اللَّه بن مسعود ـ رضي اللَّه عنه ـ قال: ( دخلتُ علي رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو يوعك، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه: إنك توعك وعكا شديداً، فقال ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك بأن لك أجرين، قال: أجل ذلك كذلك، ثم قال: ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه ـ تعالى ـ بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها ) رواه البخاري، وفي رواية مسلم: ( ما من مسلمٍ يصيبُه أذًى من مرضٍ فما سواه ، إلا حطَّ اللهُ به سيئاتِه ، كما تَحُطُّ الشجرةُ ورقَها ) .
    وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه البخاري، وهذا الحديث فيه دليل على أن المرض النفسي كالمرض البدني في تكفير السيئات، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الحديث: ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب )، والنصب هو التعب، والوصب: هو المرض، وهذه أشياء بدنية، ثم قال: ( ولا هم ولا حزن .. ولا غم ) وهذه أشياء نفسية، فالهموم والأحزان والغموم، وهي أشياء نفسية يكفر الله ـ عز وجل ـ بها من الخطايا والذنوب كالأمراض البدنية .
    وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) رواه البخاري، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصحابية أم العلاء في مرضها: ( أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة ) رواه أبو داود .

    رفع الدرجات :

    من فوائد وثمرات الصبر على المرض رفع الدرجات، فقد يكون للعبد منزلة عظيمة عند الله ـ عز وجل ـ، لكن عبادته وأعماله الصالحة التي يعملها لا تؤهله للوصول إليها، فيبتليه الله ـ عز وجل ـ بمرض فيرتقي إلى تلك الدرجة التي كتبها الله له، فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبَّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى ) رواه أبو داود وصححه الألباني .
    وعن عائشة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( ما من مسلمٍ يُشَاكُ شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة ) رواه مسلم .
    قال النووي: " قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة ) وفي رواية: ( وحُطَّ عنه بها )، وفي رواية: ( إلا كتب الله بها حسنة، أو حط عنه بها خطيئة ): في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام، ومصائب الدنيا وهمومها، وإن قلت مشقتها، وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء " .

    استمرار الأجر والثواب :

    ما كان يعمله المريض من الطاعات والعبادات ومنعه المرض من فعل ذلك، فالله ـ عز وجل ـ بفضله يكتب له أجر وثواب ما كان يفعله وهو صحيح مُعافى، فعن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( إذا مرض العبدُ أو سافر، كتب اللهُ تعالى له من الأجرِ مثلَ ما كان يعملُ صحيحًا مُقيماً ) رواه الطبراني وصححه الألباني .

    دخول الجنة :

    من الأمراض أمراض يجعلها الله ـ عز وجل ـ سبباً لدخول الجنة، فالجنة قد حُفَّت بالمكاره، والأمراض لا شك من المكاره، وقد أخبرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ربه ـ سبحانه ـ أن الذي يصبر على فقد بصر عينيه يعوضه الله بالجنة، ( إنَّ اللَّهَ قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتَيهِ (عينيه) فصبَرَ، عوَّضتُه منهما الجنَّة ) رواه البخاري .
    وبَشَّر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المرأة السوداء التي كانت مصابة بالصرع بالجَنَّة، فعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ( ألا أُريك امرأةً من أهلِ الجنة؟، قلتُ بلى، قال: هذه المرأةُ السوداء، أتتِ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: إني أُصْرَعُ، وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ لي، قال: إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ اللهَ أن يعافيكِ، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ أن لا أتكشَّفُ فدعا لها ) رواه مسلم، فكانت تُصرع ولا تتكشف، من حرصها على ستر عورتها ـ رضي الله عنها ـ، وحرصها على الأجر في ذات الوقت.

    قدْ يُنعم الله بالبلوى وإن عَظُمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

    فائدة : سلِ الله العفو والعافية :

    العافية للمؤمن خيرٌ من البلاء والمرض، ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يتمنى المرض، لأنه قد يُبتلى بما لا يطيقه، وقد لا يستطيع الصبر عليه، فيتسخط من قدر الله ـ سبحانه ـ, بل ربما ساقه ذلك البلاء إلى الكفر والعياذ بالله، ومن ثم فقد علمنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نسأل الله ـ تعالى ـ دائما العفو والعافية، فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: ( لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصبح ولا يمسي إلا ويدعو بهذه الكلمات: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داود .
    وكان من مشهور دعائه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام ) رواه الترمذي، ( اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء (الأمراض)) رواه الحاكم، وقد ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ( سلوا الله اليقين والعافية، فما أوتي أحد شيئاً بعد اليقين خيراً من العافية، فسلوهما الله ) رواه أحمد .
    وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( ما من رجل رأى مُبْتَلى، فقال (ولا يُسمع المريض): الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، إلا لم يصبه ذلك البلاء كائناً ما كان ) رواه الترمذي .
    فمع الأجر الكبير والدرجات العالية للصابر على مرضه، فالسنة النبوية تعلمنا ألا يتمنّى المسلم المرض، وألا يدعو به على نفسه، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ: ( أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاد (زار) رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ (ضعف من شدة المرض)، فصار مثل الفرْخِ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟، قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: سبحان الله! لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟، قال: فدعا الله به، فشفاه الله ) رواه مسلم .. وهذا يشبه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناسُ ! لا تتمنوا لقاءَ العدو، واسألوا اللهَ العافية، فإذا لقيتُمُوهم فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوفِ ) رواه مسلم .
    قال النووي: " نهَى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة وهو نوع بَغْيٍ ... وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين " .

    المرض من سنن الله وقدره، لا يَسْلم منه بشر، ولا ينجو منه أحد، وهو يختلف من شخص لآخر، ومن مرض لمرض، فما على المسلم إلا أن يصبر على ما أصابه، ويضع نصب عينيه الجزاء العظيم للصابر على مرضه، ويطلب علاجه عبر الوسائل المشروعة، ويسأل الله دائما العفو والعافية .
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 04:47 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم
    فضَّل الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق، فهو سيد ولد آدم، وهو خاتم الأنبياء وإمامهم، قال الله تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (الحج:75)، وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع) رواه مسلم. ولا نجاة لأحدٍ كائناً مَنْ كان إلا بالإيمان به صلوات الله وسلامه عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفس محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلا كان مِن أصحاب النار) رواه مسلم.

    ومن المعلوم أن الله أوجب علينا حقوقاً كثيرة، ومن أهم هذه الحقوق ـ بعد حق الله تعالى ـ حق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وردت في شأنه نصوص كثيرة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الحقوق كثيرة، نذكر منها:

    الإيمان به ومحبته

    من حقه صلى الله عليه وسلم علينا أن نؤمن به، ونشهد أنه رسول الله حقاً، قال الله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (التغابن:8)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} (الحديد:28)، ومما يترتب على الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ومعرفة فضله ومنزلته، والاطلاع على شمائله وأخلاقه ومعجزاته: امتلاء القلب بمحبته، وأن نحقق هذه المحبة اعتقاداً وقولاً وعملاً، ونقدمها على محبة النفس والولد والناس أجمعين، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24). قال القاضي عياض معقباً على هذه الآية: "فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرَّع سبحانه من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسَّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل، ولم يهده الله". وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) رواه البخاري.

    الأدب معه

    وذلك بتعزيره وتوقيره، وعدم رفع الصوت على صوته، كما قال الله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح:9)، قال ابن كثير: "قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه، {وَتُوَقِّرُوهُ} من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام"، وقال السعدي:" {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} أي: تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتُجِّلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم". وقال ابن تيمية: "ومن ذلك: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح:9)، و(التعزير) اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، و(التوقير) اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يُعامَل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار".

    قال ابن القيم: "رأس الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يُحَمِّله معارضة بخيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال". ومن المعلوم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت كحرمته وهو حي، والأدب معه بعد موته يلزم المسلم كالأدب معه وهو حي، قال القاضي عياضي: "واعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته".

    عدم ذكر اسمه مُجَرداً، أو رفع الصوت فوق صوته

    من حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا ألا نذكر باسمه مجرداً، بل نذكره بوصف النبوة والرسالة، فلا يقال: محمد، ولكن: نبي الله، أو الرسول، ونحو ذلك .. وهذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم دون إخوانه من الأنبياء، فلم يخاطبه الله تعالى ـ قَط ـ باسمه مجرداً، وحين قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} (الأحزاب:40)، قال بعدها: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب:40). وقال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} (النور:63)، قال ابن كثير: "قال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك؛ إعظاماً لنبيه صلى الله وسلم عليه، فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله". وقال قتادة: "أمر الله أن يُهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يُبَجَّل، وأن يعظَّم، وأن يُسَوّد".

    أما عدم رفع الصوت على صوته فلقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2)، قال ابن كثير: "هذا أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (فوق صوته)"، وقال الشنقيطي: "وهذه الآية الكريمة علَّم الله فيها المؤمنين أن يُعَظِّموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضاً، وإنما أمروا أن يخاطبوه خطاباً يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض"، وقال ابن القيم: "ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، فإنه سبب لحبوط الأعمال، فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟! أترى ذلك موجباً لقبول الأعمال، ورفع الصوت فوق صوته موجباً لحبوطها؟! ".

    طاعته وعدم معصيته

    من الحقوق الهامة للنبي صلى الله عليه وسلم: اتباعه وطاعته، وعدم معصيته ومخالفة أمره، وقد كثرت النصوص في ذلك، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)، وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور:63). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يدخل الجنة إلا من أبَىَ، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبَى) رواه البخاري. قال القاضي عياض: "اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدّعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه".

    الصلاة عليه

    من حقوق نبينا صلى الله عليه وسلم علينا الصلاة عليه، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب:56)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما جَلَس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة (حسرة وندامة)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) رواه الترمذي وصححه الألباني.

    إنزاله مكانته صلّى الله عليه وسلّم بلا غلو ولا تقصير

    لا شك أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين, وهو سيد الأولين والآخرين, وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود, ومع علو منزلته وحبنا له فمن حقه علينا صلوات الله وسلامه عليه ألا نغالي فيه، ولا نرفعه فوق منزلة النبوة التي رفعه الله لها، فهو عبد لله ورسوله, وهو بشر لا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، قال الله تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (الأنعام:50)، وقال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:188). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الهَ عليه وسلم قال: (لا تُطْروني (تبالغوا في مدحي) كما أطْرَتِ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبد الله ورسوله) رواه البخاري.

    هذه بعض حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا، ذكرناها لعل الله أن يزيد المُحِب حُبّاً، والمتبع اتباعاً، وأن يُبّدِّل الغالي قصداً واعتدالاً، والجافي حُبّاً وأدباً، والبعيد قرباً وطاعة لنبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم.
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 04:50 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    فضل تربية البنات في السنة النبوية
    البنات نعمة من نعم الله ـ عز وجل ـ علينا، متى ما قمنا بما افترضه الله علينا من الإحسان إليهن، ومن المعلوم أن العرب في الجاهلية كانوا لا يحبون البنات، ويترقبون الأولاد، للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم في حياتهم وحروبهم، أما البنت فكانوا لا يحبونها، وكان عدم حبهم لها والخوف من عارها يحمل بعضهم على كراهتها بل وعلى قتلها ووأْدِها، كما قال الله تعالى ـ عن ذلك: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ }(النحل الآية 58: 59)، وقال: { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ }(التكوير الآية: 8: 9) .
    حتى بعث الله نبينا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجرَّم وحرم هذه الفِعلة الشنعاء وهي وأد البنات، فعن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( إنَّ الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، وَمَنْعاً وهات، ووَأد البنات، وكَرِهَ لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) رواه البخاري .
    قال ابن حجر في " فتح الباري": قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ووَأدَ البنات ) هو دفن البنات بالحياة, وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة فيهن " .
    وعن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (مَنْ وُلِدَتْ له ابنةٌ فلم يئِدْها ولم يُهنْها، ولم يُؤثرْ ولَده عليها ـ يعني الذكَرَ ـ أدخلَه اللهُ بها الجنة ) رواه أحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الشيخ أحمد شاكر ..
    وهذان الحديثان وما جاء في معناهما يدلان صراحة على أنَّ البنات كنَّ محلاً لجهالات وبُغض بعض العرب إبان بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

    لم يكتفِ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنهي الشديد عن وأد البنات، بل جاء معتنياً بهن، بغية تصحيح مسار االبشرية وإعادتها إلى طريق الإنسانية والرحمة، وتكريماً للبنات وحماية لهن، وحفظاً لحقوقهن، بل وأمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحاديث كثيرة بالإحسان إليهن، ووعد من يرعاهن ويحسن إليهن بالأجر الجزيل والمنزلة العالية، ومن ذلك :
    عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( مَنْ عال جارتين (بنتين) حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) رواه مسلم .
    وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( دخلتْ امرأةٌ معها ابنتانِ لها تسأَل (فقيرة)، فلم تجدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ، فأَعطيتُهَا إيَّاها، فَقَسَمَتْهَا بينَ ابنتيْها ولم تأكُلْ منها، ثم قامتْ فخرجتْ، فدخلَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ علينا فأخبرته، فقال: من ابْتُلِي من هذهِ البناتِ بشيٍء كُنَّ لهُ سِترًا من النار ) رواه البخاري .
    وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( مَن عال ابنتينِ أو ثلاثًا، أو أختينِ أو ثلاثًا، حتَّى يَبِنَّ (ينفصلن عنه بتزويج أو موت)، أو يموتَ عنهنَّ كُنْتُ أنا وهو في الجنَّةِ كهاتينِ - وأشار بأُصبُعِه الوسطى والَّتي تليها ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
    وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( مَنْ كان له ثلاث بنات فصبَرَ علَيْهِنَّ، وأطعَمَهُنَّ وسقاهُنّ، وكساهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ (سعته وطاقته)، كُنَّ لَهُ حجاباً مِن النارِ يومَ القيامة )، وفي رواية الترمذي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم يحدد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عددا من البنات، فقال: ( مَن ابتُلي بِشَيءٍ من البناتِ فصبرَ عليهِنَّ كُنَّ له حجاباً من النَّار ) .
    قال النووي: " قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( من ابتلي بِشَيءٍ من البناتِ ) إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلاء لأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ في الْعَادَ،ة وَقَالَ اللَّه تعالَى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم }( النحل الآية 58) " .
    وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( مَن كان له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَوات، أو ابنتان أو أُختان، فأحسَن صُحبتَهنَّ واتَّقى اللهَ فيهنَّ َفلهُ الجنَّةَ ) رواه الترمذي .
    وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث: ( أو ) للتنويع لا للشك، ففي رواية جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( مَن كان له ثلاثُ بناتٍ يُؤدِّبُهنَّ ويرحَمُهنَّ ويكفُلُهنَّ وجَبَت له الجنَّةُ ألبتةَ، قيل يا رسولَ اللهِ: فإن كانتا اثنتينِ؟، قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعضُ القوم أن لو قال: واحدةً، لقال: واحدة ) رواه أحمد وصححه الألباني .
    وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله علي وسلم ـ: ( ليسَ أَحَدٌ من أمتي يعولُ ثلاثَ بنات، أو ثلاثَ أخوات، فيُحْسِنَ إليهنَّ إلا كُنَّ لهُ سِترًا من النارِ ) رواه الطبراني وصححه الألباني .
    قال المباركفوري: " واختُلِفَ في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب، أو بما زاد عليه؟، والظاهر الثاني، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن بزوج أو غيره " .

    وفي هذه الأحاديث تأكيد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حق البنات على آبائهم أو من يقوم على تربيتهن، وذلك لما فيهن من الضعف غالباً عن القيام بمصالح أنفسهن، وليست القضية طعاماً ولباساً وتزويجاً فقط، بل أدباً ورحمة، وحسن تربية واتقاءً للهِ فيهنَّ، فالعَوْل في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن، من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح، بالتعليم والتهذيب والتوجيه، والأمر بالخير والنهي عن الشر، وحسن التربية، وهذه فائدة جمع الروايات في الحديث .
    قال النووي: " ومعنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما " .
    وقال ابن باز: " وهذا يدل على فضل الإحسان إلى البنات والقيام بشئونهن، رغبةً فيما عند الله ـ عز وجل ـ فإن ذلك من أسباب دخول الجنة والسلامة من النار، ويُرْجَى لمن عال غير البنات من الأخوات والعمات والخالات وغيرهن من ذوي الحاجة فأحسن إليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن أن يحصل له من الأجر مثل ما ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حق من عال ثلاث بنات، وفضْل الله واسع ورحمته عظيمة، وهكذا من عال واحدة أو اثنتين من البنات أو غيرهن فأحسن إليهن يُرجى له الأجر العظيم والثواب الجزيل .. "، وقال: " الإحسان للبنات ونحوهن يكون بتربيتهن التربية الإسلامية وتعليمهن، وتنشئتهنّ على الحق، والحرص على عفتهن، وبعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وبذلك يُعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط، بل المراد ما هو أعم من ذلك من الإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا " .

    لقد رفع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيمة ومنزلة البنات، وجعل لمن رزقه الله بنات بل بنتاً واحدة من الفضائل والمِنح، ما تمتدُّ نحوَها الأعناق، وتهفو إليها القلوب .. فيا عائلاً للبنات، أبشِر بحِجاب من النار، وأبشر بالجَنَّة بصُحْبة النبي المختار ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو القائل: ( مَن عال ابنتينِ أو ثلاثًا، أو أختينِ أو ثلاثًا حتَّى يَبِنَّ أو يموتَ عنهنَّ كُنْتُ أنا وهو في الجنَّةِ كهاتينِ - وأشار بأُصبُعِه الوسطى والَّتي تليها ) .
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 05:19 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    المتأمِّل في أحداث الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ومنذ خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مع صاحبه أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ومُروراً بأحداث الطريق والسَّفر، وحتَّى دخول المدينة المنورة يجد مواقف فيها الكثير من الفوائد والدروس والعبر، ومن هذه المواقف موقف أبي بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريق سيره إلى المدينة المنورة، الذي ظهر من خلاله مدى حب أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم.

    يخبرنا عن هذا الموقف البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رحلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لعازب: مُر البراء فليحمل إليَّ رحلي، فقال عازب: لا، حتى تحدثنا: كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة، والمشركون يطلبونكم؟ قال: ارتحلنا من مكة، فأحيينا، أو: سرينا ليلتنا ويومَنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة (اشتد الحر)، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه، فإذا صخرة، أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قُلت له: اضطجع يا نبيَّ الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب (الذين يبحثون عنا من المشركين) أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته فقُلْت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، سماه فعرفته، فقُلْت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قُلْت: فهل أنت حالب لبنا لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا، ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي كُثْبة (قليل) من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقُلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قُلْت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى. فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحَدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقُلْت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا) رواه البخاري.

    قال النووي: "وقوله: (فشرب حتى رضيت) معناه: شرب حتى علمت أنه شرب حاجته وكفايته". وقال ابن حجر: " قوله: (فشرب حتى رضيت) قال أبو إسحاق: فتكلم بكلمة والله ماسمعتها من غيره كأنه يعني قوله: (حتى رضيت) فإنها مشعرة بأنه أمعن في الشرب، وعادته المألوفة كانت عدم الإمعان، قوله: (قد آن الرحيل يا رسول الله) أي: دخل وقته. قال المهلب بن أبي صفرة: إنما شرب النبي صلى الله عليه وسلم من لبن تلك الغنم؛ لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة (عادتهم حينئذ سقي غيرهم اللبن)، ولا يعارضه حديثه لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته والذبّ (الدفاع) عنه عند نومه، وشدة محبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأدبه معه، وإيثاره له على نفسه، وفيه: أدب الأكل والشرب، واستحباب التنظيف لما يؤكل ويُشرب، وفيه استصحاب آلة السفر كالإداوة والسفرة، ولا يقدح ذلك في التوكل".

    حب أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلّى الله عليه وسلم

    بلغ أبو بكر رضي الله عنه في حب النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإيثاره له على نفسه مبلغاً لم ولن يبلغه غيره، وشواهد ذلك من الهجرة النبوية كثيرة، من ذلك:
    ـ فرحه رضي الله عنه بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته، مع أن هذه الصحبة والرفقة قد تعرضه لفقدان نفسه وماله، لكن ما دامت في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أمرٌ يُبْكَىَ من الفرح لأجله، روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الله أذن لي بالخروج والهجرة) فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: (الصحبة) قالت عائشة: فوالله ما شعَرْتُ قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي) رواه البخاري.

    - افتداؤه رضي الله عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأحب ما عنده، بأبيه وأمه، ففي بداية الهجرة النبوية من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر رضي الله عنه: (فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر) رواه البخاري.

    - حبس نفسه رضي الله عنه في مكة، وعدم هجرته مع من هاجر طمعاً في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الهجرة، ففي الحديث: (فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه) رواه البخاري.

    ـ عنايته رضي الله عنه بوضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وشرابه من حيث نظافته ومناسبته للشرب، فقال رضي الله عنه: (ومعي إداوة أرتوي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ليشرب منها ويتوضأ)، وقوله للراعي: (ثم أمرته أن ينفض ضرعه من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه)، وقوله رضي الله عنه: (وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله) رواه البخاري.

    ـ خوفه رضي الله عنه على النبي صلّى الله عليه وسلّم من العدو، بل خوفه على النبي صلّى الله عليه وسلّم من أشعة الشمس وحرها، وهو أدنى ما يمكن أن يصيب الرجل في السفر الطويل، ولكن هذا يأباه أبو بكر رضي الله عنه على حبيبه ونبيه صلّى الله عليه وسلّم ففي الحديث: (حتى أصابت الشمس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه) رواه البخاري. وكذلك خوفه رضي الله عنه على النبي صلّى الله عليه وسلّم من هوام (حشرات) الأرض حتى يستطيع النوم، ولو أدى ذلك إلى عدم نومه هو، ففي الحديث على لسانه رضي الله عنه قال: (ثم قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله) رواه البخاري.

    وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله، فقال له: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: يا أبا بكر! لو شَيْء أحبَبْتَ أَنْ يكون بك دُونِي؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق، ما كانت لتكون مِن مُلِمّة إلاَّ أن تكون بي دونك، فلما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء لك الغار، فدخل واستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة، فدخل، واستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فَنَزَل, فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر".

    - اهتمامه رضي الله عنه بكل ما يخص النبي صلى الله عليه وسلم أثناء سيره ونومه:من حيث تسوية الفراش، واختيار مكان الظل والراحة، قال رضي الله عنه: (فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم في ظلها، ثم بسطت عليه فروة) رواه البخاري.

    - شفقته رضي الله عنه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وذلك لكراهيته أن يوقظ النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو نائم، فلا حرج بالنسبة إليه أن يقف بما معه من شراب، ينتظر أن يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه، وهذا أهون عليه أن يقطع على النبي صلّى الله عليه وسلم نومته، ففي رواية مسلم قول أبي بكر رضي الله عنه: (وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافقته استيقظ).

    - فرحه ورضاه، بل وسعادته القلبية رضي الله عنه بعد أن اطمأن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرب حتى ارتوى، وذهب عنه ما به من ظمأ وعطش، وذلك من قوله رضي الله عنه: (فشرب حتى رضيت) رواه البخاري.

    لقد شرَّف الله عز وجل أبا بكر رضي الله عنه بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته والقرب منه حياً وميتاً، فقد عاش معه ولازمه وصاحبه طوال حياته، وقد دُفن رضي الله عنه بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فلا يجتمع في قلب عبدٍ حب وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وبُغْض أبى بكر الصديق رضي الله عنه والحط من منزلته، كيف ذلك وقد لقبه القرآن الكريم بالصاحب، قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} (التوبة:40)، وقد أجمعت الأمة على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو بكر رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: (لو كنتُ متَّخِذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتَّخذتُ ابن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبَكم خليل الله (يعني نفسَه صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم. وقد سأل عمرو بن العاص رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (أيُّ الناسِ أحَبُّ إليك؟ قال: عائشة، قلتُ: منَ الرجال؟ قال: أبوها) رواه البخاري.

    هذا طرف من حب وإجلال وتوقير أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في حدث واحد، وهو حادث الهجرة النبوية، فهل بعد هذا الحب من حب؟ فأين نحن من حب وتوقير وإجلال أبي بكر والصحابة الكرام رضوان الله عليهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم؟!!
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 05:22 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    خُبَيْب بن عدي بن مالك الأوسي الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ، صحابي جليل، شهد بدراً، وكان له موقف من مواقف الثبات والشجاعة والتضحية والوفاء، التي سجلها الصحابة الكرام بأسطر من نور في السيرة النبوية وفي سجل التاريخ الخالد لأمتنا، وهو القائل رضي الله عنه ـ :

    وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً على أي شِقِّ كَانَ لله مَصْرَعِي

    في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة أرسلت قبيلتان من القبائل العربية المجاورة للمدينة المنورة ـ عضل والقارة ـ وافدهم إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام، ولما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصاً على نشر الإِسلام وإظهاره استجابة لأمر الله ـ عز وجل ـ:{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ }(المائدة من الآية: 67 )، فقد استجاب لهم وبعث لهم عشرة من أصحابه ـ وقيل سبعة ـ وكان منهم: خبيب بن عدي، مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكير، معتب بن عبيد، عاصم بن ثابت، زيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق .. فلما وصلوا إلى مكان يُسمى الرجيع بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم، وقتلوا بعضهم وأسروا البعض الآخر، وقد عرفت هذه الحادثة المفجعة بالرجيع نسبة إلى ماء الرجيع الذي حصلت عنده، وقد سجلت فيها مواقف بطولية، ومنها موقف خبيب بن عدي ـ رضي الله عنه ـ .
    وقد روى الإمام البخاري هذه الحادثة بتفاصيلها في صحيحه في كتاب: المغازي، وفي كتاب: الجهاد والسِّيَر، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة رهط سرية علينا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحداً، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللَّهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعه، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فأبى فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة .. فابتاع خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسي يستحد بها، فأعارته، فأخذ ابناً لي وأنا غافلة حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسي بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟، ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها، اللَّهم أحصهم عددا ..

    وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أي شِقِّ كَانَ لله مَصْرَعِي
    وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْو مُمَزَّعِ

    فقتله ابن الحارث، فكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكلِّ مُسلمٍ قُتِلَ صَبْراً، فاستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا ) رواه البخاري .

    قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيب حين أجمعوا على قتله :

    إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
    فذا العرش صبرني على ما يُراد بي فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي
    وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
    وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع
    وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع
    ووالله ما أخشى إذا مت مسلمًا على أي جنب كان في الله مضجعي
    فلستُ بِمُبْدٍ للعدوّ تخشعًا ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي

    قال ابن هشام: " وبعض أهل العلم ينكرها لخبيب "، قال الزرقاني: " والمثبت مُقَّدَّم على النافي، كيف وبيتان منها في الصحيح ".
    قال الحافظ ابن حجر: " وفيه إنشاء الشعر، وإنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدة قوته في دينه " .

    ومع ما في هذه الحادثة من آلام إلا أن فيها من الفوائد الكثير التي ينبغي الوقوف معها، ومنها :

    المسلم لا يغدر :

    إن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن يتنزه عنها أتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولنا عبرة في قصة الصحابي الجليل خبيب ـ رضي الله عنه ـ الذي ظل أسيراً حتى إذا أجمع المشركون على قتله استعار الموس من بنات الحارث، ليستحدّ فأعارته، وغفلت عن صبيٍّ لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاماً منهم، فقال خبيب: " أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى "، فالمسلم يعكس بخلقه الحسن وتصرفه الطيب صورة مشرقة عن دين الإسلام، فقد كان خبيب ـ رضي الله عنه ـ قادرأ على أن يقتل هذا الصبي انتقاما منهم قبل قتله لكنه لم يفعل، لأنه تربَّى في مدرسة النبوة على الوفاء وعدم الغدر، فترفع عن مقابلة الغدر بالغدر، عملاً بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) رواه الترمذي، فكسب في نفس هذه المشركة ومن نقلت الخبر إليه موقعاً عظيماً، ولذلك قالت: " والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب " .

    الكرامات :

    قال الله تعالى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(يونس من الآية 62: 64 )، قال الشيخ ابن باز: " من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وأنها حق، وهي خوارق العادات التي يخرقها الله لبعض أوليائه إما لحاجة به، أو لإقامة حجة على أعداء الله لنصر الدين وإقامة أمر الله ـ عز وجل ـ، فهي تكون لأولياء الله المؤمنين، تارة لحاجتهم كأن يسهل الله له طعاماً عند جوعه، أو شراباً عند ظمئه لا يدرى من أين أتى، أو في محل بعيد عن الطعام والشراب أو نحو ذلك، أو بركة في طعام واضحة، أو غير ذلك من خوارق العادات، والميزان في ذلك أن يكون مستقيماً على الكتاب والسنة " .
    وكرامات أولياء الله تعالى واضحةً في قصة خبيب ـ رضي الله عنه ـ، فقطْف العنب عنده ـ وهو أسير مُقيَّد كرامة من الله ـ عز وجل ـ له، إذ لا يوجد في مكة عنب، والمرأة المشركة فوجئت بعنقود من العنب يأكله خبيب ـ رضي الله عنه ـ فقالت: " ما رأيت أسيرا خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله إياه " .
    وقال ابن تيمية: " ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة " .

    تعظيم الصحابة للسُنًّة :

    ومن فوائد هذه الحادثة: بيان تعظيم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والحرص عليها في أشد المواقف حتى الموت، وقد ظهر ذلك فيما فعله خبيب ـ رضي الله عنه ـ لما أسره المشركون، وعلم أنه سيُقتل، ومع ذلك كان حريصاً ـ رضي الله عنه ـ على سنة من سنن الفطرة التي تعلمها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي سنة الاستحداد (حلق العانة)، فاستعار السكين لذلك، وفي هذا تذكير لمن يستهين بكثير من السنن النبوية .

    صلاة ركعتين، والدعاء على الكافرين :

    في موقف خبيب ـ رضي الله عنه ـ وصلاته ركعتين قبل مقتله مشروعية صلاة ركعتين عند ذلك، ففي رواية أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لهذه الحادثة أن خبيباً ـ رضي الله عنه ـ صلى ركعتين قبل قتله، وقال أبو هريرة: ( وكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكلِّ مُسلمٍ قُتِلَ صَبْرًا ) رواه البخاري، ومعنى ( قُتِلَ صبرًا ) : قال ابن الأثير: " صبرتَ القتيل على القتل: إذا حبسته عليه لتقتله بالسيف وغيره من أنواع السلاح وسواه، وكل من قُتل أيَّ قِتلة كانت إذا لم يكن في حرب ولا على غفلة ولا غِرة فهو مقتول صبراً " .
    ففي صلاة خبيب ـ رضي الله عنه ـ ركعتين عند قتله مشروعية وسُنية ذلك، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما علم بما حدث مع خبيب ـ رضي الله عنه ـ وما فعله من صلاة ركعتين أقرَّ هذا الفعل ولم ينكره، فصارت صلاة هاتين الركعتين مشروعة عند القتل، بعد إقرار النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لهما، والسنة كما قال الشاطبي وغيره: " السنة ثلاثة أنواع: قول، وفعل، وإقرار " .
    والسنة التقريرية: هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيراه أو يسمع به فيسكت عنه، لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُشرِّع لا يجوز سكوته على معصية، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقراراً بمشروعيته .
    قال ابن هشام في السيرة النبوية: " فكان خبيب بن عدي أول من سنَّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين، قال: ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: " اللهم أحصهم (أهلكهم) عددا، واقتلهم بَدَدَا (متفرقين)، ولا تغادر منهم أحدا "، ثم قتلوه رحمه الله " .

    وفي موقف خبيب ـ رضي الله عنه ـ إشارة ودلالة على عظم حب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد قال سعيد بن عامر: " شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمدًا مكانك؟، فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدًا شيك بشوكة "، ونقل مثل ذلك عن زيد بن الدثنة ـ رضي الله عنه ـ، وكان لهذا الموقف وغيره الأثر الكبير في نفوس المشركين، لما رأوا من حب وتعظيم الصحابة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حتى قال أبو سفيان ـ رضي الله عنه ـ قبل إسلامه: " ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمدٍ محمدا " .

    إن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي فيهما الكثير من مواقف الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ، في الثبات على دينهم، والتضحية من أجل نصرته، والتي يجدر بنا أن نقف معها للاستفادة منها في حياتنا وواقعنا، ومن هذه المواقف : موقف خبيب ـ رضي الله عنه ـ في الثبات والتضحية ..

    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 05:25 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    من الدلائل والمعجزات التي أيَّد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ما جاء على لسانه من الإخبار بموت بعض أصحابه وآل بيته وأعدائه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم مُدَّعِّياً للنبوة لمَا أخبر عن أمرٍ مستقبلي غيبيّ، لا يعرفه أحد من البشر، ولم يطالبه به أحد. وإذا كان من المعلوم أن الموت وما يتعلق به من مكان وزمان وكيفية علم اختص الله عز وجل به، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34)، فما ورد وثبت من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في إخباره بكيفية موت بعض أصحابه وأعدائه، وتحقق كما أخبر به، فبوحي من الله تعالى؛ للدلالة على نبوته وعلو قدره ومنزلته، وأنه رسول من عند الله لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} {النَّجم:4)، وقال سبحانه: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (الجنّ:26-27)، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

    نبيٌ يرى ما لا يرى الناسُ حولَه ويتلو كتابَ الله في كل مشهد

    فإِنْ قال في يومٍ مقالةَ غائبٍ فتصديقُها في ضحوة اليومِ أو غد

    ومن هذه الأخبار إخباره صلوات الله وسلامه عليه أن موت عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين لن يكون موتاً عاديًّا، بل سيكون شهادة في سبيل الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبلِ حراءٍ فتحرك، فقال: (اسكن حراء! فما عليك إلا نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيدٌ) وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمر وعثمانُ وعليُّ وطلحةُ والزبيرُ وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ رضيَ الله عنهم) رواه مسلم. قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: منها إخبارُه أنّ هؤلاء شهداء, وماتوا كلٌّهم غيرَ النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شهداء، فإنّ عمرَ وعثمان وعليّاً وطلحة والزّبير رضي الله عنهم قُتلوا ظلماً شهداء، فقتلُ الثلاثةِ (عمر وعثمان وعلي) مشهور, وقُتلَ الزّبير بوادي السّباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال, وكذلك طلحة اعتزل النّاس تاركاَ للقتال, فأصابه سهم فقتله, وقد ثبت أنّ من قُتل ظلماً فهو شهيدٌ".

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

    بشّر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشهادة مرة أخرى حين رآه يلبس ثوباً أبيض، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عُمر قميصاً أبيضَ فقال: (ثوبُكَ هذا غسيلٌ أم جديدٌ؟ قال: لا، بل غسيلٌ، قال: البَس جديدًا، وعِش حميداً، ومت شَهيداً) رواه ابن ماجه وصححه الألباني، وقد وقع الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم،، فقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو قائم يصلي الصبح إماماً بالمسلمين في المسجد النبوي سنة ثلاث وعشرين للهجرة النبوية، ليكون مقتله رضي الله عنه علامة من علامات نبوته صلوات الله وسلامه عليه.

    عثمان بن عفان رضي الله عنه:

    ثاني الشهداء في نبؤته صلى الله عليه وسلم هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي بشّره النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وأنبأه أنها ستكون في فتنة طلب منه أن يصبر عليها، وذلك لما جلس أبو موسى الأشعري مع النبي صلى الله عليه وسلم على بئر أريس في بستان من بساتين المدينة، يقول أبو موسى: فقلتُ: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب، فقُلْتُ: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقُلْت: على رسلك، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: (ائذن له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) فجئته، فقُلْت له: ادخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك) رواه البخاري، وقد استشهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه زوج ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، والمبشَّر بالجنة والشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع.

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    ثالث المبشرين بالشهادة في قوله صلى الله عليه وسلم لجبل حراء: (اسكن حراء! فما عليك إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ) هو علي رضي الله عنه، وقد أنبأه النبي صلى الله عليه وسلم في موقف وحديث آخر بأنه سيُقتل بضربة في صِدْغَيه، ولعلم ويقين علي رضي الله عنه بما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقتل ويموت شهيداً، فإنه ما كان يخاف على نفسه الهلكة من أي مرض يصيبه، فعن أبي سنان الدؤلي أنه عاد (زار) عليًّا رضي الله عنه في شكوى له شكاها، قال: فقلت له: "لقد تخوّفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال: لكني والله ما تخوّفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول: (إنك ستُضرب ضربةً ههنا، ويكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقرُ الناقة أشقى ثمود) رواه الحاكم وصححه، وحسنه الهيثمي.

    لنبينا صلى الله عليه وسلم من الدلائل والمعجزات الكثير والكثير، فهو أكثر الرسل والأنبياء معجزة، قال ابن تيمية: "وكان يأتيهم بالآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، ومعجزاته تزيد على ألف معجزة". وذكر النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومائتين. وقال ابن القيم: "ومعجزاتُه وآياتُه تزيد على الألف والعهد بها قريب، وناقلوها أصدقُ الخلق وأبرُّهم، ونقلُها ثابت بالتواتر قرناً بعد قرن".

    والسيرة النبوية زاخرة بالأمثلة من الدلائل والمعجزات في إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمر غيبي مستقبلي وقع كما أخبر به، من ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بكيفية وفاة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ولذا كان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يقول:

    وفينا رسول الله يتلو كتابَه إذا انشق معروف من الصبح ساطع

    أرانا الهُدَى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أنَّ ما قال واقع
    إسلام ويب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2015, 05:34 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 30-04-2009
مجموع المشاركات: 22950

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مقالات متنوعة عن الأسرة و المجتمع (Re: سيف اليزل برعي البدوي)


    لا تُنْزَع الرحمة إلا من شقيّ
    حين تنعدم من القلوب الرحمة وتحل القسوة بدلا منها فإنها تصبح مثل الحجارة أو أشد قسوة، وقد ذمَّ الله ـ عز وجل ـ أقواماً وصلوا إلى تلك الحالة من القسوة وانعدام الرحمة، فقال تعالى عن بني إسرائيل: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }(البقرة من الآية: 74) .
    وقسوة القلب تعني البعد عن الله، وتؤدي إلى الشقاء، قال الله تعالى: { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ }(الزمر الآية: 22)، وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ) رواه الترمذي .
    قال ابن القيم: " ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله " .
    وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .
    قال الطيبي: " لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان، فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي " .
    وقال القرطبي: " الرحمة رقة وحنوّ يجده الإنسان في نفسه عند رؤية مُبْتَلَى أو صغيرٍ أو ضعيف، يحمله على الإحسان إليه، واللطف والرفق به، والسعي في كشف ما به .. فمن خلق اللّه في قلبه هذه الرحمة الحاملة على الرفق وكشف ضرر المُبتلى، فقد رحمه اللّه بذلك في الجنان، وجعل ذلك على رحمته إياه في المآل، فمن سلبه ذلك المعنى وابتلاه بنقيضه من القسوة والغلظة، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مُبتلى، فقد أشقاه حالاً وجعل ذلك علماً على شقوته مآلاً، نعوذ باللّه من ذلك " .

    فالشفقة والرحمة بالآخرين أمر يحبه الله ـ عز وجل ـ ويرضاه لعباده، وهو هدي وحال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الناس عامة، ومع المؤمنين خاصة، قال الله ـ تعالى ـ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }(الأنبياء الآية: 107)، وقال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }(التوبة الآية: 128)، وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) رواه الترمذي .
    وقد عرف الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ هذا الخلق من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحسوا به في تعاملهم معه، فعن مالك بن الحويرث ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما رفيقا ) رواه البخاري، وعن عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ قال: ( وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحيما رقيقا ) رواه مسلم .

    فنبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ له النصيب الأوفر من الشفقة والرحمة بالآخرين، ويظهر ذلك واضحاً جلياً في مواقف كثيرة من حياته وسيرته، ومنها :

    عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كان رسول اللَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطبُنا إذ جاء الحسنُ والحُسَيْنُ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثُران، فنزل رسول اللَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منَ المنبرِ فحملَهُما ووضعَهُما بينَ يديه، ثمَّ قال: صدقَ اللَّهُ: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ }( التغابن من الآية: 15)، نظرتُ إلى هذينِ الصَّبيَّينِ يمشيانِ ويعثُرانِ فلم أصبِر حتَّى قطعتُ حديثي ورفعتُهُما ) رواه الترمذي وصححه الألباني .
    وذكر ابن حجر: " أن عبد الله بن الزبير رأى الحسن بن علي يجيء والنبي ساجد فيركب رقبته، أو قال ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الاخر، وذكر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم: أن دعوهما ".
    وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخلت عليه ابنته فاطمة ـ رضي الله عنه ـ يقوم لها ويقبلها ويقول لها: ( مرحبا بابنتي ) رواه البخاري .

    وعن عائشة ـ رضي الله عنه ـ قالت: ( جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: تُقَبِّلونَ الصِّبيان؟، فما نُقَبِّلُهم، فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أوَ أملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ من قلبِك الرحمة ) رواه البخاري .
    وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: ( أن الأقرع بن حابس ـ رضي الله عنه ـ أبصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يَرحم لا يُرْحم ) رواه الترمذي .
    قال المناوي في فيض القدير: " لأنَّ الرحمة تتخطى إلى الإحسان إلى الغير، وكل من رحمته رقَّ قلبك له فأحسنتَ إليه، ومن لم يعط حظه من الرحمة غلظ قلبه وصار فظًّا، لا يرقُّ لأحد ولا لنفسه، فالشديد يشدُّ على نفسه ويعسر ويضيق، فهو من نفسه في تعب، والخلق منه في نصب، مكدوح الروح، مظلم الصدر، عابس الوجه، منكر الطلعة، ذاهبًا بنفسه، تيهًا وعظمةً، سمين الكلام، عظيم النفاق، قليل الذكر لله وللدار الآخرة، فهو أهل لأن يسخط عليه، ويغاضبه ليعاقبه " .

    وكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إذا دخل في الصلاة وهو ينوي الإطالة، يقصر ويخفف فيها إن سمع بكاء الطفل الصغير، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( إنِّي لأدخُلُ في الصلاة، وأنا أُريدُ إِطالتها، فأسمع بكاء الصبيّ فأتجوَّزُ في صلاتي، ممَّا أعلمُ من شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ من بكائه ) رواه البخاري .

    وبكى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لدى موت طفله الصغير إبراهيم، حتى تعجب عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ من ذلك، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: ( دخلنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أبي سيْفٍ القَيْنِ، وكان ظِئْرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إبراهيمَ فقبَّلَهُ وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يَجُودُ بنفسه ، فجعلتْ عَيْنَا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: وأنتَ يا رسول الله؟، فقال: يا ابنَ عوف، إنَّها رحمة ) رواه البخاري .

    وكما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحيما شفوقا في السلم وفي حياته العامة، كان كذلك في الحرب، التي كثيراً ما تحكمها عواطف الغضب على العدو، وتبرر عوامل الغلظة عليه، والانتقام منه، فيُقتل من لا يستحق القتل، أو يقتل بطريقة لا تليق بالإنسان، فيها تعذيب له، أو تمثيل بجثته، فعن بريدة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: ( اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ) رواه البخاري .
    قال النووي: " قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ولا تغدروا) بكسر الدال، والوليد الصبي، وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى، والرفق بأتباعهم، وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم، وما يحل لهم وما يحرم عليهم، وما يكره وما يستحب " .
    وأوصى بالأسرى خيرا، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( استوصوا بالأُسَارَى خيرا ) رواه الطبراني .
    وانحاز ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رأي أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كان يرى العفو عن الأسرى في بدر، ورفض أن يدعو على قريش في أُحُد، وقد بلغوا منه ما لم يبلغوه من قبل، بل رفع يديه وقال: ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) رواه البخاري .
    وفي أشد يوم مر به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يوم الطائف، بعث الله ـ عز وجل ـ له ملَكَ الجبال لِيُطْبق على من آذاه الجبال، فرفض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: ( بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ وحده، لا يشركُ به شيئًا ) رواه البخاري .

    ومن المواقف التي تعبر عن مدى رحمته بالخَلْقِ جميعاً (الإنسان والحيوان) ما رواه عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنا مع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرةً (طائر صغير) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (تقترب) من الأرض، فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها ) رواه أبو داود وصححه الألباني .

    إن من نعم الله علينا وعلى البشرية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما بُعِث إلا لتحقيق ونشر الرحمة بين الناس كما قال الله تعال