لاهوت الوردة

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 17-12-2018, 08:32 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
25-11-2005, 07:27 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


وجه (Re: osama elkhawad)

    وجه

    كان يسكنُ قلْبي
    وأسكنُ غرفتهُ
    نتقاسمُ نصفَ السَّريرِ,
    ونِصف الرغيفِ,
    ونِصفَ اللَّفافةِ,
    والكتبَ المُستعارةْ.
    هَجَرتهُ حبيبتهُ في الصّباح فمزقَ شريانَه في المساء,
    ولكنّه بعد يومينِ مزقَ صورَتها..
    واندهشْ.
    خاض حربين بينَ جُنودِ المظلاتِ..
    لم يَنخدِشْ
    واستراحَ من الحربِ..
    عادَ ليسكنَ بيتاً جديداً
    ويكسبَ قوتاً جديداً
    يدخَّنُ علبةَ تبغٍ بكاملِها
    ويجادلُ أصحابَه حولَ أبخرةِ الشاي..
    لكنهُ لا يطيلُ الزياره.
    عِندما احتقَنت لوزتاهُ, استشارَ الطَّبيبَ,
    وفي غُرفة العَمليات..
    لم يَصْطحِب أَحداً غيرَ خُفٍ..
    وأنبوبةً لقياسِ الحرارهْ,
    Quote: فَجأة مات!

    لم يحتملْ قلبُه سَريانَ المُخدر,
    وانسحبتْ من على وَجهِه سَنواتُ العَذابات,
    عادَ كما كانَ طفلاً..
    يُشاركُني في سريري
    وفي كَسرةِ الخبزِ, والتبغ,
    لكنهُ لا يشارِكني.. في المَراره!
    وخيطَ الدِّماء.
    وانحنيتُ عليهِ.. أجسُ يَدهْ
    قالَ آخرُ: لا فائِده
    صار نصفُ الصحيفةِ كلَّ الغطاءْ
    وأنا.. في العراءْ
    وجه

    ليتَ "أسماءَ" تعرفُ أن أباها صَعَدْ
    لمْ يمتْ
    هل يموتُ الذي كانَ يحيا
    كأنّ الحياة أَبد!
    وكأنّ الشرابَ نفدْ!
    وكأن البناتِ الجميلاتِ يمشينَ فوقَ الزَبدْ!
    عاش مُنتصباً, بينما
    ينحني القَلبُ يبحثُ عمَّا فَقَدْ.
    ليتَ "أسماءَ" تعرفُ أن أباها الذي..
    حفِظَ الحبُّ والأصدقاءُ تصاويرَهُ..
    وهو يَضحكُ,
    وهو يُفكِرُ,
    وهو يفتّشُ عمّا يُقيمُ الأودْ.
    ليت "أسماءَ" تعرفُ أن البناتِ الجميلاتِ..
    خَبأنه بين أوراقِهن,
    وعلّمنَهُ أن يسيرَ..
    ولا يلتقي بأحد!
    مرآة

    - هل تريدُ قليلاً من البحر?
    - إن الجَنوبي لا يطمئنُ الى اثنينِ يا سيّدي:
    البحرُ - والمرأة الكاذِبه.
    - سوفَ آتيكَ بالرملِ منه
    .. وتلاشى بهِ الظلُّ شيئاً فشيئاً,
    فلم أستبنهْ
    - هل تريدُ قليلاً من الخمر?
    - إن الجَنوبي يا سيدي يتهيبُ شيئين:
    قنينةَ الخمرِ - والآلةَ الحاسبه.
    - سوف آتيكَ بالثَّلجِ منْه.
    وتلاشى به الظلُ شيئاً فشيئاً..
    فلم أستبْنه.
    بعدها لم أجدْ صاحبِيَّ
    لم يعدْ واحدٌ منهما لي بشي
    - هل تريدُ قليلاً من الصَّبر?
    - لا..
    فالجَنوبي يا سيّدي يَشتهي أن يكونَ الذي لم ْيكُنْه
    يشتهي أن يلاقي اثنتين:
    الحقيقةَ - والأوجهَ الغائبه.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-11-2005, 07:57 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


زهور (Re: osama elkhawad)

    نص أمل دنقل الشعري "زهور" يكشف عن حساسية شعرية عالية في موقفه من عداء الموت,
    فالمسالة هنالا تتعلق بانسان كما في حالة الجنوبي ,بل بموت الزهور
    ونجد توافقا في حالة الذات الكاتبة التي تواجه الموت,ومواجهة الزهور لموتها,من خلال قطف الانسان لها
    يقول:
    Quote: تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
    أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
    َلحظةَ القَطْف,
    َلحظةَ القَصْف,
    لحظة إعدامها في الخميلهْ

    ثم يتحدث عن التناقض الحاد الحاصل بين تقديم الزهور كرمز انساني بطول العمر,وبين أن ذلك يتم من خلال اغتيال الزهور
    يقول:

    Quote: تَتَحدثُ لي..
    كيف جاءتْ إليّ..
    (وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
    كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
    وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!

    فالى النص:
    زهور

    وسلالٌ منَ الورِد,
    ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه
    وعلى كلِّ باقةٍ
    اسمُ حامِلِها في بِطاقه
    ***

    تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
    أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
    َلحظةَ القَطْف,
    َلحظةَ القَصْف,
    لحظة إعدامها في الخميلهْ!
    تَتَحدثُ لي..
    أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
    ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ أيدي المُنادين,
    حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ
    تَتَحدثُ لي..
    كيف جاءتْ إليّ..
    (وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
    كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
    وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
    ***

    كلُّ باقهْ..
    بينَ إغماءة وإفاقهْ
    تتنفسُ مِثلِىَ - بالكادِ - ثانيةً.. ثانيهْ
    وعلى صدرِها حمَلتْ - راضيهْ...
    اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-11-2005, 08:43 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


ضِدُّ منْ..? (Re: osama elkhawad)

    النص الاخير لأمل دنقل هو:
    Quote: ضدّ من

    وهو من النصوص التي تحكي عن صراعه مع الموت,ومواجهته له
    وقد اانتبه الناقد والاكاديمي الاردني خليل الشيخ في دراسة له عن الجداريةالى ورود البياض في نص درويش و "ضد من" لأمل دنقل
    وسنعود لذلك في حينه عندما نتحدث عن البياض في "الجدارية"
    فالى النص:

    في غُرَفِ العمليات,
    كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
    لونُ المعاطفِ أبيض,
    تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
    الملاءاتُ,
    لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
    قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
    كوبُ اللَّبن,
    كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
    كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
    فلماذا إذا متُّ..
    يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
    بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
    هل لأنَّ السوادْ..
    هو لونُ النجاة من الموتِ,
    لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْْ
    ***

    ضِدُّ منْ..?
    ومتى القلبُ - في الخَفَقَانِ - اطْمأَنْ?!
    ***

    بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..
    الذينَ يرون سريريَ قبرا
    وحياتيَ.. دهرا
    وأرى في العيونِ العَميقةِ
    لونَ الحقيقةِ
    لونَ تُرابِ الوطنْ!

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

27-11-2005, 06:43 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


تحية لمبدعنا الكبير :محمد محيي الدين (Re: osama elkhawad)

    لصديقنا الشاعر الكبير محمد محيي الدين نص شعري في رثاء الشهيد طه يوسف عبيد,الذي استشهد في مظاهرات يناير 1982-ارجو ان يكون التاريخ صحيحا
    والنص يحتوي على تجريب شعري عال التكنيك والابداع
    عنوان النص هو:
    Quote: عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر

    اتمنى ان تقوم احدى الزميلات او الزملاء-لو كان ذلك متاحا- بنشر مقاطع من هذا النص واخرى من "التجول بين المزامير واللون في حديقة الذهول" في رثاء الشاعر ادريس جماع,
    وذلك بمثابة تحية لمبدعنا الكبير
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-11-2005, 05:45 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الرحيل على صوت: تحية لمبدعنا الكبير :محمد محيي الدين (Re: osama elkhawad)

    يبدو أنه قد تعذر الحصول على اية مقاطع من التجول بين المزامير واللون في حديقة الذهول و عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر
    وتحية لشاعرنا الكبير سنورد نصه الشعري المتميز:
    الرحيل على صوت فاطمة
    والذي قامت ببسطه في المنبر الفنانة الكبيرة:
    تماضر شيخ الدين
    فالى النص الشعري:

    وقفي

    يا جميلة واستوقفي الرائحين

    إلى البلد النيل نام – ونامت مراكب أهلي

    فمن يبلغ الشوق - فاطمة القروية

    إن الهوادج عطّلها نغمٌ ضاع في الرمل

    من غفلات الحداة

    فمن يحمل النبأ الهامشي لفاطمة الوثنية

    هذا أوان التمزق

    والخوف والسأم المعدني الذي

    فجّر القلب والصوت والذاكرة

    يا طقوس الغناء المبارك

    فلنرقص الآن مرتحلين على نبض

    إيقاع لحن المغنية الساحرة

    والمغنية الساحرة

    نام في صفو أوتارها المتعبون

    السكارى – المغنون – نامت مع الحلم

    فاطمة القروية

    تحلم بالفارس المتسربل

    بالبرق والرعد والمطر الروحي

    والمغنية الساحرة

    قذفت صوتها في الصحارى

    وفي الصمت في الشارع المتقنّع

    بالسكتة المطمئنة والخطوة

    الحائرة

    فقفي يا جميلة واستوقفي الرائحين

    إلى دار فاطمة البدوية

    حفل الزفاف تأخر

    نام الحداة على الرمل – نامت

    خطى الراحلين

    الهوادج عطّلها الرعب

    وانفرط العقد

    وانكسرت صهوات الخيول

    ارجعي بالزغاريد

    فاطمة الاستوائية الآن عارية

    رقصت للوحوش

    وغنت مصفدة

    فلفاطمة القروية أن ترقص

    الآن

    فالساحة إنفتحت لجميع النساء

    ولأني عشقت الغناء

    عشقتك يا فاطمة

    تتبدل أنغام صوتك أو يتغير

    لون إندهاشك – أو تخنق

    العبرة الحزن

    دندنة العشق

    أو يتخاذل إيقاعك المتفجر

    ينساب صوت المغنية الفاجرة

    والمغنية الفاجرة

    راودتني على صوتها

    واشتهتني – وقالت

    لك الآن

    أغلقت الأسطوانة

    لكن ذاكرتي

    من جميع المسافات

    والإتجاهات تثقب –

    يا أيها الرائحون

    الى البلد النيل نام

    ونامت مراكب أهلي

    قفوا وانشروا

    على الرمل طرحة فاطمة البدوية

    أو علقوا

    على الشمس طالعةً: ثوب فاطمة

    الإستوائية

    الشمس مقبلةٌ

    فقفوا

    أيها المتعبون قفوا

    أيها الرائحون قفوا

    واحملوني على صوتها.


    *المرجع: الرحيل على صوت فاطمة - محمد محي الدين - جامعة الخرطوم – 1985 – ص 29 - 31
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2005, 03:36 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


اخي راني واخي بكري أبوبكر :ارجو مساعدتنا في العثور على التسجيل الصوتي لمحمد محيي الدين (Re: osama elkhawad)

    سبق لي ان قرأت بوستا كتبه الاخ الكريم":
    rani
    وهو عبارة عن تسجيل صوتي للشاعر محمد محيي الدين وهو يلقي نصه الشعري:
    عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر
    وقد حاولت البحث في المنبر ,
    لكنني لم اجد البوست
    وهو بتاريخ 26\7\2004
    ارجو من الصديق بكري ان يساعدنا في العثور على ذلك البوست الضائع

    سنعود بمقتطفات من نص محمود درويش في رثاء:
    أمل دنقل
    لاحظوا هذا التشابك والتعالق الذي حاولنا الاشارة اليه في علاقة درويش و امل دنقل بالموت,
    وبعلاقة درويش بأمل دنقل بعد موته
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2005, 03:43 PM

عبدالماجد فرح يوسف
<aعبدالماجد فرح يوسف
تاريخ التسجيل: 06-05-2004
مجموع المشاركات: 1178

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: اخي راني واخي بكري أبوبكر :ارجو مساعدتنا في العثور على التسجيل الصوتي لمحمد محيي الدين (Re: osama elkhawad)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2005, 05:03 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


احتفاء رمزي بمبدعنا الكبير :محمد محيي الدين (Re: عبدالماجد فرح يوسف)

    شكرا صديقنا الدامري عبد الماجد
    فمحمد محيي الدين يستحق اكثر من ذلك
    وهذا احتفاء رمزي به
    وساعود للاحتفاء بكم ,انتم الذين تصنعون هذا البوست,
    من خلال ردي على الاستاذة نجاة محمد علي في سودان للجميع
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2005, 05:39 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


في غاية الامتنان لكم:الى البرنس وعبد الماجد ومازن واخريات واخرين (Re: osama elkhawad)

    الاعزاء في سقف الوردة,
    وفي كل البوستات من الذين يساهمون في صنع هذا الحوار:
    وعدت بأن اورد ما قلته في حقكم في حواري مع الاستاذة :
    نجاة محمدعلي
    المشرفة على منبر الحوار الديمقراطي في منبر "سودان للجميع"
    وهذا ما قلته
    Quote: نتعلم من اخطائنا
    والدليل ما قلته عن كثيرين يشاركون في النقاش في بوستات العبد الفقير الى الله
    وانا ممتنٌ لهم
    ,
    هذا النوع من الحوارات صنعه مشاركون اذكياء مثل عبد الماجد و حاتم الياس وزوربا و منصور علي و أولهم بالتاكيد البرنس ,
    ومن اطلق على هذا البوست :
    سقف الوردة
    هو :
    مازن مصطفى
    واخرون و اخريات

    كل هؤلاء لا اعرفهم ولم التق بهم,
    لكنهم صنعوا هذا الحوار ببساطة,
    لان القلوب شواهد
    وهذا هو لنك كلامي:
    http://www.sudaneseonline.com/forum/viewtopic.php?t=497&v...e7754524fb12d9aebb99
    انا في غاية الامتنان لكم,
    و معا نحو بوستات حوارية راقية
    شكري لكم بلا حدود
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-11-2005, 08:24 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: في غاية الامتنان لكم:الى البرنس وعبد الماجد ومازن واخريات واخرين (Re: osama elkhawad)

    سلام على (((المشاء العظيم))) في العالمين!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-11-2005, 04:57 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


هذا واجبي يا برنس (Re: osama elkhawad)

    هذا واجبي يا برنس,
    فانتم من تصنعون الحوار معي ,
    ومع القراء الاخرين

    كنت انوي نشر مقاطع من نص درويش الشعري عن امل دنقل,
    لكنني اثرت ان انشره كاملا,
    فامهلوني حتى اكمل الطباعة,
    وبعد نشره ننتقل الى دلالة "الاسم" في :
    الجدارية
    محبتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-11-2005, 08:25 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هذا واجبي يا برنس (Re: osama elkhawad)

    عزيزي المشاء:

    كان ذلك ذات مساء قاهري بعيد في مبنى "الأوبرا", والمناسبة إحتفالية المجلس الأعلى للثقافة في مصر بمرور عشرين سنة على رحيل أمل دنقل, عندما قدم لنا الصديق الشاعر الجميل حلمي سالم محمود درويش وألقى نصه الشعري الذي أشرت إليه أنت في سياق مداخلتك الأخيرة, بعدها تملكني شعوران أن أتحدث مع أصدقائى وصديقاتي في مقهى إلى طلوع الفجر أوأذهب إلى شقتي في مدينة نصر من غير أن أتفوه بكلمة واحدة. صديقتي الفلسطينية, التي تكافح لأكل عيشها في القاهرة كمثقفة, والتي تحضنني كلما قابلتها في محفل عام كما تحضن غريبة غريبا, قالت لي إنها حين استمعت للنص نفسه في مكتبة الإسكندرية, ذهبت بعد منتصف الليل إلى شاطيء المتوسط من دون أن تكلم أحدا, وهناك عند (سيدي جابر) خلعت ملابسها, وأخذت تسبح في وحدتها, يا للكلمات!!!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-12-2005, 08:42 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


حانمشي لي قدام (Re: عبد الحميد البرنس)

    شكرا برنس على هذه الاضافة ,
    وحانمشي لي قدام
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-12-2005, 12:34 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


نص درويش الشعري في رثاء أمل دنقل (Re: osama elkhawad)


    "بيت من الشعر\بيت الجنوبي

    "في ذكرى أمل دنقل"
    **
    واقفا معه تحت نافذةٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ ,أتأمّل وشم الظلال على
    ضفة الأبديةِ,قلت له:
    قد تغيرت يا صاحبي,وانفطرت
    فها هي دراجة الموت تدنو
    ولكنها لا تحرك صرختك الخاطفةْ
    **
    قال لي عشت قرب حياتي
    كما هي,
    لا شيئ يثبت اني حيٌ
    ولا شيئ يثبت اني ميتٌُ
    ولم أتدخل بما تفعل الطير بي
    وبما يحمل الليل من مرض العاطفةْ
    **
    ألغياب يرف كزوجي حمامٍ على النيل...
    ينبئنا باختلاف الخطى حول فعل المضارع...
    كنا معا,وعلى حدةٍ,نستحثُّ غدا غامضا,لا نريد من الشيئ الا
    شفافية الشيئ:حدقْ ترَ الورد
    أسود في الضوء ,واحلمْ ترَ الضوء
    في العتمة الوارفةْ
    **
    ألجنوبي يحفظ درب الصعاليك عن ظهر قلبٍ,ويشبههم في سليقتهم
    وارتجال المدى ,لا "هناك" له,
    لا "هنا", لا عناوين للفوضوي
    ولا مشجبٌ للكلام ,يقول :النظام
    احتكام الصدى للصدى,وأنا صوت
    نفسي المشاع:أنا هو أنت ونحن أنا,
    وينام على درج الفجر:هذا هو البيت,
    بيتٌ من الشعر ,بيت الجنوبي,
    لكنه صارمٌ في نظام قصيدته,صانعٌ بارعٌ
    ينقذ الوزن من صخب العاصفةْ
    **
    الغياب على حاله,
    قمرٌٌٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِِِِِِِِِِِ عابرٌ فوق خوفو يذهِّب سقف النخيل,
    وسائحةٌ تملأ الكاميرا بالغياب,وتسأل:ما الساعة الان؟قال لها:
    الساعة الان عشر دقئاق ما بعد سبعة الاف عامٍ من الأبجدية,ثم تنهّد:
    مصر الشهيّة , مصر البهيّة مشغولةٌ بالخلود,وأما أنا ..فمريضٌ بها,لا
    أفكِّر الا بصحبتها,وبكسرة خبز غدي الناشفةْ
    شاعرٌ,شاعرٌ من سلالة أهل
    الخسارة,وابنٌ وفيٌ لريف المساكين,
    قرانه عربيٌ,ومزموره عربيٌ,وقربانه
    عربيٌ,وفي قلبه زمنان غريبان,
    يبتعدان ويقتربان:غدٌ لا يكفّ
    عن الاعتذار:"نسيتك,لا تنتظرني",
    وأمس يجرّ مراكب فرعون نحو الشمال:
    "انتظرتك,لكن تأخرت",قلت له:
    أين كنت اذا؟قال لي :كنت
    أبحث عن حاضري في جناحي سنونوةٍ
    خائفةْ
    الجنوبي يحمل تاريخه بيديه,كحفنة قمحٍ,
    ويمشي على نفسه واثقاً من يسوع
    السنابل,ان الحياة بديهيةٌ ..فلماذا
    نفسّرها بالأساطير؟ان الحياة حقيقيةٌ
    والصفات هي الزائفةْ
    **
    قال لي في الطريق الى ليله:
    كلما قلت:كلا,تجلّى لي الله
    حريةٌ..وبلغت الرضا الباطني عن النفسِ,
    قلت:وهل يصلح الشِعْر ما أفسد الدهر فينا وجنكيز خان,
    وأحفاده العائدون الى النهر؟
    قال:على قدْر حلمك تتسع الأرض,
    والأرض أمُّ المخيلة النازفةْ
    **
    قال في آخر الليل:خذني الى البيت,
    بيت المجاز الأخير.....
    فاني غريبٌ هنا يا غريبُ,
    ولا شيئ يفرحني قرب بيت الحبيب,
    ولا شيئ يجرحني في "طريق الحبيب" البعيدة,
    قلت: وما ذا عن الروح؟
    قال ستجلس قرب حياتي
    فلا شيئ يثبت اني ميتٌ
    ولا شيئ يثبت اني حيٌ
    ستحيا كما هي حائرةً آسفةْ

    **

    محمود درويش,الاعمال الجديدة-رياض الريس للكتب والنشر,بيروت –لبنان,الطبعة الاولى,يناير 2004,ص ص 143-151
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-12-2005, 01:46 PM

Abuobaida Elmahi
<aAbuobaida Elmahi
تاريخ التسجيل: 15-08-2003
مجموع المشاركات: 693

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    يا مشاء

    هذه هي المرة الأولي التي أستظل فيها تحت ظلال سقف لاهوت وردتك الباردة

    برودة شجرة ليموننا في حوشنا هناك وهي شجرة ظللت لا التراب تحتها فحسب

    بل حتي حمامنا ,

    أزيار الموية ,

    الطير ,

    والدي وعنقريبه الهبابي أوقات القيلولة .

    وأنت تعرف أن الإقامة ها هنا قيلولة دائمة .

    الجزء الأخير من نصك أعطي عنوانك وجوبا واجبا

    لدرجة أصبح معها أي عنوان آخر إخفاقا

    شئ مفارق , سيف لقطع رقبة النص لا تاج مفردي

    للدلالة عليه ومن ثم تزيينه !

    سأدلي بدلوي خلال الأيام القادمة في ما يخص جدارية درويش

    أيرادك لنص درويش بخصوص الجنوبي خصم مني زهاء ساعتين

    لم أترك زواية في شقتي إلا قلبتها بقلب واجف مخافة أن أكون

    قد فقدت شريط ليلة درويش التي أشار لها البرنس .

    أستمعت لنصه بمزاج لم يفسده تعب وردية الليل السابق

    فرأيي أن هذا ( الغريب ) يسمع ولا يقرأ

    فمفردته ناقصة بدون صوته الذي يمنحها

    دلالتها كاملة .

    لك مودتي

    أبوعبيدة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-12-2005, 11:17 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: Abuobaida Elmahi)

    الاصدقاء تحت السقف..

    عزيزي المايسترو..

    الغيبة طولت..

    وانا هنا للاعتذار..

    اكل العيش قاسي جدا..

    وانا اعمل لساعات طويلة..في مجلة صباح للاطفال..

    ولانو المجلة لسة ما بدات بالصدور,فمنذ العيد(بداية الشغل)وانا بنوم بالتلتلة..
    دة غير انو الحبيبة مابتفهم ليك شغل ولا يحزنون..

    المهم المجلة جميييييييييييييييييييلة..شخصيات جديدة..وتقنيات ما عرفتها صحافة الطفل في السودان..زي تكنيك القصتين داخل القصة و تحريك كل الشخصيات في بيئات متداخلة..
    الشخصيات وصلت قريب المية شخصية..ومعانا رسامين متميزين..
    كما قمنا باشتخدام تقنيات حديثة:مجسمات ببرامج ال d max
    والفوتوشوب والان ديزاين..

    المهم..
    زي ما ملاحظين بقيت ما بعرف اتكلم الا في الشغل..

    بقية كتابة بورديو جاهزة..
    لكن..احسن الواحد ما يوعد ساكت..


    متابع جدا لكن بطريقة عشوائية..
    الحوار بين الخواض ونجاة جميل..(ولا اعتقد ان الحدة تعيب حوارا)..
    انا مع راي نجاة في انو بشري الفاضل كفاهو..
    قرائته للمناهج النقدية الحديثة خااااااااااااطئة..وربما(لو ما كضبنا الشينة)تكون "عدم قرائته" هي الخلل..
    ولكنه اخذ نصيبه كاملا ..
    بل وتكرر الامر بدرجة اكثر مما يحتاج..
    عزيزي الخواض..
    لا اعتقد ان هناك من يخالفك الراي في النقطة السابقة..
    فقط..
    اعتقد ان وقت قلب الصفحة جا...










    ما علينا...
    في موضوع حاراسلك في الايمايل بخصوصه..


    البرنس:
    اندهشت لرايك في سجيمان..
    حقيقة للرجل من الاراء ما لا يمكن التهاون معه..
    واعتقد انه يعمل وباصرار ضد كل منجزات المعرفة..بلا سبب سوي الاختلاف الفقير..
    لا يهمني الجدل الدائر كثيرا..
    فقط..ارجو ان تعيد قرائة سجيمان...










    شكرا لنمو هذا السقف..
    لكل الاحبة الهنا..
    لامل دنقل و
    لاشجار الزونيا وود مدني السني والاسماك الذهبية التي تخرج من النهر ..










    احبكم كثيرا.................................
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-12-2005, 10:11 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: mazin mustafa)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-12-2005, 04:54 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: mazin mustafa)

    عزيزي مأزن:

    لا تقلق سيفصح الحوار الدائر الآن مع الأستاذة نجاة وأطراف أخرى عن وجهة نظري المتكاملة ب(((جلاء شديد))), وسأضع (((كل كلمة))) قيلت في هذا السياق في محل تدقيق وتقدير, محبتي.

    تخريمة:
    كنت أتمنى أن يدلي بعض المبدعين بدلوهم في هذا السياق مثل أستاذنا فضيلي جماع الذي شاركني الإشادة ب(((سجيمان)))!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-12-2005, 05:52 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبد الحميد البرنس)

    الاعزاء مازن و ابوعبيدة وبرنس
    معليش ,
    وحأكرر نفس كلامي في :
    عفوا عزيزي الخواض
    لست في وضع يجعلني اعلق على ما كتب هنا
    كما انني انقطعت عن النت لايام
    وسأعود كان الله هون
    وساحاول ان اواصل ملاحظاتي النقدية حول:
    الجدارية
    و مواصلة بقية المحاور
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-12-2005, 09:56 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    يا شباب انا عندي نقاش في بوست اخر وفم منتدى اخر
    المهم خلو البوست عال
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-12-2005, 09:37 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    عزيزي مازن
    والمتابعات
    مايسترو البوست ما يزال مشغولا بحوار في سودان للجميع
    فارجو ان نجعل هذا البوست عاليا

    نظريا ممكن يكون كلامي هنا مقدم على حواري هنالك,
    لكنني لا اتجزأ,
    فعلينا ان نساهم في الحوارات ,
    وخاصة الاسفيرية,
    لاننا لم نعرف الاسفير بعد

    وانا احب الحوارات وخاصة الحوارات المعقدة كما هو في سودان للجميع
    محبتي للجميع
    وحاجي متين ما معروف ,
    فهذا يعتمد على شكل الحوار هنالك
    وساحاول ان اعود ولو بشكل جزئي
    فهنالك مادة جاهزة للنشر,
    لكنني احاول بقدر الامكان ان تكون مساهمتي بشكل معقول
    محبتي مرة اخرى
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-12-2005, 02:24 AM

Hussein Mallasi
<aHussein Mallasi
تاريخ التسجيل: 28-09-2003
مجموع المشاركات: 26226

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    Quote: المهم خلو البوست عال

    فليكن هذا البوست عالياً؛
    تقديراً للخواض و حواراته هنا .. و هناك.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-12-2005, 04:20 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: Hussein Mallasi)

    عزيزي المشاء:

    أتابع ما يدور في بوست http://www.sudaneseonline.com/forum/viewtopic.php?t=497&s...282652f40366a1904622, ويبدو لي ككاتب نشأ جوهريا في سياق ثقافي مختلف أن أمامي وقت آخر لإدراك كيف تتم الحوارات في بيئتي الأم. أشعر بحزن حين أرى لغة سائدة يحكمها الانفعال وأحكام القيمة المجانية. لقد وصفك بشرى بمثل هذه اللغة بانفعال لا يليق بكاتب كبير مثله عن حق. وفي المقابل ظللت أنت للأسف أسير انفعاله لحظة غضب وأحكامه الجائرة في شأنك ولم تستطع أن تتجاوزها حتى الآن برغم الإشارات والتوضيحات التي كانت (لا تزال) تصلك من هنا وهناك, بل والحق أقول (يا شقيقي) إنك ظللت تستثمر كل نجاحاتك التالية كمبدع متميز في نسج قضبان أخرى حول ذاتك كأسير لكلمات قالها بشرى, وهي أحكام قمت أنا شخصيا بنقدها أكثر من مرة وفق ما يلزم بوصفها وفق نظرتي مجرد أحكام بائسة, وكان كلما تم تغيير المسار تعيدنا مرة أخرى لمقولات بشرى تلك, وبشرى أول عهدي به في نقاش تذكره رمي علي أحكاما كتلك لمجرد أن الذاكرة خذلتني وخلطت بين أسماء كتاب روس, لم أتوقف طويلا, أغضبني قوله ففلتت مني كلمة مفادها أني لا أحتاج لرأي منه لأن صحفا في مقدمة الصحف العربية سبق لها وأن كتبت عني, ثم ما لبثت وأن عدت منتقدا ذاتي في استنادي على تلك الصحف ك(سلطة) في إثبات وجودي, وهذا كل ما في الأمر. كما أني فطنت أكثر من مرة إلى أن سير نقاشكما على ذلك النحو سيفضي إلى كارثة ولابد, وقد كان. أعلم أن مثل هذا الحديث في مثل هذه اللحظة سيحزنك مثلما تصيب طعنة من صديق صديقا, ومع ذلك كان لابد لي من قوله هكذا سعيا لحفظ انفعالاتك كشاعر كبير عن حق له بصمته الخاصة الدالة عليه. وستكون كارثة لا يعلم بها سوى الله لو تركنا وجودنا عرضة لأحكام الآخرين. فقط اعمل كأبي الطيب ونم ملء جفونك عن شواردها أوكما قال مصطفى أمين باللهجة المصرية "الطوب اللي يحدفوك بيه اطلع عليه", وهذا لا يعني تسفيها للنقد بقدر ما يعني تمجيدا للنقد في صورته البناءة, وأقولها مرة أخرى بصدق وثقة ومحبة: (((سلام على المشاء العظيم في العالمين))).

    (عدل بواسطة عبد الحميد البرنس on 08-12-2005, 05:18 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-12-2005, 05:52 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مساهمة جماعية في قراءة ما (Re: عبد الحميد البرنس)

    شكرا صديقنا ملاسي على رفعك للبوست
    نقاشاتي في بوست سودان للجميع حرمتنى من مواصلة مساهمتي المطولة بخصوص جدارية درويش,
    ويرجع الفضل في ذلك-اي ما اكتبه الان عن درويش - الى مساهمة صديق عمري الاستاذ الشاعر والناقد :
    عبد اللطيف على الفكي
    حول علامية العنوان في "جدارية"
    وكما قالت الاستاذة نجاة محمد علي فان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية
    مستمتعٌ بشكل النقاش في ذلك البوست ,
    ولذلك فنحن كل يوم نكسب جديدا من خلال اقامتنا وعملنا في الاسافير

    اشيد بما قاله البرنس فهو يندرج في اطار علاقتنا الثقافية الحميمة وهي علاقة يحكمها النقد والنقد الذاتي
    فقد ابديت له اعتراضي على اختيار نص لسجيمان واخر لصديقنا منصور المفتاح ضمن نصوص عميقة ومبدعة
    وكان ذلك في بوسته الثري والذي ابتدا بنص للطيب صالح من "منسي"
    وتقبل ذلك بروح طيبة

    كما رجوته ان "يفرز عيشته" وينشر رده على الاستاذة نجاة محمد علي في بوست منفصل حتى لا تختلط الكيمان
    وتقبل ذلك بروح طيبة وقام بحذف مساهمته في الرد على الاستاذة نجاة محمد علي في بوست "انقلابات"
    ***
    وجدت "فرقة" وساعود للتعقيب على مداخلات ابوعبيدة و مازن مصطفى

    قال "صديقنا ابو عبيدة:
    Quote: الجزء الأخير من نصك أعطي عنوانك وجوبا واجبا

    لدرجة أصبح معها أي عنوان آخر إخفاقا


    شئ مفارق , سيف لقطع رقبة النص لا تاج مفردي

    للدلالة عليه ومن ثم تزيينه !

    سأدلي بدلوي خلال الأيام القادمة في ما يخص جدارية درويش

    أيرادك لنص درويش بخصوص الجنوبي خصم مني زهاء ساعتين

    لم أترك زواية في شقتي إلا قلبتها بقلب واجف مخافة أن أكون

    قد فقدت شريط ليلة درويش التي أشار لها البرنس .

    أستمعت لنصه بمزاج لم يفسده تعب وردية الليل السابق

    فرأيي أن هذا ( الغريب ) يسمع ولا يقرأ

    فمفردته ناقصة بدون صوته الذي يمنحها

    دلالتها كاملة .

    لك مودتي

    أبوعبيدة

    عزيزنا ابوعبيدة
    اعتقد اننا في هذا البوست وفي "انقلابات" و"القراءة الخاطئة"و "الكاتب الاسفيري " لصديقنا في عاصمة الامبراطورية التي كانت لا تغيب الشمس عنها :
    حافظ خير
    أعتقد اننا قد وصلنا الى نوع من البوستات تحاول ان تثرى الساحة الثقافية بقدر قدرتنا جميعا,
    عبر مساهمة جماعية في قراءة ما كل من وجهة نظره
    وهي افضل في رايي من النقاشات او قل الصراعات الاسفيرية,
    رغم انه لا مفر من خوضها,
    على الأقل من وجهة نظري

    ارجو ان تعود الينا بمساهمتك حول جدارية وبما قلته عن عنوان النص الشعري:
    لاهوت الوردة
    طبعا دوريش له طريقة في الالقاء متميزة رغم انه لا يحفظ نصوصه مما لا يعطيه فرقة كافية للتعبير بالجسد
    وهذا ميزة حميد و القدال والابنودي وغيرهم ممن يحفظون نصوصهم الشعرية
    ****
    نعود لكلام الفنان مازن مصطفى,
    ناحت "سقف الوردة"
    وصديقنا في "الداخل",
    على وزن فلسطيني الداخل وفلطسيني الشتات
    ونحن اصبحنا سودانيي الشتات
    مبروك المجلة
    وما عارف هل هي نفس المجلة التي صدرت في الثمانينيات؟
    وقد كنت من الذين ساعدوا في اصدارها بحسب قدرتي في ذلك الوقت
    ونرجو ان ترسل لنا على الاقل نسخة واحدة
    ولو في طريقة ممكن نتفق على حاجات تانية بخصوص دعم المجلة
    عشان كدا النسخ مهمة حتى يتجاوب القراء مع اي مبادرة لدعم المجلة
    وبالايميل ممكن نتكلم في الموضوع دا
    و نفس المسالة ستنطبق على مجلة الملتقي لصديقنا في بلاد الكنجرو:
    امين زوربا
    وهذه مبادرة مهمة ,
    و اعتقد انها تنطبق على سودان للجميع وضرورة دعم جهدهم ماليا
    وساطرح ذلك في مكانه
    وارجو ان تعود الينا بمساهمتك التى وعدت بها ويبدو انها في طور الاكتمال
    أما كلامك الاخير:
    عزيزي الخواض..
    لا اعتقد ان هناك من يخالفك الراي في النقطة السابقة..
    فقط..
    اعتقد ان وقت قلب الصفحة جا...
    انا فعلا قلبت الصفحة وقلت ان الحوار قد انتهى واصبح في ذمة التاريخ
    ومن اراد ان يتحدث حوله عليه ان يعود اليه كاملا
    فهو مبثوث في بوستات كثيرة
    كما ان له خلفية سابقة مهمة اشارت اليها الاستاذة نجاة وهو بوست البنيوية
    واعتقد اننا وصلنا-على الاقل مع الاستاذة نجاة- الى خطوط اتفاق اساسية حول مركزية الحداثة وانها لا تتجزأ
    وساعود الى ذلك في مكانه
    وفي انتظارك كي تمايلني-وهذه من اشتقاقات بشرى المبدعة-بخصوص الموضوع اياه
    محبتي للجميع

    وارجو ان اعود لاكمال مساهمتي حول جدارية وحول ما قال به صديقنا في بلد النبيذ الكاليفورني
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-12-2005, 08:59 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: osama elkhawad)

    هاجر بوست لاهوت الوردة,
    و للدقة نقول مساهمة لطيف حول الحداثة الى منبر الحوار الديمقراطي,
    ولمزيد من التوثيق نورد ما قلناه في نقاشاتنا الاخرى
    أورد أدناه مساهمة لطيف في لا هوت الوردة
    وهي جاءت بناء على انتقادي لموقف لطيف مما يدور في البورد من اتهامات قال بها الفيا والدكتور بشرى الفاضل
    وقلت الدكتور بشرى ,
    كي اشير الى تناقض موقفه الاكاديمي مع موقفه تجاه كل تيارات النقد الحديثة
    وهذا رد مبطن على اتهامات بشرى لنا باالغموض
    وعلى ما يقوم به الفيا ,
    وقد دعمه بشرى في ذلك,
    وهذا ما يدل على ان توصيفنا له بالمتأكدم اقل مما ينبغي أن يوصف به
    و الوحيد القادر على نحت وصف يشابه موقفه الذي لا يتناسب مع مساهته في الخطاب القصصي السوداني المعاصر
    الوحيد الذي يمكن له ان ينحت ذلك هو حسن موسى
    احب ان اقول ان ما قالا به او قالت به نجاة وبولا حول المتاكدم,
    وانه اشتقاق وليس نحتا لغويا
    انه صحيح واعتذر عن ذلك

    وهذا ما قال به لطيف في رده المبطن على كلام الفيا وبشرى الفاضل:

    الحداثة ، عزيزي أسامة ، ليست بـ(فتنـة) . و إن كان الذين لا يشتغلون عليها يرونهاعند الذين يشتغلون بها سواء هنا أو في الثقافة الأطلسية نوعاً من ( الفتون )/ الكلمة التي رسيلتها من الشارع ( نوعاً من الشلاقة ) / . الحداثة في التفكير ، و التفكير ليس شيئاً سوى تفسير ، تتطلب التراكم لا الانقسام في إما / أو .

    عزيزي أسامة ، نشهد الآن هذه الانكفاءة في انعزال الثقافة العربية من بقية جميع ثقافات العالم لانعدام الديمقراطية و تزايد الهوس . أول علامات تزايد الهوس هو تزايد هوس الخوف . الخوف من التراث ، الخوف من الدين نفسه ، الخوف من الغرب ، الخوف من مواجهة هذا الانقطاع الذي تم منذ حريق مكتبة الاسكندرية . يحيط بنا الخوف ، عزيزي أسامة . و أول صديق للحداثة هو انعدام الخوف . الحداثة ليست شيئاً يمكن أن تمسكه من الوسط . لأن الذين لا يشتغلون بالحداثة شغل تراكم و تطبيق ما إن أمسكوها من الوسط حتى تبدت لهم نوعاً من هراء أو لغط قول . في القريب الأدنى كان السرد أدباً من الدرجة الثانية في الثقافة العربية . و في العشرينات كانت الصحافة السودانية الأدبية تكافيء من يكتب على نمط الشعر الجاهلي في عناصر القصيدة من ناقة و صحراء و أطلال . و ما خالف ذلك فهو جديد لا أصل له . فجاء الشاعر حمزة الملك طمبل ينشر قصائد أسماها قصائد سودانية في الروح و الطبيعة و العناصر فهوجم هجوماً شرساً في كونه شاعراً لا تراث له ، فرد عليهم بالسؤال الحاسم : على أية أنقاض تراث قام بناء خزان سنار ؟ .

    منذ أن انقطعت الثيولوجيا الإسلامية التي كانت تُسمى في عصرها بـ(علم الكلام) انقطع حال ترتيبنا بالآخر . كان الآخر في نصوصه الاغريقية الآتية عبر السريانية نسميه (النص الدستور) . الآخر أصبح غريباً اليوم ، و نضحك على أي نحت جديد في لغتنا . نحن لا شيء عزيزي أسامة اليوم لأننا لا نعرف تراثنا لأننا نجتر أكثر عوائق التراث نفسه ، و لأننا لا نعرف الآخر الذي يعاصرنا .

    فالحداثة هي الخروج من هذا ( اللاشيء ) الذي أصبح يتنفس و يأخذ ملامحه من ملامحنا . و حين ننقده يعتبر كثير منا إنما ننقد أنفسنا . فهو توأمنا في ملامحه و صوته . و الوحيدون الذين يفرقون بين التوأمين هم الذين يشتغلون بالحداثة .

    عزيزي أسامة ، الحداثة لا ضـدَّ لها . و لا مكان لها . الذين لا يشتغلون عليها لا يقدمون شيئاً ذا ملامح منه يقولون هذا شغلنا . الذين لا يشتغلون عليها شغلهم هو مسخها أو اتهامها بالالتواء و الغموض .

    رغم أن الغموض شيء ـ عزيزي أسامة ـ لا مكان له في معجم الثقافة ناهيك أن يكون في معجم الحداثة .

    مردود مقولة (أبو تمام ) حين قيل له لماذا تقول ما لا يفهم ، فقال لماذا لا تفهم ما يقال ـ مردود لا ينفع هنا ، أو الحادثة الفعلية التي حدثت له حين قال في بيت له (لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي ) فجاءه رجل ضد الحداثة يدق عليه الباب و حين فتح أبوتمام بابه بادره قائلا مادا له وعاءً : أريد قليلا من ماء الملام . فرد أبوتمام سآتيك به ولكن شرط أن تأتني بريشة من جناح الذل . ردا أبي تمام لا ينفعان هنا . لأن الحداثة الآن شبكة من الأفكار و تداخل العلوم بعضها ببعض و ليست وقفاً على مقارعة الحجة بالحجة . كما و أنها في تراكم متواصل سريع ينبني بعضه ببعض . ليست هي قطار تركبه من أي محطة . إنها لا تشبه فكرة القطار في محطاته ؛ إنها القطار منذ الصناعة الأولى حتى الآن .

    فقراءة س في الحداثة تتطلب قراءة ص و ك و ب الخ الشبكة المتداخلة بعضها ببعض . الحداثة بناء متكامل و حب لذهنية لا تعرف التجزء إما/أو .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2005, 00:27 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: osama elkhawad)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2005, 01:12 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: عبد الحميد البرنس)

    وكذلك لمقولة المشاء
    Quote: سابدا بوستاتي الارتدادية بايراد موقف بشرى الفاضل من سودان للجميع
    فقد قلت انني سانسحب من البورد في سودانيزاونلاين والتحق بسودان للجميع
    ولم يحدث ذلك لظروف تعرفها جيد ا الاستاذة نجاة محمد علي
    فقد قامت بحذف بوستين شعريين لي بناء على عقلية القبضة الحديدية التي تدير به بها منبر الحوار الديمقراطي,
    وساعود الى ذلك في وقت لاحق

    وهذا ما قاله بشرى الفاضل حينما قلت انني ساذهب نهائيا "خروج بدون عودة":

    اقتباس:
    انت ذكرت في غير هذا البوست انك من النخب وانك تستند إلى المجذوب في قوله ان المبدعين قبيلته
    هذا لك يا ا بن الخواض
    اما انا فساستند على قول آخر للمجذوب في التاسيس لبقائي بهذا البورد فالمجذوب ايضا قال
    مع المساكين أبقى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2005, 09:06 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: عبد الحميد البرنس)

    الاصدقاء تحت السقف
    عزيزي الخواض

    مجلة صباح صدرت لاول مرة سنة تسعة وتمنين..

    يبدو انك تعرفها تماما..
    المهم
    حامدك بتفاصيل اوفي..
    علي بوست خاص بالمجلة...

    و شكلو حيكون علي سودان فور اول..
    لانو اتراسلنا ان و تجاة محمد علي بخصوص نفس الموضوع..




    وافتح الايمايل بتاعك في الياهو..
    لاني رسلت ليك بخصوص موضوع تاني..




    عبد الحميد:
    انا بانتظارك....











    مع محبتي...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-12-2005, 09:38 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: mazin mustafa)

    تصويب:
    سنة ستة وتمانين...(سنة الصدور)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-12-2005, 02:13 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: mazin mustafa)

    شكرا مازن على التوضيح
    وساعود ,
    ولكن ما قبل يوم الثلاثاء,
    عشان كدا لم اواصل نقاشي في سودان للجميع
    محبتي للجميع
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-12-2005, 03:00 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هجرة لاهوت الوردة الى منبر الحوار الديمقراطي في سودان للجميع (Re: osama elkhawad)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2005, 07:33 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مقدمة حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: mazin mustafa)

    شكرا مازن على استجابتك لندائنا بان يظل البوست مرفوعا لانشغالي بنقاشي مع بولا ونجاة وعثمان حامد
    وهذا قد يطرح تساؤلا حول التوفيق بين النقاشات الاسفيرية وهي نقاشات دائرية في معظم الاحيان,وبين الالتفات الى المساهمات التي تحتاج فعلا الى زمن للتحضير والكتابة النهائية
    ولذلك امل ان ياتي المشاركون بمساهماتهم وتعليقاتهم حتى عودتي لمواصلة ما انقطع,
    ويبدو ان المتابعات والمتابعين في انتظاري لاكمال كلامي حول جدارية ودرويش وخطابه,
    حتى يعودوا بمداخلاتهم
    لكن المهم دي الظروف
    وسناتي لايراد حوار لنج مع درويش اجراه الشاعر والصحافي اللبناني :
    عبدة وازن في الحياة
    وهنا مقدمة الحوار:
    لم يعد قادراً على قراءة معظم شعر الرواد ومرضه الحنين الى بيروت... محمود درويش لـ"الحياة": نفتقد عرفات لكننا لا نريد عرفات آخر
    عمان - عبده وازن الحياة - 10/12/05//

    يختلط البعد الذاتي بالبعد الجماعي في شخصية محمود درويش حتى ليغدو مستحيلاً الفصل بينهما. هذا الشاعر الذي يمثل الضمير الحيّ لفلسطين وشعبها، هو أيضاً ذاكرة الحياة الملحمية التي عاشها الفلسطينيون، والمخيلة التي ترنو الى مستقبل قد لا يكون ناصعاً جداً.

    قدر هذا الشاعر ان يتحمّل وطأة القضية من غير ان ينوء بها، وقدر القضية ان يكون محمود درويش شاعرها الذي عرف كيف يفتح أمامها آفاق المستحيل. خرج الشاعر في مقتبل عمره من فلسطين المحتلة الى المنفى الكبير، وعاد بعد ثلاثين سنة من المنفى الكبير الى فلسطين التي لم يجدها، بل وجد جزءاً منها، جزءاً ما برح محاصراً بالخوف والقلق: «الطريق الى البيت بات اجمل من البيت الذي لم أجده بعد عودتي»، يقول محمود درويش لـ «الحياة». (نص الحوار كاملاً).

    ولا غرابة ان يصف ما تبقى من فلسطين بـ «السجن» القائم على الانقاض. ويقول: «لا أستطيع ان أتكلم عن فلسطين الآن إلا بكثير من الإحباط». انها العودة التي رسمها اتفاق أوسلو، هذا الاتفاق الذي كان محمود درويش من اوائل الذين تشاءموا منه. كان حدسه حينذاك مصيباً جداً. ففي رأيه ان منظمة التحرير تعجلت في توقيع هذا الاتفاق، ولو عرفت مدى حاجة اسرائيل الى اتفاق معها لتفتح ابوابها على العالم العربي، لكانت المكافأة الفلسطينية أكبر. كانت اسرائيل في حاجة حينذاك الى الفلسطينيين ليكونوا حراس «البوابة» المفتوحة على العرب. لكن الاتفاق سرعان ما حوّل ما تبقى من الارض «سجناً كبيراً» كما يقول الشاعر. أما عن ياسر عرفات الذي يعتبره رمزاً وطنياً فيقول: «نفتقد عرفات لكننا لا نريد عرفات آخر».

    ويرى درويش ان الفلسطينيين لم يبق امامهم سوى خيارين: «إما الحياة وإما الحياة». لكنهما حياتان في منفى داخلي واحد، وعلى ارض واحدة. عاد محمود درويش الى فلسطين لكنه لم يجدها. فلسطين في القصائد اجمل من فلسطين الراهنة. لم يجد ايضاً بيته. وجد امه التي ما برحت تعدّه الابن الأحب لأنه كان دوماً الابن الغائب. لكنّ الشاعر لم يشأ ان يواصل الحياة في المنفى الكبير، الذي لا بيت فيه ولا عتبة ولا نافذة يطلّ منها على سماء الذكريات. شاء الشاعر ان يعود الى رام الله ليحيا حياة تشبه الحياة، حياة هي وهم حياة. ولم يشأ ايضاً ان يبتعد عنها عندما يخرج منها، عائداً الى نفسه، الى وحدته والى أوراقه البيض. اختار عمّان للاقامة الموازية ولأنها على قاب قوسين من رام الله.

    القضية الفلسطينية الآن أصبحت أعمق من قبل في شعر محمود درويش وفي حياته، صارت هي الظل الذي يتخلل القصائد ويقول في هذا الصدد: «انا شاعر فلسطيني، لكنني أرفض أن أُحصر بصفتي شاعر القضية».

    وكلما ابتعد عنها ازداد اقتراباً منها. لقد تحرر منها ليحررها من الخطابة والصراخ اللذين لم يجديا. والشاعر الذي رفع القضية الى المرتبة الملحمية، مبتدعاً بالشعر اكثر من ارض، بات شاعر الوجود، شاعر الموت والحياة، شاعرالرؤيا والماوراء. يقول درويش: «أرفض مفهوم التكريس الشعري لأنني على قلق دائم». وعن الحداثة: «لا أدري لماذا يحصر العرب الحداثة في الشعر فقط»، مضيفاً: «لا أعرف إن كنتُ أُدرج داخل الحداثة ام خارجها». أما الشعراء الرواد فيقول عنهم انه لم يعد «قادراً على قراءة معظم شعرهم». ويرى انه لا يقرأ نزار قباني الآن بـ «البهجة» التي كان يقرأه بها من قبل.

    للمرة الاولى، يكشف محمود درويش الكثير من أوراقه، بل من اسراره وخفاياه التي تصنع شخصيته وحياته وعالمه الشعري، وذلك في حوار شامل أجرته معه «الحياة»، وتنشره على حلقات بدءاً من اليوم بين محمود درويش الشاعر ومحمود درويش السياسي خط ضئيل، الواحد يكمّل الآخر، والاثنان يكمّلان رسالتهما الواحدة، بل مهمتهما الواحدة، من غير تناقض او تنافر. لكنه يتحدث عن انتخابه عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بشيء من الأسى قائلاً: «من حسنات اتفاق اوسلو انه أتاح لي الفرصة للاستقالة من اللجنة التنفيذية». والصخب الذي طالما عمّ حياة السياسي، يشبه كثيراً الصمت او الهدوء اللذين يعمّان حياة الشاعر، حياته الاخرى، شبه المجهولة. فالشاعر استطاع ان يرفع السياسة الى مصاف الابداع، والسياسي أمدّ الشعر بذلك الوعي الحادّ والمعرفة المتوقدة.

    ويتحدث عن المدن التي عرفها خلال منفاه، معتبراً ان لديه «مرض الحنين الى بيروت» التي عاش فيها تجربة الحصار الإسرائيلي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2005, 07:45 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الحلقة الأولى من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: osama elkhawad)

    يفتح دفاتره في حوار شامل حول الشعر والحداثة وقصيدة النثر ... (1) ... محمود درويش لـ «الحياة»: لا أنظر الى ماضيّ برضا ولو أتيح لي لحذفت نصف أعمالي القصيدة السياسية لا تعني لي اليوم أكثر من خطبة وأرفض حصري بشعر القضية
    عبده وازن الحياة - 10/12/05//
    تحار من أين تبدأ الحوار مع محمود درويش. أتبدأ من شعره الذي يشغل المعترك الشعري العربي الراهن، بأسئلته وقضاياه، أم من السياسة التي مارسها وكأنها فعل إبداعي؟ أم من تقاطع الذاكرة الخاصة مع الذاكرة العامة أو الوجدان الذاتي مع الوجدان الشعبي؟

    لا يحتاج الحوار مع محمود درويش الى ذريعة. تاريخ هذا الشاعر هو أكثر من تاريخ وحاضره أكثر من حاضر. هو الآن أكثر الشعراء العرب رواجاً وانتشاراً، لكنه في الوقت نفسه من أشد الشعراء انطواء على أنفسهم وإصغاء الى صمتهم الداخلي. هذا الشاعر «الجماهيري» هو شاعر حديث جداً وطليعي وذو نزعة اختبارية. أمسياته التي تجذب دوماً جمهوراً غير متوقع، في عاصمة عربية وأخرى، تدل على قدرة قصائده على اختراق الذاكرة والمخيلة معاً. لكن الشاعر، عوض أن يستسلم لجمهوره الكبير يرتقي به الى مصاف التلقي الحقيقي. فالتصفيق المدوي تظل تردده الصالة الكبيرة، لكن الشعر وحده هو الذي يفعل فعله. وربما لم يُؤتَ لشاعر أن يكون جماهيرياً ونخبوياً في آنٍ واحد، وأن يكون قريباً من قرائه وبعيداً منهم، مثلما أوتي لمحمود درويش. هذا الشاعر التراجيدي المنبت استطاع أن يكون شاغل الناس وشاغل الشعراء والنقاد والقراء على اختلاف أمزجتهم. لا يحب محمود درويش كلمة «جمهور» أو «جماهير»، يفضل كلمة قارئ أو قراء. هذا ما بات واضحاً الآن تمام الوضوح. يحس الشاعر انه يكتب لنفسه مثلما يكتب لقارئه. انها المعادلة الصعبة التي حققها محمود درويش، صانعاً من الشعر ذاكرته وذاكرة قرائه، ذاكرته وذاكرة الأرض المجروحة. ولئن كان ولا يزال شاعر القضية فهو نجح في تحمل عبء هذه الصفة أو الكناية من غير أن يتخلى عنها لحظة. بل هو عمّق هذه الصفة حتى أضحت مغروسة في تراب الماضي - الحاضر. انه الشاعر أولاً وأخيراً وربما الشاعر فقط، سارق النار ومضرمها، الشاعر السري المتجذر في أرض الحلم والمنفتح على شمس الرؤيا. الشاعر الذي جعل من مأساته التي هي مأساة أرضه، ملحمة تراجيدية، تمتزج فيها النبرة الغنائية العالية والصوت الانساني الخافت.

    حياة صاخبة، شعراً وسياسة وأمسيات وأضواء، تقابلها حياة هادئة جداً مفعمة بالصمت والتأمل.

    عندما دخلت بيت محمود درويش في عمان، فوجئت بالهدوء الذي يرين عليه، وبالصمت الذي يحياه هذا الشاعر – الرمز. وحين سألته عن المصعد المعطل في البناء، استغرب، واستغربت أكثر عندما قال لي انه لم يخرج من البيت منذ ثلاثة أيام. يعيش محمود درويش وحيداً بين بيته في عمان وبيته في رام الله. هذه الوحدة لا تكسرها سوى الخادمة الفيليبينية التي تقصده ظهر كل يوم لتنهي الواجبات المنزلية وتغادر. إلا ان بيت الشاعر ليس بارداً ولا خاوياً مثل بيوت العازبين عادة. ثمة ضوء في هذا المنزل ولو كانت الشبابيك مغلقة، وثمة دفء روحي وطمأنينة. مع ان الشاعر الكامن في أعماق محمود درويش لا يعرف الاطمئنان ولا السكينة. شاعر قلق، لا يضع المفتاح في قفل الباب عندما يستسلم للنوم ليلاً. وكي يبدأ نهاره يحتاج الى المزيد من الوقت. الصباح المتأخر قليلاً هو إما للكتابة أو للقراءة. أما النهار فيبدأ بعد الظهيرة.

    لا ذريعة لمحاورة محمود درويش وإن صدرت قبل أيام أعماله الكاملة في أربعة مجلدات، وفي طبعة هي الثامنة عشرة. وقبلها صدر ديوانه البديع «كزهر اللوز أو أبعد» وفيه تتجلى تجربته الفريدة التي وضعته في مقدم الشعراء المحدثين والجدد والباحثين عن معادلة شعرية جديدة، وعن لغة مجهولة وجماليات ملؤها الدهشة. وقبل هذا الديوان كانت صدرت أيضاً أعماله «الجديدة» في مجلد خاص (دار رياض الريس).

    يظل محمود درويش متجدداً باستمرار، والحوار معه أشبه بالرحلة الى عالم ملتبس بين الواقع والتاريخ والحلم والجمال... وها هو يفتح «دفاتره» لـ «الحياة».


    > الآن مع صدور مجموعتك الكاملة للمرة الثامنة عشرة كيف ترى إليها؟ ما الذي تحبه فيها وما الذي تكرهه؟ كيف تنظر الى البدايات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الفلسطينية؟

    - حين اضطر الى قراءة أعمالي الأولى من أجل تصحيح الأخطاء الطباعية استعداداً لطبعة جديدة، وليس من قبيل مراقبة تطوّري أو مراقبة ماضيّ الشعري، أشعر بكثير من الحرج. أي انني لا أنظر الى ماضيّ برضا، وأتمنى عندما أقرأ هذه الأعمال، ألا أكون قد نشرتها كلها، أو ألا أكون نشرت جزءاً كبيراً منها. لكنّ هذه مسألة لم تعد منوطة بي، انها جزء من تراثي. لكن تطوري الشعري تم من خلال هذا التراكم وليس من خلال القفز في الفراغ. لذلك عليّ أن أقبل بطاقة الهوية هذه كما هي، وليس من حقي اجراء تعديلات إلا بقدر المستطاع، أي تعديلات على بعض الجمل وعلى بعض الفقرات أو حذف بعض الأسطر، من منظور الاعتبار الجمالي وليس من أي منظور آخر. ولو أتيح لي لكنت دائم التنقيح في أعمالي. ولكن لو أتيح لي أيضاً أن أحذف لكنت ربما حذفت أكثر من نصف أعمالي. لكن هذا الأمر ليس في يدي وليس من حقي على ما يبدو. هذا أنا في مراهقتي الشعرية وفي صباي وفي شيخوختي، أنا كما أنا. وأعتقد أن كل شاعر لديه حاسة نقد ذاتية، ينظر النظرة نفسها الى أعماله. وأريد أن أقول هنا إن الشعراء يولدون في طريقتين: بعضهم يولد دفعة واحدة، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك. ففي التراث العربي مثلاً عندنا طرفة بن العبد وفي التراث العالمي هناك رامبو. ثم هناك شعراء يولدون «بالتقسيط» وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة. وأرى أن مشكلة الولادة في دفعة واحدة عمرها قصير.


    > هناك ظاهرة عجائبية في مثل هذه الولادات!

    - هناك عبقرية خاصة وربما مأسوية. فالشاعر الذي يولد دفعة واحدة لا يستطيع أن يواصل عمره الشعري. أما الشعراء الذين يولدون على مهل فتتاح لهم فرصة من التجربة والكتابة لا تتاح لمن يصبّون تجربتهم في دفعة واحدة، ويصمتون مثلما فعل رامبو. هذا السؤال صعب أصلاً على كل شاعر يستطيع أن يكتب شعراً في العشرينات، ولكن هل يستطيع كل شاعر أن يكتب بعد الستين؟ هذا هو السؤال الصعب.


    > ولكن هناك أمثلة متضاربة في هذه القضية!

    - كل شاعر يملك جواباً خاصاً أو ربما هو يملك حظاً خاصاً. وأعتقد ان الحظ في آخر الأمر هو الذي يلعب دوراً في نشأة الشاعر، وفي قدرته على التطور. ولكن قبل الحظ هناك انتباه الشاعر الى عيوبه الشعرية، انتباه الشاعر الى مأزقه الشعري. وكل شاعر يحل مأزقه في طريقته الخاصة، ولكن ليس التكرار هو أفضل الطرق، أي تكرار ما قاله الشاعر أو كتابة تنويعات على ما كان كتب من شعر.


    > ما رأيك بالمبادرة التي يقوم بها شعراء بحذف شعرهم الأول وانكاره؟ وهذا ما قام به مثلاً الفرنسي رينه شار أو الشاعر أدونيس؟ هل أخفيت أنت قصائد أولى، لك وخصوصاً عندما كنت في فلسطين؟

    - أنا لم أنشر في كتب كل ما كتبت من شعر. بعضه نشر في الصحافة، وبعضه لم ينشر. مجموعتي الشعرية الأولى حذفتها كلياً ولا أعترف بها البتة وكانت صدرت في فلسطين أيام الفتوّة. وهي عبارة عن قصائد مراهقة شخصية وشعرية. وأنا أتمنى أن أواصل الحذف. هذه هي المسألة الشائكة. حتى في مرحلتي الراهنة، كتبت قصائد عدة لم أدرجها في مجموعاتي الشعرية. نشرتها في الصحف ولكنني لم أضمّنها كتبي. من حق الشاعر أن يحذف ما يشاء من شعره. لكن السؤال هو: هل رأيه هو الصواب أم لا؟ هناك رأي القارئ أيضاً.


    > بودلير يتحدّث دوماً عن الناقد الكامن في الشاعر والذي يوجهه!

    - صحيح. ولكن قد يؤثر الشاعر نصاً له على آخر، وقد لا يشاركه القارئ هذا الإيثار بل قد يخالفه فيه.


    > ما كان عنوان مجموعتك الأولى التي أسقطتها من أعمالك؟

    - كان عنوانها «عصافير بلا أجنحة».


    «سجّل أنا عربي»


    > ماذا تعني لك اليوم قصائد راسخة في ذاكرة الجمهور مثل «سجّل أنا عربي» و «جواز السفر» بعدما اجتزت ما اجتزت من مراحل شعرية؟

    - هذا النوع من الشعر كتبته تلبية للنداءات الداخلية والخارجية. كان سؤال الهوية هو السؤال الملح في شبابي الشعري أو صباي. وهو ما زال مطروحاً حتى الآن، ولكن في طرق مختلفة، وفي أشكال تعبير مختلفة. كانت ظروف الحياة هناك تقتضي ربما مثل هذه المخاطبة المباشرة. هذا أولاً. ثانياً أصبحت هذه القصائد جزءاً من ذاكرة جماعية لا أستطيع أن أتحكم بها أو أتصرف في شأنها. إنها لم تعد ملكي أبداً. وهي ساهمت أيضاً في انتشاري شعرياً. ويجب ألا أكون مجحفاً أو ناكراً للجميل في حق هذا النوع من الشعر. هذا إذاً ساهم في شق الطريق أمامي، وفي تمهيدها لكي أضيف تجارب شعرية جديدة ومختلفة عما سبقها، من حيث التناول الشعري واللغة الشعرية والاسلوبية. لكن التأسيس الذي تم في العلاقة بين القارئ وبيني أذن لي في أن أتتطور، وأتاح للقارئ أن يقبل هذا التطور. فنحن نكبر معاً، أنا وقارئي.


    > ماذا باتت تعني لك القصيدة السياسية؟

    - القصيدة السياسية اليوم لا تعني لي أكثر من خطبة، قد تكون جميلة أو غير جميلة. إنها تخلو من الشعرية أكثر من القصيدة التي تحرص على أن تنتبه لدورها الإبداعي ودورها الاجتماعي. أي على الشاعر أن ينتبه الى مهنته وليس فقط الى دوره. القصيدة السياسية استنفدت أغراضها في رأيي، إلا في حالات الطوارئ الكبرى. ربما أصرخ غداً غضباً، تعبيراً عن أمر ما، ولكن لم تعد القصيدة السياسية جزءاً من فهمي المختلف للشعر. أعتقد إنني الآن في مرحلة، أحاول فيها أن أنظف القصيدة مما ليس شعراً إذا أمكن التعبير. ولكن وما هو الشعري وما هو غير الشعري؟ هذه مسألة أيضاً. السياسة لا يمكنها أن تغيب تماماً من هوامش القصيدة أو خلاياها. لكن السؤال هو كيف نعبر عن هذه السياسة. كل انسان فينا مسكون بهاجس سياسي، ولا يستطيع أي كاتب في أي منطقة من العالم أن يقول: أنا نظيف من السياسة. فالسياسة هي شكل من أشكال الصراع، صراع البقاء وصراع الحياة. ومن طبيعة الأمور أن يكون هناك سياسة. والسؤال هو: هل تكون القصيدة سياسية أم ان عليها أن تحمل في كينونتها بعداً سياسياً؟ أو هل هناك إمكان لتأويل سياسي للنص الشعري أم لا؟ اما أن تكون القصيدة عبارة عن خطاب مباشر بتعابير مستهلكة ومستنفدة وعادية فهذا لم يعد يعني لي شيئاً.


    > ما رأيك بظاهرة الشعر السياسي الجديد الذي يكتبه شعراء جدد عرب أو في العالم أو الذي كتبه شعراء مثل ريتسوس وغينسبرغ وجيل «البيت» جنريشين وقد أعادوا النظر في القصيدة السياسية وفي الواقعية؟

    - ريتسوس يجب أن نميزه عن الآخرين.


    > لكنه كتب قصائد سياسية عبر لغة مختلفة.

    - حاول ريتسوس أن يكتب اليومي، لكنّ هذا اليومي الذي يبدو لنا عادياً يخبّئ بعداً اسطورياً ما. ولعل القصيدة التي تسمى يومية لدى ريتسوس ليست قصيدة يومية، ففي هذا «اليومي» بُعد أسطوري وميتافيزيقي. أما في شأن ألن غينسبرغ وبعض الشعراء الأميركيين فهم يكتبون شعراً سياسياً في المعنى المباشر للكلمة. لكن الشعر الغربي والأميركي مشبع بالجماليات، وقد انتهى البحث في هذا الموضوع، الموضوع الجمالي. وحاول الشعراء أن يعودوا الى ما هو مختلف، محاولين أن يجعلوا الشعر يمارس دوراً سياسياً واجتماعياً، على خلافنا نحن. فنحن خارجون من تراث شعري سياسي مباشر في محاولة لتطوير هذا الشعر ورفعه الى مستوى جمالي أفضل. والطريقان متعاكسان ومختلفان. ربما عندما تبلغ الجمالية العربية مستوى أرقى بكثير، قد نحنّ الى أن نهجو الواقع، في المعنى السياسي، في معنى الاحتجاج والرفض. وشعر الاحتجاج أصلاً لم ينته في العالم، ولكن هل يحتج الشعر بكونه شعراً أم بكونه كلاماً أو موقفاً؟


    > ماذا بات يعني لك وصفك بشاعر القضية أو شاعر المقاومة وفلسطين؟

    - المسألة لا تتعلّق بي ولا أستطيع أن احتج إلا على محاولة محاصرتي في نمطية معينة. هذه التسميات بعضها بريء، وينطلق من حب القضية الفلسطينية وحب الشعب الفلسطيني، وبعضها نوع من اضفاء الاحترام والتشريف على القول الشعري المتعلق بالقضية. لكن الرأي النقدي هو أخبث من ذلك. الرأي النقدي يحاول أن يجرّد الشاعر الفلسطيني من شعريته ليبقيه معبّراً عما يسمى مدونات القضية الفلسطينية. هناك طبعاً اختلاف جوهري كبير بين النظرتين: نظرة بريئة ونظرة خبيثة. طبعاً أنا فلسطيني وشاعر فلسطيني، ولكن لا أستطيع أن أقبل بأن أعرّف بأنني شاعر القضية الفلسطينية فقط، وبأن يدرج شعري في سياق الكلام عن القضية فقط وكأنني مؤرّخ بالشعر لهذه القضية.


    الشاعر - الرمز


    > ولكن شئت أم أبيت أنت الشاعر - الرمز!

    - كل شاعر يتمنى أن يكون صوته الخاص معبّراً عن صوت عام أو جماعي. قلائل هم الشعراء الذين يلتقي داخلهم بخارجهم في طريقة تخلق التباساً بين رمزية الشاعر وشعريته. لكنني لم أسع شخصياً الى ذلك. ربما هو الحظ الذي وفّر لي هذه المكانة. اما ان أسعى الى أن أكون رمزاً وأحرص على أن أكون رمزاً، فأنا لا أريد ذلك، أريد أن ينظر إليّ من دون أن أُحمّل أعباء رمزية مبالغاً فيها، ولكن يشرّفني أن ينظر الى صوتي الشخصي وكأنه أكثر من صوت، أو أن «أناي» الشعري لا تمثل ذاتي فقط وإنما الذات الجماعية أيضاً. كل شاعر يتمنى أن يصل شعره الى مدى أوسع. وأنا لا أصدّق الشعراء الذين يحددون القيمة الشعرية من خلال عزلتهم عن القراء. أنا لا أقيس أهمية الشعر بمدى انتشاره ولا بمدى انعزاله.

    ولكن أن تتحقق المسألتان أي الانتشار مع الجودة الشعرية، فهذا ما يتمناه أي شاعر، وإلا لماذا يقرأ الشعراء شعرهم في الأمسيات؟ لماذا يطبعون دواوينهم إذا كان القارئ لا يهمهم؟


    > تجاوزت الستين لكنك تزداد نضارة شعرية.

    - سرّي بسيط جداً.


    > لا أشعر بأنه بسيط.

    - بسيط في كلامي العام عنه وليس في المعنى الشعري. أولاً أنا لا أصدق شعري. وأشعر بأنني في حاجة الى لغة شعرية تعبيرية تحقق الشعرية في القصيدة في شكل يجعلها أكثر شعرية إذا أمكن. أي انني أحاول أن أخفف من ضغط اللحظة التاريخية على جمالية الشعر، من دون أن أتخلّى عن الشرط التاريخي. السر الثاني انني لا أصدق التصفيق. فأنا أعرف انه عابر أو آني، وقابل للتغيير والتعديل وللاعتذار أيضاً وللتمرّد على الشعر. انني مسكون بهاجس هو عدو كتابتي حتى الآن ما أريد أن أكتبه. تسألني: ما الذي تودّ أن تكتبه؟ فأقول لك: لا أعرف. إن رحلتي هي الى المجهول الشعري بحثاً عن قصيدة ذات قدرة على أن تخترق زمنها التاريخي وتحقق شرط حياتها في زمن آخر. هذا ما أسعى إليه، ولكن كيف أعرّف بهذه المسألة؟ هنا أيضاً لا جواب نظرياً ولا فكرياً. الجواب هو جواب ابداعي. كل الاسئلة حول الشعر لا تقنعنا إلا اذا تحققت شعرياً أو في الكتابة الشعرية. فأنا دائم القلق وهذا سرّي، ومتمرّد على نفسي. وأقول لك إنني لا أقرأ شعري بيني وبين نفسي، لا أقرأه البتة، فلا أعرف ما كتبت. لكن كل ديوان لي أعيد قراءته قبل طباعته عشرات المرات وأنقحه عشرات المرات، الى أن أشعر بأنه أصبح قابلاً للنشر. وعندما يصدر الديوان أتحرر منه كلياً ويصبح ملك غيري، ملك النقد وملك القارئ. وهنا يكون السؤال الصعب: ماذا بعد؟ الآن أشعر بأنني خالي الوفاض كما يقال، ومسكون بقلق ربما يكون وجودياً. هل أستطيع أن أكتب من جديد، أم لا؟ دائماً عندما أصدر كتاباً أشعر بأنه الكتاب الأخير.


    > لكنني أشعر أن كل كتاب لديك يحمل معه بداية ما...

    - إذا كان رأيك هذا مصيباً فهو يفرحني.


    > أنت شاعر مراحل، وإذا عدنا الى أعمالك الكاملة نشعر بأن هناك محطات وأن كل محطة بداية...

    - أجل هناك مراحل ومحطات.


    > وأعتقد ان ثمة خيطاً داخلياً يربط بينها.

    - أجل، انها مراحل متصلة، ومن خلال مراقبتي لعملي الشعري ألاحظ أن في كل كتاب جديد تستطيع أن تجد بذرة كانت في كتاب سابق أو كتب سابقة. لكن البذرة هذه تجد إمكان تفتح، ورعايتها في طريقة جديدة تحوّلها نصاً جديداً. الشاعر يتوالد من تلقاء نفسه، من تلقاء تجربته ومن علاقته بالعالم وعلاقته بالوجود وبثقافته ومن وعيه الشعري، وكذلك لا وعيه الإبداعي. أما كيف يولد الشعر؟ أو ما هو الشعر؟ مثل هذه الأسئلة أشبه بالأسرار. فالشعر سر، والسر هو ما يجعل الشعر مستمراً. ليس هناك من اكتشاف شعري نهائي وكل كتابة هي محاولة إجراء تعديل على مفهوم عام للشعر. ولكن كل كتابة جديدة تملك اضافات ما، هي عبارة عن إعادة التعريف بالشعر.


    أنا شاعر غير مكرّس


    > صفتك شاعراً مكرّساً وصاحب سلطة شعرية، هل أثرت عليك؟ ماذا تعني لك هذه الصفة؟

    - إذا كنت شاعراً مكرّساً، فأنا مكرّس في الحياة الثقافية أو لدى القارئ. ولكن في العلاقة بيني وبين نفسي لست مكرّساً. أنا لم أكرّس نفسي حتى الآن. وقد يبدو هذا الكلام ادعاء للتواضع، ولكن هذه حقيقة ما أشعر به. أنا لم أكرّس نفسي في معنى إنني لم أطمئن الى تجربتي الشعرية، لم أطمئن اليها أبداً، وما زلت أعتقد بأنها في حاجة الى تجربة وتجريب جديدين، والى تطوير دائم والى التمرد على ما نسميه الانجاز الراهن. أنا لست راضياً عن نفسي أو لست أشارك الآخرين في المكانة التي احتلها في الذائقة العامة أو الوعي العام.


    > هل تخشى أن تتوقف ذات يوم عن الكتابة؟

    - نعم.


    > هل أحسست هذه الخشية فعلاً؟

    - هذه خشية دائمة خصوصاً عندما أنهي عملاً جديداً. إنني دائم الخوف من هذه القضية. إنها بمثابة هاجس. وأعزّي نفسي بأنني عندما أشعر، أو عندما اعترف بجفاف الماء في تجربتي الشعرية أو في لغتي، أجد المناسبة حسنة لأكتب النثر. فأنا أحب النثر كثيراً.


    ظلمت نثري


    > لكنك لم تكتب قصيدة نثر مع انك كتبت الكثير من النثر؟

    - كتبت الكثير من النثر لكنني ظلمت نثري لأنني لم أمنحه صفة المشروع. أكتب نثراً على هامش الشعر أو أكتب فائضاً كتابياً أسميه نثراً. ولكن لم أُولِ النثر الأهمية التي يستحقها،. علماً انني من الشديدي الانحياز الى الكتابة النثرية. والنثر لا يقل أهمية عن الشعر. بل على العكس، قد يكون في النثر مساحة من الحرية أكثر من النثر. فإذا جفّ نصّي الشعري فقد ألجأ الى النثر وأمنحه وقتاً أكثر وأولية جدية أكثر. عندما كنت أكتب نثراً كنت أشعر أن النثر يسرق مني الشعر. فالنثر جذاب وسريع الانتشار، ويتحمّل أجناساً أدبية أكثر من الشعر. ويستطيع أن يهضم الشعر ويعطيه مساحة وحركة أكبر. وكنت عندما أكتب النثر انتبه الى انني نسيت القصيدة وأن عليّ أن أعود اليها. هكذا أكون بين النثر والشعر، لكنني معروف بأنني شاعر ولا أسمّى ناثراً.


    > لكنك لم تكتب قصيدة النثر، لماذا؟

    - ما دمت أكتب نثراً فأنا أكتب النثر، من دون أن أسميه قصيدة. لماذا ننظر الى النثر نظرة دونية ونقول انه أقل من الشعر؟ صحيح أن النثر يطمح الى الشعر والشعر يطمح الى النثر... يعجبني قول للشاعر باسترناك: "أجمل ما في القصيدة ذلك السطر الذي يبدو نثرياً". انني لا أريد أن أفرّق كثيراً بين الشعر والنثر، ولكن انطلاقاً من التجنيس الأدبي ما زلت أعطي للنثر اسمه وللشعر اسمه. لكن السؤال هو: كيف تتحقق الشعرية في قوام قصيدة؟ وأعتقد أن علينا أن نوقف النقاش حول الفارق أو الاختلاف أو الائتلاف أو الابتعاد أو الاقتراب بين قصيدة النثر والقصيدة. هذا السجال تجاوزه العالم. أما إذا سألتني عن رغبتي في كتابة قصيدة نثر فأرجو أن أكتب نصاً نثرياً من دون أن أسميه قصيدة نثر.


    > ولكن من الملاحظ في شعرك ولا سيما في المرحلة الأخيرة أن ثمة حواراً بين النثر والشعر، وقد عرفت تماماً كيف تستفيد من قصيدة النثر، لا سيما أنك شاعر تفعيلة، وقد استشهدت بجملة بديعة لأبي حيان التوحيدي في ديوانك الأخير "كزهر اللوز أو أبعد"! وما يميز القصيدة لديك هو هذا الفضاء الرحب، الفضاء النثري والموسيقى الداخلية القائمة على تناغم الحروف!

    - أولاً، أود أن أقول ان ليس لدي أي تحفظ على قصيدة النثر. والتهمة التي لاحقتني في انني ضد قصيدة النثر زمناً هي باطلة.

    قلت وأقول دائماً ان من الانجازات الشعرية المهمة في العالم العربي بروز قصيدة النثر، أي تأسيس طريقة كتابة مغايرة للشعر التقليدي والحداثة التقليدية. قصيدة النثر تريد أن تميز نفسها وتريد أن تطور أو أن تضيف نصاً مختلفاً عن القصيدة الكلاسيكية وعن القصيدة الحديثة التي صنعها جيل الرواد. هذا أولاً. ثانياً، أنا من المعجبين جداً بشعراء كثيرين يكتبون قصيدة النثر. وأقول دائماً إن هناك أزمة في ما يسمى قصيدة التفعيلة، وأنا أكره هذه التسمية، ولكن لا بديل لها. والأزمة أصلاً تكمن في الكتابتين.


    > الشعر العمودي أيضاً شهد أزمة.

    - لا بل انها الأزمة التي تشهدها الثقافة العربية في كل أبعادها. ولكن إذا أجرينا احصاء، اذا أردنا ان نختار عشر مجموعات شعرية صدرت في هذا العام أو عشرين، سنرى ان الكمية الكبرى أفضل هي لقصيدة النثر التي تحمل النوعية الفضلى. ولكن هذا يعني أن دور قصيدة التفعيلة انتهى أو انتهت قدرتها على استيعاب ايقاع الزمن الحديث! أو انها لم تعد قادرة على تطوير اللغة في طريقتها الخاصة! أنا من آخر المدافعين عن قدرة قصيدة التفعيلة على أن تستفيد من اقتراحات أو من تصورات قصيدة النثر ومشروعها، وأن تكتب الرؤيا الجديدة لقصيدة النثر كتابة موزونة. أنا من الشعراء الذين لا يفتخرون إلا بمدى إخلاصهم لإيقاع الشعر. انني أحب الموسيقى في الشعر. انني مشبع بجماليات الايقاع في الشعر العربي. ولا أستطيع أن أعبّر عن نفسي شعرياً إلا في الكتابة الشعرية الموزونة، ولكنها ليست موزونة في المعنى التقليدي. لا. ففي داخل الوزن نستطيع ان نشتق ايقاعات جديدة وطريقة تنفس شعرية جديدة تخرج الشعر من الرتابة ومن القرقعة الخارجية. لذلك فإن أحد أسباب خلافي مع بعض الأصدقاء من شعراء قصيدة النثر هو مصدر الايقاع الشعري، الموسيقى الداخلية. فهم يرون أن الموسيقى الداخلية لا تتأتى إلا من النثر، أما انا فأرى ان الموسيقى الداخلية تأتي من النثر ومن الايقاع أيضاً. وعلى العكس، فإن وضوح الايقاع الآتي من الوزن يطغى على الايقاع المنبثق من النثر. وأصلاً كل كتابة فيها ايقاع. في النثر إيقاع وفي الشعر إيقاع وفي الكلام اليومي والعادي ايقاع. إذاً الايقاع موجود. لكن الأمر هو: كيف نضبط هذا الايقاع وكيف نجعله مسموعاً أو حتى بصرياً. أعتقد أن ما زال في قدرة الوزن الشعري، إذا نظر اليه الشاعر في طريقة مختلفة وإذا عرف كيف يمزج بين السردية والغنائية والملحمية وكيف يستفيد حتى من النثرية العادية، ما زال في قدرته أن يحل بعض الصعوبات في البحث عن ايقاع شعري جديد. هذا هو عملي الشعري، أي ان أكتب الوزن كأنه يسرد وأكتب النثر كأنه يغني. هذه هي المعادلة، بل هذا هو الحوار بين الشعر والنثر.


    قصيدة التفعيلة وأزمتها


    > الموسيقى داخل القصيدة أقوى من الوزن الخارجي... ألا توافقني أن قصيدة التفعيلة تعاني أزمة؟

    - هناك مشكلة فعلاً. لكن المشكلة هذه تتعلق بالشعر نفسه وبالموهبة الشعرية والخبرة الشعرية. قصيدة التفعيلة تستمد شرعيتها الايقاعية من كونها كسراً للنظام التقليدي، ولكن عندما تقع في نظام تقليدي آخر تفقد شرعيتها. لذلك تستطيع هذه القصيدة أن تطور ايقاعاتها وبنيتها. مثلاً: أنا ليس لديّ سطر شعري، القصيدة لديّ تتحرك كلها مثل كتلة دائرية، إنها تتدوّر. القافية عندي أخفيها في أول الجملة أو في وسطها. إذاً هناك طريقة إصغاء الى اللغة، يجب أن تحرر الشاعر من الرتابة، وعلى الشاعر أن يعرف كيف يتمرّد على الرتابة الموسيقية. وأحياناً يكون هناك ايقاع عالٍ لا يُجمّل إلا برتابة ما. هناك تبادل إذاً، بين البعد الايقاعي والنثر.


    > لماذا قلت انك اذا واجهت أزمة شعرية ستخرج الى النثر. لماذا لم تقل انك ستخرج الى قصيدة النثر؟ لماذا ترفض مصطلح قصيدة النثر؟

    - لأنني عندها سأكتب شعراً. وقصيدة النثر هي شعر. صحيح أن هناك تزاوجاً أو لقاحاً بين النثر والشعر، وأن هناك جنساً أدبياً اسمه نثر وجنساً آخر اسمه شعر. وفي هذا الجنس هناك القصيدة الموزونة وهناك أيضاً قصيدة النثر. والنثر كجنس أمر آخر. إذا خرجت من الشعر سأخرج من الشعر كله. ربما جوابي هذا خطأ. لا أستطيع أن أعرف ما هو مستقبلي الشعري. لماذا أتجادل معك حول هذه النقطة؟ وأعترف ان ما أعمل عليه الآن هو نص نثري. بين يديّ الآن – فعلاً – نص نثري. وهذا ما اعترف به للمرة الأولى. اما أن أضع على مستقبلي قيداً يمنعني من كتابة قصيدة النثر فهذا جواب خاطئ أرجو أن تصححه. لكن النقاش الدائر حول أن مستقبل الشعر والحداثة الشعرية العربية لا يعرّفان إلا في قصيدة النثر فهذا كما أعتقد إجحاف حقاً. هذا استبداد فكري، وكذلك أن الموسيقى الداخلية لا تأتي إلا من النثر... أعتقد أن علينا أن نرفع الحدود بين كل هذه الخيارات الشعرية، لأن المشهد الشعري العربي الحقيقي لا يمكن النظر اليه إلا من زاوية المصالحة بين كل الخيارات الشعرية. ليس من حل نهائي لمسألة الشعر. الشعر غامض ولا محدود، وتبلغ لا محدوديته حداً اننا لا نعرف إزاءه أي كتابة هي الأصح. الكتابة الصحيحة في رأيي هي أن نجرّب وأن نسعى الى أن نخطئ. لأننا من دون أن نرتكب أخطاء لا نستطيع أن نتطور. لذلك أفضل دائماً التجريب غير المضمون النتائج على تقليد مضمون النتائج. وفي رأيي أيضاً أن لا شعر من دون مغامرة.



    غداً الحلقة الثانية من الحوار.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2005, 01:45 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: osama elkhawad)

    عبده وازن الحياة - 11/12/05//



    تحدث الشاعر محمود درويش أمس في الحلقة الأولى من هذا الحوار عن أعماله الكاملة وبداياته الشعرية وعن الرمز الذي يمثله كشاعر لا يمكن حصره ضمن قضيته فقط. وتناول مراحله الشعرية المختلفة ومفهومه للإيقاع في القصيدة التي يكتبها. هنا الحلقة الثانية:


    > لماذا يصرّ الكثيرون على الكلام على ثنائية القصيدة التفعيلية وقصيدة النثر، علماً أن هذا السجال انتهى في الغرب منذ القرن التاسع عشر؟

    - صحيح، هذا السجال انتهى في الغرب. الطرف التقليدي هو الذي حارب مشروع الشعر الحر أو الشعر التفعيلي. كان شعر التفعيلة يحتاج الى شرعية والى دفاع فكري وإبداعي عن خياره. جيل قصيدة النثر خاض معركة أظن انها من أشرس المعارك لتثبيت شرعيته. وكانت ثمة عدوانية ما لدى بعض المنظرين لقصيدة النثر. ولكن علينا أن نفهم الدوافع وفي مقدمها البحث عن شرعية هذه القصيدة. اليوم أصبحت شرعيتها قائمة، وعلى شعراء هذه القصيدة أو منظريها ان يعترفوا بالشرعيات الأخرى. علينا أن ننهي لغة الخصومة بين الخيارات الشعرية والاقتراحات الشعرية. حتى الشاعر الواحد يمكنه ان يكتب قصيدة تفعيلة وقصيدة نثر. الشاعر الاسباني لوركا كتب قصيدة نثر وكذلك بودلير ورامبو. لم تعد قصيدة النثر موضوعاً مطروحاً على جدول الشعر أو الأدب. أصبحت قضية مسلّماً بها، ولم يعد القارئ ينظر الآن الى الاختلاف بين الشعريات. وأود أن أقول ان كثيرين من الشعراء والقراء يقرأون كتبي الأخيرة باعتبارها تضم قصائد نثر.


    > هذا أمر جميل!

    - ويفرحني أيضاً، فهم يحسّون ان أطروحات قصيدة النثر تمّ استيعابها في شعري.


    > تصر على ما تسميه المعنى في الشعر وهو يختلف عن الجدلية؟ هل اللحظة الشعرية لديك هي لحظة فكرية أم حدسية؟

    - أولاً أود أن أقول ان مفهوم المعنى لا متناه. الكلمات بحد ذاتها لا تحمل معنى. علاقة الكلمات بعضها ببعض هي التي تمنح المعنى الشعري. وبما أن هذه العلاقات غير متناهية، فإن المعنى بالتالي غير متناهٍ. أما في شأن المعرفة الشعرية، فإنني أعتقد ان هناك ثلاثة أنواع من هذه المعرفة. هناك المعرفة الحدسية والمعرفة الرؤيوية والمعرفة التحليلية. الشعر ميال الى المعرفة الحدسية والمعرفة الرؤيوية، وقد يستفيد من المعرفة التحليلية، لكن أساس العملية الشعرية أو المنطقة التي يعمل الشعر فيها هي المعرفة الحدسية والرؤيوية. لكن هاتين المعرفتين لا تتحرران كلياً من المعرفة التحليلية. القصيدة تبدأ وفق طرق مختلفة ترتبط بالشعراء أنفسهم. تبدأ القصيدة عندي من الحدس، الحدس يأخذ شكل الصورة أي يصير الغامض والحلمي مجموعة صور. لكن هذا حتى الآن لا يفتتح مجرى القصيدة، يجب ان تتحول الصور الى ايقاعات. وعندما تحمل الصور ايقاعاتها أحس ان القصيدة بدأت تحفر مجرى لها داخل أجناس أدبية غير محددة. هنا تكمن صعوبة الكتابة الشعرية. القصيدة تحفر مجراها في كتابات لا تنتهي. وصعوبة تحقق القصيدة هي كيف تكشف عن نفسها وتنجز هويتها الشعرية داخل كل هذه الأجناس والنصوص. إذاً، الايقاع هو الذي يقودني الى الكتابة. وإذا لم يكن هناك من ايقاع، ومهما كانت عندي أفكار أو حدوس وصور، فهي ما لم تتحول ذبذبات موسيقية لا أستطيع أن أكتب. إنني أبدأ من اللحظة الموسيقية إذاً. ولكن في كل كتابة هناك فكر ما. فالشاعر ليس آتياً من اللغة فقط، بل من التاريخ والمعرفة والواقع. والذات الكاتبة لدى الشاعر ليست ذاتاً واحدة، انها مجموعة ذوات. إذاً هناك فكر ما يقود عمل القصيدة. أحياناً تتمرد الكتابة على الفكرة التي تقودها وتصبح الكتابة هي التي تقود الفكرة. وهنا يجوز لنا أن نقول ان الغد يأتي الى الماضي، وليس العكس. كل تخطيط لقصيدة هو عمل فكري واعٍ، وإذا ظهرت ملامحه تتحول القصيدة مجموعة مقولات وتتحول أيضاً فلسفة وتصبح العلاقة بين الفلسفة والشعر علاقة إطراد متبادل. على الفكر والفلسفة والمعارف كلها أن تعبّر عن نفسها في الشعر عبر الحواس، عليها ان تنصهر في الحواس وإلا تحولت مقولات كما أشرت.


    > ولكن من الملاحظ ان معظم قصائدك، ولا سيما القصائد ذات النفس الملحمي، تحمل بنية قائمة على الايقاع وعلى اللوازم الايقاعية والغنائية. كيف تتم مرحلة بناء القصيدة لديك؟

    - تكلّمنا قبل قليل عن اللحظة التي تدفع الشاعر الى كتابة القصيدة. إن مفتاحي كما قلت هو الايقاع. هذا بالنسبة الى الحافز الشعري. ولكن لدي إصرار على أن أبني القصيدة بناء هندسياً، وهذا ينطبق على القصائد الطويلة والقصيرة في آن واحد. وأعتقد ان قصيدة بلا بنية قد تهددها النزعة الهلامية. أحب أن يكون للقصيدة قوام. وهذا ليس قانوناً أحذوه بل هو خياري الشعري. لماذا أتحدث عن القوام؟ لأعرف العلاقة بين السطوح والأعماق، العلاقة بين الايقاع والصورة والمجاز والاستعارة. يجب أن تكون هناك علاقات دقيقة جداً بين كمية الملح وكمية الورد والدم والطين... يجب أن يكون هناك تصور لهندسة معمارية تقوم القصيدة على أساسها. قد تقود القصيدة الى مبنى آخر، حينذاك على المهندس أن يغيّر خرائطه. ولكن في المحصّلة لا أنشر قصيدة إلا إذا كان لها شكل أو بنية أو ما سمّيته قواماً.


    > يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري ان الالهام يأتي الشاعر بأول بيت ثم عليه أن يواصل كتابة القصيدة. أنت تكتب القصيدة في مراحل عدة ثم تصوغها مرة تلو مرة، كيف تولد القصيدة لديك وكيف تنتهي؟

    - تولد عبر الايقاع. أكتب سطراً أولاً ثم تتدفق القصيدة. هكذا أكتبها ولكن عندما أجري عليها تعديلات أو تجري هي تعديلات على نفسها، تصبح قصيدة أخرى. كثيرون من أصدقائي النقاد يحاولون الحصول على مسوّداتي الشعرية. وأقول لهم انني أتلفها فوراً لأن هناك فضائح وأسراراً، فما من علاقة بتاتاً بين النص الأول والنص الأخير في أحيان. ولعل تغيير سطر شعري قد يغير كل بناء القصيدة فيخضع بناؤها لمحاولة ترميم وبناء جديدين. إنني معجب جداً ببول فاليري ناقداً وقارئاً وكاتباً ذا إرهاف عالٍ وذكاء ولا أستطيع أن أقول انني معجب به كشاعر. تماماً كما انني معجب بأوكتافيو باث كناقد ومنظر للشعر أكثر مما أنا معجب به كشاعر.


    الإلهام الشعري


    > وماذا عن الإلهام إذاً؟

    - أعتقد ان هناك إلهاماً ما! ولكن ما هو هذا الإلهام؟ مرة حاولت أن أعرّف به فقلت انه عثور اللاوعي على كلامه. ولكن هذا تعريف غير دقيق وغير ملموس. الإلهام هو أحياناً توافق عناصر خارجية مع عناصر داخلية، انفتاح الذهن على الصفاء وعلى طريقة يحوّل بها المرئي الى لا مرئي واللامرئي الى مرئي من خلال عملية كيميائية لا يمكن تحديد عناصرها. أعتقد ان هناك سراً ما للحافز الشعري. لماذا ينهض الشاعر ويكتب؟ لماذا يأتي بالورق الأبيض ويعذب نفسه ولا يعرف الى أين هو ذاهب؟ خطورة العمل الشعري تكمن في أن لا ضمانات أكيدة للنجاح. الكتابة مغامرة دائمة وخطرة ولا تأمين لها، بل ليس هناك «شركة» تأمين توافق على المغامرة الشعرية بتاتاً و«حوادث المرور» في الشعر كثيرة جداً (يضحك). أحياناً تشعر بأن لديك رغبة طافحة في الكتابة. تجلس الى الطاولة فلا تكتب شيئاً. أحياناً تذهب متكاسلاً الى الطاولة فتفاجأ بأن الإلهام موجود فيك فتنكب على الكتابة. بعض الكتاب كانوا يترددون حيال الإلهام، إن كان موجوداً أم لا. ولكن إذا كان هناك إلهام فعلينا أن نعرف كيف ننتظره فهو لا يأتي وحده. علينا أن نتعاون معه مثلما نتعاون مع الغامض والمجهول ليتضح شيء ما.


    > وماذا عن البيت الأول الذي يتحدث عنه فاليري!

    - البيت الأول، من خلال تجربتي يكون أقل أهمية من السطور الأخرى. الشعر يبدأ من اللاشعر. والطريق الى القصيدة تكون متعثرة في البداية. وشخصياً ليس لدي بيت أول مهم لأن لا أبيات شعرية لدي أصلاً. القصيدة تتوالد وتتصاعد تدريجاً. وأحياناً قد يكون الإلهام الشعري سيئاً لكنه يعطيك نتيجة حسنة. ليس من مشكلة. وأسأل من جديد ما معنى الإلهام: الإلهام يقول لك: اجلس واعمل، اشتغل ويذهب. انه يحضّرك شعرياً، يغسلك داخلياً أو يوترك داخلياً أو يقيم توازناً بين الحرارة والبرودة، والبقية عليك، كشاعر، فأنت تعتمد على نفسك وعلى خبرتك وعلى طريقة العثور على نصك الخاص بك الذي يحمل ذاكرة كتاباتك كلها. فالورقة البيضاء أمامك هي مملوءة بالكتابات السابقة، كتاباتك. وأتذكر قولاً لإليوت مفاده أن النضج الأدبي هو أن نتذكر أسلافنا وأن نشعر بأن وراء هذا النص الشعري أسلافاً.


    > حتى في القصائد التي تنطلق من موضوع معين أو واقعة معينة؟ مثلاً قصيدتك في ذكرى السياب أو قصيدتك عن محمد الدرّة أو عن ادوارد سعيد! كان هناك موضوع هو حافزك على الكتابة؟ هل هي الطريقة نفسها في الكتابة؟ أي ان الموضوع سابق للقصيدة؟

    - هناك شعر يخلق موضوعه. ولكن عندما تكتب تذهب وفي ذهنك شيء غير محدد تماماً ولكنه مسمّى. هناك اسم لما تريد ان تكتبه، فأنت ستكتب شعراً في النهاية. وما تكتبه من مواقف وأفكار لا يعرّف بموضوعك بل بطريقة تعبيرك عن هذا الموضوع. هناك قصائد لا موضوع لها، أو ان موضوعها قائم في ذاتها وهي حافلة بالتوتر اللغوي، باللعب اللغوي أو بتمرّد اللغة عليك، أو محاولة سيطرتك على اللغة. المشكلة أن الشاعر يظن انه يقود اللغة. ليس هذا صحيحاً. اللغة أشدّ سيطرة على الشاعر لأن لها ذاكرتها ومنظومتها ونسقها وتاريخها وتراثها. ما يقدر أن يفعله الشاعر هو أن يعيد الحياة الى لغة أصبحت مألوفة وعادية. وكما يقول هيدغر الشاعر هو وسيلة اللغة وليست اللغة هي وسيلة الشاعر.


    > هل تعاني من مأزق الورقة البيضاء، هذا المأزق الذي يتحدث عنه كثيرون من الشعراء؟

    - عندما تكتب تذهب الى مصيرك وحدك، من دون معاونة أحد. وإذا وجدت من يعاونك فهو يلغيك من شدة حضوره. في كل شاعر آلاف من الشعراء. ليس هناك من شاعر يبدأ من الفراغ أو البياض، قد ينتهي الشاعر في البياض. فالبياض لون غير موجود في الكتابة. في كل شاعر تاريخ الشعر منذ الرعويات الشفهية الى الشعر المكتوب، من الشعر الكلاسيكي الى الشعر الحديث. ثم ان الشاعر يخاف من قراءاته، أن يقفز منها شيء الى نصه في طريقة لا واعية، شيء ملتبس يكون في ذهنه. وأعتقد ان ليس من نص خاص لشاعر معين. الشاعر يحمل خصائص أو ملامح جميع الشعراء الذين قرأهم ولكن من دون أن يخفي ملامحه، أي مثل الحفيد الذي يحمل ملامح جدّه من دون أن تختفي ملامحه الخاصة. السؤال الصعب المطروح على كل شاعر هو: في أي جهة من الورقة البيضاء تستطيع أن تضيف جديداً؟ هذه هي الصعوبة. ولذلك الشعر الحقيقي قليل ونادر.


    > عندما أقرأ قصائدك لا أشعر بأن لديك أزمة في الكتابة أو في التعبير! فمعجمك الشعري واسع جداً مما يدل على انك تتخطى أزمة «الورقة البيضاء». شعرك سيّال ومتدفق! من أين يأتي هذا الاتساع الشعري أو الرحابة وهذا السطوع؟ هل من المراس الشعري أم من التجربة الداخلية؟

    - أولاً أشكرك على هذا الرأي وهو رأي نقدي أعتز به كثيراً. لماذا؟ لأن أزمتي لا تظهر في قصيدتي، بل في ما قبل القصيدة. أزمتي هي مع ماضي القصيدة. في القصيدة يجب ألا تظهر معاناتك كشاعر، ولا عذابك الذي يسبقها. القارئ يرى المولود ولا يعرف ما هو المخاض. يرى الشيء في هيئته الناضجة. أما ما وراء ذلك فلا. ولو كان الشعر في هذه السهولة لما كان الورق الأبيض يتسع للقصائد. لا. على الشاعر أن يخفي معاناته وأن يبدو وكأن قصيدته كتبت نفسها. يجب ألا يظهر الجهد. أتذكّر ما يقول الشاعر الألماني ريلكه في هذا الصدد: إذا أردت أن تكتب سطراً شعرياً واحداً يجب أن تكون قد زرت مدناً كثيرة ورأيت أشياء كثيرة وقطفت زهوراً كثيرة. فالقصيدة هي خلاصة كل هذه المعاناة والتجربة.


    المعجم الشعري


    > ولكن من أن تأتي رحابة معجمك الشعري؟ ثمة شعراء كبار في العالم معجمهم ضيق؟

    - كان خوفي أن يكون معجمي الشعري أخطر من ذلك. كنت أخاف فعلاً. فأنا ألاحظ مثلاً أن بعض الشعراء العرب المهمين لديهم معجم شعري فقير. ولا أريد أن أسمي أحداً هنا.


    > أنا أسمي سعيد عقل مثلاً، هو الشاعر الكبير معجمه محدود.

    - لن أسمي أحداً. ربما عوالمي المتناقضة التي أشعر بها من حولي، لكل منها معجم مختلف عن الآخر. يعني انني أضع السماوي الى جانب الأرضي، الميتافيزيقي الى جانب المادي...


    > والأروسي مع الصوفي...!

    - أحب هذه العلاقات القائمة بين المتناقضات وهي تحتاج الى لغة تحمل هذا التوتر. ولا أخفيك انني أقرأ كثيراً. وربما للمرة الأولى أفصح عن أمر في حياتي: لديّ رياضة يومية، أفتح «لسان العرب» كل صباح في طريقة عشوائية وأقرأ عن كلمة ما وعن تاريخها وأصلها وعن الاشتقاقات التي خرجت منها. واكتشف دائماً انني لا أكتب العربية جيداً.


    > وربما هنا قوتك.

    - الاعتراف بالجهل يعلّم. أحسن معلّم أو أحسن حافز على التعلّم هو أن تعرف انك جاهل.


    > شعرك لا يعبّر عن كونك شاعر فصاحة وبلاغة وشاعر معاجم...!

    - أحاول أن أبسّط لغتي وأطرد منها المفردات الميتة، ولكن لديّ تمارين دائمة على فهم اللغة في طريقة أفضل.


    > هل تقرأ الروايات مثلاً؟

    - طبعاً.


    > هل تقرأ الشعر، أنت الذي تدعو الشاعر الى عدم الإكثار من قراءة الشعر؟

    - أعتقد أنها نصيحة جيدة في عمر معيّن. لأن الشعر مثل أي شيء جميل يصيب بما يشبه الاشباع أو التخمة. لا أحد يقدر على أن يأكل كيلو عسل. يقع في الاشمئزاز. الشعر مكثف كثيراً حتى إن الذائقة المتلقية لا تستطيع أن تستوعبه. وبالتالي فإن القليل منه هو الذي يجعله يأخذ مكانه أو وظيفته الحقيقية. ولكن في البداية، على الشاعر أن يقرأ الكثير من الشعر كي يسلس له الإيقاع وتسلس له اللغة ويربّي السليقة لديه فالسليقة إذا صقلت تساعد الشاعر على التخلص من النكد الشعري. فالشعر، مهما كان يحمل من أفكار وأبعاد فلسفية، يجب أن يبدو كأنه عفوي، وهذا يعود الى فعل السليقة المهذبة. إنني أقرأ كتب التاريخ كثيراً، أقرأ الكتب الفكرية والفلسفية وبعض الكتب التي لا علاقة لها بالشعر مثل «تاريخ القراصنة» أو «تاريخ الملح». أحب أن أنوّع قراءاتي خصوصاً في حقل الجغرافيا والبحار والبلدان.


    > هل تشاهد السينما والمسرح؟

    - نعم، طبعاً.


    > هل هما من مصادرك الشعرية؟

    - السينما من مصادري البصرية نعم. لكنها مصدر غير واضح كثيراً. لكنني أعترف إنني عاشق كبير للرواية.


    > هل فكرت يوماً في أن تكتب رواية مثل الكثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية على هامش شعرهم؟

    - مع حبي غير المحدود للرواية لم أفكر يوماً في كتابتها. لكنني أغبط الروائيين لأن عالمهم أوسع. والرواية تستطيع أن تستوعب كل أشكال المعرفة والثقافة والمشاكل والهموم والتجارب الحياتية. وتستطيع أن تمتصّ الشعر وسائر الأجناس الأدبية وتستفيد منها الى أقصى الحدود. والجميل في الرواية انها غير عرضة للأزمات، ذلك ان في كل كائن بشري رواية. وهذا ما يكفي لملايين السنين، وليس على الروائي إلا أن يستوحي التجارب. لم أفكر في كتابة الرواية لأنني لا أستطيع أن أضمن النتائج. والرواية تحتاج الى جهد وصبر هما غير متوافرين فيّ. هناك شعراء كثيرون أتقنوا الشعر والرواية. وبعضهم سطت روايتهم على شعرهم وبعضهم سطا شعرهم على روايتهم فغدت رواية متشعرنة، فيما يجب أن تتوافر في الرواية لغة السرد ومنطق الشخصيات وسواهما. إنني أحب الرواية – الحكاية. رواية اللارواية لا أحبها كثيراً وأعدّها عبارة عن ثرثرة لغوية. قد تكون جميلة لكنها ليست من النوع الروائي الذي أحبه. قرأت أخيراً رواية أدهشتني هي «عمارة يعقوبيان» للكاتب المصري علاء الاسواني، وما أدهشني في هذه الرواية انها لا تحتاج الى كتابة ولا الى لغة أدبية، وقوة التجربة الانسانية فيها أغنتها عن اللغة.


    > ما رأيك بمقولة ان المستقبل هو للرواية وليس للشعر؟ وأن الزمن الآن هو زمن الرواية؟

    - أود أن أذكرك انه كان ذات مرة زمن للقصة القصيرة. والقصة هذه لها مواسم. أحياناً تزدهر وأحياناً تنطفئ وتغيب. الرواية هي كتابة جديدة في معنى ما، فالشعر سبقها بآلاف السنين. وقد تغري بالقول ان الزمن الآن هو زمنها وانها أصبحت «ديوان العرب» كما يقال. شخصياً لا أحب هذا الاشتباك بين الكتابتين. الرواية لها عالمها والشعر عالمه. وفي بعض المجتمعات الرواية متطورة أكثر من الشعر وفي مجتمعات أخرى الشعر متطور أكثر من الرواية. لا أحد يستطيع أن يرسم صورة المستقبل أو أن يحتكرها. وأعتقد ان المستقبل هو للشعر كما هو للرواية.


    > ولكن هل تعتقد ان الشعر قادر على ان يعبّر عن كل ما يجيش في نفسك وما يدور في رأسك من أفكار؟

    - هناك شعراء يقولون ان اللغة لا تتسع لهم وانهم أكبر من اللغة. وجموح الشعراء الى إصدار مقولات كبيرة قد يكون مقبولاً. هل سمح لي الشعر أن أقول كل ما أريد أن أقول؟ ليس هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي. بل هو: هل أستطيع أن أقول أكثر مما قلت؟ هذا ما يؤرقني. ولكن لا أحد يستطيع أن يكتب كل ما في داخله. هناك أدباء كتبوا أكثر مما في قدرتهم، أي انّ كلماتهم أكبر من عالمهم الداخلي ومن تجربتهم الحياتية والانسانية. شخصياً لا أشكو من هذا الأمر. وأعتقد انني قادر على قول ما أشعر به وما أحلم به وما هو غامض في أشكاله المختلفة. ولكن في نهاية الأمر قد يكون من الصحيح ان الشاعر يقول شيئاً واحداً وأن الروائي يقول شيئاً واحداً. ولكن ما هو هذا الشيء؟ يكتب الشاعر ليصل الى هذا الشيء، ليكتشف ما يريد أن يقوله.


    النثر الصوفي أهم من الشعر الصوفي


    > مادمنا تحدثنا عن الصوفية، أعترف انني أحس ان لديك نزعة صوفية محفوفة ببعد ميتافيزيقي وخصوصاً في قصيدتك الطويلة «جدارية» التي اختبرت فيها تجربة الموت؟ ماذا يعني لك الشعر الصوفي؟ هل تقرأه؟

    - قرأت الأدب الصوفي وأقرأه. وملاحظتي أن ليس الشعر هو أفضل ما فيه، بل النص النثري. مثلاً ابن عربي، نصه النثري أغنى كثيراً من نصه الشعري، ومملوء بالدلالات بل هو حافل بالألغاز والأسرار أكثر من شعره. أنظر الى الصوفية نظرة فكرية أو فلسفية، أنظر اليها نظرة شعرية من حيث هي مغامرة الذهاب الى الأقصى ومحاولة اتصال مختلفة بالكون ومحاولة بحث عمّا وراء هذا الكون، وما وراء الطبيعة، وعن الأسئلة الوجودية. ولا يعنيني في التجربة الصوفية معناها مقدار ما يعنيني سعيها اللغوي والعرفاني في بلوغ ما لا تبلغه المغامرات الأخرى. فهي مغامرة أدبية جعلت النثر أرقى من الشعر في الكتابة. وإذا أردنا أن نبحث عن المصادر الحقيقية التي أثْرت قصيدة النثر نجد الكتابة الصوفية النثرية مثل النفري والبسطامي والسهروردي وابن عربي. وهؤلاء كانوا شعراء من نوع آخر، أي بما يحملون من شحنات للسفر الى أبعد ما يمكن. ونحن لا نستطيع أن نذهب الى ما ذهب هؤلاء اليه. هذا هو الجانب الابداعي في الصوفية، ولكن هناك صوفية تشبه الشعوذة والسحر.


    > ما رأيك بالشعراء الذين يستعينون بالمصطلحات الصوفية القديمة ليكتبوا شعراً صوفياً حديثاً؟

    - أنا شخصياً غير مهتم بهذه المسألة. ولا أعتقد أن في عصرنا الحديث والصاخب هذا هناك مكان للشعر الصوفي.


    > والصوفية الجديدة التي لا علاقة لها بالمصطلحات القديمة؟

    - الصوفية الحديثة هذه هي شكل من أشكال التمرّد على طبيعة الحياة المعاصرة وعلى تشيّؤ الانسان وابتعاده عن السؤال الروحي والديني. وما نقرأه في الشعر هو ترصيع لبعض المصطلحات الصوفية الخارجة عن سياقها.


    > وماذا عن البعد الميتافيزيقي الكامن في شعرك؟

    - لعل سؤال الموت في شعري شديد الصلة بالبعد الميتافيزيقي. هناك نظرتان الى الموت: نظرة دينية تقول ان الموت هو انتقال من الزائل الى الخالد، ومن الفاني الى الباقي، ومن الدنيا الى الآخرة. وهناك نظرة أخرى أو فلسفية تعتبره نوعاً من الصيرورة، وترى ان الحياة والموت مترافقان في جدلية أرضية. أحياناً أكتب عن الموت ولكن من دون أن أتعمق كثيراً في السؤال الى أقصى حدوده. فالذهاب في السؤال الى أقصاه هو أمر مملوء بالألغام التي لا أستطيع أن أنزعها ولا أن أفجرها. في «جدارية» كتبت عن تجربة شخصية، كانت مناسبة لي للذهاب في سؤال الموت، منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، ومنها ملحمة جلجامش التي تحدثت أيضاً عن الخلود والحياة. هذه التجربة كانت لي اطاراً صالحاً للسرد أو لما يشبه السيرة الذاتية. ففي لحظة الموت تمر حياتك أمامك وكأنها في شريط سريع. انني عشت هذا ورأيته. كل الرؤى التي كتبتها في القصيدة كانت حقيقية: المعرّي ولقاء هيدغر ورينيه شار... رأيت الكثير ولم أكتب كل شيء. لكنني لاحظت ان القصيدة كانت مشدودة الى سؤال الحياة أكثر من سؤال الموت. والقصيدة في الختام كانت نشيداً للحياة. أهم عبرة استخلصتها من هذه المسألة ان الحياة معطى جميل، هدية جميلة، كرم إلهي غير محدود، وعلينا أن نحياها في كل دقيقة. أما سؤال الخلود فلا جواب عليه منذ ملحمة غلغامش حتى اليوم. هناك جواب ديني ولكن كشاعر لا أحب أن أدخل في الجدال الديني. الانسان يؤمن بما يعرف وبما لا يعرف. بل هو مشدود الى الإيمان بما لا يعرف، وأهم أمر في الصراع بين الحياة والموت أن ننحاز الى الحياة.


    > ما دمنا نتكلم عن الدين نلاحظ أن في شعرك أثراً توراتياً ولا سيما من «نشيد الأناشيد»، يتمثل في غنائيتك العالية في ديوان «سرير الغريبة» وسواه! ما الذي يجذبك كشاعر في النص التوراتي وكيف أثر فيك؟

    - في البداية، درست في الأرض المحتلة، وكانت بعض أسفار التوراة مقررة في البرنامج باللغة العبرية، ودرستها حينذاك. لكنني لا أنظر الى التوراة نظرة دينية، أقرأها كعمل أدبي وليس دينياً ولا تاريخياً. حتى المؤرخون اليهود الجادون لا يقبلون أن تكون التوراة مرجعاً تاريخياً. أو لأقل انني انظر الى الجانب الأدبي في التوراة. وهناك ثلاثة أسفار مملوءة بالشعر، وتعبر عن خبرة انسانية عالية وهي: سفر أيوب، سفر الجامعة الذي يطرح سؤال الموت، ونشيد الأناشيد.


    > والمزامير؟

    - بعض المزامير، فهي أقل أدبية من الأسفار التي ذكرتها. إذاً التوراة هي كتاب أدبي بالنسبة إليّ، وفيها فصول أدبية راقية وشعرية عالية.


    > هل التوراة مصدر من مصادرك؟

    - لا شك في أنها أحد مصادري الأدبية.


    > هل أعدت قراءة التوراة بالعربية؟

    - أجل، قرأت ترجمات عربية عدة ومنها الحديثة. وأحب فيها بعض الركاكة. فمثل هذه الكتب يجب أن يترجم في طريقة خاصة. و«نشيد الأناشيد» يعتبره كبار الشعراء في العالم من أهم الأناشيد الرعوية في تاريخ الشعر، مع غض النظر عن مصادر هذا النشيد الفرعونية أو الآشورية.


    > هل يمكن الكلام برأيك عن حداثة محمود درويش، هذه الحداثة الممكن وصفها بـ «الحداثة الاستخلاصية» التي تتآلف فيها مدارس عدة ولكنها تبدو كأنها بلا مدرسة أو كأنها مدرسة بنفسها؟ حداثة خاصة خارج حداثة مجلة «شعر» وسائر الحداثات الأخرى؟

    - يبدو لي انك تفهم حداثتي أكثر مني. سؤال الحداثة سؤال محيّر. وأن تُحصر الحداثة في الحداثة الشعرية، فهذا يعني ان لا حداثة أخرى في المجتمع العربي. ومن مآزق الحداثة العربية انها متحققة في الشعر وربما في مراكز الشرطة أو الأمن. حاولت الحداثة الشعرية ان تقوم مقام الحداثة الفكرية والفلسفية والعلمية والاجتماعية، أي انها حمّلت نفسها مهمات لا تستطيع فعلاً أن تتحملها. اطلعت طبعاً على مفاهيم الحداثة بعدما جئت الى العالم العربي هاجراً فلسطين. قبل ذلك لم أكن قد اطلعت على تلك المفاهيم. ففي فلسطين المحتلة كنت أعيش في ظروف صعبة وكنت أطلع على الشعر العربي والعالمي من دون أن يكون سؤال الحداثة ملحاً عليّ مثلما كان ملحاً على الشعراء العرب. كان لدينا حينذاك سؤال المقاومة الثقافية، سؤال الهوية، وكان علينا أن نصونها من الذوبان. كيف ندافع عن حقنا في الوجود؟ كيف نزيل الاشكالية بين الجنسية والهوية؟ كيف يقوم الشعر في تغيير ما، أو هل يستطيع الشعر أن يغيّر؟ كانت الأسئلة بعيدة الى حد ما عن انشغال الساحة بأسئلة الحداثة. وأنا نشأت في هذا الجو وكتبت فيه. وعندما خرجت الى العالم العربي كنت الى حد ما معروفاً، وكنت أسمّى شاعر المقاومة وشاعر الأرض المحتلة... لكن اصطدامي بسؤال الحداثة والتجارب الشعرية الحديثة جاء متأخراً. ولا أعرف ان كنت وضعت داخل الحداثة العربية أم ما زلت خارجها. لا أعرف.


    > وما رأيك بما يقوله بعضهم عن «حداثة» محمود درويش؟

    - أنا لست جزءاً من مدرسة، ولست طالباً لمعلم معين وهذا عيــب. كنت أتمنى أن يكون لي معلم شعـــري، فهو كـان ليوفر عليّ ربما أعباء تعليمية كثيرة. كنت شديد الاصغاء والتأمل والتأثـر حيال سؤال الحداثـة الشعـريـــة العربية. لكنني لم أتخلّ عن ربط الحداثة بمشروع تحرري، أي ان نتمكن من تحرير المجتمع بالقصيدة الحديثة. أو ان على الحداثة الحقيقية أن تكون منظومة أفكار تشمل كل مستويات المجتمع وليس الشعر وحده. ولكن بما أن الشعر هو حقل عملنا ولا إمكان آخر لنا، فليكن ذلك. ولنعش هذا الوهم الجميل. وما زلت أرى أن لا حداثة شعرية عربية حقيقية خارج جماليات الشعر العربي. فهذه الجماليات يجب على الحداثة العربية أن ترتكز اليها لتتميز عالمياً. لم أدخل في أفق التنظير ولم أسع الى أن أكون حديثاً أم غير حديث، ولكن أعتقد ان قصيدتي حديثة. و في أي معنى هي حديثة؟ أي أنها تصغي الى ايقاع الزمن الجديد وتجري تحولات في العلاقة بين الكلمات والأشياء وتحاول أن تبقي اللغة حية وتعيد الى هذه اللغة حياتها باستمرار، وأن تطوّر أدواتها من خلال علاقة هذه الأدوات بما كنا نسميه الدور الذي تلعبه القصيدة الحديثة في الذائقة الشعرية وفي مشروع التحرر.






    * غداً الحلقة الثالثة من الحوار.


    الطيب صالح وممدوح عدوان ودرويش
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2005, 08:11 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: osama elkhawad)

    UP
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2005, 05:41 PM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 19834

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: mazin mustafa)

    صديقى الغالى اسامة الخواص
    البوست الجميل ده قمت بنهبه الى مكتبتك لمدة ساعات وها انذا اعيده للمنبر العام الحى لتواصل فيه بقلمك المتميز لتزيده علما و حبا بناءا على طلبا بارجاعه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2005, 05:53 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: بكرى ابوبكر)

    شكرا بكري
    واحب ان اضيف ملحوظة قال لي بها بكري في انه قد وجد صعوبة كثيرة في ارشفة بوستاتي,
    ذلك انني غالبا ما اضع عنوانا يتفق مع مداخلتي
    معليش
    فارجو الالتزام بعدم تغيير عنوان المداخلة
    وسنعود لايراد الحلقة الثالثة من حوار درويش في "الحياة"
    وسنقوم ببعض التعليقات عليها والتي تندرج في ما نقول به حول علاقة درويش بالموت
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2005, 06:11 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: osama elkhawad)

    يفتح دفاتره لـ «الحياة» في حوار شامل حول الشعر والحداثة وفلسطين (3) ... محمود درويش: أمي هي أمي وأنا ابنها المفضّل لأنني الغائب وسيرتي الذاتية كتبتها شعراً
    عبده وازن الحياة - 12/12/05//

    يتحدث الشاعر محمود درويش في الحلقة الثالثة من هذا الحوار عن مجلة «شعر» التي احتكرت برأيه الحداثة، وعن الشعراء الشباب والفوضى في المعترك الشعري الراهن. ويتذكر جزءاً من ماضيه ويدافع عن حبه لشعر المتنبي.


    > نشرت في مجلة «شعر» بضع قصائد...

    - أنا لم أنشر، المجلة أخذت القصائد من صحافة الداخل الفلسطيني. ولعلها المرة الوحيدة التي نشرت لي قصائد في «شعر».


    > كيف تنظر الى مجلة «شعر»؟

    - لا شك في أن مجلة «شعر» كان لها دورها وكانت لها أوهامها أيضاً. ومن أوهامها انها احتكرت مفهوم الحداثة الشعرية وحاولت ان تقصي التجارب الأخرى خارج «جنة» الحداثة، إذا جاز التعبير. وأعتقد بأن مجلة «شعر» مثلت تياراً من تيارات الشعر العربي الحديث وليس كل الشعر العربي الحديث. ومن عيوب التعامل مع هذه الظاهرة ان هناك دراسات جامعية تدرس الشعر الحديث من خلال مجلة «شعر» فقط. ويجب ألا ننسى أنّ كان هناك مجلة «الآداب» وكان هناك الشعر العراقي والشعر المصري... وهذه تيارات أساسية في الشعر العربي الجديد. ليس كل شعراء مجلة «شعر» استطاعوا أن يُكرِّسوا أو أن يحققوا مكانة شعرية كبيرة. هناك بضعة شعراء فقط.


    > كانت مجلة شعراء أكثر مما كانت مجلة منفردة بذاتها أو مجلة تيار واحد!

    - حاولت أن تكون مجلة تيار وانشغل بعض شعرائها بالتنظير الزائد عن اللزوم أحياناً. إنها مثل أي حركة شعرية، خرج منها في نهاية الأمر بضعة شعراء مهمّين.


    > والمعركة الفكرية الحداثية التي خاضتها هذه المجلة هل عنت لك شيئاً؟

    - إنني اطلعت على المجلة متأخراً أي بعدما خرجت من فلسطين وكانت قد توقفت عن الصدور. وكانت المعركة التي أعلنتها قد انتهت، خصوصاً بينها وبين مجلة «الآداب». إلا أن المعركة الشعرية الحداثية مستمرة حتى الآن ولكن عبر أدوات أخرى: هل الشعر يعرّف بما يقوله أي بموضوعه أم في كيفية ما يقول؟ هل للشعر دور ما؟ هل يجب أن يكون على علاقة بالقارئ أم لا؟ وما هي العلاقة بين المتلقي والشاعر؟ هل الذات الكاتبة هي وحدها في العملية الشعرية أم ان ثمة ما يشاركها، كاللغة مثلاً؟ مثل هذه الأسئلة ما زال مستمراً حتى الآن. هل عزلة الشعر هي مقياس من مقاييس جودة الشعر؟ ذيول المعركة ما زالت قائمة حتى يومنا. وأعتقد ان من الجميل أن يكون هناك تيارات، عوض أن يكون هناك تيار واحد متسلّط على الساحة الشعرية.


    > لكن «شعر» لعبت الدور الرئيس في ترسيخ القصيدة الحديثة!

    - لمَ لا؟ لكن «الآداب» لعبت مثل هذا الدور أيضاً.


    > لكن «شعر» حصرت مشروعها في الشعر بينما «الآداب» كان مشروعها أدبياً ورفضت قصيدة النثر؟

    - أنا لم أطلع على المشهد عندما كان قائماً. جئت متأخراً، ذلك انني خرجت في العام 1971. وكانت وقعت هزيمة 1967 التي غيّرت مفاهيم مجلة «شعر» نفسها.
    مع الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي



    «مواقف»


    > «مواقف» مجلة الشاعر أدونيس هل تابعتها حينذاك؟

    - صدرت «مواقف» عندما كنت في بيروت وكنت في مرحلة من أسرة تحريرها.


    > كيف ترى الى «مواقف» لا سيما في تلك الفترة؟

    - مجلة «مواقف» أضافت بدورها. وحاولت أن تقيم علاقة بين الابداع والفكر والثورة والتغيير، بين الابداع والحرية. كانت «مواقف» تمثل حالاً من القطيعة مع مجلة «شعر»، لكنها قطيعة تطويرية. واتجهت نحو السؤال الفكري ولم تكن مجلة ابداعية فقط.


    > لماذا انسحبت من أسرة تحريرها؟

    - لم أنسحب لخلاف أو سواه، ولكن كان عندي مجلة «شؤون فلسطينية» ثم أصدرت «الكرمل» في العام 1981.


    > الإشكال الذي أثاره تصريحك قبل فترة حول شعر الحداثة كيف توضحه، خصوصاً بعدما ترك التباساً أو سوء فهم؟

    - أولاً لم أتعرّض للشعر الجديد وشعر الحداثة. سئلت في تونس في لقاء صحافي كبير جداً، عن أزمة العلاقة بين المتلقي والشعر الجديد. وقلت إن هناك أزمة فعلاً لأن بعض الشعراء يستمرئون عزلتهم ويضعونها هدفاً، من غير أن تكون نتيجة طبيعية لتطور ما في نص شعري جديد على الذائقة. هناك شعراء يقيسون جمالية شعرهم بمدى عزلتهم عن القارئ. وهناك سبب آخر وهو أن القارئ لا يريد أن يقترب من شعر يرفضه كمتلقٍ. وأنت تعرف أن الشاعر ليس وحيداً في الكتابة، إنه طرف في المعادلة الشعرية، هناك الشاعر، هناك اللغة التي تفرض نفسها على الشاعر، وهناك طرف ثالث لا يتم الفعل الابداعي من دونه وهو القارئ. هذا الثلاثي هو الذي يساهم في تطوير الفعل الشعري وفي تحقق القصيدة. وهذا التحقق لا يتم إلا من خلال تفاعل ما، بين القارئ والشاعر. لم أتعرّض لأحد ولا أحب أصلاً التعرض لأحد. كل شاعر حر. وأردد دوماً أن على السجال الشعري اللامجدي أن ينتهي. قصيدة النثر هي خيار شعري مكرّس وفيها أعمال ابداعية جميلة جداً. ويجب أن ننظر الى الشعر في كل خياراته، العمودي والتفعيلي والنثري، والى مدى تحقق الشعرية في القصيدة. هذه نظرتي العامة ولا يمكنني أن أكون تقليدياً أو رجعياً، الى حد أن أرفض أي اضافة أو أي اقتراح شعري جديد.


    > هل تقرأ الشعراء الجدد والشباب؟

    - أقرأهم دوماً وأتعلّم منهم وأراقب دوماً التوجهات الجديدة في علاقة الشعراء باللغة والنص والبناء والايقاع، لكي أستوعب ايقاع العصر الجديد. قد أكون هرمت من دون أن أدري. قد أكون تحولت الى تقليدي من دون أن أعلم. تجارب الشعراء الجدد ولو لم تكن ناضجة، تلفت نظري الى مسارات جديدة عليّ أن أنتبه لها وأن استفيد منها إذا كانت قادرة على امداد النص الشعري بدم جديد وحياة جديدة. ولكن لنعترف، هناك فوضى، سواء في الشعر العمودي أم التفعيلي أو النثري، هناك فوضى. وهذا طبيعي، لأن لا رقابة على النشر، وأقصد بالرقابة الرقابة الأدبية والابداعية التي تضع معايير وتحدد للقارئ، مفاتيح ما هو شعري وما ليس شعرياً. سهولة النشر كبيرة جداً وكل الصحف العربية فيها صفحات ثقافية يجب أن تمتلئ بما توافر، والمحررون يكونون أحياناً في مستوى لا يؤهلهم لتقويم الشعر. لذلك تعمّ الفوضى، وهي ليست من سمات عصرنا، ففي كل العصور كان هنا فوضى. لكنّ صعوبة النظم كانت تحول الى حد ما دون استتباب الفوضى. فالنظم يتطلب أدوات عروضية ولغوية قوية وقد يكون مجرد نظم خالٍ من الشعر.


    > مَن يتحمل مسؤولية هذا الفلتان الشعري؟

    - الفوضى النظرية التي عرّفت الحداثة بها، كل شيء غير منضبط في شكل، يستطيع أن يدّعي شاعره أنه ينتمي الى الحداثة. والآن عندنا تسمية جديدة هي ما بعد الحداثة. ونحن ما زلنا نعيش في عصر ما قبل الحداثة.


    > لكن الشاعر الفرنسي لو تريامون يقول إن على الشعر ان يكتبه الجميع!

    - أعتقد أن كل كائن بشري يحاول أن يكتب شعراً. والفرق ان هذا الشعر لم تُتح له فرصة النشر، أو ربما فرصة التكوّن. وكما تعرف في فترة المراهقة يكتب المرء ما يشبه الخواطر ويقلّد بعض الأدباء. وهذه الكتابات غالباً ما تكون شخصية. يجب أن يكتب كل الناس، كما قال لوتريامون، لكي يخرج من هؤلاء شعراء وروائيون وكتّاب...


    > لا تزال تصرّ على «صدمة» جمهورك، وما زال هذا الجمهور يتابعك في أمسياتك الشعرية. كيف تنظر الى هذا الجمهور والى «الصدمة» التي تحدثها فيه عندما تقرأ له قصائدك الجديدة التي تختلف عن القصائد الأولى التي يميل اليها عادة؟

    - لا أعرف ان كان الجمهور يميل الى القصائد الأولى حقاً. لم يعد الجمهور يطالبني كما في السابق بأن أقرأ ما في ذاكرته من شعري. وهذا حسن. واستطعت أن أجد ما يشبه الثقة المتبادلة بيني وبين القراء. إنني لا أحب كلمة جمهور. لنقل المتلقي أو القارئ. فالجمهور ليس كتلة واحدة متجانسة. وأنا لا أستطيع أن أتكلم عن الجمهور بطلاقة، لأنني سأرتكب أخطاء كثيرة. ثم من هو الجمهور؟ قد يكون مجموعة من الشعراء والمثقفين، قد يكون من سائقي التاكسي أو ربات البيوت أو الطلاب، وقد يكون لكل مجموعة الحق في أن تقيم علاقة مع الشعر. المشكلة عندنا ان القارئ العربي يشعر بأن من حقه أن يتدخل في تحديد مفهوم الشعر. وكل قضية من هذا النوع تتحول قضية عامة قد يهددها خطر التبسيط، لئلا أقول الابتذال. إنني أواكب قرائي مثلما هم يواكبونني وهم يتطورون ويتغيرون. وأكثر ما يسعدني في هذا الوقت، انني أفاجأ أينما ذهبت بأن الذين يحضرون الأمسيات الشعرية هم في ما يقارب التسعين في المئة من الجيل الجديد ومن الشباب في العشرينات. وهذا يعني أن قرائي الذين يحبون قصيدة «سجل أنا عربي» رحلوا وتركوني أو أنهم اكتفوا بذلك. إذاً اقتراحي الشعري هو أن من حق الشاعر أن يواصل تطوير لغته وأن يحميها من التكرار والارهاق. حتى اللغة الشعرية تصاب بالارهاق، وعلى الشاعر أن يجدد صورها واستعاراتها. هناك إذاً علاقة تتجدد مع تجدد الذائقة والعصر والزمن. هناك ثقة متبادلة، وإذا حقق الشاعر الثقة مع قرائه فقراؤه يعطونه الحرية في أن يطور نفسه كما يشاء. وإذا لم يكن هناك من ثقة أو إن كان ثمة جدار بين الشاعر والقراء، فالأمر يصبح قيداً ثقيلاً. بعض الشعراء يستهزئون بهذا القارئ وبعضهم يقدمون له تنازلات ويسمعونه ما يريد أن يسمع، ويكتبون له ما يريد أن يقرأ.


    شعراء البدايات


    > أي شعراء تركوا فيك أثراً شعرياً منذ البدايات؟

    - أوه...


    > مَن كنت تقرأ عندما كنت في فلسطين؟

    - لم يكن عندي شاعر واحد أتعلّم عليه. كانت الكتب المتوافرة عندنا في الداخل هي ما تبقى من مرحلة الانتداب البريطاني. كنا في حالة حصار ثقافي حقيقي. كنت أعرف السياب جيداً والبياتي وكنت أقرأ نزار قباني أيضاً، وهو كان حاضراً في مراهقتي الشعرية. قرأت في تلك الفترة «الداخلية» غارثيا لوركا وبابلو نيرودا وتأثرت بهما وخصوصاً لوركا. كان المتاح لنا من الشعر العربي الحديث قليلاً. فيما الشعر الكلاسيكي العربي متوافر وكذلك الشعر المهجري، وكنت أميل الى غنائية هذا الشعر والى بساطته. وفي الشعر المصري اطلعت على بعض أعمال صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي. أدونيس لم يكن معروفاً في الداخل ولم يكن شعره وصل إلينا. القصيدة الأولى التي قرأتها لأدونيس كانت في العام 1968 على ما أعتقد، وكانت فدوى طوقان تزورنا في حيفا ومعها مجلة فيها قصيدة لأدونيس، لم أعد أذكر ان كانت «هذا هو إسمي» وأعجبتني كثيراً. ولكن لم يكن لأدونيس حضور في فلسطين، في تلك المرحلة كما الآن. مصادرنا الأخرى كنا نقتبسها من الصحافة مثل «الاتحاد» و«الجديد» في حيفا.


    > كتبت أنت في الصحافة حينذاك!

    - كنت رئيس تحرير مجلة «الجديد» ومحرراً في جريدة «الاتحاد» وكنت أكتب افتتاحيات ومقالات سياسية. دخلت عالم الصحافة باكراً، في العشرين من عمري وأقل. وكانت خياراتنا الأدبية خاضعة لاعتبارات يسارية.


    > كنت في الحزب الشيوعي الاسرائيلي!

    - نعم.


    > من هم الشعراء الذين تفضلهم الآن وتقرأهم؟

    - هناك شعراء أجانب كثيرون أقرأهم. والأكثر قرباً هو ديريك والكت. في السنوات الأخيرة كان والكت شاعري المفضل في اللغة الانكليزية. وربما هو أفضل من يكتب في هذه اللغة الآن. وهناك شيموس هيني. أعجبت كثيراً بالشاعر البولندي ميلوش وبالشاعرة تشمبرسكا. وكذلك أنا شديد الاعجاب بالشاعر اليوناني ريتسوس، وكنت على صداقة معه. فرنسياً إنني شديد الإعجاب بسان جون بيرس ولويس أراغون ورينه شار... وهؤلاء أقرأهم مترجمين الى الانكليزية أو العربية، ففرنسيتي لا تسمح لي بأن أحتك بنصوصهم في اللغة الأم. وفي الشعر الأميركي اللاتيني شاعري المفضل هو بابلو نيرودا. وفي الشعر الإيطالي أحب أوجينيو مونتالي شاعراً وناقداً. المشهد الشعري عالمياً في النصف الثاني من القرن العشرين، أو في القرن العشرين كله، كان من أغنى المشاهد الشعرية في التاريخ. أحب أيضاً الشاعر اليوناني جورج سيفيريس وكذلك الشاعر اليوناني إيليتس.


    > وما قصتك مع المتنبي؟

    - المتنبي، على الاختلاف الكبير معه حول نزعته الى السلطة ومدائحه وهجاءاته، أعتبر انه يلخص الشعر العربي الكلاسيكي. واذا أردنا أن نقرأ الشعر العربي كله مجازاً في شاعر واحد نقرأه في المتنبي. ثم إذا أردنا أن نقرأ الشعر المختلف عن شعر المتنبي نقرأ أبا العلاء المعري.


    > وأبو تمام أين تضعه؟

    - أبو تمام، مشروعه التحديثي (بين موسين) هو الذي سمح للحركة الشعرية العربية أن تتجدد. طبعاً هو من الشعراء الكبار، لكنه شديد التقعّر ومشغول بنحت الكلمات وخلق الصور الغامضة.


    > وأبو نواس أليس هو من أوائل الشعراء «المدنيين»؟

    - طبعاً طبعاً، أبو نواس نقل الشعر من البداوة الى المدنية. العصر العباسي هو العصر الذهبي للشعر العربي الكلاسيكي، ولكن في موازاة الشعر الجاهلي.


    > ألا تعتقد ان المتنبي في «الأنا» المتضخمة عنده والنرجسية ترك أثراً سلبياً في الشعر العربي؟ كأن يقول: «أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي...». من هو هذا الشاعر الذي يجرؤ أن يقول إن الأعمى قرأ أدبه؟ ما هذه المغالاة؟ ما هذا الاعتداد؟

    - قد تصلح شخصية المتنبي وتناقضاته لكتابة مسرحية عنه. ربما هذه الجوانب سلبية لديه ولكن ما يعنيني في المتنبي هو شعره. لا شك في أن شعره يتمتع بجزالة رهيبة وفيه تختلط الحكمة مع العاطفة المتأججة. وهو يضع علامات لا يمكن أن تخطئها العين ولا الأذن. أنت تعرف المتنبي من غير أن يوقع قصيدته. وقدرته على أن يخلق سلطاناً شعرياً في هذا المستوى، لا نستطيع أن نمرّ بها مروراً محايداً.


    > لكنّ هذا لا ينطبق على كل شعره.

    - ليس من شاعر كل شعره جميل. وعندما أقرأ مدائحه وهجائياته أنسى الممدوح والمهجو وتطربني الجزالة الشعرية والبلاغة. القوة الداخلية لدى المتنبي حجبت عني أخلاقيته. أما انه ورّث «الأنا» المتضخمة الى غيره فإن «الأنا» لا تورّث. هناك شعراء آخرون متضخمون وفي كل العصور.


    > ومشروع «التنبؤ» لديه!

    - هذا المشروع ليس مشروع المتنبي وحده. العصر الرومانسي شهد مثل هذا المشروع، بل ان الرومانسية نفسها تقوم على هذا المشروع الرؤيوي ولا سيما الرومانسية الألمانية.


    > ولكن هناك فرق بين الرؤيا والادعاء؟

    - هذه الظاهرة موجودة عبر العصور حتى في عصرنا الحديث. وعلى الشاعر في عصرنا أنني خفف من دلالات فهمه لدوره. الشعر الآن يهتم بالهامشي أكثر مما يهتم بالقضايا الكبيرة. فكرة البطولة أو الفرادة ألغتها الحداثة الشعرية أصلاً. وأكرر ان هذا المشروع لا أعتقد انه من ميراث المتنبي. هذه خصائص بشرية. عندما تريد وصف وضع ما، في شكل تلقائي تلجأ الى الاستشهاد ببيت للمتنبي. وإن قلت ان المتنبي أكثر حداثة وحياة منا جميعاً فإنما قلت هذا من قبيل المجاز. وقامت عليّ القيامة لأن البعض أخرج كلامي من سياقه.


    > أعود الى مسألة الريادة في الشعر العربي الحديث! ماذا تعني لك مقولة الرواد؟ هل ما زالت هذه المقولة مستمرة أم انها باتت مرتبطة بزمن معين؟

    - أعترف بأني لا أستطيع أن أقرأ شعر معظم الرواد. وشعر هؤلاء يحتاج الى قراءة نقدية جديدة والى غربلة. وأهمية الرواد هي أهمية تاريخية، فهم شكلوا بشعرهم أو بأسمائهم نقطة انعطاف أو تمرد على القصيدة الكلاسيكية عبر خلق كلاسيكية تفعيلية جديدة. أي انهم تمردوا على التقليدية بما يمكن أن أسميه تقليدية أخرى. أنا لا أستطيع أن أقرأهم. انهم يحتاجون الى اعادة نظر، ولكن هذا لا يعني انني أخفف من أهمية دورهم التاريخي. الجامعات العربية وللأسف الشديد، لا تعرف مرحلة ما بعد الرواد. وكل جيل ما بعد الرواد غير مقروء جيداً، نقدياً وأكاديمياً. فجيل الرواد احتل مفهوم حداثة الشعر العربية، وأغلق الباب في وجه من أتى بعده. كل هذه المسألة تحتاج الى قراءة جديدة وإعادة نظر. أين تضع سعدي يوسف هذا الشاعر الكبير؟ فلا هو مع الرواد ولا مع جيل الستينات أو السبعينات؟ أين تضعه؟


    > وأنت أليس أمرك هو نفسه؟

    - إذا كنت أنا شاعراً مهماً فأين تضعني؟ إذاً الريادة يجب ألا تقف عند مرحلة تاريخية وتتجمد. الريادة يجب ان تكون أشبه بالصيرورة المستمرة والمتواصلة. وهناك انقلابات في الشعر العربي في السبعينات والثمانينات والتسعينات، وكل جيل يقدم ريادة من نوع مختلف. فعلى النقد العربي أو على الاكاديميات العربية ان تجري تحقيقاً جديداً في شأن الريادة ويجب أن يظهر الخط المستمر من جيل الرواد الى الآن. وهكذا يصبح في الإمكان النظر الى الشعر العربي كحركة حيوية متقدمة باستمرار وتنقلب على نفسها وتجدد نفسها بنفسها. ويجب عدم وضع حواجز حديد بين جيل وجيل.


    > من الذي ينفّرك من الشعراء الرواد مثلاً إذا عدت الى قراءة آثاره؟

    - لم أعد قادراً على قراءة شعر خليل حاوي مثلاً. والبياتي كذلك. لكنني أحترمهما. فهما غير قريبين الى ذائقتي. ومن المعروف أن الذائقة الشعرية مسألة ذاتية جداً، وأود ألا أذكر أسماء...


    > هل عدت مرة الى كتب كنت تحبها ثم وجدت نفسك لا تحبها؟

    - طبعاً، إننا نتعرض لخدع شعرية وفنية وثقافية. فما كان يبدو لنا جميلاً في زمن معين وعمر معين أو مرحلة معينة لم يعد يحمل حياة جديدة في ذاته تجعله قابلاً للقراءة في زمننا. لذلك فإن الأدب الباقي هو الأدب الذي يستطيع أن يخترق الأزمنة والأجيال ويحافظ على حداثته ومعاصرته، وعلى قابليته لأن يقرأ في زمن غير الزمن الذي كتب فيه.


    > أحياناً نحس أن بعض القصائد تشيخ مثل الانسان!

    - هذا إحساس مؤلم ولكنه مطمئن، فالخديعة لا تعمّر طويلاً.


    > كيف تقرأ الآن شاعراً مثل نزار قباني؟

    - لا أقرأه الآن بالبهجة التي كنت أقرأه بها من قبل، لكن هذا لا يعني أنني لا أحبه.


    > نلاحظ أنك لم تكتب أي نص نظري في الشعر، علماً أن قصيدتك تحمل ما يشبه «البيان» الشعري بصمت! هل كتبت نقداً عندما عملت في الصحافة الفلسطينية في الداخل؟

    - كنت أكتب مراجعات كتب، ولكن إذا قلت ان نظرتي الشعرية أو بياني الشعر موجودان في قصيدتي نفسها، فهذا يكفي. لماذا أضع نفسي في إطار نظري يصعب عليّ التخلص منه. وهذا لا يعني انني لا أحترم المنظرين، بل على العكس. لكن الملاحظ أن معظم الشعراء الذين ينظرون فإنما ينظرون لشعرهم، ويدافعون عن خيارهم الشعري، ولا يكونون منفتحين على تجارب الشعراء الآخرين ومستعدين لاستيعابها. ثم ليس لدي ميل الى التنظير، لأنني أخاف أن أخطئ.


    > لكنك في الاحاديث الصحافية تنم عن ناقد يملك ذائقة ووعياً نقدياً!

    - اكتفي بوضع ملاحظات، وهي ليست ناجمة عن مقولات أو نظريات متماسكة. ربما ليس لدي مؤهلات لهذا الأمر. ليس لدي هذا الميل.


    > ألا تحس أحياناً انك في حاجة الى أن توضح أمراً ما في شعرك أو قصيدتك؟

    - بين حين وآخر أكتب بعض النصوص عن الشعر وعن التجربة الشعرية، وأحاول أن أجيب على اسئلة تتعلق بهذه التجربة، ساعياً الى توضيح سوء فهم بريء أو مقصود حول تجربتي. عندما وقعت ديواني الجديد «كزهر اللوز...» في رام الله أخيراً كنت مضطراً على أن أرد على حملة قام بها شعراء فلسطينيون تحديداً، يريدون أن يتدرّبوا على الملاكمة وهم يرون ان شعري لم يعد شعر مقاومة، فقدمت بعض الملاحظات المكتوبة حول فهمي للشعر الوطني وشعر المقاومة، وأن علينا أن نفهم المقاومة في معناها الواسع وليس الضيق. وقلت أيضاً إن الحداثة لا تعرّف فقط بقصيدة النثر... أحياناً في بعض الحوارات الصحافية أو اللقاءات والمداخلات أعبّر عن مفهومي للشعر.


    > هل تقرأ ما يكتب الشعراء من تنظير شعري؟

    - ليس كل الشعراء.


    السيرة الذاتية


    > يبدو أن سيرتك الشعرية لا تظهر إلا في شعرك وخصوصاً في ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» وفي «جدارية»، وكأن لا سيرة لك مع أنك تحب قراءة السيَر! ما سر غياب سيرة محمود درويش وطغيان الشعر عليها؟

    - أولاً ما يعني القارئ في سيرتي مكتوب في القصائد. وهناك قول مفاده ان كل قصيدة غنائية هي قصيدة أوتو – بيوغرافية أو سير – ذاتية، علماً بأن هناك نظرية تقول ان القارئ لا يحتاج الى معرفة سيرة الشاعر كي يفهم شعره ويتواصل معه. ثانياً يجب أن أشعر بأن في سيرتي الذاتية ما يفيد، أو ما يقدم فائدة. ولا أخفيك ان سيرتي الذاتية عادية جداً.


    > على العكس، أجد انها سيرة مثيرة جداً وصاخبة... فماذا عن طفولتك؟ ماذا عن أمك وأبيك؟ ماذا عن المنفى؟...

    - لم أفكر حتى الآن في كتابة سيرتي.


    > هل تخاف هذه السيرة؟

    - لا. لا. لكنني لا أحب الإفراط في الشكوى من الحياة الشخصية ومشكلاتها. ولا أريد بالتالي أن أتبجّح بنفسي، فالسيرة الذاتية تدفع أحياناً الى التبجح بالنفس، فيصوّر الكاتب نفسه وكأنه شخص مختلف. وقد كتبت ملامح من سيرتي في كتب نثرية مثل «يوميات الحزن العادي» أو «ذاكرة للنسيان» ولا سيما الطفولة والنكبة... لا أريد أن أكرر هذا الموضوع وربما عندما أشعر بأن من الضروري أن أكتب سيرتي فسأكتبها. ربما عندما انقطع عن كتابة الشعر.


    > والدتك التي غنيتها في قصيدة «أمي» ماذا تمثل لك الآن؟

    - انها أمي. وهي ما زالت على قيد الحياة. أما الوالد فتوفي منذ عشر سنوات وقد أصيب بضربة شمس في الحج.


    > وكيف علاقتك الآن بوالدتك؟

    - أنا ابنها المفضل، والسبب بسيط لأنني الابن الغائب. غبت عنها سنوات طويلة ولكن كنا نلتقي قبل «الاغلاقات» من حين الى آخر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-12-2005, 06:50 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الحلقة الثانية من حوار عبدة وازن مع محمود درويش (Re: osama elkhawad)

    في حوار درويش اضاءة لما قلنا به عن علاقته بالموت
    وحسنا اننا قلنابذلك قبل ان يقول به درويش ,
    وهذا الحس كما قلت في ردي على بولا حول اتفاقاتنا الاساسية حول الحداثة,
    والتي انكرها بولا في البداية,لكنه اقر بذلك,
    هذا الحس لم يتأتي لي لاني منجم او كاهن او ساحر,كما قلت في دري على بولا,
    وانما لانني اتعامل مع خطاب
    فالي حديث درويش عن علاقته بالموت

    سأله عبده وازن قائلا:
    وماذا عن البعد الميتافيزيقي الكامن في شعرك؟
    فرد درويش:
    - لعل سؤال الموت في شعري شديد الصلة بالبعد الميتافيزيقي. هناك نظرتان الى الموت: نظرة دينية تقول ان الموت هو انتقال من الزائل الى الخالد، ومن الفاني الى الباقي، ومن الدنيا الى الآخرة. وهناك نظرة أخرى أو فلسفية تعتبره نوعاً من الصيرورة، وترى ان الحياة والموت مترافقان في جدلية أرضية. أحياناً أكتب عن الموت ولكن من دون أن أتعمق كثيراً في السؤال الى أقصى حدوده. فالذهاب في السؤال الى أقصاه هو أمر مملوء بالألغام التي لا أستطيع أن أنزعها ولا أن أفجرها. في «جدارية» كتبت عن تجربة شخصية، كانت مناسبة لي للذهاب في سؤال الموت، منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، ومنها ملحمة جلجامش التي تحدثت أيضاً عن الخلود والحياة. هذه التجربة كانت لي اطاراً صالحاً للسرد أو لما يشبه السيرة الذاتية. ففي لحظة الموت تمر حياتك أمامك وكأنها في شريط سريع. انني عشت هذا ورأيته. كل الرؤى التي كتبتها في القصيدة كانت حقيقية: المعرّي ولقاء هيدغر ورينيه شار... رأيت الكثير ولم أكتب كل شيء. لكنني لاحظت ان القصيدة كانت مشدودة الى سؤال الحياة أكثر من سؤال الموت. والقصيدة في الختام كانت نشيداً للحياة. أهم عبرة استخلصتها من هذه المسألة ان الحياة معطى جميل، هدية جميلة، كرم إلهي غير محدود، وعلينا أن نحياها في كل دقيقة. أما سؤال الخلود فلا جواب عليه منذ ملحمة غلغامش حتى اليوم. هناك جواب ديني ولكن كشاعر لا أحب أن أدخل في الجدال الديني. الانسان يؤمن بما يعرف وبما لا يعرف. بل هو مشدود الى الإيمان بما لا يعرف، وأهم أمر في الصراع بين الحياة والموت أن ننحاز الى الحياة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-12-2005, 11:59 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة-الحلقة الاخيرة من حوار عبده وازن مع درويش في "الحياة" (Re: osama elkhawad)



    > قلت مرة ان «البيت اجمل من الطريق الى البيت»؟ هل يذكرك هذا القول بكلام الشاعر الألماني هولدرلن عن «العودة الى البيت»؟

    - كثيرون من الشعراء منذ هوميروس كتبوا عن ثنائية الطريق والبيت. كنت دائماً أميل الى تمجيد الطريق، والطريق بؤرة أساسية في الرؤيا الشعرية والصوفية. هذه الثنائية تتناوبها أوليات مختلفة. عندما كنت خارج الوطن، كنت اعتقد ان الطريق سيؤدي الى البيت وان البيت اجمل من الطريق الى البيت. ولكن عندما عدت الى ما يُسمى البيت وهو ليس بيتاً حقيقياً غيّرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق الى البيت اجمل من البيت لأن الحلم ما زال اكثر جمالاً وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم. الحلم يتيم الآن. لقد عدت الى القول بأولية الطريق على البيت.


    > إنها حالة عوليس إذاً؟

    أجل، حالة عوليس الذي لم يجد نفسه ولا ما كان يتوقع، ولم يجد كذلك بينيلوب. وبحسب الحالة الراهنة عدت شعرياً الى التأمل أكثر في الدرب والسبب بسيط لأنني لم أجد البيت.


    > متى توطدت علاقتك القوية بالبيت؟ في أي مرحلة من حياتك؟

    - علاقتي القوية بالبيت نمت في المنفى أو في الشتات. عندما تكون في بيتك لا تمجد البيت ولا تشعر بأهميته وحميميته، ولكن عندما تحرم من البيت يتحوّل الى صبابة والى مشتهى، وكأنه هو الغاية القصوى من الرحلة كلها. المنفى هو الذي عمّق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضاً لهما. أما الآن فلا أستطيع أن أعرّف المنفى بنقيضه ولا الوطن بنقيضه، الآن اختلف الأمر وأصبح الوطن والمنفى أمرين ملتبسين.


    > أي بيت أحببت خلال منفاك؟ وهل من علاقة بين البيت والمدينة التي تكون فيها؟

    - لا شك في هذه العلاقة. فالبيت لا ينفصل عن محيطه. بيت في حيفا يختلف عن بيت في باريس أو القاهرة أو بيروت. نوافذ البيت مفتوحة على أصوات الخارج. أما البيت المجازي الذي يخلقه الشاعر لنفسه فإنما هو بيت داخلي يخترعه الشاعر نفسه. إنه عبارة عن بيت شعري. هكذا يتحول البيت الى بيت شعر وبيت الشعر يصبح مسكناً أو مأوى. لذلك أحب كثيراً عثور العرب على كلمة واحدة ذات معنيين البيت أي المنزل والبيت الشعري، وهذا تطابق جميل.


    > أول بيت سكنته بعد خروجك من فلسطين أين كان؟

    - أول رحلة لي خارج فلسطين كانت الى موسكو. وكنت طالباً في معهد العلوم الاجتماعية، ولكن لم يكن لي هناك بيت في المعنى الحقيقي. كان غرفة في مبنى جامعي.


    > كم أقمت في موسكو؟

    - سنة. وكانت موسكو أول لقاء لي بالعالم الخارجي. حاولت السفر قبلاً الى باريس لكن السلطات الفرنسية رفضت دخولي الى أرضها. كان هذا في العام 1968. كان لدي وثيقة اسرائيلية لكنّ الجنسية غير محددة فيها. الأمن الفرنسي لم يكن مطلوباً منه أن يفهم تعقيدات القضية الفلسطينية. كيف أحمل وثيقة اسرائيلية وجنسيتي غير محددة فيها وأقول له بإصرار انني فلسطيني. أبقوني ساعات في المطار ثم سفّروني الى الوطن المحتل.


    > هل أحببت موسكو؟

    - كانت أول مدينة أوروبية وأول مدينة كبيرة أعيش فيها. طبعاً اكتشفت معالمها الضخمة ونهرها ومتاحفها ومسارحها... تصور ما يكون رد فعل طالب فتيّ ينتقل من إقامة محاصرة الى عاصمة ضخمة! تعلمت الروسية قليلاً لأتدبر أمور الشخصية. لكن اصطدامي بمشكلات الروس يومياً جعل فكرة «فردوس» الفقراء التي هي موسكو، تتبخر من ذهني وتتضاءل. لم أجدها أبداً جنة الفقراء، كما كانوا يعلّموننا.


    > هل فقدت فكرتك المثالية عن الشيوعية في تلك اللحظة؟

    - فقدت الفكرة المثالية لكنني لم أفقد ثقتي بالماركسية أو بالشيوعية. كان هناك تناقض كبير بين تصوّرنا أو ما يقوله الإعلام السوفياتي عن موسكو والواقع الذي يعيشه الناس، وهو مملوء بالحرمان والفقر والخوف. وأكثر ما هزّني لدى الناس هو الخوف. عندما كنت أتكلم معهم أشعر بأنهم يتكلمون بسرية تامة. وإضافة الى هذا الخوف كنت أشعر بأن الدولة موجودة في كل مكان بكثافة. وهذا ما حوّل مدينة موسكو من مثال الى مدينة عادية.


    > الى أين سافرت بعد موسكو؟

    - الى القاهرة.


    > كم بقيت في القاهرة؟

    - سنتين هما 1971 و1972.


    > كيف كانت حياتك في القاهرة؟

    - الدخول الى القاهرة كان من أهم الأحداث في حياتي الشخصية. في القاهرة ترسخ قرار خروجي من فلسطين وعدم عودتي اليها. ولم يكن هذا القرار سهلاً. كنت أصحو من النوم وكأنني غير متأكد من مكان وجودي. افتح الشباك وعندما أرى النيل أتأكد من أنني في القاهرة. خامرتني هواجس ووساوس كثيرة، لكنني فتنت بكوني في مدينة عربية، اسماء شوارعها عربية والناس فيها يتكلمون بالعربية. وأكثر من ذلك،وجدت نفسي أسكن النصوص الأدبية التي كنت أقرأها وأعجب بها. فأنا أحد أبناء الثقافة المصرية تقريباً والأدب المصري. التقيت بهؤلاء الكتّاب الذين كنت من قرائهم وكنت أعدّهم من آبائي الروحيين.


    > هل التقيت طه حسين قبيل وفاته؟

    - من سوء حظي أنني لم ألتقِ طه حسين، كان في وسعي أن ألتقي به، ولم يحصل اللقاء. وكذلك أم كلثوم لم ألتقِ بها. وحسرتي الكبرى انني لم ألتقِ هذه المطربة الكبيرة. كنت أقول انني ما دمت في القاهرة فلديّ متسع من الوقت لألتقي مثل هذه الشخصيات. التقيت محمد عبدالوهاب، عبدالحليم حافظ وسواهما والتقيت كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم.


    > هل عملت في القاهرة؟

    - عيّنني محمد حسنين هيكل مشكوراً في نادي كتّاب «الأهرام»، وكان مكتبي في الطابق السادس، وهناك كان مكتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبنت الشاطئ. وكان توفيق الحكيم في مكتب فردي ونحن البقية في مكتب واحد. وعقدت صداقة عميقة مع محفوظ وادريس، الشخصيتين المتناقضتين: محفوظ شخص دقيق في مواعيده، ومنضبط، يأتي في ساعة محددة ويذهب في ساعة محددة. وكنت عندما أسأله: هل تريد فنجان قهوة استاذ نجيب؟ كان ينظر الى ساعته قبل أن يجيب، ليعرف إن كان حان وقت القهوة أم لا. أما يوسف ادريس فكان يعيش حياة فوضوية وبوهيمية، وكان رجلاً مشرقاً. وفي القاهرة صادقت أيضاً الشعراء الذين كنت أحبهم: صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي وأمل دنقل. كان هؤلاء من الأصدقاء القريبين جداً. وكذلك الابنودي. كل الشعراء والكتاب الذين أحببتهم توطدت علاقتي بهم. والقاهرة كانت من أهم المحطات في حياتي.


    > هل كانت القاهرة منطلقك الشعري الثاني بعد انطلاقتك الاولى في الأرض المحتلة؟

    - نعم. ولكنني سأروي لك هذه الوقيعة: عندما كنت في القاهرة راحت الصحافة العربية وخصوصاً بعض الصحافة اللبنانية تهاجمني. وخصّت مجلة «الحوادث» غلافها مرة لي قائلة: ليته يعود الى اسرائيل. وراحوا يؤبنونني شعرياً معلنين انني انتهيت كشاعر. قبل أن أكتب، حكموا على ما سأكتب. في القاهرة تمّت ملامح تحوّل في تجربتي الشعرية وكأن منعطفاً جديداً يبدأ.


    > ولماذا قامت هذه الحملة عليك؟

    - كان يُنظر إليّ عندما كنت في الأرض المحتلة كوني شاعر المقاومة. وبعد هزيمة 1967 كان العالم العربي يصفق لكل الشعر أو الأدب الذي يخرج من فلسطين، سواء كان رديئاً أم جيداً. اكتشف العرب أنّ في فلسطين المحتلة عرباً صامدين ويدافعون عن حقهم وعن هويتهم. اكتسبت إذاً النظرة الى هؤلاء طابع التقديس، وخلت من أي ذائقة أدبية عامة. هكذا أُسقطت المعايير الأدبية عن نظرة العرب الى هذه الأصوات المقاومة بالشعر والأدب في الداخل. ومن القصائد المهمة التي كتبتها في القاهرة هي قصيدة «سرحان سرحان يشرب القهوة في الكافيتاريا» ونشرت في صحيفة «الأهرام» وصدرت في كتاب «أحبك أو لا أحبك».


    > ما هي المحطة الثانية عربياً في مسارك الشعري؟

    - انها بيروت، بلا شك. فبعد القاهرة انتقلت الى بيروت مباشرة. وأمضيت فيها نحو اثنتي عشرة سنة الى حين الخروج. عشت فيها من العام 1970 الى العام 1982. حنيني الى بيروت ما زلت أحمله حتى الآن. وعندي مرض جميل اسمه الحنين الدائم الى بيروت. ولا أعرف ما هي أسبابه. وأعرف أن اللبنانيين لا يحبون مديح مدينتهم في هذا الشكل. ولكن لبيروت في قلبي مكانة خاصة جداً. ولسوء حظي انني بعد سنوات قليلة من سكني في بيروت، وهي كانت ورشة أفكار ومختبراً لتيارات أدبية وفكرية وسياسية، متصارعة ومتعايشة في وقت واحد، لسوء حظي أن الحرب اندلعت. واعتقد ان عملي الشعري تعثر حينذاك.


    > لكنك كتبت قصائد جميلة في بيروت؟

    - أعتقد أن أجمل ما كتبت ديوان «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». ولكن بعد اندلاع الحرب صار الدم والقصف والموت والكراهية والقتل... كل هذه صارت تهيمن على أفق بيروت وتعكره. وبعض اصدقائي هناك ماتوا وكان عليّ أن أرثيهم. وأول من فقدت هناك غسان كنفاني. وأعتقد ان الحرب الأهلية في لبنان عطلت الكثير من المشاريع الثقافية والفكرية التي كانت تجتاح بيروت. وانتقل الناس الى جبهات مختلفة ومتناقضة ومتحاربة.


    > هل شعرت يوماً انك طرف في الحرب اللبنانية؟

    - لا، أبداً. أنا منذ البداية كنت أعبّر لأصدقائي ومعارفي عن تشاؤمي من نتائج هذه الحرب. وكنت أطرح السؤال الآتي: هل كان في وسعنا ألا نُستدرج كفلسطينيين الى هذه الحرب؟ كانت هناك أجوبة رسمية تقول أن دور الفلسطينيين في الحرب هو الدفاع عن النفس ومواجهة محاولة إقصائنا. ولكننا أخطأنا في بيروت عندما أنشأنا ما يشبه الدولة داخل الدولة.


    > هل أزعجك هذا الأمر؟

    - كثيراً. وكنت أخجل من اللبنانيين إزاء الحواجز التي كان يقيمها الفلسطينيون في الأرض اللبنانية ويسألون اللبناني عن هويته. طبعاً لكل هذه الأمور تفسيرات وتبريرات. ولكن كنت أشعر دوماً بالخجل. وكنت أطرح على نفسي أسئلة عدة حول هذه الأمور، حتى أمام أصدقائي المتحمسين للقضية الفلسطينية والحركة الوطنية. ومن هذه الأسئلة: ماذا يعني أن ننتصر في لبنان؟ هذا سؤال كان يلح عليّ دوماً. ولنفترض أننا انهينا الحرب وانتصرنا، فماذا يعني الانتصار هنا؟ أن نحتل لبنان ونتسلّم الحكم في لبنان؟ كنت متشائماً جداً. ولم أكتب عن الحرب اللبنانية إلا كتابة شبه نقدية.


    > لكنك أسست مجلة «الكرمل» في بيروت وكأن لديك مشروعاً ثقافياً!

    - هنا المفارقة.


    > الوجود الفلسطيني في بيروت كان له بعد ثقافي وساهم في منح بيروت دلالة ثقافية عربية.

    - تستطيع أن تقول هذا الآن، بعدما وضعت الحروب أوزارها، الحروب الفلسطينية – اللبنانية أو الحروب الأهلية... تستطيع من خلال رؤية محايدة أن تنظر الى الآثار الايجابية للتفاعل الفلسطيني مع الحياة الثقافية اللبنانية أو التفاعل اللبناني مع القضية الفلسطينية. هناك جوانب ايجابية فعلاً. هناك مركز الأبحاث الفلسطينية، مجلة «شؤون فلسطينية» ومجلة «الكرمل» وسواها... كنت أشعر بأن وجودي في بيروت سيطول ولم أكن أشعر بالحرج وكأنني مقيم في شكل شرعي. ولكن أن أكون مقيماً في شكل اجباري ومضاد لرغبة اللبنانيين عبر تعايشهم القسري معنا، فهذا كان يزعجني. وعندما خرجت القيادة الفلسطينية والمقاتلون الفلسطينيون من بيروت لم أخرج. بقيت في بيروت أشهراً عدة. لم أتوقع أن الاسرائيليين سيحتلون بيروت. ولم أجد معنى لخروجي في السفن مع المقاتلين. ولكن في صباح ذات يوم وكنت أسكن في منطقة الحمراء، خرجت لأشتري خبزاً وإذا بي أشاهد دبابة اسرائيلية ضخمة. دخلت اسرائيل قبل الإعلان عن الدخول. حينذاك وجدت نفسي وحيداً أتجوّل في الشوارع ولا أرى سوى الدبابات والجنود الاسرائيليين ورجالاً ملثمين. قضيت فعلاً أياماً صعبة جداً ولم أكن أعرف أين أنام.


    > هل بقيت في الحمراء؟

    - لا. قمت بحيلة. كنت أنام خارج البيت في مطعم، واتصل بجيراني لأسألهم ان كان الاسرائيليون سألوا عني. إذا قالوا: نعم جاؤوا، فكنت أدرك انهم لن يأتوا مرة أخرى، فأذهب الى بيتي، أتجمّم وأرتاح ثم أعود الى المطعم. الى أن حصلت الكارثة الكبرى وهي مجزرة صبرا وشاتيلا. عندذاك تيقنت من أن بقائي هناك ضرب من العبث والطيش.
    عندما احتل الاسرائيليون بيروت عام 1982.



    > وكيف خرجت؟

    - رتّبت الأمر مع السفير الليبي في بيروت حينذاك، فهو كان في مقدوره أن يأخذني من منطقة الأشرفية التي كانت «الكتائب» تسيطر عليها، الى سورية. ولكن كان عليه أن يجد طريقاً ليأخذني من بيتي الى مدخل الأشرفية. اتفقنا مع ضابط لبناني أوجد لنا شارعاً كان سيمر به الرئيس الراحل شفيق الوزان، وكان هناك اتفاق بين الاسرائيليين والحكومة على ألا يتعرضوا لهذا الشارع. وفعلاً سلكنا هذا الطريق وخرجنا من بيروت. وعندما وصلنا الى طرابلس، ذهبنا الى مطعم لنأكل السمك بعدما مللنا أكل المعلبات. وبعدما دخلت الحمام لأغسل يديّ نظرت الى المرآة فرأيت أنفاً عليه نظارتان. لم أعرف صاحب هذا الوجه لثوانٍ. كأنني كنت أنظر الى وجه آخر. وعندما وصلت الى دمشق أقمت هناك أسبوعاً. وكان حصل حادث طريف جداً على الحدود السورية – اللبنانية. فالضابط اللبناني على الحدود الذي طلب أوراقي، وكنت أحمل جواز سفر تونسياً ديبلوماسياً، وجد ان اقامتي قد انتهت وهذه مخالفة قانونية. قلت له: صحيح، ولكن ألا تسمع الأخبار؟ ألا تعرف ان ما من سفارات أو دوائر تعمل؟


    > الى أين سافرت من دمشق؟

    - الى تونس. وكانت زيارة ورأيت خلالها الرئيس عرفات والأخوان في مشهد تراجيدي. رأيت كل الثورة الفلسطينية تقيم في فندق على شاطئ بحر. كان المشهد مؤلماً جداً ويستدعي كتابة رواية عن هذا المصير. لكن عرفات سرعان ما أعاد بناء مؤسسته. وقال لي للحين: واصل إصدار «الكرمل». كان مهتماً حتى بالجانب الثقافي. فقلت له أين أصدرها؟ قال لي: حيث تشاء، في لندن، في باريس، في قبرص... ذهبت من ثم الى قبرص كي أرتب شؤون الرخصة. وصدرت «الكرمل» من قبرص فيما كنت أنا أحررها في باريس وأطبعها في نيقوسيا وكان معاوني الكبير هو الشاعر سليم بركات.


    > كم دامت إقامتك في باريس؟

    - نحو عشر سنوات ولكن في شكل متقطع، إذ كنت أسافر باستمرار. وكنت هكذا قريباً من منظمة التحرير في تونس.


    > كيف كان انطباعك عن باريس؟

    - كانت باريس عبارة عن محطة أكثر منها إقامة أو سكناً.


    > هل ساهمت باريس في انطلاقك عالمياً وفتحت لك الآفاق الرحبة؟

    - لا أعرف. لكنني أعرف بأن في باريس تمت ولادتي الشعرية الحقيقية. وإذا أردت أن أميّز شعري فأنا أتمسك كثيراً بشعري الذي كتبته في باريس في مرحلة الثمانينات وما بعدها. هناك اتيحت لي فرصة التأمل والنظر الى الوطن والعالم والأشياء من خلال مسافة، هي مسافة ضوء. فأنت عندما ترى من بُعد، ترى أفضل، وترى المشهد في شمولتيه. علاوة على أن باريس جمالياً تحرّضك على الشعر والابداع. كل ما فيها جميل. حتى مناخها جميل. في باريس كتب وفي وصف يوم خريفي: «أفي مثل هذا اليوم يموت أحد؟». ومدينة باريس أيضاً هي مدينة الكتّاب المنفيين الآتين من كل أنحاء العالم. تجد العالم كله ملخصاً في هذه المدينة. وكانت لي صداقات مع كتّاب أجانب كثيرين. وأتاحت باريس لي فرصة التفرّغ أكثر للقراءة والكتابة. ولا أعرف فعلاً ان كانت باريس هي التي أصابتني أم ان مرحلة نضج ما تمت في باريس، أم انه تطابق العنصرين بعضهما مع بعض؟ في باريس كتبت ديوان «ورد أقل» وديوان «هي اغنية» و«أحد عشر كوكباً» و«أرى ما أريد» وكذلك ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» ونصف قصائد «سرير الغريبة». وكتبت نصوص «ذاكرة للنسيان» وغاية هذا الكتاب النثري التحرر من أثر بيروت، وفيه وصفت يوماً من أيام الحصار. معظم أعمالي الجديدة كتبتها في باريس. كنت هناك متفرّغاً للكتابة على رغم انتخابي عضواً في اللجنة التنفيذية. وفي باريس كتبت نص إعلان الدولة الفلسطينية. مثلما كتبت نصوصاً كثيرة ومقالاً اسبوعياً في مجلة «اليوم السابع». كأنني أردت أن أعوّض عن الصخب الذي كان يلاحقني في مدن أخرى.


    > عندما تركت بيروت حصل نوع من سوء الفهم بينك وبين بيروت... ماذا عن سوء الفهم هذا؟

    - لم يحصل سوء فهم أبداً، بل كان لديّ حب عميق لهذه المدينة. لكنّ العلاقة بين المحبين ينتابها عتاب أحياناً. فعلاقتي ببيروت كانت علاقة حب. وقد شعرت في تلك اللحظة المأسوية بأن بيروت ستنسانا. هذا كل ما قلته وهو لا يجرح أحداً. وفعلاً مرّت بيروت لبضعة أيام في حال تراجع تجاه نفسها وتجاه الآخرين. أنت لبناني وتعرف اكثر مني. كانت بيروت محتاجة الى وقت أطول كي تتوازن. لكنها ما لبثت أن مرّت بحروب أهلية أخرى في غياب الفلسطينيين. وهذا دليل على أن الفلسطينيين لم يكونوا السبب الوحيد لهذه الحرب التي استحالت حروباً. لا. أنا لم أكتب عن بيروت سوى الحب. وكتبت بشجاعة العاشق المطمئن الى استعداد الحبيبة للاستماع إليه.


    > مدينة عمان، هل هي لك بمثابة المستقر، اضافة الى رام الله؟

    - بعدما أصبح في إمكاني أن أعود الى «جزء» من فلسطين وليس الى «جزء» شخصي بل الى «جزء» من وطن عام، وقفت طويلاً أمام خيار العودة. وشعرت بأن من واجبي الوطني والأخلاقي ألا أبقى في المنفى. فأنا أولاً لن أكون مرتاحاً، ثم سأتعرض الى سهام من التجريح لا نهاية لها، ثم سيقال انني أفضل باريس على رام الله أو على غزة. وبالتالي اتخذت الخطوة الشجاعة الثانية بعد الخروج وهي خطوة العودة. وهاتان الخطوتان من أصعب الأمور التي واجهتها في حياتي: الخروج والعودة. اخترت عمان لأنها قريبة من فلسطين ثم لأنها مدينة هادئة وشعبها طيب. وفيها أستطيع أن أعيش حياتي. وعندما أريد أن أكتب أخرج من رام الله لأستفيد من عزلتي في عمان.


    > أليس من هدوء في بيتك في رام الله؟

    - لا. التوتر عالٍ جداً في رام الله. ومشاغل الحياة الوطنية واليومية تسرق وقت الكتابة. انني أمضي نصف وقتي في رام الله والنصف الآخر في عمان وفي بعض الأسفار. في رام الله اشرف على إصدار مجلة «الكرمل».


    > أين أصبحت «الكرمل» الآن؟ هل أكملت مشروعها؟

    - كل مجلة يجب أن يكون لها تاريخ انتهاء. لا أعرف إن كانت «الكرمل» وصلت الى هذا التاريخ أم لا. لكنني أبحث فعلاً منذ سنوات عن طريقة لتجديد المجلة طابعاً وروحاً، من خلال تجديد محرريها. أي انني أبحث عن وسيلة للخروج لكي أعطي للجيل الجديد فرصة الاضافة والتطوير. لكنني أشعر حتى الآن بأن المجلة ضرورية ومطلوبة وتقوم بدورها الإبداعي والثقافي إضافة الى الترجمة.


    > هل حاولتم التحاور مع المثقفين الاسرائيليين مثل بعض المجلات الفلسطينية في الداخل؟

    - ليس كثيراً. هذه مسألة فردية. أنا لا أعترض على أي كاتب فلسطيني يحاور كاتباً اسرائيلياً معتدلاً ويجمعهما الحد الأدنى المشترك وهو القبول بالدولة الفلسطينية والحق الفلسطيني. ولكنني لا أقترح هذا الحوار كمقترح عام. وقد حقق زميلنا حسن خضر مساجلات مهمة مع بعض الكتاب الاسرائيليين وهي ليست حواراً مقدار ما هي مواجهة فكرية.


    > هل تتدخل كثيراً في محتويات المجلة؟

    - أقرأها حرفاً حرفاً. وأمارس دوري كرئيس تحرير. لأنني لم أقرر حتى الآن من هو رئيس التحرير المقبل. وهذا لا يتعلق بي وحدي بل بمجلس الأمناء وبمتطلبات الثقافة الفلسطينية في الداخل. فتوقيف مجلة مثل «الكرمل» يشكل تراجعاً كبيراً في الحياة الثقافية الفلسطينية. إننا في حاجة إليها. ولكن يجب أن يتسلّمها شخص سواي.


    > هل ضجرت منها؟

    - لا. لكنني أحررها منذ العام 1981 أي منذ أربع وعشرين سنة. وطبيعة الأشياء أن يتغيّر الأشخاص.


    المرأة والمرأة – الأرض


    > «سرير الغريبة» هو من كتب الحب الجميلة جداً وأعتقد انه استطاع ان يضع حداً لمقولة المرأة – الأرض أو الحبيبة – الوطن التي طالما تكلم عنها النقد إزاء شِعرك. كيف ترى الى هذه المقولة وهل من علاقة لها بـ «سرير الغريبة»؟ هل سئمت هذه المقولة؟

    - لا لم أسأمها، ولكن هناك خطر من استمرار التمسك بالترمز. المرأة كائن بشري وليست وسيلة للتعبير عن أشياء أخرى. الوردة كائن جمالي من دون أن يرمز الى جرح أو دم. هذه محاولة لتطبيع علاقتي مع اللغة أو الكلمات والأشياء، ولتطبيع علاقتي أيضاً بالنظر الى الفلسطيني ككائن بشري أولاً، قبل أن يكون قضية. فالهوية الانسانية للفلسطيني سابقة للهوية الوطنية. صحيح اننا في صراع طويل يستلزم أن يقوم الشاعر خلاله بدور في بلورة الهوية الثقافية وفي حماية الروح من الانكسار، ولكن يجب ألا يلغي هذا الأمر حقنا الانساني في التأمل في طبيعتنا البشرية. فالفلسطيني إنسان يحب ويكره ويتمتع بمنظر الربيع ويتزوج... إذاً المرأة تحمل معاني أخرى غير الأرض. جميل أن تكون المرأة وعاء للوجود كله. ولكن يجب أن تكون لها شخصيتها كامرأة. عندما تعرضت في ديواني «سرير الغريبة» للنقد واتهمت بالتخلي عن ارتباطي بالقضية، قلت ان هذا تعميق للتجربة. ثم ان شعر الحب يمثل البعد الذاتي من أبعاد المقاومة الثقافية، فأن نكون قادرين على الكتابة عن الحب والوجود والموت والماوراء، فهذا يعمق من قيمتنا الوطنية وهويتنا. نحن لسنا خطاباً، نحن لسنا بياناً. وكما قلت أكثر من مرة وأكرر: الفلسطيني ليس مهنة بل كائن بشري يناضل ويدافع عن أرضه وحقه.


    > هل يضيرك أن تُسمى مثلاً شاعر حب وليس شاعر غزل طبعاً؟

    - أتمنى أن أكون شاعر حب أو أتمنى أن تسمح لي ظروفي التاريخية في أن أكون شاعر حب، لأن شعر الحب هو أجمل ما يمكن أن يكتب من شعر. والحب لا ينتهي. شعر النضال ابن مرحلة ما وهو ضروري، ولكنه لا يقدر على الاستمرار. الصراع عملية مستمرة، الصراع في معناه الايجابي، وهو يأخذ أشكالاً متعددة، منها صراع الانسان مع قلبه، الصراع بين العقل والقلب، نداء الغريزة، حق الرغبة في التعبير عن نفسها.


    > هل عشت قصص حب وخيبات حقيقية؟ وهل كتبت انطلاقاً من تجارب عشق حية؟

    - كل ما أكتبه في الحب أم في سواه، ناجم عن تجارب حية.


    > هل هناك امرأة معينة كتبت عنها أو لها؟

    - ربما. ولكن ليس كما يعبر عنها شعري. لماذا؟ لأنك إذا بدأت في كتابة قصيدة حب لا يمكنك ان تكتب عن المطلق في الحب، أنت تكتب عن امرأة معينة. لكن الكتابة تأخذ مجرى يخرج من سياق حادثة الحب. حينذاك تختلط ملامح المرأة التي تكتب عنها بملامح امرأة أخرى أو نسوة أخريات، وكذلك، بملامح الشجر والماء والتراب. النص يبدأ دائماً من المحدد ثم ينتقل الى الكلي. أما أن يكون لدي امرأة مثل «إلسا» حبيبة الشاعر أراغون فهذا صعب. ليس لدي «إلسا». هذا مع اعتقادي بأن «إلسا» كانت ذريعة للشاعر أراغون.


    > سأنتقل الى الكلام عن «نوبل». ففي كل سنة يتجدد الكلام عربياً عن «نوبل» وتطرح دائماً أسماء عربية، وكان اسمك بارزاً هذه السنة من خلال الاحصاء الذي قامت به صحيفة «النهار» البيروتية وقد احتللت فيه المرتبة الأولى بحسب ترشيح بعض المثقفين العرب اسمك للجائزة! كيف ترى الى هذه القضية الاشكالية؟ هل فكرت بالجائزة يوماً؟

    - لم أفكر بجائزة نوبل ولم أحلم بها وأشعر في داخلي بأن على الانسان أن يحلم بما هو ممكن وألا يتحول هذا الموضوع الى «وسواس». القضية غير شخصية وأشكر المثقفين الذين اختاروني للجائزة. ولكن كنت أتمنى ألا يكون اسمي مطروحاً بين الأسماء، لأنني لا أحب دخول هذه «البورصة». كل سنة ترتفع أسهم وتسقط أخرى. وعموماً هناك مشكلة في نظرة العرب الى صورتهم. الأدب العربي لا يحتل مكانته في العالم كما يظن الأدباء العرب. وجائزة نوبل ليست جائزة للأدب العربي. العرب فازوا بها بعد 87 سنة من تأسيسها وحازها نجيب محفوظ باستحقاق عالٍ. ومكانة العرب الأدبية ترتبط أيضاً بمكانتهم العالمية والسياسية وبحضورهم في العالم. ولا يمكن أن يستبعد هذا الشرط. يقيم العرب كل سنة زفة مما جعل القضية هذه محرجة حقاً. ومن حسن حظ العرب ان اعضاء اللجنة السويدية لا يقرأون العربية ولا يضحكون من إصرار العرب على انتزاع الجائزة. وإن فاز بها أي عربي فستكون الفرحة عربية. ولكن علينا أن نتصرف بلياقة أفضل وألا نصاب بمرض أو بهوس اسمه «نوبل». والمشكلة أن بعض الكتاب العرب إذا ترجم لهم كتاب يضعون نفسهم رأساً في قائمة المرشحين للجائزة هذه. وأنا أعتقد ان المرشحين لهذه الجائزة هم بالآلاف. وأي كاتب يمكن أن يُرشحّ الى هذه الجائزة. لكن هذا لا يعني شيئاً. فلماذا يقف العرب كل سنة في «طابور» الانتظار؟ إذا جاءت تكون جاءت وإذا لا فلا.. وعلى الذين يفكرون فيها يجب أن ينسوها، لعلها تتذكرهم.


    > ماذا يعني أن يقول شاعر في حجمك ومرتبتك: «أنا لست لي أنا لست لي...»؟ هل هي الغربة التي يحياها الشاعر الذي فيك؟

    - في آخر الأمر لا يبقى من الشاعر إلا بعض شعره، إذا كان استحق أن يصمد في غربال الزمن. أما هو فليس لنفسه، إنه منذور للغة ولتقديم مسوّغ وجوده على هذه الأرض. انه، في ختام الأمر زائل واللغة هي الباقية. «أنا لست لي» على المستوى الشخصي، ولكن ربما «أكون لي» على المستوى الشعري، وإذا كانت لي قيمة ما، فهي لن تكون لي، بل للغة وللآخرين.


    > هل تخاف الموت؟

    - لم أعد أخشاه كما كنت من قبل. لكنني أخشى موت قدرتي على الكتابة وعلى تذوّق الحياة. لكنني لن أخفيك أن الطريقة التي مات فيها الشاعر معين بسيسو في الفندق، وكانت غرفته مغلقة وعلى الباب إشارة «الرجاء عدم الازعاج» جعلتني أخشى هذه الاشارة أو اللافتة. فجثته اكتشفت بعد يومين. الآن كلما نزلت في فندق لا أضع هذه الاشارة على الباب. ولا أخفيك أيضاً انني لا أضع مفتاح باب البيت في القفل عندما أنام.


    > أليست الفنون قادرة على هزم الموت كما قلت في قصيدتك «جدارية»؟

    - هذا وهم نختلقه كي نبرر وجودنا على الأرض، لكنه وهم جميل.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-12-2005, 06:30 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة-الحلقة الاخيرة من حوار عبده وازن مع درويش في "الحياة" (Re: osama elkhawad)

    أعود بعد غياب الى سقف الوردة,
    و كنت طيلة ذلك الغياب القسري ,مصابا بداء الحنين الى البيت الاسفيري
    كان بي شوق الى عودات مازن "النحات",
    بعد غيابات كثيرة,والى حكاويه عن الشغل وتذمره منه,
    ووعوده الكثيرة ببسط ما وعد به
    كان بي شوق الى كلام البرنس و "تعتيلاته "المحببة للبوست باسلوبه المهذب
    كان بي شوق الى الاخرين الجميلين الذين جعلوا هذا البوست ممكنا:
    "المعوكابي" كما وصف نفسه ذات بوست:
    1-عبد الماجد فرح يوسف
    2-صديقنا الكوالالامبوري :
    منصور علي
    3-صديقنا في "الداخل" :
    حاتم الياس
    4-صديقنا في "الشتات" وفي رحلة الحياة والمقاربات النقدية الحديثة:
    عبد اللطيف علي الفكي
    الذي اضفى طابعا يشبه روحه على البوست ,
    ولا أذيع سرا اذا قلت ان لطيفا بحفره العميق في الخطاب وفي الظواهر والاشياء هو الذي اوحى الى بفكرة :
    Quote: مايسترو البوست
    5-كل الذين ساهموا في هذا البوست والمتابعات والمتابعين
    كان بي حنين ما ,
    حنين كأنه قدّ من صخر الرهافة الفارهة
    كنت مصابا بمرض الحنين الى البيت الاسفيري "البوست"
    والذي يمكن ان نسميه:
    النوستالجيا الاسفيرية
    وسأعود
    المشاء

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 14-12-2005, 06:45 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-12-2005, 07:01 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة-الحلقة الاخيرة من حوار عبده وازن مع درويش في "الحياة" (Re: osama elkhawad)

    وأنا (يا ابن أمي) بي شوق وحنين إلى هذا السقف لولا حوار لم يكن في الحسبان مع أعز الناس داخل مشهدنا الثقافي هذا!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-12-2005, 07:12 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة-الحلقة الاخيرة من حوار عبده وازن مع درويش في "الحياة" (Re: عبد الحميد البرنس)

    عزيزي برنس
    اعتقد ان هذا ما ينفع الناس
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-12-2005, 01:06 PM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: osama elkhawad)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-12-2005, 01:30 PM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: mazin mustafa)

    سلاااااااااااااام..


    اود ان الف نظر الاصدقاء هنا الي هذا المكان..(خوفا من ان يضيع من الناس في زحمة النصوص )

    سيرة العناصر(طبعة هنا)






    مع محبتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 02:52 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: mazin mustafa)

    عزيزي وأخي الحبيب مازن:

    لا يزال الحنين يتملكني إلى العودة ها هنا

    محبتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 06:59 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: عبد الحميد البرنس)

    أحاول الآن ان اطبع من جديد ما كتبته من مقاربة حول جدارية
    فقد ضاعت مني كل المادة التي طبعتها وخزنتها في فلاش درايف انكسر ذات ليلة شتوية
    و لذلك فانني اعيد الان طباعة كل ما كتبته
    رغم فداحة الخسارة لكنني كسبت مزيدا من النصوص من خلال العودة الى الاصل
    وسأحاول أن اعود في اقرب فرصة
    ونرجو من الذين يريدون التعليق والمساهمة ان يعودوا بمساهماتهم ومن هؤلاء :
    المشاءة ايزابيلا
    صديقنا أبو عبيدة الماحي
    وفي انتظار الجميع
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 08:04 PM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 02-12-2004
مجموع المشاركات: 19195

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: osama elkhawad)

    الأخ أسامه لك السلام
    لم نتناكف منذ أمد
    لاهوت الورده ذلك الإسم نزاع للميتفزيقيا والبارا سايكولجى بمقابلة تكون الوردة كائن حى بروح وتكون كذلك مقدسه لذاتها وذلك نفوذ للفلسفه لا أدرى إن كان بقصد أو بغيره أتحفنا.............


    منصور
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 09:44 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: munswor almophtah)

    عزيزي منصور
    شكرا لسؤالك
    وهو قد كان كان محور تساؤل بيني وبين صديقنا لطيف ,حين تحدث عرضا عن سيميولوجيا العنوان في ما يتعلق بنصي الشعري
    وقد قمت بالرد على ذلك في بوستي "انقلابات عاطفية"
    الوحيد الذي نبه الى مسالة العنوان كان الاستاذ الشقليني
    وعلى فكرة انا اهتم جدا بمسالة العنوان ومن زمن طويل
    فهو في راي ليس ملخصا للنص و حسب ,
    وانما يضفي عليه حيوية دلالية اخرى

    كلامك عن الجمع بين اللاهوت وبين المعاش,
    يجيلنا الى الجمع الذي يقوم به الشعر
    كما انه يحيلنا الى التناص
    لاهوت الوردة تتناص مع نصوص هي مرئية بالنسبة لي ولكن هنالك نصوصا اخرى ,
    لا يمكن لشاعر ان يحيط بها وهو يكتب نصه
    او على الاقل في مرحلته الثانية او الثالثة وقد تتعدد المراحل
    وهذا اي اللامرئي واللامقروء هو اكتشاف فرويد العظيم عن اللاشعور
    وقد سبق لي ان نوهت الى علاقة هذا النص كقارئ ب:
    لاهوت التحرير
    ويمكن ان تقول كل النصوص التي قرأتها وغابت عني عن الوردة
    ومن ضمن ذلك :
    اسم الوردة
    لامبرتكو ايكو
    وهو واحد من كتابي المفضلين
    ومن المرتكزات الاساسية التي استندت عليها في ممقاربتي للقراءة الخاطئة,
    ما قال به امبرتو ايكو كواحد من السيموطيقيين المعروفين
    ذلك أن لأمبرتو ايكو اوجها متعددة
    وهذا ليس مجال الحديث عنها
    شكرا لك على هذه الاطلالة الجميلة والتي جعلتني اتداعى قليلا ككاتب للنص,
    وكقارئ له بعد كتابته,
    و كناقد ايضا
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 10:01 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: osama elkhawad)

    عزيزي المشاء:

    يبدو لي إزاء ظروفنا الضاغطة أننا لم نتحدث أولم نتوقف طويلا أمام وقفاتك أمام أكثر الشعراء جمالا منذ "أبوالطيب", وأعني أمل دنقل "شاعري المفضل", لكم أود الحديث عنه وعن لقائي بأرملته "عبلة" أكثر من مرة, لقد كان ثمة حزن أبدي يطل من عينيها الخضراوين كما لو أن الحياة توقفت عند موته, ما أجملها تلك التي لا تزال تبدو كعروس لم يتح لها سوى رشفة من كأس الهناءة لا تروي سوى.. سوى حنين دائم إلى فردوس لم يدم سوى لحظة!!!.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-12-2005, 11:39 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: هل عدنا؟ (Re: عبد الحميد البرنس)

    عزيزي برنس
    ارجو ان تعود الينا
    فما نفعله هنا هو الاجدى
    فالعاطلون عن الانجاز يكتفون بالمناقرة
    ساعود
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-12-2005, 09:48 AM

عبدالله الشقليني
<aعبدالله الشقليني
تاريخ التسجيل: 01-03-2005
مجموع المشاركات: 12129

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    يستحِق لاهوت الوردة أن يُقرأ
    أكثر من مرّة
    شكراً مُجدداً لكاتبه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2005, 08:47 AM

mazin mustafa
<amazin mustafa
تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبدالله الشقليني)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2005, 02:50 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: mazin mustafa)

    شكرا لصديقنا الشقليني ومازن على تعتيل البوست
    ساعود لو الله هون بعد يوم الاحد بعد ان اكون قد قمت باعادة طبع ما خسرته من الفلاش درايف
    محبتي للجميع
    ومزيد من القراءة حتى نعود للحوار حول الجدارية ثم ننطلق الى ما تبقى من محاور حول الهوية
    وغيرها
    ارقدوا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-12-2005, 03:52 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    لا عليك (ياصديقي الفضائي), إذ إن ما يحدث ليس "نهاية العالم", كما إني لا أعتقد في مقولة إحياء إنسان بموت إنسان آخر, إذن هو العالم في تقلباته وأهوائه ومفاجآته, وقد سبق لي وإن قلت لأستاذنا بولا ما نصه
    Quote: عزيزي وأستاذي الجليل بولا:

    تحية طيبة..

    أنا سعيد بترحيبك بي هكذا, وإن كنت قبلها بلحظات أعاني من وطأة حزن ثقيلة, إذ ينتهي بك المطاف في بوست (عفواً عزيزي الخواض!!!!) إلى كل ذلك اليأس, ولعل الصمت تجاه أسامة يأتي من جانبك على النقيض مما قام به الأستاذ عثمان قبلك من فتح كوة ينفذ عبرها الحوار إلى آفاق أرحب. محبتي.
    , ولعلك كنت مصيبا عند بداية هذا الحوار
    Quote: نامل في حوار,لن يكون سهلا كمايتوقع الحالمون,
    لكن نامل في ان يكون حوارا يثير قضايا مهمة
    محبتي
    المشاء
    , ولا أنكر هنا وقوعك على مستوى اللغة المستخدمة في مأزق أوآخر (((وبوسعي توضيح ذلك على أكثر من مستوى))), لكن ذلك لا يعني في تصوري بأية حال وصول بولا إلى تلك النتائج بكل تلك السرعة, وهو أمر أرجو أن يعيد بشأنه ترتيب أوراقه بكل جدية معهودة عنه كضبط النفس.

    كن بخير
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 10:25 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبد الحميد البرنس)

    بمناسبة الكريسماس -ميلاد السيد المسيح-نوجه التهنئة للذين يحتفلون بهذه المناسبة
    وساعود لكلام برنس
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 10:41 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبد الحميد البرنس)

    عزيزنا برنس
    ها اخيرا اعود من غيبوبتي
    وهي تلك الايام التي اقضيها في العمل اوفر نايت
    ولذلك دوما ما اقول انني ساعود بعد يوم الاثنين
    و هو ما يشابه ما يقول به استاذنا بولا دوما عن العبودية المعاصرة

    لي آرائي حول الحوار وأسسه,
    وهذا بعض من المساهمة الايجابية لمنبر الحوار الديمقراطي في طرح مسالة الحوار وأسسه,
    وهذا هو اتفاقنا العريض
    وقد سبق لي هنا في هذا المنبر أن أشرت الى ذلك,
    لكن تقول شنو

    لكن الكلام حول
    Quote: المساحة الرطبة للحوار
    ,
    كلام يجافي تعقيد الحوار نفسه وشروطه وسياقه ومنعطفاته و أنفاسه الباردة والحارة معا,
    وسأعود الى ذلك في حينه,
    وفي مكانه

    سأعود لقضايا جوهرية من ضمنها انسحاب بولا,
    ومسائل اخرى طرحتها الحوارات المدورة الآن,
    والتي تثبت ان الحوار أكثر تعقيدا مما تطرحه جماعة الجو الرطب الاسفيري
    وساعود الى ذلك في حينه ومكانه

    كما أتمنى ان نواصل البوست في مسيرته التي أسسها ,
    وهو ما يطرح شكلا من اشكال الحوار أكثر عمقا وأكثر فائدة للقارئ
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 11:07 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    تهنئتنا بميلاد المسيح للذين يحتفلون به ,تعيدنا الى خطاب الانعزال ونفي الآخر ,والاستعلاء
    وهذا ما وضح جليا في بوست الأخت بنت الأحفاد عن مشروعية تهنئة "الكفار" بأعيادهم
    و هذا ما يجعل من طرح مسالة الهوية والعولمة ,وهذا واحد من المحاور التي سيناقشها البوست,
    مسألة في غاية الاهمية

    تقول الاخت بنت الاحفاد:
    سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - :
    عن حُـكم تهنئة الكفار بعيد ( الكريسميس ) ؟
    وكيف نردّ عليهم إذا هنئونا به ؟
    وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يُقيمونها بهذه المناسبة ؟
    وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئا مما ذُكِر بغير قصد ؟ وإنما فعله إما مجاملة أو حياءً أو إحراجا أو غير ذلك من الأسباب ؟
    وهل يجوز التّشبّه بهم في ذلك ؟

    فأجاب - رحمه الله - :
    تهنئة الكفار بعيد ( الكريسميس ) أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق ، كما نقل ذلك ابن القيّم - رحمه الله – في كتابه أحكام أهل الذمة ، حيث قال : وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول : عيد مبارك عليك ، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلِمَ قائله من الكفر فهو من المحرّمات ، وهو بمنزلة أن تُهنئة بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله ، وأشدّ مَـقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه . وكثير ممن لا قدر للدِّين عنده يقع في ذلك ، ولا يدري قبح ما فعل ، فمن هنّـأ عبد بمعصية أو بدعة أو كـُـفْرٍ فقد تعرّض لِمقت الله وسخطه . انتهى كلامه - رحمه الله - .
    وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراما وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر ، ورِضىً به لهم ، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه ، لكن يَحرم على المسلم أن يَرضى بشعائر الكفر أو يُهنئ بها غيره ؛ لأن الله تعالى لا يرضى بذلك ، كما قال تعالى : ( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) . وقال تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا .
    وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نُجيبهم على ذلك ، لأنها ليست بأعياد لنا ، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى ، لأنها أعياد مبتدعة في دينهم ، وإما مشروعة لكن نُسِخت بدين الإسلام الذي بَعَث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق ، وقال فيه : (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) .
    وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام ، لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها .
    وكذلك يَحرم على المسلمين التّشبّه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة ، أو تبادل الهدايا ، أو توزيع الحلوى ، أو أطباق الطعام ، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ تشبّه بقوم فهو منهم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " : مُشابهتهم في بعض أعيادهم تُوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل ، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء . انتهى كلامه - رحمه الله - .
    ومَنْ فَعَل شيئا من ذلك فهو آثم سواء فَعَلَه مُجاملة أو تَودّداً أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب ؛ لأنه من المُداهنة في دين الله ، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بِدينهم .
    والله المسؤول أن يُعزّ المسلمين بِدِينهم ، ويرزقهم الثبات عليه ، وينصرهم على أعدائهم . إنه قويٌّ عزيز
    حكم التهنيئه بعيد الكريسماس

    لا نريد ان نحول البوست الى مناقشة مثل هذا الخطاب الانعزالي الاقصائي,غير المتسامح
    لكن هذه مناسبة كي نعد أنفسنا لمناقشة قضايا الهوية والعولمة
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 11:45 AM

عبدالماجد فرح يوسف
<aعبدالماجد فرح يوسف
تاريخ التسجيل: 06-05-2004
مجموع المشاركات: 1178

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    العزيز كاتبنا المشـــاء الفيلاديلفي
    وأحبابنا أهل الهوى, تحت سقف الوردة.
    ســلام كيمان.
    نأسف للانقطاع الطويل
    ولكنى كنت أتابع "إنقلابات" "لاهوت الوردة" من علي البعد.
    كل عام وأنتم بخير
    نترقب معكم "الجدارية" وأشياء أخر..
    مودتي واحترامى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 12:02 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 14-02-2005
مجموع المشاركات: 6891

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبدالماجد فرح يوسف)

    عزيزي المشاء:

    عائد كذلك من جانبي للتو من وردية ليل (12 ساعة) أمكنني خلالها كتابة آخر مساهمة في بوست "بعد التحية..", سأنام قليلا, ولي عودة, محبتي.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-12-2005, 08:10 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبد الحميد البرنس)

    كل عام والجميع بخير ,
    عبد الماجد فرح يوسف,
    أيها "المعوكابي الجميل"

    ساعود غدا كان الله هون لمواصلة الحديث عن الجدارية

    تحياتي لبرنس
    ونرجو ان يعود بعد انقشاع العلالة الى علايل الكلام
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-12-2005, 05:14 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    سأعود غدا
    لانشغالي الآن في بوست تمثلات الكتابة للطيف في منبر الحوار الديمقراطي
    وهو مرتبط بحوارنا الاطرش
    ومن ضمن ذلك الكلام عن التناص
    محبتي
    ارقدوا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-12-2005, 12:52 PM

الواثق تاج السر عبدالله
<aالواثق تاج السر عبدالله
تاريخ التسجيل: 15-04-2004
مجموع المشاركات: 2121

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    الاخ اسامة

    لك التحية وللاخ البرنس وكل المتداخلين

    كل عام وانتم بالف خير

    مازلنا نستظل بظل الوردة ونتابع عن قرب وبكل تمعن

    وننتظر اكمال الحديث عن الجدارية .....
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-12-2005, 04:58 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: الواثق تاج السر عبدالله)

    سأعود يا صديقنا الواثق تاج السر
    وقد ترددت في بسط مداخلتي القادمة عن دلالة الاسم في جدارية,
    لانني لم اكن متاكدا اين ابسطها هل في المنبر الجديد ام في المنبر القديم
    وقد اصلح الصديق بكري هذا الالتباس
    وساعود للحديث عن الجدارية
    Quote: لاميي سودانيز اون لاين
    ,
    و
    Quote: خنازيرها وكلابها

    أو كما قال "أبونا" حسن موسى
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

28-12-2005, 08:11 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    سبق لي ان اشرت الى "ابينا " حسن موسى

    وهذا بعض مما بسطه في منبر الحوار الديمقراطي ,
    في سودان للجميع حول هذا البوست وبوستاتي الشعرية الأخرى :

    قال في ما قال :
    Quote: لاهوت الوردة"؟ لا والله، فقد هوت الوردة التعيسة وانحطّت لأسفل سافلين في عالم اسفيري متهافت، شعراءه ألهاهم التكاثر فامتهنوا مداهنة الجمهور الامي وعينهم على عدّاد زوار البوست.

    ثم قال في ختام شتيمته لنا عن لاهوت الوردة:
    Quote: أسامة يا صاحب الوردة، ارفع قُدس الوردة عن مراقد الكلاب والخنازير وضعه حيث أولويات أهل السودان، وهذه نصيحة أخيرة. وسلام


    ولذلك اقول لأبينا حسن موسى الأتي:
    اذا كنت تعتقد ان :
    عبد الحميد البرنس
    منصور علي
    محمد عثمان دريج
    الجندرية
    زوربا الاسترالي
    مازن مصطفى
    يوسف الموصلي
    عبد اللطيف علي الفكي
    عادل عثمان
    عبد الماجد فرح يوسف
    ايزابيلا
    وغيرهم\ن ممن ساهموا\ن معي في بوستاتي الشعرية ومن ضمن ذلك :
    لاهوت الوردة
    هم من
    Quote: الأميين و الخنازير والكلاب

    لك بأن تصفهم انهم من
    Quote: الأميين و الخنازير والكلاب


    ولكن تبقى المسالة في هل ان حكمك ينطبق على كل المساهمين والمتابعين ل:
    لاهوت الوردة
    وغيرها من البوستات الشعرية؟
    وسنعود
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-12-2005, 09:16 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    up
    up
    almashaaaaaaaaaaaaaa
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-01-2006, 01:36 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    سأعود بعد يوم الأثنين نسبة لانشغالات خاصة
    ارقدوا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-01-2006, 10:04 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    الأسم في خطاب محمود درويش الشعري والنثري:

    في حديث له عن افق الأستهلال في جدارية ,تحدث الناقد رياض ابراهيم الدليمي عن أفقين للاستهلال
    (الأفق الأول)
    استهلت جدارية محمود درويش بمقطع (هذا هو اسمك، قالت امرأة، وغابت في الممر اللولبي).
    هذا الاستهلال في الكتابة الشعرية هو استهلال ملحمي يمكن ان يكون عنواناً للجدارية الفناه في اذ ان هذا الشطر من الجدارية استفزاز للمتلقي وصدمة أولية له اذ لم يسبقه أي تمهيد شعري عن الحوار المفترض الذي أفاض عن معطي مكون لخطاب حواري عن الاسم الذي يمنحه له الشاعر أو الراوي كيفما كانت شخصيته وهذا الشكل الكتابي لم نألفه بالكتابة الشعرية السائدة انما الفنان في الفن المسرحي والدرامي والروائي فصنع الشاعر مونتاجاً شكلياً للاستهلال من خلال قدم واخر في جملتي الشطر الأول حيث ان دلالة الشكل تعزي أن تكون الجملة الاسمية مفتتح أولي للنص ولكن البناء الدلالي للاستهلال سواء كان معرفياً أو ذوقياً- هو جملة فعلية حسية وذات وقع أعم وأشمل علي حواس المتلقي من مثيلتها الجملة الاسمية- اذ ان النص بدأ من حيث الوقع السطحي العياني بجملة اسمية (هذا هو اسمك) فحصل تقديم وتأخير تكنيكي فتلته الجملة الفعلية (قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي) اذا ان الجملة الفعلية تعطي الكلام قوة وفعالية مؤثرة وتفتح افقاً أوسع للمخيلة والرؤيا والتفكر وذي وقع مؤثر علي نفسية وذهنية القارئ وتمهده إلي وقائع أشمل. أي تهيئة القارئ وتمهده إلي جو نفسي أكثر هدوء وتركيزاً وإدراكاً لفعل ما وحدثاً وشكلاً من الكتابة الشعرية الجديدة أي إلي حساسية شعرية وخارجة عن النمط والسيادة وهذا ما أكده ياسين النصير بهذا الخصوص (يكتسب الاستهلال سمة بناء الجملة الاسمية والفعلية وخلال ذلك يصبح بناء الجملة الفعلية أكثر الأبنية دلالة في التوسع والإحالة التفكر لأن الفعل بطبيعته خلاق مولد، أما البناء الاسمي فمحدد حتي لو كان ذات دلالة تاريخية عميقة).
    ان افتتاح الشاعر نصه بجملة اسمية هي لعبة شكلية افتعلها الشاعر لتهيئة مسرح تدور عليه أو فيه أو حوله خطاباً درامياً وتفترض بدءاً أن يكون هذا المسرح هو ذات الشاعر ليصب فيه رؤياه ورؤاه وأحداثه وشخوصه ونوازعه وألم الكينونة والوجود والتلاشي.

    جدارية محمود درويش - جمالية النص واشكالية التناص - رياض ابراهيم الدليمي
    جريدة (الزمان) --- العدد 1933 --- التاريخ 2004 - 10 – 5

    وسيكون حديثي عن الاستهلال مختلفا عما قاله,وهذا ما يعيدنا الى تعدد القراءات
    وسنعود لعلاقة درويش الشعرية بأدونيس


    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 07:09 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)


    فاتحة الجدارية تبدأ هكذا
    Quote: هذا هو اسمك\
    قالت امراة,
    وغابت في الممر اللولبي...

    نلاحظ أيضا ان الجدارية تختتم بمقطع عن "الإسم":
    تقول "جدارية":
    Quote: هذا البحر لي
    هذا الهواء الرطب لي
    و اسمي وان أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي
    أما أنا –وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل-
    فلست لي
    أنا لست لي
    أنا لست لي
    536-7

    نأتي الى الاستهلال او الفاتحة التي قالت بها "جدارية"

    نجد في الافتتاحية أي:
    Quote: هذا هو اسمك

    تناصا واضحا مع أدونيس في ديوانه الشعري "هذا هو اسمي ":
    والذي يرد فيه فيها هذا المقطع المتكرر :
    Quote: هذا هو اسمي

    يقول أدونيس في ديوانه- "1977
    Quote: زَمني لم يجىءْ ومقبرة العالم جاءت عندي
    لكل السلاطين رمادٌ هاتي يديك اتبعيني...
    قادِرٌ أن أغيِّر: لغْمُ الحضارة - هذا هو اسْمي. *


    و التناص مع أدونيس ,
    يمكن أن نجده في تناص "جدارية " مع مفرد بصيغة الجمع
    كما في المقطع التالي من "جدارية":
    Quote: وكلما فتشت عن نفسي وجدت الآخرين,
    وكلما فتشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة,
    هل أنا الفرد الحشود؟

    ص 455

    فعبارة "هل أنا الفرد الحشود؟" الاستفهامية ,
    تعيدنا الى مفرد بصيغة الجمع لأدونيس

    وسنعود لمزيد من الحديث عن تناص "جدارية " مع أدونيس ,
    وخاصة في ديوان أدونيس الشعري:
    مفرد بصيغة الجمع

    *استندنا على ايراد نصوص أدونيس الشعرية على :
    جهة الشعر
    فهنالك رابط ل:
    كتاب في جريدة
    وقد قامت الناقدة المعروفة:
    خالدة سعيد
    زوجة أدونيس باختيار النصوص وكتابة مقدمة لها

    أرقدوا عافية
    وسأعود
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 08:45 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 09:02 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 09:52 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 09:59 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 10:12 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-01-2006, 10:52 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-01-2006, 01:07 AM

abuguta
<aabuguta
تاريخ التسجيل: 20-04-2003
مجموع المشاركات: 8275

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)


    ابى
    مشاء
    كنت المح لاهوت الوردة..ولم اجد نفسى تنفاد تجاه هذا البوست السلبة لاننى لا اريد ان امدده طولا بمشاركتى الضعيفة ليس حقداعليك ..ولكن غبطا اخاف ان اساعدة فى الوصول تمددا لبوست خريجى الجامعات الهندية...لكن ما لفتنى اليه هو والدك الذى انكر بنوتك فورطنى فى لاهوت الورطة ..قبل ان استنشق عبير الوردة..ماقالوه جدى حسن موسى فيك يا مشاء ليس انكارا لبنوتك ولا تقليلا لشانك..ولكن انداهشا لما جيت به من بديع كلام وغريب معانى ..ورصك للنقد وصعدوك سلالم لبنايات شواهق..اضحته يطيل النظر لهذا النسر المحلق فى فضاءات الادب ..وقد استخدم يمينه لتغطية اشعة النور والكشف عن هويتك...فحجبت الرؤية عنه بفهم علوى..فتورط فى اللاهوت..
    عزيزى مشاء
    انا ناحر اضحيتى هنا
    وكل سنة وانت اديب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-01-2006, 01:32 AM

أمير بابكر

تاريخ التسجيل: 14-02-2003
مجموع المشاركات: 117

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    الأستاذ أسامة الخواض
    لك التحية
    دائماً ما أدخل منابر الشعر على استحياء ولأن الشعر يتعبني لا أترك أثرا بعد خروجي، ولكن قرأت شيئاً عن الوردة تغلبت علي رغبة أن أبقي أثرها داخل "لاهوت الوردة"
    يقول "الشاعر" في مسرحية صلاح عبدالصبور "يوم أن يموت الملك"
    يوما ما كنت عشيقا للوردة
    كنت أحب تضرمهاللنور، تبرجها للعين، ووقفتهاالممشوقة فوق الغصن، ترخصها إذ تكشف باطنها، تستلقي في غمرة لذتها، حتى تتمزق عشقا
    بل كنت أحب نسيم العفن الواهن
    المتناثر من جثتها المسحوقة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-01-2006, 12:29 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: أمير بابكر)

    عزيزي ابوقوتة
    كل عام وانت بخير
    يا سيدي هذه قنابل دخانية يطلقها البعض.
    ولها وظيفة مزدوجة:
    التبخيس,وهو امر سهل جدا,و تغبيش الرؤية كما تفضلت.
    اما الوظيفة الثانية فهي الارهاب الفكري وحملات التأديب المنسقة.
    سيبقى ما ينفع الناس.

    شكرا عزيزي امير بابكر لكلماتك , وما اوردته من مقاطع شعرية لصلاح عبد الصبور
    مرحبا بكما تحت سقف الوردة
    وسأعود لمواصلة الحديث عن جدارية وتناص درويش مع ادونيس ,
    ومواضيع اخرى
    محبتي
    أرقدوا عافية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-01-2006, 07:19 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2006, 07:07 PM

عبدالماجد فرح يوسف
<aعبدالماجد فرح يوسف
تاريخ التسجيل: 06-05-2004
مجموع المشاركات: 1178

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    يا أيها المشـــاء كاتبنا الفيلاديلفي
    كل عام وأنت بخير
    إشتريت الخروف أم ستكتفي بديك (وجه ضاحك أو كما يقول صديقنا عثمان صالح)؟
    أهديكم حالة حصار بصوت درويش




    مودتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2006, 11:53 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: عبدالماجد فرح يوسف)

    الدامري المعوكابي عبد الماجد

    اسمح لي ان أهنئك و اهنئ المتابعات والمتابعين لهذا البوست بعيد الاضحى المبارك
    وأشكرك على ايرادك لالقاء درويش حالة حصار ,و لدرويش طريقة مميزة في الالقاء الشعري بالاستفادة من طبقات صوته,
    وان كان ينقصه التعبير بالجسد
    وهي اضافة لما نحاول ان نفعله من مزج بين الكتابة التقليدية والاستفادة من
    الملتيميديا

    وسأعود لمواصلة التناص الشعري بين درويش وأدونيس
    محبتي للجميع
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2006, 01:26 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    أدونيس ودرويش:الاسم ومخاطبة الموت:
    في "مفرد بصيغة الجمع" لادونيس يكتسب الاسم دلالته من الموت والجسد ,اذ ان تجربة مفرد بصيغة الجمع هي تجربة ايروسية
    يقول ادونيس عن الاسم:
    Quote: ليس الاسم جذرًا ليس الجذر امرأةً ليس أين أثبت?
    القشُّ يأتزر بالورد والكلمات تكسر صلبانها أين أثبت?
    وجاءني الأفق سَمَّى نفسه بِاسْمي
    ليس الاسم حضنًا
    ليس الحضن امرأةً

    ويكتسب الموت في "مفرد بصيغة الجمع" دلالته من خلال الجسد .يقول ادونيس في ذلك:
    Quote: أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني?
    يلبس الموتُ حالةَ البنفسج
    يسكن النّرجس آنيةَ الثلج
    يحلم أن الحبّ وجهٌ
    وأنَّه مرآته -
    الحجرُ برعمٌ, الغيمةُ فراشةٌ
    وعلى العتبة جسدٌ - شرارَةٌ لقراءة الليل
    ليس الموتُ عزلةَ الجسد
    الموت عزلةُ ما ليس جسدًا
    لكن,
    أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني?

    وتتجلى العلاقة بين الجسد والموت في المقطع التالي الذي تتجلي فيه ثنائية الهدم والبناء والموت والحياة:
    Quote: ويدخل جسدانا في سديم دَغَلٍ وأعراس
    يَنْهدمان
    يَنْبنيان
    في لُجّةِ
    احتفالٍ
    بلا شكل
    بطيئًا سريعًا
    نحو ما سميناه الحياة
    وكان فاتحةَ الموت.
    باسم جسدي الميت - الحي الحي - الميت
    ارتفع السَّرْوُ بين الاسم والوجه
    عادت اللغة إلى بيتها الأول
    كان الحب قبرًا دخلتُ إليه وخرجتُ
    كان القبر نزهةً لراحة الأوردة
    ومات النحو والصرف

    وتتأكد العلاقة بين الايروس والجسد في المقطع التالي لادونيس:
    Quote: تمرحَلْ, أيها الجسد, من الآن إلى الموت
    - متى وُلدتَ, ما عمرك
    ?
    والمقطع التالي ملخص لعلاقة الموت والاسم والايروس:

    Quote: وأمس قرأت: (كلّ شهوة قسوة إلاّ
    الجماع يُرقِّقُ ويُصفّي)
    لذلك أبكي.
    سين ألف
    - أدخلي, كأنك نقبتِ الجحيم وخرجت منها
    أو كأنك امرأة تشتري العطرَ بالخبز
    أُحْصيك وأستقصيكِ
    أُزمِنُ فيكِ وأُكوكب حولك أعضائي
    وكنت صادَفْتُ نفسي فيكِ
    وحين تبعتكِ
    قلتُ: النَّفَسُ يتبع بعضُها بعضًا.
    لكن,
    لماذا أنا كثيرٌ بنفسي قليلٌ بكِ?
    لماذا, كلما اقتربْتِ إليّ, أشعر كأنّ عضوًا يسقطُ مني?

    في نصه "مفرد بصيغة الجمع" تتحاور الذات الكاتبة مع الموت كما في الامثلة التالية ,وهي امثلة تعيدنا الى حوار الذات الكاتبة في "جدراية" مع الموت
    تقول الذات الكاتبة في مفرد بصيغة الجمع:

    Quote: أجلسْ, أيها الموتُ, في مكانٍ آخر

    ثمة أمواجٌ تقبل من شواطىء غير مرئية
    تقول إنّها استطالاتي
    ثَمَّة صلصالٌ غيَّر اسمه


    ثم تقول في نفس منحى مخاطبة الموت:
    Quote: أجلسْ, أيها الموتُ, في مكانٍ آخر
    ولْنتبادَلْ وجهينا
    أصنع نبضي نسْغًا لأبجديتي
    أسوّيك الجلد
    أسمّيك النظر
    طعمَ الأشياء
    ( ... )
    وأقول باسمكَ:
    ابتسمْ, أيها النهر, لجفافك
    امرحي, أيتها الزهرة, بين الشّوكة والشوكة

    وتواصل قائلة:
    Quote: إجلسْ, أيها الموت في مكان آخر ولنتبادل وجهينا
    أقول باسمك وباسمي:
    نُضلِّل الحياة وهي التي تقودنا
    ماذا أفعل
    وجسدي أوسع من الفضاء الذي يحتويه
    أنا الباحث
    وليس أمامي غير الموت?
    ونقول باسمها وباسمك وباسمي:
    تجوهرتُ بكِ
    وكنت أطمح إلى التبدّد
    وفتحتك بجسدي لكن,
    بماذا أختمك?
    ومع أنني مَشُوبٌ بكِ
    فأنا شيءٌ لا يستند إلى شيء
    ليس مربوطًا
    ولا ملتحمًا
    ولا حالاً
    لكنني أسيلُ لا أقف
    وجسدي رمَى إذ رمى
    بقاب قوسين
    وأنا الصَّحيحُ المريض برزخُ الجنس
    استوليتُ
    إلبْتُ الكَمَّ والكيف
    فُتُّ ما يُقال
    مع ذلك,
    عييت من تصوّرِك على أنحاءَ ومراتب
    وأعوذُ بأسمائنا من علم اليقين
    (أليقينُ شَرَكُ الضمائر
    والمعرفة
    أن
    تعلم وتجهل)
    هكذا أتحرّك في سلاسل جنوني وأنوّع الحلقات
    هكذا أيّها الثابت
    المتبدّل
    المتصوّن
    يا جسدي
    وكذا
    وكذا
    وكذا
    هكذا أسأل:
    أنتَ صِراطي كيف أقطعك?
    أو
    أسأل:
    هل أنتَ حكايةٌ محرَّفةٌ ومكذوبةٌ عليَّ?
    هكذا,
    أُنكر ما يفرّقني
    وما يجمعني
    وأقول باسمكَ:
    أنا الماء يلهو مع الماء



    وتتم مواصلة مخاطبة الموت في نفس سياق تبادل الادوار بين الذات الكاتبة والموت ,حيث يلتبس الموت بالجسد:
    Quote: اجلسْ, أيها الموت, في مكانٍ آخر ولنتبادل وجهينا
    أُسمّيك الجسدَ وأسأل
    كيف أعيش مع جَسَدٍ أتَّهمه
    وأنا المتَّهَمُ والشاهِدُ والحكَم?
    وأسميكَ جسدي
    وأرى إليك إليه يتفكَّك ويتركَّب
    السَّاعد فخذٌ
    المعصم كاحِلٌ
    اليد قَدمٌ
    الكتف مِرْفقٌ
    وما تبقَّى غيرُ ما تبقَّى
    وأستسلمُ, أنا الراسخ,
    كانهيارٍ ثلجيّ
    عنقي يهبط في التّرقوة
    وتهبط هذه في الصدر
    ويهبط الصدر في ليل الرّدفين
    والرِّدفان في شمس الأحقاء
    وتكون الأحقاء رصاصًا يرسب في أطراف
    الساقين وتتَنَوَّرُ بأعضائي أعضائي.
    وتقول باسمي:
    أسميكَ عاشقًا
    وجْهًا إلى الحيوان
    وجهًا إلى النبات
    وأصغي إلى هذيانك يطلعُ
    في لهاث العناصر:
    دال تاء
    - بحسب حركاتكَ يجري أمري
    والليل والنهار بريدي إليك
    يتراكضان كمُهرين في سباق
    كيف أقمع هوائجي
    والحاجة إليكَ هتكتني?
    واو نون
    - كيف أقمع هوائجي
    والحاجة إليكِ هتكتني?
    تبكين?
    - لا تحرق النار موضعًا مَسَّهُ الدمع
    لذلك أبكي
    ينبت القرنفل في الدمع
    لذلك أبكي
    وأمس قرأت: (كلّ شهوة قسوة إلاّ
    الجماع يُرقِّقُ ويُصفّي)
    لذلك أبكي.
    سين ألف
    - أدخلي, كأنك نقبتِ الجحيم وخرجت منها
    أو كأنك امرأة تشتري العطرَ بالخبز
    أُحْصيك وأستقصيكِ
    أُزمِنُ فيكِ وأُكوكب حولك أعضائي
    وكنت صادَفْتُ نفسي فيكِ
    وحين تبعتكِ
    قلتُ: النَّفَسُ يتبع بعضُها بعضًا.
    لكن,
    لماذا أنا كثيرٌ بنفسي قليلٌ بكِ?
    لماذا, كلما اقتربْتِ إليّ, أشعر كأنّ عضوًا يسقطُ مني
    ?

    في جدارية تخاطب الذات الكاتبة الموت ,مطالبة له بالجلوس على الكرسي كما في حالة مفرد بصيغة الجمع,لكن السياقين مختلفان,
    ففي مفرد بصيغة الجمع تتم المخاطبة من خلال الايروس"الشهوة –الجسد –الجماع",
    اما في الجدارية فهنالك تحد للموت,كما سنرى في مكان لاحق
    وادناه امثلة عن مخاطبة الموت في جدارية و مطالبته بالجلوس على الكرسي:

    Quote: يا موت! يا ظلي الذي سيقودني ,يا ثالث الاثنين,يا لون التردد في الزمرد والزبرجد,يا دم الطاؤوس, يا قناص قلب الذئب,يا مرض الخيال ,
    اجلس على الكرسي!ضع أدوات صيدك تحت نافذتي

    الاعمال الكاملة,ص 725
    ثم يقول ايضا عن جلوس الموت:
    Quote: ويا موت انتظر واجلس على الكرسي ,خذ كأس النبيذ,ولا تفاوضني

    ص 726
    و يقول ايضا :
    Quote: وما المنام سوى طريقتنا الوحيدة في الكلام\ أيها الموت التبسْ,واجلس على بلور أيامي,كأنك واحدً من أصدقائي الدائمين"

    ص 727

    سنعود في البوست القادم للحديث عن بعض دلالات "الاسم " في خطاب درويش الشعري والنثري

    ارقدوا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2006, 07:20 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    وقبل ان نعود الى دلالة "الأسم" في جدارية,
    سنحاول ان نستكنه بعضا من دلالات الاسم في خطاب درويش الابداعي ,
    أي خطاب النثري وخطابه الشعري
    في خطابه النثري, وخاصة مراثيه
    نرى درويش يتحدث عن علاقته بالكاتب السوري المعروف:
    ممدوح عدوان
    ففي رثائه لممدوح عدوان الموسوم:
    كما لو نودي بشاعر أن انهض
    يقول درويش:
    على أربعة أحرف يقوم اسمك واسمي ,لا خمسة.
    لأن حرف الميم الثانية قد نحتاج اليها أثناء السير على الطرق الوعرة".
    ص95
    وهنا يلعب درويش على كلمتي :
    ممدوح و محمود
    ثم يقول:
    ممدوح لا أطيق سماع اسمك الآن,لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبة في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية.ولأنه يذكرني بمدى حاجتي الى استراحة من الركض آناء الندم ,بحثا عن حلم مسروق,أراه واضحا و أحاور السارق.ويذكرني اسمك بما فيه من طقطقة كأني حبة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد .


    لهذا اكتب اسمك ولا أنطقه ,ففي الكتابة يتموج اسمك على ماء الحضور,وفي الكلامم اسمع وحشة الغياب يطاردني من حرف الى حرف,ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع الى هجائك المادح".ص 96-7
    ثم يقول علاقة الغياب بين الاسمين :
    لا لأن حروف اسمك هي حروف اسمي ,لا أتبين من منا هو الغائب,بل لأن الحياة التي آلفت بين ثعلبين ماكرين لم تمنحنا الوقت الكافي لنقول لها كما أحببناها وكم أحببنا فجورها وتقواها.فتركت ثعلبا منا بلا صاحب" ص 97.
    ثم يقول مرة ثانبة عن حرف الميم الثاني في اسميهما:
    لا جلجامش ولا أنكيدو.لا الخلود هو المبتغى ولا قوة الثور.فنحن الخفيفان الهشان,كواقعنا هذا ,لم نطلب أكثر من وقت أضافي لنلعب بالكلمات لعبا غير برئ,هذه المرة أو لنورث ما لم نقله بعد من لم يقل بعد.ولنجعل من هذا الشعر مزاحا مستحبا مع ال لكن حرف الميم الثاني في اسمك واسمي ظل قطعة غيار لا تنفع".
    ص 97

    واللعب على اللغة يمكن ان نجده في نص درويش المشهور:
    بيروت
    فهنا نجده يراهن شعريا على الشغل في ما يمكن ان يتكون من كلمات من حروف ثلاثة هي:
    الراء و الباء والحاء
    يقول النص الشعري:
    فسر ما يلي:
    بيروت(بحر-حرب-حبر-ربح)
    البحر:أبيض او رصاصي ,وفي أبريل أخضر,
    أرزق ,لكنه يحمر في كل الشهور اذا غضب
    والبحر :مال على دمي,
    ليكون صورة من أحب
    الحرب:تهدم مسرحيتنا لنلعب دون نص أو كتاب
    والحرب:ذاكرة البدائيين والمتحضرين
    والحرب:أولها دماء
    والحرب:آخرها هواء
    والحرب:تثقب ظلنا لنمر من باب لباب
    الحبر:للفصحى وللضباط ,والمتفرجين على أغانينيا وللمستسلمين لمنظر البحر الحزين
    الحبر:نمل أسود,أو سيد
    والحبر:برزخنا الأمين

    والربح: مشتق من الحرب التي لا تنتهي
    منذ ارتدت أجسادنا المحراث ,
    منذ الرحلة الأولى الى صيد الظباء
    حتى بزوغ الاشتراكيين في آسيا وفي افريقيا
    والربح:يحكمنا يشردنا عن الأدوات والكلمات ,
    يسرق لحمنا,
    ويبيعه
    ص436-7
    نلاحظ ان الحبر والبحر والربح والحرب توصف بيروت من حيث علاقتها بالبحر والحرب والحبر والربح

    في دلالة من دلالات الاسم ,نجد ان الهوية مرتبطة بالوجو د الانساني ,وتلعب دورا اساسيا في التواصل الانساني وبدونه ,أي الاسم,لا يمكن تأسيس اية علاقة انسانية
    وهذا يتضح بشكل واضح في نصه الشعري:
    لا أعرف اسمك
    وهو نص يعتمد الحوار بين مسافر و مسافرة لا يعرف كل منهما الآخر
    يقول المسافر:
    -لا أعرف اسمك
    *سمني ما شئت
    -لست غزالة
    *كلا ولا فرسا
    -ولست حمامة المنفى
    *ولا حورية
    -من أنت؟ما اسمك؟
    *سمني,لأكون ما سميتني
    -لا أستطيع ,لأنني ريح
    وأنت غريبة مثلي,وللأسماء أرض ما
    فاختارت المسافرة الغريبة اسما حين قالت:
    اذن ,أنا "لا أحد"
    الاعمال الجديدة ص 107
    ثم قالت له "لا أحد"
    لا أعرف اسمك,ما اسمك؟
    فرد المسافر قائلا:
    اختاري من الأسماء أقربها الى النسيان,سميني أكن في أهل هذا الليل ما سميتني
    فأجابت "لا أحد":
    لا أستطيع لأنني امراة مسافرة على ريح,
    وأنت مسافر مثلي,
    وللأسماء عائلة وبيت واضح
    فأجاب المسافر مختارا اسما له:
    فاذن,أنا "لا شيئ"
    بعد ذلك قالت "لا أحد" ل"لاشيئ":
    "قالت "لا أحد":
    سأعبئ اسمك شهوة,جسدي يلمك من جهاتك كلها,جسدي يضمك من جهاتي كلها,لتكون شيئا ما
    ونمضي باحثين عن الحياة
    فرد لاشيئ في خاتمة النص الشعري:
    "فقال "لا شيئ ":الحياة جميلة معك ..الحياة جميلة
    الأعمال الجديدة ص 108

    وفي نصه الشعري :
    أما أنا ,فأقول لاسمي
    نجد ان الاسم يكتسب دلالة سلبية,ذلك انه من صنيعة الآباء والأسلاف,وبه يواصلون ثقافتهم عبر القادم الجديد ,فكأن القادم الجديد,او اسمه,هو امتداد لهم,
    فالأنا في قمة وجودها تحتج على وسمها,لانها لم تختر ذلك
    أما أنا,فأقول لاسمي :
    دعك مني ,وابتعد عني,
    فاني ضقت منذ نطقت واتسعت صفاتك!خذ صفاتك و امتحن غيري...
    حملتك حين كنا قادرين على عبور النهر متحدين"أنت أنا",
    ولم أخترك يا ظلي السلوقي الوفي,
    اختارك الآباء كي يتفاءلوا بالبحث عن معنى,
    ولم يتساءلوا عما سيحدث للمسمى عندما يقسو عليه الاسم,
    أو ما يملى عليه كلامه فيصير تابعه ..فأين أنا ؟
    وأين حكايتي الصغرى وأوجاعي الصغيرة؟
    تجلس امراة مع اسمي دون أن تصغي لصوت أخوة الحيوان والانسان في جسدي ,
    وتروي لي حكاية حبها,فأقول:ان أعطيتني يدك الصغيرة صرت مثل حديقة ..
    فتقول :
    لست هو الذي أعنيه,لكني أريد نصيحة شعرية ,
    ويحملق الطلاب في اسمي غير مكترثين بي.
    و أنا أمر كأنني شخص فضولي,
    وينظر قارئ في اسمي ,
    فيبدي رأيه فيه:
    أحب مسيحه الحافي ,
    و أما شعره الذاتي في وصف الضباب ,فلا!..
    ويسألني :
    لماذا كنت ترمقني بطرف ساخر,
    فأقول:
    كنت أحاور اسمي:
    هل أنا صفة؟
    فيسألني:
    وما شأني أنا؟\
    أما أنا ,
    فأقول لاسمي:
    أعطني ما ضاع من حريتي!
    ص 79-81
    ويقول "في تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" عن الاسم في علاقته بالبلاد واعادة تسمية الام:
    ما بيني وبين اسم بلاد,
    حين سميت البلاد فقدت أسمائي ,وحين مررت باسمي لم أجد شكل البلاد"
    الاعمال الكاملة ص 288
    اعادة التسمية:
    والياسمين اسم لامي والزمن
    نفس الصفحة
    ثم يتحدث النص الشعري ,
    عن اعادة تسمية ما هو مسمى اساسا كالبحر والارض:
    ما اسم الارض؟
    بحر اخضر,آثار أقدام ,دويلات ,لصوص ,عاشقات,أنبياء,
    آه ما اسم الارض؟
    شكل حبيبة يرميك قرب البحر,
    ما اسم البحر؟
    حد الأرض,حارسها ,حصار الماء,أزرق أزرق,امتدت يدان الى عناق البحر فاحتفل القراصصنة البدائيون والمتحضرون بجثة ,فصرخت:أنت البحر,
    ما اسم البحر؟
    جسم حبيبة يرميك قرب الأرض
    ص 289
    وفي نصه الشعر ي:
    يحبونني ميتا
    تتحدث الذات الكاتبة عن رغبة "الآخرين" في رؤيتة ميتا, وتبدو العلاقة هنا بين الموت هي علاقة بين الآخرين وبين الشاعر:

    يُحِبُّونَنِي مَيِّتًا
    لِيَقُولُوا: لَقَدْ كَان مِنَّا، وَكَانَ لَنَا.
    سَمِعْتُ الخُطَى ذَاتَهَا.
    مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا تدقُّ عَلَى حَائِطِ اللَّيْلِ.
    تَأتِي وَلاَ تَفْتَحُ البَابَ. لَكِنَّهَا تَدْخُلُ الآن.
    يَخْرُجُ مِنْهَا الثَّلاَثَةُ: شَاعِرٌ، قَاتِلٌ، قَارِئٌ.
    أَلاَ تَشْرَبُونَ نَبِيذًا?
    سَأَلْتُ. سَنَشْرَبُ.
    قَالُوا. مَتَى تُطْلِقُونَ الرَّصَاصَ عَلَيَّ?
    سَأَلْتُ. أجابوا: تَمَهَّلْ!
    وَصَفُّوا الكُؤُوسَ وَرَاحُوا يُغَنُّونَ لِلشَّعْبِ،
    قُلْتُ: مَتَى تَبْدَأُونَ اغْتِيَالِي?
    فَقَالُوا: ابْتَدَأنَا... لِمَاذَا بَعَثْتَ إِلَى الرُّوحِ أَحْذِيَةً!
    كَيْ تَسِيرَ عَلَى الأَرْضِ.
    قُلْتُ. فَقَالُوا: لِمَاذَا كَتَبْتَ القَصِيدَةَ بَيْضَاءَ
    والأَرْضُ سَوْدَاءُ جِدًّا.
    أَجَبْتُ: لأَنَّ ثَلاَثِينَ بَحْرًا تَصُبُّ بِقَلْبِي.
    فَقَالوا: لِمَاذَا تُحِبُّ النَّبِيذَ الفَرَنْسِيّ?
    قُلْتُ: لأَنِّي جَدِيرٌ بأَجْمَلِ اِمْرَأَةٍ.
    كَيْفَ تَطْلُبُ مَوْتَك?
    أَزْرَق مِثْل نُجُومٍ تَسِيلُ مِنَ السَّقْفِ
    - هَلْ تَطْلُبُونَ المَزِيدَ مِنَ الخَمْر?
    قَالُوا: سَنَشْرَبُ.
    قُلْتُ: سَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَكُونُوا بَطِيئِين،
    أَنْ تَقْتُلُونِي رُوَيْدًا رُوَيْدًا لأَكْتُبَ شِعْرًا أَخِيرًا لِزَوْجَةِ قَلْبِي.
    وَلَكِنَّهُم يَضْحكُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ مِنَ البَيْتِ
    غَيْرَ الكَلاَمِ الذِي سَأَقُولُ لِزَوْجَةِ قَلْبِي..
    ( * * * )

    من ديوان ( ورد أقل ) ، 1986
    ويقول في خطبة (الهندي الأحمر) ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض:
    فَمِنْ حَقِّ كولومبوسَ الْحُرِّ أَنْ يَجِدَ الهِنْدَ في أَيِّ بَحْر،
    وَمِنْ حَقَّهِ أَنْ يُسَمِّيَ أَشْبَاحَنا فُلْفُلاً أَوْ هُنودا،
    وَفي وُسْعِهِ أَنْ يُكَسِّرَ بَوْصَلَةَ الْبَحْرِ كَيْ تَسْتَقيمَ
    وَأَخطاءَ ريحِ الشَّمالِ، وَلكِنَّهُ لا يُصَدِّقُ أَنَّ الْبَشَر
    سَواسِيَّةٌ كالْهَواءِ وَكالمَاءِ خارِجَ مَمْلَكَةِ الْخارِطَة

    هنا دلالة الاسم مرتبطة بالآخر الاستعماري اي الرجل الأبيض
    فالتسمية هنا مرتبطة بالعلاقة الاستعلائية بين الثقافات,بين المستعمر –بكسر الراء-والمستعمر-بفتح الراء
    بين الدخيل وبين "السكان الأصليين"
    ثم يقول في دفاع السكان الأصليين عن أسمائهم:
    وَخُذْ ذَهَبَ الأَرْضِ والشَّمْسِ، واتْرُكْ لَنا أَرْضَ أَسْمائِنا
    وَعُدْ، يا غَريبُ، إلى الأَهْلِ... وابْحَثْ عَنِ الْهِنْد /
    ( 3 )

    ... أَسْماؤُنا شَجَرٌ مِنْ كَلامِ الإِلهِ، وَطَيْرٌ تُحَلِّقُ أَعْلى
    مِنَ الْبُنْدُقِيَّةِ. لا تَقْطَعوا شَجَرَ الاِسْمِ يا أَيُّها الْقادِمون
    مِنَ الْبَحْرِ حَرْبًا، وَلا تَنْفُثوا خَيْلَكُمْ لَهَبًا في السُّهول
    لكُمْ رَبُّكُمْ ولَنَا رَبُّنا، وَلَكُمْ دينُكُمْ وَلَنا دينُنا
    ثم يقول في الدفاع عن اسماء الاسلاف بطريقة مستبطنة:
    سَنَسْمَعُ أصْواتَ أسلافِنا في الرِّياحِ، ونُصْغي
    إِلى نَبْضِهِمْ في بَراعِم أشجارِنا. هذه الأَرْضُ جَدَّتُنا

    وسأعود
    أرقدوا عافية
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 12:05 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    غلاف الترجمة البلغارية ل:جدارية
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 12:22 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    صور من جدارية فلسطينية معاصرة في مدينة غزة






                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 02:31 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    كنا قد تحدثنا عن خطاب درويش النثري والمتمثل في مراثية النثرية وكتبه مثل :
    ذاكرة للنسيان
    و رسائله المشهورة المتبادلة مع صديق عمره الشاعر الفلسطيني الكبير:
    سميح القاسم
    نلاحظ في حواره الأخير مع عبدة وازن في "الحياة" والذي نشرناه متسلسلا هنا,
    نلاحظ انه قد تحدث عن "ظلمه لنثره" والذي ورد في سياق حديث عن خشية التوقف عن الكتابة
    فقد سأل عبدة وازن درويش :
    هل تخشى أن تتوقف ذات يوم عن الكتابة؟

    - نعم.


    > هل أحسست هذه الخشية فعلاً؟

    - هذه خشية دائمة خصوصاً عندما أنهي عملاً جديداً. إنني دائم الخوف من هذه القضية. إنها بمثابة هاجس. وأعزّي نفسي بأنني عندما أشعر، أو عندما اعترف بجفاف الماء في تجربتي الشعرية أو في لغتي، أجد المناسبة حسنة لأكتب النثر. فأنا أحب النثر كثيراً.


    ظلمت نثري


    > لكنك لم تكتب قصيدة نثر مع انك كتبت الكثير من النثر؟

    - كتبت الكثير من النثر لكنني ظلمت نثري لأنني لم أمنحه صفة المشروع. أكتب نثراً على هامش الشعر أو أكتب فائضاً كتابياً أسميه نثراً. ولكن لم أُولِ النثر الأهمية التي يستحقها،. علماً انني من الشديدي الانحياز الى الكتابة النثرية. والنثر لا يقل أهمية عن الشعر. بل على العكس، قد يكون في النثر مساحة من الحرية أكثر من النثر. فإذا جفّ نصّي الشعري فقد ألجأ الى النثر وأمنحه وقتاً أكثر وأولية جدية أكثر. عندما كنت أكتب نثراً كنت أشعر أن النثر يسرق مني الشعر. فالنثر جذاب وسريع الانتشار، ويتحمّل أجناساً أدبية أكثر من الشعر. ويستطيع أن يهضم الشعر ويعطيه مساحة وحركة أكبر. وكنت عندما أكتب النثر انتبه الى انني نسيت القصيدة وأن عليّ أن أعود اليها. هكذا أكون بين النثر والشعر، لكنني معروف بأنني شاعر ولا أسمّى ناثراً.


    > لكنك لم تكتب قصيدة النثر، لماذا؟

    - ما دمت أكتب نثراً فأنا أكتب النثر، من دون أن أسميه قصيدة. لماذا ننظر الى النثر نظرة دونية ونقول انه أقل من الشعر؟ صحيح أن النثر يطمح الى الشعر والشعر يطمح الى النثر... يعجبني قول للشاعر باسترناك: "أجمل ما في القصيدة ذلك السطر الذي يبدو نثرياً". انني لا أريد أن أفرّق كثيراً بين الشعر والنثر، ولكن انطلاقاً من التجنيس الأدبي ما زلت أعطي للنثر اسمه وللشعر اسمه. لكن السؤال هو: كيف تتحقق الشعرية في قوام قصيدة؟ وأعتقد أن علينا أن نوقف النقاش حول الفارق أو الاختلاف أو الائتلاف أو الابتعاد أو الاقتراب بين قصيدة النثر والقصيدة. هذا السجال تجاوزه العالم. أما إذا سألتني عن رغبتي في كتابة قصيدة نثر فأرجو أن أكتب نصاً نثرياً من دون أن أسميه قصيدة نثر.


    > ولكن من الملاحظ في شعرك ولا سيما في المرحلة الأخيرة أن ثمة حواراً بين النثر والشعر، وقد عرفت تماماً كيف تستفيد من قصيدة النثر، لا سيما أنك شاعر تفعيلة، وقد استشهدت بجملة بديعة لأبي حيان التوحيدي في ديوانك الأخير "كزهر اللوز أو أبعد"! وما يميز القصيدة لديك هو هذا الفضاء الرحب، الفضاء النثري والموسيقى الداخلية القائمة على تناغم الحروف!

    - أولاً، أود أن أقول ان ليس لدي أي تحفظ على قصيدة النثر. والتهمة التي لاحقتني في انني ضد قصيدة النثر زمناً هي باطلة.

    قلت وأقول دائماً ان من الانجازات الشعرية المهمة في العالم العربي بروز قصيدة النثر، أي تأسيس طريقة كتابة مغايرة للشعر التقليدي والحداثة التقليدية. قصيدة النثر تريد أن تميز نفسها وتريد أن تطور أو أن تضيف نصاً مختلفاً عن القصيدة الكلاسيكية وعن القصيدة الحديثة التي صنعها جيل الرواد. هذا أولاً. ثانياً، أنا من المعجبين جداً بشعراء كثيرين يكتبون قصيدة النثر. وأقول دائماً إن هناك أزمة في ما يسمى قصيدة التفعيلة، وأنا أكره هذه التسمية، ولكن لا بديل لها. والأزمة أصلاً تكمن في الكتابتين.
    وأدناه مقال مهم عن بعض من خطاب درويش النثري مقارنا بكتاب لادوراد الخراط,
    والمشترك بين الكتابين هو ثيمة الموت ,والتي تتمحور حولها :
    جدارية
    فالى المقال الذي نشر في العدد السابع والعشرين من مجلة نزوى التي يشرف عليها الشاعر العماني الكبير:
    سيف الرحبي
    ******


    السيرة الذاتية وتعدد الاصوات
    السرد و الزمن و الموت
    في (ذاكرة للنسيان) و (حريق الأخيلة)

    بطرس حلاق (ناقد واكاديمي يقيم في باريس)


    --------------------------------------------------------------------------------


    يتصدى الفيلسوف بول ريكور للبنيوية في النقد الادبي، فيؤكد على أولية الزمن الحاسمة، قائلا: انه يجدر بنا أن تعتبر السرد حارسا للزمن (1)، ومعتبرا ان كل سرد يهدف الى "الانفتاح على معنى ما"، وذلك بتنسيقه الزمن الماضي وبتأسيسه فعلا في زمن قادم وبمجابته ما هو "آخر الزمن" أي لابد والموت، فأساسا يهدف السرد الى ترويض مكائد الزمن، مأساوية الزمن العابر، إن هذا المبدأ، البالغ الجلاء في الحكايات التأسيسية كالتوراة والكتب المقدسة التي تتقصى مشكلة الأصول والأخلاق والموت، ينتظم بشكل واضح السيرة الذاتية، حيث يستبين الفنان معنى حياته ويؤسس مستقبله ويصارع موته الشخصي.

    من هذا المنظور يكتسب العملان اللذان اخترتهما- وهما "ذاكرة للنسيان" (2) لمحمود درويش و "حريق الأخيلة" (3) لإدرار الخراط - قيمة نموذجية لان معناهما منوط بالزمن والموت. في "حريق الأخيلة"، الذي يجعل منه الرقم سبعة عالما شموليا مثاليا، مسكون بالموت، البادي في زوال عوالم المؤلف الداخلية والخارجية، حيث يفنى لهبا لهذا الحريق كل ما يرده المؤلف - بل يحاول أن يرده - وكأنه لايزال حيا، كيما يتسنى له أن يحتفظ بشظايا الماضي حية بحياة متوهجة.

    أما "ذاكرة للنسيان" فيهيمن الموت عليها بقدر أكبر، إذ أنها في الموت تجد منبعها: إنها تنبثق من ذلك اليوم العصيب، يوم "هيروشيما الفلسطينية"، حيث يبدو الكاتب وكأنه يحيا موته الوشيك.. يرتكز المؤلف عل هذا اليوم ليحيط بموته الرمزي الأول، الخروج من فلسطين، وبجذوره الثقافية الضاربة في التاريخ العربي، وليواجه أيضا حياته ذاتها وموته كفلسطيني وكمجرد انسان، لا يكتسب هذا العمل أبعاده الحقيقية الا في الضوء الباهر الذي يلقيه دنو الموت على الحياة. لا أسعى، في اطار هذه الدراسة، إلى الاحاطة بكافة جوانب هذين العملين الثرية، بل أتقيد، عمدا، بجانبين هامين يتعلقان بجماليات السرد، فأحاول أولا أن أتبين، انطلاقا من مفهوم تعدد الاصوات، كيف قام > الوعي الحاد بالموت بهيكلة العمل من داخله، أو بتعبير آخر: كيف انعكس هذا الوعي في النسيج السردي، ثم أتناول الجانب الآخر المتعلق بالسيرة الذاتية.

    عالم محمود درويش

    تتعدد الأصوات

    يتجلى عمل محمود درويش، لأول وهلة، وكأنه دراما قديمة حسب مفهوم المسرح الكلاسيكي الفرنسي في القرن السابع عشر، اذ يبدو منصاعا لقانون الوحدات الثلاث: وحدة المكان ووحدة الزمان ووحدة الحدث. المكان: بيروت الغربية وقد أصبحت كلها مسرحا، حدوده خطوط الحصار المحكم الذي ضربه الجيش الاسرائيلي. الزمان: يوم من أيام شهر آب / أغسطس عام 1982، تراكمت فيه أجسم الأحداث (4) الحدث: أعمال الكاتب وأقواله وأفكاره من الساعة الثالثة صباحا، أي منذ أخرجه من حلمه دوي القصف الاسرائيلي،وحتى الساعة العاشرة مساء، حيث عاد إلى نومه وحلمه بعد أن أمضى نهاره يجوب المدينة لمقابلة الناس والأماكن.

    هنا ينتهي وجه الشبه بالدراما الكلاسيكية، إذ يفترقان في الحبكة التي تتضمن، وفقا للمعايير الكلاسيكية، بداية وسيرورة ونهاية.. هذا، إلا إذا اعتبرنا بمثابة حبكة ذلك الخيط الرفيع الذي ينتظم السرد وينقل السارد- الشخصية (السارد البطل) من الرهبة امام الموت إلى نوع من السلام الداخلي الذي يتمثل الموت نفسه، بيد أن هذا الاعتبار لا يشكل إلا مقاربة ممكنة، ليست، على كل حال، بالأهم.

    أحرى بنا أن نتكلم لا عن حبكة مفردة بل عن مشاكل من حبكات، وبالأصح من اشكاليات تنبثق جميعها من لحظة حرجة واحدة، هي لحظة الاقتراب حسيا من الموت، في هذه المواجهة يلتهب كل شيء، ما عدا الجوهري، فيتكثف في اللحظة الواهنة زمن الراوي بأكمله، بل كافة أؤمنته، وتتعرى كل الأبعاد التي تكونه، من البعد الأكثر حميمية الى البعد الكوني الأشمل. فتصدح، في وعيه، الأصوات المعبرة عن هذه الأبعاد دفعة واحدة متزامنة. فلو استعمل الراوي وسيلة سينمائية لتسنى لنا أن نلتقط جميع هذه الأصوات من أول وهلة. غير أنه يتوسل الكتابة، وهي خطية بالضرورة، ولذا لا تبلغنا هذه الأصوات إلا بالتوالي. بيد أن القارئ يشعر بأن تلك الأصوات كلها تتدافع عجلي لتظهر بصورتها الطباعية. الهذا يجري السرد دفقة واحدة عفية، بلا انقطاع، بلا عناوين فصول، دون ترك بياض في نهاية الفصل للانتقال الى الصفحة التالية، ما خلا تنفسا سريعا يأتي في وقته - وأحيانا اعتباطا- يشير اليه مربع أسود من آن لآخر؟

    مع ذلك، ثمة موضوعة ذات حضور مهيمن ترمز الى تضافر هذه الأصوات - أو تعدديتها، حسب الاصطلاح (5) - الا وهي موضوعة البحر، أو الماء/ الأنواء بشكل عام. ففي هذا النهار النشوري، يشكل الماء الحيز الوحيد حيث تدور الأحداث وتتحرك الكائنات والأشياء، الماء يفعم البشر والجماد، يملأ الهواء واليابسة والبحر، بحيث أنه يمحو الحدود بين هذه العناصر. فيغدو كل شيء مائيا: القنابل والصخور والقطط والحبيبة. وقد تنعكس الأمور فيتجلى الماء بصورة الجماد أو الهواء: "السماء تنخفض كأنها سقف اسمنتي يقع، البحر يتحول الى يابسة ويقترب" (6). الماء يملأ الفضاء وكل ما يتحرك فيه، بل أكثر من ذلك: إنه يضبط الزمن ويهيمن عليه، إذ ان الزمان نفسه يصبح مكانا. فالمؤلف يضيف، بمثابة عنوان فرعي، الإشارة التالية: "الزمان: بيروت. المكان: يوم من أيام آب 1982". يتجمد الزمن بصورة مكان ويميع المكان على صورة ماء. فيصبح الماء لا رحما أموميا فحسب بل سديما نشوريا (ابوكاليبتيكيا) يشير الى نهاية عالم وولادة عالم آخر، ويحيل الى ذلك السديم البدئي الذي يقال انه أشرف على خلق الكون في بداية الأزمنة، سديم يتضمن، بالقوة، كل ما سيبزغ الى الوجود من كائنات وأشياء على نحو يكاد يكون تزامنيا. انه حيز الأصول الأسطوري. فهل هنا يكمن السبب في أن الراوي يشعر بأنه فرد وحيد، في ذلك الصباح، شأن آدم في فجر الخليقة حين لم تكن المخلوقات قد تسمت بأسمائها؟7) "خرجت للتو فلم أعرف أين أنا. لم أعرف من أنا. لم أعرف ما اسمي ولا اسم هذا المكان، لم أعرف أن في وسعي أن أمتشق ضلعا من ضلوعي لأجد فيه حوارا لهذا السكون المطلق. ما اسمي؟ من سماني؟ من سيسميني... آدم...!"(، والنصان التراثيان اللذان يخطران بباله حينئذ ويدرجهما في سرده، يعززان تلك الفكرة، فهما يتحدثان عن الماء والخلق، يشهد نص ابن سيده (9) على حضور الماء بشكل طاغ في المعجم التراثي العربي، أما النص الثاني فيتناول بنفس النفحة الماء وخلق العالم (´`) وثمة أمر ذو دلالة: الماء والخلق يرتبطان ارتباطا وثيقا بالقلم، وهو أيضا أداة خلق، بها يأتي الى حيز الوجود عالم الراوي، يتم ذلك في أن يدخل مصير الشعب الفلسطيني في لحظته الحرجة، في حالة مخاض.

    تصنيف الأصوات
    عديدة هي الأصوات المعلعلة في هذا العمل، وهي تحيل الى عوالم فكرية وشعورية شديدة التباين، لكنها تتمايز أيضا في كل عالم من هذه العوالم لتخلق كوكبة أخرى من الأصوات. وهكذا لا تترسخ تتعدية الأصوات في فئات مختلفة فحسب، بل داخل كل فئة أيضا. وسأقصر الحديث على ست فئات هي الأهم.

    1- فئة الـ"أنا" الساردة، التي تشمل الصوت الراوي للأمور الأساسية المباشرة (جو المقهى، المرأة، الاصدقاء، الخوف...) صوت الذاكرة (النزوح الأول عام 1948 الذي عرف الراوي بلبنان لأول مرة، فترات السجن، الإقامة الجبرية، الحب الاشكالي المتبادل مع اسرائيليات، الخروج النهائي من البلاد...)، صوت المناضل، صوت الشاعر..

    2- فئة بيروت، وتنقسم الي مدن عديدة: بيروت الجبانة المتمثلة بأصوات الكتائبيين، بيروت - الشعب المتمثلة بأصوات الشارع في المنطقة الغربية، بيروت المثالية التي تحلم بإقامتها مستقبلا أصوات المنضالين من فلسطينيين وعرب ومتعددي الجنسيات، بيروت المتراجعة عن جسارتها المتمثلة بأصوات المناضلين الذين هجروا النضال.

    3- فئة فلسطين، وتشمل: فلسطين - الذاكرة الكلية الحضور، فلسطين المناضلة (بمناضليها المثاليين الشجعان، وزعمائها الأفذاذ والكثيري الهفوات في آن، ومسؤوليها الماهرين في الحسابات والغش)، فلسطين التي لا تجد موقعها من لبنان، فلسطين التي يحلم بإقامتها، فلسطين التي تبدو وكأنها خسفت الى غير رجعة.

    4- فئة العالم العربي، وتشمل الحكام الذين، شأن الكواسر، ينتظرون بلذة بالغة لحظة موت الضحية، الجماهير العاجزة التي فمرفها القمع الى اهتمامات يسيرة ككرة القدم والفيديو، تراثا مزريا ورائعا في آن...

    5- فئة الصهيونية وتشمل: الفكر العتيق المتحجر الذي ينفي كل ما هو آخر (بيجين، يهوه الآمر بابادة أهل أريحا عن بكرة أبيهم، الاذاعة الرسمية..)، الوعي القلق الشجاع (مناضلو حركة السلام الآن، أوري أفنيري)، الوعي المندبق بالذات.

    6- فئة العالم الخارجي، وتشمل: العقل السياسي الصلف الميكيافيلي الذي تعبر عنه مختلف الحكومات ولا سيما الحكومة الأمريكية، الوعي الشقي عند المتعجلين الى انهاء هذا المشهد المزعج بأي ثمن كان. من المهم بمكان الا نختزل هذه الأصوات المتعددة الى تصرفات ومواقف فكرية، أو الى حالات ذهنية يسردها الراوي ويعبر عنها بشكل مسرحي، إنها كلمات تعكس عوالم مرتبطة بشخصيات وجماعات، فهي أصوات بكل معنى الكلمة. ومع انها لا تبلغ جميعها نفس الدرجة من الاكتمال، فإنها تبقى مع ذلك أصواتا حقيقية يثيرها احداق الموت الفردي، او تحيل الى موت جماعي محتمل ومخشي. أو بتعبير آخر، ان هذا العمل - حسب تعبير باختين متحدثا عن دوستويفسكي- لا ينبني وفق "وحدة وعي مفرد امتص ما عداه من أنواع الوعي وكأنها مجرد موضوعات، بل كوحدة مكونة من تفاعلات بين عدة أنواع من الوعي لم يتحول أي منها موضوعا بالنسبة للآخر". (11)

    إن كان صوت أنا الراوي يتمايز بسهولة عن الأصوات الأخرى بفضل نبرته الغنائية وبسبب من المكانة التي يحتلها الخطاب الانشائي، إلا أن الأصوات الأخرى تظل مستقلة بذاتها، آية هذه الاستقلالية تمايز الاساليب الخطابية والأجناس الأدبية المستعملة. عند دوستويفسكي، المعلم البارع في تعدد الأصوات وفق باختين، يقوم هذا التعدد أساسا على استخدام الخطاب 0 المنقول بأسلوب مباشر (الحوار) وأحيانا على استخدام المذكرات (على سبيل المثال: حياة الناسك زوسيما من خلال يوميات اليوشا، في رواية الإخوة كارامازوف). أما درويش فيستعمل الى جانب هذه الأساليب أساليب أخرى عديدة. إذ نجد الى جانب الخطاب المنقول بأسلوب مباشر، أو غير مباشر، أو غير مباشر حر، والى جانب الخطاب المستقل أو المونولوج الداخلي، السرد والحلم والبور تريه والقصيدة والمقال الصحفي، وكذلك القناص عبر استشهادات مقتبسة من الكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد لم ومن تفسير القرآن لم نص ابن الأثير) ومن المؤرخين العرب والأجانب.. ومن المذكرات (نص اسامة بن منقذ) ومن المعجميين (ابن سيده) ومن الأدب العالمي (سرفانتيس) ومن أعمال الشاعر نفسه. ولا ننسى شكلا من القناص أكثر رهافة مما ذكرنا، الا وهو معارضة الكلاسيكيين من عرب وغيرهم فهكذا يتراءى من خلال بورتريه "الكعب العالي" (ص 160) نص الجاحظ الشهير، "العصا"، ومن خلال الحلم الذي يظهر فيه عز الدين قلق (ص 19 يتراءى نص المعري الشهير "رسالة الغفران"، ومن خلال وصف مفعول القنابل الانشطارية التي ألقاها الجيش الاسرائيلي (ص 9 يتراءى النص الانجيلي الذي يعلن عن عودة ابن الانسان وبعض فقرات من سفر "رؤيا يوحنا".

    هذه الأساليب المتنوعة تمنح الأصوات استقلالية حقيقية، يتفاوت حجمها من حالة لأخرى. وأغلب الظن أن ذلك ما يضفي طابعا دامغا على مأساوية المصير الفلسطيني المحاصر في اعصار الأصوات المتنافرة، حيث لا يبين أي مخرج مضمون العواقب، كما لا ينتفي أي مخرج، بما فيه الانقراض التام في طيات التاريخ. ينعكس هذا الموقف في عنوان الكتاب نفسه، إذ يحار المرء الى أي صوت ينسبه: أ إلى صوت الراوي؟ في هذه الحالة - كما يلاحظ صاحب الترجمة الانجليزية في مقدمته - يهدف العمل الى تثبيت الأحداث المأساوية التي عاشها المؤلف، كي يتمكن من التحرر منها عن طريق النسيان وقد يهدف أيضا الى تثبيت ذاكرة جمعية، حكم عليها الكثيرون بالنسيان، فللحيلولة دون امحائها، أم يكون الصوت صدى لصوت آخر، هو صوت الصهيونية والعالم الخارجي، وكلاهما لا يتوقعان مستقبلا آخر سوى اختفاء فلسطين، التي لا تزال تربكهم؟ يترك المؤلف السؤال معلقا ولا ينفي أي أفق محتمل. هذا هو تحديدا معنى المأساوية النابهة من هذه الأصوات المختلفة التي يعج بها النص.

    تعدد الأصوات والكرنفال

    ان هذا الوضع الأقصى المتفجر المفتوح على كافة الاحتمالات استدعى إذن تعددية في الأصوات متفجرة هي أيضا، ليس فقط عدديا وانما أيضا في نوعية الأساليب، وفي الأجناس الأدبية المستعملة. لكن هذه الكثرة في الأشكال الأدبية أبعد ما تكون عن تحويل العمل الى لوحة كولاج (قص ولصق)، بل تعزز تعددية صوتية عضوية، يدعمها أسلوبان آخران مرتبطان بالأدب الكرنفالي- وهو الأدب المتميز أصلا بتعدد الأصوات، على رأي باختين - يعتمدان على حيز الأغورا (Agora) والثنائية. (12)

    يحيل حيز الأغورا الى الأدب اليوناني الذي خلف عصر الملحمة، والذي كان يدور عادة في مكان عام يسميه اليونان الأغورا (ما يقابل السوق / الميدان)، وهو حيز جماعي مفتوح، يعبر الفرد فيه عن اكثر أحاسيسه حميمية على مرأى ومسمع من الجميع، إذ لم يكن ثمة حاجز بين الفرد والجماعة ولا بين الفرد والطبيعة، بل كان يقوم بين الطرفين تلاؤم تام. في عمل درويش، يتخذ الحيز شكلين متمايزين، فالى جانب الحيز الأسطوري الذي تكلمنا عنه آنفا والمرتبط أساسا، على الأرجح، بصوت الأنا الساردة، يرتسم حيز آخر يتكشف عن روح الأغورا- وأقول روحية الأغورا لا ايديولوجيتها. فالأحداث كلها تقريبا تدور في أماكن عامة كالساحات والشوارع والمقاهي وردهات الفنادق الكبرى وأقبية المباني العامة.. وكأنها تخلق بين مختلف الشخوص تلاؤما تاما، لا على الصعيد الايديولوجي وتحليل الموقف السياسي، بل على صعيد الشغل الشاغل والسياق النفسي الناشئين عن مالرجتياح، كما هي الحال في جو الكرنفال الاغريقي، ولكن بالحفاظ على استقلالية الأصوات.

    وكما في الكرنفال، نجد الثنائية واختلاط النبرات، ففي خضم هذه المأساة التي تتحكم بمصير السارد ومصير الأفراد الآخرين وبمصير شعب بكامله، لا بل بمصير الحلم العربي بالتحديد، ينبثق من كل صوب التافه والفكه والسخري. فالتافه يبلغ ذررته في الكلام الشديد الإطناب عن اعداد القهوة، الذي يملأ الصفحات الأولى من النص. لا غرر أن السارد، حين يطيل الحديث عن فن إعداد القهوة وعن نفسية من يعدها وعن دوره في حياته الشخصية، فانه يهدف أولا إلى تبليغ المعتدي المقتدر رسالة تحد. غير أن هذه الرسالة تتجلى بالتحديد في الأهمية المعطاة للقافه. نجد هذا التافه أيضا في النشيد الذي يتغنى بالكعب العالي والمقحم في غير موقعه. أما الفكه، فيبدو في جلسات النميمة واختلاق الاشاعات، وفي وقائع عيد ميلاد الراوي الأربعين التي تشبه الى حد ما طقس أضحية قديم (تقديم القرابين البشرية). أما السخري فيملأ أرجاء النص: الحي الذي يفرغ من سكانه خوفا من طرد ملغوم داخل سيارة واذا باللغم فأر يقرض الحديد الصدئ، المسؤولون في منظمات فلسطينية الذين يحصون عدد شهدائهم ويبالغون في العدد لرفع شأن منظماتهم تجاه المنظمات الأخرى، الفتاة البورجوازية الكتائبية التي تسقط خيالات حبها لفرنسا على جندي اسرائيلي، شلو مو، يتضح أنه يمني الأصل لا يفقه كلمة فرنسية واحدة ويبول كما يحلو له عند كل منعطف، كلها أساليب تنتمي الى الكرنفال وتخلق إطارا مثاليا لتعدد الأصوات، إذ أن شبح الموت يفجر المأساوية والكرنفالية.

    السيرة الذاتية وتعدد الأصوات

    هذا إذن عمل شديد الغنى بتعدد الأصوات، يوظف عددا من الأساليب الانشائية والاجناس الأدبية. فما هو موقعه من السيرة الذاتية، التي يفترض أنها تتجسد، بالتراث الغربي، في سرد يسوده الراوي- المؤلف؟ لكن قبل أن نجيب على هذا السؤال الجوهري، علينا أن نستوضح جانبا آخر ذا طابع تاريخي. فالنقد الخارجي يبرز بعض الخلل في النص: الأحداث المروية لم تتم، تاريخيا، في نفس اليوم (فمثلا لم يتم تدمير عدة مبان بالقنابل الانشطارية في نفس اليوم الذي استقبل فيه ياسر عرفات أوري افنيري في قبوه). والواقع ان السرد يكثف بيوم واحد مجمل ما وقع من أحداث في عدة أيام متقاربة. غير أن التنويه بذلك لا يؤدي الى نتائج حاسمة، إذ من الممكن، مثلا، عزو ذلك إلى وهن اصاب ذاكرة الراوي، واعتبار أن الأمانة التاريخية لو اعتمدت، لما انتقصت شيئا من بنية النص ونبرته.. ولذا فاننا نعتمد فرضية منهجية تتجاوز هذا الخلل، الذي لا يلحظه إلا المؤرخ، لننظر في النقاط الأساسية عن كثب، فقد يعدل ذلك من مقار بتنا لجنس السيرة الذاتية كما يبدو في طرح فيليب لوجون في كتابه "ميثاق السيرة الذاتية" (13)، الذي يعتبر، حتى اليوم، الدراسة الأشمل والأمتن في هذا الميدان.

    يميز لوجون، في تحديده، هذا الجنس الأدبي، مستويين اثنين، أعرفهما بالمستوى المعنوي والمستوى الشكلي. يعتبر المستوى الأول ان مفهوم العقد الذي يعقده الكاتب مع القارئ هو أساسي، فوحده هذا العقد، المتمثل في أغلب الأحيان بكلمة "سيرة ذاتية" المدرجة على الصفحة الأولى، يضفي على العمل حكمه القانوني الذي يميزه عن النص التخييلي الذي قد يحقق كافة مقتضيات المستوى الشكلي للسيرة الذاتية دون ان يدخل في خانتها. فان لم يظهر هناك عقد صريح أو لم يكن هناك عقد على الإطلاق، وجب البحث عن توقيع بالاسم الشخصي، وينبغي أن يتطابق إذاك اسم الراوي- الشخصية مع اسم المؤلف المدون في الصفحة الأولى. في العمل الذي نعرض له، حيث لا يقترح المؤلف أي عقد، نجد أن توقيع المؤلف واضح للعيان، إذ يستشهد الراوي- الشخصية بمقالات وقصائد ينسبها الى نفسه مع أنها مقتبسة من دواوين منشورة باسم محمود درويش. (14) ومعترف له بها، كما اننا نلقى الراوي، أقله مرة، يسمى باسمه الشخصي، محمود، في سياق لا يدع أي شك في اسمه الكامل (15)، من الواضح إذن أن العقد المعنوي ملتزم به التزاما كاملا. أما المستوى الشكلي فيثير مشاكل حقيقية، فلننظر في تحديد لرجون للسيرة الذاتية: "إنها سرد يستعيد ما مضى، نثري، يدونه شخص واقعي عن وجوده الخاص، مركزا على حياته الفردية، لا سيما على تاريخ شخصيته". ثم يفصل القول فيضيف: "يعتمد التحديد على عناصر تتعلق بأربع مقولات مختلفة:

    1- شكل الكلام

    أ- سرد

    ب- نثري

    2- الموضوع المعالج: حياة فرد، تاريخ شخصية.

    3- وضع المؤلف: تماهي المؤلف (على أن يحيل اسمه الى شخص حقيقي) والراوي.

    4- موقف الراوي:

    أ- تماهي الراوي والشخصية الرئيسية.

    ب- منظور النص استعادي".(16)

    تنطبق العناصر المذكورة على عمل درويش تماما، مع تحفظ واحد، يكمن في أنه لا يوجد تطابق كامل بينه وبين هذا التحديد. يبقى بينهما ما يشبه فجوة يتعذر ردمها. وهذه الفجوة بالذات هي موضوع تساؤلنا، إذ أنها تتصل أساسا بنقطتين أساسيتين: شكل الكلام، ثم هوية الراوي والشخصية الرئيسية. فلو كانت مخالفة هذا العمل للتحديد المعطى، حول هاتين النقطتين، مخالفة تامة، لأنزل هذا العمل، وفق معايير لرجون، في خانة السيرة الذاتية الشعرية أو البور تريه أو السيرة (البيوغرافيا)، غير أن هذه المخالفة نسبية فيما يخص النقطة الثانية وملتبسة في الأولى.

    إن هذه المخالفة نسبية الى حد كبير فيما يتعلق بتماهي الراوي والشخصية الرئيسية. صحيح أن الأحداث التي تكون الإطار الفذ للحدث السردي لا تتحكم فيها على الاطلاق إرادة الراوي، إذ أنها منوطة مباشرة بقرارات المسؤولين الاسرائيليين والفلسطينيين، وبشكل غير مباشر باللعبة الاقليمية والدولية. فليس للشخصية الساردة أي تحكم فعلي في مجرى الأمور كما هي. غير أنها لا تستسلم لهذه الأحداث بسلبية. بل انها تنشط، وبشكل مكثف، على المستويين النفسي والرمزي، لتفرض ذاكرة وتفتح آفاقا وتبدل موقع الإشكالية بحيث تؤمن لنفسها دورا ومكانة في هذا المخاض عن عالم مرتقب، مع ما فيه من رهبة. ولكن لا يبدو أن الإشكال يكمن في هذه النقطة. بل في الطريقة التي يتصور فيها الراوي مكانه الشخصي. إذ أنه لا يتصوره على أنه فردي محض، بل يربط البعد الفردي بالبعد الجماعي ربطا محكما فهو ليس فقط ذلك الفرد المهووس بذاتيته الفردية - مع أن هذا الجانب جلي في سرد ما مضى من حياته وفي القلق الذي يعتصره في اللحظة الواهنة - انه مسكون أيضا بمصير شعب بل ومصير أمة. الواقع أن ما يثير الإشكال ويربك معيار السيرة الذاتية العادي يكمن في العلاقة فرد/ جماعة، يتجاوز هذا الأمر الميدان الأدبي ويضعنا تجاه مشكلة انثربولوجية خطيرة: هل الإنسان هو بالأحرى فردية متمايزة أم فردية تعانق الجماعي، لا سيما في اللحظات الحاسمة في تاريخ الشعوب؟ في صياغته للمعايير المؤسسة للسيرة الذاتية على نحو ملزم، يعتمد لرجون على ما أنتجه الغرب منذ قرنين، أي منذ أن اعتمدت الحداثة الغربية الفرد، الفاعل الفردي، محركا للتاريخ، فهل ينبغي، انطلاقا من هذا، تجاهل صيغ أخرى من الحداثة، تدرك الأمور بشكل مختلف، خاصة في اللحظات الحرجة من وجودها، وعلى الأخص عندما تجد نفسها مهددة بشكل من أشكال هذه الحداثة الغربية إياها؟ إن الرد على هذا السؤال بالايجاب يؤدي الى اعتماد التحديد الغربي للانسان بشكل مطلق، والى اختزال عبقرية درويش التي يشكل البعد الفلسطيني فيها جانبا أساسيا، والى بتر أدب السيرة الذاتية بترا خطيرا، لا أجيب على هذا السؤال الخطير، بل أكتفي الآن بطرحه.

    أما الخروج الثاني عن المألوف فيتعلق بشكل الكلام، فبدل السرد النثري الخالص، نجد هنا خليطا من الأجناس، يسيطر عليها السرد في المحصلة، حتى وان استعار من الشعر بعض رجعاته. فهذه الأجناس التي فصلناها أعلاه لا تشكل كيانات مستقلة تشبه قطع كولاج، بل تندمج في السرد لتمنحه أبعادا أخرى ولتضفي عليه سمة جماعية متشظية يفرضها الدنو الحسي من الموت، وذلك أيضا لا يتفق والمعايير التي يستخلصها لرجون، غير انه لا يمسخ مشروع السيرة الذاتية، بل على العكس، أيجوز لنا، والحالة هذه، أن نجمد شكل السيرة الذاتية في قالب محدد، فيما نحن نطالب للجنس الروائي، واليه تمت السيرة الذاتية بنسب، بإمكانية الا يثبت ويستقر في شكل محدد؟ هنا أيضا اكتفي بطرح السؤال.

    ختاما مؤقتا لهذه المشكلة، أشير الى أن التناقض بين العمل المدروس والسيرة الذاتية، ضمن الفرضية المنهجية المطروحة آنفا، يكمن بالتحديد في تعدد الأصوات. ذلك العنصرين اللذين يخرقان نظام السيرة الذاتية - وهما الشكل الأدبي وتماهي الا راوي مع الشخصية الرئيسية - يشكلان العنصرين الأساسيين في تعدد الأصوات، فهل السيرة الذاتية وتعدد الأصوات ينقض كل منهما الآخر؟

    عالم إدوار الخراط

    إن عمل إدوار الخراط المرتبط ارتباطا وثيقا بالموت وتعدد الأصوات يطرح مشكلة السيرة الذاتية من وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر محمود درويش، لكنها لا تقل عنها أهمية.

    مصارعة الموت

    إن الموت طاغي الحضور في هذا العمل وان كان أقل مشهدية مما هو عليه عند درويش. ففي كل فصل نصادف جثة علي الأقل: صديق يتوفى في سن مبكرة (كامل الصاوي، الفصل الأول)، صداقة تقضي نحبها لأسباب تافهة (وفيق راقم، الفصل 1)، غياب وجه أثر في طفولة الراوي تأثيرا بالغا (يني سالم، ناظر المدرسة، الفصل 5)، تلاشي إحساس كان قويا في الماضي، أو حيز مدينة أو ريف انطويا إلى الأبد(17)، ويقوم مشروع العمل بأكمله على إقصاء شر هذا الموت أو تدجينه، على الأقل، فحيث تقوم مجموعة من النصوص، التي تحمل نفحة السيرة الذاتية، يرصد تلاشي الماضي رصدا موضوعيا على حد ما، وتسعي إلى استخلاص العبر لأجيال القادمة، أو إلى تدوين تاريخ ما، يكرس الخراط جهده ~ بعيدا عن كل إدعاء علمي أو ايديولوجي- للحفاظ على هذه الشعلة التي الهبت حياته، لا سيما في سني الطفولة والشباب. ويعرض له ان يعترف بمشروعه صراحة، بالتأكيد على ديمومة هذا الماضي: "لم يكن هذا الماضي جميلا، بل هو جميل الآن، مازال وسيظل، انه ماثل، لم ينقص (...) كم من مرة خرجت لكم قائلا: يا ناس، هذا كله ليس الماضي، بل الآن، لكنكم أسرى التواريخ"(1، وفي سبيل هذا الفرض يستعمل حيلا وأساليب متعددة.

    أولى هذه الحيل لعبة الرياضيات، فها هو عدد الفصول المعبر عن الكمال - وهو الرقم 7- يحيل الى عالم مثالي، أي الى عالم لا ينال منه الزمن العابر. أما القياس الذي يقيس به عدد صفحات كل فصل، بحيث تبلغ حوالي الثلاثين في كل مرة، فيستحضر كمال النظام والعقلانية الذي تحكم قديما في الحمارة والنحت عند الا غريق فحماهما من شرفتك الإله كرونوس (وكذلك فعل الفراعنة)، انها بنية رياضية، واعية وارادية بجلاء، تضمن اللازمنية. وذلك مما يتيح للراوي أن يذرع السنين والعقود، ذهابا وايابا، دون مجازفة وكأنه في عالم مكتمل مغلق.

    وثمة حيلة أخرى: استعمال التماري (من: مرآة) الخادع للبصر. وتتخذ هذه الحيلة عدة أشكال أخص منها اثنين بالذكر. أولهما ذلك التساؤل البريء الساذج الذي كثيرا ما يتكرر بعد استدعاء الذكريات: الا أمارس التوهم في نقلي لهذا الحدث (19)؟ ثم تلك الصورة الرائعة التي يتبدى فيها الراوي على شكل بجعة عجوز تحلق فوق المياه وتتمارى فيها وترى في أعماقها هيكلها العظمي العتيق(19). أهو ميت في هذه البيئة المائية التي تحافظ عليه حتى بعد الموت؟ أهو حي، وان تشنج كميت، في ذلك العنصر الهوائي؟ المهم هو الحفاظ على الحياة، وان عن طريق توهمها.

    حيلة أخيرة: التوهج الشعري، توهج يصرح به العنوان نفسه، "حريق"، ويستمر طوال النص بفضل كتابة متوترة، متحفزة على الدوام، ذات غنائية حادة وان تحامت الرومانسية، شعرية تعززها رمزية بلفت كمالها من خلال أعماله السابقة، تشمل آلهة المصريين والبجعة ورامة (21) دائما وأبدا. ودون أن أتوقف عند التحليل النفسي للعناصر الأولية، على طريقة باشلار، يلفت انتباهي وجود متزامن ومتواتر لعنصرين نقيضين، هما النار والماء، إن تزاوج النقيضين يحافظ على الحياة حتى في الموت. الا يبدو هذان العنصران في نظرة الراوي كما في نظرة الآخر اليه، ذلك الآخر الحاضر بشكل واضح في النص؟

    التحكم بالتعددية الصوتية

    بالرغم من أن التعددية الصوتية أقل منها صراحة هنا منها عند درويش، إلا انها تبقى عنصرا يمحور هذا النص في صراعه ضد الموت. أكثر الأصوات وضوحا هي الأصوات التراسلية وأصوات الأنا الانشائية التي تقابل الأنا الحبرية، المجموعة الأولى واضحة بينة، إنها ترتبط بمختلف الرسائل، حقيقة كانت أو متخيلة، التي تعبر عن رؤى، أو أقله مواقف، متباينة، إلا أننا نلفت الانتباه الى هذه الازدواجية المرتبطة بصوت وفيق، والتي تحيل أيضا الى لعبة التماري المشار اليها سابقا. ووفيق هذا صديق يراسل الراوي الذي تشير القرائن الى أنه المؤلف - الراوي، ومن هذه القرائن: أشخاص بعينهم (سامي، جمال شحيد...) أو تفاصيل معروفة في حياته، أو أعماله الأدبية المنشورة. بيد أن هناك شكا يحوم حول هوية ذلك الذي يراسل وفيق راقم، المرسومة ملامحه بوضوح في الفصل الأول. إلا أن وفيق هذا يزدوج فجأة ويبدو وكأنه يتماهى مع الراوي نفسه. فوفيق، والحالة هذه، هو نفسه وهو آخر، وذلك الآخر قد يحيل الى أكثر من شخص، فيما وفيق نفسه قد يحيل الى الراوي السارد قصته أو الى شخصية الراوي (التاريخية) المسرود عنها. أهي الدائرة تكتمل وتنغلق أم هي لعبة التماري التي تمتد إلى ما لا نهاية ؟ يصرح النص بهذه اللعبة أحيانا حين يتساءل الراوي حول هذه الرسائل: "أكتبها، أو تكتب لي؟" (حريق، ص 160).

    أما المجموعة الثانية من الأصوات الصريحة، فتتبدى على المستوى الطباعي (بين البنطين السميك والرفيع) مما يقيم تقابلا بين أنا الراوي- المؤلف وأنا الراوي- الشخصية المتكلم عنها، أو بين الراوي الذي يسرد والراوي الذي يعلق على السرد وهكذا يظهر ازدواج صوتي آخر على المستوى الإنشائي.

    تتجسد هذه الأصوات، كما عند درويش، في أساليب وأجناس أدبية متنوعة: السرد، الخطاب، الرسالة، اليوميات الحميمة، القناص... وان طغى عليها صوت الأنا الراوي المتأجج. إلا أنها تعبأ لمقاومة الموت، بينما يكمن فيها نفسها، عند درويش، خطر الموت هذا. السيرة الذاتية وعبر النوعية

    بالرغم من وجود عناصر سير ذاتية واضحة، فان الخراط يقترح على القارئ عقدا روائيا صريحا يفصح عنه في الصفحة الأولى ثم يؤكده الراوي في متن النص: "وليست هذه سيرة ذاتية، بمعنى ما، وانما أريدها أن تكون رواية، يعني" (حريق، ص 26). فمنذ أن صاغ فردريش فون شليجل، الممثل العام لمدرسة "يينا" الرومانسية"، مبدأه الشهير- "إن الراوية لا تزال في صيرورة، وجوهرها الحميم يقضي الا تكون إلا في صيرورة لا نهاية لها، دون أن تتكون أبدا" (22)- لم يعد أحد يدعي وضع قانون للرواية. فالخراط إذن مطلق اليدين في ارتياد أشكال روائية جديدة، وهو لا يحرم نفسه من ذلك، منذ ما يقارب ثلاثين سنة، ولكن من حقنا أن نتساءل عن خلفية رؤيته أو فيما يتعلق بهذا العمل، عن الايهام الروائي المتعمد.

    إن قارنا هذا النص بالتعريف الشكلي. الذي يقدمه لرجون للسيرة الذاتية، لاحظنا ان فيه عنصرين شاذين، فمن جهة، هناك الطابع التخييلي في بعض الرسائل - خاصة تلك التي يوجهها وفيق الراوي الانشائي إلى صنوه، الراوي المخبر عنه، فهذه الرسائل أكثر واقعية من الرسائل الحقيقية، ويمكن أن تندرج في إطار سيرة ذاتية حقيقية. ولكن هناك، من جهة أخرى، ذلك الخطاب الانشائي، الذي يقابل السرد، ويشغل حيزا من النص مهما نسبيا، يمثل هذا العنصر دورا أساسيا في تشكيل العمل، وهو الذي يبرر كون العقد المعنوي المقترح على القارئ مختلفا بشكل واضح عن عقد السيرة الذاتية. ولكن لماذا حرص إدرار الخراط على أن يضيف هذا التصريح المباشر لم بأسلوب إنشائي) حول العقد، إلى نص يقوم بذاته دون تعليق؟ ولماذا فرض العقد الروائي، في حين كان باستطاعته أن يتركه مبهم المعالم، أو أن يقترح عقدا أقل تحديدا، كأن يضع مثلا: نص، محاولة...؟

    على هذه التساؤلات، اقترح اجابتين تتفاوتان في القيمة، الأولى أقل أهمية وترتبط بميدان علم النفس. فقد يكون الخراط، مزاجا وثقافة، من الحياء بحيث أنه يحجم عن أن يتخذ من تاريخه الحميم الخاص موضوعا محوريا لنصه، ولذلك يلجأ إلى حيلة تخوله أن يكشف من حياته ما حلا له، دون أن يعطي الانطباع انه يتعرى للقارئ، فالقضية هنا لا تتعلق بالعلاقة فرد/ جماعة (كما عند درويش) بل بالعلاقة جوانية / برانية.

    أما الاجابة الثانية، وهي الأهم، فذات طابع أدبي، إذ أنها تكشف اللثام عن موقف أساسي لديه، نستطيع تلمسه في القسم الأكبر من أعماله الأدبية. فمنذ "رامة والتنين" الصادر عام 1979، بدأ الخراط يخلط الأوراق، فترك ناشره يقترح على القارئ عقدا روائيا لعمل كان هو ليعتبره مجموعة قصصية، وليس بالامكان قبول العذر الذي تذرع به آنذاك لتبرير هذا التناقض قائلا إن ما حدث هو مس ء تفاهم بينه وبين الناشر، فلو كان الأمر كذلك فعلا، لما أعاد الكرة.

    الواقع أن الخراط يهجس بكتابة مختلفة عن الشائع، ومنشغل بما يسميه هو نفسه الكتابة عبر النوعية (23). وللتبسيط، لنقل إنها الكتابة النقيض لكتابة محفوظ، ليس بمعنى انه يحاول التصدي لذلك الفنان الكبير، وبعد ان بسط ظله، بل انه لا يعدو أن يؤكد على عالمه الخاص، الذي بدأت ترتسم ملامحه، على كل حال، في مجموعاته القصصية الأولى التي صدرت قبل أن يصبح محفوظ ما هو عليه، بسنين طويلة، كان هاجسه أن يتجاوز الكتابة الواقعية التي كانت تطغى على الرواية العربية، ليبحث عن شكل يعبر عن تعقيد عالم متشظ وعن الذاتية الخلاقة. وهذا، على الأرجح، ما دفعه مبكرا الى المزج بين الأجناس الأدبية، وهو مزج شمل في حينه الواقعية والفانتاستيك والرمزية والنفسانية، باعتماد لفة تخالها كلاسيكية بينما هي تعج بتراكيب نحوية تخالف القوانين. وقد قاده هذا المنطق فيما بعد إلى المزج بين السرد وقصيدة النثر، مما أدى به مثلا إلى إنشاء أشكال من الزمنية السردية، لم يبوبها جيرار جينيت، وهو المرجع المأذون في هذه القضية (24). وهذا الهاجس نفسه هو الذي حدا به في نفس الفترة إلى الإشادة بالقصة الشعرية عند منتصر القفاش وبكتابة بدر الديب. والأغلب أن في رغبته بكسر الأجناس الكلاسيكية ويخلق هذا النوع "العابر للأجناس" ما يفسر إلى درجة كبيرة طابع العمل الذي نحلله. مربط الفرس هنا أيضا هو التجديد وابداع سيرة ذاتية مغايرة، إن لم تكن رواية مغايرة.

    انطلاقا من عمل محمود درويش الذي تعتمل فيه التعددية الصوتية، طرحنا تساؤلين، الأول يتعلق بمضمون لا يخلو من مسحة انثروبولوجية: هل العلاقة بين الفردي والجماعي، وهي علاقة يستحيل أن تتشابه في مختلف الثقافات وعبر كافة العصور، قد اتخذت شكلا ثابتا على نحو نهائي انطلاقا من الحداثة الأدبية الأوروبية؟ أما الثاني فمرتبط بالتقنية الشكلية: هل السرد القصصي هو الجنس الوحيد الملائم للسيرة الذاتية ؟ ثم ترافد التساؤلان في طرح قضية أشمل حول التنافر بين تعدد الأصوات والسيرة الذاتية. وأما انطلاقا من عمل ادوار الخراط، فقد انعقدت الإشكالية حول رفض السيرة الذاتية وبشكل أعم رفض كل جنس أدبي يقنن. ولكن ما يتضح في كلا الحالتين، وبغض النظر عن القيمة الأدبية للعملين المذكورين، هي إرادة الابداع وشق مسارات جديدة، استنادا الى اختبار الموت اختبارا احتداميا. بهذا يرقى كاتبنا الى مستوى العالمية.. واللافت للانتباه هو أن هذه المحاولة تصدر عن كاتبين لا اصعب من ترجمة أعمالهما، وتلك آية على أن بلوغ العالمية لا يقوم على الاطلاق بالتنكر للذات أو بتقليد الآخرين، فعل القردة، لا يبلغ المرء العالمية إلا انطلاقا من موقعه الخاص، أي من الخصوصية.. بذلك يقوم محمود درويش وادوار الخراط شاهدين على حيوية الأدب العربي المعاصر.

    الهوامش
    1- راجع كتابة: "الزمن والسرد"، جزء 3، دار سوي، باريس، 1985، ص 475.

    -Paul Ricoeur: Temps et Recit III, Seuil, Paris, 1985.

    وفي كتابه "من النص الى الفعل، محاولات في التأويل".

    De texte a laction, Essais d'hermeneutique II, Seuil, coll, Esprit, 1986

    يوضح المؤلف: "إن فرضيتي الأساسية في هذا الصدد هي التالية: إن الطابع المشترك في التجربة الإنسانية، وهو طابع يسمه ويمفصله 0 ويوضحه فعل السرد بكافة أشكاله، إنما هو طابع زمني".

    2- نحيل إلى الطبعة الأولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1987، ولها ترجمتان فرنسية وانجليزية هما:

    - Une memoire pour I1oubli, Actes Sud, Paris, 1994, traduit par Y, Gomzalez- Quijano et F. Mardam Bey.

    - Memory for forgetfulness, August, Beirut, 1982, University of California Press Berkeley, 1995, by Ibrahim Mhawwa.

    3- منشورات دار المستقبل، الفجالة، الأسكندرية، 1994.

    4- كل الإشارات تدل على أن اليوم المعني هو يوم 4 آب / أغسطس.

    5- كان ميخائيل باختين أول من صاغ واستخدم هذا المفهوم، polyphonie الذي يعبر عنه أحيانا بكلمة "الثنائية الصوتية" (dialogisme) وأحيانا أخرى بكلمة "التنافرية الصوتية". (heteroligie) راجع كتابه المترجم إلى الفرنسية تحت عنوان. et theorie du roman (Gakkumard, Paris 197 Esthetique أيضا كتاب تودوروف:

    - . Mikhail Bakhtine et le principe dialogique, Seuil, Paris, 1981 T. Todorov

    6- راجع: ذاكرة للنسيان، ص 15.

    7- راجع الفصل الأول من سفرا لتكوين، في العهد القديم من الكتاب المقدس.

    8- ذاكرة للنسيان، ص 54.

    9- نفس المرجع، ص 46، ابن سيدة معجمي اندلسي من القرن الحادي عشر الميلادي.

    10- نفس المرجح، ص 54، والنص لابن الأثير، المؤرخ المعروف الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وهو مقتبس من "الكامل في التاريخ" ويشير إلى نظرية شيقة عن خلق العالم، انطلاقا من المقولات القرانية.

    11- انظر "شعرية دوستويفسكي" لباختين، ص48 من الترجمة الفرنسية:

    - Bakhtine: La Poetique de Dostoievski, Seuil, 1970. Mikhail

    12- انظر دراسة باختين عن "أشكال الزمن والزمكانية في الرواية" وهو فصل من "جمالية الرواية ونظريتها"، ودراسته الأخرى "خصائص التأليف والجنس الأدبي في أعمال دوستويفسكي" وهو فصل من "شعرية دوستويفسكي" ثم كتابه "أعمال فانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وفي عصر النهضة".

    M. Bahjtine: Formes du tems et du chronotope dans le roman”. In Esthetique et theorie du roman; “les particularites de composition et de gerne dans les oeuvres de de Dostoievski, de Dostoievski, L´oeuvre de Francois Rablelaiset la culture in La Poetique

    Moyen Age et sous la Renaissance, Gallimard, Paris, 1970. populaire au

    13- العنوان الفرنسي:

    Lejeune, Le Pacte autobiographique, Seuil, Paris, 1975 Philippe

    14- راجع: ذاكرة ص 74، 80، 180، 191.

    15- راجع السؤال الذي يوجهه الى محمود، الراوي، شخص عن موضوع البحر في إحدى قصائده، ص 224.

    16- راجع الكتاب المذكور في الإشارة رقم 13، ص 14.

    17- هذه الأمكنة تملأ جنبات الكتاب، إلا أن حضور الإسكندرية، كما عهدها الراوي سابقا، يطغى على ما سواه.

    18- راجح: حريق ص 26، ويمكن أيضا مراجعة مقاطع شبيهة في ص 128، 151، 160.

    19- هذه مقاطع نموذجية: أم أن ذلك كله من محض خيالي والتباس ذكرياتي وتخليط أوهامي؟ (ص 45). "أتخونني الذاكرة أم تصور لي خيالاتي شيئا أكثر واقعية من أي "واقع، فعلي أم أن هذا ما حدث فعلا؟" (ص 91).

    20- راجع: حريق ص 169.

    21- "رامة والتنين" هو عنوان رواية الخراط الأولى، ولم تكف هذه الشخصية عن معاودة الظهور في أعماله اللاحقة.

    22- راجع كتاب "المطلق الأدبي، نظرية الأدب في الرومانسية الألمانية"، ص 112.

    - Labarthe et Jean- Louis Nancy: L'absolu litterairre, Philippe Lacoue-

    de la literature du romantisme allemand, Seuil, Paris, 1978 theorie

    23- راجع كتابه "الكتابة عبر النوعية" دار شرقيات، القاهرة، 1994.

    24- خاصة في عملية "خطاب السرد" و "خطاب السرد الجديد".

    - du recit)), in Figures III, Seuil Gerard Genette: ((Le discours veau discours Paris, 1972; et Nouveau discours du resit, Seuil, Paris, 1983.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 02:45 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    حتى عودتنا للحديث عن الجدارية,
    سنبسط نصوصا مختلفة حول الموت
    وسنبدا بنص مترجم لسلفادور دالي نقلا عن مجلة نزوى العدد التاسع
    ****
    كيف تحيا مع الموت



    نص: سلفادور دالي
    ترجمة: أشرف أبواليزيد(كاتب من
    مصر مقيم في سلطنة عمان)


    --------------------------------------------------------------------------------


    أنا، دالي، استهل كتابي باستغاثة موتي.

    أراني لا أبتعد عن مغزى التناقض بين الأمرين، كي يفهم الجميع عبقرية الأصالة في رغبتي بالحياة.

    فقد عشت مع الموت منذ اللحظة التي نما فيها وعيي بالتقاط أنفاسي، وظل الموت يقتلني دائما بشهوانية باردة، لا يتخطاها أبدا إلا شغفي الصافي في أن اختط حياتي وأعيشها في كل دقيقة، وكل ثانية مهما صغرت، على وعي تام بكوني حيا. هذا التوتر المستمر، العنيد، الهمجي، المفزع هو القصة كلها في مسألتي.

    إن لعبتي الأسمى حي أن أتخيل نفسي ميتا، يأكلني الاود. أغلق عيني وبتفاصيل لا تصدق في دقتها التامة والوعرة، أراني أزدرا وأهضم في بطء بواسطة كم لعين من جحافل أود الأرض الضخم المخضر، ينهش لحمي يقيم في محجر عيني بعد أن يقرض العينين ويلقيهما بعيدا، ليبدأ في افتراس مخي بشراهة. أكاد أشعر _على لساني _كيف يسيل اللعاب فيستعذبه وهو يعضني. وتحت ضلوعي تجعل أنفاسي صدري منتفخا، بينما بفكها تحطم أنسجة رئتي الشفافة. يستريح قلبي قليلا، لاثبات وجوده وحسب، لأنه طالما خدمني بصدق، أراه مثل كعكة اسفنجية سمينة يتاخمها الصديد الذي يتفجر فجأة ويندفع داخل عجينة تزحف كأنها يرقات بيضاء مكتنزة. وهنا يصل بطني: عفن نتن ينقبض بقوة مثل فقاعة تملؤها جيفة، خليط روثي يحتشد من حياة استثنائية. وللمرة الأخيرة أطلق زفراتي، مثل بركان عجوز يبكي منتزعا من الحمم مصدوعا في العظام مثخنا بالاود الذي يولم فوق نخاعي. كم أجد ذلك تدريبا رائعا أكرره كلما تذكرت العودة اليه.

    الذاكرة الدالية الأولى

    عشت موتي قبل حياتي. ففي سن السابعة، توفى أخي بالالتهاب السحائي، قبل سنوات ثلاث من ولادتي، هزت الصدمة أمي في أعماقها. نضج أخي المبكر، عبقريته، عطفه، ورقته بالنسبة لها اشراقات هائلة، مما جعل اختفاءه صدمة مفجعة لم تكن أبدا لتتخطا ها. لم يسكن يأس والدي فقط سوى ولادتي، لكن سوء الحظ لم يزل يخترق لحل خلية في جسديهما. وداخل رحم أمي، كنت بالفعل أحس ذعرهما، هنت جنينا يسبح في غشاء مشيعي لعين. كان توقهما يتركني أبدا. وكثيرا ما أراحتني حياة ووفاة هذا الأخ الأكبر، فقد كانت خيوطه تتصل بكل مكان حولي حين بدأت أعي: الملابس، الصور، الألعاب، وبقي دائما في ذاكرتي والدي من خلال استدعاءات مؤثرة لا تمحى. وعايشة في عمق وجوده الخاص والدائم كما رضوض الجروح - بنوع من العزلة عن المسببات - يتملكني الإحساس بكوني مهزوما، أضحت كل محاولاتي فيما بعد ترمي الى استرداد حقوقي في الحياة أولا وفي المقام الرئيسي بجذب دائم الاهتمام من هم أقرب لي في أشكال عدوانية أبدية.

    واذا كان فان جوخ قد فقد عقله بسبب كون صنوه المتوفى حاضرا جانبه، فالأمر مختلف بالنسبة لي (1) وقد عرفت دوما كيف أوجه وأضبط ذاكرتي، حتى في معظم استدعاءاتي الآثمة، بل أكاد حتى أتذكر وجودي في الرحم. كل ما علي هو أن أغلق عيني فقط، وأضغط عليهما بقبضتي يدي، لأرى مرة أخرى ألوان الرحم، المطهر ألوان مسحات النار الابليسية، حمراء، برتقالية، صفراء وامضة، لزوجة السائل المنوي وبياض البويضة الفوسفوري الذي فيه أعيش غامضا كملاك سقط من عليائه.

    ذكريات دالية عن الوجود القدوي:

    خلق فكري أم مجرد هاجس ؟

    ولدت كأي فرد في فزع، وألم وخدر فإذا حركت قبضتي فجأة بعيدا وفتحت عيني على اتساعهما في الضوء الباهر، أشعر مرة أخرى بشيء ما من تلك الهزة الممتلئة والاختناق والصدمة والعمى، والصراخ، والدم، والخوف، والتي تسجل كلها دخولي لهذا العالم.

    كان شبح الأخ الراحل هناك يرحب بي منذ البداية، كان ربما قلت هو الشيطان الدالي الأول. فقد عاش أخي لسبع سنوات. وأشعر انه كان نوعا من دورة اختبارية لذاتي وبعضا من عبقرية مطلقة فقد احترق مخه كدائرة كهربية زادت درجة اشتعالها في وسط دقيق بدرجة لا تصدق. لم تكن مصادفة أن اسمه كان سلفا دور مثل أبي سلفا دور دالي إي كوزي، ومثلي كان محبوبا بسخاء ولم أكن إلا محبوبا عظه. في ولادتي تابعت قدماي وقع خطي الراحل الموله، كان لا يزال معشوقا في شخصي وبل ربما الآن أكثر من زي قبل. وطغى فيض الحب على من قبل أبي منذ اليوم الذي شهد مولدي كجرح نرجسي، بل اللحظة التي شعرت فيها بالفعل برحم أمي. وفقط ومن خلال جنون العظمة - أعني الافراط في الغرور بالذات - نجحت في انقاذ نفسي من محق الشك النسقي في الذات، بل تعلمت أن أحيا بملء التأثر بحبي لنفسي، لقد غزوت الموت لأول مرة بغرور ونرجسية.

    غالبا ما رأيت الموت وأنا أشق طريقي تحت أكثر الظروف تضاربا. هأنذا أنهي محاضرة في قرية فيجوراس، مسقط رأسي، أمام جمهور يضم كل السلطات المحلية، العام 1928، وقد أتوا ليروا ويسمعوا صبيا من بلدتهم كتبت المحاضرة بنبرة عدائية لتصفع مواطنيي النائمين، وفي النهاية كدت أصيح فيهم (السيدات والسادة، المحاضرة انتهت ) حاول الجمهور جعلي أستمر، لم يفهموا أني انتهيت. التزمت الهدوء. كان هناك صمت، لحظة توقف فيها الزمن، وفجأة، يسقط العمدة، الذي كان يجلس أمامي الى اليمين، بالكاد أمام قدمي، كمسمار كبير الرأس. ينهضون تملؤهم الإثارة والرعب يمضون في كل صوب وأبقى حيث كنت وحسب، دونما أتحرك، متأملا الوجه الجموح، انفلقت العينان للأبد ولا يزال تعبيره الأخير محفورا في تفكيري.

    هل يحشى دالي الموت ؟

    خلال هذا التفكير كان الرجل الميت موسوما بجمر العلامة الدالية. وبالنسبة لي، كان الأصوات وسادة تحتية أنام عليها، لكني كنت دوما أفزع من الموت. عمري خمس سنوات العام 1909. وأحد أبناء عمي، عمره عشرون سنة، يصيب خفاشا في عينيه مستخدما بندقيته القصيرة، ويضع الخفاش في دلو. أرمي بنوبة غضبي عليه سائلا إياه أن يعطيني الحيوان الصفير، وبعد ذلك أهرول لأضعه في أحد الأماكن السرية، بمنزل ما اعتدت أن أخفي فيا الأشياء. أرى الثديي الصفير مرتعدا يعاني غارقا في سجنه.

    أتحدث اليه، أمسكه وأقبل رأسه الساقط. أبدأ رحلة عشقه. في اليوم التالي كان أول شي ء فعلته أني انطلقت لرؤيته، راقدا على ظهره بالدلو أجد الحيوان ميتا، أكاد أرى لسانه اللاهث الضئيل وأسنان الرجل العجوز حول أنفه. نظرت اليه بشفقة معلنة، ورفعته، وبدلا من أن أقبله كما انتويت أن أفعل في باديء الأمر، وينوع من الغضب، لقيته بعضة واحدة، حملقت لوهلة فيما فعلته بفزع وشعرت بلزوجة الدم في فمي فألقيت باهتياج شديد تلك الجيفة الضئيلة داخل الحوض المعد للغسيل عند قدمي الى جوار شجرة تين ضخمة. ابتعدت مهرولا، تسيل الدموع من عيني. وأعود، رغم ذلك، لكن الخفاش كان قد اختفى. وكانت تينات سوداء كبيرة تطفو على سطح الماء، كبقع أتت حدادا. والى اليوم لازالت ذكرى هذا المشهد ترجفني بل إن مجرد رؤية بعض بقع سوداء كافية لتستحضر لي موت الخفاش.

    وأنا طفل، كان لدي كذلك قنفذ اختفى يوما. وبعد أسبوع وجدته ميتا في حظيرة الدجاج، أتذكر أنني أعتقدت في باديء الأمر أنه حي لأن شعراته كانت تبدو وكأنها تتحرك بسبب علبة يرقات تصببت حول جثته. اختفت الرأس تحت بقايا طعام جيلاتيني مخضر. كنت قادرا على أن أملأ بالدموع عيني لأن قدميه كانتا تنثنيان تحتي وكان علي أن أفر من الرائحة النتنة، كان ذلك الوقت الذي تجمعت فيه براعم الليمون، وحين خرجت من حظيرة الدجاج، فاجأتني ارتعادة مشوبة بالفزع، أراحتني تلك الرائحة الملطفة التي أطلقتها الغصون العطرية لكن الافتتان كان هائلا. توقفت عن التنفس وعدت الى ركن الفراخ مرة أخرى لكي أفتش عن الجيفة المتخللة. ثم مرة أخرى للخارج حيث الرائحة النتنة، وطلاقة الهواء، الظل والضوء، الجيفة وجمال الأزهار: كانت تحتفظ بالاختيار في لوحة ألوان هيستيرية حتى تخطتني الرغبة تماما في أن ألمس كومة من الهرام. تسمرت في البداية، وكان افزاع رغبتي، محاولا أن أقفز فوق القنفذ. اكني فشلت، تعثرت وسقطت، وأنفي يستقر تماما أسفل معترك الاود. ويفزع شعرت بالاشمئزاز، منتزعا مجرفة كالدودة، كما لو كان يهبني قوى سحرية، كي أسحق القنفذ ببط ء، أخيرا تلاشى جلده، كاشفا تحته اللحم المكتنز أسقطت المجرفة وعدوت بعيدا. كنت لا أتنفس، وكانت الصدمة طاغية.شعرت بالانسحاق حتى عدت أسترجع سحري المدفون، وعندئذ ذهبت لاغراقه الى ما لا نهاية في مياه جدول قبل أن ألقيه أسفل كومة براعم ليمونية ليجف في الشمس. لكن لازلت مضطرا الى تركه غارقا في ندى الفجر قبل أن يفقد رائحة عفوتنه النتنة. كنت للتر قد خبرت الدرس الأول للقاء فزعة الموت.

    كيف يتذكر دالي وفاة والده

    كان أبي ميتا حينما قبلت فاه الغليظ البارد بشفتي المتوهجتين بالحياة، غالبا ما كنت أقول، شارحا قول فرانشيسكو دي كويفيدو أن أعظم المتع الحسية هي معانقة الأب الميت. فهل وجد حقا لبشر انتهاكا أكثر فزعا من ذلك، أو دليلا أعظم على حياته في أن يعطي نفسه ويأخذها، أكثر من هذا التدنيس، وهذا التعدي؟ كل ما منعني هو جبني والظروف. ولكن لازلت أستطيع أحلم بفعلها.

    جارسيا لوركا الذي التقيته في العام 6919 في الجامعة، كان في أحيان يمثل هيتته. لازلت أستطيع تذكر وجهه، ميتا وفزعا، وراقدا على سريره، محاولا المرور بمراحل تحلله البطيء، العفونة من وجهة نظره، تستمر أياما خمسة.ثم يصف التابوت،وكفنه، والمشهد الكامل لفلقه، وتقدم النعش في شوارع غرناطة الوعرة وحين يتأكد لنا جميعا قد تملكنا الفزع، ينهض فجأة منفجرا بضحكة برية تظهر كل أسنانه البيضاء الرائعة، ويرسلنا خارج الباب عدوا بينما يعود لسريره، لينام هادئا في حرية.

    كطفل كانت أية إشارة ولو خفيفة للحوت تربك معدتي خوفا،وكانت لعنادي أشكال عدة وكان لهذا الفساد المبكر رد فعل عميق لقوى الحياة التي تتنافس ضد قوى الموت. فأن تولد ومعك أخ اضافي،جعلني أوشك أن أقتله كي أقتنص مكاني وحقي حتى موتي.

    أتذكر مرة خدشت فيه خد عنزتي بدبوس، حين وجدت محل الحلوى مفلقا، بينما كان السبب الرئيسي أن خدها ناعم، أحمر، طيع كالأردواز، واستطعت أن أكتب اسمي بالدم عليها كان اسمي دالي يعني الرغبة بالكاتالونية.

    في سن الخامسة، دفعت رفيقي في اللعب للفضاء، كان جميلا، معقوص الشعر، ضئيلا وأشقر، بينما كنت أساعده لركوب دراجته ذات العجلات الثلاث، كنت قد تأكدت أن أحدا لا يرانا. كنا فوق جسر بلا قضبان، طرحت به من ارتفاع عدة أمتار ليسقط على الصخور أسفل الجسر، ثم تظاهرت بالجزع مهرولا للدار أحضر نجدة، لازلت أرى نفسي، فوق المقعد الصخري الضئيل، أتأرجح طوال الوقت، للفلف وللأمام بينما أتلمظ بثمرة فاكهة، وأشاهد هياج الأبوين المحموم، مستمتعا بالظلام الآمن في ركن غرفة الجلوس، دونما أن تكون هناك أدنى ذرة من ندم، كما لو أن ما فعلت أكبر من أي شيء ساد حياتي.

    بعد ذلك بعام، ركلت شقيقتي الصغيرة ذات الأعوام الثلاثة، وكانت تزحف عل يديها وقدميها، ركتها مباشرة في الرأس وسرت في طريقي مبتهجا، لكن لسوء حظي راني خلف والدي أفعل ذلك، فأغلق الباب دوني سمعت رجة الآنفلاق. كنت أستطيع تصور ضخامته خلف الباب. لكني بقيت بلا حركة أتميز غيظا. لقد عاقبني بأن أغلق علي الباب لذا لن يكون باستطاعتي أن أرى المذنب الذي ستراه العائلة كلها بالعين المجردة يجذب الانتباه للسماوات على نحو آسر، وحدي حرمت من تلك المشاهدة الفريدة.

    بدأت أتشنج مكتوما حتى انفطرت، كانت كل الدموع في جسدي تتصبب خارجة وصرخت عاليا حتى فقدت صوتي وبدأت والدتي يزعجها الأمر، وانزعج هو أيضا وبدأت ساعتها أعي كيف أدير موقفا كهذا لصالحي، كان عندي ستة أعو ام. وانتقمت أكثر حين أدعيت بعد عدة أيام بأني مريض، حتى والدي اضطر أن يترك المائدة وقت الطعام، لأنه لم يقو على سماع سعال الهيستيري، والذي يحتمل أن يوقظ داخله صدى الوفاة الأليمة لابنه الأول. وداومت على إعادة تلك التمثيلية المفزعة التي تفطر القلوب كي استمتع بفزع والدي.

    وبانتقامي من والدي، أطلقت متعة رغبتي الخاصة ل كك الأيام، كل ما كنت أعمله هو أن أسير في غرفة نوم والدي، حيث كانت هناك صورة لسلفا دور الأول، فتبدأ أسناني تصطك، لم يكن بإمكاني أن أزور قبره في المدافن، كان علي أن أنمي كل مصادر خيالي لأعالج حدوتة فسادي الموتي بأن أجعل الصور كمشروع حي مثل دودة عفنة وأخيرا أطردها كما تطرد الأرواح الشريرة كي أستطيع أن أخلد للنوم.

    كيف يعرف دالي النهج البارانوي - النقدي

    النهج البارانوي _ النقدي فن كبير يلعب على أوتار المتناقضات الداخلية للشخص باستبصار حين يجعل الآخرين يمارسون اشتياقات ولحظات الوجد للحياة بطريقة تصبه لصيقة بهم

    باستمرار كما لو كانت ملكهم. وتأكدت لي مبكرا جدا، بصورة غريزية، ظاهرة حياتي: أتقبل الآخرين كما هي التجاوزات طبيعية في شخصية المرء ومن ثم يخفف المرء من اشتياقا ته بخلق نوع من المشاركة الجمعية.

    بعد ظهر يوم ما، وفي مدرسة مارسيت براذر فيجوراس، بينما أعبر الدرج الحجري نحو مضمار الملعب كنت أحس كما لو أنني أقفز في الفضاء. كان الجبن قد حرمني،تلك النشوة. لكن في اليوم التالي، قفزت لأقع على الدرجات، لتصيب جسدي كله الكدمات والرضوض بعنف أدهش الطلبة والمدرسين، ولم يكن هنا أدنى خوف مما ارتكبت. إن ما فعلته من اعجاز جعلني أكاد لا آبه بالألم. فقد أحطت بالعناية، ولفني الاهتمام. وبعد أيام قلائل، كررت ما فعلته وبصورة أعلى بدرجة تكفي لأن تتحول كل العيون تجاهي وفعلتها ثانية مرات، اختفي خوفي كلية في التوق الذي بثثته في زملآء الدراسة. ففي كل مرة أهبط الدرج، يتحول انتباه الفصل كله نحوي، كما لو كآن بيدي فضل ما، وأسير في صمت القبور _ كالقول المأثور - كما لو كنت أخلب لبهم حتى الدرجة الأخيرة، هنالك كانت شخصيتي تتخلق. ونحان جزائي من ذلك كلا أكبر مما يسبب من ازعاج. فغالبا ما كان يحدث لي أن تتملكني نزوة مفاجئة في القفز للفضاء من قمة جدار، رغم المخاطرة الأعظم، كي أهدي، من لوعة الفؤاد. بل انني تحولت الى قافز ماهر جدا. ودونت في ملاحظاتي أن كل مرة كانت تلك الأحداث تأتي بي، بعد حقيقتها الى مغزى أعمق لحقيقتي: فكانت الخضرة والأشجار والزهور، تبدو كلها قريبة مني. بعد ذلك، كنت أحس الخفة، أستطيع أن أشارك بصورة طبيعية في الوجود وأن (أسمع ) كل حواسي. بالقفز أمام زملائي، خلقت فيهم متعة تساوي متعتي أو حتى أكبر من متعتي، كنت أرى نوعا من الكرامة في عيونهم، يطو بما أفعل لمكانة الحدث. ويصبح دالي حامل المتعة لكل شخص، ويتحول ضعفه الى قوة. لقد حملتهم جميعا على الاعتراف بانفعالي وأن يقبلوا به، وأجبرتهم عل أن يشاركوني جميعا في نفس العاطفة.

    هكذا يصبح ألم الموت متعة روحانية، بعد أن كان إسبانيا نمطيا. ليس بالنسبة لي (أن يكون هناك سبب ) كما قال مونتان الذي احتقره لعقله البورجوازي، ومحا ولته المثيرة للسخرية في أن يجهل الموت، وأن يحرمه من حيويته. وأن يتخطى هلعه. كنت أفضل أن أنظر الى الموت في عينيه وجعلت لنفسي ثورة عاطفية مهذبة للقديس جون عن الصليب.

    (تعال أيها الموت

    محتفيا كي ألموت ,

    فقد تعيل في متعة ارحيل

    مجددا للحياة )

    في وجه وقفة كتلك، تتهافت حقيقة النصح من أجل التزييف لدى ميشيل دي مونتان، كل أملي أن يأتي موتي داخل حياتي كصاعقة، كي تأخذني كلية، أو كنوبة حب، وان تجعل جسدي طوفانا بكامل روحي. وبعني الوقت كان باستطاعتي أن أستسيغ يأمي. وكان انعدام المقدرة لدى في المعرفة يجعلني أتيه من ناحية أخرى، وكان خوفي يشربني وقاحة الاستخفاف. وكان وخز الموت يمنحني خاصية جديدة في حياتي وعواطفي. وحين كانت جالا، معجزة حياتي، تجتاز عملية خطيرة في 1936 كنا نقضي وقتنا في حالة من اللامبالاة الظاهرية نخلق موضوعات سوريالية في اليوم الذي سبق إجراء الجراحة. كانت تسلي نفسها بجمع عناصر مدهشة ومتباينة معا من أجل فبركة ما يبدو أدوات آلية _بيولوجية. النهود مع ريشة في الحلمة، وعلى قمة الريشة هوائيات معدنية منغمسة داخل إناء دقيق (ويبدو هذا التركيب مرجعا ضمنيا لجراحتها الآتية ). ولكن ما حدث أنه، في طريقنا للمستشفى داخل التاكسي - كنا نخطط للتوقف عند اندريه بريتون كي نريه اختراع جالا -إلا أن ارتطاما حادا جعل البدعة تنحرف إثر الصدمة وأن يغمرنا الدقيق. ويمكن لك أن تتخيل كيف كنا نبدو حين وصلنا للمستشفى!

    ما هو هام أنه مساء ذلك اليوم كنت مشغولا بإعداد النسخة النهائية من اختراعي ساعة. نوم مصنوعة من حلية ضخمة من الخبز الفرنسي وداخلها 12 محبرة زجاجية يملؤها حبر بلون مختلف ينفس فيه قلم ريشة - وتناولت عشائي بشهية - دون التفكير ولو لثانية في عملية جالا. حتى الثانية صباحا، كنت لا أزال أعمل على اتقان ساعتي بإضافة ستين محبرة ملونة بالألوان المائية على أوراق اللعب معلقة من الخبز. ثم خلدت للنوم، ولكن في الخامسة صباحا، كانت أعصابي المشدودة توقظني. كنت أتصبب عرقا، مكدودا بداخلي أنفاس ندم. نهضت بغير ثبات باكيا، كأن عقلي تثيره صور جالا معبودتي في أوجه حياتية عدة، وانطلقت نحو المستشفى يصرخ توقي. ولأسبوع كان العرق يغطيني، والموت يربض في حلقي. وأخيرا تم تخطي هذا المرض. دخلت غرفة جالا لآخذ كفنها بكل الرقة في العالم، وقلت لنفسي (الآن، جالوشكا، أستطيع قتلك ). كانت الروح تحيا على ما يصدمها وتجد في رجفة نشوة الجماع ذررته. ويصبح الضعف ذاته قوتي، وأنا أثري بالمتناقضات. أحيا وعيناي صافيتان مفتوحتان عن آخرهما.

    هل دراسة الطقوس السرية في الفن شيء نبيل لدى دالي؟

    هل تظنها مصادفة في أن رحلات الطقوس السرية الكبرى كانت غالبا ما ترتبط بالردة والطبل الزائف ؟ الحقيقة أن الشرج، الذي أعلاه كويفيد في مديحه، يعدا رمزا أساسيا للتطهر من أفعالنا الوحشية. كل ما هو إنساني حين تتجاوزه روحانية الموت ليصبه طقسا سريا فبعد مولد "دوفين "، وريث عرش فرنسا، كانت فضلاته تجمع في بلاط القصر،في وجود كل نبلاء المملكة، ويدعى أعظم الرسامين، فربما يلهم البراز الملكي الباليتة. وكان البلاط كله يرتدي اللون نفسه. فهذا نبل. وهو قبول للإنسان بصورته المطلقة، برازه عظه مثل موته. بل أكثر من ذلك، كانت الباليتة الفضلاتية تتمتع بتنويعة هائلة،من الرمادي للأخضر ومن الأوكروات الى البنيات، كما نرى في أعمال كاردأن ولا يوجد شي ء آخر أكثر اشتهاء للعين بصورة ذواقة من ظل البراز الذي ينساب بحرية، الفضيحة الحقيقية هي أننا ما عدنا نجرؤ أن نقول أو نفكر في ذلك. عاش براز الملك أوفين ! وخذ الأمريكيين، وهم غير قادرين على مواجهة الموت، وقد أعلوا من شأن صناعة كاملة قائمة على الشعارات مثل أنت تموت - ونحن نتولى كل شي ء) كما لو كان هذا هو التنكر لواقع الظاهرة، أو تقليص حجمها، أو تزيينها، وتعقيمها، ثم وضع مقاييس لها، أو حرمانها من المأساة داخلها. لكن موتا يعبر دونما جلال لا يشي بشي ء إلا بحياة بخيلة، أفكارها ضئيلة. لا جوهر لحياة البشر إذا حرم الموت من مهناه. إن الولايات المتحدة الأمريكية ستجد في براز أوفين شيئا غير زي فكر، لذا سيستبدلونه بحلوى قرنفلية بالسكر، أي رقة واعتدال ؟ اني أحلم بأن أبقى على وقارها واحتلابها حتى الموت.

    ربما سيكون ضروريا، كما هو الأمر أيام الأسكوريال العظيمة أن أعود الى أكوام الروث التي تجعل المرء حاضرا في التحلل البطيء للجسد، والرؤية والرائحة تحضر للعقول والذاكرة القيمة المختمرة عن الروحانية الحقيقية. إن الأجساد الدودية التسلق تنجز مهمتها النبيلة الأخيرة: العودة للأرض. وفي قبول دراسة الطقوس السرية في الفن والتبرز والموت توجد طاقة روحانية استغلها بثبات عظيم. أنا مقتنع بصورة لا واعية بأن الضربات العميقة التي تدفعني لأنزع أحشاء القنفذ الصفير الميت والمتحلل تدفعني بالمثل بدون شك الى التهامه.

    دال: اقتل وكل
    أهوى أن أحطم جماجم الطيور الصغيرة بين أسناني، وأن أهرس عظامها كي أمص النخاع، والدجاج الذي أوشك أن يفسد والمطبوخ في فضلاتها، وكان ندمي الوحيد أنني لم آكل الديوك التركية المطبوخة حية، والتي، كما يقال، تعد طبقا سحريا. أعرف أنني نهم بصورة ضارة، وتضيء وعيي شهية أكلة لحوم البشر، لما بدا بالتالي الدليل الدائم على واقعي المعاش. كان لعابي يسيل بطريقا أكثر حياة، حين افترس شيئا ميتا.

    بل الأكثر من ذلك أرى الفك عضوا رائعا يعي برغبتنا الخاصة في الحياة، وقيمة الواقع، وهو مجرد صهريج هائل للفساد، والمقابر فيه مناضد عشائنا. إن الحقيقة بين أسناننا. فقد برهنت الفلسفة نفسها في فن الأكل. فا لانسان يكشف عن نفسه حين تكون الشوكة في يده. إن أرستقراطية كيورين العظيم قد ظهرت دائما لي. مثل أبي، كنت أمام طعام البحر بريا، تلك القشريات بلحمها العذري تحميه عظام قاسية بصورة تكفي لأن تنمو في الخارج، لكني أمقت المحار خارج أصدافه مقتي لطراوة الأسبان.

    لقد حكى جوزيف دي مايستر كل ذلك حين علق عل إنسان في معركة لا يطيع أبدا رغم أن الأرض كلها الغارقة في الدهاء هي مذبح ضخم يقربن أمامه بكل شي ء بلا نهاية، وبلا مقياس وبدون لين حتى تستهلك كل الأشياء، وتنقرض، ويموت الموت. نعم، إن الالغاء محتوم، فستهضمنا الأرض جميعا، وأنا لدى هذا الاعتقاد طوال الوقت. فلن تجد واحدا من أفعالي، أو واحدا من إبداعاتي إلا تجسيدا يقابل تلك المعرفة، ولم توجد لحظة في حياتي لم أكن فيها على وعي بحضور الموت، إن ذلك يجعلني سعيدا، ولماحا، أنوي أن أغش قليلا بأن أجعل لنفسي بياتها، أعني أن أفسح للكوميديا فصلين آخرين أو ثلاثة في هذا القرن القادم، لأني اؤمن ببعث الأجساد.

    أمر سيىء جدا أني لست مؤمنا. لم أفقد الأمل. لقد أوضح القديس أوجستن الطريق بصلاته للرب ليعطيه الإيمان، لكن لم يحدث ذلك دونما أن يعطيه الرب أولا الوقت الضروري ليتشبع بالمتع المتاحة على سطح الأرض. كانت رغبتي في الخلود فيما بعد الحياة بإصرار الذاكرة، أريد أن أكون قادرا على تذكر كل تفاصيل حياتي. السعادة الغامرة لا تعني شيئا لدي دونما تأكيد التذكر لكل حياتي. أنا أرفض الأشكال الأخرى من البعث وفي تلك الحالة أفضل الا أموت. في الوقت الحالي هناك على الأقل عشر طرق لاطالة الحياة معروفة تماما، بفترات النوم الذي قد تضيف الكثير من التوابل للحظات إعادة الاستيقاظ. سأختار بينها بكفاءة كبرى حين يأتي موعدها. هذا الاتجاه هو جزء من اللعبة التي أؤديها مع الموت.

    لدى عبقرية كهذه لمحاولة إطالة الأيام قدر الانجاز الذي تحتاجه أعمالي الكاملة. لكن في الحقيقة، أن كل ما أحبه بعمق وذنب هو أحشائي. إن جمالي الداخلي يتكون من رغبة هائلة تعل منه الى نوبات، ليس فقط كل ما يقف في طريقه، ولكن وبقرا ري وحدي بالا أجد ما يخصني والا اصكك ما هو ملكي. ودعني أسألك ما هو الذي أكثر من موتي. أعترف أني أعتقد أن لنفسي حصانة، وأني أرغب في التحمل حتى أمني بأقصى حد لحي استثير الموت السماوي في جل خاصيته. وكوني أصبح صكه في عظمته، أباريه في البعد والكيف. إنها ألهتي العظيمة، الروح الحكمة لنا كلنا. إنها الجمال الغامض والمطلق. أعرف أن الحياة ما هي إلا مملكة للنقص، لكني سأجعل من التتابع الطويل واللانهائي للأيام التي تشمل حياتي كمالا فاتنا، يحمل نقطة تماسه مع الله. وكنت أود كتابة قصيدة اليه، ربما تقول:

    أيها الموت، ألوهيتى الجميلة،

    أنت التقيت الكاهن الأكبر،

    أنت التقيت الصنو

    وخدمتني

    لذلك أعبدك،

    نحن نعمل معا كي نشكل معادلا للأشياء المطلقة

    التي لم يكن لها أبدأ ما يساويها

    وفي كل يوم أغدو الملاك الاول
    لدار الفناء.

    وأعود الى حياتي الرحمية، التي انتهت في اليوم الحادي عشر من مايو من العام 1904، بعد الثامنة بخمس وأر بعين دقيقة، حيث ولدت من بطن شرعية حملتها دونيا فيليبا دوم روسينيك. كانت أمي في الثلاثين. وتقول شهادة الميلاد أن والدي هو دون سلفا دور دالي إي كوزي، قد أعطى يومين بعد ذلك التاريخ كي يسجل شجرتي العائلية لكل من الأبوين. من ناحية الأب كان دون جالو دالي، وهو من أهل فيجوراس، ودونيا تريزا كوزي مار كوس من أهل ووسوس. أما من جهة الأم فكانا دون انسيلمو دومينيك سيرا ودونيا ماريا فيريس سادورني، وهما من برشلونة، أما الشهود فكانا دون خوسيه ميركادير من أهل لابيسبال، وهي إحدى مقاطعات فيرونا، وكان تاجر دباغة يقيم ل هذه المدينة، والثاني دون إميليوبيج من أهل فيجور اس ومهنته الموسيقى،ويقيم في هذه المدينة، وكانا من نفس السن.

    كان أبي حينها في الحادية والأربعين، وكان معروفا بأنه (طبيب المال )، لكونه نوتاريو البلدة (2)ويسكن في 20 كاليه مونتريول، وقد منحت الأسماء المسيحية سلفا دور، وفيلبي وجا سينتو وأنا متأكد من أن كل الكبرياء قد رحل وأن كل هؤلاء الذين خصبت أرواحهم الفضاء الذي نسبح فيه، هذا الطمي الدقيق من الروحانية، أراه ابتهج حين ظهرت على وجه الأرض، لأنني شكلت التحدي الأعظم لعبقرية إنسان قرر أن يحسم الأمر تجاه الموت. وفي التعاقب الممتد للقرون التي رأت الفنانين. كم منهم كانت له كيفيتي في الانفعال الكوني المركز؟ ما أستطيع قوله أني، دالي أطعم رغباتي بالجمال الحيوي لكل العبقريات الميتة. وأدفع بها للامام. فأنا الشمس التي تشرق على كل النباتات المنتقدة في ليل العصور.

    (الموت هو الشيء الذي يحيفني كثيرا،

    وبعث اللحم

    هذه التيمة الاسبانية العظيمة،

    هي الصعوبة الوحيد الكبيرة التي

    اقبلها بكد

    - من وجهة نظر الحياة)

    اشارات:

    * ترجمة الفصل الأول من كتاب سلفا دور دالي (الاعترافات السرية لسلفا دور دالي )، الكتاب الذي أملاه _ على مدى 20 عاما _ لصديقه الصحفي اندريه بارينود ليصبح بعد صدوره السيرة الذاتية لفنان يقول عن نفسا: لست سورياليا، أنا السوريالية.

    1 - حقيقة شهيرة أن فنسفت فان جوخ كان صكه مثل دالي مسبوقا بوفاة أخ يدعى فنسفت وفي صباه كان الفنان المستقبلي مجبرا على الذهاب الى المدرسة كل صباح والمرور بمدافن يرى فيها اسمه منقوشا فوق شاهد قبر!

    2 - تعني بالاسبانية وفي بلاد لاتينية كثيرة Notario عضو شرعي بمهنة كل ما يخص المال وهي لفظة عامية تعني الحارس المحلي للثروات والاستثمارات (طبيب المال ).




    --------------------------------------------------------------------------------
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 02:47 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    أدناه مقال عن :
    خطاب الموت في الشعر الجاهلي,
    نقلا عن العدد العاشر من مجلة نزوى
    *****
    خطاب الموت في الشعر الجاهلي



    أحمد الحسين (كاتب من سوريا)


    --------------------------------------------------------------------------------


    أرق الموت بال الانسان ، وشغل تفكيره المصير المحتوم الذي أثار في اعماق نفسه المضطربة تساؤلات حائرة عن جدلية الموت والحياة. وسر الفناء، وغاية الزوال. وقد عبرت ثقافات الشعوب ، وفلسفاتها ، وأساطيرها عن قضية الموت بمستويات مخلفة ونقلت كثيرا من التصورات عن طبيعة العدم والبقاء. وكان الشعر من بين الفنون الابداعية قد حل خطرات فكرية ، وتأملات ذهنية اطلقها الشعراء تعبيرا عن حقائق الوجود وبانوراما الحياة والفناء.

    والشاعر الجاهلي عني بأمر الموت كسائر الناس ، ومضى به تأمله الفكري الى ادران حقيقة الحياة. في قصرها ومحدودية أيامها، فهي كالكنز تنقص ، ولا تزيد كما يقول طرفة بن العبد:

    أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة

    وما تنقص الايام والدهر ينفد


    وبدت له الحياة كثوب معار في اشارة الى عدم امتلاكها، ومن طبيعة الاشياء المقارة أنها لا تدوم ولا بد ان يستردها من أودعها. وعندئذ فان مصير الانسان الى زوال ، وان قدره ان يسلك درب المنية ، ويلحق بالذين سبقوه كما تخبر بذلك سعدى بنت الشمردل اذ تقول :

    ولقد علمت بأن كل مؤخر

    يوما سيبل الاولين سيتبع

    ولقد علمت لو ان علما نافع

    ان كل حي ذاهب فمودع


    والانشغال بالموت اوقد في نفس الشاعر جذوة قلق لا يسكن ، أفسد عليه متعة الحياة ، وكدر صفوها. اذ صار الشاعر يخشى ان يصرعه الموت في أية لحظة وان يباغته الردى في غفلة ، ما دامت سهامه مشرعة لا تخطر، من تصيب ، وادراك الموت بحد ذاته يتجل في التفكير بالمال الذي يصير اليه الشاعر حيث سيصبح منزله العامر حفرة موحشة ، لا مؤس فيها ولا أنيس. حفرة تسفي عليها الرياح يهجع فيها جثة هامدة ، لا تسمع ، ولا تجيب ، انه الشعور بالعدم المطلق كما عبر عنه المثقب العبدي اذ قال :

    ولقد علمت بأن قصري حفرة

    غبراء يحملني اليها شرجع

    فبكى بناتي شجرهن وزوجتي

    والأقربون الي ثم تصدعوا

    وتركت في غبراء يكره وردها.

    تسفي علي الريح حين أودع

    حتى اذا وافى الحمام لوقته

    ولكل جنب لا محالة مصرع

    نبذوا اليه بالسلام فلم يجب

    أحدا ، وصم عن الدعاء الأسمع


    * حتمية الموت:

    ولعل الفكرة التي تشير اليها الابيات السابقة تؤكد مفهوم الحتمية ، فالموت

    حقيقة ثابتة ، وقضاء مقدر ، لا مهرب منه ، ولا منجاة.

    والشاعر الجاهلي كان مدركا هذه الحقيقة ، وكان على يقين واسخ بأن الموت منهل يرده الجميع ، ولا يمكن للمرء أن ينجو من سهامه ، او يظفر بالخلود لمال او جاه او سلطان :

    إني وجدك ما تخلدني

    مائة يطير عفاؤها أدم

    ولئن بنيت لي المشقرفي

    هضب تقصر دونه العصم

    لتنقبت عني المنية ان

    الله ليس لحكمه حكم


    وقد تحدث عن هذه الحقيقة اكثر من شاعر ، فهذا طرفة يجد الانسان مقيدا بحبال المنية ، ولا خلاص له منها ، ولا فكاك :

    لعمرك ان الموت ما أخطأ الفتى

    لكالطول المرض وثنياه باليد


    وذاك ابو أؤيب الهذلي يتأمل الحياة من حوله ، وكيف تفك المنية بالناس ولا تجد بينهم من يقوى على رد غائلة الموت ، فلا التمائم تنفع ، ولا التعاويذ تجدي انها قوة الحتمية المعلقة اذ يقول في صيغة من الواقعية ، والاستسلام العاجز:

    واذا المنية أنشبت اظفارها

    ألفيت كل تميمة لا تنفع


    وبلغ الاستسلام الى هذه الحتمية درجة من الاعتقاد بأن الموت سيطال الانسان ، ولو صعد في السماء او احتمى في القلاع والحصون ، فلابد أن تناله اسباب المنايا كما يرى زهير بن ابي سلمى اذ يقول :

    ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

    ولو رام أسباب الراء بسلم


    ومناقشة كرة الحتمية من جانب آخر قد تمنح الانسان حرية في الاختيار فمادام الموت قدرا مضروبا، ومحددا فان خشية أسبابه لا تهب المرء خلودا، فلماذا لا يفشى الانسان ساحات الوغى ، ولماذا لا يرحل في الارض ، ويطوف بين الاصقاع ؟ بل لماذا يستكين مستسلما والموت حين يأتي لا علاقة له بهذا او ذاك من الأسباب :

    ألم تعلمي الا يراخي منيتي

    قعودي، ولا يدني الوفاة وحيلي

    مع القدر الموقوف حتى يصيبني

    حامي لو ان النفس غير عجول


    * شمولية الموت:

    ويتفرع ئ الحتمية معنى الشمولية. فالموت يساوي بين الناس كافة ، وبذلك تبرز عدالته التي لا تؤثر في نفاذ احكامها مكانة المرء او منزلته بين القوم. فالموت لا يترك احدا كما يخبرنا طرفة :

    أرى الموت لا يرعي على ذي قرابة

    وان كان في الدنيا عزيزا بمقعد


    وفي شمولية الموت يتحقق نوع من العزاء بالمساواة ، حيث تزول الفوارق ، وتلفى الامتيازات وهذا ما يخفف من أثر وقع الموت على النفوس ، ويبدو تقبل هذه النتيجة مرضيا بعض الشيء. فالانسان الحي حين يتأمل قبور الموتى يجدها واحدة في مظهرها، فأنت لا تميز بين قبر شجاع ، او قبر جبان ، ولا بين قبر بخيل او قبر كريم لأنك كما يقول طرفة :

    ترى جثوتين من تراب عليهما

    صفائح صم من صفيح منضد


    وفي اطار فكرة الحتمية وما ينقب عنها من شمولية أصبح التفكير بالخلود ضربا من المستحيل الذي لا طاقة للانسان به ، ولا معلمه ، واصبحت نظرة الانسان الى الموت تتسم بالواقعية وذك من خلال تأمله في. مصير الاولين ، الذي كون في وجدانه قناعات راسخة عبر عنها بصيغة التساؤل او الاستفهام اذ قال :

    فكيف يرجي المرء دهرا مخلدا

    وأعماله عما قليل تحاسبه

    ألم تر لقمان بن عاد تتابعت

    عليه النسور ثم غابت كواكبه


    * اللذة والموت

    وفي ظل هذه الحقائق التي كونها الشاعر الجاهلي عن طبيعة الموت ، وحتميته ، وشموله ، أيقن ان مواجهة الموت باللذة هي شكل من اشكال التعبير من وجوده، ولهذا دعا الى فلسفة او طريقة وجودية في العيش تقوم عناصرها على تحقيق أكبر طاقة ممكنة من المتع الحسية. التي يرد بها على الموت ، ويبادر بها المنية :

    فان كنت لا تستطيع دفع منيتي

    فدعني أبادرها بما ملكت يدي


    على أن مفهوم اللذة لا يقتصر على المتعة الحسية التي تخلق السعادة او البهجة في النفس فالشاعر الجاهلي اذ يطلب المتعة الجسدية ، فإنه يشير من جهة أخرى الى اللذة المعنوية التي تحققها أفعال هيبة كالشجاعة ، والكرم ، وبذل المعروف ، فهو، يحرص ان يشتري في حياته الحمد، والثناء، لأن ذلك يحقق له متعة في حياته ، ويبقر أثره حيا بعد مماته كما يقول عروة بن الورد مخاطبا امرأته :

    ذريني ونفسي أم حسان انني

    بها قبل الا أملك اليبيع مشتري

    احاديث تبقى والفتى غير خالد

    إذا هو أمسى هامة تحت صير


    وحين نتأمل دوافع الخوف من الموت كما عبر عنها الشعر الجاهلي ، نجدها تنطق من ادراك الشاعر ان الموت يحول بين الانسان ، والملذات الحسية والمعنوية ، ولولا أن الموت يحرم الانسان منهما لما وجد الشاعر رهبة في مواجهة المنية :

    ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى

    وجدك لم أحفل متى قام عودي

    كميت متى ما تعل بالماء تزبد

    كسيد الغضا نبهته المتورد

    وتقصر يوم الدجن ، والدجن معجب

    ببهلنة تحت الطراف المعمد


    ولا يغيب عن البال أن الحاح الشاعر الجاهلي على اتنزاع الملذات ، واغتنام المكرمات يصور اعتقاده باستحالة الخلود من جهة ، وعدم الايمان بالحياة بعد الموت من جهة ثانية فهو ومن خلال رؤية وثنية ، مادية يؤمن بالحاضر المدرك على حساب

    المستقبل المجهول وهذا ما عبر عنه طرفة اذ قال :

    كريم يروي نفسه في حياته

    ستعلم إن متنا غدا أينا الصدى؟




    * الموت النفسي:

    وخطاب الموت في الشعر الجاهلي لا يقتصر على موت الجسد فحسب فهنالك نلمح اشارات الى معنى الموت النفسي ، وقد ناقش اكثر من شاعر هذه الفكرة ، وقارنوا بين موت الجسد، وموت النفس ، وبدا لهم ان موت النفس أقسى ، وأشد مرارة من فناء الجسد على نحو ما يذكر عدي بن وعلاء الغساني:

    ليس من مات فاستراح بميت

    انما الميت ميت الاحياء

    انما الميت من يعيش ذليلا

    سيئا باله ، قليل الرجاء


    والمعنى الذي يريده الشاعر هنا ان الذليل عاجز من تحقيق وجوده ، اذ هو مسلوب الارادة والحرية ، وهو بالتالي لا يختلف من الميت ، بل يزيد عليه في معاناته ، واحساسه بالدونية ، والاذلال لانه حي، ويعيش بين الناس.

    والموت المعنوي الذي نبه اليه الشعراء الجاهليون يشكل منعطفا خاصا في ادراك معاني الموت ، ونلاحظ أن الاهتمام بفكرة موت الروح اخذت اهتماما واسعا في نقاشات الفلاسفة ، وتأملات المفكرين ، وأصبحت هذه الفكرة موضوعا أساسيا خاصة لدى شعراء الرومانسية الذين تفنوا بالرود وموتها في قصائدهم الشاكية ، ومناجاتهم الذاتية.

    وتجدر الاشارة الى ان الموقف من الموت لم يكن ثابتا. فهو يتبدل من طور الى آخر، وكما وجدنا اكثر القصائد الجاهلية تصور كره الموت ، وتعبر عن الرغبة في الحياة ، ودوامها فان بعض النصوص تحمل موقفا آخر، يبدو من خلاله الشاعر وقد ضاق بالحياة ، فهو يشكو طولها،

    ورتابتها المملة بلا معنى.

    وغالبا ما تكون هذه التحولات مرتبطة بأطوار نفسية ، وزمنية يمر بها الانسان ولا سيما حين تداهمه الشيخوخة ، ويصل الى مرحلة ارذل العمر، وما يصاحب ذلك من تغير الزمان وتبدل الاقران ، وعندئذ تفقد الحياة معناها، ويصاب المرء بالسأم ، ويشعر ان حمل الحياة أصبه عبئا ثقيلا كالذي نجده في قول المستوغر بن ربيعة :

    ولقد سئمت من الحياة وعلوها

    وازددت من عدد السنين مئينا

    مائة أتت من بعدها مئتان لي

    وزددت من عدد الشهور سنينا

    هل ما بقى الا كما قد فاتنا

    يوم يكر ، وليلة تحدونا


    ولعلنا مما سبق نكون قد وقفنا على جانب من خطاب الموت في الشعر الجاهلي ، وقفة موجزة بدا لنا من خلالها ان الشاعر الجاهلي قد ساغ لنا رؤيته للموت على انه حتم ، يشمل الناس كافة ، ولا مطمع للانسان في خلود يرتجى.

    وكانت تلك التصورات والتأملات التي عبر عنها الشاعر الجاهلي وثيقة الصلة بالحياة البدوية وبينتها الفكرية التي تقوم على التجربة ، دون التوغل في متاهات الفكر، والمناقشات الفلسفية العميقة التي تبحث في عالم الموت الغامض والمجهول. ولهذا لا نجد غوصا في طبيعة هذه الظاهرة ولا تصورا عن امكانية الانتصار على الموت بالبعث. والحياة الثانية كما جاء في الديانات التوحيدية وهذا ما جعل صورة الموت قاتمة ، ورحلة الموت نهائية لا عودة لغائبها، وبذلك يمكن أن ندرك عمق الجزء النفسي الذي يسري في اعماق الشاعر الجاهلي في مواجهة فكرة الموت ، والتعبير عنها في قالب مز الحكمة الشعرية ، والخطرات التأملية المتشحة بالقلق ، وهواجس الخوف والاضطراب.




    --------------------------------------------------------------------------------
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 02:56 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    [B]هكذا تكلم موسورسكي.. مالذي تحاول اجتراحه "أغنيات الموت ورقصاته"؟


    شعر: أرسني جولينشتتيف كوتوزوف
    ترجمة وتقديم: كامل يوسف حسين (كاتب ومترجم من مصر)


    --------------------------------------------------------------------------------


    منذ التجلي الأول لظاهرة الموت، والبشر ما يزالون أمامه على ذهولهم الأول عينه، وعلى رعبهم الأول ذاته، وعلى حيرتهم نفسها، لا شيء، تغير، وكأنما حكمة القرون، وفلسفة الدهور، وعلم الأجيال هباء يتبدد أمام الموت سيد الحقائق جميعها.

    بمعنى من المعاني فإن هذا كلا لا يمكن إلا أن يكون طبيعيا ومنطقيا، وعقليا، فلوان كلا منا حاول أن يتذكر تلك اللحظة الأولى المتشحة برماد النسيان، التي صفعته للمرة الأولى في حياته حقيقة الموت كبرق يملا السماء ويكاد يودي بالبصر، وامتدت به عين التأمل الى اللحظة التي يطالع فيها هذه السطور، ثم حاول أن يسأل نفسا عما أفلحت يداه في الإمساك به من حقائق لغز الموت، لما وجد في يده إلا ذرات من تراب أقرب الى الهباء، بل وألفى نفسه أمام هوة تتسع كلما غربت شمس يوم آخر من العمر. وما من سبيل الى مواجهتها إلا بالتشبث في رعب بحبال النسيان أو التناسي والتجاهل والتعامي.

    ولكن من ذا الذي يملك رفاهية التعامي عن حقيقة هي سيدة الحقائق بامتياز؟

    من ذا الذي يملك القدرة على التناسي وهو يمني في نفق مغلق يعلم أنه لابد له من أن يرتطم في نهاية المطاف بالصخر الصلد الذي لا سبيل الى خطوة للأمام حياله ؟

    من ذا الذي يملك اجتراع التناسي وهو يعرف أنه يمني في غابة موحشة يطلبه في ظلالها وتحت أشجارها تنين كلى القدرة يملأ السمع فحيحه والآفاق ناره ودخانه ؟

    في هذه اللحظة التي أسطر عبرها هذه التساؤلات تتداعى الى ذهني تأملات سنوات طويلة في الموت، وليست إلا محطة من محطاتها المتعددة إنجاز ترجمة كتاب "الموت في الفكر الغربي" لجاك شورون الذي أصدرته سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية في ابريل 1984.

    ولست أريد أن أثقل على القاريء بفيض من هذه التأملات، ولكنني أتمنى أن يسمح لي بأن أفكر معه بصوت عال في ست نقاط عن الموت، تشكل جوانب شتى من أشكال أعترف بأنها تشغلني، وتملأ على تفكيري الآن وهي:

    أولا: هذا الموت المطلق والشامل والكلي الحضور، هو أيضا، وفي الوقت نفسه، موتي أنا، لا موت أحد غيري. فرغم أنه حقيقة مطلقة تنطبق على كل المخلوقات إلا أنه حينما يحين موتي فإني حتما سأموت، (كل نفس ذائقة الموت ) (الأنبياء - 35 العنكبوت - 57). وهذه الرحلة التي لن أعود منها أبدا سأفضي فيها وحيدا، إذ لا سبيل الى تجاهل القطار الواقف على محطة أنا الراكب الوحيد على رصيفها ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )(الأعراف - 34). وهذه الرحلة لا سبيل أمامي الى الإمساك بالحد الأدنى من المقومات التي تؤهلني للانطلاق فيها، فمن يمضون الى ضفة الموت لا يعودون ليلقوا الضوء على ما وجدره هناك، ونحن حتى حين نحيط بهم في لحظة الرحيل، فإن المعرفة بمغاليق أسرار الرحلة تظل قاصرة عليهم، ولا يبقى في أيدينا إلا تلويحة وداع، ودموع في العيون، وخوف يملأ القلوب وحزن يملأ الأفق، لأننا كنا شهودا على جانب موحش من جوانب الشرط الإنساني سينطبق علينا بدورنا.

    وهذه الرحلة، رحلتي، يشكل جزءا من أصعب مخاوفها أنها ترتبط بأن ما مر لابد أن يرصد، ولابد للحظة الختام أن تكون لحظة استرجاع ما مضى، لحظة كل الحسابات العسيرة، (وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (الاسراء: 13- 14).

    وهي رحلة تحيرني؟ لأن المجهول الذي يكتنفها، ربما أكون قد عرفته على نحو جزئي، لكنها معرفة لم تزدني إلا جهلا، ولم تملأ قلبي إلا خوفا. (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون )(البقرة: 2.

    ومأساتي المطلقة تصل الى سقفها حيال الموت حين يحيرني التساؤل عما إذا كنت سأترجل من رحلة، أم أنني الآن في سبيلي الى الانطلاق في رحلة. أليس الرسول (ص) هو القائل: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".

    أجل إن هذا الموت المطلق، موت الجميع، هو أيضا موتي أنا، إنه موتي الفردي والشخصي والخاص، وحدي أموت، وبذاتي سأرحل الى ضفة الموت وما من أحد سيموت نيابة عني، وما من أحد عاد من تلك الضفة ليحدثني عما ينتظرني هناك، وأنا نفي حين أرحل لن أعود لأفض المغاليق حتى لأقرب الناس الى وآثرهم على نفسي.

    ثانيا: الموت، الذي تحدد على هذا النحو الواضح، والصريح والمتعين، حقيقة حتمية، لا سبيل الى الهرب منها، أو الى تأجيلها، أو الى تجزئتها: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن: 26).

    إنه نهاية النهايات، أو كما يعبر د. عبدالرحمن بدوي الفعل الذي ينهي كل الأفعال.. ولا سبيل أمامي الى الهرب منه، ذلك أنه: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) (النساء: 7.

    وأنا لا أملك له تأجيلا، ولا تأخيرا، فهو الطالب الذي لا يرد، واليد التي لا تدفع، والسيف المسلط على الأعناق الذي يجتر حين يهوي. (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (الأعراف: 34).

    مع ذلك فإن هذه الحتمية في الوقوع، إن تأملتها عن كثب، فلن تجدها عشوائية، وإنما وراءها أسبابها الموضوعية،التي تجعلها إمكانية معلقة بتكامل شروطها وضوابطها الموضوعية، ومأساتي الحقيقية هر أن عقلي، أنا الإنسان الفاني، يقصر عن استكناه أسرار هذه الشروط والضوابط (ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا..) (آل عمران 145).

    ولكن إذا كنا نسعي الى تعميق الحديث عن أسباب موضوعية، وإذا كان قد أمكن للطم الحديث أن يتحدث، بفضل الإنجازات الطبية عن زيادة معدلات احتمالات الحياة وتحسين الظروف الصحية، وإذا كانت المجتمعات المتقدمة تتحدث اليوم عن متوسط للعمر يدور حول مائة عام. الا يعني ذلك ردا كميا للموت قد يفتح المجال في مستقبل غير منظور للحديث عن رد كيفي للظاهرة ؟

    من المؤكد أن علامة الاستفهام هذه مضللة الى أبعد الحدود، فأيا كانت قدرة العلم على تحسين ظروف الحياة الإنسانية، ومن بينها الظروف الطبية والصحية بعامة، فإننا نتحدث هنا عن الحياة، أما الموت فما زال هناك في نهاية النفق... ينتظرنا جميعا، حتى إن عمرنا مثل عمر نوح.

    ومن ناحية أخرى، فإن الحديث عن عمر بهذا الامتداد، وخاصة في عالمنا الثالث، قد لا يكون بالضرورة حديثا مشرقا أو بهيجا تماما.

    ثالثا: هذا الموت الحتمي، الذي لا سبيل أمامي إلا الانطلاق نحوه، أنا ذاتي، يتخذ بعدا رهيبا حقا، في ضوء أنني لا أملك شيئا حياله، حتى ولو مجرد العلم بجانب من مداخل مغاليقه.

    إنني لا أعرف كيف سأمضي، ولا إلى أين، وما الذي ينتظرني على وجه الدقة هنالك في ضفة الموت. حقا أن ديننا الحنيف يحدثنا عن السكينة.حينما يندلع الخوف في نفوس الآخرين، ويعدنا الرجعي، التي هي عودة القطرة الى بحرها، حيث العدالة المطلقة، وحيث الرحمة الكلية: (قل يترفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم الى ربكم ترجعون) (السجدة - 11).

    هنا لابد لنا من التساؤل: هل من قبيل الصدفة أن المعنى الحرفي للموت في لفتنا، لفة القرآن الكريم، هو السكون ؟

    هنا لابد من التساؤل أيضا: هل من قبيل الصدفة أن كلمة الموت ترد في القرآن الكريم في ا6ا موضعا؟.

    والتساؤل لا يمكن إلا أن يرد على الذهن: هل من قبيل الصدفة أن العرب عرفت الموت من خلال منهاج التحديد بالسلب بأنه خلاف الحياة وذهاب القوة، وأنه يحصل بتوفي الأنفس، أي بقبض الروح ؟

    هذا ينقلنا الى سؤال مؤرق: ما الروح ؟

    أفق هذا السؤال مترامية، بلا انتهاء، ولكن في نهاية الأفق ينهض قول الحق سبحانه وتعالى (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء - 85).

    والموت في جوهره قيد على وجود الإنسان، ولكن حيث هناك حديث عن القيد، فلا يمكن إلا أن تكون هناك حرية، وإلا كان الحديث عن القيد عبثا ومحض شقشقة لسان.

    الآن قل لي: أي حرية هي تلك المتاحة لي في مواجهة الموت ؟

    رابعا: هذا الموت، موتي أنا، الذي بقدر ما هو حتمي لا أملك شيئا حياله، حتى ولا مجرد العلم بجانب من أسراره، أليس مروعا أن كل ما في سجلات البشر عنه منذ حط رجل الكهف رسومه الأولى لا علاقة له بي؟

    كيف ؟

    دعنا نتأمل الأمر بقليل من الروية، إننا نحن غمار الناس، نحن ملح الأرض، نحن الرجال الذين يأكلون خبزهم بعرق جبينهم، والنساء اللاتي تلدن بالألأم، الذين لا ينتمي نسبنا الى السماء ولا رفعتنا اليها ثروتنا، الذين نمضي تحت شموس الدنيا، عارقين في كدنا، ليحيا أبناؤنا حياة خيرا مما قدر لنا، لا علاقة بيننا، على الاطلاق، وبين كل ما راكمته البشرية في سجلاتها حيال الموت.

    ربما ليس من قبيل التعسف القس ل بأن ما في هذه السجلات، حيال الموت، ينتمي الى طموحات الملوك والنبلاء أو جمجمات الكهنة، أو انفعالات الفنانين أو تجارب العلماء.

    ولكن ماذا عنا؟ ماذا عن هذه الجموع الهائلة التي تعمر الأرض وأقصى طموحها لقمة عيش للصغار؟ ماذا عن مخاوفنا؟ ماذا عن أحلامنا؟

    تأمل معي قليلا. لقد كانت نصوص كتاب الموتى نصوصا مأتمية سطرتها أقلام الكهنة في إطار طقوس هي أقرب الى الأسرار، التي شكلت جزءا من امتيازات الفراعنة والنبلاء منذ أقدم العصور

    الأمر عينه ينطبق على النصوص السنسكريتية العتيقة، على نصوص حضارات الدنيا من بلاد الأزتيك الى الصين مرورا بكل الحضارات النهرية وغيرها.

    ربما لهذا، بالضبط، خرج نجار فقير من بيت لحم ليقدم لنا، نحن الفقراء الضائعين في عالم استحال غابة للباطشين، بشارته وعظته على الجبل.

    ربما لهذا، بالضبط خرج راع فقير ابن إمرأة كانت تأكل القديد في مكة، ليحدث عن الموت والحياة، أناسا أنف سادة قريش من مجرد الجلوس معهم، لكن الله أراد أن يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين فكانوا كذلك. وكانوا هم الذين نقلوا لنا كلمات المصطفى (ص)، التي تأخذ بمجامع القلب وتمس النفس، حيث يقول: "إن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه".

    فتأمل !

    خامسا: الموت الذي تحدد على هذا النحو حقيقة رهيبة الى حد أنها يمكن أن تبطش بالحياة وتحيلها عدما، ما لم تكن هناك قوى مضادة، في صميم الحياة الإنسانية نفسها، وفي قرارة الوعي الإنساني ذاته، تجتذبنا الى مشاعر السكينة وتتيح تجاور الحياة والموت على هذا النحو العجائبي.

    وأحسب أن المرء لا يتعين عليه، أن يرحل طويلا في الأرض، ولا أن يتأمل طويلا في تاريخ البشر، لكي يدرك هذه الحقيقة البسيطة.

    دعنا نتوقف قليلا في الطابق الأرضي من متحف قبرص، على بعد مرمى حجر مما يسمى بالخط الأخضر، الفاصل في قلب نيقوسيا بين شطريها، ولنتأمل القبر الأول، الذي يعد من أقدم القبور التي عثر عليها في المواقع الأثرية في "جزيرة أفروديت".

    نظرة واحدة ستضعنا وجها لوجه أمام الأمرين معا، الطابع الرهيب للموت، وذاك الاستدعاء الإنساني المدهش للسكينة في مواجهته.

    إن القبر ليس إلا جزءا لا يتجزأ من قلب إحدى الدور السكينة، لم يعثر عليه الباحثون في البرية، في العراء ولا في ساحة أمام تجمع سكني، ولا في فناء دار أو باحته. وإنما في قلب الدار ذاتها، وفي الوقت نفسه وجد الجثمان المدفون فيه وقد وضع حجر كبير على صدر الجثة !

    ما الذي يعنيه هذا؟

    إن الموت هذا المجهول المطلق والرهيب، سيدفع أهل الميت الذي لفظ نفسه الأخير ربما قبل الميلاد بخمسة آلاف عام، الى وضع حجر على صدره، لدى دفنه تحسبا لإمكانية انبعاثه وتحوله الى قوة مجهولة مطلقة السراح قد تقترن بالشر ولكن شعورا مدهشا بالسكينة سيدفع أهل الميت الى دفنه في أرضية الدار، معهم، تماما كما كان يعيش بينهم، قبل هموده الغامض والغريب والملتبس، قبل موته.

    وعند سفوح الهيمالايا قد يتاح لك أن تصغي الى تلك القصائد القصيرة المترعة بروح الرثاء وهي تلقى على نحو مفعم مع رحيل الميت الى مثواه الأخير، وستصغى الى طقس صب الماء مع ترديد أصوات الأجراس الفضية الصغيرة، وكأن هذا كلا يستهدف بعث السكينة في الروح الراحلة وفي أعماق من بقوا ومضوا يلوحون لها تلويحة الوداع.

    ولكن هذا الطقس لن يتم قبل أن يتجمد الدم في عروقك مع دوي نفير هائل، كأنه إعلان بحضور قوى الموت الغامضة والملتبسة والباطشة أيضا.

    فهل البوق إعلان برهبة الموت والأجراس وخرير الماء اعلان بالسكينة في مواجهته ؟

    لا أحد سيقول لك ربما لأن ما من أحد يعرف جلية الأمر، على وجه اليقين.

    أنت الحائر _مثلي _الذي ستمني في الدنيا باحثا عن إجابات لأسئلة تعذبك لتجد نفسك في سنوات الرماد مثقلا بمزيد من علامات الاستفهام ربما تقف معي في متحف اللوفر وسط القاعات العتيدة التي تضم الآثار الفرعونية، لتتجمد أمام نص لا تزيد ترجمته عن هذه الكلمات "ملعون أنت، حرمت عيوننا نظرة الصفاء".

    هذا النص ليس إلا لعنة يضمها قبر يعود تاريخه الى حوالي سبعة آلاف عام، وهو موجه الى لصوص المقابر.

    ما الذي نحن حياله ؟

    لقد افترض كاتب هذا النص أنه سيحيا بعد الموت، وأن عينيه ستعرفان في تلك الحياة الأخرى نظرة الصفاء، وأنه لن يسلبه إياها إلا لصوص المقابر الذين يهتكون أسراره ويفضون مغاليق لقائه مع الموت. إنها السكينة في رحاب تلك الحياة الأخرى، ولكن الموت الرهيب يملك أسراره التي قد ينقلب كل شي ء في ظلها الى النقيض، إذا ما تلاعب لصوص المقابر بتكامل معادلة السكينة - الرهبة هذه.

    ويوسعنا أن نمضي في الأمثلة الى ما لا نهاية ولكن كلمة الصدق هي التي تتوج حديثنا (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور)(الملك: 2) فالحق تعالى قدم الموت على الحياة تنبيها الى أنه يتوصل به الى الحياة الحقيقية وعد الموت نعمة أنعم بها على عباده: (كيف تكفرون بالله وكنتم أصواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون ) (البقرة: 2.

    إنها الرهبة، إذن، تشف عن انسانيتنا، لكنها تفسح المجال لأفق لا ينتهي من السكينة في رحاب النعمة الأسمى والأعظم.

    سادسا: الموت، في جوهره "حد" أو "نهاية"، ولكنه في الوقت نفسه حد يمض بنا وراء كل الحدود، ونهاية تقودنا الى ما وراء كل النهايات.

    والمأساة الحقيقية هنا هي أننا بدلا من أن نتأمل الموت ونفهمه بمعناه الصحيح، أي من حيث ارتباطه بالحياة، فإن المكتبة العربية تعرف دفقا مروعا من الكتب التي تدور حول القبر، وعذابه، ومخاوفه، وبالتالي فإنه في غمار هذا كله يغيب البحث والنظر الجاد في الحياة والموت على السواء.

    لقد كان زمّل هو الذي قال "إن الحياة تقتني بطبيعتها الموت بحسبانه هذا الشيء الآخر الذي بالنسبة اليه تصير شيئا والذي بدونه لن يكون لهذا الشيء معناه وصورته ".

    هذا القول الذي يندرج في صميم المذهب الحيوي، يصب في أن الحياة تقتني الموت، وما هو حي هو وحده الذي يموت، وما الموت إلا حد للحياة، هو الصورة التي تلبسها الحياة وتحطمها من بعد، وهي صورة لا توجد في اللحظة الأخيرة فحسب، وإنما في كل لحظة من لحظات الحياة.

    وربما كان هذا الفهم، أو بالأحرى الحرص على تملك ناصيته، وإيضاحه، هو الذي يبرر وجود هذه الصفحات بين يدي القاريء، فالإدراك الأفضل والأكثر عمقا للموت هو نفسه، يقينا، من أهم المداخل الى الحياة أكثر امتلاء، وخصبا، وعطاء.

    وقد كان من الطبيعي أن ينعكس إدراك الإنسان لأبعاد مشكلة الموت منذ وقت بعيد، في تعبيره عن مشاعره حيال هذه المشكلة، ويبدو ذلك كأوضح ما يكون في !لأساطير والملاحم، والتراجيديات الإغريقية، ومسرح النو الياباني، والجداريات الكنسية وشعر الشعراء منذ أقدم العصور وصولا الى قصائد المنعطف الرابع للقرن العشرين.

    لكنني أزعم أن التعبير عن مشكلة الموت في الفن لا يحلق الى قمة شموخه إلا في الموسيقى الكلاسيكية، وإن من أهم الأعمال في هذا الإطار، وأكثرها جدارة بالاهتمام والتحليل والتذوق متتالية موديست بتروفيتش موسورسكي "أغنيات الموت ورقصاته ".

    هنا قد يبادر الى الإعتراض على الفور من يقول متسائلا:

    أ - من الذي قال إن الموسيقى الكلاسيكية هي التعبير الفني الأكثر سموا وتألقا وتحليقا عن المشاعر الإنسانية في مواجهة مشكلة الموت ؟

    ب - من الذي قال إنه حتى في إطار الموسيقى الكلاسيكية تعتبر متتالية موسورسكي من الأعمال الجديرة بالاهتمام والتحليل والتذوق على نحو يفوق غيرها من أعمال عمالقة الموسيقى الكلاسيكية؟

    في مواجهة الاعتراض - التساؤل الأول - سأبادر، على الفور، الى التسليم بأنه لا حصر للتعبيرات الفنية الإنسانية البالغة الرقي عن المشاعر الإنسانية في مواجهة الموت.

    ولست أملك إلا التوقف طويلا أمام الفكر الأسطوري، في تعامله مع هذا اللقاء، الصدام بين الحياة والموت، وانني على تمام اليقين من أن الملايين من الناس جيلا، وراء جيل قد توقفوا أمام الموت في أسطورة إيزيس وأوزوريس، وفي أساطير العالم شرقا وغربا.

    وشأن الكثيرين أيضا فإنني لا أملك الوقوف طويلا عند مشاعر جلجامش، وهو يرى صديقا، انكيدو يسقط في قبضة الموت، فلا يملك إلا أن يقع بدوره في هاوية الحزن، وينطلق، رعبا من الموت، يبحث عن الخلود، ويوضح لنا موقفه، إذ يقول: لقد أفزعني الموت حتى همت على وجهي إذا مت أفلا يكون مصيري مثل انكيدو؟

    والى أتونا بشتيم أخذت طريقي وحثثت الخطي لأسأله عن لغز الحياة والموت.

    والمرد لا يمكن إلا أن يتوقف طويلا عند هوميروس، وهو يجعل ظل أخيل يهتف، ضارعا:

    "أناشدك، يا أوديسيوس الشهير، الا تتحدث برفق عن الموت، فلان تعيش على الارض عبدا لآخر خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الاشباح اللاجسدية ".

    ولا يمكن إلا أن يجتذب اهتمامنا، بقدر نفسه، موقف عمالقة التراجيديا الاغريقية من الموت، وقد كان يوربيديس هو الذي اختزل هذا الموقف، في إيجاز واقتدار، بقوله: "ليس هناك ما هو أكثر عذوبة من رؤية نور الشمس" وكذلك قوله: "عندما يدنو الموت لا يعود أحد يرغب في الهلاك، ولا تغدو الشيخوخة عبثا" ومن ذد الذي يستطيع نسيان كلمات سوفوكليس الخالدة: "من بين العجائب العظمي جميعا ليس هناك ما هو أعظم من الإنسان... الموت وحده هو الذي لا يجد الإنسان شفاء له"؟

    والمرء يتوقف طويلا عند مسرحيات النو اليابانية الرائعة وخاصة تلك التي كتبها زيا مي، الدراماتورجي الياباني العظيم قبل قرون حيث نلتقي بتلك المقاطع التي يرثي البطل نفسه فيها، وقد اتخذ صورة هامشية، بعد أن أطاح به الموت من علياء البطولة والمجد، ليسقط في وهدة الظلال الشبحية المترعة بالآلام.

    ولكن مع التسليم بهذا كله، ومع الاقرار بشموخ التعبير عن الموت في العديد من الأعمال الفنية الكبرى، ليست أقلها شأنا مسرح شكسبير، فإنه لابد كذلك من التسليم بأن الموسيقى الكلاسيكية تنفرد بالطابع الكلي في تعبيرها عن الموت كظاهرة كلية.

    فالموسيقي الكلاسيكية تملك عبقرية الانتقال من الجوانب الجزئية، المتعلقة بالألم في مواجهة الموت، لتجسد الحيرة والضياع والتخبط الإنساني، حيال هذا العدم الهائل والنهائي والمخيف والمتشح بالغموض، هذا الانقطاع النهائي الذي لا يدري أحد حتى مجرد وجود استمرارية بعده، دع جانبا أي نوع من الاستمرارية هي.

    إذا انتقلنا الى الاعتراض الثاني، المتعلق بالاهتمام بمتتالية موسورسكي، فإنني سأبادر على الفور أيضا الى التسليم بوجود أعمال رائعة في إطار الموسيقى الكلاسيكية، تتعلق بمفهوم الموت، وأخص منها بالذكر تعبير فيردي الرائع في أوبرا "عطيل" وكذلك في أوبرا "عايدة" والذروة الرائعة التي يحلق اليها موتسارت في "الريكويم" بالاضافة الى أعمال كنسية لا حصر لها.

    لكن جدارة "أغنيات الموت ورقصاته" بالاهتمام والتوقف عندها طويلا، والاعلاء من شأنها، وتذوقها وفهم أسرار جمالياتها تضرب جذورها في العديد من الجوانب أبرزها، بعيدا عن الجوانب الفنية المتخصصة، بعدان محددان:

    1- طبيعة الموقف الإنساني من الموت الذي اتخذه موسورسكي وتعبيره بجلاء عن هذا الموقف في متتالية "أغنيات الموت ورقصاته ".

    2 - ألتأثير الكبير الذي تركته هذه المتتالية في نفوس العديد من كبار المبدعين الموسيقيين على نحو يعكس اختلالا بين العمل نفسه، الذي لا تتجاوز مدة أدائه ثلث الساعة، وبين تأثيره الهائل في الابداع الموسيقي العالمي، وهو أمر ينطبق، إن شئت الدقة على موسيقى موسورسكي بأسرها.

    ما الذي نعنيه بهذا؟

    لست أريد الإطالة على القاريء أكثر مما فعلته حتى الآن ولكنني أعتقد أنه لابد من الإشارة الى أن معظم الأعمال الموسيقية الكلاسيكية التي تناولت ظاهرة الموت تنقسم الى قسمين محددين:

    أ - الغالبية العظمي بما فيها "ريكويم" موتسارت الخالدة نفسها، تنطلق من مفهوم أساسي واضح وصريح ومحدد، هو التصالح مع الموت بشكل مطلق، تنطلق من الوصول الى نوع من السكينة الروحية، الى لون من التسليم بالموت، باعتباره مصافحة ولقاء أقرب الى عناق الأصدقاء.

    ب - الأقلية التي تتمثل في أبرز نماذجها في سيمفونية ديمتري شوستاكوفيتش ترفض هذا الموقف رفضا تاما، وتتصور الموت حاصدا كبيرا يجز الأعناق جزأ، ويحصد الأرواح بلا رحمة، وترى أنه من المستحيل التصالح مع هذا الحاصد الكبير.

    وف مواجهة هذين النقيضين في التعامل مع ظاهرة الموت يتبنى موسورسكي موقفا لا يمكن إلا أن يوصف حقا بأنه "إنساني، إنساني جدا" كما يعبر نيتشه.

    كيف ؟

    إنه ينظر الى الموت في ضوء الجانبين اللذين سبق أن أكدنا عليهما في الاقتراب من الموت: الرهبة منه والسكينة حياله.

    ففي القصائد التي تنطلق منها المتتالية، التي كتبها أرسني جولينشتتشيف كوتوزف، صديق موسورسكي، يتم تصوير الموت في تجليات شتى، فهو في القصيدة الأولى "هدهدة" يتبدى لنا رقيقا، رهيفا، ناعما، وحانيا إذ يشكل الراحة الأخيرة لطفل يعاني من المرض، حتى ليوشك أن يكون أرحم بالصفير المعذب من أمه، وهو في القصيدة الثانية "سرينادا" سيتجلى لنا فارسا نبيلا يسعى الى عروسه، ثم هو ذا في "رقصة التريباك" يراقص الفلاح السكير فوق الجليد الموحش، لكنه في نهاية المطاف يتبدى لنا في قصيدة "القائد" عملاقا شامخا ينتصب في الميدان، ميدان المعركة، ليحصى غنائمه من البشر التي غدت ملكه من الآن والى الأبد.

    والمدهش حقا أن كلا التيارين الموسيقيين في التعامل مع ظاهرة الموت لا يتردد في القول بأن موسيقى موسورسكي تصب لصالحه وتدعم رؤيته وتفسيره وموقفه.

    إننا نعلم حماس ديبوسي وغيره من الموسيقيين العظام لموسيقى موسورسكي، ولكننا في الوقت نفسه سنجد شوستاكوفيش هو الذي يعد التوزيع الأوركسترالي لمتتالية موسورسكي في عام 1962، ويوضح لنا بجلاء أنه يسير في سيمفونيته الرابعة عشرة التي كرسها للموت، على خطي موسورسكي.

    إن شوستا كوفيتش لا يتردد في كلمة ألقاها في تدريب في الهواء الطلق على السيمفونية الرابعة عشرة، وأدرجت في كتاب "ديمتري شرستا كوفيتش يتحدث عن نفسه وعن عصره والصادر في عام 1980 عن دار التقدم في موسكو، لا يتردد في القول عن سيمفونيته هذه:

    "إنني أحذو حذو الموسيقار الرومي العظيم موسورسكي، الذي تعد متتاليته (أغنيات الموت رقصاته) وربما ليست المتتالية كلها وإنما دعنا نقل على الأقل مقطع (القائد) احتجاجا عظيما على الموت، وتذكيرا بأن على المرء أن يعيش حياته بشرف ونبل ورقي... ذلك أنه - ويا للحسرة - سيمر وقت طويل قبل أن يخترع علماؤنا الخلود، والموت ينتظرنا جميعا، ولست أرى شيئا طيبا في مثل هذه النهاية لحياتنا، وهذا ما حاولت أن أعبر عنه في عملي الجديد".

    ورغم أهمية هذا المقتطف، فإنه في الحقيقة يقدم لنا قراءة شرستا كوفيتش لمتتالية موسورسكي، ولكنها يقينا ليست القراءة الوحيدة الممكنة.

    وربما تفيدنا في هذا الصدد إشارة شوستاكوفيتش الى مقطع "القائد" في المتتالية، فهو أقرب الى روح السيمفونية الرابعة عشرة،وتحنه مجرد جزء واحد من رؤية موسورسكي للموت، وهي رؤية لا شك في اتسامها بالرحابة والاقتراب بدرجة أكبر من جوهر المشاعر الإنسانية في مواجهة الموت: الرهبة التي تملأ الأفق، والسكينة التي هي المدخل الى التصالح.

    ترى أكان من قبيل الصدفة أن هيجل يعلمنا أن الموت هو تصالح الروح مع ذاتها؟

    ومن المؤكد أن هذه الرؤية الرحبة للموت تعكس ما كان عليه حال موسورسكي، لدى انجازه للمتتالية، فتلك هي المرحلة التي أعقبت نجاح عمله الأوبرالي الشهير "بوريس جور ونوف" ودخوله رغم هذا النجاح، في نفق من العزلة المريرة.

    إنه أحد الخمسة الكبار في عالم الموسيقى القومية الروسية، ولكنه على المستوى الإنساني سيعيش على الذكرى الباقية من ابنة عمه التي أحبها وماتت في ريعان شبابها - ترى هل هي العروس التي جاء النبيل ليصحبها في المتتالية.ولهذا لم يتزوج أبدا، وأقام عقب وفاة أمه في العام 1865 مع أخيه ثم مع نيكولاي ويمسكي كورساكوف حتى العام 1872 حين تزوج صديقه، وتركه لوحدة مريرة لم يخففها إلا الانشغال في إنجاز أوبراه التي أكملها كورساكوف بعد وفاته، والمعروفة باسم "خوفانشيشتا".

    وبعد شهور طويلة من العزلة، وجد ما يخفف عنه مشاعر الوحدة في قريب من أقربائه البعيدين هو كوتزوف، الذي استلهم موسورسكي من قصائده متتالية "أغنيات الموت ورقصاته" و "متتالية "الغسق ". ومن الطبيعي أنه في تلك الفترة كان ظل الموت الطويل يرتمي على حياة المبدع الروسي الكبير، دون أن يدري أنه هو نفسه لم يبق له من العمر إلا سبع سنوات فحسب. فقد راح منجل الموت يحصد أصدقاءه واحدا وراء الآخر، بداية بالرسام فيكتور جارتمان الذي ألهم موسورسكي عمله الشهير "لوحات من المعرض" الذي أنجز توزيعه الأوركسترالي الموسيقار الفرنسي موريس رافيل في العام 1922.

    ويكفي لكي نطل على مشاعر موسورسكي في هذه المرحلة أن نتذكر أنه كتب في أغسطس 1875 الى صديقه الناقد الكبير فلاديمير ستا سوف يقول: "لقد حمل صديقنا أرسني مفتاح البيت معه الى الريف، ولم أستطع الدخول، لذا مضيت الى الاقامة مع صديقي الموقر نوموف الذي أنهيت لتوي في داره الفصل الأول من (خوفانشيشنا)".

    وفي حقيقة الأمر أن أرسني لم يحمل المفتاح معه، وإنما صاحبة البيت وضعت حقيبة موسورسكي المغلقة على الدرج، وأغلقت الباب لتبقيه في الراء.

    كانت تلك هي بداية الأنحدار الوئيد الموجع نحو الموت الذي انطلق فيه موسورسكي، وسط عزلة تامة زاد من إيلامها التجاهل التام من أصدقائه ومن وبينهم الموسيقار بالاكرييف، الذين عاملوه باعتباره منبوذا لا يقترب منه أحد. ومع ذلك فإن موسورسكي تشبث بالحياة ليقدم الأوبرا التي تركها دون أن يتمها،والمعروفة باسم "مهرجان سوروشنتسي" والتي استلهمها من إحدى قصص جو جول.

    وتوهجت الإضاءة الأخيرة في حياة موسورسكي مع قيامه بجولة في جنوبي روسيا والقرمز كعازف مصاحب لغناء داريا ليونوف، ثم عمل في تدريس الموسيقى في مدرسة صغيرة في سانت بطرسبرج.

    وفي 24 فبراير 1881 تعرض موسورسكي لثلاث أزمات قلبية، فنقله أصدقاؤه الى المستشفى حيث تحسنت صحته قليلا، بحيث أتيح للرسام الروسي إليا ريبين أن يرسم صورته التي نعرفه بها اليوم.

    وفي 28 مارس سمعت الممرضة التي ترعاه صيحته الأخيرة "انتهى كل شيء.. كم أنا تعس !"

    ولكن الموسيقار، الذي يعزينا بموسيقى في مواجهة الموت، قد حمل لنا العزاء عن المشهد المروع الأخير في حياته، حيث تشير السجلات الى أن معاناته الأخيرة على فراش الموت لم تدم إلا خمس عشرة دقيقة.

    ربما كانت القيمة الحقيقية لنتاج موسورسكي، القليل نسبيا بمعايير عصره، وأيضا قيمة "أغنيات الموت ورقصاته" تكمن في أنه ألهم العديد من المبدعين الموسيقيين من بعده، ومن وحي أغنيا ته الستين استلهم الكثيرون مشاعر فياضة متدفقة بالوهج عن الحياة الروسية.

    ولعله ليس من الغريب أن ديبوسي وجد في موسيقى موسورسكي أحد المداخل الى تجاوز الطريق المغلق الذي وصلت اليه الموسيقى الكلاسيكية مع فاجنر.

    ولئن قدر لهذه الترجمة التي سيجدها القاريء العربي عبر السطور التالية لـ "أغنيات الموت ورقصاته" أن تحمل العزاء لقاريء واحد، وأن تساعد عاشقا واحدا للموسيقى الكلاسيكية على تذوق متتالية موسورسكي، فإن ذلك سيكون خير مكافأة لي على ما تكبدته من عناء، ولئن وجد القاريء في ترجمتي تقصيرا، أو لم ترض ذوقه، فإني أرجو أن يغفر لي هذا التقصير، وأن يتذكر ماقلته دائما وأحسب أنني سأظل أقوله حتى نهاية العمر، وهوان المكافأة الحقيقية لأي مترجم هي الا يكال له اللوم.

    الآن هل نمضي الى موعدنا مع "أغنيات الموت، ورقصاته" لنحاول أن نتابع ما نسعي الى اجتراحه ؟

    هدهدة

    طفل يثن، شمعة تذوي

    تلقى خفقة نور كابية حولها

    طوال الليل، فيما الأم تهز المهد،

    لم يعرف النعاس طريقا الى جفنيها.

    مع إطلالة الصباح يطرق الموت الرحيم

    الباب برفق بالغ

    ترتجف الأم فرقا، وفي هلع ترنو..

    "لا تخافي، يا عزيزتي!"

    ينسل نور الصباح الشاحب الآن من خلل النافذة

    في غمار البكاء، الحنين، الحب

    أرهقت نفسك حتى التلاشي، الآن هوني عليك

    فإني سأجلس، هاهنا الى جواره !

    ما استطعت الى تهدئة الطفل المسكين سبيلا،

    سأغني له بصوت يتجاوزك عذوبة.

    "هوذا طفلي يتململ، يتقلب قلقا.

    يعتصر الحزن فؤادي لمرآه على هذا النحو."

    "هلمي الآن، سرعان ما يصغى الي.

    هون عليك، يا وليدي، يا طفلي أنا !"

    "الشحوب يكسو خديه الحبيبين، أنفاسه تتقطع..

    صمتا الآن، أتوسل اليك !

    تلك بشرى خير فسرعان ما ينتهي عذابه

    هون عليك، يا وليدي، ياطفلي أنا!"

    "إمض بعيدا، ملعون أنت ! تربيتاتك

    ستطيح ببهجة فؤادي"

    "لا، سأسدل السلام على الوليد.

    هون عليك، يا وليدي، يا طفلي أنا!"

    "رحماك، انتظر، ولو للحظة واحدة

    قبل أن تنهي أغنيتك الراعبة تلك".

    "أنظري الآن، هوذا يغفو على وقع الغناء العذب

    هون عليك، يا وليدي، ياطفلي أنا!".

    سرينادا
    الوهن السحري، زرقة الليل،

    غسق الربيع المرتجف..

    تصفى المريضة، رافعة رأسها،

    لهمس كلمات الليل المتشحة صمتا.



    عيناها النجلاوان، المتقدتان، مغمضتان في إغفاءه

    الحياة تدعوها، مازالت الى مباهجها.

    رغم ذلك فتحت نافذتها، وفي صمت منتصف الليل،

    ينشد الليل سريناداه الرقيقة.

    في وحشة السجن المعتمة، الضارية، المكبلة نصيحتها

    سيذوي شبابك توا

    لكنني، فارسك الذي لا اسم له، وبقرتي الرائعة

    سأحررك.

    انهضي، تأملي نفسك ! ياللجمال

    الذي يتوهج به محياك !

    وجنتاك يكسوهما الورد، وفرعك المتموج

    ينسدل نقابا لكيانك مثلما سحابة

    ألق عينيك الأزرق البالغ التوهج
    أشد بريقا من السماء أو النار...

    ممتزجة بدفء الظهيره، تتناهى الى أنفاسك

    إني مفتون بك يا حبيبتي

    أسرت سريناداي العذبة أذنك

    كلماتك المهمومة استدعت فارسك

    فارسك جاء لينال جائز ته الأخيرة:

    فاقد دنت ساعة النشوة.

    بديع هو بدنك، وتبعث النشوة رجفتك

    آه، لسوف أضمك، يا حبيبتي!

    في عناق حميم، وال غمار حبي

    عودي... أسكني.. فانت لي !

    رقصة التريباك

    في الغابة والمروج لا يلوح أحد للعيان

    هوذا رفيف العاصفة الجليدية وعويلها..

    كأنما في عماء الليل

    يدفن الجليد الضاري رجلا مسكينا.

    أنظر! هو ذا في الظلمة

    فلاح يعانقه الموت مربتا

    الموت يراقص سكيرا رقصة التريباك

    ويهمس له بأغنية عذبة.

    "أيها الفلاح المسكين، أنت أيها العجوز التعس ! ساقك الخمار الى الترنح وضاع منك الطريق، لكن العاصفة الجليدية، مثلما ساحرة، نهضت وعابثتك وتصادف أنها دفعتك من المروج الى الغابة الكثيفة. شفك اللغوب عبر الأسي والحزن والعوز، فارقد، ولتعمك الراحة، ويغمرك النعاس، يا صديقي! ولسوف أدفئك، يا عزيزي، بكساء من جليد. وحولك سأشرع في مطاردة بديعة ".

    هدهد الفراش، أيها الجليد الذي يشبه التم، أنت هناك ! ابدأ! استهل الأغنية، أيها الطقس الضاري! أغنية تدوم طوال الليل،

    حتى ينزلق هذا السكير الى رحاب النوم على إيقاعاتها. آه، أنت، ايتها الغابات، السماوات، السحب، أيها الظلام، النسيم، الجليد العاتي، أدر جوه في كفن من أرق الثلوج ولسوف أحمي العجوز في طياته مثلما طفل وليد.

    أرقد، يا صديقي، يا فلاحي، موغلا في السعادة ! ها قد حل الصيف، وعم الازدهار كل شي ء! وعبر حقول الذرة تبتسم الشمس، وتتقافز المناجل،

    تعلو الأغنية، وتحلق الحمامات عاليا!

    القائد

    ترعد المعركة، تلتمع الدروع،

    تهدر مدافع البرونز،

    تهاجم الفيالق، تندفع الجياد،

    وتتدفق أنهار الدم القانية.

    تتقد الظهيرة ضارية، يواصل الناس الاقتتال ! وعندما تغوص الشمس خفيضة في الأفق تزداد المعركة ضراوة !

    يلتف المغيب بالشحوب، غير أن الجيوش توالي القتال

    بمزيد من الضراوة، ما تزال، والوحشية !

    يتهاوى الليل على ميدان ا لمعركة،

    وفي العماء تتفوق الفيالق،

    يعم السكون، وفي ظلام الليل

    تتعال الأنات الى عنان السماء

    عندئذ، وفي سنا البدر،

    وعلى متن جواده،

    فيما تتألق عظامه الشهباء، في الضوء الشاحب،

    يقبل شبح الموت، وفي غمار السكون

    تتناهى الى سمعه الأنات والابتهالات

    يتيه فخرا ورضا،

    وشأن قائد للمحاربين يدور

    حول ميدان المعركة

    يصعد تلا، يتطلع حوله،

    يتوقف، تتلاعب على شفتيه ابتسامة..

    وفوق سهل المعركة

    يسمع صوت القدر:

    "انتهى القتال ! وقهرت الجميع استسلمتم لي، أيها المحاربون جميعا!

    فجرت الحياة الصراع بينكم، لكنني لملمتكم في رحاب السلام،

    انهضوا في مودة لتصغوا لنداء الموت !

    امضوا رتلا مهيبا جميعكم، أمامي،

    فإنني أود أن أسجل عدد قواتي،

    ثم بوسعكم، عقب ذلك، أن تمددوا عظامكم في الأرض،

    في حنو، لترتاح من عنت الحياة على الأرض ".

    سينقضي العام إثر الآخر دونما اكتراث بكم،

    وبين البشر لن يبقى لكم ذكر،

    لكنني لن أنسى وفوق عظامكم هاهنا

    سأقيم مأدبة صاخبة في انتصاف الليل.

    وفي خطو الرقص الثقيل، على الأرض الرطبة،

    سأدهس، حتى لا تهرب من ظلال القبر

    أبدا، أبدا عظامكم،

    ولن تنهضوا من الأرض ثانية قط !

    -مجلة نزوى -العدد الرابع
    --------------------------------------------------------------------------------
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 03:30 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    فاتني ان اقول في معرض الكلام حول "لعب" درويش على الحروف,
    أن أذكر أن درويش في :
    طوق الحمامة الدمشقي
    وظف بعضا من حروف الابجدية ابتداء من الألف وانتهاء بالكاف

    -راجع سرير الغريبة-
    الاعمال الكاملة ص ص 700-6

    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 04:15 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    أجراس الموت والميلاد
    قراءة في قصيدة "الموت والنهر للسياب"

    سعيد الغانمي(كاتب من العراق)


    --------------------------------------------------------------------------------


    كيف تعامل النقد العربي مع السياب ؟

    لقد قرأنا سيرة السياب، وتتبعنا معاناته النفسية شابا وكهلا، قرأنا الكتب التي قرأها السياب، والكتب التي لم يقرأها، دنا قوائم بمن تأثر بهم، ومن لم يتأثر لاحظنا أوجه الشبه بين إليوت وسيتوبل وأوجه الاختلاف عن غيرهما، سنا كل صغيرة وكبيرة في حياة السياب واعترافاته راضه، حتى تمكن النقد أخيرا من اكتشاف علاج المرض. مات به السياب. فماذا كانت النتيجة ؟

    مثلما قسم النقد الفرنسي المفكر جان _ جاك روسو الى اثنين، هما "جان _ جاك » و "روسو» ووضع عب ء معاناة الانسان على كاهل المفكر، قسم النقد العربي السياب الى اثنين هما "بدر شاكر» الانسان و "السياب » الشاعر، وجعل ضعف الأول سجبا لإبداع الثاني. هكذا تم النظر الى السياب وكأنه حالة نفسية تتفجر شعرا،وكأن نقاده محللون نفسيون يتحول ضعفه النفسي مصدر قوة لهم.

    من المؤكد أن السياب كان ثاني ثلاثة في أهم حركة تجديد عرفها الشعر العربي الحديث، وهي حركة الشعر الحر، التي يتنافس عليها ويشترك فيها السياب ونازك الملائكة والبياتي. ولقد انفرد شعر السياب بين هؤلاء ببعض الخصائص التي ستحاول هذه القراءة الوجيزة المرور بها، ثم تنصرف الى التحليل النص لقصيدة "النهر والموت “.

    وفي الوقت الذي حصرت فيه نازك حركة الشعر الحر بوصفها "حركة تجديد عر وهي” في الأساس، كان السياب يرى أنها ثورة شاملة تمتد من أصفر الوحدات الشكلية حتى تطال طبيعة رؤية العالم، ولهذا لم يتردد في الجمع بين الرؤية اللأشعرية في خادمية الألفاظ للمعاني والاستعارات الحيوية في الرومانسية في قوله :"لابد لكل ثورة ناضجة أن تبدأ بالمضمون قبل الشكل، فالشكل تابع يخدم المضمون والجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد، ويحطم الاطار القديم كما تحطم البذرة قشورها”. لقد صار بالإمكان الآن الاعلان عن ميلاد مفهوم جديد للقصيدة، قبل الآن كان هناك "شعر"، أي تتابع خطي من الأبيات الموزونة. أما الأن فقد صار بالامكان الحديث عن،" لقصيدة “ التي تتسم بالوحدة. وهذا ما شخصه السياب نفسه قائلا :" لقد أصبح الشاعر الحديث يطمح الى أن يجعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء بحيث لو أخرت وقدمت في ترتيب أبياتها لاختلت القصيدة كلها. أو فقدت جزءا كبيرا من تأثيرها على الأقل. فهل يسمح الشاعر الحديث للقافية الموحدة بأن تكون حجر عثرة في سبيله هذا؟”

    حين نفحص فكرة«القصيدة “ باعتبارها كيانا عضويا متماسكا يختلف عن الشعر الذي هو تتابع أبيات تقبل التقديم والتأخير، تظهر لنا فكرة ضمنية أخرى وهي "النص “. فالقصيدة منذ الآن كيان نمي متداخل المستويات. ومن طبيعة الكيان النصي أنه لا يكتمل الا بمخاطبة قاريء فاعل مشارك في انتاجه من ناحية، وامكان تحليله من ناحية أخرى الى مستويين هما المستوى الصوتي الذي يعتمد وسائل التنميط الصوتي التي تخاطب الأذن، كالجناس والتورية والوزن والايقاع والقافية.. الخ، والمستوى الدلالي الذي يعتمد وسائل التنميط الدلالية التي تخاطب الفكر كالاستعارة والكناية والمجاز المرسل والالتفات ووجهة النظر.... الخ، وكان السيأب يعرف تماما انه يجرب نقلة على مستوى وسائل التنميط الصوتي في الشعر العربي بتحرير القافية واطلاق عدد التفعيلات، ولكنه في الوقت نفسه كان يدرك أن ما يقوم به أي عنصر في مستوى معين يؤدق بالضرورة الى تغيير المستوى الآخر، ولذلك فإن الوزن والقافية ليسا من الوسائل الصوتية وحسب، بل هما يؤديان خلسة وظيفة دلالية أيضا. ومن هنا يصر على اعتبارهما "حجر عثرة “ دون وحدة القصيدة.

    كثيرا ما وصف السياب بالغنائية، وهذا وصف صحيح دون شك، لا لأنه يميل الى إبراز المقاطع الوزنية التلقائية في شعره ولمحا ولته المزج بين البخور ذات التفعيلة الواحدة والبخور متعددة التفاعيل فحسب، بل لأنه يهتم بايقاعية الكلمة المفردة في ذاتها ومن هنا تأتي تجاربه في تضعيف ما لا يضعف، وفي التكرار، الذي يوشك أن يجعل الكلمة "شيئا". ولعل أكثر مظاهر احتفال السياب بغنائية الكلمة المفردة يتوافر في تكراره للكلمات ذات البناء الرباعي المأخوذ عن الثنائي المكرر مثل (همهمة ) و(وسوسة ) و(وشوشة ) و(كركرة ) و(هسهسة ). وكذلك الكلمات ذات البناء الثلاثي المأخوذ عن الثنائي المكرر مثل (رنين ) و (أنين ) و(صليل ) و (دبيب ) و(حفيف ).. الخ وتشترك جميع هذه الكلمات في كونها تدخل فيما يسمى بكلمات المحاكاة الصوتية (Onomotapetic) أي الكلمات التي تعبر عن أصوات هي نفسها تقليد لأصوات الطبيعة. لا أعني أن اهتمام السياب بها يعود الى شعوره باشتراك هذه الكلمات في كونها تعبر تعبيرا طبيعيا عن أفكار، فقد تجاوز علم اللغة هذه النظريات منذ زمن غير قريب، وان يكن للشعر حيلة والتي تختلف عن طبيعة التناول اللغوي، بل أعني أنه يهتم بها لجرسها فقط. فهذه الكلمات تمثل أفكارا بشكلها وصوتها أكثر من معناها، أو الى جانبه، لأنها تعتمد على تكرار إيقاعي يسمح لها بأن تكون صدى صوتيا أو مرآة مسموعة.

    غير أن هذا الاهتمام بالصوت يقابله اهتمام مماثل بالدلالة ووسائلها البلاغية، والتشبيه هو أحدى الوسائل الدلالية التي تتكرر في شعره، اذ لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تشبيه. بل انه لا يتردد في إدراج عدد كبير من التشبيهات دفعة واحدة. ولو قارنا بين استعارات السياب وتشبيهاته لوجدنا طغيان التشبيه على الاستعارة. صحيح أن التشبيه يمثل وسيلة بلاغية بدائية قياسا بالاستعارة، لكن السياب يحاول أن يقدم تشبيهات مرنة ودقيقة، غالبا ما تتسم بصفة المتناهي في الصفر. وهذا ما يقلل من بدائية التشبيه ويضفي عليه شيئا من الطراوة. بل إنه أحيانا يسوغ صوره استنادا الى ما يمكن تسميته بـ"تشبيه التناظر” أو تشبيه شيشين بشيشين، وهو نموذج من التشبيه عرفته البلاغة العربية ومثلت عليه ببيت بشار الشهير:

    كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

    وأسيافنا ليل تتهاوى كواكبه

    وبيت المعري :

    ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلاثد من جمان

    لقد شبه بشار كثافة الغبار والتماع السيوف من خلاله بليل تتساقط فيه الكواكب، وشبه المعري الليلة المظلمة ذات النجوم المنتظمة بعروس زنجية عليها قلادة لامعة. وفي الحالتين يظل التشبيه تشبيه شيئين بشيئين،كل منهما متناه في الكبر ولو قارنا هذين البيتين بقول السياب :

    مثلما تنفض الريح ذر الغبار

    عن جناح الفراشة مات النهار

    لوجدنا أن السياب يعمد أيضا الى تشبيه شيئين بشيئين، لكنه يقدم لنا جملتين فعليتين : (تنفض الريح..) و (مات النهار) بسبب استخدام (مثلما) تتضمن جملة (مات النهار) استعارة سكنية لغياب الشمس. فكأن اختفاء شعاعات آخر النهار الذاهب في ظلام الليل القادم تساقط الألوان الزاهية عن جناح الفراشة في الريح. وهذا يعني أن التشبيه عنده يتميز بصفتين : الأولى الحركية الواضحة في استخدام الجملة الفعلية، والثانية : بروز عنصر المتناهي في الصغر (جناح الفراشة ). لقد استخدم السياب وسيلة قديمة بعد أن طوعها لحاجاته الأدبية الجديدة.

    أما أبرز المظاهر الدلالية التي استحوذت على اهتمام نقاده، فهو استعماله للأساطير والرموز بطريقة أمثولية تسمح له بتحريكها زمانا ومكانا، دون أن تكون للرمز قيمة اسمية ثابتة.وهذا الاستعمال، فيما أرى، هو الذي ميز شعر السياب في تلك المرحلة من عمر الشعر العربي، بما يمكن لنا أن نسميه بـ "إبستيم الرومانسية العربية،، حيث تمكنت الأنا الشعرية من التحرر من الجماعة الى الفرد، فتحولت من "أنا جمعية " تتكلم باسم الجماعة وتعبر عنها، الى "أنا فردية " تريد أن تختزل تاريخ الجماعة، وربما الانسانية كلها،في ذات واحدة. هذا طبعا فضلا عن استثماره المقلوب للمرآة، كما بينا في مكان آخر، الذي توجد فيه المرآة في علاقة تناوبية مع الصورة المرآوية. اذا حضرت المرآة غابت الصورة المرآوية، واذا حضرت المرآوية غابت المرآة.

    نعود الآن للتحليل الشي عصيدة "الموت والنهر".

    بدءا من العنوان، نجد أننا في إزاء نوع من المقابلة المضمرة بالادماج، الموت لا يقابل النهر، فهو ليس نقيضه. نقيض النهر :هو الميلاد، ونقيض النهر: اليباس والجفاف. ولا ذكر للميلاد أو الجفاف في القصيدة. بل نجد، على العكس من الميلاد، تكرار مفردات الموت والموتى والدماء السائلة، وبدلا من الجفاف تتكرر مفردات الخضرة والشجرة والغصون والثمر. وهذا بالطبع عكس ما يحصل في "انشودة المطر" مثلا، حيث تظهر المقابلة صريحة بين الموت والميلاد:

    دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف

    والموت والميلاد والظلام والضياء

    هنا نعرف أن في النقيض نزوعا لاستبعاد نقيضه. واذ يحن النقيض الى نقيضه في غالب الأحوال في اللفة العادية، تستبعد (النهر والموت ) عنصرين من طرفي المقابلة الأساسية. فالصورة في الأصل هي:

    النهر # الجفاف

    الميلاد# الموت

    لقد تخلى العنوان عن طرفي المقابلة المتضادين، وأقام تناظرا ضمنيا مضمرا بإدماج النقيضين بما يقابلهما، فأدمج النهر بالميلاد والموت باليباس، ثم جعل المقابلة بين الموت والنهر، لذلك تخلت القصيدة تماما عن الميلاد والجفاف، فلم يظهرا فيها مطلقا.

    بعد العنوان مباشرة يأتي الترقيم، قسم السياب القصيدة الى مقطعين. يتحدث المقطع الأول بضمير المتكلم عند طفل صفير كما سنرى، لكنه بلا رقم. ويتحدث المقطع الثاني بضمير الشخص نفسه بعد عشرين سنة، لكنه يحمل رقم - 2-. الترقيم لا يقرأ دون شك، بل يكتب، في طبعتي دار مجلة شعر، ودار العودة سقط الترقيم الأول. ولعله سقط سهوا لا يهم. ما يهم هو حضور الرقم – 2- وليس غياب الرقم -1- ان وظيفة الترقيم هنا أن تفرينا بوجود ثنائية بين مقطعين،مثلما في العنوان. وستسوقنا هذه الثنائية الى افتراض قيام القصيدة على الثنائيات لكنها ستهرب الثلاثيات خلسة مثلما تفعل قصيدته الأخرى "تعتيم ".

    تبدأ القصيدة بنداء بويب "بويب.. بويب ". نهر منادى. لقد بدأ العنوان يدخل في نسيج القصيدة، فالنهر المقصود هو بويب. ولكن كيف عرفنا أن بويبا منادى هنا؟ الا يمكن أن يكون بويب مبتدأ خبره (أجراس برج) ؟ يمكن طبعا. لكن لو أننا انتبهنا الى جميع الصيغ الأخرى الواردة في القصيدة لعرفنا أنها جميعا وردت بصيغة (بويب.. يا بويب )، أي بإثبات يا النداء، حذف ياء النداء هنا يؤدي الى غموض إعرابي مقصود. ونحن قراء القصيدة، لا نعرف هل كلمة "بويب » منادى أم مبتدأ، وهذا يعني أننا لا نعرف هل الجملة التالية متصلة بها خبرا، أم منقطعة عنها.لكن تكرار (بويب يا بويب ) هو الذي يطمئننا انها منادى. فمن يناديه ؟ أهنأك شخص آخر أو قناع، أم شخص الشاعر نفسه ؟ بعبارة لسانية، هل هذا المفتتح مكتوب بالمونولوج أم بالمونولوج المروي؟ حين ننتهي من الأبيات الستة الأولى ترد عبارة «فيدلهم في دمي حنين »، وتتابع بعدها ضمائر المتكلم (دمي نهري، قبضتي.. الخ ). ويبدو أن المتكلم يلح على كلمة "أجراس » فيكررها ثلاث مرات في النص : "أجراس برج، أجراسا من الحنين، أجراس موتى». الأجراس : جمع جرس، وجمع جرس أي الصوت المتكرر الرقيق، وما يخرج منه الصوت.

    ما علاقة بويب بالأجراس ؟

    ان الصيغة الصوتية لبويب صيغة ذات بجرس، أي صوت يتكرر هو الباء الذي تبدأ وتنتهي به الكلمة. وكذلك الماء الذي تنضحه الجرار، والأثر الذي يحدثه في النفس. فثمة عدوى تكرار متواصلة في المقطع على المستوى الصوتي تشيع الجرس في مفاصل القصيدة. يتحول صوت الجرار الى أجراس من الحنين، ويتحول الحنين الى أجراس بللور ذائب، وتتحول أجراس البللور الى أنين يهتف : "بويب يا بويب »، التكرار ليس بناء صوتيا وحسب، بل هو بناء دلالي. وتكفي النظرة العامرة لمعرفة نسبة تكرار الجرس في الكلمات الثلاثية المأخوذة عن الثنائي المضعف، وهي في الغالب من كلمات المحاكاة الصوتية كما قلنا.

    أسماء أفعال

    بويب أود (6مرات )

    قرارة أشد (مرتين )

    الجرار أطل

    انين يصل

    حنين تظل

    أسرة (سرير) احسن

    التلال

    ضفة (ضفاف )

    الظلال

    السلال

    القرار

    صليل

    الحرير

    السرر

    الرنين

    رصاصة

    تحضر بنية التكرار الصوتي في التشبيهين الساذجين في القصيدة : "يا نهري الحزين كالمطر» و "ينضحهن العالم الحزين كالمطر». التشبيه في الحالتين تشبيه الماء بالماء، والسيولة بالسيولة. النهر كالمطر والعالم الناضح بالدهاء والدموع كالمطر. لكن التشبيه هنا لا يأتي لقياس عنصر بعنصر آخر، بل إن كلمة (مطر) لا تهتم اطلاقا بصورة المطر أو نوعه أو عنصره، بل تهتم بصوته.وهي ليست معنية بما يرسمه المطر من أشكال تخاطب العين. بل بما يقوله من أصوات وأجراس تخاطب الأذن، في المطر جرس وخرير وصوت تساقط. وهذا الجرس السمعي هو الذي يجعل المطر حزينا. واذ يطو هذا الخرير والجرس على كل ما في العالم من أصوات، يجعل النهر نفسه والعالم كله حزينين، برغم سيولتهما الظاهرة وربما بسببها.

    من هنا يأتي التأكيد على أهمية حاسة السمع في القصيدة (وأسمع الحصى يصل منك في القرار). بل إن الرغبة في السمع تحول الحواس كلها الى أذن. وفي عبارة (وأرهف الضمير دوحة الى السحر ) يحول الشاعر عبارة (يرهف السمع ) الى (يرهف الضمير) في محاولة للاستماع بكل الحواس.

    وتتيح لنا البنية السر دية _الأمثولية في قصائد السياب أن نجرب عليها بعض التقنيات السر دية المتمثلة بوجهة النظر على الخصوص. فغيما يتعلق بوجهة النظر على المستوى المكاني، تبدأ القصيدة بـ "برج ضاع في قرارة البحر". ونستطيع أن نفترض أنه برج بابلي قديم مما يسمى بالزقورة، أو الذكورة - كما يجب أن نقول - التي يذكر فيها اسم الله، وهو برج هبط الى قراءة البحر، أو باطن الأرض. فتحول العالي الى هابط ولعلى الفعل الماضي يعني أن البرج لم يضع الآن بل ضاع منذ زمن سحيق، حتى لم يبق منه سوى جرسه الذي يتكرر في جرس المياه في الجرار والمطر. هذا الولع بصور الارتفاع الذي يهبط يتكرر في قوله : «أود لو أطل من أسرة الظلال ». الإطلالة هي أصلا النظر من مكان مرتفع الى شيء خفيض. غير أن المتكلم يريد أن يطل ليلمح القمر. أفلا يكفيه - وهو على مرتفع التل. أن يرفع رأسه ليجد القمر فوقه مباشرة ؟ نعم لكن الشاعر ين د أن يؤكد ما تسميه السر ديات الحديثة بوجهة نظر عين الطائر، حيث يتم وصف الأشياء من الأعلى مما يسمح برؤية المشهد الكلي.

    بعد صورة البرج يهبط الشاعر مباشرة ليقدم لنا صورة داخلية نسمع منها نبض دمه "فيدلهم في دمي حنين ". ثم يناوب الهبوط بصعود الى مرتفع التل، ثم بهبوط آخر يتمثل في الرغبة في معانقة الحصى في قرار النهر. هنا نكون بإزاء ما أسميه بـ "راوي حبل الوريد»، حيث الراوي يعانق الأشياء التي يردها ويسمع نبضها، فيكون أقرب اليها من حبل الوريد، أن التعاقب الذي نجده بعد هذين المقطعين في التساؤل عن السمك الساهر والنجوم التي تطعم آلاف الابر، هو تعبير عن الارتفاع من قرار النهر الى العلو الشاهق مرة أخرى، أي الارتفاع من وجهة نظر راوي حبل الوريد الى وجهة نظر عين الطائر، أما وجهة النظر على مستوى الزمان، فقد رأينا أن القصيدة تنقسم الى مقطعين يمثل كل منهما مشاعر المتكلم في فترة من حياته، الأول في صباه، والثاني بعد عشرين عاما، غير أن أحداث السنوات العشرين ليست سوى استذكار. فزمن القصيدة لا يستغرق أكثر من يوم واحد يتم فيه استرجاع ماض بعيد. وأول عنصر زمني يظهر من عناصر يوم القصيدة هو الغروب :

    الماء في الجرار، والغروب فى الشجر

    ثم يستولي الظلام الكامل على المشهد : "أود لو عدوت في الظلام »، مع حلول الظلام يستطيع الشاعر أن يرى القمر والنجوم بوضوح (فيتكرر ورودهما). وبعد التأمل في عشرين عاما من الحياة التي لا يتردد في أن يقيسها بالدهور، يطبق الظلام مرة أخرى فيستقر الشاعر في سريره، حتى يبدأ السحر بالانبلاج :

    واليوم حين يطبق الظلام

    واستقر في السرير دون أن أنام

    وارهف الضمير دوحة الى السحر.

    هناك اذن حركتان على مستوى وجهة النظر في المكان والزمان، حركة عمودية في المكان ما بين علو وهبوط، وارتفاع وانحدار، مثلما يتضح في الانتقال من وجهة نظر عين الطائر الى راوي حبل الوريد، أو العكس. وهي حركة يمكن تمثيلها بالشكل التالي :



    وحركة أفقية مقابلة لها في الزمان، تبدأ بالتظاهر باسترجاع صور الخيال الطفلي المتمثل في العودة الى الصغر«الموت عالم غريب يفتن الصغار"، ثم الى استذكار الحاضر بعد عشرين سنة : "عشرون قد مضين كالدهور» وهي حركة تقسم القصيدة الى مقطعين. لكن هذه الثنائية الزمانية لا تتم إلا للتمويه على ثلاثية هي ثلاثية (الغروب - الليل - السحر) التي يتحرك ويشف كل منها عن وجهة نظر معينة : تعاقبية Diachronic وتزامني Synchronicوقيومية تتصف بشمول الزمن Panchronic.

    في يوم القصيدة، هناك عنصر مازال غائبا، وهو الشمس فما من شمس في القصيدة. إن التغني بالشمس الذي كتب على تمثاله :

    الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام

    يختفي من "الموت والنهر». وهذا ما يجعل أفعاله تظل محصورة في دائرة التمني الممتنع (أود لو) وغياب الشمس ذو أهمية رمزية كبيرة في شعر السياب. فهي كثيرا ما تكون قرينة بالميلاد.

    في قصيدة "مرحى غيلان" - مثل - تتحول الشمس الى بشارة ميلاد المسير واندحار الظلام :

    الموت يركض في شوارعها ويهتف : يا نيام

    هبوا فقد ولد الظلام

    وأنا المسيح، أنا السلام

    ويكتب السياب معلقا في الهامش : «كان كهنة ايزيس ينطلقون في منتصف ليلة 25/ 12 من كل عام هاتفين في شوارع الأسكندرية : لقد وضعت العذراء حملها، وقد ولدت الشمس ». وبسبب غياب الشمس عن القصيدة فإن الشاعر لا يولد، بل يعود الى الحياة وحسب. فالانتصار على الموت ليس ميلادا جديدا، بل مجرد عودة، على عكس ما يحصل في قصيدة «مرحى غيلان " :

    يا ظلي الممتد يا ميلاد عصري من جديد

    يمكننا الآن أن نرسم القصيدة بالشكل الآتي:



    الشمس هي علامة ميلاد الشاعر، وهي العنصر الأنثوي الذي ظل غائبا. في حين حضر القمر : العنصر الذكري، ومن طبيعة الأقمار في نصوص السياب الا تظهر إلا مبللة،وقد انعكست صورها المرآوية على صفحة الماء. في هذه القصيدة مثلا كان في وسع الصبي على أسرة التلال أن يرفع رأسا ليلمح القمر، لكنه أصر على الهبوط ليراه على صفحة الماء، ثم أصر أن يخوض في الماء ليتبع القمر. وقد بينت في مقالة "شعرية امرأة " أن أقمار السياب وكواكبه هي دائما صور مرآوية لأقمار تسبح في الماء. والصورة المرآوية لديه تمثل في مستواها النفسي رغبته للتماهي بالذات من خلال الآخر، أي رغبته بالتماهي مع أناه الآخرAlter Ego، في ملحمة جلجامش، يرى جلجامش شهابا ساقطا من السماء يجتمع حوله أهل أوروك، وتجعله أمه نظيرا له، ثم تفسر له حلمه بأنه نظيره وصديقه الذي سيلازمه. وفي قصة يوسف في القرآن الكريم يرى يوسف النبي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. قمر السياب من طبيعة أخرى، فهو في الماء، لا في السماء. قمره صورة مرآوية عن القمر السماوي، ومن طبيعة الصورة المرآوية أن تحتفظ بما تصوره وتبدده في وقت واحد، فهي أناه وآخره. من طبعها أن تكرر الشي ء وتحتفظ بهويته لكنها بهذا التكرار تقتله وتستقل عنه، لتكون حضورا آخر غيره. قمر السياب، إذن، يحييه ويميته. فهو ليس قمرا. خالصا، بل قمرا مائيا. وهذا ما يتطلب منا أن نقف قليلا عند رمز الماء في شعره.

    تضج القصيدة بصور السيولة التي لا حصر لها، حتى لا يكاد ينجو بيت منها من استعارات السيولة. كل شي ء ينضح او يفرق أو يخوض، أو يقترن بالماء أو الدم أو الدموع. بل يبلغ الالحاح على صور السيولة حد ان الشاعر لا يتردد في تشبيه سائل بسائل. وهذه ظاهرة كثيرة التكرار في شعره، وبخاصة في ديوان "انشودة المطر». وفي قصيدة «مرحى غيلان » المذكورة يرد المقطع التالي الذي يتضمر حوارا بين صفير وأبيه :

    "بابا.. بابا"

    أنا في قرار بويب أرقد، في فراش من رماله

    من طينه المعطور، والدم في عروقي في زلاله

    ينثال كي يهب الحياة لكل اعراق النخيل

    أن بعل أخطر في الجليل

    على المياه، أنث في الورقات روحي والثمار

    والماء يهمس بالخرير، يصل حولي بالمحار

    وأنا بويب أذوب في فرحي وأرقد في قراري.

    تبدأ المقطوعة بالانفصال عن بويب، واحتوائه للمتكلم : "أنا في قرار بويب أرقد"، وتنتهي بالانصهار به والتلاحم معه : "وأنا بويب ". والوسيط الذي يتم من خلاله هذا الانصهار هو صورة المسيح أو تموز أو بعل، لا فرق بين أحد من هؤلاء، مادام كل منهم رمزا للعود الأبدي للحي، الذي يستطيع أن يهب الحياة لكل اعراق النخيل.

    في "الموت والنهر» أيضا يتعامل الشاعر مع النهر بوصفه مقدسا:

    أشد قبضتي تحملان شوق عام

    في كل إصبع كأني أحمل النذور

    اليك من قمح ومن زهور

    ثمة صلة وثيقة بين النذور والمقدس. تحمل النذور الى المقدس في مناخ طقسي. نقرأ في قصيدة "قاريء الدم": الحاملات نذورهن الى قبور الأولياء وفي قصيدة "مدينة بلا مطر":

    وسار صغار بابل يحملون سلال صبار وفاكهة من الفخار، قربانا لعشتار المقدس، عند نساء الريف المعاصر، هو الأولياء، وعند صغار بابل، هو عشتار. والى هذا المقدس يحمل الشاعر النذور. انه يجعل النهر مقدسا، ويجعل نفسه صغيرا من صغار بابل. ومن المعروف ان الماء يرمز، في عموم التراث الانساني، الى عنصر الطبيعة الأول، ومادة الحياة الأولى. من هنا جاءت أسطورة "نبع الحياة " التي ارتوى منها الخضر والأسكندر ذوالقرنين وغيرهما. وقد وجد فيه الفيلسوف اليوناني طاليس أصل الأشياء كلها، وهي فكرة أدت الى أفكار فلسفية كثيرة.

    أما في التراث العربي الاسلامي، فكثيرا ما ترد مفردة (الماء) في القرآن الكريم بوصفها عنصر الحياة الأول :

    }وجعلنا من الماء كل شي ء حي{

    } والله خلق كل دابة من ماء {

    } وكان عرشه على الماء {

    لكن المذهل أن النصوص القرآنية لا تجمع بين الماء والحياة فحسب، بل تجمع أحيانا بين الماء والموت :

    } وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها {.

    } سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء {

    } والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها{.

    } ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله {.

    } وينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها{

    }والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا{.

    الماء، إذن، مادة الحياة ومادة الموت في الوقت نفسه، إذا ظهر على سطحه القمر، كان مادة الموت، واذا ظهرت على سطحا الشمس كان مادة الحياة. ولأن قصيدة "الموت والنهر» لا تسطع فيها الشمس ويغيب عنها عنصر الكون الأنثوي، فما من ميلاد هنا. إن السياب لا يولد من جديد، ولا يولد هنا أصلا،بل يعود الى الحياة فقط وبهذا وحده ينتصر: وأبعث الحياة. إن موتي انتصار في من يبعث الحياة ؟ أفي نفسه أم في غيره ؟ من الواضح أن بعثه للحياة في المكافحين ليس سوى أمنية يعرف أنها لا تتحقق، ولكنه، مع ذلك يصر أن موته انتصار للمكافحين والطبيعة والأشياء كلها، انتصار للحياة التي تخونه لا لشيء إلا لأنه مسيح آخر وتموز آخر، وبعل آخر.

    النهر والموت

    بويب....

    بويب ...

    أجراس برج ضاع في قرارة البحر.

    الماء في الجرار، والغروب في الشجر

    وتنضح الجرار أجراسا من المطر

    بلورها يذوب في أنين

    "بويب... يابويب !"

    فيدلهم في دمي حنين

    اليك يا بويب،

    يا نهري الحزين كالمطر.

    أود لو عدوت في الظلام

    أشد قبضتي تحملان شوق عام

    في كل إصبع، كأني أحمل النذور

    اليك، من قمح ومن زهور

    أود لو أطل من أسرة التلال

    لألمح القمر

    يخوض بين ضفتيك، يزرع الظلال

    ويملأ السلال

    بالماء والأسماك والزهر

    أود لو أخوض فيك، أتبع القمر

    وأسمع الحصى يصل منك في القرار

    صليل آلاف العصافير على الشجر.

    أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

    والسمك الساهر، هل ينام في السحر؟

    وهذه النجوم هل تظل في انتظار.

    تطعم بالحرير آلافا من الإبر؟

    وأنت يا بويب..

    أود لو غرقت فيك، ألقط المحار

    أشيد منه دار

    يضيء فيها خضرة المياه والشجر

    ما تنضح النجوم والقمر،

    وأغتدي فيك مع الجزر الى البحر!

    فالموت عالم غريب يفتن الصغار،

    وبابه الخفي كان فيك، يا بويب..

    -2-

    بويب.. يا بويب،

    عشرون قد مضين، كالدهور كل عام.

    واليوم، حين يطبق الظلام

    وأستقر في السرير دون أن أنام

    وأرهف الضمير : دوحة الى السحر

    مرهفة الغصون والطيور والثمر –

    أحس بالدماء والدموع، كالمطر

    ينضحهن العالم الحزين :

    أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين

    فيدلهم في دمي حنين

    الى رصاصة يشق ثلجها الزؤام

    أعماق صدري، كالجحيم يشعل العظام

    أود لو عدوت أعضد المكافحين

    أشك قبضتي ثم أصفع القدر

    أود لو غرقت في دمي الى القرار

    لأحمل العبء مع البشر

    وأبعث الحياة. ان موتي انتصار!
    **
    نزوى-العدد السابع
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-01-2006, 04:25 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12689

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لاهوت الوردة (Re: osama elkhawad)

    أدناه مقال عن الموت "اليماني" من خلال الشاعر اليمني الكبير:
    عبد العزيز المقالح
    بقلم الشاعر اليمني الكبير:
    محمد حسين هيثم
    ***
    التوثيق الشعري في قصيدة
    قراءة في أوراق
    الجسد العائد من الموت

    محمد حسين هيثم (كاتب من اليمن )


    --------------------------------------------------------------------------------


    ربما يوقعنا مصطلح "التوثيق الشعري" في تناقض بين عنصرين متنافرين، العلاقة بينهما ضدية، وقائمة على مبدأ الالغاء، كل منهما يلغي لآخر، وهناك ارث كبير من الشعر الذي "يوثق " وقائع واحداثا ومناسبات، ولكن لا قيمة فنية حقيقية له، ويفيد في معاينته كشاهد او وثيقة تاريخية او لغوية (1). غير اننا يجب ان نميز بين النظم الوثائقي، وهو نظم غايته تأطير الوقائع وتوثيقها تاريخيا لا اكثر وبين "التوثيق الشعري"، وهو بنية معرفية عقلية، يجري تأطيرها جماليا ضمن بنية شعرية اشمل، غديتها الامتاع الفني والجمال وتحقيق مستوى أعلى من "الشعرية ".

    والتوثيق الشعري معطى تجريبي ينشأ عن الحاجة الى المواءمة بين التاريخي والشعري، فثمة سؤال يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للقصيدة ان تمدنا بمعلومات حول موضوعها دون الاخلال ببنيتها الجمالية الفنية ؟ وهذا السؤال يقود بالضرورة الى اسئلة أخرى مثل كيف تتموضع علاقة العقلي بالجمال في القصيدة ؟ والى اي حد يمكن ان ندمج بين الشعري والتوثيقي؟

    هذه الاسئلة ليست مطروحة على الصعيد النظري فحسب، ولكنها مستمدة من واقع ازدياد النصوص الشعرية التي تتعامل مع المتغير التاريخي الذاتي او العام على اساس تجريبي(2) ويكشف هذا الازدياد ان "التوثيق الشعري" يعتبر انجازا حدا ثويا هاما يجري اختباره وترسيخه.

    ولعل من الاهمية بمكان ان نقف امام نص تجريبي، يتعاطى مع التاريخ والوقائع المعاصرة كبنية توثيقية شعرية، لنستجلي جوانبها واهميتها في البناء الشعري ككل.

    والنص هو "قراءة في اوراق الجسد العائد من الموت ". (3) للشاعر الاستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح.

    يتعاطى النص مع حدث مأساوي كبير هو اليمن في اواخر 1982م، هو الزلزال الذي وقع في منطقة ذمار، واحدث خسائر مروعة آنذاك وامتد تأثيره الى مناطق بعيدة.

    يعي الشاعر هنا خطورة المهمة الناهض بعبئها ويدرك أنها مليئة بمنزلقات وعثرات قد تودي بنصه اذا لم يتبصر موطىء قدمه، ولكنه انطلاقا من حدس شعري سليم ومن تجربة شعرية عريضة. يفتح نصه على مغامرة شعرية محسوبة يحتمها السياق، وتعتمد "التوثيق الشعري" للمواءمة بين الشعري والتاريخي، بهدف احتواء الحدث الكبير والحيلولة دون ان يحتويه الحدث.

    استراتيجية العنوان

    منذ العنوان يلعب الشاعر لعبة "التوثيق " فهو يطرح منذ البداية ان ما يقوم به هو "قراءة " وهذه اللفظة تقود الى عدد من الاحالات:-

    1- انها تفترض "قارئا يقوم بالـ "قراءة " و"مقروءا" تكون الـ"قراءة " فيه.

    2- "القارىء". خارج "المقروء"، وثمة مسافة زمنية او مكانية او نفسية بينهما.

    3-" القارىء" موضوعي ومستقل بارادته ووعيه.

    4- "المقروء" شي ء ناجز ومكتمل بذاته.

    وهذه الاحالات تنكىء عن المعرفي التوثيقي، وفعل الـ "قراءة" هو اقامة علاقة ما بين القاريء والمقروء، فالأول يسعى الى امتلاك الثاني والاكتناز به، والثاني يعمل على "ابتلاع " الاول وادماجه ضمن احداثياته، وهي علاقة جدلية بالمعنى الفلسفي ترتكز على قانون "نفي النفي"، فالقاريء بعد القراءة غيره قبلها، والمقروء بعد القراءة غيره قبلها، فقد انضاف المقروء الى القاريء، وانضاف القاريء الى المقروء.

    اذن من هو القارىء وما هو المقروء في هذا النص ؟

    في العنوان نرى لفظة "قراءة " غير معرفة بـ"ال" او بالاضافة وغير موصوفة بأي نعت، مما يجعلها قابلة للتشكل وفق طبيعة القارىء الذي يقوم بها، كما يجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات وغير مقيدة بزمان او مكان او بقارىء محدد، بمعنى انها "قراءة" القارىء، اي قارىء، في لحظة اتصاله بالمقروء.

    اما المقروء فقد تضمنه العنوان "قراءة في اوراق..." لفظة "اوراق " هنا تؤكد على السياق المعرفي -التوثيقي للنص لتوصله الى حد الهيمنة، بل وتكاد تفسد ايحاء لفظة "قراءة "المتضمنة فلفظة اوراق، فالقراءة لا تكون الا في اوراق او ما شابه، والشاعر يدرك مدى ما يمكن ان تحدثه اللفظة من فساد في السياق فيلحقها بلفظة "الجسد" ليصبح المقروء "اوراق الجسد" محدثة بذلك "فجوة / مسافة توتر"(4). فلفظة الجسد "نقلت السياق الى الشعري/ الجمالي مباشرة لتكسر النسق المعرفي - التوثيقي، ومكتنزة به في الآن نفسه، لتكسب لفظة "قراءة " طاقات ايمائية اكبر ودلالات أعمق لأن الـ"قراءة في أوراق الجسد" غير أية قراءة أخرى فهي قراءة استثنائية لأوراق استثنائية تنفتح على البايلوجي والانثروبولوجي والايديولوجي، على الطقسي والمقدس والتابو، على الجمالي والمعرفي، على الحسي والمجرد، على التاريخي والسياسي والاجتماعي والحضاري، على السري والمنتهك، على الحياة والموت، على الآني والازل، وبين كل هذه الاحتمالات وغيرها، اختارت "القراءة " ان تتخذ وجهة ما لمسعاها لكي تتسق عنوانا لما سيأتي، ومن هنا جاء ترصيف الجسد بـ"العائد"، فيكون السياق "قراءة في اوراق الجسد العائد". و" العودة " لها احالاتها وتداعياتها، وهي حركة في الزمان والمكان، تتضمن نقيضها الذي تنفيه، فكل "عودة " يسبقها "نزوح " او "خروج " او "اقتلاع" - قسري او اختياري-.

    عملية الترصيف وتوجيه الدلالة هنا جزء من التناغم بين التوثيقي والشعري، حيث يناغم السياقان في سياق واحد منذ حدوث «الفجوة / مسافة التوتر» في تعبير اوراق الجسد ويستمر معنا حتى النهاية.

    وحتى لا تحيلنا لفظة "العائد" على احتمالاتها المتعددة،وحتى يكتمل السياق التوثيقي الشعري، فان كينونة " العودة " تتحدد بانها عودة من الموت، هنا يكتمل السياق وتتحدد المسارات الاساسية للنص، وهنا ايضا تحدث هزة او توتر بالتقابل بين لفظتي (الموت ) و(الجسد) الذي يصبح هنا مرادفا للحياة فتتسع دلالاته، ويكتسب بعدا اسطوريا يحيلنا على الميثولوجيا الاغريقية، هرقل واوروفيوس (5).

    انوا قراءة للجسد في لحظةالـ" اسطرة "، في لحظة اكمال معاينة تجربة الموت، في لحظة العودة، ذلك ما يجسده استخدام اسم الفاعل "العائد" مما يعطي الـ"قراءة " طابع الاستمرارية، ويبين اهمية توثيقها شعريا، فالجسد تجاوز الموت هنا، ليتاح للقراءة ان تحيط بالتجربة من لحظة وقوعها حتى لحظة العودة منها، وفي لحظة العودة مازالت علائم النزوح المأساوي بادية على تضاريس الجسد وفي تلافيفه لتصل الى اعماقه.

    كان يمكن للشاعر ان يستغني عن لفظة "اوراق " في العنوان، لانها تبدو نافلة للوهلة الاول، ولكن بالترابط بين العنوان والنص نتبين اهميتها في السياق، حيث جاء النص - الجسد بشكل مقاطع، يمكن ان يمثل كل مقطع ورقة، وهي اوراق متناثرة متداخلة تجسد عنف التجربة وهولها، حيث يبدو الشاعر، او يوهمنا بذلك، وكأنه يعتني بتدوين كل خلجة من خلجات الجسد، ويعني بتقديمها للقارىء بطزاجتها وحرارتها، اكثر من اعتنائه بـ"تنسيق " و" تبويب "اوراقه، ولكننا نتبين انه يعتني بالاثنين معا بنفس الدرجة.

    هكذا يتسق شكل النص مع عنوانه مع التجربة المعنية.

    طبوغرافية النص

    اختار الشاعر بحنكة موقف "القراءة " ليقف خارج "الحدث " من اجل الاحاطة به والنظر اليه بشمولية، فتتسع الى أقصى حد ممكن حريته وامكانيته في اختيار زاوية او زوايا تعاطيه مع "الحدث " وفي تحديد طبوغرافية النص.

    ولان الشاعر غير المؤرخ الذي يقوم بتسجل كل المعلومات والمعطيات المتاحة، فانه بعد عملية مراكمة المعلومات والملاحظات وهي لا تحصى حول حدث كبير مثل الزلزال، يقوم بعملية غربلة وفرز وانتقاء وتوزيع لها، وهنا تبرز ذاتية الشاعر بما يخدم رؤيته او غرضه الجمالي.

    يتكون النص من مقطع استهلالي، وستة مقاطع مرقمة، وبعبارة أخرى من ورقة استهلالية وست أوراق مرقمة من 1-6من "اوراق الجسد" بحسب العنوان، وعلينا ان نلاحظ هنا اننا امام سبعة مقاطع او سبع اوراق.

    ويتكون النص ايضا من مقاطع موزونة ومقاطع منثورة، وثمة فواصل بينها حيث تأتي الاخيرة مؤطرة داخل اقواس، وهنا