" /> />

مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي

حفل دعم الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبري بالفنان عمر احساس
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 21-09-2018, 00:31 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة من اقوالهم
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-11-2010, 07:55 AM

هشام مدنى

تاريخ التسجيل: 08-08-2004
مجموع المشاركات: 6667

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي (Re: يسرى معتصم)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الباب الأول

    المذكرات الأولى: الهارب

    بقلم الشريف حسين الهندي



    لم يكن صباح الرابع والعشرين من مايو مختلفا عن غيره ؛ كان البيت مكتظا بالنائمين وبالداخلين إليه قبل هاتف الفجر.. ودوَّى أذان الصلاة فيه وسوَّى الناس صفوفهم ، ولست مبالغا إذا قلت إن المصلِّين فيه ، كانوا أكثر عددا من المصلِّين في الجامع الكبـير؛ وتحاملت على نفسي لأنهض، فلم أكن قد حضرت إلا قبل ساعتين ، ولم أجد إلا سريرا بلا مرتبة ، كوَّمت نفسي عليه . وعلى أي حال .. فقد كنت أسعد حالا من الذين افترشوا البلاط والنجيلة والكراسي ؛ وكنت قد تعودت على هذا المنظـر ، فلم يعد يزعجني في شيء ؛ وحتى الشرطة عجزت عن حراسة منزلي ، فتركَته مفتوحا ، يلجه كل من لم يجد له مأوى في الهزيع الأخير من الليل . ولا غرابة فقد كان وزيرا متخلفا في بلد متخلف ؛ يعتقد أهله أن وزيرهم : " لا ينام ولا يأكل الطعام ؛ وأن من حقهم عليه أن يحولوا بينه وبين كل ذلك ، وأن يقابلوهـ فرادى ومئات .. أنَّى شاءوا ؛ و الويل له إذا عبس وتولى ، أو توارى واعتذر ..

    وبنفس ملابسي التي أمضيت بها النهار ، وتكوَّمت بها على سرير الحديد .. نهضت ؛ ورأسي يدور إجهادا ، وجسدي لا يكاد يحملني ؛ ولن يصدقني أحد طبعا إذا قلت أنني لم أتناول غدائي ولا طعام عشائي ؛ وبقيت في مكتبي بوزارة المالية حتى الثالثة صباحا ؛ وليس هناك إفطار في منزلي لأتناوله ؛ وإن كان موجودا فلا سبيل إليه . وهرعت على عجل للعربة ، فقد كنت على موعد في الحقل في شمال الجزيرة ، ولو تأخرت دقائق لكان خروجي من منزلي في مرتبة المستحيلات ؛ ولبقيت كالعادة كل يوم ، إلى أن أقابل مئتي شخص أو يزيدون .. وأسمع وأتجاوب وأستجيب مع مجموعاتهم كلها .

    وانطلق السائق ، وهو ينظر إلى في إشفاق ورثاء ، يمزجهما أسى وحزن وحسرة ؛ فبقدر ما عمل مع العديد من الوزراء ، لم ير وزيرا مكدودا منكودا مطـارَدا مثلي ؛ ولم ير" نُزُلاً " مثل منزلي ، وكان يردد ذلك دائما ، وهو يمُطُّ شفتيه ، ويصفِّق بيد على الأخرى في عجب وضيق ..

    وردَّت لي نسائم الفجر بعضا من فكري ، فسرحت أفكر في أحداث اليوم السابق والعربة تسرع صوب الجزيرة الخضراء ، تذكرت اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب ، وهي تبحث في مستقبل الحكم ؛ واسترجعت كلامي لهم – كلامي الذي أزعج أحلام البعض ، واعتبره الآخرون حديثا انصرافيا – وقصدت به إخافتهم وإيقاظهم من أحلام اليقظة في لذة الانفراد بالحكم : " إنكم تتكلمون عن الانفراد بالحكم ، وأنا أحذركم من ضياع الديموقراطية .. فإني أعلم أن …" . وسـردتُّ ما كان لديَّ من معلومات تفصـيلية . وردَّ على زميلي الموكل بالحفاظ على أمن الديموقراطية وحكمها ؛ في ثقة يشوبها الاستعلاء والغرور: " فليطمئن السيد وزير المالية ، فنحن نعلم ونراقب " .. وسمعت لحظتها همسة أراد صاحبها أن تسمع : " إنه يريد أن يخيفنا " !!!

    وجلست وقد بلَّغت ؛ وكنت في نفس النهار قد ذهبت إلى السيد رئيس الوزراء ووزير الدفاع ، وأخبـرته : أن المناورات بالذخيرة الحيَّة في (خـور عمر) بالدبابات .. أمر ممنوع ، منذ محاولة انقلاب (كبيدة) في عهد عبد الله خليل ؛ وأن زيارة "بُلك" المظلات بأسلحتهم للمناورة بالدبابات ، بدعوى أنهم مدعوون لليلة سمر هناك ، ما هي إلا لتكملة الانقلاب بإضافة المظليين من المشاة للدبابات . وذكرت له مصدر أخباري - وهو أحد سفراء السودان الآن - وكان عضوا في جماعة .. " الضباط الأحرار" ؛ وعن اجتماعهم الذي رفضوا فيه الانقلاب بأغلبية ساحقة ، وعن إصرار قِّلة منهم عليه . وأن هذه القلة هي التي خرجت بالدبابات للمناورة ، وبالمظلات .. بأسلحتها للزيادة .

    وبنفس الثقة التي يصرِّف بها رئيس الوزراء كثيرا من الأمور، صرف مخاوفي على أنها هواجس ؛ ثم رجعت إليه بعد ساعات معي العميد حسن فحل ، وكنا قد التقينا ووثِقنا أن معلوماتنا متطابقة ؛ فهرعنا إليه . هذه المرة جاملنا رئيس الوزراء فاتصل بآخر من يعلم : قائده العام ؛ فاستمهله ثم رد عليه بأن : "ما تقوله أضغاث أحلام " .. وأشار السيد رئيس الوزراء إلى حذائه قائلا لنا : " أنهم لا يستطيعون قلب حذائي هذا " ؛ وحدَّقنا فيه .. ثم في الحذاء وانصرفنا …

    وبعد شهور علِمنا أن الذي سأله القائد العام ، قبل أن يرد على رئيس الوزراء ، كان .. الرائد مأمون عوض أبو زيد ؛ المسؤول الرابع في الاستخبارات العسكرية . وكان كل المسؤولين قبله في إجازة ؛ وكان هو أكبر الرؤوس التي خططت للانقلاب ؛ والمسؤول الوحيد الباقي في الاستخبارات العسكرية ، بعد سفر كل رؤسائه في إجازاتهم ..

    وفكرت في أن أطلب من السائق الرجوع ؛ ولكن ما الذي سأفعله ‍‍ ؟ خصوصا وقد رجعت نفس المساء لمنزل السيد رئيس الوزراء ، وأخبرته بما وصلني : " أن العقيد جعفر نميري بالخرطوم منذ أيام " ؛ وأنه في إجازة محلية ترك بعدها عمله في "جبـيت " ، وأمضى أياما في " القضارف " ، برئاسة القيادة الشرقية .. ثم أياما " بشندي " ، برئاسة القيادة الشمالية .. وأنه منذ حضوره إلى الخرطوم ، فهو دائم التردد على القيادات العسكرية : كحامية الخرطوم ، وسلاح المدرعات ، وسلاح المهندسين وغيرها ؛ وأن هناك اجتماعات تعقد في منزله ، يحضرها فاروق حمدنا الله الرائد بالمعاش ؛ وصديقه كمال رمضان المحامي المعروف الاتجاه .

    وسردت كثيرا من التفاصـيل؛ فترك حديثي الممِل، ومال إلى داؤود عبد اللطيف ، وحديثه الشيِّق المليء بالنكات ، المنغَّم بعالي الضحكات . فانصرفت للمرة الثالثة ذلك اليوم ، وسردت معلوماتي للهيئة البرلمانية واللجنة التنفيذية ، وسط مئتين من الأعضاء . فلم يكن حظي مع وزير الأمن ، بأكثر من حظي مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع . وكانت مخاوفي قد زادت ، عندما طلبت الخارجية سفر حوالي ثلاثين ضابطا ، في إحدى مراحل مفاوضاتنا لصفقة الأسلحة الروسية ، وكان العدد مريبا وكبيرا ، فرفضت بحجة شح الموارد المالية . ولم ينقضِ يوم حتى أخطرتنا الخارجية ، بأن كل العدد سيسافر ويستضاف ، على حساب وزارة الدفاع السوفيتية ؛ وكان فيهم أكثر من عشرة قواد أسلحة ؛ وكان الذين بدأوا المفاوضات وأكملوها ، موظف من المالية ، مع ضابط واحد فقط من الدفاع ؛ وسافر كل هؤلاء بموافقة وزارة الدفاع والخارجية ، قبل يوم واحد من الانقلاب ، أو على وجه التحديد ، عشية يوم الانقلاب ، وقبله بثلاث ساعات فقط ...

    إذا أضيف لذلك الجو السياسي السائد وقتها ؛ اتفاق جناحي حزب الأمة – الاتفاق أن يكون السـيد الصادق المهدي رئيسا للوزراء .. وإلى الأبد . واستقالة رئيس الوزراء ؛ ومحاولة الحزب الاتحادي الديموقراطي في الانفراد بالحكم ؛ وسفر السيد الإمام الهادي المهدي إلى الجزيرة (أبا) ؛ ورفضنا قرار مجلس الأمن رقم 242 ؛ وزيارة حسن صبري الخولي ، لإقناعنا بالعدول عن رفضنا .. وإصرارنا على الرفض ، كان على أساس عدم المساس بالقضية الفلسطينية ؛ وتمسكنا بقرارات مؤتمر القمة العربية بالخرطوم ؛ والعلاقات المقطوعة مع أمريكا و ألمانيا ، وقبلها مع بريطانيا ؛ والقضية الدستورية في حل الجمعية التأسيسية، وتدخل بعض الضباط في ذلك؛ وقضية حل الحزب الشيوعي ، وموقف بعض القضاة منها؛ وتطَلّع الجميع للحكم المقبل، ومعركة رئاسة الجمهورية ؛ وإهمال الأغلبية للحكم الحالي وأمنه وأدائه ؛ ومرض رئيس الوزراء الخطير، ونصيحة الأطباء له ، وإشفاقنا عليه .. رغم شجاعته ومحاولته الاستمرار؛ ومقالات أحمد سليمان عن وجوب تدخل الجيش في السياسة ، والسكوت .. بل الرضاء عليها من البعض ؛ والتسيب وعدم المبالاة في أغلبية الوزارات ، وإلقاء العبء كله على قِلَّة تقِلُّ عن أصابع اليد الواحدة . كل هذا .. إرهاصات ونُذر؛ إذا أضيف إليها النشاط الظاهر والمستتر ، في عدد من السفارات المعروفة ‍‍. كان الجو كله ينذر ببداية أحداث كبيرة وكانت هناك قوى في الداخل والخارج تخطط لها؛ وكانت هناك أموال تصرف؛ وكان هناك نشاط ملحوظ في بعض الدوائر العسكرية ؛ وكانت الصحافة - بتوجيه من البعض - تستعمل كل حرياتها لزيادة التوتر، واستفحال الانفجار..

    مع هذا فلم أرجع ، وقد يكون لرجوعي إذا فعلت ، أثر على الأحداث ؛ رغم أني كنت وحدي أهتم وأتابع وأعمل ؛ وفَعَلَت فيَّ ظروف الإعياء المتواصل ، وتداعي الموقف السياسي ، والانفعالات النفسية .. فعلها . ماذا لو تم انقلاب قام به ضباط وطنيون بقيادة وطنية ؟ قد يكون قادرا على التغيير الذي كنا نسعى إليه ، ونطلبه ولا نستطيعه .. أليس هو قطاعا من قطاعات الشعب السوداني ؟ وماذا لو أدى دوره ؟ وأنا شخصيا .. ألم أصل حالة الانهيار ؟ وأسقط مغشيا على ثلاث مرات .. وظللت أعمل إثنتين وعشرين ساعة ؟ مع هذا فلم أستطع إلا تغييرا ضئيلا ؟ وما هي مقدرتي على الاستمرار في التصفيق بيد واحدة ؛ أوَلاَ أُأَذِّن في مالطة ؟؟

    وقبل أسابيع استدعِيت للقصر، وقابلت الدكتور وصفي ؛ وكان الرئيس متعبا في قلبه ؛ وقال لي د. وصـفي إنه قال - قبل أن تعتوره إغماءة بسيطة :

    " استدع الشريف وحده وأخبره " .

    وجلست بجانبه وقلبي تعصره مخالب من حديد ؛ والدنيا كلها قد اسوَدَّت في قلـبي وناظِرَيَّ ؛ وتذكرت قوله لاثنين من زملائي أمامي عاتبا :

    " لا تستغربوا إذا سقطت بينكم " ..

    ومن يومها حاولت أن أضم الزحف الكبير، الذي يتجه إلى الأزهري كل صباح ، إلى الزحف الذي يتجه نحوي ؛ وكلا الزحفين يبتدئان .. من الغفير والجنايني والزيات ، إلى أستاذ الجامعة ؛ وحسب الطريقة السودانية ، وحسـب التقاليد السائدة ، فعليك أن تستقبل الكل بكل الاحترام مهما طال الوقت ، وبكل الانتباه ؛ ثم تجاوب وتستجيب . وعليك بعد ذلك أن تعمل للدولة ، وعلى حساب نومك وأكلك ، وكل ما يتبع ذلك .. ولا عذر! فلقد كنت أرتدي ملابس الخروج كل يوم في الحمام ؛ ومع هذا يمتلئ حتى الحمام بالناس !

    إلى متى سيستمر ذلك ؟ وماذا لو جاء إلى السلطة ، قطاع من الجيش نظيف ووطني ومتجانس ؟ ألن يكون ذلك قادرا على أداء التغيير وإحداثه ؟ إذاً لماذا الرجوع ؟

    وأعترِف أني ضعفت ... على الأقل إذا حدث ، فأستطيع أن آكل ، وأنا الآن يتفضل على بعض الأصدقاء بالأكل ؛ وأستطيع أن أنام ، وأنا الآن لا أطمع فيه ؛ وأستطيع أن أرتاح ، وقد تراكمت على السنين وأنا أجري بلا نهاية ؛ ما الذي سأفقده ؟ لقد دخلت هذا الحكم غنيا فافتقرت ، وصحيحا فمرضت ، وقارئا فانقطعت عن القراءة ! وصرفت نفسي بصعوبة عن هذا التفكير الشخصي الأناني ..

    كلمات محجوب في احتفال وحدة حزب الأمة ؛ ظلت تدوي في أُذنَيَّ: " خير لكم أن تتفقوا ضدنا ، من أن تختلفوا علينا " .. وترى ما الذي يقصد ؟ أهي مجرد محسِّنات لفظية ، هو مولع بها ومبدع فيها ؟ أم هي تحمل معاني ومحاذير أكثر من ذلك ؟ وقطع عليَّ سبل التفكير .. توقف العربة ، ووقوفها أمام أول حواشة في أول مكتب من مكاتب شمال غرب الجزيرة ؛ وترجَّلت ..

    واستمرت عمليات اللقيط طوال اليوم ، إلى أن جاوزنا قرية (طابت) ؛ وكان عبء الإصلاح الزراعي ألقِيَ على عاتقي في يوليو؛ وكان المحصول يبشِّر بنتائج باهرة ؛ وأرضه مليئة بالحشائش ولم يجنِه بعضهم ..

    بعد التاسعة مساء ، كنت على موعد مع الأخ سِيد احمد عبد الهادي ، ووجدت معه أمير الصاوي وحسين حمو، أكبر مسؤولي الأمن ؛ وكانت مواعيد طوافي على الفرق والثكنات قد فاتت ؛ ولبثت مرهقا لا أستطيع لها سبيلا؛ وألغيت مواعيد الأخ سيد احمد مع السيد محمد عثمان ليلها .. حول مشاكل تأليف الوزارة .

    وحوالي الحادية عشرة استأذنت ؛ وقرب منزل السيد الصادق انتابتني سِنة من النوم ؛ مردها الإرهاق البدني والفكري والعصبي ؛ وخرجت العربة من الطريق ، وكادت تقتحم منزل السيد الصادق . وهنا استيقظت وعدلت مسارها ؛ وأدركت .. أنني بحالتي هذه ، لن أدرك منزلي سالما ؛ فاتجهت إلى استراحة الجزيرة على بعد أمتار؛ وكنت أتخذ منها بديلا لمحاولة العمل . وقابلني عم رجب بوجهه البشوش الشجاع ؛ وفي عينيه عتابه المكبوت لي ؛ وفي فمه نصائحه المتكررة، بمحاولة الاحتفاظ بما بقِيَ من صحتي. ودخلت بكامل ملابسي واستلقيت على سـرير في الفرندا؛ وكان هذا .. لتمضي ساعتان من النوم ، وسببا لعدم اعتقالي ذلك اليوم .

    لم تمض ساعة أو بعض الساعة ، وأنا مستغرق في إغفاءة قلقة ، هي أقرب إلى الإغماء منها إلى النوم الهادئ العميق ؛ حتى استيقظت على صوت ضربات عالية على باب الغرفة المغلق . وكنت متعودا على طرقات آخر الليل ، وزيارات طارق الليل الذي يتصيد الأوقات ، ليحكي مشاكله في هدوء ، ويحاول أن يجد لها حلولا . والأوقات هذه معروفة ، عند الذين يعرفون ساعات الانقضاض ، على سياسي من المسؤولين أمثالي ؛ عند الفجر أو الظهر- عند الغداء أو القيلولة - أو الهزيع الأخير من الليل .. وهنا يحلو لهم الجو بدون الزحمة .

    وسألت الطارق في صوت ضعيف منهك: " من هذا؟ " ؛ وأجاب في انفعال يشوبه قلق وتوجّس ، أثار انتباهي:" أنا! وأرجو تقابلني لأمر هام "؛ واسترسلت وأنا أحاول مغالبة الوهن والإنهاك: " ألا يستطيع هذا الأمر أن ينتظر للصباح" ؟ قلتها في رجاء وتوسّل. وردَّ في صراحة وإصرار: " لا يمكن أن ينتظر دقيقة واحدة؛ هو أمر خطير لا يتعلق بشخصي" .

    وتثاقلت وفتحت الباب ؛ وكان الطارق شخصا مخلصا وفيَّا ، قليل التردد عديم المطالب ؛ ولم ينتظر بل انفجر: " هناك حركة غريبة في الشوارع ؛ الجيش نزل .. كنت في منزل عرس بالمقرن ، وفي طريقي تابعت سيارات من الجيش تملأ الطرقات " ...

    ولم أكن محتاجا لكثير من الشرح والتفصيل .. وأدركت الأمر في لحظة ؛ فقد كنت أتوقعه . واتجهت إلى سروالي والقميص ؛ ولم تمض دقيقة حتى تبعته إلى الخارج ، وأنا أحمل مفتاح عربتي الصغيرة ؛ وفي صمت دخلت العربة . فأوقفني وطلب مني الدخـول لعربته ؛ واتجهنا إلى منزل السيد رئيس الوزراء على بعد دقائق ؛ ووصلناه وجنود المظلات ينزلون من سياراتهم ويفتشون رجل البوليس .. ويقتلونه . وطلبت من صديقي مواصلة السير إلى القيادة العامة .. فوجدت أنها قد احتلَّت ؛ وأمامها ثلاث مدرعات .

    ثم انطلقنا عبر كوبري النيل الأزرق إلى الخرطوم بحري ، صوب سلاح الإشارة ؛ وأُوقِفنا في الكوبري . وذهبنا صوب معسكر الشجرة ، ووجدنا أن المدرعات والانقلابيين قد سبقونا ، ولم يبق إلا سلاح المهندسين . وكان الجنود قد قاموا بحراسة الكوبري ؛ وقابلتنا السيارات وهى راجعة . أدركت بعد هذه الزيارات السريعة ، أن المرحلة الأولى من الانقلاب قد تمت ؛ فقررت أن أختفي بعض الوقت ، حتى أحدد التحرك المقبل .

    كنت أعلم أن الانقلاب إذا تجاوز المرحلة الأولى ، وتمتع بعنصر المباغتة ، فإنه سيبقى ويوطد أقدامه ؛ وكان هذا هو الذي حدث ؛ وبقيَ أن أفكر في طـريقة مقاومته في وقت آخر لاحق ؛ وذهبت إلى مخبأ مأمون لا يخطر على بال أحد ، لكي أستطيع التفكير . لكن .. إذا كنت قد تمكنت من دخول أي قيادة واسـتنفرتها ، كان يمكن أن نقاوم الانقلاب وربما نقضي عليه ؛ ولكن الصديق رغم اهتمامه ، كان قد وصل إليَّ متأخرا ؛ ليس أكثر من ساعة واحدة فقط ، ولكنها كانت ساعة فاصلة .

    حاولت من المخبأ، العثور على سيارة ، تنقلني إلى شندي أو القضارف ؛ وكانت هذه آخر فرصي لمقاومته ، قبل أن يستجمع أنفاسه ؛ ولكنها السـاعة الواحدة ، ولم يبق بعد ذلك إلا مواجهته ؛ وأصبح الصبح .. فإذا الدبابات تحيط بكل الأمكنة ؛ وخرجت مستترا .

    كان الجنود قِلَّة وجددَاً، يظهر عليهم الاستهتار؛ وكان عددهم ليس كبيرا، يجلسون على الأرض بجانب مدرعاتهم . وكان من الممكن لأي قوة تملك خمسين مدربا بأسلحتهم ، أن تقضي عليهم ؛ وكان من الواضح أنهم لا يدرون خطورة ما أقدموا عليه ؛ وكان ممكنا أن ينقضوا عليه نفسه ؛ إذ أنهم كانوا محنَّطين وكسالى وفاقدي الحماس ؛ وليس لديهم قناعة بما يضحون من أجله. وكنت مدركا أن مثل هذه الأنظمة إذا وطدت أقدامها، وكلما طال بها الزمن ، صنعت لها ركائز ، وانضم إليها آخرون ورسخت أقدامها ؛ ولم يكن ممكنا جمع خمسين شخصا مسلحين آنذاك ، وكانوا كافين لهزيمتهم .

    فبقيت في دار صديقي – كهربائي الطيران – أضرب أخماسا بأسداس؛ وساعات تمر كلها مكرَّسة لحماية الانقلاب؛ وتلا نميرى بيانه من الإذاعة ، وتساءلت مع نفسي : " لِمَ لا نعطيهم الفرصة ليجرِّبوا ؟ فقد يكونون أقدر على مواجهة الموقف ؟ " …

    إن بيانه لم يثر في نفسي شيئا جديدا ، ولم يزد في حماسي لإحباط الانقلاب … بيان عادي لم أعتقد أنه موعَز به من جهة ، أو أنه مستورَد ؛ ربما مجرد شهوة الحكم لكل من يحمل السلاح والناس عُزَّل .. أوكل من يسبق بائع اللبن والناس نيام .

    إذا كان ذلك قطاعا وطنيا، أراد أن يجرِّب حظه وعضلاته ، فليكن . فهذا .. أصبح عمل الجيوش في العالم الثالث ، تشغل بها فراغها المستمر ؛ فهي لا يمكن أن تحبس نشاطها داخل الثكنات ، إلى أن تقوم الحرب ؛ ومتى تقوم ؟ لا يمكن لمن درِّب على القتال - وأعطِيَ السـلاح - أن يحترم مدنيين مثلنا ، لا يستطيعون استعمال السكين ؛ ويظل يحرسهم وهم وزراء وحكام ، بفضل سلاحه .. منطق معوَج ! لماذا يحرس مدنيَّا مثلي ، وهو الذي يحمل السلاح ؟ فيكون هو حارسا وأكون أنا حاكما ووزيرا !

    لقد فطن الأمريكان لهذا منذ مدة .. وكانت سياستهم أن الجيوش في البلدان المتخلفة ، أقوى تنظيما وأكثر ضبطا وربطا ، من المؤسسات السياسية الهشة الحديثة ؛ زيادة على أنها مشبعة بالأيديولوجية الغربية بحكم تدريبها . إذاً فهي أولى بالحكم، وأقدر على تنفيذ السياسات والمخططات الغربية؛ وإرغام الناس عليها بحد السلاح ؛ وأن البلدان المتخلفة لا تستحق الديموقراطية . ولذا .. فإن الجيوش يجب أن تخلف الاستعمار، الذي سارع بالرحيل - حسب تفكيرهم - سابقا لأوانه. فالديموقراطية لأوروبا، وليس لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أو السودان. وهكذا .. ومنذ عهد حسني الزعيم ، كانوا وراء حمى الانقلابات التي سادت العالم الثالث ؛ وكانوا هم الكتَّاب لكل بيان .. لهم الديموقراطية والرفاهية ، ولنا القهر والفقر .

    ولقد دخلنا قبل ذلك في الحلقة ، وكنا نعتقد أننا قد أخذنا كفايتنا منها ؛ وأن شعبنا قد برهن ، أنه لا يمكن أن يكون كبقية الدّمى التي تحَرَّك من غرفة بعيدة في البنتاجون؛ ولكن قد نكون .. قد انتكسنا ، أو ضعفنا ، أو خرجنا عن الطاعة ، فحق علينا العقاب ؛ فليكن ضابط من الجيش الوطني - قطاع من قطاعات الشعب السوداني - أراد أو أريد له أن يجرِّب .. فليكن ؛ فقد يستطيع التغيير؛ وقد تخيِّل له نفسه أشياء ، فليجرِّب فشعبنا جبار؛ وحزبنا ليس مثل كل بقية الأحزاب الليبرالية ؛ التي تهاوت في المنطقة العربية والأفريقية واللاتينية ؛ فالديمقراطية في دمائنا ، ولن تزول .. إلى أن نسكب آخر قطرة من هذه الدماء .

    كان هذا هو شعوري عند تلاوة البيان الأول لنميري ؛ وأقنعت نفسي ألاَّ داعيَ للقلق ؛ فقد كنت متوقعا ذلك متوجِّسا منه ، فلم أفاجأ كثيرا ولم أهتز ؛ وجاء البيان الثاني من بابكر عوض الله - رئيس الوزراء ؛ وحفظت كلماته .. كلمة كلمة ؛ وتمعنت في وزارته من 10 وزراء : أي ثلاثة أرباع المجلس شيوعيون - أغلبهم أعضاء في اللجنة المركزية ؛ ومنهم متعاطفون ورفقاء درب ؛ وواحد أو اثنين ، من الضعفاء الواقفين على السياج ؛ المستطعِمين في كل مائدة ؛ الراقصين على أي نغم .

    وهنا اختلفت نظرتي .. لا يمكن أن نرضى بهذا ؛ ليس هذا هو الجيش السوداني .. حِفنة منه أرادت بسلاح الشعب وبقوة الجيش وعنفه ، أن تحكم أقلية على كل الناس ؛ وأن تفرض آيديولوجية بقوة السلاح ، عجزت أن تفرض نفسها بالقبول والرضى والمنطق ؛ وأرادت أن تحتمي وراء قوة الجيش .. وتسميها ثورة ؛ وبطشه .. وتسميه عنفا ثوريا . تحارب كل وجهات النظر وتفرض واحدا منها ؛ هي أقلية الأقليات ، وتعتنقها كآيديولوجية ؛ وترغم الناس - كل الناس - على اعتناقها بقوة البندقية ؛ تحِل كل الأحزاب السياسية ، وتفرض واحدا منها ، تحت ستار الثورة ، وبحماية القوات المسلحة .

    وتذكرت فقرة في خطاب رئيس الوزراء ، هي قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 ؛ وتذكرت رفضنا له ، وزيارة حسن صبري الخولي لإقناعنا ورفضنا الإقناع ؛ وتمسكنا بعدم المساس بالقضية الفلسطينية .. إذاً ليست هذه هي القوات المسلحة الوطنية ، وليست هذه انتفاضتها .

    إن أصابع الخارج واضحة وملموسة ؛ هو انقلاب مستورد يحمي نظرية مستوردة ؛ ويخدم أغراضا مستوردة ؛ ويفرض آيديولوجية مستوردة ، ويحكم أقلية أممية ؛ ويتسربل بشعارات مستوردة .. إذاً فالذي ذهب ، ليس هو الحكم أو النظام ، ولاحتى الديموقراطية ؛ بل هو الذاتية السـودانية ، والكيان والهوية الوطنية ، والاستقلال نفسه .. والذي أتى ليس هو الجيش، وإرادة التغيير والحكم المستقر؛ بل هو مِسخ مستورد ، مفروض بقوة السلاح ؛ يحمي الأفكار الخارجية ، وشعارات أجنبية ، ووجودا دخيلا وآيديولوجية مفروضة ؛ تسندها أسِنَّة الرماح .

    لقد أصبح وأصبحنا .. مستعمَرين ، وكنا أحرارا ؛ وصرنا عبيدا .. وكنا أسيادا طلقاء . فارقنا الاستقلال .. وعانقنا استعمارا جديدا ، بوجه حديث ؛ هو أنكى وأقسى من الاستعمار الذي طردناه .

    وسَـرَت في جسدي قوى غلابة، انحسر معها الوهم والضعف الذي كان يلازمني؛ وتلاشت حالة اللامبالاة .. وحلت محلها قوة جبارة، ملأت جسدي وروحي وعقلي؛ وغمرني إحساس بالتحدي، سَرَى كالإعصار في حواسي ، وملأ كل جوارحي ؛ تضاءلت بجانبه العواطف الحزبية ، وسمت المشاعر الوطنية . والولاء الحزبي .. هو طريق المواطنة في بلد مستقل ، ليخدم أهله اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وبما أنه لم يعد هناك وطن مستقل ، فلا محل للولاء الحزبي ؛ إذ أنه إذا كان صادقا ، يترك فراغه لتملأه الروح الوطنية ، لتكافح لإعادة الوطن السليب المستعمَر ، حتى تكون أرضه خصبة للعقائد الحزبية .

    وقررت وحدي - إذ لم يكن بجانبي زميل أو صديق - أن أقاوم هذا الخطر بكل قواي ؛ حتى ولو بأظـافري وأسناني ؛ وأن أحتفظ بولائي الحزبي نظيفا، ولكن بعيدا لأكافح - مع من يستطيع - لاستعادة الحرية والاستقلال لوطننا . وكانت هذه هي قناعتي وأسبقيَّتي الأولى ؛ وكان منطلقها هو: أن الولاء الحزبي ، هو استمرار للولاء الوطني ، وتعميق وإثراء له؛ وإذا تداعى الوطن .. فهو الأولى والأسبق والأحق بالكفاح من أجله؛ وعندها قررت أن أحتفظ بحريَّتي كاملة ، حتى أستعمل كل ثانية منها لرد هذا الخطر الداهم ، الذي يهدد كياننا وذاتيتنا .

    وكان الحفاظ على الحرية من أجل الخلاص الوطني ، عملية صعبة امتلأت بالتحدي والمغامرات ، والتعب والعرق والدم والدموع ؛ استمرت وأنا داخل السودان .. ستة أشهر؛ ولا تزال مليئة بالمعارك والخوف والقلق والثبات والصمود . والسودانيون لا يؤمنون بالتمتع بالحرية من أجل الكفاح ، بل يفضلون أن يقدم الإنسان نفسه للسجن ، وطاقاته للحبس ، دليلا على الشجاعة والفداء . ورفضت هذا المنطق !! إذ كيف أقدم نفسي كالحَمَل ، لكي أسجَن مع طاقاتي ، وأحرم نفسي وبلدي من مساهمتي في تحريرها ، وأقدم يديَّ خائفا ومختارا للحبس ؟

    على المعلوم التقليدي، إن هذا هو.. أرقى مراتب الشجاعة والفداء ؛ وتقاليد القبول بالسجن من سلطة غير شرعية ، وتسليم المناضل نفسه لها لكي تسجنه ، وتشل إمكانياته ، كان .. حتى ذلك الوقت ، دليل الشجاعة .. وتجسيد الثبات . وخرقت هذا التقليد وانتهكته ، واستعملت الأسلوب الحديث على وعلى السودان .. وهو: أن احتفاظي بحرِيَّتي ، هو بداية المعركة لاستعادة حرية الآخرين ؛ وفي ذلك تهون كل التضحيات .

    وتحملت النكات والصور الكاريكاتيرية، وهمس الناس ولمزهم، والأغاني والدوبيت؛ وحتى نكاية الصحف والناس .. وأصبح لقبي (الشريف الهارب) ، فما أجمله وألذه من نداء .

    استمرت اللعبة بيني وبين الحكومة ، بكل قوات جيشها وشرطتها وسجونها وأمنها ، وكل خبرات حلفائها المحليين والعالميين . وكانت حديث مختلف طبقات الشعب السوداني ومتابعته ؛ وعجزت الحكـومة مع كل هذه الإمكانات، في أن تضع يدها على رجل واحد لا حول له ولا قوة. وفي الوهلة الأولى جندت الحكومة كل طاقاتها ، كأنما تقول إن (الشريف الهارب) ، إذا لم يقبض عليه ، فلن يكون للنظام استقرار ولا راحة ؛ فلم تنم ولم تتركني أنام .

    وكان هذا هو الشيء الوحيد ، الذي صدق فيه حدسها وصح استنتاجها ، ولمدة تسع سنوات ؛ فلو كانت قد ألقت يدها على ، لاستراحت في كثير من الذي حدث ؛ ولعلها تحاول الآن ولكن بوسائل أخرى . وكلنا يعرف الآخر، وكلنا يقظ وفطن . ويساورني مرات كثيرة ، الشك فيما أقوله ، فيما غير هزيمة السلطة ، في معركة حرِّيَّتى الشخصية ؛ فقد كانت الرؤية المستقبلية كلها ، ركاما من الظلمات بعضها فوق بعض ؛ ولم يكن هناك وقت لتخطيط واضح ، في كيفية مصارعة النظام وإسقاطه ... وفي بعض المرات، كنت أسائل نفسي .. ولماذا ؟

    وبالنسبة إليَّ شخصيا ، ألم أكن مطاردا مثل هذه المطاردة طوال أربع وعشرين ساعة ؟ لقد كنت وزيرا ، فهل كانت لي سلطة الوزير ، وهيبة الوزير ، وراحة الوزير ، وأكل الوزير ، ومسكن الوزير ، وملبس الوزير ؟ ألم أكن أكثر الناس إجهادا ، وأقلهم تغذية ، وأتعسهم نوما ؟ وألم أكن مطاردا بمثل هذا العدد من المواطنين ، في المنزل والمكتب وحتى الطريق ؟ حتى اضطررت لمواصلة العمل الوزاري ، بعد العاشرة مساء ، وحتى تباشير الفجر؟ وكم مرة سقطت ؟ ويومها فحصني الطبيب .. ثم فحص بدقة أكثر، ثم ابتسم وقال- ورنة صوته يغالبها التهَكّم المكبوت: " إنه سـوء تغذية ؛ إنه جائع " ..

    ولعلى أول وزير في تاريخ الحكم والحكام ، كان مرضه أنه جائع . ويومها ، " اعتقلني " الرئيس الأزهري في القصر الجمهوري ، وأمر بمواصلة تغذيتي ؛ وكان يرد على المستفسرين المشفقين بلهجته الواقعية الحانية : " إن الشريف ليس مريضا .. إنه جائع " ؛ ثم يردف ذلك بضحكته التي تبعث السرور وتشيعه على الحضور .

    وفي مساء يوم ما، حضر إليَّ ( م ) ، وكان أحد ملازمي الإمام الهادي المقربين ، موضع السر ومحل الثقة ؛ وهمس في أذني : " يقول لك الإمام ، إذا بللت رأسك للحلاقة ، فاحْـلِقه عندي في الجزيرة (أبا) .

    كانت صلتي بالإمام الهادي قوية وثابتة ، لم يؤثر عليها مرور عشرات السنين ؛ ولا عبور العديد من المشاكل ؛ ولا اختلاف الانتماءات السياسية . وكان تقديري لصفاته الخلقية ، ولدينه ووطنيته واستقامته وأمانته ووفائه ، وليدة التجربة المستمرة والمعايشة الدائمة ، منذ أن كنا أطفالا ؛ وكان يكبرني ببضع سنوات .. ولم تكن وليدة الاسم ولا اللقب ولا الأسرة ؛ بل هي ثمرة التجربة الطويلة المتواصلة والاختبار اليومي ، في صِغار الأمور وفي كِبارها .. خلق بيننا ثقة متبادلة ومحبة متواصلة .

    وكنت أعرف أنه المتدين ليس بالوراثة ، والأمين ليس بالأسرَة ، والوفيَّ بغير اللقب ، والشجاع لا بالولادة ؛ بل بالمعدن والأصل والطبع والخلق . وكنت أعيش مشاكله وآلامه ، وآماله ومثله وقيمه كما لم يعشها ؛ ولم يعرفها أقرب الناس إليه من أفراد أسرته . وأستطيع أن أؤكد بالأمس واليوم وغداً ، أنه منذ الإمام المهدي وإلى اليوم ، لم تلتحم جماهير الأنصار بشخص ، أيقظ فيها نفس الشحنة الدينية التي صنعت (المهدية) ، ولم يعاشر الأنصار من يقاربه تدينا والتحاما بهم ، واقترابا بمشاعرهم مثله ؛ وليس بذلك غرابة .. فقد كان تدينه الفطري ، واستقامته الغريزية ، وامتزاجه بالبسطاء الطيبين - رهبان الليل وفرسان النهار- المتهجدين آن السحر ، والمتواجدين لدى "راتب الفجر" ، التاركين متاع الدنيا ، وملذاتها وصغائرها وراءهم ، والمستقبلين رضاء الله ؛ الساهرين في سبيل مرضاته ، الخبيرين بلقائه ، والمستبشرين برضائه ؛ والباذلين النفس والنفيس في نصرة دينه . كان هؤلاء هم أحب البشر إليه ، مما جعله مثلا لفرسان عصور الإسلام الزاهرة، وبقية السلف الصالح، الذي انقرض منذ عهود غابرة .

    وكنت مستودَعا لأدق أسراره ، وشريكا أصيلا وفيَّاً له في مساره ؛ ولذلك .. فلم استغرب رسالته ، بل أسرعت لتلبيتها لأقف بجانبه ؛ وحتى لأموت دونه أو معه ، وبلادنا تمتَحَن في دينها وكرامتها واستقلالها ؛ فأنا أعرف مشاعره وتصرفاته ، ومواجهته لمثل هذه الامتحانات القومية المصـيرية ..

    وسرَحت بعيدا بفكري ، والسيارة تلتهم الطريق المليء بالحواجز والحراسات ؛ سرَحت بعيدا سنينا طويلة ؛ ومر أمامي شريط التاريخ يطوي السنين القهقرى ؛ تذكرت الإمام المهدي وهجرته في (قدير) …

    وتذكرت جدي الشريف محمد الأمين الهندي ، وهو يعلم أبناء المسلمين القرآن في الرهد ؛ وقد شارف سِنّه المائة عام ؛ وتذكرت وضعه الاجتماعي يومها ، إذ كان والدي يذكِّرني بذلك كلما رآني مزهوَّاً بردائي الأفرنجي ، وأنا قادم في العطلة من كلية فيكتوريا بالإسكندرية ، قائلا :

    " من أنت؟ ومن الذي تعتقد أنك وارثه.. جاها أو مالا ؟ ألا تعلم أن جدك كان يغالط من معه ، أهــذا قرش أو(تعريفة) طـوال اليوم؟ وهو لا يعلم الفــرق بينهما؛ أتعتقد أنك حـفيد الأغنياء، أو وارثا لأهل طريـقة صــوفية؟ ماأنتم إلا حفــدة فقـراء.. كل مجدهم هو تعليم القرآن، وإشعال ناره" ... في(مرنات) - بجوار شلال السبلوقة ؛ إلى (نوارة) بالدندر وإلى الرهــد ... " وكل مالديكم.. ولدى الله والناس، هو تعليم القرآن"! ثم يصمت وعلى وجهه الصبوح الأشيب، يتلون الأسى بالغضب ويردف: " كل مخلوق يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أوينصرانه ". وكنت قبل أن أذهب لكلية فيكتوريا، قد حفظت القرآن تلاوة وتجويدا .

    وكان واجبي أن أقعد على ركبتيَّ وأرتِّله له كل فجر؛ ولم أكن قد تجاوزت التاسعة وقتها ؛ وكان والدي أتعس الناس عندما ذهبت للتعليم المدني ، ولكنه فعل ذلك مرضاة لخالي الذي كان يعِزّه ، وللإمام عبد الرحمن المهدي ، وهو يقول تأسيا بقول الرسول (ص) : " فليفعلوا ما أرادوا ، فإنهم أهل بدر" .

    وذهبت مع ابنه الإمام الهادي ؛ وتولَّى (عطر الله ثراه ، وجعل قبره روضة من رياض الجنة) رعايتي والانفاق على تعليمي ؛ وكنت أحد أبنائه ، أحضر اجتماعات الأسرة ؛ وكان يضع يده على رأسي …

    ويقول : " الله يبارك لك في ذكائك يا حسين " ..

    وكنت صريحا معه على صِغَر سِنِّي؛

    فكنت أسأله : " هل هناك ذكاء مبارك، وآخر غير مبارك؟"؛ وكان يطرق …

    ويقول : " نعم " !

    وهكذا أمضيت طفولتي وصدر شبابي ، قريبا منه .. أكثر من أغلب أبنائه ؛ وكاد يزوِّجني لولا حدوث مشاكل ، أسرية وشللية من بعض الأقارب ؛ هي التي أخَّرَت زواجي ثلاثين سنة ؛ وأنا على قَسَم .. ألا أتزوج مدى الحياة . وترتَّب على ذلك مشاكل عاطفية ، لا تزال آثارها محل المعاناة ، ولا داعي لسرد تفاصيلها ؛ ولنرجع إلى التاريخ القديم .

    وحمل جدي جرابه وجسده لا يكاد يحمله ، وبقي مع الإمام المهدي شهورا في الهجرة ؛ وعندما حان وقت الهجوم على (الأبيض) ، تزود ببضع كسرات من العيش المحروق ، وتقدم مع الإمام المـهدي ؛ وحاول الإمام المهدي أن يثنيه ويرجعه ، ولكنه - ورجلاه لا تحملانه - كان يقابل ذلك بالرفض والإصرار عليه ؛ حتى قال له الإمام المهدي : " أنا لا أستطيع أن أتركك ، ولكن سرعتنا هذه تعطل زحف الجيش ، وقد يستفيد منها الأعداء أرجوك أن ترجع وأجرك هو أجر المجاهد ، وأن تسأل لنا الله النصر؛ فبيدك اسم الله الأعظم ، وسر السلاح " .. وهنا فقط ، رجع جدي والحسرة والألم يقطعان نياط قلبه ؛ ولم تمض أيام حتى لبى نداء ربه .

    وتذكرت عمي الشريف على، مهاجما لسنار حتى فتحت – وهي آخر قلعة من قلاع الاستعمار – واستشهد هناك، وقبره لا يزال في قرية (الشريف) .. بجوار (الخزان) ؛ وجاء دور أبي وكان في الخامسة عشرة؛ وقاد جيشــا للرباط في (المتمة) - على الحدود الشرقية للسودان - وظل يقاتل سنينا حتى استولى (كتشنر) على أم درمان . ثم رجع وهو يقاتل (الشفتة) وقاطعي الطريق ؛ حتى استقر في شرق النيل وغربه : في قرية (الربوة) . ثم استمر في الدعوة وتجميع الناس ، حتى اعتقل في قرية (ودالعباس) ؛ وحمل بالباخرة إلى سجن (كوبر) ، حيث بقي عدة سنوات . ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية بعدها في الخرطوم ، ثم في (بُرِّي) من ضواحي الخرطوم ، غرب النيل - وظل فيها متفرغا للدعوة ، ولم يُسمح له بالرجوع إلى موطنه حتى مات .

    وكتبت شلة من علماء ذلك الزمن ، عريضة وقَّعوا عليها .. مطالبين بإعدامه ، على أساس أنه يحضِّر لإحياء " الفتنة "؛ ولم يوقع على العريضة إلا (الشيخ ود البدوي) من أربعين عالما . وكان (سلاطين) وقتها ، مفتشا عاما ونائبا عن (ونجت) – الحاكم العام الذي كان غائبا – وجرت بينه وبين والدي المقابلة الطريفة الآتية، عندما أحضِر والدي له .. وهو مكبل بالأغلال :

    " أتريد أن تصير مهديا يا ود الهندي ، ولم تكن إلا أميرا صغير السن والمقام ؟ " . وردَّ والدي عليه : " إن الله على كل شيء قدير يا شويطين ! فلقد كنت مؤذنا لنا وأصبحت الآن مفتشا عامـا وكنت مسلما فكفرت بأنعم الله ! وسيذيقك الله لباس الجوع والخوف " .

    وكان (سلاطين) - الذي هرب ودبر حملة استرجاع السودان ورجع معها - على وشك تنفيذ حكم الإعدام ؛ وجاء (ونجت) فخشي من آثاره .. فبدله إلى السجن . وظل والدي وصلاته بالإنجليز تحيطها الشكوك ومظاهر العداء . وقطع أسلاك التليفون- التي كانت تربطه بهم . وظل يجمع الصافنات من الجياد ، وسيوف المعارك الشهيرة ؛ ويكتب تاريخ السودان . ولم يدعَ إلا مرة واحدة لحفل (التشريفة) ، الذي كان يقام في المساء ؛ وحان - وقتها - ميعاد صلاة المغرب ؛ فخرج من منضدة الحفل وأذَّن لصلاة المغرب ؛ وانفرط عقد المدعوين أثناء تلاوة الحاكم العام لخطابه ، وأمهم للصلاة . ومن يومها شطب من كشف المدعوين للتشريفة .

    وكنت أقضي أيام العطلة ، وأنا أقرأ له الكتب طوال اليوم .. في مكتبته (العربية الإسلامية) الضخمة ؛ إذ كانت عيناه قد ضعـفتا . وأكتب له ما يُملي عليَّ من التاريخ ؛ إذ كانت أصبعاه قد تقرَّحتا ، حتى كان يربطهما بالشاش؛ وعاش بجسده بيننا ، في سرير خشبي لا كساء له ؛ وروحه تهيم وتعيش في الدعوة الإسلامية وفي دولتها ؛ وهو يردد أناشيدها ، ويجمع أدبها وروائع معاركها؛ حتى رأى قبسا من نور في دعوة مؤتمر الخريجين ؛ فأهداهم منزله الذي أصبح نادياً لهم ، وولدت فيه دعوة المؤتمر، ويوم السودان ، ويوم التعليم ، والمذكرة التاريخية التي رفعها المؤتمرون للسكرتير الإداري ، وحزب الأشقاء ... ونادي الخريجين الذي كان ولا يزال : (شيخ الأندية) .

    لابد أني سرحت طويلا ؛ ولكن للحق وللتاريخ ، فقد كنت سارحا طوال رحلتي ، للدرجة التي لم أعِر فيها إنتباها طويلا ، لتبادل متعدد لإطلاق النار بين زملائي ، وبين بعض حراس الحواجز. لقد شدَّني التاريخ حتى أصمَّ أذنَيَّ عن سماع أزيز الرصاص ؛ وحتى أزال مني مظاهر الخوف من الخطر؛ وشعرت أن رحلتي هذه .. فيها تشابه كبير لماضي تاريخ بلادنا ؛ تمر بنفس الظروف التي كانت تمر بها قبل اندلاع الثورة المهدية .. حكم الاستعمار الثنائي أو المثلث ؛ ما كنت أتصوره وأجزم بحدوثه : من جوع ومن قهر اقتصادي وحكم بوليسي ؛ ما كنت أعلمه: من تدهور أخلاقي لا محـالة حادث - مثل زواج الرجل بالرجل في (الأبيض) - ما كنت أحس به : من ضرورة تجمع كل القوى للدفاع عن مقدسات وطننا وكياناته ؛ وعن حقوق الإنسـان فيه ؛ ما أشبه من أن تصبح هكذا على مر العصور؛ إرثا لكل السودانيين وليس عقارا لأسرة ، ولا ضياعا لطائفة . وما كان أكبرها وأعظمها لو ظلت كذلك !! ولو لم يشوهها المعتدون لقيادتها ، فيجعلون منها معسكرات للمليشيات ، ترجع ثمنا للمساومة ، وتبقى سلاحا للتمديد ، انتظارا لمساومة قادمة أخرى .

    ما أعمق الجرح الذي يوغر صدورنا ، والذي لن يندمل أبدا .. ونحن نرى اليوم البيانات الكاذبة توزع ؛ مدعية زورا وبهتانا أننا نشتم الأنصار ونحقِّرهم !! نحن الذين نعرف روابط الكفاح ، في التاريخ القديم والحديث ؛ نحن وقود الثورة الأولى والثانية ؛ نحن الذين ربط بيننا الإمام المهدي ، وهو يقود ثورة قومية ووطنية ضد الاستعمار؛ ثم ربط بيننا أخيرا إمام آخر .. هو صورة وأصل من الإمام الأول ، في دفاعه عن الدين والوطن ؛ ثم هو أخيرا لا آخرا ، يعرف أقدار الرجال ؛ ويمنعه دينه ، وتعصـمه وطنيته ، من الارتماء في أحضان الاستعمار، قديما كان أو جديدا ؛ ثم هو يجمع ولا يفرق ، ويقرب ولا يبعد ، ويوطد ولا يبدد . ثم هو واضح وضوح الشمس ماض مضاء السيف ، يمنعه خلقه ودينه من اتباع أسلوب الهمس في الغرف المغلقة ، والحسابات النقدية للربح والخسارة ، والجري وراء الطموح المجنون للسلطة ، في أمور تخص وطنه - كل وطنه ومواطنيه ، جميع مواطنيه . ولا يقبل لنفسه ولا تاريخه ، أن يضع شخصه وأطماعه وطموحاته في كفة ، وفي الكفة الأخرى مستقبل وطنه ، ومقوماته واستقلاله وكرامة مواطنيه .

    هل يمكن أن توكل لرجل مثل هذا ، مقدسات الخلاص الوطني صلحا أم حربا ؟ أو تترك له مقدرات شعب ، ومستقبله وأجياله الحالية والمقبلة ، حتى يقيسها على نفسه ، مثلما يقيس أي شخص ملابسه وأحذيته ؟ وهل الرجال الذين صنعوا الثورات من أسلافه ، كانوا بهذا الخلق ؟ وهل كانوا سينجحون في هذه الثورات وفي قيادة الرجال ؟ لو كانت منطلقاتهم شخصية وأنانية ومصلحية وحسابية ؟

    وجذبني أحد الزملاء من ورائي، واسترجعني من غياهب التاريخ ومجاليه : الزاهية الرائعة .. مرة واحدة .. قفزا فوق الحقب ؛ إلى واقع الحاضر بكل مجابهاته وتحدياته . وكنا في مدخل الجزيرة (أبا) ، واستوقفنا الحاجز الأول . ليس هناك فرق بين الحواجز ، ولكن الأولى كانت تموج بالرداء العسكري ، وتفوح منها روائح التسلط والقهر ؛ وعلى وجوه رجالها معالم الاحتقار للناس ، ونوازع تخويفهم وإذلالهم . أما هذا الحاجز فوراءه رجال على وجوههم صرامة الحق وسماحة الدين ، ورداؤهم مدني .

    وتوالت الحواجز وتجاوزناها؛ ودخلنا منازل الضيافة .. وكانت تموج بكل مطارد بلا جريرة، مطلوب بلا جريمة ، هارب بدينه ووطنيته إلى البقعة الوحيدة في السودان ، التي كان فيها المواطن السوداني يتمتع بحريته ، ويطوف على الجميع وهو آمن .. يحملون الأكل والشرب والأمن والحماية .

    لو لم يكن للجزيرة (أبا) دور في التاريخ ، غير أنها كانت مأوى لكل مواطن شريف ، لا جريرة له إلا أنه ليس من المجرمين، ولا من مرتادي السجون؛ ومع ذلك فهو لا يحس بالأمن إلا إذا دخل الجزيرة(أبا)، وقابله أهلها مرحبين:" أدخلوها بسلام آمين " ؛ ومن دخل الجزيرة (أبا) ، فهو آمـن .. لكفاها هذا الدور في التاريخ - التاريخ الذي أظلت فيه أحرار الرجال وأعراضهم وعقائدهم ؛ وأحاطتهم بحماية من دماء أبنائها من الأنصار .

    ونار الضيافة لا تنطفئ فيها ليل نهار ؛ ويقوم بالخدمة فيها على كل من احتمى ، آلاف الرجال والنساء ؛ ويخرج من منازلها عشرات الآلاف من أواني الأكل والشرب ملأى ؛ وتفرش فيها آلاف الأسِرَّة ؛ وتجد فيها وحدها - دون كل أرض السودان - بشاشة السودانيين وأخلاق السودانيين؛ ودينهم وكرمهم وإيثارهم على أنفسهم، ولو كانت بهم خصاصة .

    سوف يسجل التاريخ أنه لقرابة عام كامل ، كانت الجزيرة (أبا) هي السودان .. كما نعرفه ونحبه وننتمي إليه؛ وبقي كل السودان غريبا عنا .. الأحرار فيه هم السجناء ، والمجرمون فيه هم الطلقاء ؛ ليس فيه مكان لأبنائه المخلصين البررة ؛ وأصبح البقاء فيه احتواءا جغرافياً ، وليس انتماءا وجدانياً وعاطفياً . وبقيت الجزيرة (أبا) .. إمامها البطل .. أنصارها المخلصون البواسل .. نساؤها ، أطفالها ، شيبها ، شبابها .. هم كل السودان ، وكل ما يمثل أهل السودان ، من نبل وكرم وشهامة وحماية .

    بقيت هكذا .. ولجأ إليها واحتمى بها كل مقهور؛ فلم يسئ إليه أحد ؛ ولم يعبس في وجهه أحد ؛ ولم يبت فيها أحد على الطوى ؛ ولم تمتد إليه يد السلطة الغاشمة المستبدة . بقيت هكذا حتى تجمعت ضدها كل قوى الشر والعدوان ، ودافع أهلها عنها دفاع الأبطال . وأساطير شجاعتها مشاعل للتاريخ ؛ كافحت العدوان في البحر والجو والبر؛ ومن قوَى تفوقها عدداً أضعافا مضاعفة ؛ ومن عدة دول لا دولة واحدة .

    وسأكتب في مذكراتي ، عن معركة (الجزيرة أبا) ؛ ويومها سيتضح لكل من يعلم : أنها إحدى ملاحم الصمود والشجاعة التي قَلَّ أن يسجل التاريخ مثلها. والذي أريد أن أسجله هنا .. أنه يوم فتحت الجزيرة (أبا) ، لم تســقط هي ؛ بل سقط كل السودان .. بتاريخه ودينه وخلقه وقيمه ؛ فلقد ظلت هي السودان مكبراً ومصغراً ، صامدة عاماً كاملاً ؛ في داخلها السودان كله : المؤمن الوطني المسلم ؛ وفي خارجها جسم غريب لا ينتمي للســودان ، ولا لأهـله ، ولا لكل ما يمثلون من أخلاقيات بشيء .

    توقفت في الخارج مدة من الزمن ، أتأمل في اللاجئين من النظام ، من مختلف الاتجاهات ؛ وأتأمل في الحركة الدائبة لخدمتهم . وفي هذه اللحظة وصل السيد/ الإمام الهادي ، إلى الجانب في دار الضيافة ، الذي كنت أجلس فيه . تقدم إلى كعادته يطأ الثرى متمهلا ، والبِشر والبشاشة ينضحان من وجهه ، الذي يتألق بنور من الهدى والتقوى ؛ والابتسامة المخلصة الوضاءة الوقورة ، تسابق يده الممدودة في مودة لمعانقتي .

    كان هادئا وعاديا على غير ما يقتضي الموقف ؛ وكنت أتوقع ذلك منه ، فلقد شاهدته وشاركته ، في مواقف عديدة عصيبة وشائكة ، مثل هذه 





    http://mash-had.org/To_My_Country_And_To_History_Alhaareb.htm
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

العنوان الكاتب Date
مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي يسرى معتصم07-11-10, 00:40 AM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي أحمد الشايقي07-11-10, 09:05 AM
    Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي ايمان بدر الدين08-11-10, 04:46 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى08-11-10, 05:30 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى08-11-10, 05:35 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى08-11-10, 05:43 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى08-11-10, 05:46 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى08-11-10, 09:01 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى09-11-10, 07:44 AM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى09-11-10, 07:55 AM
    Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي رغيم عثمان رغيم الحسن09-11-10, 09:12 AM
      Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي بكرى ابوبكر10-11-10, 05:34 AM
        Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي بكرى ابوبكر10-11-10, 05:39 AM
          Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي بكرى ابوبكر10-11-10, 05:41 AM
            Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي بكرى ابوبكر10-11-10, 05:42 AM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى11-11-10, 12:17 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى13-11-10, 03:52 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى13-11-10, 03:55 PM
  Re: مـن أقـوالهـم / الشـريف حـسـين الهـندي هشام مدنى13-11-10, 04:03 PM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de