خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته

كسلا الوريفة يحاصرها الموت
الوضع في كسلا يحتاج وقفتنا
مواطنة من كسلا توضح حقيقة الوضع في المدينة و اسباب وباء الشكنغونيا حمي الكنكشة - فيديو
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 24-09-2018, 04:10 PM الصفحة الرئيسية

مكتبة عمر محمد أحمد عبد الله هواري(Omer Abdalla)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
18-01-2007, 06:49 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته


    1. التوحيد: إطار التوجيه ونموذج الإرشاد
    تقوم دعوة الأستاذ محمود محمد طه، على تقديم الاسلام، كمدنية جديدة، تنفخ الروح، في الحضارة الغربية السائدة.. ودعوته تقوم على بعث أصول القرآن، التي كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، وهذا يشكل عنده مفهوم السنة النبوية.. والدعوة في جملتها، تقوم على تقديم الاسلام كتتويج لجميع رسالات السماء، منذ أن بدأت تلك الرسالات.. فالإسلام، كرسالة سماوية، للبشر، مشروع بدأ، بآدم عليه السلام، وختمت نبوته بمحمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. ولكن رسالته لم تكتمل!! وإنما ينتظر لها أن تكتمل، في هذه الدورة، من دورات الحياة، بالرسالة "الأحمدية"، والتي ما هي إلا سنة النبي الكريم، أو أصول القرآن، كما سبق أن أشرنا..
    فالإسلام، من حيث التحقيق، مشروع، ليس لكماله نهاية، وإنما كماله في السرمد.. كذلك الإنسان، هو عند الأستاذ محمود، مشروع، ليس لكماله نهاية لأن كماله في السرمد..ولذلك الدعوة لتحقيق الإسلام، هي دعوة لتحقيق إنسانية الإنسان، والتي ما جاء الإسلام إلا من أجل تحقيقها، وهي، هي، خلافة الإنسان لله، في الأرض، الوارد ذكرها في القرآن.. ودعوة الأستاذ محمود، تقوم على أن موعد تحقيق الإسلام، في مستوى تحقيق، إنسانية الإنسان قد أظل، واكتملت شروطه المادية، ولم يبق إلا الأذن الإلهي به!!
    والخطاب، بالدعوة، في مستوى العقيدة للمسلمين، واضح وبسيط جدا.. هو خطاب يقوم على الدعوة لبعث السنة، بتقليد النبي الكريم في عبادته، وفي ما يطاق من عادته.. فالأستاذ محمود يدعو المسلمين، ومن ورائهم الإنسانية جمعاء، الى "طريق محمد" عليه السلام.. وقد صدر كتاب بهذا الاسم، يوجز الدعوة، وقد صدرت طبعته الأولى في مارس 1966 وشعار الكتاب: "بتقليد محمد، تتوحد الأمة، ويتجدد دينها" .. فليس هنالك، رجل، هو من الكمال بحيث يستحق أن يتبع، في وقتنا الحاضر، سوى النبي صلى الله عليه وسلم.. ولا يوجد رجل، ولا يمكن أن يوجد رجل، يمكن للمسلمين أن يجمعوا على اتباعه، سوى النبي محمد عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، ولذلك ربطت البشارة النبوية، ببعث الإسلام ببعث السنة.. ومما جاء، في كتاب "طريق محمد"، قوله: "طريق محمد هو الطريق، لأنه طريق (المحبة) الخصبة، الخلاقة.. قال العزيز الحكيم عنه: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)..
    بطريق محمد أصبح الدين منهاج سلوك به تساس الحياة لترقى الدرجات نحو الحياة الكاملة.. حياة الفكر، وحياةالشعور.."
    وقد قام الكتاب بتقديم تعريف بمحمد عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، وعرض نموذجا موجزا لمنهجه، يمكن أن يغني السالكين، حتى تنفتح لهم آفاق الحقيقة المحمدية.. ومما جاء في الكتاب عن التبشير بالإسلام قوله: " فالإسلام عائد، ما في ذلك أدنى ريب.. وستصحب عودته الغرابة، كما صحبت بدءه.. وما ذاك إلا لأن عودته ستكون عن طريق بعث ((لا إله إلا الله)) من جديد، قوية، خلاقة، في صدور الرجال، والنساء، كأول العهد بها - باختلاف واحد، هو أن عمود التوحيد ستكون له قمة جديدة، أعلى مما كانت عليه في العهد الأول، وذلك أمر يقتضيه حكم الوقت الحاضر، كما يقتضيه محض الفضل الإلهي، المَحْكِي في الآية الكريمة: ((كل يوم هو في شأن))".. وجاء في خاتمة الكتاب قوله: "ثم أما بعد، فإن هذه دعوة إلى الله، داعيها محمد، وهاديها محمد.. وهي دعوة وجبت الاستجابة لها أمس وتجب الاستجابة لها اليوم، كما وجبت أمس، وبقدر أكبر، إذ الحجة بها اليوم ألزم منها بالأمس. ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) وإلا فلا.
    يا أهل القرآن، لستم على شئ، حتى تقيموا القرآن. وإقامة القرآن كإقامة الصلاة، علم، وعمل بمقتضى العلم. وأول الأمر في الاقامتين، اتباع بإحسان، وبتجويد لعمل المعصوم.. أقام الله القرآن، وأقام الصلاة، وهدى إلى ذلك البصائر والأبصار، إنه سميع مجيب"
    ويقول في متن الكتاب: "إن دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله.".. فالدعوة إذن بشارة، بدولة القرآن التي تهيأت البشرية لها.. وعن الربط بين القرآن، وبين محمد صلى الله عليه وسلم، جاء من أقوال الأستاذ مانصه: "أمران مقترنان ، ليس وراءهما مبتغى لمبتغٍ ، و ليس دونهما بلاغ لطالب: القرآن ، و حياة محمد..
    أما القرآن فهو مفتاح الخلود .. و أما حياة محمد فهي مفتاح القرآن .. فمن قلد محمداً، تقليداً واعياً ، فهم مغاليق القرآن .. ومن فهم مغاليق القرآن حررعقله، وقلبه، من أسر الأوهام .. و من كان حر العقل ، و القلب ، دخل الخلود من أبوابه السبعة .
    ويجب التمييز بين حياة محمد، وحديث محمد .. فأما حياته فهي السمت الذي لزمه في عاداته، وفي عباداته، من لدن بعثه، وإلى أن لحق بربه .. وأما حديثه فضربان، فما كان منه متعلقاً بسمت حياته في عاداته، و في عباداته، فهو منها، ولاحق بها .. و ما كان منه مراداً به إلى تنظيم حياة الجماعة التي بعث فيها، فهو لم يصدر عنه إلا بإعتباره إمام المسلمين، يشرع لهم من الدين ما يلائم حاجتهم الحاضرة، وما يستقيم مع مستواهم العقلي، والمادي والإجتماعي .. ولو قد فعل غير ذلك لشق عليهم، ولأعنتهم، ولأرهقهم إرهاقاً .. وما قام من تشريع حول حياة محمد فهو ليس بالشريعة الإسلامية، و إنما هو سنة النبي، و هو لا يزال صالحاً، في جملته وفي تفصيله، لأن النفس البشرية لا تزال، في وقتنا الحاضر بحاجة إليه، ولم تشب عن طوقه.
    وما قام من تشريع حول حديث محمد (الذي أراد به إلى تنظيم حياة الجماعة) فهو الشريعة الإسلامية، و هو خاضع لسنة التطور ـ سنة الدثور، و التجديد ـ لأن المجموعة البشرية قد ترقت أكثر مما ترقت النفس البشرية، و قد استجدت لها أمور تحتاج إلى تشريع جديد، يستوعبها، و يحيط بها جميعاً .. هذا التشريع موجود في القرآن، و لكنه مكنون، مصون، مضنون به على غير أهله .. فمن سره أن يكون من أهله فليقلد محمداً في منهاج حياته، تقليداً واعياً، مع الثقة التامة بأنه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية، تجعل حياته مطابقة لروح القرآن، و شخصيته متأثرة بشخصية أعظم رجل، و تعيد وحدة الفكر، والعمل، في وجوده ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية، و ذاته الروحية كلاً واحداً، متسقاً، قادراً عل التوحيد بين المظاهر المختلفة في الحياة..
    أمران مقترنان: القرآن، وحياة محمد، هما السر في أمرين مقترنين: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" لا يستقيم الأخيران إلا بالأولين" ..
    ولإكمال، بيان منهج طريق (محمد) صدر كتاب( تعلموا كيف تصلون).. الذي كانت طبعته الأولى قد صدرت في مايو 1972م
    ونحن بدأنا الحديث هنا، بالتوحيد، كإطار للتوجيه ونموذج للإرشاد، لاعتبارين أساسيين، أولهما: أن التوحيد هو أساس الدين، وثانيهما: أن الحضارة البشرية اليوم، لا تتجسد في شئ، مثل ما تتجسد في في الحاجة إلى إطار للتوجيه مغاير لإطار التوجيه السائد، والذي تقوم عليه الحضارة الغربية السائدة اليوم.. و(التوحيد) كما يقدمه الأستاذ محمود محمد طه في دعوته للإسلام، هو وحده، دون غيره، ما يصلح للاستجابة لتحديات الواقع الحضاري، ويملك القدرة على حل مشكلاته، فيوجه الحضارة الوجهة، التي تحل مشكلات الإنسان المعاصر، وتستجيب لتطلعاته، وأشواقه.. وهذا ما سنعمل على بيانه.


    نواصل ...

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 19-01-2007, 02:16 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 07:01 AM

Masoud

تاريخ التسجيل: 11-08-2005
مجموع المشاركات: 1591

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    والله هذه أوضح و أشمل خلاصة كتبت عن فكر الأستاذ....هذه دلالة على أن كاتبها قد جود ما عليه في تلمذته لأستاذه .نعم الأستاذ ونعم التلميذ!!!
    ِالجمد لله الذي وهبنا خالد ليمرقنا من الخمج حول الفكرة !!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 07:18 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أزمة الحضارة، أزمة إطار:
    إن ما تحتاجه البشرية، اليوم، بصورة أساسية، هو إطار توجيه، ونموذج إرشاد، كلي، وشامل، تقيم عليه تصورها الأساسي للكون، وللحياة، وتسترشد به، في جميع نشاطاتها الفكرية، والحياتية، وفق أهداف وغايات كلية، تقوم على طبيعة الوجود، وعلى الطبيعة البشرية، وهذا أمر تهيأت البشرية له، بالحاجة إليه، والطاقة به، لأول مرة في تاريخها، بفضل الله، ثم بفضل التطور الهائل، الذي حققته الحضارة الغربية السائدة.. والسمة الأساسية، لإطار التوجيه المنشود، هي (الوحدة)، التي تعطي إطارا مشتركا لجميع الخلائق، بله البشر، وتجعل التمايز الفردي ممكنا، وفعالا، في إثراء الحياة البشرية، ثم هو لا يستوجب تمييزا، لا في أصل الطبيعة، ولا في إطار القانون عند البشر.. وقد أصبح الشعور بالوحدة، في المجال (الكوزمولجي) مشعورا به بشدة، نتيجة للتطور العلمي، الذي رد كل صور المادة إلى الطاقة، ورد كل الكون المادي، إلى بداية واحدة مشتركة، وأصل واحد مشترك، كما تشير الى ذلك (نظرية الانفجار العظيم).. كما أن هنالك، في مجالات العلم المادي التجريبي شعور قوي، بأن هنالك قانون واحد يحكم الكون كله، والبحث جاري عن معرفة هذا القانون، أو النظرية التي تفسر كل شئ (نظرية كل شئ).. كما أن المحاولات الجادة جارية، في الربط والتوحيد، بين القوى الأربعة: الجاذبيبة، والكهرومغنطيسية، والذرية القوية، والذرية الضعيفة.. أما على مستوى البشر، فإن الوحدة على مستوى الكوكب الأرضي، قد تحققت جغرافيا، بصورة تكاد تلقي الزمان، والمكان، وهذه الوحدة تطالب بمظاهرها في الجوانب الإنسانية المختلفة.. وما (العولمة) إلا استجابة الحضارة الغربية، لمقتضيات هذه الوحدة، وتعبر عنها في في إطار قيم هذه الحضارة، وإطار التوجيه فيها.. ولكن (العولمة) كاستجابة لتحديات (الوحدة)، محاولة فاشلة، وقاصرة أشد القصور.. ولأن التصور يرجع الى طبيعة الإطار المرجعي لهذه الحضارة، فمن المستحيل أن تفضي الحضارة الغربية إلى الوحدة المنشودة، دون أن يكون هنالك تغيير أساسي فيها، وفي إطارها التوجيهي بالذات.. وهذا ما سنناقشه، في مرحلة لاحقة.. وما نقرره هنا كقضية جوهرية، بالنسبة للخلل، في جوهر إطار التوجيه للحضارة الغربية هو: على الرغم من أن الحضارة الغربية نفسها، وعن طريق العلم المادي التجريبي، توصلت إلى أن المادة، كما تظهر لحواسنا، ليست هي أصل الكون، بل هي غير موجودة أساسا، إلا بالنسبة لخداع حواسنا، وما هي في الحقيقة إلا مظهر لشئ وراءها هو (الطاقة)، على الرغم من ذلك، لا زالت الحضارة في جوهرها، حضارة مادية!! هي مادية في تصورها لطبيعة الكون، وللإنسان، وللحياة.. فالمادية، تشكل جوهر الإطار المرجعي لهذه الحضارة.. وهذا إطار لم يعد يصلح لتوجيه الواقع الحضاري الجديد الذي نعيشه اليوم، فلا بد من إطار مرجعي جديد، يتجاوز هذا الإطار، دون أن يلغي الجوانب الإيجابية فيه، وذلك بوضع المادية في إطارها، كمظهر، وكوسيلة، لما ورائها.
    وأهم ما هو مطلوب، من الإطار المرجعي الجديد، أن يؤديه، هو أن يعطي الوجود معنى كليا، ويعطي الحياة، معنى كليا، وهدفا كليا.. فغياب المعنى الكلي والهدف الكلي، هو أساس أزمة الحضارة القائمة، وهو ينعكس على كل شئ في حياة الإنسان، ويحد من قيمة أي نشاط حياتي، أو فكري.. فإذا كانت الأهداف غير محددة تحديدا، واضحا، ولا يوجد تمييز واضح بين ما هو غاية، وما هو وسيلة، لابد للحياة البشرية، وللفكر البشري، أن يكون مضطربا.. وهذا هو حال الواقع الحضاري القائم.
    كل الناس، يشعرون، بمشكلة غياب المعنى، في حياتهم، على تفاوت بينهم في ذلك.. ولكن الأذكياء، من أبناء الحضارة، عبروا عن الأزمة، وحددوها بوضوح.. ونحن نورد هنا أقوال بعض هؤلآء، على سبيل المثال.. فمثلا الكاتب، والمحلل النفسي، الأمريكي إريك فروم، قال في هذا الإطار:"لم يقترب الإنسان في يوم ما من تحقيق أعز أمانيه، مثلما اقترب اليوم.. فكشوفنا العلمية، وانجازاتنا التقنية تمكننا من أن نرى رأي العين اليوم الذي تمد فيه المائدة لكل من يشتهون الطعام.. اليوم الذي يؤلف فيه الجنس البشري مجتمعا موحدا، فلا نعود نعيش في كيانات منفصلة، وقد اقتضى الأمر آلاف السنين حتى تفتحت على- هذا النحو- ملكات الإنسان الذهنية، وقدرته النامية على تنظيم المجتمع وتركيز طاقاته، تركيزا هادفا. وهكذا خلق الإنسان عالما جديدا له قوانينه الخاصة ومصيره. فإذا نظر الى ما أبدعه حق له أن يقول أن هذا الذي أبدعه، شئ حسن".. ويواصل ليقول: "ولكن ماذا يقول إذا نظر الى نفسه؟ هل اقترب من تحقيق حلم آخر للبشر، هو كمال "الإنسان"؟ الإنسان الذي يحب جاره، ويحكم بالعدل، وينطق بالصدق، محققا ماهيته، أي أن يكون صورة للإله؟.. إثارة السؤال تدعو للحرج، لأن الإجابة واضحة وضوحا اليما.. فبينما خلقنا أشياء رائعة، أخفقنا في أن نجعل من أنفسنا جديرين بهذا الجهد الخارق. فحياتنا حياة لا يسودها الإخاء والسعادة، والقناعة، بل تجتاحها الفوضى الروحية والضياع الذي يقترب اقترابا خطرا من حالة الجنون" ..الى أن يقول: "ولكن هل سيسمع أطفالنا صوتا يرشدهم الى ما يتجهون، وما الهدف الذي يعيشون من أجله إنهم يشعرون على نحو ما- كما يشعر الناس جميعا- أنه لا بد للحياة من معنى، ولكن ما هو؟ هل يجدونه في التناقضات، وفي الكلام المزدوج الدلالة، وفي الاستسلام السافر االذي يلتقون به عند كل منعطف؟ إنهم مشوقون الى السعادة والعدالة والحب، والى موضوع للعبادة، فهل نحن قادرون على إشباع شوقهم؟
    عاجزون نحن مثلهم، بل إننا لا نعرف الإجابة لأننا نسينا حتى أن نسأل السؤال، ونزعم أن حياتنا قائمة على أساس متين ونتجاهل ظلال القلق، والهم، والحيرة التي تغشانا فلا تريم".. ومن أهم ما قاله فروم، في هذا الصدد، مما له علاقة بالوحدة، التي نتحدث عنها، وعن تشخيص أزمة الحضارة، قوله: "وينشئ التنافر(انعدام الانسجام)، في وجود الإنسان حاجات تتجاوز حاجات أصله الحيواني تجاوزا بعيدا.. وينتج عن هذه الحاجات دافع قاهر لاستعادة الوحدة، والتوازن بينه وبين بقية الطبيعة. ويحاول استعادة هذه الوحدة والتوازن في الفكر بادئ الأمر، وذلك بتشييد صورة ذهنية جامعة all-inclusive للعالم تكون بمثابة إطار للإشارة، يستطيع منه أن يستمد الإجابة على السؤال الخاص بموقفه، وما ينبغي عليه أن يفعله. بيد أن مثل هذه المذاهب الفكرية، ليست كافية. فلو كان الإنسان عقلا مجردا عن الجسم لبلغ غايته بمذهب فكري شامل.. ولكن ما دام الإنسان كيانا له جسم وعقل، فلا مناص من أن يواجه ثنائية وجوده لا بالتفكير فحسب، بل بعملية الحياة أيضا، وبمشاعره وأفعاله. وعليه أن يسعى جاهدا الى تجربة الاتحاد والوحدة في كل مجالات وجوده لكي يصل الى توازن جديد".. راجع كتاب: "الدين والتحليل النفسي" .. هذا تصور، رائع- جوهري، ومتكامل- لمشكلات الإنسان المعاصر، وأشواقه.. ونحن على يقين تام، أن هذه التحديات والأشواق، لا تجد الاستجابة الحقيقية لها، إلا في"التوحيد" كإطار مرجعي، وهذا ما نحن بصدد بيانه.
    أما البرت اسفنشير، فيقول، من كتابهفلسفة الحضارة) "والأمر الثاني الذي أود أن يتداوله الناس هو أمر العلاقة بين الحضارة، وبين نظريتنا في الكون، وهي علاقة لا يعيرها أحد التفاتا في الوقت الحاضر، فإن العصرالذي نعيش فيه يعوزه إدراك أهمية الظفر بنظرية في الكون، فإن الاعتقاد العام في هذه الأيام، سواء لدى المتعلمين أو غير المتعلمين، هو أن الإنسانية ستتقدم على نحو مرض تماما، دون الحاجة الى أي نظرية في الكون على الإطلاق.
    والواقع أن كل تقدم إنساني يتوقف على التقدم في نظرية في الكون، وعلى العكس نجد أن كل انحلال سببه انحلال مماثل في نظريته في الكون
    وقتما يتهيأ لنا الوصول الى نظرية قوية وثمينة في الكون، نجد فيها اعتقادا قويا ثمينا، هنالك فقط يكون في وسعنا إيجاد حضارة جديدة" .. ويقول: "لكن الأمر الذي أرجوه قبل كل شئ- وهذا هو جوهر المسألة كلها- هو أنه ينبغي لنا أن نعترف بأن افتقارنا الكامل الآن الى أي نظرية في الكون هو المصدر الأخير لكل الكوارث وألوان الشقاء التي يعج بها العصر الحاضر، ولهذا يجب أن نعمل معا لإيجاد نظرية في الكون وفي الحياة، حتى نستطيع بذلك أن نصل الى مستوى عقلي يجعلنا متمدنين فعلا وحقا".. أما ويتهد فيقول: "إن الإنسانية تستطيع أن تزدهر في المراحل الدنيا من الحياة بواسطة لمحات بربرية، من الفكر فحسب. ولكن عندما تبلغ المدنية ذروتها، فإن عدم وجود فلسفة متسقة تكون منتشرة في الجماعات كلها، يؤدي إلى الانهيار والملل وتراخي الجهد"
    بالطبع الهدف للحياة، لا يغيب عن الإنسان بصورة كلية، فالإنسان كائن هادف، لا يعمل إلا لغاية متصورة عنده.. فالغائية تدخل في حياة الإنسان، في كل كبيرة وصغيرة، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للمعنى، والهدف للحياة.. والهدف الذي نتحدث عنه، ونزعم أن الإطار المرجعي للحضارة الغربية لايمكن أن يعطيه، هو الهدف الكلي، الشامل، والمتسق مع طبيعة الوجود، وطبيعة الحياة، وهذا ما عناه المفكرون الذين أوردنا بعض أقوالهم.. أما الأهداف الآنية المحدودة، فلا يخلو منها أحد.. وعن كلية الهدف، يقول كولن ولسن: "إن ما يجب على الإنسان أن يفعله هو أن يحاول أن يفهم العالم، وليس العالم ما يحيط به من كون فقط، وإنما هناك كون آخر، خلف عينيه أيضا.. وكل ما يحتاج اليه الإنسان هو أن يفترض شيئا ليعمل على ضوئه.. أن يؤمن بشئ ليمنحه ذلك هدفا، والمحك الأخير لقيمة هذا الإيمان هو إلى أي حد يستطيع على ضوء مثل هذا الإيمان أن يعمل؟ لقد كان الاسكندر الأكبر يؤمن بشئ منحه قوة هادفة هائلة، إذ آمن بأنه سيحكم العالم كله، ولما حكم العالم، جلس يتساءل يائسا: ماذا أفعل الآن؟ أجل، هذا هو محك كل إيمان.. فإذا انتهى مفهوم الهدف عند حد معين، فإنه ليس هدفا حقيقيا إذن، ليس هدفا نهائيا، ولكن الدين يمنح الإنسان هذا الهدف النهائي، الهدف الذي لا ينتهي حتى ولو عاش مليونا من السنين"..
    هذا ما قاله كولن ولسن، أما نحن فنقول: إن الهدف النهائي، لا ينتهي، حتى بعد الموت، ولا يكون هدفا نهائيا، حقيقيا، إلا إذا اشتمل على ما بعد الموت!!


    نواصل

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 31-01-2007, 03:39 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 07:29 AM

Masoud

تاريخ التسجيل: 11-08-2005
مجموع المشاركات: 1591

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    شكرا يا عمر ..واصل..
    هل عندك ترجمة بالأنجليزية لهذا العمل؟؟
    ان لم توجد فحركوا د. النعيم في هذا الأتجاه...أظن أن كلام خالد يحتاجه قراء الأنجليزية وأنت تعرف ذلك..
    بالبركة!!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 09:12 AM

عبدالغني كرم الله بشير
<aعبدالغني كرم الله بشير
تاريخ التسجيل: 06-12-2005
مجموع المشاركات: 1082

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Masoud)

    ما أعمق تشخيص الداء..
    وما أجمل وصف الدواء...

    حقا (الفكر أكسير الحياة)!!...

    (عدل بواسطة عبدالغني كرم الله بشير on 18-01-2007, 09:17 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 11:16 AM

المكاشفي الخضر الطاهر
<aالمكاشفي الخضر الطاهر
تاريخ التسجيل: 08-08-2004
مجموع المشاركات: 5628

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: فالإسلام، كرسالة سماوية، للبشر، مشروع بدأ، بآدم عليه السلام، وختمت نبوته بمحمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. ولكن رسالته لم تكتمل!!


    وما فهمكم للآية الكريمة
    قال تعالى :
    ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) صدق الله العظيم




    Quote: وأما حديثه فضربان، فما كان منه متعلقاً بسمت حياته في عاداته، و في عباداته، فهو منها، ولاحق بها .. و ما كان منه مراداً به إلى تنظيم حياة الجماعة التي بعث فيها، فهو لم يصدر عنه إلا بإعتباره إمام المسلمين، يشرع لهم من الدين ما يلائم حاجتهم الحاضرة، وما يستقيم مع مستواهم العقلي، والمادي والإجتماعي .. ولو قد فعل غير ذلك لشق عليهم، ولأعنتهم، ولأرهقهم إرهاقاً .. وما قام من تشريع حول حياة محمد فهو ليس بالشريعة الإسلامية، و إنما هو سنة النبي، و هو لا يزال صالحاً، في جملته وفي تفصيله، لأن النفس البشرية لا تزال، في وقتنا الحاضر بحاجة إليه، ولم تشب عن طوقه.



    هذا الكلام فيه تناقض واضح جدا واضطراب ولا يخلو من معارضة صريح القرآن والسنة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 10:38 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أخي الأستاذ مسعود
    Quote: شكرا يا عمر ..واصل..
    هل عندك ترجمة بالأنجليزية لهذا العمل؟؟
    ان لم توجد فحركوا د. النعيم في هذا الأتجاه...أظن أن كلام خالد يحتاجه قراء الأنجليزية وأنت تعرف ذلك..
    بالبركة!!!

    شكرا على التعليق ..
    اتفق معك أن المقال فعلا يحتاج أن يترجم فهو يقدم طرحا علميا لأفكار الأستاذ محمود بصورة تكمل وتناجز الفلسفات الغربية المعاصرة .. سأعرض اقتراحك الوجيه ..
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 10:40 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أخي الغني عبد الغني
    تحية طيبة
    Quote: ما أعمق تشخيص الداء..
    وما أجمل وصف الدواء...

    حقا (الفكر أكسير الحياة)!!...

    ولا أزيد

    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 10:52 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أخي المكاشفي
    تحية طيبة
    Quote: Quote: فالإسلام، كرسالة سماوية، للبشر، مشروع بدأ، بآدم عليه السلام، وختمت نبوته بمحمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. ولكن رسالته لم تكتمل!!

    وما فهمكم للآية الكريمة
    قال تعالى :
    ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) صدق الله العظيم

    الإسلام كمل أنزاله ولم يكمل تبيانه .. ورسالة الإسلام ستتوج وتكتمل عندما يعود (غريبا كما بدأ) و يعم جميع أهل الأرض ..
    (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا) وذلك سيكون ببعث أصول القرآن وسنة النبي الكريم ولا يكون ببعث الشريعة الإسلامية وهنالك فرق كبير بين السنة والشريعة بينته كتب الأستاذ محمود ويمكن مراجعتها في موقع الفكرة:
    http://alfikra.org


    Quote: Quote: وأما حديثه فضربان، فما كان منه متعلقاً بسمت حياته في عاداته، و في عباداته، فهو منها، ولاحق بها .. و ما كان منه مراداً به إلى تنظيم حياة الجماعة التي بعث فيها، فهو لم يصدر عنه إلا بإعتباره إمام المسلمين، يشرع لهم من الدين ما يلائم حاجتهم الحاضرة، وما يستقيم مع مستواهم العقلي، والمادي والإجتماعي .. ولو قد فعل غير ذلك لشق عليهم، ولأعنتهم، ولأرهقهم إرهاقاً .. وما قام من تشريع حول حياة محمد فهو ليس بالشريعة الإسلامية، و إنما هو سنة النبي، و هو لا يزال صالحاً، في جملته وفي تفصيله، لأن النفس البشرية لا تزال، في وقتنا الحاضر بحاجة إليه، ولم تشب عن طوقه.

    هذا الكلام فيه تناقض واضح جدا واضطراب ولا يخلو من معارضة صريح القرآن والسنة

    ليس هنالك تناقض (واضح جدا) أو اضراب كمازعمت وما عليك الا أن تضع أصبعك عليه بدل اطلاق الحديث المعمم .. كما أرجو أن تبين لنا أوجه معارضته للقرآن والسنة !!

    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

18-01-2007, 10:53 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    وما تقوم عليه الحضارة الغربية، من إطار مرجعي، سواء في الفهم الذي تعطيه العلوم التجريبية، أو في العلمانية، أو مفهوم اللبرالية أو الرأسمالية، فبعيد كل البعد، عن أن يعطي مثل هذا الهدف النهائي، وهذا ما أوردنا بعض أقوال مفكري هذه الحضارة في التدليل عليه.. فالعلمانية تقوم على معرفة الكون، والانشغال بالحياة الدنيا، والدين يقوم على معرفة الله، ومعرفة الكون في الدين وسيلة الى معرفة الله، وطرفا منها.. كما أنه في الدين، الحياة الدنيا، وسيلة الى الحياة العليا – وهي حياة مطلوب أن تعاش هنا في دورة هذه الحياة- يقول تعالى عن المعرفتين: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) .. "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" هذه هي العلمانية، وما يمكن أن يعطيه الإطار المرجعي الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، ولا تستطيع أن تتعداه، بأي حال من الأحوال.. فالعلمانية، تقوم على توكيد الحياة الدنيا، وحدها، وعلى العقل الذي يشكله هذا التوكيد.. والحياة الدنيا، ليست هي الحياة، وإنما هي وسيلة للحياة، فبالتوكيد عليها، بل والقصور عليها، جعلت الحضارة الغربية الوسيلة في مكان الغاية، وهي في النظام الرأسمالي السائد، وظفت نشاط الإنسان كله في سبيل هذه الوسيلة، على اعتبار أنها الغاية الوحيدة لكل صور النشاط الفكري، والحياتي.. وأصبحت بذلك حياة الإنسان كلها مبنية على الإنتاج والاستهلاك..
    والاستهلاك لم يعد مجرد نشاط بشري، وانما اصبح نمط حياة!! بل ونمط الحياة الأساسي الذي يوجه كل نشاط الإنسان!!
    ومن أهم من عالجوا هذا الأمر من المفكرين الغربيين، إريك فروم، خصوصا، في كتابه:To have or to be والذي ترجم الى اللغة العربية تحت اسم (التملك والكينونة)، وأهم ما فيه هو أنه دلل بوضوح أن الملكية تشكل كل جوانب حياة إنسان الحضارة الغربية، كما تشكل قيمته عند نفسه وفي المجتمع.
    قصدنا من هذا المدخل أن نوكد، أن مشكلة الحضارة الغربية، تكمن في جوهرها - إطار التوجيه فيها - الأمر الذي يقتضي إعادة نظر جذرية في هذا الإطار، وتقديم البديل له، وهذا ما يفعله الإسلام، كما يقدمه الأستاذ محمود محمد طه، وهذا ما نحن بصدده في هذه الكتابة.. فإذا استخدمنا، مصطلح "نموذج الإرشاد Paradigm "، بالصورة التي استخدمه بها عالم الفيزياء والمؤرخ "توماس كون" في كتابه عن "بنية الثورات العلمية"، نستطيع أن نقول أن الحضارة البشرية ونموذج الإرشاد فيها، دخلتا مرحلة ما يسميه كون "مرحلة الأزمة" وهي مرحلة عنده، تقتضي تغيير النموذج الإرشادي، واستبداله بنموذج إرشادي جديد يحمل افتراضات صريحة وضمنية جديدة.. فكون توصل "من خلال دراسته تاريخ العلم، واستعراضه عددا كبيرا من الأمثلة حول تطورات العلوم الطبيعية، الى أن مسار العلم لا يمضي بشكل تراكمي، وفي إتجاه واحد، بل في مسارات دائرية، حيث يمضي التقدم العلمي في أي فرع من فروع العلوم محكوما بنموذج إرشادي Paradigm يحدد مسار العلم وأدوات الدراسة، وهو ما يسمى بالعلم القياسي Normal Science إلا أن ما أن تقدم العلم، يتراكم حجم هائل من المعلومات في نطاق هذا النموذج الإرشادي، ويتراكم كذلك عدد كبير من المشكلات... وأوجه التناقض وجوانب لا يستطيع العلم السائد تفسيرها، مما يؤدي دخول العلم الى ما يسميه كون "مرحلة الأزمة" التي تؤدي الى إعادة النظر في العديد من القواعد والنظريات المستقرة وإلى حدوث "ثورة علمية" في التخصص، مما يؤدي بدوره، الى تغيير النموذج الإرشادي، وظهور نموذج إرشادي جديد يحمل افتراضات صريحة وضمنية حول طبيعة التخصص وظواهره . فهو تحول في النظر الى العالم يؤدي الى أن تبدو الموضوعات التقليدية في ضوء مغاير وقد ارتبطت في الوقت ذاته بمواصفات أخرى غير مألوفة، مما يرسم مسارا جديدا لطبيعة المشكلات موضوع الدراسة في المستقبل"- راجع د. محمد طه، كتاب "الذكاء الإنساني"- وهذا ما ينطبق على الحضارة ككل، مع اختلاف أساسي هو أن نموذج الإرشاد المطلوب، ينبغي أن تنطبق عليه المواصفات التي تحدثنا عنها، حتى تقوم الحلول التي تنبني عليه، باستيعاب طاقات الحياة المعاصرة، وتحل مشكلاتها، وتعطيها، المعنى والهدف الكلي الشامل، والذي ينسجم مع طبيعة الوجود، الروحية والمادية، ومع طبيعة الإنسان، الروحية والمادية، أيضا.. والحضارة الغربية، بطبيعتها، يستحيل عليها أن تقدم، نموذج الإرشاد هذا المنشود.. ونحن نزعم أنه لا يتوفر، إلا في الإسلام، وحده، دون غيره، من الأديان والأفكار والفلسفات.. ولكن الحضارة الغربية، بإنجازاتها العظيمة في مجالات العلم، والتكنولوجيا، استرهبت عقول المسلمين، فانصرفوا عما عندهم من جوهر، الى ما في هذه الحضارة من بهرج، فاصبحوا يعيشون على قشور من الاسلام، وعلى قشور من الحضارة الغربية، والحضارة الغربية جوهرها، فاسد، خل عنك قشورها.


    نواصل ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:18 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    التوحيد: البعد الإنطولجي والبعد السلوكي "المنهاج"
    للتوحيد في الإسلام، وجهتين، متكاملتين، لا يقوم أحدهما عند المسلم إلا بالآخر.. البعد الوجودي، التي تقوم عليه حقائق الأشياء، ويعبر عن الذات الإلهية، وهذا ما أسماه المفكرون الذين تحدثنا عنهم "نظرية في الكون"، والوجه الثاني هو الذي يقوم عليه السلوك، العملي، ويوجه الحياة والفكر عند المسلم.. فلا مجال لإدراك نظرية الإسلام في الكون، والتطور في مراقيها، إلا عن طريق المنهاج العملي الذي يقوم على التوحيد، والذي تجسده حياة النبي محمد عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، والذي سبق أن أشرنا إليه.. فالتوحيد هنا صفة الموحد، بكسر الحاء – صفة الإنسان، الذي يتحقق بالتوحيد؛ وكلمة التوحيد "لا إله إلا الله " هي هادية التوحيد.. و لا إله إلا الله جاء بها جميع المرسلين، مبناها واحد، لكن المعنى – يختلف اختلافات كبيرة، يقول المعصوم "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله" ، وهذا أمر لنا إليه عودة.
    التوحيد، يقوم، في أساسه، على أن الذات الإلهية، هي أصل الوجود، ومصدره، وبها قيومية كل شئ، وإليها مصير كل شئ.. والذات الإلهية " مطلقة "، لا يلحق بها قصور، وهي فوق كل وصف، ولكن الله تعالى، بمحض فضله تنزل من صرافة ذاته، الى منازل أسمائه، ووصفاته، وأفعاله.. ثم أنزل القرآن ليحكي هذه التنزلات، لكي يعرفه عباده، فيسيروا الى عتبة ذاته..
    فمن حيث الوجود الذات الإلهية هي وحدها، الموجودة بذاتها، وكل ما عداها، ومن عداها، ليس موجودا إلا بها، وليس معها.. فالأشياء جميعها، في الوجود الحادث، قيوميتها، بالله، وليست بذاتها.. وهذه الحقيقة التوحيدية الكبرى، تفيد بأن الله تعالى، هو مرجعية كل شئ في الوجود.. ومن هذه الحقيقة ينبثق كل شئ، وإليها يعود.. فالوجود أصله واحد، ومصدره واحد، والقانون الذي يحكمه واحد، لا خلاف في شئ من ذلك في الحقيقة، وكل خلاف يوجد، إنما هو خلاف من حيث التنزل، والظهور.. فالإطلاق اذن، هو أصل الوجود كله، وإليه مصيره.. وما التقيد، والمحدودية، إلا شكل من أشكال تجليات المطلق.. أما المطلق في ذاته، فيتسامى عن كل قيد، أو حد، أو تصور، وذلك لمكان كماله، فهو لا يلحق به النقص، أو العجز، في أي صورة من الصور، عن ذلك تعالى الله علوا كبيرا.. وهذا هو معنى قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين).. "سبحان ربك رب العزة عما يصفون" تعني تنزه الله تعالى في ذاته عن كل وصف.. "وسلام على المرسلين" لأنهم، لم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، حسب مقتضى حكمته، في التقيد ليعرفه خلقه.. فالذات المطلقة، في إطلاقها، لا يطالها إدراك العقول، ولذلك جاءت الوصية النبوية "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتضلوا".. وتنزلت الذات من صرافتها، الى مرتبة الاسم، ثم مرتبة الصفة، ثم مرتبة الفعل.. فبذلك ظهر الحادث من القديم، والمحدود من المطلق.. فالله تعالى: عالم مريد وقادر.. وهو تعالى، علمه قديم، وإرادته قديمة، وقدرته قديمة.. وهو تعالى لا يعلم بجارحة كأحدنا، وإنما هو يعلم بذاته، ويريد بذاته، ويقدر بذاته، وهو لم يصنع العالم من مادة سابقة، وإنما صنعه من لدنه.. فالخلق هو الإرادة الإلهية تجسدت.. وهذا هو معنى التنزل من الإطلاق، فالكون الحادث في الإسلام، يقع في ثلاثة عوالم، عالم الملكوت من أعلى، وعالم الملك من اسفل، وعالم البرزخ في الوسط.. وعالم الملكوت عالم لطائف، عالم أرواح.. وعالم الملك عالم كثائف.. عالم مادة مجسدة، تتأثر بها حواسنا.. وعالم البرزخ عالم المزج بين اللطائف والكثائف.. عالم العقول التي ركبت في الأجساد، لتحيل كثافتها الى لطافة.. وهذا هو عالم الإنسان.. والوحدة هي السلك الذي ينتظم هذه العوالم جميعها.. وهذا يقودنا الى الحديث عن وحدة الوجود..

    نواصل ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:30 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    يا سلام يا عمر اجلس القرفصاء واقرا

    تحياتي للاستاذ خالد الحاج سالك درب المسلك ابونا الاستاذ

    والتحية له في يوم الذكري 22 لاستشهاد الاستاذ
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:37 AM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: ونحن أخيراً ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يتناسق مع نظام الكون كله. فلا ينفرد الإنسان بمنهج لا يتناسق مع ذلك النظام. على حين أنه مضطر ان يعيش في إطار هذا الكون، وان يتعامل بجملته مع النظام الكوني.
    والتناسق بين منهج حياة الإنسان ومنهج حياة الكون هو وحده الذي يكفل للإنسان التعاون مع القوى الكونية الهائلة؛ بدلاً من التصادم معها. وهو حين يصطدم معها يتمزق وينسحق، ولا يؤدي وظيفة الخلافة في الأرض، كما أرادها الله له. وحين يتناسق مع نواميس الكون ويتوافق، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها في حياته.
    لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ ويستدفئ ويستضيء!!!.
    والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون... فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس، فانه لا يصطدم مع الكون الهائل فحسب، بل يصطدم أيضاً بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية اليوم في عذاب نكد، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التيسيرات الحضارية المادية.
    إن هذه البشرية تعاني من الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب، وتهرب من واقعها النفسي بالأفيون والحشيش والمسكرات. وبالسرعة المجنونة، والمغامرات الحمقاء؛ "وبالتقاليع" السخيفة… وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسرة، والفراغ الكثير… لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتضاعف كلها كلما تضاعف الرخاء المادي والتيسيرات الحضارية...
    إن هذا الخواء المرير يطارد البشرية كالشبح الرهيب. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى خواء مرير.
    وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية المترفة بالتيسيرات الحضارية - وفي مقدمتها أمريكا والسويد- حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم... وسرعان ما ينكشف له الرخاء المادي والمتاع الحسي والإشباع الجنسي إلى حد التمرغ في الوحل... سرعان ما ينكشف له هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ الجنسي، والقلق العصبي، والمرض والجنون، والجريمة الشاذة، وفراغ الحياة من كل تصور إنساني كريم.
    لقد أحرزت البشرية - عن طريق العلم - انتصارات ضخمة في عالم الصحة والعلاج من الأمراض الجسمية. فكشفت من الأدوية ووسائل التشخيص والعلاج ما يعد انتصارات رائعة. وبخاصة بعد كشف مركبات السلفا والبنسلين والمايسين...
    ولقد حققت في عالم الصناعة والإنتاج ما يشبه الخوارق... وما تزال في طريقها صعدا في هذا المجال.
    ولقد أحرزت انتصارات باهرة في كشوف الفضاء، والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء. ومراكب الفضاء... وما تزال في الطريق...
    ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية! هل وجدت السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلام؟ كلا! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف... إنها لم تتقدم كذلك في تصور أهداف الحياة الإنسانية، وغاية الوجود الإنساني. وحين يقاس تصور الرجل "المتحضر" لغاية وجوده الإنساني، إلى التصور الإسلامي لهذه الغاية، تبدو الحضارة الراهنة لعنة تنحط بالشعور الإنساني إلى الحضيض، وتصغر من اهتماماته وأشواقه وإنسانيته كلها!.
    إنهم في أمريكا مثلاً يعبدون آلهة جديدة؛ يتصورونها غاية الوجود الإنساني. إله المال. وإله اللذة. وإله الشهرة. وإله الإنتاج! ومن ثم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الإنساني! وكذلك الحال في الجاهليات الأخرى. التي تعبد آلهة مشابهة، لأنها لا تجد إلهها الحقيقي!.
    من اجل هذا كله نحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج الإلهي للحياة البشرية. لنرد البشرية إلى إلهها الواحد؛ وإلى غاية وجودها اللائقة بالإنسانية؛ وإلى الناموس الكوني الذي يشمل الكون كله ويشملها.
    وهذه هي الحقيقة التي يقررها القران الكريم، وهو يستنكر مسلك الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله، ومنهجه في الحياة، مخالفين بذلك عن كل شيء في هذا الوجود الكبير.
    " أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون ".
    وصدق الله العظيم
    * * *


    الشهيد سيد قطب ........
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:41 AM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: منْهَجٌ مُيَسَّـر

    ثم يقول قائل: ولكن البشرية لم تصبر طويلاً على هذا المنهج السامق الفريد. فقد تفلتت منه الجماعة التي حققته في الأرض فترة من الزمان، وقد اتجهت البشرية بعده إلى مناهج أخرى لا ترتفع إلى تلك القمة السامقة، ولكنها لا تكلف البشرية هذا الجهد الشاق!.
    وقد يبدو هذا القول صحيحاً للوهلة الأولى. فقد حرص كثير من الكتاب على تثبيت هذا المعنى في النفوس؛ وعلى الإيحاء بان هذا المنهج غير عملي ولا واقعي؛ ولا تطيقه طويلاً فطرة البشر؛ وإنما هو دعوة "مثالية" إلى أفق غير مستطاع! وكان لهم من وراء تثبيت هذا المعنى غرض ماكر؛ هو إشاعة اليأس من إمكان استئناف الحياة في ظل هذا المنهج؛ وتخذيل الجهود التي تبذل لرد البشرية إلى هذا المنهج القويم. ووجد هؤلاء الماكرون في الفتنة التي بدأت بقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاه من الخلاف بين علي- كرم الله وجهه- ومعاوية، وما أعقب هذا الخلاف من إحداث... وجدوا في هذه الفتنة مادة خصبة؛ وفي الروايات الصحيحة والزائفة عنها فرصة سانحة، لمحاولة تثبيت ذلك المعنى الخبيث. طوراً بالتلميح. وطوراً بالتصريح. حسبما واتتهم الظروف!.
    وساعدهم في هذا المكر - عن غير قصد وبحسن نية - جماعة من المخلصين الذين ساءهم أن تعترض هذه الفتنة خط المد الإسلامي الصاعد في تلك الفترة التاريخية العظمية. وأن يقع بعض الانحراف في تصور سياسة الحكم عما كان عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والشيخين بعده. وان يقع بعض الانحراف في سلوك بعض الأمراء أيضاً.. ومن ثم يحسون بسبب إرهاف مشاعرهم، أن المد الإسلامي كله قد توقف بعد فترة الخلافة القصيرة! وينادون بهذه النظرية في حرارة إخلاصهم وشوقهم للقمة السامقة! وحماستهم للصورة الوضيئة الفريدة!.
    وهذا كله يحتاج إلى إعادة النظر؛ وإلى دقة النظر؛ وإلى تقدير العوامل البشرية. مع تقدير طبيعة هذا الدين؛ وطبيعة منهجه لقيادة خطى البشرية في الزمن الطويل؛ وفي مختلف البيئات ، ومختلف الظروف.
    * * *
    هذا الدين ...... الشهيد سيد قطب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:47 AM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: إنه ليس صحيحاً -ابتداء- أن هذا المنهج الإلهي، يكلف النفس البشرية جهداً أشق من أن تطيقه أو أن تصبر طويلاً عليه.
    إنه منهج سامق فعلاً. ولكنه في الوقت ذاته منهج فطري. يعتمد على رصيد الفطرة، وينفق من هذا الرصيد المذخور. وميزته أنه يعرف طريقه منذ اللحظة الأولى إلى هذا الرصيد!.
    إنه يعرف طريقة إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى. يعرف دروبها ومنحنياتها فيتدسس إليها بلطف؛ ويعرف مداخلها ومخارجها فيسلك إليها على استقامة، ويعرف قواها ومقدراتها فلا يتجاوزها أبداً؛ ويعرف حاجاتها وأشواقها فيلبيها تماماً؛ ويعرف طاقاتها الأصيلة البانية فيطلقها للعمل والبناء...
    وعلى كل رفعته ونظافته وسموه وسموقه... هو نظام "للإنسان". لهذا الإنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض. نظام يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها. وخصائص تكوينه وتركيبه بكل مقتضياتها.
    وحين تستقيم النفس مع فطرتها؛ وحين تلبي حاجاتها وأشواقها، وحين تطلق طاقاتها للعمل والبناء، فإنها تجري مع الحياة في يسر وطواعية؛ وتمضي مع خط الفطرة الصاعد، إلى القمة السامقة؛ وهي تجد الأنس والاسترواح والطمأنينة والثقة في خط سيرها الطويل.


    الشهيد سيد قطب ونواصل مقتطفات من كتابه هذا الدين ......
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:54 AM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: إنْ العالم يعيش اليوم كله في " جاهلية " من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها . جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة ، وهذا الإبداع المادي الفائق !
    هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية . . وهي الحاكمية . . إنها تسند الحاكمية إلى البشر ، فتجعل بعضهم لبعض أربابا ، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتدا ء على عباده . . وما مهانة " الإنسان " عامة في الأنظمة الجماعية ، وما ظلم " الأفراد " والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم " الرأسمالية " إلا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله ، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان ! وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي .. فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي ، يعبد بعضهم بعضًا – في صورة من الصور - وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم البعض ، بعبادة الله وحده ، والتلقي من الله وحده ، والخضوع لله وحده .
    وهذا هو مفترق الطريق .. وهذا كذلك هو التصور الجديد الذي نملك إعطاءه للبشرية- هو وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة في الحياة البشرية الواقعية - وهذا هو الرصيد الذي لا تملكه البشرية ، لأنه ليس من " منتجات " الحضارة الغربية ، وليس من منتجات العبقرية الأوروبية ! شرقية كانت أو غربية .

    

    إننا - دون شك - نملك شيئا جديدًا جدَّة كاملة . شيئا لا تعرفه البشرية . ولا تملك هي أن " تنتجه " !
    ولكن هذا الجديد ، لابد أن يتمثل -كما قلنا - في واقع عملي . لابد أن تعيش به أمة .. وهذا يقتضي عملية " بعث " في الرقعة الإسلامية هذا البعث الذي يتبعه - على مسافة ما بعيدة أو قريبة - تسلم قيادة البشرية .
    فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي ؟
    إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزمة ، وتمضي في الطريق . تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا . تمضي وهي تزاول نوعا من العزلة من جانب ، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة . .
    ولابد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من " معالم في الطريق " معالم تعرف منها طبيعة دورها ، وحقيقة وظيفتها ، وصلب غايتها . ونقطة البدء في الرحلة الطويلة .. كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعًا . . أين تلتقي مع الناس وأين تفترق ؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها ؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها ؟ ثم تعرف من أين تتلقى – في هذا كله – وكيف تتلقى ؟
    هذه المعالم لابد أن تقام من المصدر الأول لهذه العقيدة . . القرآن . . ومن توجيهاته الأساسية ، ومن التصور الذي أنشأه في نفوس الصفوة المختارة ، التي صنع الله بها في الأرض ما شاء أن يصنع ، والتي حولت خط سير التاريخ مرة إلى حيث شاء الله أن يسير .
    لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت " معالم في الطريق " . منها أربعة فصول مستخرجة من كتاب " في ظلال القرآن " مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب المعالم ( ) . ومنها ثمانية فصول - غير هذه التقدمة - مكتوبة في فترات حسبما أوحت به اللفتات المتوالية إلى المنهج الرباني المتمثل في القرآن الكريم .. وكلها بجمعها - على تفرقها - أنها معالم فى الطريق ، كما هو الشأن في معالم كل طريق ! وهي في مجموعها تمثل المجموعة الأولى من هذه " المعالم " والتي أرجو أن تتبعها مجموعة أخرى أو مجموعات ، كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق !
    وبالله التوفيق .

    سيد قطب

    


    معالم في الطريق .... للشهيد سيد قطب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:57 AM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: محمد عثمان محمد طه)

    الشكر للأخ محمد عثمان محمد طه على مواظبته على رفع هذا الخيط الهام!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 02:58 AM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Haydar Badawi Sadig)

    وبضدها تتميز الأشياء!

    شكراُ، عزيزي عمر، على الجهد المقدر.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-01-2007, 07:56 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    وحدة الوجود:
    العوالم الثلاثة التى ذكرناها أعلاه، الاختلاف بينها اختلاف مقدار، اختلاف درجة، وليس اختلاف نوع، فمرجعية التوحيد، تمنع اختلاف النوع منعا باتا، وهذا من معانى قوله تعالى (ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت) .. فالتفاوت، فى الدرجة والمقدار، أو المظهر، موجود، ولكنه ليس تفاوت نوع، ليس تفاوتا، في اصل طبائع الأشياء.. وحسب هذه النظرية التوحيدية، لا يوجد اختلاف نوع بين المادة والروح.. فالمادة روح في درجة من الذبذبة تتأثر بها حواسنا، والروح مادة في درجة من الذبذبة لا تتأثر بها حواسنا، على النحو المألوف، فالمادة والروح، مظهران لشئ واحد، الاختلاف بينهما اختلاف في الكثافة واللطافة، أو اختلاف في مستوى الذبذبة.. فصورة المادة التي نعرفها ونألفها ، والتي يقوم عليها جوهر الحضارة الغربية، كما اسلفنا، هي وهم من أوهام الحواس.. أقول صورة المادة، التى نألفها ونعرفها، وأعني صورتها، وليس حقيقتها، لأن حقيقة المادة هي إرادة الله.. ولذلك لابد من التمييز بين مظاهر الأشياء، وحقائق الأشياء.
    وعلى هذا التصور، الوجود الحادث، إذن هو وحدة.. ووحدة الوجود في الإسلام تعني أنه ليس في الوجود إلا ذات الله، واسماؤه، وصفاته، وأفعاله.. ولذلك كل شئ في الوجود، له دلالة واحدة، ومعنى واحد.. وكلمة "معنى" تفيد ما يدل عليه الشئ، ويقود إليه.. فالمعنى الجامع الشامل لكل ما في الوجود، هو الله.. فكل شئ، وكل حدث، هو يشير إلى الله، ويدل عليه، بصورة من الصور، فهم من فهم، وجهل من جهل.
    فالوجود إذن واحد في حقيقته، متعدد في مظاهره.. والمظاهر، هي تجلي الذات.. والذات لكمالها، لا تتجلى لذرتين في الوجود، تجلي واحد.. فالذات لا تكرر نفسها، فالتكرار في حقها نقص، وعبث، تتعالى عنه علوا كبيرا.. فالخلق جميعهم يتساوون في مبدأ، الدلالة على الله، وهذا معنى قوله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).. وإنما يأتي التفاوت، من حيث البعد والقرب في الدلالة.. وفي إتجاه وحدة دلالة الخلق على الخالق، يجئ قوله تعالى: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لاتفقهون تسبيحهم).. قوله: "وإن من شئ إلا يسبح بحمده" تعني ما من شئ إلا وهو دال على الله، بتسبيحه، وتنزيهه.. قوله: "ولكن لا تفقهون تسبيحهم" يعني فيما يعني، أنكم لا تدركون وحدة تسبيح الخلق، على تنوعه لأنكم مشغولون، بمظهر التعدد عن وحدة الدلالة.
    بقي أن نقول، لا مجال لإثارة الشبهات حول وحدة الوجود في الإسلام، مثل شبهة الحلول والاتحاد، لأنها شبهات على نقيض مفهوم الوحدة تماما، فهي واضحة البطلان.. فالحلول يقوم على وجود شيئين، يحل أحدهما في الاخر، وكذلك الاتحاد، فهو يقتضي وجود شيئين أو أكثر، يتحد أحدهما بالآخر.. وهذه الثنائية "المانوية " هي ما ينفيه التوحيد، برد المظاهر المتعددة الى اصلها في الوحدة.. هذا التصور هو من أهم خصائص التصور الإسلامي، لطبائع الأشياء.
    هذه هي القضية الأساسية في المعرفة التوحيدية: الحقيقة من حيث الوجود واحدة!! وينبني على هذه الحقيقة الكثير جدا، في الحياة، وفي المعرفة.. ويمكن أن يقال أنه بدون تصور هذه الحقيقة، والإيمان بها، لاتكون معرفة حقيقية، ولا حياة حقيقية..
    وينبغي أن لا يكون هنالك، خلط بين وحدة الوجود في الإسلام، هذه التي تحدثنا عنها، ووحدة الوجود عند بعض الفلاسفة، وأصحاب الأديان الأخرى.. فالعبارة واحدة، ولكن تستخم لمعاني جد مختلفة.. بل قد تصل حد التناقض.. فبعض الذين يتحدثون عن الوجود، يعنون أن الوجود الحادث، في جملته هو الله.. وهذا في نظر الإسلام شرك غليظ، يعكس الأمور عكسا إذ يحدد المطلق، ولا يميز بين الذات، والتنزلات، فيخلط بذلك خلطا وبيلا بين الخالق والمخلوق.
    ومن جوامع الكلم، التي تعبر عن حقيقة الوجود، قول الأستاذ محمود "الكون كله موجود في في كل جزء منه" !! وقوله: "ما من شئ كان أو سيكون، إلا وهو كائن الآن" !!
    فالكون الحادث طبيعته روحية، ومظهره مادي.. والروح منه هي الأصل، والمادة فرع (مظهر).. وذلك لأن اللطافة هي الأصل.. "اللطيف" هو الأصل، والكثيف مظهره، هذا بالنسبة لكل شي.. فالطاقة بالنسبة للكون المادي، هي الأصل، والمادة مظهرها.. وهذا الأمر سنبني عليه كثيرا جدا.. ومما ينبني عليه، تصحيح وهم ساد الفكر البشري لفترة طويلة، ولا يزال قائما.. هذا الوهم هو المادية، في الفكر، وفي الفلسفة، وفي الحياة.. فقد ظل الأمر السائد، في الفلسفة الى وقت قريب، أنه لا وجود إلا للمادة التي تدركها حواسنا.. وعلى الرغم من أن العلم التجريبي المادي نفسه، توصل الى خطأ وخطل هذا الرأي، منذ بداية القرن العشرين، عندما توصل انشتاين إلى نظريته في التكافؤ بين المادة والطاقة، إلا أنه عمليا، لا يزال التفكير المادي هو السائد، ولكن لم تعد له السطوة القديمة، والغرور القديم.. أما بالنسبة للحياة، فقد تكون سطوة المادية قد زادت!! على كل، لا تزال الحياة المادية، في الحضارة الغربية، هي الغاية، وكل ما سواها وسيلة إليها.


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 04:43 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الخلق:
    الخلق هو بروز المحدود، من المطلق.. أو بروز الكثيف من "اللطيف".. وهذا البروز بدأ بالتنزل الى مقام الاسم "الله".. وهومقام "الحقيقة المحمدية".. مقام الإنسان.. والحقيقة المحمدية هي أول قابل لتجلي الذات الإلهية - ونحن لنا إلى هذا الأمر عودة – فمن "اللطيف" خرج "الكثيف"، هذا في الصدور، أما في الورود، فمن الكثيف يخرج اللطيف.. فالوجود الحادث من الله صدر، وإليه يعود.
    والأمر الإلهي في الخلق لا يقوم على الزمن.. فالزمن نفسه، هو من هذا "الخلق" الذي جاء به الأمر.. فالله تعالى، أوجد الوجود كله في اللازمن.. يقول تعالى: (إنا كل شئ خلقناه بقدر * وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر).. فالأمر الذي صدر به الوجود، هو واحد في الأصل.. قوله: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" يشير إلى "القضاء".. وهو يقع على مستويين: مستوى خارج الزمان، عند الذات.. ومستوى داخل الزمان- وهذا الأخير تنزل من الأول، وإليه الإشارة بالتشبيه: "كلمح بالبصر".. أماالقدر، الوارد في قوله تعالى: "إنا كل شئ خلقناه بقدر" فهو تنفيذ القضاء في الزمن، على تفاوت درجات الزمن.. فالقضاء في قمته هو منطقة وحدة، تجل وتتسامى عن أن يحويها الزمان.. أما القدر فهو تنفيذ لهذا القضاء، في الزمان والمكان.. والإيمان بالقضاء والقدر، من أركان الإيمان في الإسلام.. فالله تعالى أوجد الوجود كله، في اللازمن، ولكن بروز هذا الوجود، في صورته الحسية، لا يتم إلا في الزمن.. فالقدر هو تنفيذ للقضاء، في الزمان والمكان، منجما وعلى مكث، ولذلك يقع في منطقة التعدد، والتي قمتها الثنائية.. فمنطقة الوحدة هي الأصل، أما منطقة الثنائية، وما يليها، في التنزل- في الظهور- فهي الفرع، وهي تنزل من الأصل اقتضته الحكمة الإلهية.. فالتنزلات، من الذات، إلى العلم، إلى الإرادة، إلى القدرة.. ومنطقتي العلم، والإرادة، تقعان في الملكوت.. فبالتنزل إلى القدرة، تم التنزل الى عالم الملك، حيث برز الخلق، وأخذ تجسيدا ماديا، بالمعنى الذي ندركه عن المادة.. وبذلك ظهرت ثنائية المادة والروح.
    وظهور المادة، هو التنزل الى أسفل سافلين، من أحسن تقويم.. وبهذا التنزل، ظهر ثالوث الزمان والمكان، والحركة.. وهي ثلاثة وجوه، لشئ واحد، ولا يمكن الفصل بينهما.. وجميع صور المادة تجد التعبير عنها من خلال هذا الثالوث..وعلى هذا الثالوث، يقوم قيد الإطلاق، ومنه تبدأ المعرفة في أبسط صورها - الإدراك الحسي.. ثم تبدأ مسيرتها عبر محاولات التخفيف من قيد الثالوث، مستهدفة تجاوز القيد.. ولكن تجاوز هذا القيد لا يمكن له أن يتم في مرحلة الإدراك العقلي، فهي تنتهي عند مرحلة الشفعية - الثنائية - وتجاوز القيد لا يمكن أن يتم إلا في مرحلة الإدراك الوتري، وهو إدراك القلب - ونحن سنتعرض لهذا الأمر عندما نتحدث عن الإنسان.
    والكون الحادث، في الأصل كون واحد، كان مرتتقا، ثم انفتق.. وبالفتق ظهرت صور التعدد فيه.. يقول تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا، ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شئ حي..) .. والكون، كونان، االكون الخارجي، والكون الداخلي.. الكون الخارجي، هو الكون الكبير حيث مجاميع المجرات.. والكون الداخلي، هو كون المجموعة الشمسية.. وهذا الأخير، على الرغم من أنه جزء من الكون الكبير، إلا أن له أهمية خاصة، جعلته مميزا في الإسلام، وجعلت التركيز عليه، في المرحلة.. وهذه الأهمية، ترجع إلى وجود الإنسان فيه والإنسان هو خليفة الله في حالة تكوين


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 05:11 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الحركة:
    من أهم ما يعطيه إطار التوجيه في التوحيد، هو أن الثابت الوجودي، واحد!! هو الذات الإلهية.. أما كل ما عداها، ومن عداها، فهو متغير متحرك.. فالكون الحادث في جميع صوره، هو في حركة لا تهدأ.. ولذلك الحركة تمثل بعدا أساسيا من أبعاد هذا الكون، ولا يمكن فهمه من دونها، فهي تؤثر عليه في كل جوانبه.. فالله تعالى، هو وحده الكائن.. أما الوجود الحادث، في جملته، وفي تفاصيله، فهو ليس كائنا، وإنما هو مستمر التكوين.. ولذلك، الحركة من أهم خصائصه.. وقد بدأت الحركة ببروز المحدود من المطلق، وبدأ الزمن، وإن يك زمنا يكاد يلحق بالمطلق.. والحركة ليست "شكل وجود المادة" كما يقول الماركسيون، وإنما هي المادة نفسها (فعندما تتمركز الحركة في نقطة معينة، بسرعة تختلف عما حولها، يبرز لها تجسيد، بصورة تلفت الانتباه، فيكون ما يعرف عندنا بالمادة) .. ونحن لا نحتاج للحديث عن مفهوم نيوتن عن المكان المطلق، والزمان المطلق، فقد تجاوزه العلم، وأصبح مفهوما حتى بالنسبة للعلم لمادي التجريبي، أنه لا يوجد زمان مطلق، ولا مكان مطلق.. والحركة حسية، ومعنوية.. وفي التصور الذي يقوم على التوحيد، جميع الكائنات، من أدقها إلى أعظمها، جمادها وحيها، كل منها ذو شكل هرمي، له قمة وله قاعدة.. القمة تمثل الروح، والقاعدة تمثل الجسد.. والاختلاف بين القمة والقاعدة هو اختلاف مقدار.. والقاعدة متحركة في تطور مستمر، تطلب القمة، والقمة ليست باقية على صورة واحدة، وإنما هي أيضا متحركة، في تطور مستمر، تطلب نقطة مركز الوجود- تطلب الله- يقول تعالى: (كل يوم هو في شأن) وشأنه تعالى، هو إبداء ذاته لخلقه، ليعرفوه، ويومه هو وحدة زمنية التجلي، وهي وحدة تدق حتى تخرج من الزمن.. ولذلك، ما من شئ في الوجود الحادث، يمكن أن يكون هو نفسه، في لحظتين مختلفتين!! ..فالوجود الحادث، في جميع صوره، ومجالاته، في حركة دائمة، يطلب الله.. ولما كان الله تعالى، في ذاته مطلقا، فإن هذه الحركة، حركة سرمدية، لا انتهاء لها.. وحركة الوجود الحادث، ليس حركة في خط مستقيم، ولا هي دائرية، وإنما هي- حسب التوحيد - حركة لولبية!! الحركة الحسية لولبية.. والحركة المعنوية لولبية.. يقول تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده) فالإعادة، تعني أن النهاية، تشبه البداية، ولكن لما كان الله تعالى (كل يوم هو في شأن) فإن النهاية تختلف عن البداية، فالألوهية لا تكرر نفسها، فالتكرار في حقه تعالى، نقص وعجز، يتعالى الله عنه علوا كبيرا، والتكرار في الوجود يمتنع امتناعا تاما.. فالنهاية تشبه البداية، بمعنى أنها تقابلها، كما تقابل نقطة في اللولب نقطة أدنى منها، ولكنها تختلف عنها.. فالنهاية تشبه البداية ولا تشبهها.
    ولما كان الوجود، في حركته، يطلب مصدره- الله- فإن الحركة ذات طابع تطوري.. فالألوهية، في تجليها، لا تقف، ولا ترجع، ولا تكرر نفسها.. فالحركة في جملتها، دائما إلى الأمام، إلى الأعلى، حتى تظهر وكأنها تعيد نفسها، فهذه الإعادة، لا تكون إلا في إطار المفهوم اللولبي الذي تحدثنا عنه.. وطبيعة الحركة التطورية، هو ما تعبر عنه آيات القرآن العديدة، التي تتحدث عن السير إلى الله، والصيرورة، والانتهاء إليه، أو ملاقاته، وذلك مثل قوله تعالى: (وإن إلى ربك المنتهى) و (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه).. فهذه الآيات، وشبيهاتها، وهن كثر، تشير إلى طبيعة الحركة وغايتها.. والوجود الحادث في حركته، له غاية واحدة هي "الله".
    وحركة الوجود، هذه اللولبية، جعلها الله تعالى، ذات سلم سباعي، تكتمل فيه الدورة بعد كل سبع درجات، لتبدأ دورة سباعية جديدة، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية.. وعلى هذا السلم السباعي تشير، الأطوار السبعة، وكل رموز عدد السبعة، والتي نجدها في العديد من آيات القرآن الكريم.. فالسموات سبع.، والأرضين سبع، وكذلك الأيام، وأطوار الجنين، ودرجات النفوس، ودرجات الإسلام .. ألخ
    والحركة، في الوجود الحادث، تقوم على الفناء والبقاء، أو الموت والحياة، وكلاهما وجهان لشئ واحد.. فدائما، الذي يفنى، أو يموت، الجانب الكثيف الغليظ، أو الجانب الأقل استجابة لدواعي الحياة، بالنسبة للأحياء.. يقول تعالى: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).. أو يقول: (ولا تدعو مع الله، إلها آخر، لا إله إلا هو، كل شئ هالك، إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون) لقد ذكرنا أن لكل شئ في الوجود، قاعدة وقمة، والقاعدة تمثل المادة، والقمة تمثل الروح، والاختلاف بينهما اختلاف مقدار.. فالقاعدة فانية، أي متحركة، متغيرة تطلب القمة، والقمة ليست باقية على صورة واحدة، وإنما هي أيضا متحركة- فانية - تطلب نقطة مركز الوجود.. فكلمة "هالك" أو "فان" في الآيات تعني متغير.. وعبارة "ويبقى وجه ربك" من الآية، تعني يبقى البقاء النسبي، الوجه الذي يلي الله من الأشياء، وهو قمة هرم كل شئ.. ويبقى البقاء المطلق، وجه الله المطلق – الذات-
    أما في الجانب المعنوي، فما يعطيه إطار التوحيد، هو أن الحقيقة، واحدة، ومطلقة، ولكن الحق متعدد، ونسبي، ومتحرك، يطلب الحقيقة.. فالحق والباطل، الاختلاف بينهما ليس اختلاف نوع، وإنما هو اختلاف درجة.. والحقيقة لا ضد لها، في حين أن الحق ضده الباطل.. والاختلاف بين جميع الأضاد، في الديالكتيك الإسلامي، اختلاف درجة، الضدان عبارة عن وجهين لشئ واحد.
    الباطل باعتبار الحقيقة- باعتبار وجهة نظر الله للوجود- لا وجود له!! وإنما وجود الباطل، وجود عقلي، يقوم على ظواهر الأشياء، وما تقوم عليه هذه الظواهر من أوهام.. فكل ما دخل الوجود، دخل بإرادة الله، ولا يمكن لشئ أن يدخل الوجود، دون هذه الإرادة.. وإرادة الله حق، لا يأتيه الباطل لا من بين يديه، ولا من خلفه.. وفي ذلك يقول تعالى، مثلا: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار) .. فالآية تقرر أولا، أن السماء والأرض، وما بينهما، مخلوق لله، وتقرر ثانيا، أن السماء، والأرض، ومابينهما، ليسا باطلا.. فالسماء والأرض، وما بينهما، حق في ذواتها، وخلقت بالحق.. فالباطل هو وجه الحق البعيد عن الحقيقة، في حين أن الحق، هو الوجه القريب من الحقيقة.. فالحق، والباطل، كلاهما متحرك- شأن أي شئ في الوجود- والحركة في جميع صورها، لها إتجاه واحد، في إطار القوانين التي ذكرناها، فهي حركة، في إتجاه مركز الوجود، لذلك هي حركة مما هو فانٍِ الى ما هو باقٍ، من المادية الى الروح، من الموت الى الحياة، من الباطل إلى الحق.. يقول تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) .. هذا هو القانون الأساسي.. الباطل، زاهق، فان، متحرك يطلب الحق.. والحق نفسه، ليس باقيا على صورة واحدة، وإنما هو فان أيضا، متحرك، يطلب الحقيقة، التي هي وحدها غير المتغيرة، وكل الوجود سائر إليها.. فالحق والباطل نسبيان، فكل حق، هو حق بالنسبة لما هو دونه، وباطل بالنسبة لما هو أعلى منه.. فالحق المعين، يصبح باطلا، فيزهق، ويتحول إلى حق أكبر منه.. فالحركة بين الباطل والحق، تقع في منطقة الثنائية - منطقة العقل - والحركة فيها حركة سرمدية.. والحق هو القانون الذي يسير الله تعالى به الوجود، يقول تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، والذين كفروا عما أنذروا معرضون) .. ويقول: (خلق السموات والأرض تعالى عما يشركون) .. ويقول: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون) .. فالحق هو الإرادة الإلهية، وهو قانون المعاوضة في الحقيقة.. ونحن لنا إلى ذلك عودة، ولكن لنتحدث الآن عن الإرادة الإلهية.


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 05:37 PM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    [Bإلى أعلى الأعالي، مع التحية والإجلال، والمحبة الغامرة لأستاذي الفذ خالد الحاج عبد المحمود!!!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 06:59 PM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    <=3color=red font size>
    من قتل محمود محمد طه ؟؟؟ ما هو رأي الدكتور الشيخ حسن عبدالله الترابي في الردة ؟
    وهذا ما سننقله أليكم من كتاب آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير لكاتبه محمد بن المختار الشنقيطي

    Quote: إباحة الردة والخمر

    ومما نسبه إلى الترابي خصومه تحاملا أو سوء فهم قولهم إنه يبيح الردة، وهو لم يبحها قط وما يستطيع مسلم أن يبيحها، وإنما يقول الترابي – شأن العديد من العلماء المعاصرين وبعض المتقدمين- إنه لا عقوبة دنيوية قانونية على الردة ما لم تتحول إلى خروج سياسي وعسكري على الجماعة. فالردة تبقى أعظم الذنوب في الإسلام، لأنها هدم لأساس الدين، ولا ينكر الترابي ولا غيره من المسلمين ذلك، لما ورد فيه من آيات محكمات، مثل قوله تعالى: "ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"[20].

    وغاية ما يقول به الترابي إن عقوبة الردة –إذا لم يصحبها خروج على الجماعة- محصورة في العقوبة الأخروية، وفي ذلك يقول: "وللمجتمع بمشيئته أن يؤمن أو يكفر بالرسالة الحاملة للشريعة، متروكا لأجَل القيامة وحسابها في مواقفه"[21]"ويخلِّي الشرع للإنسان أن يصرف رأيه تثبتا أو تعديلا أو تبديلا، ولو في أصل مذهبه مؤمنا، قد يؤاخَذ على ذلك غيبا في الآخرة، ولكن لا يؤذيه أحد في الدنيا بأمر السلطان"[22]. فالذي يدعي أن الترابي بهذا يبيح الردة، كالذي يدعي أن القرآن يبيح الردة بقوله تعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"[23]وما أفدحه من خطأ وأعرجَه من فهم!!

    إن هنالك فرقا شاسعا بين الذنب الواقع بين العبد وربه، وبين الجريمة بالمعنى الجنائي الذي يعاقب عليه الشرع عقوبة قانونية دنيوية، فعدد الكبائر في الإسلام حسب ما يروى عن ابن عباس يناهز السبعين، والشرع لم يجعل لأكثرها عقوبة قانونية دنيوية، ولم يقصد الترابي في حديثه عن الردة أكثر من ذلك.. لكن الذين لا يميزون بين القانون الخلُقي (حق الله) والقانون الحقوقي (حق العباد) في الإسلام يخلطون في هذا الأمر خلطا عظيما. وسنتحدث عن قول الترابي في عقوبة المرتد لا حقا في هذه الملاحظات، لأن ما يهمنا في هذه الفقرة هو بيان التحامل والتأويل السيء الذي لابس الجدل بين الترابي وخصومه.

    وفي إطار التحامل وسوء الفهم يأتي اتهامهم للترابي بإباحة الخمر، وهو لم يبح الخمر قط، بل جاهد عقودا من الزمن لمحو الخمر من المجتمع السوداني المسلم الذي ابتلي بهذا الداء العضال منتصف القرن العشرين، حتى تحدث الدكتور عبد الوهاب الأفندي عن أن "ثقافة الجيش [السوداني]... كانت محكومة بقواعدها الخاصة التي تعتبر تعاطي الخمر وممارسة الزنا عنوانا للرجولة"[24].

    ومرد سوء الفهم هنا هو الخلط بين القانون الخلُقي والقانون الحقوقي في الإسلام مرة أخرى. وهو لبس حاول الترابي في كثير من كتاباته إزالته، وبين أن تعاليم الإسلام أوسع كثيرا من أحكام الشريعة بالمعنى القانوني، فهي تشمل سلطة الضمير، وسلطة المجتمع، وسلطة القانون، أو بحسب تعبيره: "الوجداني الخاص للفرد، والاجتماعي الأخلاقي للمجتمع، والقطعي السلطاني للشريعة"[25]. وهو يؤكد ضمن هذه الرؤية أن القانون لا يطال شارب الخمر إلا إذا بلغت فعلته السلطان، فأصبحت بذلك أمرا عاما. وهذا قول صحيح، ولا يقصد به الترابي أكثر من كون استتار المذنب يجنبه العقوبة القانونية، وهو لم يقل إن ما فعله ذلك المذنب مباحا عند الله عز وجل. فعدم وجود عقوبة دنيوية على الذنب أو عدم إيقاعها لا يجعل الفعل مباحا، وكم من معصية شرعية نصبت لها الشريعة عقوبة أخروية، لكنها لم تعتبرها جريمة جنائية ولم ترسم لها عقوبة قانونية دنيوية. ومن المعلوم أن الشرع يأمر بالستر، ولا يبيح للحاكم التجسس على الناس وتتبع عوراتهم وذنوبهم، وإنما يأمره أن يأخذهم بما يجاهرون به. وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عز وجل عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله عز وجل، فإنه من يبد لنا صفحته نُقمْ عليه كتاب الله"[26] وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم"[27].

    **********
    ( 5 )

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 07:02 PM

محمود الدقم
<aمحمود الدقم
تاريخ التسجيل: 19-03-2004
مجموع المشاركات: 6625

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 07:13 PM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    ونواصل في أراء الشيخ الترابي
    Quote: قتل المرتد وقتاله

    مثال آخر من مسائل هذا القسم من المآخذ التي أُخذت على الترابي ، هو رفضه قتل المرتد . ومن حق الترابي أن يجتهد في موضوع عقوبة القتل على الردة ، وله في ذلك مستند من آيات القرآن الكريم ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين . فقد أجمع الصحابة على قتل المرتد المحارب ، كما هو واضح من حروب الردة التي قادها الصديق ضد المرتدين عن الإسلام الخارجين على سلطة الخلافة الراشدة . أما المرتد غير المحارب ، فقد صح عن بعض الصحابة منهم أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ما يفيد قتل المرتد المسالم .
    ففي البخاري : " ... زار معاذ أبا موسى ، فإذا رجل مُوثَق ، فقال : ما هذا ؟ فقال أبو موسى : يهودي أسلم ثم ارتد ، فقال معاذ : لأضربن عنقه "[49].

    وفي المقابل صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يفيد عدم قتل المرتد المسالم ، وهو واضح من قول عمر عن رهط من بني بكر بن وائل ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة : " لأن أكون أخذتهم سِلْما كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء ، قال : [ أنس بن مالك ]فقلت : وما كان سبيلهم لو أخذتَهم سلما ؟ قال [ عمر ] : كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه ، فإن أبوا استودعتهم السجن " [50] .. والسؤال هنا هو : هل من الوارد أن يتأسف عمر على قتل مرتدين لو كان يؤمن بأن قتل المرتد حد من حدود الله ؟ وهل سيتحدث عن إيداعهم السجن لو كان يؤمن بأن حد الردة القتل وهو من هو في الشدة والصرامة في الحق ؟!؟ وهل يدرك المسارعون إلى المناداة بإهدار دم المرتد مغزى قول عمر: " لأن أكون أخذتهم سلما كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء " ؟!؟

    فإذا أضفنا إلى ذلك أن اثنين من أعلام التابعين هما الثوري والنخعي أنكرا حد الردة وقالا بالاستتابة أبدا .. وأن بعض علماء الأحناف لا يرون قتل المرأة بالردة لأنها ليست محاربة .. ترجح لدينا ما يقول به الترابي وغيره من المعاصرين من التمييز بين الردة الفكرية ، والردة السياسية -العسكرية ، فالأولى لا عقوبة عليها في القانون الجنائي الإسلامي ، والثانية لها عقوبة تعزيرية تترواح ما بين القتل والسجن وغير ذلك مما تقدره السلطة الشرعية العادلة . وعلة العقوبة هنا تفريق صف الجماعة والخروج على نظامها الشرعي ، فهي عقوبة على الجريمة المصاحبة لتغيير الدين لا على تغيير الدين . أما تغيير الدين فعقوبته عقوبة أخروية عند الله تعالى ، وهي أغلظ من أي عقوبة دنيوية يتخليها البشر . ومما يرجح التمييز بين الردة الفكرية والردة السياسية - العسكرية أن لفظ الردة في عهد النبوة كان يستخدم استخداما واسعا لا يقتصر على معناها الاعتقادي الذي شاع في كتب الفقه فيما بعد ، ومن ذلك : " قال رجل أما سلمة فقد ارتد عن هجرته " [51] .

    والتمييز بين قتال المرتد المحارب وقتل المرتد المسالم ليس بجديد ، فقد عزاه ابن حزم إلى طائفة من أهل العلم ، وشرحه بموضوعية فقال : " ومنهم من قال‏‏ بالاستتابة أبدا وإيداع السجن فقط ،‏ كما قد صح عن عمر مما قد أوردنا قبل ‏.‏ ووجوب القتال‏‏ هو حكم آخر غير وجوب القتل بعد القدرة ‏,‏ فان قتال من بغى على المسلم ‏,‏ أو منع حقا قِبَله‏‏ وحارب دونه ،‏ فرض واجب بلا خلاف ، ولا حجة في قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة‏ ,‏ لأنه حق بلا شك ‏,‏ ولم نخالفكم في هذا ‏,‏ ولا يصح أصلا عن أبي بكر أنه ظفر بمرتد عن الإسلام غير ممتنع باستتابة‏ فتاب‏ فتركه‏ ,‏ أو لم يتب فقتله ، هذا ما لا يجدونه‏ " [52] .

    وغاية ما يقال في موضوع قتل المرتد المسالم أن فيه تعارضا لظواهر النصوص ، وتباينا في فعل الصحابة رضي الله عنهم ، فالذين يتمسكون به من العلماء مستمسكون بظواهر أحاديث صحيحة تأمر بقتل المرتد ، مثل قوله صلى الله عليه عليه وسلم : " من بدل دينه فاقتلوه " [53] والذين يرفضون قتل المرتد مستمسكون بظواهر آيات محكمات تنهى عن الإكراه في الدين ، ومنها قوله تعالى : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " [54] وقوله تعالى : " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " [55] . أما القول بأن الإكراه المنهي عنه في الآية محصور في الإكراه على دخول الدين ابتداء ، وأن الإكراه على الرجوع إلى الدين تحت طائلة السيف غير داخل في عموم الآية .. فهذا تكلف بارد ، خصوصا وأن الآية وردت بصيغة من أقوى صيغ العموم في اللغة العربية وهي النكرة في سياق النفي والنهي : " لا إكراه " .

    وأما قول ابن حزم : " لم يختلف مسلمان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من الوثنيين من العرب إلا الاسلام أو السيف الى أن مات عليه السلام فهو إكراه في الدين " [56] ، فهذا تعميم بعيد عن الدقة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الجزية من مجوس هجر ، وهم عرب وثنيون يعبدون النار . كما وادع النبي صلى الله عليه وسلم قبائل عربية كثيرة ، وتوفي صلى الله عليه وسلم وبعضها لمَّا يدخل الإسلام بعد [57] .

    فإذا كان للمتمسك بأحديث آحاد ظنية الورود والدلالة في موضوع الردة عذرُه الشرعي وثوابه على اجتهاده ، فالمتمسك بنصوص القرآن المحكمة أوْلى بالعذر وأحق بالأجر . وإذا كان لنا أن نستسيغ تأويل الآيات المحكمات لتتوافق مع أحاديث الآحاد ، أفليس الأوْلى أن نستسيغ تأويل أحاديث الآحاد لتتواءم مع نصوص الآيات ؟ لقد تمسك الترابي – ومثله في ذلك كثيرون - بمنطوق الآيات الناهية عن الإكراه في الدين ، فقال : " من ارتد عن دينه فلا إكراه في الدين ، ولا استتابة أو عقوبة بالسلطان ، وإنما التكليف على المؤمنين أن يلاحقوا المرتد بالدعوة والمجادلة ، حتى يتوب ويستقر أشد إيمانا ، ويخلص صدقا لا مراءاة وخوفا من العقاب العاجل " [58] . وتأولوا الأحاديث الواردة في ذلك بأن المقصود بها فقط الردة الحربية .

    ويبقى للقاضي المسلم النزيه أن يوازن هذا الخلاف في عقوبة الردة ، ويعتبره شبهة كافية لدرء العقوبة كما يراه الترابي ونؤيده فيه ، أو يلغي الخلاف ويتمسك بالنظرة الفقهية السائدة دون تدقيق
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 07:29 PM

محمود الدقم
<aمحمود الدقم
تاريخ التسجيل: 19-03-2004
مجموع المشاركات: 6625

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الاخ عثمان م طه اضافة لما نقلته/ كنا قد اشرنا في العام الفائت ان محمود م طه لم ياتي بمقولة (الانسان الكامل) من بنات افكاره، ولم ياتي ب(رسالة الاسلام الثانية) من بنات افكاره، ولم ياتي ب(نظرية الحلول وشهود المقام) من بنات افكاره، بل هي لبعض المتصوفة الذين سبقوه في هذا العلم قبل اكثر من خمسة قرون/ فقط محمود م طه نسب هذه العلوم لنفسه ونشرها لاصحابه في شكل رسالة الاسلام الثانية وقلنا ايضا ان نظرية الانسان الكامل جاء بها عبدالكريم الجيلي ما نصه:-

    يقول الجيلي: ان إدراك الذات العليا هو أن تعرف بالكشف أنك هو وأنه أنت، وأن هذا ليس حلولاً ولا اتحاداً، وأن العبد عبد والرب رب، والعبد لا يصير ربا والرب لا يصير عبداً.ويكاد يجمع مؤرخو التصوف الفلسفي على العلاقة الفكرية الوطيدة التي تجمع بين «محيي الدين بن عربي» و«الجيلي» وأن الثاني تابع للأول في نظريته عن وحدة الوجود، وإن أدخل عليها من الاضافة والتطوير ما جعلها خلقاً آخر تماماً، كما كان «ابن عربي» تابعاً ومتأثراً «بالحلاج».


    وفي هذا الكتاب «الانسان الكامل» يعالج «الجيلي» مشكلة الوجود ويحدد المصطلحات الفلسفية والصوفية التي يستعيدها من «ابن عربي» تحديداً يجعله أقرب إلى الأخذ بالمنهج العلمي من أستاذه، وينتهي إلى أن الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها، وأنها شيء عقلي يصوره «الجيلي» على نحو ما صور المثاليون الألمان


    وبخاصة «هيجل» طبيعة الوجود والفرق بين «الجيلي» و«هيجل» أن هيجل يقول بوحدة الوجود والفكر، بينما يقول «الجيلي» بوحدة الوجود والصفات التي يتصف بها، وهو يقصد بالصفات هنا الصفات التي توصف بها الذات الإلهية أو الصفات التي وصف بها الحق نفسه.


    محمد سطام الفهد





    http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?cid=11150444416...FullDetail&c=Article
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 07:32 PM

محمود الدقم
<aمحمود الدقم
تاريخ التسجيل: 19-03-2004
مجموع المشاركات: 6625

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    استدراك: اقصد الاخ محمد عثمان محمد طه وناسف للخطا المطبعي ونواصل نقد الفكر الجمهوري..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 07:48 PM

محمود الدقم
<aمحمود الدقم
تاريخ التسجيل: 19-03-2004
مجموع المشاركات: 6625

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    محمود م طه يرى انه له صلاته الخاصة ياخذها مباشرة من الله تعالى هكذا يا سلااام، ولا حتى بدون اي وساطة وهو ما اسماها(مقام الشهود الذاتي) عبر العلم اللدني وذلك عبر مستويين (مستوى الاصالة) (الحلول الذاتي-رفع الحجاب الالهي) و(مقام الاستقامة) وهي اللحظة التي فرضت عليه صلاة الاصالة،:
    (" وفي مقام الاستقامة يحصل ( التوقف الفكري ) . والتوقف الفكري هو ما يعرف برفع حجاب الفكر .. وبرفع حجاب الفكر هذا يتم الشهود الذاتي .. والشهود الذاتي هو ما اتفق للنبي الكريم .. في المعراج العظيم , بعد ان تخلف جبريل عن سدرة المنتهى .. وفي هذا المقام - مقام الشهود الذاتي - فرضت صلاة الصلة " - محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون ص30 .


    محمود م طه يشطب الصلوات الخمس التي جاء بها المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويقترع عليناصلاتين فقط لليوم ولليلة وهي (صلاة الصلة) و(صلاة الثلث الاخير):

    (" وصلاة الثلث من أهم صلاتك . وهي قد كانت مكتوبة على النبي , ولم يكن - الاصحاب - الا مندوبين اليها ندباً , غير مكلفين بها شرعاً .. وهي اليوم بفضل الله ثم بفضل حكم الوقت , قد أصبحت مكتوبة على هذه الامة المعاصرة , التي يطلب اليها ان تبتعث - سنة النبي - بعد اندثارها لترقى ببعثها الى مقام - الاخوان " - محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون - ص 58 .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-01-2007, 08:30 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الأخ محمد عثمان محمد طه
    تحية طيبة
    أرجو أن تترك التهريج وتقرأ الموضوع المطروح وتحاول فهمه قبل أن تغرق الخيط بكتابات شيوخك التكفيرية فعسى ولعل الله يفتح عليك ويخرجك مما أنت فيه..

    أما أنت يا محمود الدقم فجاييك راجع ..
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-01-2007, 03:21 AM

محمد عثمان محمد طه
<aمحمد عثمان محمد طه
تاريخ التسجيل: 16-11-2006
مجموع المشاركات: 1134

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    وأيضا أخي أريد أليك جنة عرضها السموات و الأرض
    أعدت للمتقين وأحب أن يحشرك الله في زمرة المتقين وحتي تستبين خطاك
    وتتعجل كما تعجل أخاك أبابكر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-01-2007, 04:14 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    وحدة الفاعل:
    من المبادئ الأساسية، في إطار التوجيه، في التوحيد، أنه ليس في الوجود إرادتان.. وإنما هي إرادة واحدة، هي الإرادة الإلهية.. ولقد خلصنا فيما تقدم، إلى أن (الحقيقة) من حيث الوجود واحدة.. فإذا كان لا موجود، في الحقيقة إلا الله، وكل ما عداه، ومن عداه، ليس موجودا معه، وإنما هو موجود به، فلا بد أن يكون لا فاعل، في الحقيقة، إلا الله، وكا ماعداه، ومن عداه، لا يفعل إلا به سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يفعل من ذاته.. فالتوحيد، يقرر أنه (لا حول، ولا قوة، إلا بالله) .. فالله تعالى، هو الفاعل الوحيد، في الحقيقة، لكبير الأشياء، ولصغيرها.. وهذا هو معنى "لا إله إلا الله" .. فهي تعني أن الإله واحد، هو الله .. وقد سبق أن تحدثنا عن التنزلات، وقلنا أن التنزل الأول إلى مرتبة الاسم، ثم الصفة، ثم الفعل.. والتنزل إلى مرتبة الاسم "الله"، وإلى مرتبة الصفة "الأحد"، وإلى مرتبة الفعل "الواحد".. فالواحد، دائما صفة الإله، فهي تعني الله في تنزله إلى مرتبة الفعل، وذلك مثل قوله تعالى: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) أو قوله: (لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار) .. وقوله: (ولا تقولوا ثلاثة ، انتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد، له ما في السموات، وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا) وقوله: (إلهكم إله واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة، قلوبهم منكرة وهم مستكبرون).. وقوله: (لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي فارهبون).. والناس في عموم أحوالهم، لم ينكروا الله، وإنما أنكروا الإله، يعني أنكروا أن يكون الله هو الفاعل لكل الأشياء كبيرها و صغيرها.. فغالبية الناس، يعترفون بأن الأفعال الكبيرة، فاعلها الله.. وأماالأفعال الصغيرة، والتي لهم فيها "وهم" مشاركة، ينسبونها إلى المخلوقات، ويذهلون عن الله.. يقول تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله، فأنى يؤفكون * الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، إن الله بكل شئ عليم) .. فالأعمال الكبيرة لعظمها وجلالها لا يقع لهم فيها وهم مشاركة، وعجزهم، وعجز المخلوقات الأخرى، عن الإتيان بمثلها عجز بائن.. ولكن وهم المشاركة يجئ في الأفعال الصغيرة.
    فأمر وحدة الفاعل هذا، هو أمر الإسلام.. فالإسلام يعني الاستسلام لله.. وفي الحقيقة الوجود كله مسلم لله، منقاد له، يقول تعالى: (أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون).. فالوجود كله مسلم لله، خاضع لإرادته، كان، ولا يزال، ولن ينفك.. ولكن الوجود دون الإنسان غير واع بإسلامه هذا، فهو مسلم كرها.. فبظهور الإنسان، جدت مسألة أساسية، هي ظهور الإرادة الإنسانية.. فالإنسان يتوهم أنه صاحب إرادة مستقلة، بالفعل والترك.. وعلى ذلك أصبحت هنالك إرادتان: الإرادة الإلهية المحققة، والإرادة الإنسانية المتوهمة.. وظهور الإنسان، وظهور العقل، والإرادة البشرية، هو نقطة تحول، أساسية في الوجود، بل هو نقطة التحول الأساسية.. وبظهور العقل، والإرادة الإنسانية، ظهرت ثنائية (الحقيقة) و(الشريعة).. والحقيقة والشريعة هنا، يستخدمان استخداما اصطلاحيا، وهو اصطلاح مأخوذ من التصوف الإسلامي.. فالحقيقة هي الأمر كما هو عليه في الواقع، أو كما هو عند الله.. والشريعة هي الأمر كما يبدو للعقل البشري وتقوم على ظواهر الأشياء، وعلى اعتبار الإرادة البشرية..
    هنالك الإسلام العام، وهو ما عليه جميع الخلائق، من إسلام لله.. وبظهور البشر، وظهور العقل المكلف، جاء الإسلام الخاص، إسلام البشر، إسلام العقول.. وهذا جاء مؤخرا جدا، وبدأ بآدم النبي، عليه السلام.. والإسلام الخاص، هو سوق البشر، من خلال عقولهم، ليسلموا لله كبقية العناصر في الوجود، ولكن طوعا وعن رضا وقناعة.. ولذلك الإسلام الخاص خطاب للعقل، ومداره كله، الإرادة البشرية "المتوهمة"، والتي يهدف إلى توجيهها وترويضها، حتى تعلم أن المريد، واحد، فتسلم له، وبذلك تصبح إرادة الإنسان، مسايرة للقانون الأساسي في الوجود، ومن إرادة الله، فتصبح إرادة حقيقية، وليست متوهمة، وتكون نافذة.. وهذه مكانة ينفرد بها الإنسان، ويتميز، على جميع خلق الله.. وستتضح أبعاد هذا القول، عندما نتحدث عن الإنسان.



    نواصل ...

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 09-03-2007, 11:58 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-01-2007, 06:21 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الاستاذ محمود محمد طه في الذكرى الحادية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
    2 الإنسان


    تحدثنا، في الحلقة الأولى عن أهمية الاطار المرجعي لأي فكر. وعن مفهوم "التوحيد"، كاطار مرجعي للإسلام، كما يقدمه الاستاذ محمود.. ويمكن تلخيص قضية التوحيد كاطار مرجعي، في النقاط التالية:
    1/ الاصل في الوجود هو الذات الالهية المطلقة، وما الوجود الحادث الا مظهراً، وتجسيداً لارادة الذات.. وعلى ذلك، كل شيء في الوجود الحادث، قيوميته، ليست بذاته، وإنما قيوميته بالله.
    2/ الوجود الحادث- الأكوان- في جميع صوره هو تعبير عن تنزلات الله، من صرافة الذات، الى مرتبة الاسم، ثم الى مرتبة الصفة، ثم مرتبة الفعل.. فالله تعالى أوجد الوجود بثالوث: العلم، والإرادة، والقدرة.. ومرحلة العلم والإرادة، مرحلة ملكوت.. ومرحلة القدرة، مرحلة ملك.
    3/ لما كان الوجود الحادث كله من الله صدر، واليه يعود، أصبح ليس للوجود بداية، كما أنه ليس له نهاية.. فكل الذي بدأ، وكل الذي ينتهي هو الصور الغليظة للأشياء.
    4/ في الصدور، خرجت الكثائف من اللطائف، وفي الورود، تخرج اللطائف من الكثائف.
    5/ ليس في الوجود كائن، سوى الذات الإلهية، وكل من عداها، وما عداها، هو مستمر التكوين.. ولذلك تعتبر الحركة بعدا أساسيا، بالنسبة للوجود الحادث.
    6/ ليس في الوجود اختلاف نوع، وإنما كل اختلاف فيه هو اختلاف في الدرجة فقط.
    7/ في حين أن الوجود، في حقيقته، واحد، لأنه مظهر لخالقه الواحد، لكن الوجود في مظهره، متعدد.. فالله تعالى لا يتجلى لذرتين في الوجود، تجل واحد.. فالتكرار في حقه تعالى، عجز، يتعالى عنه علواً كبيراً.. فالألوهية – وهي تنزل الله لمرتبة الفعل- لا تقف، ولا ترجع، ولا تكرر نفسها.. ومن هنا يأتي التعدد في إطار الوحدة.. فلا شي في الكون الحادث، يطابق غيره، ثم الكون كله موجود في في كل جزء منه.
    8/ الله تعالى هو مركز الوجود، والأصل فيه، وكل شئ في الوجود، في حركته سائر إليه، ولذلك الأصل في الوجود "اللطيف"، وما الكثيف الا مظهر.. وكل لطيف يهيمن على كل كثيف يقابله.. فعلى ذلك، الوجود، وجود روحي، ذو مظهر مادي.. والروح هي الأصل، والمادة مظهر للروح.. والاختلاف بين المادة والروح، هو اختلاف في الدرجة فقط.
    9/ الحركة في الوجود ، حركة من الكثيف الى اللطيف.. ومن التعدد الى الوحدة.. ومن البعد الى القرب.. وهي حركة تقوم على الفناء، والبقاء.. وعلى الموت والحياة، بالنسبة للأحياء..وعلى الحق والباطل، بالنسبه للمعاني..والفناء، فى أى صورة من صوره، لا يعني التحول الى العدم، وإنما هو حركة من النقص إلى الكمال، ومن البعد إلى القرب، ومن الكثافة إلى اللطافة كما ذكرنا.. فما يفنى هو الصور، أما الجوهر فلا يفنى.. وفناء الصور يعني تطورها في سيرها إلى الله.
    10/ الوجود كله، مصدره واحد، وطبيعته واحدة، ومصيره واحد، والقانون الذي يحكمه واحد.. وجميعه مسلم لله، حسب الأمر التكويني- وهذا هو الإسلام العام، الذي لا يخرج عنه خارج ولا يشذ عنه شاذ.. هذا هو اسلام القهر الإرادي (الكره) .. ولكن الله تعالى، بمحض فضله، أراد لطليعة الوجود الحادث – الإنسان- أن يسلم إسلام "الطوع"، إسلام الرضا والقناعة، ومن هاهنا جاء الإسلام الخاص- إسلام العقول.. وفي إطار هذا الإسلام، "التوحيد" صفة الموحِد (بكسر الحاء)، صفة الإنسان.. والإسلام هنا يعني إسلام الإرادة الحادثة للإرادة القديمة.. ومن هنا يكون مدخلنا للحديث عن الإنسان

    بالإنسان بدأ الخلق:
    على خلاف ما يرى كثير من الناس، الخلق بدأ بالإنسان، وليس بالأكوان.. فلقد كانت أول حركة في الخلق تنزل الذات من الصرافة - من الإطلاق - إلى القيد – إلى مرتبة الاسم "الله"، وهذه مرتبة الإنسان.. وهي مرتبة "أحسن تقويم"، التي جاءت الإشارة إليها في قوله، تبارك وتعالى: (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ولقد خلق الله بالإنسان الأكوان، فجاء الفتق: (ثم رددناه أسفل سافلين) ... مخطوطة الديباجة- فأسفل سافلين، أبسط صور الخلق، أبسط صور المادة.. وهذا تصور يختلف بصوره جذرية عن التصور العلماني.. وفي الإشارة إلى بداية الخلق، يجئ حديث المعصوم، في الرد على سؤال الصحابي، جابر بن عبدالله عن أول ما خلق الله، بقوله: (أول ما خلق الله، نور نبيك ياجابر..) وهذا ما اصطلح على تسميته "بالحقيقة المحمدية".. فهي أول قابل لتجليات الذات الإلهية، وهي بين الذات الإلهية وبين جميع الخلق.. وفي حديث أخر يقول المعصوم: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين).. وفي حديث آخر يقول: (أول ما خلق الله العقل، فقال له: أدبر فأدبر وقال له : أقبل فأقبل) .. وجميع هذه الأحاديث في معنى الآية: (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم..) فأحسن تقويم هي موطن الإنسان، الذي منه اغترب، واليه يعود (كما بدأنا أول خلق نعيده..)
    فالأصل في الانسان، الكمال.. فهو قد خلق كاملا، في الملكوت- عالم الأرواح .. فأحسن تقويم، هو الخلق الكامل الحسن، فما فوقه حسن.. ثم رد الإنسان إلى أسفل سافلين، وانتدب ليستعيد مقامه، بعد التجربة، وهو لا بد مستعيده، شاء أم أبى!! ولكن العودة تكون بالطوع!!
    هذا الكمال، هو الأصل الذي فطر عليه الإنسان.. وهي فطرة ثابتة، لا تتغير، ولا تتبدل، مهما حجب عنها الإنسان وغطيت (فطرة الله، التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون..) .. "لا تبديل لخلق الله.." هذا مايفيد أن أصل الفطرة ثابت لا يتبدل، لأنها قائمة على الأصل الذي لا يتبدل، وهو "الإسلام"، فكل المخلوقات، مفطورة، في الحقيقة، على الإسلام.. كانت، ولا تزال، ولن تنفك .. هذا أمر لا تغيير فيه من حيث الحقيقة.. وإنما التغيير في الشريعة فقط، في الظاهر، الذي يقوم على وهم العقول.. وهذه الفطرة بالنسبة للإنسان هي الحياة الكاملة، العارفة بالله، المطيعة له، عن طوع، وعلم وقناعة.. وهذا هو الاختلاف بين اسلام العناصر، واسلام الانسان- الاختلاف في الطوع وفي الكره.. والإسلام كرها، هو الإسلام العام، الذي لا يخرج عنه خارج، ولا يشذ عنه شاذ، أما الإسلام الطوع، فهو إسلام العقول، الإسلام الخاص، إسلام الانسان الذي به يحقق كماله، وليس لكماله نهاية، فينتهي إليها، وإنما السير في الكمال سير سرمدي.
    من الانسان- في أحسن تقويم- فتقت الأكوان.. فالأكوان من الانسان "في الحقيقة ليس في الوجود الحادث غير الانسان.. وجود الانسان، وجود ازلي، أبدي- سرمدي- فهو ينزل المنازل في البعد من الله، وفي القرب.. هو مغترب، وراجع من الاغتراب، الى وطنه الاصلي، الى الله في اطلاقه.. وليس لهذا السير نهاية، وانما هو سير في السرمد، لأنه سير الى المطلق" – ديباجة- وعن اصل العلاقة بين الانسان والكون يقول الاستاذ محمود: "الانسان من حيث الحجم، لا يذكر، اذا ذكرت الأكوان، ولكنه من حيث القيمة لا يذكر معه شئ، لأنه هو سيد الأكوان.. خلق الله الانسان بذاته من ذاته، وخلق بالانسان الأكوان.. نفخ الله روحه في الانسان، ونفخ روح الانسان في الأكوان.." – ديباجة.. ويقول: "إن الكون هو الانسان، ولكن الانسان ليس الكون، لأن الانسان أهم من الكون.." .. ويقول: "البيئة بيئتان: بيئة طبيعية، من العناصر الصماء في الارض، وفي السموات، وبيئة اجتماعية، من جميع الاحياء، من لدن حيوان الخلية الواحدة- سواء أكانت خلية حيوان، أوخلية نبات.. والبيئة مع ذلك، وحدة متحدة، الاختلاف بين أعلاها، وهو الانسان، وأسفلها، وهو ذرة بخار الماء، انما هو اختلاف مقدار.. هذا يعني أن اصغر جزيئيات المادة، انما هي على صورة الانسان، وهي الانسان، في طور من اطوار نموه نحن لا نعرفه، كما أنا لا نعرف الانسان، وهو في طور الحيوان المنوي.. نحن لا نعرفه الا بعد ان يولد بشرا، بعد أن مكث تسعة اشهر، وبضعة ايام، في الرحم.. ان البيئة- سواء كانت طبيعية، او اجتماعية- انما هي مظهر الله العلي.." –ديباجة- فالاختلاف بين الانسان، وبين الاكوان هو اختلاف في الدرجة فقط، وليس في النوع!!
    فالانسان هو اصل الوجود الحادث، وغايته، وما من شئ، في الوجود الحادث الا ومسخر للانسان- مسخر لانجابه، وتحقيقه- يقول تعالى: (وسخر لكم ما في السموات والارض جميعا منه).. هو خليفة الله على الوجود العلوي والسفلي.. المنظور منه، وغير المنظور.. وهو بين الله، في اطلاقه، وبين جميع خلقه- (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة) ثم خلق آدم على صورته، ليقوم بتدبير مملكته وفق مرضاته" .. وهذه الخلافة هي تكليف الانسان الاساسي وقدره المقدور، في حينه .. فالانسان مفضل على جميع الاكوان.. وهو مشروع، بدأت المسيرة في تحقيقه، من اسفل سافلين، وهي مسيرة طويلة، وشاقة ولكنها، بفضل الله، تلطف كل حين، وتتسارع حركتها كل حين.. يقول الاستاذ محمود عن الانسان من كتابه "تطوير شريعة الاحوال الشخصية": "هذا بحث في آصل اصول الدين، بحث في كرامة الانسان.. والانسان هو قمة المملكة.. فإن المملكة هكذا: في القاعدة الغازات، ثم السوائل والجمادات (بما فيها وفي قمتها الماء والطين)، ثم النباتات ، ثم الحيوانات، ثم البشر (بنو آدم) ، ثم الانسان.. قال تعالى في كرامة الانسان (ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر، والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).. وبنو آدم ليسوا قمة الخليقة، وانما هم مرحلة من مراحل تطور الخليقة في المملكة نحو مرتبة الانسان.. بنو آدم بالنسبة للانسان كالحيوان بالنسبة لبني آدم.. وفي حين أن بني آدم مفضلون على كثير من المخلوقات ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) .. فإن الانسان مفضل على سائر المخلوقات.. وانما من اجل الانسان خلقت الاكوان، وما خلق الانسان الا من اجل الله.. قال تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمرهِ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرونَ * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هم يهتدون)
    وفي معنى خلق الإنسان من أجله قال تعالى (وذكر!! فإن الذكرى تنفع المؤمنين * وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق، وما أريد أن يطعموني * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) وقال تعالى في حق موسى (واصطنعتك لنفسي).. وإنما من هذه الآيات ومن تلك، قال العارفون عن لسان الحق: (جعلت الأكوان مطية للإنسان، وجعلت الإنسان مطية لي) وهو قول يفرع أيضا على الحديث القدسي (ما وسعني أرضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن) وعلى الآية الكريمة: (سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟؟) .. ولم يكن الإنسان غائبا عن الأكوان، وإنما كان دائما طليعتها، ورأس سهم تقدمها، من لدن الغازات.. ولا يزال التقدم يطرد به، ولما يبرز لمقام عزه بعد.. قال تعالى عن تقلب الإنسان في الصـور البدائية، في الآماد السحيقة: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟؟ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج، نبتليه، فجعلناه سميعاً بصيراً * إنا هديناه السبيل: إما شاكراً، وإما كفوراً) وقوله (هـل) هنا تعني (قد) .. قد أتى على الإنسان دهر دهير لم يكن فيه مذكوراً في ملكوت الله، لأنه لم يكن، خلال هذا الدهر الدهير، يتمتع بعقل التكليف.. وإنما من ههنا سقط ذكره- (لم يكن شيئا مذكورا)...وهذا الدهر الدهير يوقت تقلبه في الصور الدنيا، من أسفل سافلين حيث رد، صاعداً إلى أحسن تقويم حيث خلق.. قال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين) و (أسفل سافلين) هذه هي نقطة أدنى صور تجسيد المادة.. وتسخير الأكوان له إنما معناه إعانته في سيره هذا الطويل من منفاه في البعد إلى مقامه في القرب عند الله.. كل شئ سخر لهذه الغاية.. إبليس، وذريته، والملائكة الأطهار، والرسل، والكتب، والشرائع، والقرآن بصورة خاصة.. ذلك بأن طريق الرجعى به قد بين احسن تبيين.. وهو بصورته التي بين دفتي المصحف قد نزل مؤخرا على خاتم النبيين، ولكنه، في حقيقته، ما بدأ نزوله، ولا انقطع نزوله، وإنما هو مستمر النزول، ولن ينفك.. هو في صورته التي بين دفتي المصحف قد نزل ليوجه تطور البشرية نحو الإنسانية - ليستخلص الإنسان من البشر.. وليرسم طريق رجعته إلى وطنه الذي قد طال اغترابه عنه.. انظر كيف تحكي هذه الآيات الكريمات بداية هذا الطريق، ونهايته: (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) عبارة (لدينا) تعني عند الذات، حيث لا عند.. وهذه تمثل خط السير في المطلق .. والآية (إنا جعلناه قرآناً عربياً، لعلكم تعقلون)، تحكي طرف هذا الطريق الذي لامس أرض الناس، حيث قامت الشريعة لتنظيم حياة الأفراد، من رجـال، ونسـاء، تنظيماً يوفق توفيقاً دقيقا، ومتساوقا بين حاجة الفرد من رجل، وامرأة، إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة"


    نواصل ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

25-01-2007, 01:56 PM

عبدالله الشقليني
<aعبدالله الشقليني
تاريخ التسجيل: 01-03-2005
مجموع المشاركات: 12002

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)



    شكراً لك عزيزنا عمر

    والشكر مجدداً للمفكر الشهيد محمود
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-01-2007, 03:39 AM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: عبدالله الشقليني)

    عزيزي عمر،
    تحيتي ومحبتي،
    أظن أن المقصود هو الذكرى الثانية والعشرين، وليست الواحدة والعشرين.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-01-2007, 06:11 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    عزيزي الأستاذ عبد الله الشقليني
    يسرني حضورك البهي هنا .. أرجو المتابعة

    عزيزي د. حيدر
    نعم لقد استدركنا ذلك واستطعت تعديل العنوان في متن الخيط لكن كما تعلم أنه يستحيل تعديل العنوان في هذا المنبر ..

    تحياتي للجميع

    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-01-2007, 06:14 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الانسان وهو في طريق رجعاه الى موطنه الذي اغترب منه، يمر بمراحل اساسية.. وقد جاء عن هذه المراحل في كتاب رسالة الصلاة: "وللإنسان في هذه النشأة الطويلة أربع مراحل متصلة الحلقات، ولا يفصل بينها إلا حلقات من السلسلة، أكبر من سابقاتها، تمثل قفزة في سير التطور.. وتمثل هذه القفزة بدورها حصيلة الفضائل العضوية التي استجمعت من خلال المرحلة السابقة.. وهذا التقسيم إلى أربع مراحل إنما هو لتبسيط البحث فقط ، وإلا فإن في داخل كل مرحلة، مراحل يخطئها العد".. وعن هذه المراحل جاء: "تحدثنا عن المرحلة الأولى، فقلنا: أن بدايتها في الأزل، حيث برز الانسان في الجسد، في المادة غير العضوية - تلك التي نسميها، اصطلاحا، ميتة - ونهايتها عند دخول المادة العضوية في المسرح ..
    وتحدثنا عن المرحلة الثانية، وقلنا: أن بدايتها عند ظهور المادة العضوية - تلك التي نسميها، اصطلاحا، حية - ونهايتها عند ظهور العقل .. ويتضح لنا، من هذا، أن الشبه كبير بين المرحلتين: الأولى، والثانية، فهما معا مرحلة الجسد الصرف، على اختلاف مستوياته، من ذرة بخار الماء، وإلى أعلى الحيوانات الثديية، ما خلا الانسان..
    واما المرحلة الثالثة فهي تتميز عن المرحلة الثانية ببروز العقل من الجسد، وهو عنصر جديد وخطير . وأما المرحلة الرابعة فهي تتميز من المرحلة الثالثة بدخول الحاسة السادسة، والحاسة السابعة، في المسرح، وتلك درجة جديدة، من درجات الترقي، تصبح بها الحياة البشرية شيئا جديدا، مختلفا عما ألفنا من قبل.. ولذلك فإنا نستطيع أن نقول: أن لدينا ثلاث مراحل لنشأة الانسان: مرحلة الجسد الصرف، ومرحلة الجسد والعقل المتنازعين، وأخيرا مرحلة الجسد والعقل المتسقين.. ولقد تطورت، إلى الآن، الحياة على هذا الكوكب في مضمار المرحلتين: الأولى والثانية: فهي قد كان تطورها الأول تطورا عضويا صرفا، ثم لما بدأ بروز العقل، بفضل الله، ثم بفضل التطور العضوي الصرف، أخذت في تطورها الثاني، وهو تطور عضوي - عقلي.. وهذا الطور هو الذي نعيشه نحن الآن، وإني لأرجو أن نكون إنما نعيش في أخريات أيامه.. وسيجيء يوم، قريبا، يصبح التطور فيه عقليا صرفاً، في مقابلة البداية بالتطور العضوي الصرف، ذلك الذي كانت به بداية الحياة.. وأصحابنا الصوفية يقولون: النهاية تشبه البداية، ولا تشبهها.. والمؤرخون يقولون: التاريخ يعيد نفسه، ولكنه لا يعيدها بنفس الصورة .. وأحكم القائلين يقول (كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا، إنا كنا فاعلين) وهو تبارك، وتعالى، لا يعيده بنفس الصورة لأنه من أسرار الألوهية، أنها لا تقف،ولا ترجع، ولا تكرر نفسها.. فلم يبق إلا ما قلنا.
    وهذه المراحل الثلاث: مرحلة التطور العضوي الصرف، ومرحلة التطور العضوي - العقلي، ومرحلة التطور العقلي الصرف..يمكن التعبير عنه، بلغة الدين، بأنها تقابل العوالم الثلاثة: عالم الملك، وعالم البرزخ، وعالم الملكوت.. فأما عالم الملك فهو عالم الأجساد، وأما عالم الملكوت فهو عالم العقول، وأما عالم البرزخ فهو عالم المنزلة بين المنزلتين - عالم مرحلي- وهذا هو عالم الانسان الحاضر، الذي نعيش نحن الآن في أخريات أطواره كما سلفت الى ذلك الإشارة..
    ولقد خلق الله كل شئ بالذات، ثم خلق بالواسطة، وهي الأسماء والصفات والأفعال.. وقد اقتضت حكمته أن يبرز خلقه إلى حيز الوجود بثلاث حركات: حركة العلم بالإحاطة، وحركة الإرادة بالتخصيص، وحركة القدرة بالإبراز إلى عالم المحسوس.. وهو في عالم البرزخ قد خلق بثلاثة أسماء (العالم المريد القادر) وهو، في عالم الملكوت، وهو يلي عالم البرزخ من أعلى، قد خلق بثلاثة أسماء (الله الرحمن الرحيم) وهو، في عالم الملك، وهو يلي عالم البرزخ من أسفل، قد خلق بثلاثة أسماء (الخالق البارئ المصور)"- رسالة الصلاة- وقد هدى الله تعالى الحياة في جميع هذه العوالم، يقول تعالى: (أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) يعني هدى الله التطور في مراقيه.. فأما التطور العضوي الصرف، فهداه بالدين العام، وأما التطور العضوي - العقلي، فهداه بالدين الخاص – (مرحلة العقيدة) وأما التطور العقلي الصرف، فهداه بالدين الخاص (مرحلة العلم).. وجاء دين الإسلام، في القرآن، وعلى يدي، نبينا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم، مشتملا على مرحلة (العقيدة) ومرحلة (العلم).. مرحلة (الايمان) ومرحلة (الإسلام).. وعلى مرحلة الايمان من الإسلام، جاءت (أمة المؤمنين)، والتي نعيش نحن اليوم، في اخرياتها.. وقمتها الاصحاب.. وعلى مرحلة (العلم) تجئ أمة (المسلمين)، وهي التي يتم الدخول فيها، بالبعث الإسلامي الجديد، الذي يبشر به الاستاذ محمود محمد طه... والدخول في مرحلة العلم (مراحل الايقان)، لا يكون الا بعد الدخول عبر مراحل الايمان- ونحن لنا الى ذلك عودة
    والذي يعنينا بصورة خاصة، ونحن نتحدث عن عن الانسان، المرحلة الثالثة من النشأة، والتي تميزت بدخول العقل، ومرحلة العقل المكلف بالذات.. وذلك للأهمية الكبيرة للعقل.. والعقل هو الروح الإلهي الذي نفخه الله في البنية البشرية، فأصبحت بفضله مشدودة الى الله، بعد أن كانت قبلا، مشدودة الى الأرض بحكم الجبلة.. وعن نفخ الروح الإلهي في البشر قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا، من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين) .. عبارة (فإذا سويته) تشير الى استعداد المكان لنفخ الروح الإلهي فيه.. وهذا استغرق زمنا طويلا جدا، هو الزمن الذي استغرقته حركة التطور، من أسفل سافلين، وحتى زمن بروز العقل .. والنفخ لم ينته، وهو لن ينتهي، فهو سرمدي.
    والنفخ، في القلب.. والقلب هو ذات الحي.. وهو الحي الذي أعطى الجسد والدماغ الحياة، ولذلك التركيز في القرآن كله على القلب، ولا يجئ ذكر العقل- الدماغ والجسد- إلا في المكان الثاني. ولقد كان النفخ بوسيلة (الخوف).. فبسبب الخوف برزت الحياة، وتطورت في المراقي الى يومنا هذا، ولكن الحياة لن تكمل إلا إذا تخلصت من الخوف البدائي العنصري.. فبعد أن كان الخوف السبب الأساسي، في تطور الحياة، أصبح الآن العقبة الأساسية أمام كمالها!! وبذلك أصبح العدو الأول للحياة!! ولاسبيل الى التخلص من الخوف، بما يعين على دخول المرحلة الرابعة من مراحل نشأة الانسان، إلا بالإسلام، في مستواه العلمي
    لقد تحدثنا عن الحاسة السادسة، والحاسة السابعة.. أما الحاسة السادسة فهي الدماغ.. ووظيفتها الادراك المحيط، والموحد (بكسر الحاء) لمعطيات الحواس الأخرى- اليد، والأذن، والعين، واللسان، والأنف- في اللمس، والسمع، والبصر، والذوق، والشم.. فإذا قويت يكون ادراكها لكل شئ عظيم الشمول، فلكأنها، تمسه، وتسمعه، وتراه، وتذوقه، وتشمه، في آن واحد..
    أما الحاسة السابعة فهي القلب.. ووظيفتها الحياة.. وهذه الحاسة هي الأصل، وجميع الحواس رسلها، وطلائعها، الى منهل الحياة الكاملة.. وعن طريق تجويد العمل، في منهاج السنة، يتم تحقيق هاتين الحاستين، بالرجوع الى سلامة الفطرة، وهي العقل الصافي، والقلب السليم.. وهذا هو الإسلام في مرحلته العلمية.. ولهذا الإسلام بداية، ولكن ليست له نهاية، فالتطور في مجاله سرمدي
    الانسان مشروع، له بداية وليست له نهاية، فالسير في مجاله سير سرمدي.. وكذلك الإسلام، هو مشروع، له بداية وليست له نهاية، والسير في مجاله سير سرمدي.. والإسلام والانسان، مرتبطان، بصورة دائمة، تجعل من المستحيل الفصل بينهما.. هذا، منذ الأزل، والى السرمد.. وفي هذا الارتباط الانسان هو الغاية، والإسلام وسيلته.. وكل الذي تغير، وكل الذي يتغير، هو تدرج التحقيق بالنسبة لانسانية الانسان، وبالنسبة لدرجات الإسلام.. ولذلك فإن حديثنا كله سيكون منصبا على الانسان وعلى الإسلام.


    خالد الحاج عبد المحمود - رفاعة




    نواصل ...

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 26-01-2007, 06:28 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-01-2007, 03:41 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته


    خالد الحاج عبد المحمود


    (3) الحياة



    ما هي الحياة؟


    لقد قررنا في الحلقة السابقة، حقيقة أساسية، نحب أن نبدأ بها هنا، وهذه الحقيقة هي: أنه ليست هناك غاية في ذاتها إلا الانسان.. فكل شئ في الوجود إنما هو وسيلته .. والإنسان ليس كائنا، وإنما هو مستمر التكوين.. هو مشروع بدايته في الأزل ونهايته في السرمد.. والانسان كمشروع، وسيلته الأساسية الاسلام.. الاسلام العام، الذي هو دين الخلائق جميعها، والاسلام الخاص، الذي هو دين الانسان، دين العقول، والذي افترع بآدم، أبو البشر الحاليين.. والاسلام هذا ـ دين الانسان ـ كانت بدايته، مع أول نبوة في الأرض ـ نبوة آدم ـ ولكن ليس له نهاية.. نهايته في السرمد، لأنه حركة من المحدود الى المطلق ـ الله ـ وليس للمطلق نهاية فتبلغ.. وعلى ذلك، الاسلام، مثل الانسان، مشروع له بداية، وليست له نهاية.
    وقد نزلت البشرية، اليوم، آخر منازل تطورها نحو بداية مرحلة الإنسانية، والتي ينتظر لها أن تنزلها، في الايام القليلة القادمة، إن شاء الله.. ويومها، ستدخل الإنسانية مداخل الاسلام الاخيرـ المستوى العلمي من الاسلام.. وهذا الاسلام، الأخير، هو ما تبشر به دعوة الأستاذ محمود محمد طه، وهو ما سنتناوله، ببعض التفصيل لاحقا.
    وتطور الانسان في مراقي الاسلام، هو تطور في الحياة ـ حياة الانسان.. حياة الفكر والشعور.. فبالنسبة للإنسان، الحياة وحدها، هي الغاية في ذاتها، وكل ما عداها وسيلة لها، وهكذا ينبغي ان تتخذ.. وحياة الانسان تقوم على أمرين أساسيين، هما: العلم والحرية.. فالعلم هو وسيلة الحرية، والحرية هي وسيلة الحياة.
    الحياة في تعريفها الأساسي، هي تجلي الله، باسمه (الحي).. والتجلي عام، وما يعين مستواه أو درجته، هو استعداد المحل في المتجلي عليه.. وعلى ذلك، ما من شئ الا وهو حي، المادة العضوية، والمادة غير العضوية، في ذلك سواء، ولكن لضرورة التمييز، اصطلحنا على قصر الحياة على المادة العضوية، أما المادة غير العضوية، لأن الحياة فيها كامنة، لم تبرز، فقد اصطلحنا على اعتبارها اصطلاحا غير حية..
    وقد بدأت، الحياة، بمعناها الاصطلاحي، بحيوان (الخلية) الواحدة.. وهذه (الخلية) إنما تمثل الانسان، في منزلة متقدمة، من منازل سيره في طريق الرجعى.. وبهذه الخطوة الجليلة، والخطيرة، أفتتح عهد جديد، عهد عظيم.. عهد الحياة والموت.. وبعهد الحياة والموت هذا، دخل الخوف في المنطقة.. وبدأت الحياة تنقسم.. وهذه القسمة تمثل بداية ظهور اللطيف من الكثيف.. وهذه بداية الإدراك.. وقد كان الإدراك البدائي يتمثل في الحس.
    الموت هو نقيض الحياة، التي به تظهر.. وكما ذكرنا، الاختلاف بين النقيضين، اختلاف في الدرجة فقط.. والنقيض الأعلى دائما هوالأصل، والأدنى متحرك يطلبه.. فالموت وجه من وجوه الحياة، ووسيلة من وسائلها.. أما الموت بمعنى الانعدام التام للحياة، فلا وجود له.. يقول الاستاذ محمود: ((الموت الحسي ليس، في الحقيقة، كما نظن نحن الآن، وإنما هو ميلاد في حيز غير الحيز الذي كنا نألفه نحن، مثله، في ذلك، مثل ميلاد الطفل في عالمنا هذا، فإنه جاء من حيز عاش فيه مدة، وألفه، واطمأن إليه، ولم يخطر بباله حيزغيره، ولو خير لكره الخروج عنه إلى عالمنا هذا كما يكره أحنا أن يموت الآن.. نحن أيضا عندما نموت سنجد أنفسنا في عالم خير من عالمنا هذا.
    الموت بمعنى الفناء ليس هناك.. فالإنسان لا يموت، وإنما يتخلص من القوقعة كما يتخلص أحدنا من الملابس البالية.. وتبرير الاسلام للموت أنه سير الى الله.. سير من البعد الى القرب
    فالحياة درجات متفاوتة، من حياة حيوان الخلية الواحدة، والى حياة الله تعالى، في اطلاقه.. كل درجة من درجات الحياة، هي حياة بالنسبة لما دونها، وبالنسبة لما فوقها هي موت، وتتفاوت الحياة بحسب موقعها من مصدر الحياة الأصلي "الله" .. ففناء الحياة هو تقلبها في الصور، في طريق رجعاها الى مصدرها.. وقد تحدثنا في الحلقة الأولى عن الفناء والبقاء، وقلنا (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام).. (فان) يعني متقلب في الصور، وقلنا (يبقى وجه ربك) يعني يبقى البقاء النسبي، الوجه القريب من الله من الأشياء، ويبقى البقاء المطلق، وجه الله المطلق.. ففناء الحياة يعني تطورها في المراقي، تطلب الحياة الكاملة المطلقة الكمال، ولذلك تطور الحياة، لا نهاية له، السير في مضمارها سير سرمدي!!
    والموت من اهم وسائل تطوير الحياة (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) .. فالابتلاء هو وسيلة تطوير الحي (لقد خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه، فجعلناه سميعا بصيرا) .. فبالموت والحياة، يكون احسان العمل (أيكم أحسن عملا)، وباحسان العمل يكون الانتصار على الموت، والانتصار للحياة.. "فالجسم هو مظهر الروح يخضع للعلة، والموت، ولكن الروح غير خاضعة لأيهما".. فالانتصار على الموت يكون بتغليب جانب الروح على جانب الجسد، بتحويل كثافته الى لطافة، وهذا هو عمل العبادة الاساسي، وهي عمل العذاب لمن يحتاج للعذاب .. والعبادة إنما هي عمل في الفكر، به يتم الاستغناء عن العذاب (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما)
    الموت الحقيقي، الموت الأعظم، هو موت القلوب بالغفلة عن الله، قال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) قوله: (أو من كان ميتا) بالجهل بالله.. (فأحيناه) بالعلم بالله.. يعني أو من كان ميت القلب بظلام الكفر، فبعثنا قلبه، وأحييناه بنور الايمان، كمن هو في ظلمات الجهالات يتخبط فيها على غير هدى؟ والى غير خروج)) ـ كتاب القرآن ومصطفى محمود ـ فالحياة هي السير من البعد عن الله الى القرب من الله، وهو "الحي" بالأصالة.. فالبعد موت، والقرب حياة - بعث من الموت .. فنحن أموات بالقدر الذي به نكون غافلين عن الله، وأحياء بالقدر الذي نكون به حاضرين معه تعالى.. فالقرب من الله هو قرب معنوي .. والقرآن وطريق محمد، صلى الله عليه وسلم،هما وسيلة هذا القرب، وعلى ذلك، هما وسيلة الحياة، الحقيقية الباقية، التي لا يزيدها الموت الحسي، إلا كمالا، يقول تعالى: (واستجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم..) ويقول: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).. ويقول تعالى عن الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)
    كلمة (موت) تستخدم في الاسلام، للموت الحسي، الذي به تبدأ مرحلة دخول عالم البرزخ، وهي نفسها تستخدم لتعبر عن الموت المعنوي، بصورة سلبية، بمعنى الغفلة وموت القلوب، وهذا هو الموت الحقيقي، كما ذكرنا، وتستخدم كلمة "موت" في بعض الأحيان، بمعنى ايجابي، بمعنى موت النفس السفلى ـ الرغائب والشهوات ـ وهذا (الموت) هو الحياة الحقيقية والباقية، واليه الاشارة بقول المعصوم (موتوا قبل أن تموتوا) يعني موتوا عن رغائبكم وشهواتكم، قبل أن تموتوا الموت الحسي، أو بمعنى آخر، حققوا بالعبادة والسلوك، السيطرة على شهواتكم بالصورة التي ترفع عنكم الحجاب، قبل أن يرفعه عنكم الموت الحسي.

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 06-02-2007, 06:53 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-01-2007, 03:43 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    وسائل الحياة:


    إن مصدر الحياة الأساسي، بل الوحيد، هو الله تعالى، فهو وحده الذي يحي ويميت، ولا يوجد شريك له في ذلك.. ولكن الله تعالى، رتب أسبابا ظاهرة للحياة والموت، يعمل من خلالها.. وبذلك أصبح هنالك سبب حقيقي للحياة والموت، وهو واحد، وهنالك أسباب مباشرة، وهذه الأسباب المباشرة لا تعمل من عندها، هي لا تعمل إلا بالتوافق مع السبب الحقيقي، فهي وسيلة تنفيذ لما هو مقرر، في السبب الحقيقي.. فالسبب الحقيقي للحياة هو الله، أما الأسباب الظاهرية "الشرعية"، فهي عديدة وتختلف باختلاف مستويات الحياة، في تجلياتها المختلفة.. فأسباب الحياة، عند الملائكة، وعند الجن، وعند الحيوانات والبشر، وعند النبات مختلفة.. وحتى السبب الواحد قد يختلف من وقت لآخر، فالأكسجين مثلا، الذي يشكل العنصر الأساسي في اسباب الحياة المادية، كان في وقت من الأوقات هو السم الأساسي الذي هدد الحياة، حتى برزت أنواع من الأحياء تأقلمت عليه، فتحول دوره من خطر يهدد الحياة، الى لازمة من لوازم بقائها.
    والحياة عند الانسان، ليس مجرد الحياة البيولوجية، وإنما بالإضافة لهذه الحياة، هنالك بعد آخر، أساسي، هو البعد الروحي للحياة.. فالانسان جسد وعقل (روح) وليحي حياة متوازنة، لا بد من إشباع حاجات الجسد، وحاجات الروح، وهنا يقع الخلاف الأساسي بينه وبين الحيوان، وقد قال السيد المسيح: (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان) .. وقال أكرم القائلين: (استجيبوا لله وللرسول، إذا دعاكم لما يحييكم).. وعندما نهى النبي الكريم، الأصحاب عن صيام المواصلة، قالوا له: إنا نراك تواصل يا رسول الله .. قال: (إني لست كأحدكم، فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقـيني)، وهو بالطبع، لا يطعمه خبزا، ولا يسقيه ماء.. وهذا يقودنا الى مستويات الحياة عند الإنسان.

    إرادة الحياة وإرادة الحرية:


    عندما تهيأت الظروف في الأرض، أبرز الله تعالى المادة العضوية، من المادة غير العضوية، في مستوى الخلية الواحدة، وكانت هذه بداية الحياة.. واودع الله تعالى، في الحياة (إرادة الحياة) وهي قوة تعمل، بدافع حب البقاء، للاحتفاظ بالحياة.. وقانونها السعي وراء اللذة، والفرار من الألم.. وإرادة الحياة تتمتع بالحركة التلقائية، وذلك لأن دوافع حركتها، وقوى حركتها، فيما يظهر مودعة فيها، وهي حركة يستخدمها الحي في تحصيل قوته، وفي الاحتفاظ بحياته، والاحتفاظ بنوعه..
    ثم لما ارتقى الله تعالى بالحياة الى مرتبة الانسان، زاد على إرادة الحياة، عنصرا جديدا، هو (إرادة الحرية)، وهي إنما تختلف عن ارادة الحياة اختلاف مقدار، فهي الطرف الرفيع الشفاف من ارادة الحياة.. يقول الأستاذ محمود عن الإرادتين: ((.. فإرادة الحياة حواء البنية البشرية، وإرادة الحرية آدمها، والعقل هو نتيجة اللقاء الجنسي بين آدمها وحوائها هذين. وفي مرتبة اللقاء الجنسي الذي ينتج العقل فإن لإرادة الحياة اسما آخر، هو الذاكرة، وإرادة الحرية هي الخيال. والذاكرة هي حصيلة التجارب السوالف جميعها، ومن ثم فقد أسميناها النفس، في موضع آخر، وقد ورد أن القصاص المراد به تقوية التخيل عند من يحتاج أن يوضع بالقصاص في موضع ضحيته. والتخيل هو إسم آخر للذكاء، وهو القدرة الدراكة، والإرادة الكابتة لرغايب النفس التي لا يرضى عنها القانون. والذكاء يعمل في توجيه رغايب النفس بفعل الخوف فيه - أو قل بفعل الرغبة والرهبة فيه - وهو، كلما أحسن السيطرة على رغائبها، كلما زاد قوة ومقدرة على التمييز.)) ـ الرسالة الثانية من الاسلام ـ
    فدخول العقل، ودخول الارادة البشرية، يشكلان نقطة تحول أساسية في الحياة.. بل هي نقطة التحول الأساسية، وبها أصبحت الشخصية البشرية منقسمة بين دوافع (إرادة الحياة) التي تقوم على الغرائز ، ومقتضيات (إرادة الحرية) التي تقوم على العقل، وتعمل على تهذيب الشهوة الحيوانية وتقييدها.. وبذلك أصبح هنالك صراع داخل الشخصية البشرية، لم يكن موجودا عند الحيوان.. وبذلك اختلفت مسيرة الانسان عن مسيرة الحيوان، واصبحت حاجات الانسان، اكثر تعقيدا من حاجات الحيوان، ولا يكفي فيها اشباع جانب واحد من الجانبين دون الآخر.. ومن هنا تنبع أزمة الانسان، ومن هنا ينبع كماله.. وانقسام الانسان، مر بمراحل، وكانت بدايته الحقيقية منذ ظهور الحياة نفسها، فإن ظهور المادة العضوية من المادة غير العضوية، الذي يؤرخ بدء الحياة، في صورتها البسيطة، إنما هو انقسام المادة بين لطيف وكثيف.. وقد ظل الكثيف يلطف، واللطيف يزداد لطافة، حتى بلغا في مرحلة الانسان، أن أصبح اللطيف يمثل العقل، والكثيف يمثل الجسد.. ولقد كان الانقسام في جميع أطواره بدافع الخوف.. فلولا الخوف لما ظهرت الحياة في المكان الأول، ولما ترقت بظهور العقل في المكان الثاني.. ولكن الحياة لن تبلغ كمالها إلا إذا تحررت من الخوف تماما.. فالخوف كان صديقا في بدايات النشأة، وهو عدو في أخرياتها.
    من كل ما تقدم يتضح أن الحياة مستويات، والله تعالى يسيرنا، بالوسائل المختلفة لنرقى درجات هذه المستويات ((فالناس مسيرون ، من مرتبة العناصر إلى مرتبة الحياة ومن مرتبة الحياة البدائية إلى مرتبة الحياة المتقدمة الراقية المعقدة ، ومن هذه إلى مرتبة الحرية الجماعية بدخول العقل في المسرح ، ومن مرتبة الحرية الجماعية ، إلى مرتبة الحرية الفردية المطلقة ، والتسيير يطرد في هذه إلى غير نهاية، لأنه سير إلى الله في إطلاقه)) - الرسالة الثانية -
    لقد ذكرنا أن العقل عند الانسان، أمر بترويض الشهوة.. وعلى هذا قام التكليف، وبه ظهر الانسان.. فالحياة عند الانسان في هذه المرحلة من تطوره، تقع في مستويين: مستوى حياة الحيوان، ومستوى حياة الانسان.. أو الحياة الدنيا، والحياة العليا أو الأخرى.. والفيصل بين الحياتين هو التخلص من النزعة الحيوانية.. فالإنسان ما دامت مسيطرة عليه صفات الحيوان، خضع لها أو قاومها، فهو في الحياة الدنيا.
    والعمل في المنهاج الديني كله إنما هو سير من النفس الدنيا ـ الحيوانية ـ الى النفس العليا ـ الإنسانية ـ ولذلك هو عمل في تحقيق انسانية الانسان.. والنفس العليا، إنما هي النفس الخاضعة، في شهواتها، لمقتضيات العقل القوي المستحصد.. وإنما جاءت الشرائع لتعين العقول على هذه القوة وهذا الاستحصاد.. والحياة العليا، هي حياة الفطرة السليمة، وهي الاستعداد الكامن عند كل الناس، وعمل المنهاج أن يبرزه من كمونه، بإزالة الحجب التي تغطيه.. ففي قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .. هذه الفطرة في سويداوات القلوب، وهي وإن تغطت، إلا أنها ثابتة لآتتغير، ولذلك قال تعالى عنها: (لا تبديل لخلق الله).. والاسلام دين الفطرة، لأن العمل وفق منهاجه يقود الى هذه الفطرة، وهي صفاء الفكر وسلامة القلب.
    فعلى ضوء هذا التعريف للحياة، فإن العلمانية تتعلق بالحياة الدنيا ـ الحياة السفلى ـ حياة الحيوان في الانسان، وتغفل عن الحياة الأخرى ـ حياة الانسان.. ونحن سنعرض هذا الأمر بشئ من التفصيل، عندما نتحدث عن الحضارة الغربية.
    إن قضية الحياة، ستصحبنا في جميع الحلقات اللاحقة، خصوصا عندما نتحدث عن المنهاج وعندما نتحدث عن الفكر وعن الحرية، ولذلك هنالك الكثير من القضايا، المتعلقة بالحياة، سنتركها الى حين الحديث عنها عندما نتحدث عن القضايا المذكورة.. فنحن هنا إنما أردنا فقط تقديم تصور عام لمفهوم الحياة.

    خالد الحاج ـ رفاعة
    21/1/2007


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-02-2007, 03:51 AM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    فوق!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-02-2007, 02:18 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    شكري عزيزي حيدر على المتابعة والدفرة فالفكر الحر لايزال في هذه الديار غريب ومستوحش
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-02-2007, 02:20 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته

    (4)
    الفكر


    "قديماً هام الناس بسر الحياة الأعظم .. هاموا بسر القدرة، و بسـر الخلود .. فجـــد الفلاسفة وراء ما أسموه بحجر الفلاسفة، و بحث الكيماويون عما أسموه إكسير الحياة.. وحلم القصاصون بخاتم المنى، و بالفانوس السحري.. و لم يظفـر أي من هؤلاء بشئ مما كانوا يبتغون.
    قل لهؤلاء جميـعاً ، و لغير هؤلاء ، من سائر الناس، إن سـر الحياة الأعظم ـ إن إكسير الحياة ـ هو الفكر .. الفكر الحر .. الفكر القوي، الدقيق ، الذي يمـلك القدرة على أن يفلق الشعرة ، و يملك القدرة على أن يميز بين فلقتيها.. وهذا الفـكر إنما هو ثمرة العقل المسدد ، المروض، المؤدب بأدب الحق ، وأدب الحقيقة".. من أقوال الأستاذ محمود

    العقل عقلان:
    في اول نشرة للحزب الجمهوري، الذي تزعمه الأستاذ محمود محمد طه، والصادرة في 26 اكتوبر 1946، جاء قولهم: "ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شئ ، أكثر ولا أقل ، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي، و ماندع من أمورنا ـ الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد ، و يسأل عن قيمة كل شئ ، وفي قيمة كل شئ .. فليس شئ عنده بمفلت عن البحث، وليس شئ عنده بمفلت عن التشكيك .. فلا يظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر .. و لا يظنن أحد أن النهضة الإقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر .. و لا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ممتعة بغير الفكر الحر"
    ووقت صدور هذا القول، لم تكن الدعوة الدينية قد تبلورت.. ولكن عندما تبلورت الدعوة الدينية زادت هذا القول توكيدا، وأعطت الفكر الحر الإطار المرجعي، ونموذج الإرشاد الذي يوجهه، كما أعطته المنهاج الذي يروضه ويحرره، ثم هو منهاج ينبع من نموذج الارشاد، واطار التوجيه المذكور، وهو (التوحيد).. والتوحيد كما سبق أن ذكرنا، في دعوة الأستاذ محمود للإسلام، يدخل في كل شئ.. هو يدخل في كل شئ بالمعنى الحرفي للعبارة.. وحسب التوحيد فإن العقل عقلان: عقل كلي، قديم، وهو المسيطر على جميع العوالم، علويها، وسفليها.. وعقل جزئي، محدث، وهو ما يتمتع به الفرد البشري العاقل.. وكمال العقل الجزئي، المحدث، أن يطابق، ويوافق، العقل الكلي القديم، والقرآن هو قانون العقل القديم، وأثره، بترسمه ويستدل عليه، ولذلك قلت، آنفا: أن القرآن منهاج للحياة، على أسلوب ينبه في العقل البشري القوى الكامنة، التي إن هي إلا قبس من العقل الكلي، القديم، (الله) ـ رسائل الاول ـ والإنسان (آدم)، هو عقل الوجود الحادث، وقد سبق أن أشرنا الى الحديث النبوي (أول ما خلق الله العقل) والى الحديث الآخر (اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) وقلنا أن الحديثين بمعنى واحد.. يقول الأستاذ محمود: "وآدم في الوجود متنازع بين الملائكة من أعلى، والأبالسة من أسفل، فهو برزخ الوجود كله، وهو في ذلك عقل الوجود أيضا.." !! ويقول: "وعقل آدم، في آدم، متنازع بين (إرادة الحياة) وهي النفس، من أسفل، (وارادة الحرية) وهي الروح، من أعلى، وهو أيضا برزخ.." ـ الرسالة الثانية ـ
    لما كان الإنسان، برزخا بين الملائكة الأعليين ، والأبالسة الأسفلين، فهو نقطة التقاء النور والظلام ـ العقل، والشهوة ـ وقد امر العقل في الإنسان، بترويض الشهوة.. وعلى هذا قام التكلييف، وبه ظهر الإنسان.. انسانية الإنسان تحدد بدخول (القيمة) في حياته.. تلك القيمة التي جعلته يفارق خط الحيوان، حيث الغرائز والشهوات هي التي تسيره، الى خط الإنسان، حيث الغرائز تخضع لسيطرة، وتوجيه العقل.. ومن هنا يجئ المستويين من الحياة، اللذين تحدثنا عنهما: مستوى الحياة السفلى، حياة الحيوان في الإنسان، ومستوى الحياة العليا ـ حياة الإنسان.. وعندما نقول أن الحياة هي الغاية، انما نعني حياة الإنسان.. فحياة الحيوان وسيلة لحياة الإنسان ـ وعندما وصلت البشرية، الى مرحلة العقل المكلف، وبعد تطور طويل، اصبح العقل عند الإنسان يقع في مستويين، عقل المعاش، وهو مستوى النفس الحيوانية، وعقل المعاد وهو مستوى النفس الإنسانية.. والاختلاف بينهما اختلاف في الدرجة، فعقل المعاد هو نفس عقل المعاش ، بعد رياضته وتهذيبه.. وعقل المعاد هو عقل الدين، الذي ما جاء الدين الا لابرازه، وتحقيق انسانية الإنسان عن طريقه.. يقول الاستاذ محمود: "وبدخول هذا القانون ـ قانون التكليف ـ انقسم الإنسان.. وبدأ سيره نحو الإنسانية، مبتعدا عن الحيوانية.. وكل مشقة يحتملها في هذا الاتجاه، انما هي منزلة قرب من انسانيته، تمثل في حد ذاتها، منزلة بعد عن حيوانيته.." ـ تعلموا كيف تصلون ـ ويقول الاستاذ محمود من مخطوطة الديباجة، عن المستويين من العقل: "مرحلة الجسد والعقل المتنازعين، هي مرحلة الكبت، التي نعيشها الآن والتي بها ارتفع الإنسان فوق مرتبة الحيوان ـ فوق مرحلة الجسد الصرف ـ والفضل في ذلك لله، ثم للعقل .. والعقل عقلان: عقل معاش، وعقل معاد.. فأما عقل المعاش فهو القوة الدراكة فينا، التي استلها، من الجسد، الخوف من القوى الرهيبة التي هددت الحياة، بالموت الذريع، منذ اول النشأة.. فهو من اجل ذلك، قلق، مضطرب، خفيف.. يجسد الخوف.. ويجسد الحرص.. وهو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان.. وحركته ليست فكرا، وانما هي قلق، وخوف مما يجئ به المستقبل المجهول.. هو غريزي، وليس مفكرا.. هو شاطر وليس ذكيا، وادراكه علماني وليس علميا، وقد وردت الاشارة لهذين قبل حين.. ومن هذا العقل يجئ الجبن والحرص، وحب الادخار، وكل مذام الصفات.. وأما عقل المعاد فهو ايضا القوة الدراكة فينا، وهو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش، والقلب، وهو ايضا خائف، ولكن خوفه ليس عنصريا ساذجا، انما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر.. عقل المعاد موزون، رزين، وقور.. وهو ايضا موكل بحفظ الحياة، ولكنه لا يخاف عليها من كل ناعق، كما يفعل عقل المعاش وذلك لأنه يملك موازين القيم.. فهو قد يستهين بالخطر الماثل، في سبيل الأمن الدائم.. وهو قد يضحي باللذة العاجلة، ابتغاء اللذة الباقية ـ هو ينشغل بالحياة الاخرى اكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا ـ عقل المعاد هو عقل الدين ـ هو الروح.. نحن لانفهم الدين بعقل المعاش، وانما نفهمه بعقل المعاد.. وعقل المعاش يتأثر بعقل المعاد ويؤثر فيه.. قال تعالى في العقلين: (الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم) الشيطان هنا عقل المعاش، والرحمن عقل المعاد.. والشيطان داخلنا وخارجنا.. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير، وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره.. وإنما هو داخلنا لأننا خلقنا من الطين المحروق بالنار، في حين خلق الشيطان من النار.. (خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار) .. وعقل المعاش حين يؤثر على عقل المعاد يزلزله، ويخرجه عن وقاره، ويذهله عن قيمه.. وانما من اجل تهذيب عقل المعاش جاءت الشريعة.. فهي بوسيلة العبادة، وبوسيلة العقوبة، تسير عقل المعاش فيتهذب ويلتقي بعقل المعاد.."
    وعن تهذيب المنهاج لعقل المعاش يقول الأستاذ من الديباجة: "والعبادة ثلاث مستويات: فكرية، وقولية، وعملية.. وأعلى مستويات العبادة العملية الصلاة.. وهي تشمل الفكر، والقول، والعمل منذ بداياتها.. والصلاة تهذب عقل المعاش، بصورة أوكد من كل عبادة، لأنها تحارب الجولان بين الماضي والمستقبل، وتروض المصلي على أن يعيش اللحظة الحاضرة.." ويقول عن الرسول الكريم ومنهاجه: "وقد جاء التشريع، والرسول والقرآن، من أجل تهذيب عقل المعاش، وتطمينه من الخوف العنصري الذي هو الأب الشرعي لكل آفات السلوك. ولقد جسد الرسول القرآن، فعاشه في جميع حركاته، وسكناته.. فتحرر من المخاوف الذي يسوقها عقل المعاش، فكان لا يخاف الرزق، من أن يجئ، وكان ينفق ما يزيد عن حاجته الحاضرة، وكان يأخذ من الدنيا زاد الراكب، وزهد في كل شئ عدا الله، فتحرر من حب الادخار، وحب السلطة، وحب التعالي على الناس، ومن استرقاق العناصر أياه، واخلص عبوديته لله: ( قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له.. وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين) هكذا كان، ونحن نرفع نموذجه للناس ليهذبوا عقول معاشهم؛ ويفضوا الى عقول معادهم على نحو مما فعل.." ونحن لنا عودة للحديث عن تهذيب عقل المعاش، وعن الفكر، وتحرير الفكر، عندما نتحدث عن المنهاج.

    الفكر وطبيعة الوجود:
    إن الطبيعة الإنسانية تتميز عن سائر الخلائق بالعقل ـ القوة الدراكة ـ كما سبقت الى ذلك الاشارة، وهوعامل التطور والترقي الأساسي عند البشر.. وهو في مرحلة الإنسانية القادمة، سيكون من بعد الله، عامل التطور الوحيد، وذلك عندما ندخل مرحلة التطور العقلي الصرف ـ مرحلة الإنسانية ـ ومنذ البداية قررنا أن طبيعة الإنسان وطبيعة الوجود طبيعة واحدة في الأصل، وقد سبق أن قررنا أن الكون، كون روحي، ذو مظهر مادي، ونذكر هنا أن الكون صنع من (مادة الفكر)... كل شئ نصنعه نحن لا يتم صنعه إلا بعد أن يكون قد نزل ثلاث نزلات: فنزلة الى مرتبة العلم، وأخرى الى مرتبة الارادة، وثالثة الى مرتبة القدرة.. وقد تكون هذه ثلاث النزلات منفصلة عن بعضها البعض، ومتميزة، وقد تكون مندمجة ومتصلة، ولكنها موجودة ثلاثتها.. وصناعتنا في أطوار بروزها تحكي صناعته تعالى، غير أن صنعنا نحن ناقص، وذلك لمكان نقص ذواتنا، ونقص عقولنا، ونقص فكرنا، ونقص علمنا، ونقص ارادتنا، ونقص قدرتنا.. ونحن، الى ذلك، عندما نصنع شيئا لا نصنع المادة التي نصنع منها، وإنما نتصرف في مادة ناجزة، فإن لم تكن مادة ناجزة فإننا لا نعدو أن نجمع تكوينها من أجزاء ناجزة لا دخل لنا في صنعها، وما ينبغي لنا، وما نستطيع..
    "والذات القديمة علمها قديم، وإرادتها قديمة، وقدرتها قديمة ..وهي لا تعلم بعقــل كأحدنا وإنما تعلم بذاتها، وتريد بذاتها، وتقدر بذاتها .. وهي لم تصنع العالم من مادة سابقة وإنما صنعته من لدنها .. قال تعـالى في ذلك: (يأيها الناس اتقوا ربـكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها) فإن هذه النفس الواحدة، هي نفسه، تبارك، وتعالى .. فالعالم هو تجسيد علم الله – هو تجسيد فكر العقل الكلي، المحيط، والمطلق، في ذلك – وإنه لحق أن العالم قد صنع من مادة الفكر، ومن أجل ذلك جاءت كرامة الفكر .. ولم يجعل الله هاديا في شعاب ظلمات العالم غير نور العقل القوي الفكر .. وإنما من أجل تقوية الفكر أرسل الله الرسل، وأنزل القرآن، وشرع الشرائع قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس، ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون) فكأن العقل، إذا روض، وأدب بأدب الشريعة، وأدب الحقيقة، (أدب الوقت)، أصبح شديد القوى، دقيق الفكر، نافذه.." - القرآن ومصطفى محمود -


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-02-2007, 07:15 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته


    العلم واحد، والمعلم واحد:


    من حقائق التوحيد، أنه لا علم في الوجود، إلا علم الله.. فكل من علم إنما يعلم من علم الله الذي لا علم غيره (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) وهو كل لحظة يشاء لعباده من العلم، ما يزيد معرفتهم به .. (يسأله من في السموات والأرض، كل يوم هو في شأن)، وشأنه هو إبداء ذاته لخلقه ليعرفوه.. فلما كان مصدر العلم واحد، فكذلك المعلم واحد، هو الله تعالى، الذي (علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) .. قال علم (الإنسان) ولم يقل المؤمن أو المسلم، وعن تعليم الله تعالى للخلائق، دون البشر، يقول تعالى، مثلا: (وأوحى ربك الى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا، ومن الشجر، ومما يعرشون).. وطالما أن الفاعل في الوجود، في الحقيقة واحد، فمن الطبيعي أن يكون المعلم في الوجود، في الحقيقة واحد.. أما المعلمين في الشريعة، في الظاهر، فهم كثر.. ويمكن أن يقال أن جميع العناصر المتعددة، في البيئة، هي المعلم المباشر، والله من ورائها محيط.. ومادة العلم الأساسية هي معرفة الله، في تنزلاته ـ ويمكن أن يقال ان مادة العلم الأساسية، هي المقدرة على التواؤم بين الحي وبيئته.. وقد ذكرنا أن البيئة، بيئة روحية ذات مظهر مادي، والتواؤم إنما يكون مع أصلها الروحي، ومظهرها المادي.
    ولقد سبق أن ذكرنا، في الحلقة الأولى، أن طالما أن كل ما يحدث في الوجود، هو مظهر لإرادة الله، فإنه لا يوجد باطل مطلق، فالباطل نسبي، والحق نسبي، وهما يتخذان نسبتيهما من علم الله المطلق.. فكل من يدرك هو يدرك وجه من وجوه الحقيقة، وتغيب عنه وجوه.. ولذلك السير في مجالات العلم والمعرفة سير سرمدي، لأنه حركة من المحدود الى المطلق، وما للمطلق نهاية فتدرك.. قال المعصوم: (لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير.. ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده.. وما علم ذلك أحد!! قالوا ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا!! قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شئ!! قال: إن الله أخطر وأجل من أن يحيط بما عنده أحد!!).. ولذلك قال له ربه: (وقل رب زدني علما..) .. وفي حديث آخر قال: (إن أعلم العلماء بجانب الله أحمق من بعير..) .. وفي ثالث جاء قوله: (لا يزال المرء يعلم، ما لم يظن أنه علم، فإن ظن أنه علم، فقد جهل)!!
    فالمعرفة في جميع صورها، هي الصلة بين المتعلم، والله ـ مصدر المعرفة الأساسي والوحيد ـ وهذه الصلة دائما، من جانب الحقيقة ـ جانب الله ـ قائمة، وعليها يقوم تعليم الخلائق جميعها، في جميع حركاتها وسكناتها.. ولكن المعرفة، بالمعنى الاصطلاحي تقوم بين الله وبين خلقه في الشريعة، وهذه تقوم من جانب العبد.. صلة الحقيقة قائمة من جانب الرب، وإن لم يدركها العبد، وصلة الشريعة تقوم من جانب العبد، والمطلوب أن تكون الصلة من جانب العبد مصاقبة للصلة من جانب الرب، وهذا لا يكون إلا بالتوجه إليه تعالى، والحضور معه.. فبالحضور مع الله، نسمع له، وندرك عنه، وهو تعالى متحدث بجميع الألسن (وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا!؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ، وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون).. والمعرفة بالله تؤهل لمعرفة نطق كل شئ.. ولقد سبق لنا أن قلنا أنه من مادة الفكر صنع العالم، فكل شئ فيه، وحركة كل شئ، وسكونه، هو خطاب من الله له دلالته!! وهذه الصلة، من جانب العبد، التي تؤدي الى الحضور مع الله، والعلم عنه تعالى، وسيلتها المنهاج (طريق محمد) عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، وهو ما سنتحدث عنه في موضعه.

    الإيمان:


    العلم في جميع مستوياته، وفي جميع مجالاته، يبدأ من الإيمان والاعتقاد..لا فرق في ذلك، من حيث المبدأ، بين الدين، والعلم المادي التجريبي.. فالإيمان يقوم مقام الفكر حين يعجز الفكر، أو ريثما يحل الفكر مكانه.. ومقام الفكر من العمل هو مقام الروح من الجسد، فلا تصلح اعمال الدنيا، ولا أعمال الأخرى، إلا بالفكر.. ولأن الإيمان هو المقدمة الطبيعية لكل فكر، ففي العلوم الطبيعية مثلا، لا يبدأ العالم بالتجربة، وانما يبدأ بفرضية تثبتها أو تنفيها التجربة، والفرضية تقول أن صحة الأمر هي كما يرى صاحبها، الى أن يثبت خلاف ذلك.. ولا يمكن لأي علم أن يتجاوز مرحلة الفرضية، فهي الأساس لكل بناء علمي، كما هي الأساس لكل فكر قويم.. ونحن وفي الحياة اليومية، وفي مختلف مجالاتها، لا نعلم كل شئ بأنفسنا، وإنما نعتمد كثيرا على علم الآخرين، في مجالات تخصصهم، ونبني عليه، وإن كنا لا نعلم شيئا ذو بال من علمهم هذا.. فعندما يذهب أحدنا الى الطبيب، هو يؤمن بأن الطبيب يملك العلم الذي يشخص به علته، ويقدم لها الدواء، وقد يكون المريض لا يعرف أي شي من علم الطبيب هذا، ولكنه يؤمن بالعلم الذي تخصص فيه الطبيب، ويؤمن بأن الطبيب ملم بهذا العلم، لأن له شهادة من جهة ما بهذا، وعلى ذلك قس.. فجميع حياتنا، اليومية، العادية، لا يمكن أن تقوم دون الإيمان.. ولو لم نكن نؤمن بما ينقله لنا الآخرون من علمهم وتجاربهم، لاستحالت الحياة.. والإيمان ليس عملا عشوائيا، فهو لا بد أن تسبقه معرفة أو تجربة ما تجعله مبررا في عقل صاحبه.. "بل الحقيقة أن العقل الذي يعرف قدر نفسه لا يمكن أن يرفض شيئا لمجرد أنه لا يجد العلم به، عتيدا عنده.. بل أن الواجب يقضي، إذا جهلنا شيئا، أن نؤمن به، ريثما ينكشف لنا حقه، من باطله.. وأما رفضنا إياه قبل ذلك، إنما يمثل جهلا بحقيقة أنفسنا، وينطوي على ادعاء كبير، إذ نجعل عقولنا حكما على الأشياء.. وهذا ما يحصل من أحدنا دائما. ولذلك فقد أصبحنا محتاجين الى منهاج يروض العقول على التواضع، وعلى المحايدة، وعلى البراءة من الغرض.." ـ تعلموا كيف تصلون ـ
    أما بالنسبة للدين، فإن العلم فيه كله يقوم على الايمان بالله، وكذلك العمل.. فالايمان، هو بداية، واساس، الهداية، يقول تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، يهديهم ربهم يإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم) .. والإيمان بالله، يقوم على مستويين: مستوى مشعور به في العقل الواعي، وهذا ما نقصده دائما بالعبارة عندما نتحدث عن الإيمان، وهذا هو الإيمان المطلوب والذي بالأخذ به يتم العلم.. والمستوى الثاني من الإيمان، هو المستوى غير المشعور به في العقل الواعي، وإنما مترسب في العقل الباطن، وهذ لا يخلو منه موجود في الأرض، ولا في السماء، لأنه القيومية التي قامت بها الأشياء.. وفي هذا المستوى لا يخلو حتى الكافر من الإيمان، يقول تعالى مثلا: (بل لعنهم الله بكفرهم، فقليلا ما يؤمنون).. فالاختلاف بين المؤمن والكافر هو اختلاف في درجة الايمان فقط.. فليس في الوجود خير، إلا ويأخذ مبدأه من الإيمان، وليس في الوجود معرفة، إلا وتأخذ مبدأها من الايمان، كانت هذه المعرفة دينية، أو دنيوية.

    الفكر الحر:


    لابد من التمييز بين حرية الفكر، والفكر الحر.. فحرية الفكر تتعلق بالمجتمع، والفكر الحر يتعلق بالفرد.. حرية الفكر، تعني ألا يكون عليه حجر من المجتمع، وقوانينه، وأنظمته.. وهذا شرط ضروري، للفكر الحر، ولكنه ليس شرطا كافيا، وإنما يجئ الفكر الحر، من تحرير صاحبه له.. فقد تتوفر الحرية الفكرية، ثم لا يكون الناس مفكرين أحرار.. فالفكر الحر هو الغاية، وحرية الفكر وسيلته.. هذه الغاية ـ الفكر الحر ـ لا تتأتى، إلا بمجهود صاحبها، في تحرير فكره.. ولا بد من ايجاد منهاج علمي وعملي لهذا التحرير
    فالفكر مؤوف بآفات عديدة، تقيده، وتحد منه، حتى أن الكثير مما نعتبره فكرا هو ليس بفكر، وإنما هو أهواء ورغائب، وعادات تخدع صاحبها بأنها فكر، وربما تخدع بعض الآخرين.. يقول الأستاذ محمود عن آفات الفكر (والفكر مؤوف بآفات لا حصر لها، وسببها، جميعا، الخوف.. والطمع طرف من الخوف.. والهوى صنو الطمع.. وإنما جاء الدين ـ الاسلام والقرآن ـ ليطب لآفات الفكر.. ولذلك فقد بدأت الشريعة بتقرير حقيقة كبرى، حواها قول المعصوم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) .. ونحن لنا لهذا الأمر عودة عندما نتحدث عن المنهاج.. ولقد سبق لنا أن ميزنا بين عقل المعاد، وعقل المعاش، فليراجع في موضعه.. المهم أن نقرر هنا، أنه ليكون الإنسان مفكرا، ليس أمرا تلقائيا، وليس هو مجرد استخدام عقله، بأن يكون (عقلانيا)، وإنما الأمر أكبر، وأصعب من ذلك بكثير، ويقتضي أول ما يقتضي أن يحرر المرء فكره، ويروضه على التواضع، وعلى المحايدة، وعلى البراءة من الغرض، ثم بعد ذلك ينمي فكره، فلا يكون فكرا سكونيا، وإنما فكرا داينميكيا، يتفوق على نفسه دائما، بأن يزداد عمقا، وشمولا، وسعة، وهذا مجال في التطور الفكري له بداية، وليست له نهاية، لا في الدنيا، ولا في الأخرى.. فسيظل العبد سائرا الى ربه، عن طريق الفكر، والذكر سرمدا.
    هنالك بعض القضايا الهامة، سنلمسها هنا مجرد لمس، على أن نعود لها مرة أخرى، ومنها أن أبواب العقل الى العالم الخارجي هي الحواس، والحواس متعددة، وتقابل تعدد العالم المادي الظاهر، ومنها تبدأ عملية المعرفة بالإدراك الحسي.. والحواس ـ كل منها له ـ سقف من أعلى ومن أسفل، وهذا السقف ليس سقفا نهائيا لا يمكن تخطيه، بل لابد من تخطيه، في الجانبين.. كما أن الحواس تعمل كل على حدة، والمطلوب أن تعمل متحدة ـ وقد سبقت الى ذلك الاشارة ـ وهي نفسها ثنائية، وهذا يقابل اعلى مرحلة للتعدد ـ الزوجية ـ وهذه منطقة العقل، وهي ليست الكلمة الأخيرة، وإنما الكلمة الأخيرة، هي مرحلة الإدراك الوتري، وهذه مجالها القلب.. وللكلمة الأخيرة هذه بداية، وليست لها نهاية، لأن نهايتها المطلق.
    مجال المعرفة كله، هو معرفة الله.. ومعرفة الله تعالى معرفة ذات ومعرفة تنزلات.. ومعرفة الذات مجالها القلب، وهي تمتنع فيها الإحاطة، ومعرفة التنزلات مجالها الفكر.. وهي تبدأ من ظاهر الأكوان، ثم تسير في المراقي، طالبة الذات.
    والمعرفة تتم عن طريق الخطاب باللغة بمعناها العام، وهي تعني: أي وسيلة تواصل بين طرفين تحمل رسالة فكرية، أو عاطفية أو شعورية.. وبهذا المعنى كل شئ هو (لغة)، فالله تعالى يكلمنا بجميع الألسن، فما من شئ إلا وهو يسبح بحمده، وما من شئ إلا وهو خطاب منه تعالى لنا.. وهذا هو مستوى كلام الله عن طريق الخلق ـ القرآن الخلقي ـ وجعل القرآن اللفظي بين دفتي المصحف، بلغة الكلام التي ندركها، تيسيرا لنا، لنفهم وندرك عن الله (ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر!؟).. (وأنزلنا اليك الذكر، لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون).. فعلة انزال القرآن هي أن نتفكر ـ في الآفاق وفي أنفسنا (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) ..وآيات النفوس هي المقصودة بالأصالة، وأما آيات الآفاق فهي مقصودة بالحوالة.. وآيات النفوس هي موطن إعجاز القرآن الحقيقي.. والمنهج الذي سنتحدث عنه لاحقا، يقوم على اتباع النبي الكريم، الذي جسد القرآن في حياته، حتى أن السيدة عائشة قالت عنه: (كانت أخلاقه القرآن).. والإتباع هو في الفكر من أجل ترويض الفكر وترقيته، كوسيلة للحياة، حياة الإنسان.. ولذلك في كل تفاصيله في العبادة وفي المعاملة يقوم على ادخال الفكر، وفيه كما قال المعصوم (تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة)
    وكما لم يفض الأوائل من ختم القرآن ـ بين دفتي المصحف ـ غير ختم الغلاف، كذلك الأواخر، في العلم المادي التجريبي، لم يفضوا من ختم القرآن الخلقي ـ الأكوان ـ غير ختم الغلاف، وهم لن يفضوا أكثر منه.. وذلك لأن العلم بطبيعته، مجاله محصور، في الظواهر المادية وسلوكها.. ولذلك هو معني فقط بالسببية الظاهرة، ولا حظ له من معرفة الغائية، فهي خارج إطاره تماما، بل كثير من أصحابه ينكرونها، وهي العلم الأساسي، ومجال الفكر الرحيب، الذي ليس له انتهاء.. ولذلك (العلمانية) ليست (علمية) .. وإنما (العلمية) هي ما يجمع بين ظواهر الأشياء، وما وراء الظواهر.. أو معرفة الشريعة والحقيقة معا حسب المصطلح.
    هذه النقاط الأخيرة مركزة أشد التركيز، لكن بعض أبعادها، في الحلقات اللاحقة.

    خالد الحاج عبد المحمود ـ رفاعة
    30/ يناير/ 2007
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-02-2007, 07:17 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
    (5)
    المحبة .. الوجه الإيجابى للسلام

    لقد قدم هذا الموضوع لارتباطه بهذا اليوم ـ يوم الحب ـ وهو نقلا عن كتاب الاسلام والسلام عند الأستاذ محمود محمد طه

    (قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعونى يحببكم الله) - سوره آل عمران آيه 31
    صدق الله العظيم
    لقد رأينا أن الإسلام فى منهجه العرفانى والسلوكى يقيم السلام عن طريق تجفيف منابع العداوة فى الصدور- صدور الرجال والنساء - يقيم السلام على أرض ثابتة ، مبنية على تصور متكامل للكون والحياة ، والقانون الذى يحكمهما ، كما يقيمه على منهاج عملى للسلوك مبنى على التوحيد، وعلى المعرفة بطبيعة النفس البشرية، وأساليب سياستها، بما يفضى إلى إبراء الصدور من الغل و من العداوة .. هذا إلى جانب تنظيم المجتمع بالصورة التى تقضى على أسباب العداوة فيه .. كل ذلك تحدثنا عنه وفصلنا فيه ، وهذا بعد واحد من أبعاد إقامة الإسلام للسلام ، أما البعد الثانى، والأهم، والذى يعتبر كل ما تقدم وسيله إليه، فهو المحبة .. فالمحبة هى الطرف الإيجابى للسلام ، وهى الثمرة لكل النشاط الذى تحدثنا عنه فى حديثنا عن إقامة السلام .
    ولقد سبق لنا أن تحدثنا عن الأسلوب العكسى والطردى، فى السلوك فى الإسلام .. فالسالك يبدأ بمحاربة عيوب العمل، ثم محاربة عيوب القول، ثم محاربة عيوب الفكر، ثم محاربة عيوب الخواطر ، فإن هو إستقام له أمره على خير ما يحب ، وسلم صدره من العداوات ، وتنقت سريرته، يبدأ الأسلوب الطردى، وهو فى جملته عمل فى توصيل الخير للناس عن محبة لهم .. فالمحبة هى الوجه الآخر للسلام، وهى خلاصته، والضامنة الأكيدة لديمومته فالسلام فى الإسلام ليس قصاراه القضاء على النوازع العدوانية عند الأفراد والجماعات، ومحو الكراهية بينهم ، وإنما هو يذهب إلى أبعد من ذلك ، بإقامة المحبة بديلاً للكراهية، وبذلك يقوم المجتمع على التوافق والإنسجام ، بدل الفرقة والصراع .. فالمحبة وحدها هى الضمان لسيادة السلام الشامل .
    والمحبة ضد الكراهية، وهى شعور بالميل والانجذاب نحو الآخرين وهى حرص على الآخرين، وعلى خيرهم، وهى على ذلك نقيض الكراهية والعداوة .. وقد سبق أن ذكرنا أن الديلكتيك الإسلامى يقوم على الوحدة والانسجام، كأصل، أما التعدد والتناقض، فهما مظهرا الوجود، وليسا حقيقته، وهذا ما يجعلنا نقول بأن المحبة هي جوهر الوجود .. فالعلاقة بين الرب وخلقه، فى أساسها تقوم على المحبة .. وهكذا ينبغى أن تكون علاقة العبيد بربهم، وعلاقتهم فيما بينهم، وهذا ما يسعى إليه الإسلام ، ويعمل على تحقيقه فى الأرض، وفى الوجود كله .
    فأمر المحبة فى الإسلام يقوم على الأصل، على التوحيد .. ثم يتنزل إلى السلوك العملى فى الحياة اليومية، ليصبح هو الشعور السائد فى علائق الناس فيما بينهم ، والروح التى تتلبس جميع صور التعامل البشرى، وتوجهه .. وبذلك وحده يصبح المناخ الإجتماعى، مناخا صحيا معافى، وبه وحده يبرز الإنسان إلى مقام عزه، كخليفة لله على الأرض.. ونحن سنتناول هنا بإيجاز المحبة، فى سبحاتها العليا، وفى تنزلاتها، وسنتحدث عن نهج الإسلام فى تحقيقها، وعن الثمرة المرجوة منها .
    ولقد سبق لنا الحديث عن الرحمة فى مستوييها: الرحمة العامة، الرحمة الرحمانية .. والرحمة الخاصة الرحمة الرحيمية، وكذلك المحبة، هى الأخرى، تقع فى مستويين: مستوى المحبة العامة، وهى تقابل الرحمة الرحمانية، وهذه يقوم عليها الوجود جميعه .. فهى أصل علاقة الرب بخلقة:" فالله تعالى يحب جميع الخلائق .. غازها ، وسائلها ، وحجرها، ومدرها، ونباتها، وحيوانها، وإنسانها، وملكها وأبليسها .. فإنه تبارك وتعالى، إنّما خلق الخلائق بالإرادة .. والإرادة (ريدة) وهى المحبة ".. ومن أسمائه تعالى الودود، الودود تعنى الكثير المحبة، وقد جاء فى سورة هود: (إن ربى رحيم ودود) - سوره هود آيه 90 - .. وجاء فى سورة البروج: (وهو الغفور الودود) - سوره البروج آيه 14 - " .
    هذا عن المحبة العامة، أما المحبة الخاصة، فهى تقابل الرحمة الرحيمية .. وهذه محبة الله لأصفيائه من أهل قرباه، وهى خلاصة الخلاصة، وغاية الغايات فى العمل السلوكى، وهى التى بها تكتمل الحياة، وتصير جميعها حياة رحمانية، موصولة بالله .. والحياة والحب هما فى الأصل شئ واحد .. فالأصل فى الحياة هو الشعور وهى تبدأ من حياة حيوان الخلية الواحدة، الذى يشعر بوجوده وبما يتهدد وجوده، ثم تتسع الحياة إلى أن تصل فى قمتها إلى حياة الله الذى لا تغيب عن إداركه غائبة، لا فى السماء ولا الأرض.. وحصيلة الشعور هى الحب.. والشعور وظيفة الفؤاد .. والفؤاد يعمل فى القلب ومع أن الحب ضده البغض والكراهية غير أنه ليس للبغض مكان فى سويداء القلب، وإنما هو على حواشيه، كما سبقت إلى ذلك الإشارة .. وسبب البغض هو الخوف الناتج عن نقص العلم .. وقد سبق لنا أن ذكرنا أن حواشى القلب هى منطقة الإدراك الشفعى، وهى العقل .. فليس فى سويداء القلب إلا الحب، وهذا ما يجعلنا نقول أن الحب هو أصل الطبيعة البشرية التى تقوم على (أحسن تقويم) .. والتجربة فى السلوك الدينى كلها إنّما تهدف إلى الوصول إلى سويداء القلب لتفجير ينابيع الحب، الخصب الخلاق ، الذى به تتحقق الحياة الحقيقية، حياة الفكر والشعور.

    خلافة الأرض والحب:-
    عندما إعترض الملائكة على أن يجعل الله من سلالة الطين خليفة فى الأرض ، كان اعتراضهم يقوم على ما عهدوه فى أبناء سلالة الطين، من سفك الدماء، والفساد فى الأرض وقد غاب عن الملائكة، أن هذا السفك للدماء، والفساد ليس فى أصل الطبيعة البشرية، وإنما هو أمر مرحلى يصحب البشرية فى أطوار قصورها، ولكنها لا تلبث أن تتجاوزه، وتبرز إلى مقام عزها، وتتحقق لها خلافة الأرض.. ولن يبلغ الإنسان الخلافة، إلا إذا شب على العداوات، وعلم أنه أكبر من أن يعادى ولم يصبح فى قلبه مكان لغير الحب، لجميع صور الخليقة، وألوانها .. ولا يبرز الإنسان لمقامه هذا وهو خائف، إذ لا يعوق الحب فى القلوب مثل الخوف.. ولا يوجد أسلوب ولا نهج للتربية يحرر الإنسان من الخوف، ويفضى به إلى المحبة سوى نهج الإسلام، وما يقوم عليه من علم بالله.. ومن هذا العلم بالله، الذى به يتحرر الإنسان من الخوف، ويبرز إلى مقام خلافته، العلم بحقيقة أن الله خير محض، وهذا علم تحققه النفس عندما تطلع على سر القدر .. وهذا العلم على كماله إنّما يبدأ من بدايات بسيطة، يبدأ من الإيمان .. والحب ضرورى للإيمان نفسه .. وعندما سئل الأستاذ محمود عن أهمية الحب بالنسبة للإيمان، فى الإسلام ؟ أجاب: "الإيمان ثقة والحب يزيد فى الثقة ، فيقوى من الإيمان .. والإيمان فى الإسلام مرحلة نحو الإيقان . وبالإيقان يتم الإسلام .. والإيقان مراتب علم ثلاث: أدناها من الإيمان مرتبة (علم اليقين) وأوسطها مرتبه (عين اليقين) وأعلاها مرتبة (حق اليقين).. وأهمية الحب تزيد كلما ارتقى الإنسان من مرتبة الإيمان فى مراتب الإيقان لأن هذه المراتب تطلب الخلاص من الأغيار – (ألا لله الدين الخالص) - سوره الزمر آيه 3 - و "الدين" هنا يعنى المعاملة و "الخالص" يعنى النقى من شوائب الشرك .. والمحبة نار تأكل الشرك كما تأكل النار (الغباش) .. لأنه حرام فى شريعة المحبة التعدد .. وإلى ذلك إشاره صاحبنا الذى قال:-
    أصحابنا إختاروا المحبة مذهبا وما خالفوا فى مذهب الحب شرعنا ..
    ففى مذهب الحب ، الشريعة التوحيد ..
    وقالوا أيضاً:- (أبت المحبة أن تستعمل المحب لغير المحبوب) . وهذه أيضا إشارة إلى التوحيد .. ونحن لا نعلم محباً صادق الحب ، له محبوبان .
    فالمحبة هى جوهر التوحيد ، ولقد قال ذلك الشيخ العبيد وبدر: (الما عنده محبة ما عنده الحبة) يعنى ما عنده من التوحيد مثقال ذرة .. فالمحبة ، التى هى أصل دعائم المسيحية (حتى لقد قالوا "الله محبة") عندنا نحن بأوكد مما عندهم .. ولكننا نحن نركز على النهج الذى يحققها ، منذ الوهلة الأولى ، وذلك فى الشريعة ، وهذا النهج هو التوحيد .. ففى الإسلام علاقة العبد بربه يجب أن تكون علاقة المحب بالمحبوب، وهذه تورث الرضا، بكل ما يريده المحبوب .. ومن أجل هذا المقام من مقامات العبودية، شرعت الشرائع، وفرضت التكاليف، وسلك السالكون بظمأ النهار، وقيام الليل، وبترك الرغائب التى تتهافت عليها نفوس الجاهلين !! .. وبمقام العبودية هذا تتحق للإنسان خلافة الأرض، وهو مقام يقوم على العلم بالله، والذى منه العلم بسر القدر .. ولقد سبق لنا الحديث عن القضاء والقدر، ولكن لامانع من إعادة ذلك الحديث هنا لأهميته بالنسبة لقضية الحب التى نحن بصددها .. فهنالك القضاء، وهنالك القدر، وقد وردت الإشارة إليهما فى العديد من الآيات القرآنية، ومنها على سبيل المثال، قوله تعالى: (إنا كل شئ خلقنا بقدر * وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) - سوره القمر 49-50 - والقضاء هو هذا الأمر الواحد، الذى خرج عن الزمان والمكان كما تفيد عبارة "كلمح البصر" والقدر هو تنفيذ القضاء، وإبرازه فى حيز الزمان والمكان، على مكث وتلبث، وتطوير.. وإلى القضاء والقدر أيضا تشير الآية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) - سوره الرعد 39 - فقوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت) إشارة إلى القدر، وهى فى ذلك إشارة إلى التطور، بتعاقب صور الكائنات، فقد أسلفنا فى الإشارة إلى أن الحياة تتقلب فى الصور ابتغاء أن تكون ثابتة فى الصور كما هى ثابتة فى الجوهر وهيهات !! وقوله: (وعنده أم الكتاب) يعنى القضاء ، يعنى سر القدر .
    وإليهما أيضا الإشارة بقوله تعالى: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم) - سوره الحجر 21 - فقوله: (وما ننزله إلا بقدر معلوم) تعنى القدر ، وقوله (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) تعنى القضاء ، تعنى سر القدر أيضا .
    فالقدر منطقه ثنائية، حيث الخير والشر، والعلم والجهل ولكن القضاء منطقة وحده، حيث يختفى الشر، ولا يبقى إلا الخير المطلق عند الله، حيث لاعند . وهذا ما يسمى عند أصحابنا (الصوفية) بسر القدر، وهو أمر لم يكن عندهم مما يصح البوح به، وذلك مراعاة لحكم الوقت، تأدباً بأدبه .
    وهناك سابقتان لكل مخلوق، سابقة فى القضاء، وسابقة فى القدر .. فأما السابقة فى القضاء فهى خير مطلق لكل الخلائق، وأما السابقة فى القدر فهى.. أما للخير، وأما للشر وأمرها مغطى على الناس وقد تدل على هذه السابقة، اللاحقة، وهى ما يكون عليه الإنسان فى حياته اليومية من صلاح أو طلاح .. وإرسال الله الرسل لكشف اللاحقة، بتفصيل الشريعة، وتغطيته تعالى السابقة فى سر لوحه المحفوظ، ألزم عباده الحجة، وأوجب عليهم العمل بأوامر الشريعة، ونواهيها (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) - سوره النساء 165 - .. وقد قال تعالى فى ذلك: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون) - سوره الزخرف 20 - .. مالهم بمشيئة الرحمن من علم، لأنها مغطية عنهم وإنما لهم علم بشريعة الرحمن، وقد أمرهم ألا يعبدوا إلا إياه وقوله: (إن هم إلا يخرصون) تعنى إلا يكذبون، وذلك لأنهم لا يردون أمورهم كلها لله، فى أمور معاشهم ، وفى كسب أرزاقهم، وما ردوها إليه فى أمر عبادتهم إلا لقلة يقينهم بالآخرة، إذا ما قيست إلى الدنيا .
    وحين تطلع النفس على سر القدر، وتستيقن أن الله خير محض تسكن إليه، وترضى به، وتستسلم وتنقاد، فتتحرر عندئذ من الخوف، وتحقق السلام مع نفسها، ومع الأحياء، والأشياء، فتنقى خاطرها من الشر، وتعصم لسانها من الهجر، وتقبض يدها من الفتك، ثم هى لا تلبث أن تحرز وحدة ذاتها، فتصير خيرا محضاً، وتنشر حلاوة الشمائل فى غير تكلف، كما يتضوع الشذا من الزهر المعطار .
    ههنا يسجد القلب، إلى الأبد بوصيد أول منازل العبودية .. فببداية مرحلة العبودية تبدأ مرحلة الإنسانية، مرحلة المحبة والسلام .. والعبودية كما سبق أن ذكرنا - هى تكليفنا الأساسى، وهى قدرنا المقدر، وعلى ذلك يكون تكليفنا الأساسى، وقدرنا المقدور، هو تحقيق المحبة والسلام على الأرض، وهذا أمر لابد كائن فى حينه.. وعلينا أن نجعل طريقه ممهداً.


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-02-2007, 08:51 PM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
    ألا ياحمامات الأراكة والبان ترفقن لا تضغفن بالشدو أشجاني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-02-2007, 05:44 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    دين القلوب .. والمحبة:-
    إن الإسلام هو دين القلوب وكده وتركيزه فى المقام الأول على القلب.. وهذا أمر واضح، وعليه تقوم الطائفة المستفيضة من النصوص من القرآن، ومن الحديث.. والتركيز على القلب فى الإسلام هو تركيز على الحب، وهو تركيز على الشعور، والحب هو خلاصة الشعور الإيجابى.. وقد قال المعصوم: (إلا أن فى الجسد مضغه إذا صلحت صلح سائره، وإذا فسدت فسد سائره، إلا وهى القلب) .. وبذلك يرد أمر الصلاح، وأمر الفساد جميعه إلى القلب.. وفى القرآن الكريم ، جاء قوله تعالى: (إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) - سوره ق آيه 37 - .. فالدين فى المكان الأول لأصحاب القلوب المرهفة الحساسة، الذين يجدون الرحمة والرأفة ، والحنان، والمحبة، أمورا حاضرة عندهم، تجاه جميع الأحياء .. هذا هو الدين، وهؤلاء هم أهله الأكثر استعداداً له.. أما أصحاب القلوب الغليظة، فهم بعيدون عن الدين بقدر غلظة قلوبهم، ويحتاجون إلى جهد جهيد فى الرياضة الروحية، لتلين قلوبهم حتى يدخلوا مداخل الدين وهم على كل حال لا يدخلون هذه المداخل، إلا بالقدر الذى به يوفقون إلى تليين قلوبهم .. وعن لين القلوب يقول تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) ـ سورة الزمر آية 39ـ قوله (تلين جلودهم وقلوبهم) تلك هى وظيفة القرآن، تليين الجلود والقلوب ببعث الحياة فيها، عن طريق الفكر .. وقوله (ذلك هدى الله) إشارة إلى كتاب المثانى فى القرآن، وفى الإنسان - آيات الأفاق وآيات النفوس - وهو يعنى من اهتدى بهدى القرآن إلى إلانة جلده وقلبه فهو المهتد ، ومن لم يهتد إلى ذلك و (من يضلل الله فما له من هاد) - سورة الرعد آية 33 - .
    ولقد تحدثنا عن قيمة القلب، وذكرنا أن فى سويدائه لا يوجد إلا المحبة، ولكن غطى عليه الرين .. والسلوك الدينى كله إنّما هو عمل فى رفع الرين بالوصول إلى سلامة الفطرة، فى سويداء القلب لينبجس منه الحب، ويصبح هو الطبع السائد، وترد الحياة إلى أصل طبيعتها، فتتم سلامة القلوب، والتى إليها يشير قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم: (ولا تخزنى يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) .. والقلب السليم هو القلب السلام .. سليم من الإنقسام، ومن أمراض الغل والحقد والعدوات .. ومعمور بالحب .
    وعند حديثنا عن نفخ الروح الإلهى فى الإنسان، ذكرنا أن النفخ كان فى بداية النشأة عن طريق الخوف .. وقد قام الجسد لحماية القلب من الخوف .. ثم لحق به العقل، ليكونا عوناً له على الانتصار على الخوف.. وحين يتم الإنتصار على الخوف بفضل الله، ثم بفضل العقل، يصبح نفخ الروحى الإلهى فى القلب البشرى بوسيلة اللطف، بالأمن، وبالسلام، وبالمحبة .. فما دام النفخ من الخارج فإنه بوسيلة الخوف الذى تسلطه العناصر الخارجية، وسيجىء وقت يصير فيه النفخ من الداخل ويومئذ يكون الخوف قد انهزم، وإلى الأبد .
    ونحن نزداد قربا من الله تعالى، كلما ازدادت قلوبنا سلامة، فالقلب هو بيت الرب - كما سبقت الإشارة .. وبقدر قربنا من الله، يكون لين قلوبنا، وإنتصار المحبة على الخوف فينا، ولا بأس من أن نعيد هنا ما سبق أن ذكرناه عن المقربين، عندما تحدثنا عن مستويات التقوى والفرقان، تلك المستويات التى تبدأ من المؤمن العادى، ثم الورع، وصحاب اليمين، والبر، ثم المقرب .. وجاء عن المقربين أنهم (هم الذين يكونون عند ربهم ، غالب أحوالهم .. فأصبحوا بفضل الله ثم بفضل سعة علمهم، رحماء ، طيبين متسامحين، محبين للأشياء والأحياء .. فى سلام مع ربهم، ومع أنفسهم، ومع الناس يدعون إلى الرضا بالله والمصالحة مع الناس وينشرون الحب كما تنشر الشمس النور، والحرارة والدفء .. هؤلاء هم ملح الأرض عرفوا أو لم يعرفوا .. . الخ) .. هؤلاء هم أهل المحبة، ودعاتها، وطلائعها .. وفى مقدمتهم يجئ سيدهم، نبى المرحمة، ثم أنبياء الحقيقة جميعا، ثم الأولى والأولى ممن ساروا على نهجهم، واهتدوا بهديهم.

    الحب الإلهى:-
    ان الأصل الذى تنطلق منه المحبة فى الإسلام، هو اصل واحد .. هو محبة الله، وكل صور المحبة الأخرى تتبع .. ومحبة الله هى محبة شاملة .. هى محبة للجمال المطلق .. وللكمال المطلق .. وللخير المطلق .. وهى فى قمتها محبة لكل الوجود .. ونحن لا نستطيع ان نتعامل مع المطلق إلا من خلال القيد، من خلال المحدود، ولذلك كانت محبة الله، موصولة بمحبة خلقه ولا تنفك .. ولقد خلقنا مهيئين لهذه المحبة .. والنهج العملى فى المحبة إنّما ينطلق من حقيقة ان كل إنسان يحب نفسه فى المكان الأول، ويحب خير نفسه، وقد قال تعالى عنه: (وإنّه لحب الخير لشديد) - سوره العاديات آيه 8 .. وهذه المحبة قد تكون جاهلة وقد تكون عالمة، وقد سبق لنا الحديث عن ذلك.. فمحبة الإنسان لنفسه، هى الأساس فى كل نشاط يقوم، وهى المحور الذى تدور حوله.. ففى اطار الأنانية الجاهلة، لا يحب الإنسان إلا نفسه، واذا احب غيره لا يحبهم إلا فى مقام الوسيلة لنفسه .. ثم تنداح دائرة المحبة، وتتسع، بقدر اتساع معرفة صاحبها، فبعد ان كانت متركزة فى الذات فقط، تتسع لتشمل كل الوجود .. فالمحبة قائمة دائما، ولن تنفك .. فحتى عندما يكره الإنسان الآخرين، إنّما هو يحب نفسه، وقد سوّل له جهله، وحبه لنفسه (أنانيته) ان يرى فى الآخرين اعداء له، وخطرا على مصلحته .. وغرض الدين إنّما هو أن يهذب هذه المحبة، ويتسامى بها، حتى تتسع عن طريق العلم للجميع .. وهذه المحبة العليا، المتسعة للجميع، هى الحب الإلهى .. فمن احب الله تعالى عن علم به تعالى، احب كل شئ، إذ ليس من شئ إلا و قيوميته به تعالى.. فليس فى الوجود غيره.. غير ذاته، واسمائه، وصفاته وافعاله .. فما الخلق إلا فعله، وهم من حيث هم كذلك يبدون كماله وجماله .. وهذه هى حقيقة الوجود ، كامل كله .. جميل كله .. وهذه الحقيقة مستورة عن غير أهلها، والاستار ليست أمر خارجنا وإنما هى رعونات نفوسنا، تلك التى سميناها الرين .. فلكى نرى الحقيقة علينا أن نرفع كل الاستار، عن ناظرينا، لنرى الجمال، فينا ، وفى الوجود.. فالقبح والنشاز ليسا فى الوجود، وإنما هما يرجعان الي رؤيتنا نحن للأشياء .. وقد أحسن ايليا أبو ماضى حيث قال: كن جميلا ترى الوجود جميلا ..
    وقد قال العارف بالله عبدالغنى النابلسى:
    كل شى عقد جوهر حلية الحسن المهــيب
    دع جمال الوجه يظهر لاتغطي يا حبيب
    هذه هى حقائق الأشياء "كل شى عقد جوهر ، حلية الحسن المهيب" .. ولكن على قلوب الغافلين ران طبعها فلا ترى من الحسن إلا بقدر ما بها (فإنّها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) - سوره الحج الآيه 46 - .. والعارف بالله هو كما يقول الشاعر جماع:
    حاسر الرأس عند كل جــمال مستشف من كل شئ جــمالا
    وقد جاء فى اشعار نجم الدين بن اسرائيل العرفانية قوله:
    وكيف يصبح عنها الطرف محتجباً وحُسنها فى جميع الخلق يلقانى
    ان غيبت ذاتها عنى فلى بصر يرى محاسنها فى كل إنــ‎ــسان
    ما فى محبتها ضد اضيق به هى المدام وكل الخلق ندمــــاني
    فالله عند أهل قرباه ان احتجبت ذاته عنهم، يرون حسنه فى خلقه .. فذاته تعالى إن لم تر عند أهل البصائر، تتم رؤية جمالها فى كل إنسان.. وأصحاب هذه الرؤية يرون الجمال، ويعشقونه، ويتغنون به.. وحبهم هو الحب الواسع المتسع الذى لا مجال فيه للعداوات والضدية.
    ما فى محبتها ضد أضيق به هى المدام وكل الخلق ندمــاني
    والحب الإلهى ليس هو أمر تهويم، ولا هو أمر قاصر على صفوة من الناس، وإنما هو أمر عملى، ولكل الناس .. وهو يبدأ من بدايات بسيطة، ثم يتسع ويزداد عمقاً .. وهو فى بداياته يرتبط بمصالحنا الذاتية المباشرة، ثم يتسع حتى يصير حبنا لله ، لكماله ولجماله.. فمن آمن بالله وآمن بأنه تعالى مصدر الرزق كله ومصدر الخير كله، وأنه ما من حاجة من حاجاتنا الا هو السبيل لقضائها، أحبه لحاجته اليه، وقد قال المعصوم: (احبوا الله لما يغذوكم به، واحبونى لحب الله لى، واحبوا آل بيتى لحبى لهم) .. هكذا تكون البداية العملية مع الإيمان (احبو الله لما يغذوكم به) !! فالمبتدى يحب الله فى صورة الاب الرحيم، الذى يطلب رضاه، ويرجوه ان يغدق عليه المزيد من الخير، وهو حرى ان يفعل ذلك طالما اننا نؤمن بعطفه ورحمته، وطالما انه على كل شى قدير .. وهذه البدايات هى معرفة، لأن الأصل فى معرفة الله هى معرفة حاجتنا اليه والسير إلى قمم المعرفة إنّما يبدأ من بدايات بسيطة، ثم يطرد .. ولتوضيح الصورة، وتبسيطها ورد عن السيد المسيح حول انزال حاجاتنا بالله وطلبها منه قوله: (اطلبوا تعطوا .. اسعوا تجدوا.. اقرعوا يفتح لكم .. فكل من يطلب ينال، ومن يسع يجد، ومن يقرع يفتح له..)
    وجاء من اقوال رابعة العدوية عن الحب:
    احبك حبين .. حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك
    فأما الذى هو حب الهوى فشغلى بذكرك عمن سواك
    واما الذى أنـــت أهل له فكشفك لى الحجب حتى أراك
    فحب الهوى تعنى به حب هوى النفس الذى لا يقضيه إلا هو، فلا أحد سوى الله يستحق أن نذكر عند طلب قضاء حاجاتنا .. و أما الحب الآخر، والمعبر عنه بقوله "وحبا لأنك أهل لذاك" فهو حب الله لذاته .. لكماله وجماله .. وهذا هو الحب الحقيقى، الذى ما الحب الأول إلا وسيلة إليه .. وقد جبلت النفوس وهى بطبعها مهيأة لهذا الحب، حيث الكمال، والجمال .. والحب فى سبحاته العليا هو ثمرة للمعرفة، وعن ذلك يقول الحسن البصرى: "من عرف ربه احبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذى به قوام نفسه".. هكذا جعل البصرى الأمر وكأنه يشبه البداهة، فمحبة النفس أمر مفروغ منه، فاذا علمت النفس ان قيوميتها بالله، احبته .. فالمحك هو هذا العلم - علم ان قيوميتنا بالله - وهو علم يبدأ بالإيمان .. وحب الله لذاته، يتضمن حب خلقه، وهو الحب فى الله، وعليه يقوم الإيمان، وقد قال صلى الله علية وسلم: (من أوثق عرى الإيمان ان تحب فى الله وتبغض فى الله) .. وقال: (ومن سره ان يجد حلاوة الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله).. وقال: (والذى نفسى بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولن تؤمنوا حتى تحابوا .. ألا أدلكم على شى ان فعلتموه تحاببتم !؟ افشوا السلام بينكم).. وقال: (لن يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه).. من كل ذلك نخلص الى أن الحب الإلهى ، هو حب الله وحب الأحياء والأشياء فى الله .. وهذا هو جوهر الحب وحقيقته.. وهذا الحب يقوم على أصل الفطرة عند كل إنسان، ولكن صراع الحياة غطى عليه فى القلوب بركام من المطامع والاحقاد، وسخائم النفوس .. وهذا هو معنى قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).. وبرفع هذا الرين، عبر التجربة التعبدية، يتم الوصول إلى المعين الصافى من الحب الاصيل، فيكون هو الطبع الغالب على صاحبه، من غير تعمل ولاتكلف، وهذا هو حال المقربين الذين جاء عنهم حديث الأستاذ محمود الذى سبق ان أوردناه، إنّهم (رحماء ، طيبين، متسامحين، محبين للأشياء، والأحياء، فى سلام مع ربهم ومع أنفسهم ومع الناس .. يدعون إلى الرضا بالله والمصالحة مع الناس، وينشرون الحب كما تنشر الشمس النور، والحرارة والدف.. ".
    ومحبة النبى صلى الله عليه وسلم من محبة الله .. فالمحبة تنمو وتتعمق وتتسع بمحبة النبى، والاقتداء به والسير على طريقه ، ونهجه .


    نواصل ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-02-2007, 10:57 PM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    شرعي الناسوت، فردي اللاهوت
    حي ضايق الموت، خادم الجناب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2007, 02:55 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    شكرا عزيزي حيدر على المتابعة
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

20-02-2007, 02:56 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    نهج المحبة:
    لقد اطلعت على كتاب، للكاتب الأمريكى أريك فروم خرج تحت أسم "فن الحب" THE ART OF LOVING أعتقد انه من اجود ما كتب فى بابه، فهو يتسم بالكثير من العمق والاصالة، ويعرف للحب الكثير من قيمته فهو يرى ان الإنسان قد زود بهبة العقل .. أصبح حياة واعية بذاتها، وبالآخرين فى المجتمع.. كما ان الانسان واع بماضيه ، وباحتمالات مستقبله وهذا الوعى بالذات، ككيان مستقل، بالاضافة إلى وعى الإنسان بقصر حياته، ووعيه بحقيقة أنه ولد من غير ارادته، وسيموت دون ارادته .. بالإضافة إلى وعيه بانعزاله ووحدته، وبعجزه أمام قوى الطبيعة والمجتمع .. كل ذلك يجعل من وجوده المنفصل وغير المتوحد سجنا لا يطاق، سوف يودى به إلى الجنون ما لم يتحرر منه ويقوم بتوحيد نفسه مع الناس ومع العالم خارجه، بصورة أو بأخرى.. ويرى اريك فورم ،أن الحب هو طريق هذا التوحيد .. ويرى ان الوعى بالإنعزال عند البشر، إذا لم يتم تداركه عن طريق إعادة التوحيد بالحب، هو مصدر الشعور بالعار، والذنب، والقلق .. والحب الحقيقى عند فروم هو توحد مع الآخرين .. فاذا كنت احب شخصاً آخر فهذا يعنى اننى اشعر بالتوحد معه، كما هو لا كما أريد له أن يكون كوسيلة لى.. وعنده ان الإنسان عندما يتجاوز العزلة والانفصال عن طريق الحب لا يفقد ذاتيته، بل يحتفظ بها .. فعن طريق الحب يصبح موجودان صاحبي وجود واحد ، وفى نفس الوقت يحتفظ كل منهما بذاتيته .. ويرى اريك فورم أن الحب الحقيقى لفرد من الأفراد يتضمن حب الآخرين جميعاً.. وحب العالم والحياة .. وهو يقول إذا كنت استطيع ان اقول لفرد آخر اننى أحبك، فلابد اننى استطيع ان اقول: اننى احب فيك الجميع، واحب عبرك الوجود، واحب ذاتى .. وهو بعد ان يعدد انواع الحب ، مثل الحب الأمي، والحب الأبوي، والحب الجنسى Erotik Love ذهب إلى ان الحب الاخوى هو الحب الأساسى، وهو يعنى به الحب الذى يتضمن حب جميع الآخرين.. ويرى فروم ان صورة الحب الدينى المسماة الحب الإلهى، من ناحية سيكولوجية، لا يختلف عما يتحدث عنه هو من حب .. فالحب الإلهى ينبع من الحاجة إلى تجاوز حالة الانعزال وتحقيق الوحدة .. ويرى فروم ان تجاوز الذات من أهم حاجات الإنسان الأساسية وتجاوز الذات لايتم بفعالية إلا عن طريق الحب .. وقد قدم أريك فروم، فى كتابه هذا نقدا عميقا للمجتمع الغربى الرأسمالى، خلص منه إلى نتيجة مفادها ان طبيعة النظام الرأسمالى فى الغرب أدت إلى انحلال الحب، والى اغتراب الإنسان عن نفسه وعن اخوانه فى المجتمع، وعن الطبيعة.. والكتاب فى جملته دعوة لتعلم فن الحب لتجاوز حالة الاغتراب هذه والقضاء على الشعور بالإنعزال، وانعدام الامن، والقلق، والشعور بالذنب التى يرى أنها تسود المجتمع اليوم1 .
    ونحن رغم اعجابنا الكبير بما كتبه اريك فروم عن الحب فى كتابه هذا، إلا أنّنا نرى ان مثل هذه الكتابة لا تستطيع ان تقدم أكثر من المتعة الذهنية، وبعض المعلومات القيمة .. فالمشكلة ليست أن نعرف للحب بعض قيمته، وإنما المشكلة هى كيف نحققه؟! ما هو المنهج الذى نستطيع عن طريقه تحقيق الحب في حياتنا؟! من المؤكد أن معرفة قيمة الحب ، هى فى ذاتها قيمة كبيرة ، لكنها وحدها لا تكفى .. ففن الحب الذى يتحدث عنه فروم، لا يمكن ان يقوم على بعض المعلومات من علم النفس أو التحليل النفسى .. ان الأمر اكبر وأخطر من ذلك بكثير، انه يحتاج إلى فلسفه متكاملة عن الكون وعن الحياة، ويحتاج إلى منهاج علمى وعملى يستند على هذه الفلسفة وهذا ما تفتقر الية كتابات فروم، وغيره من المفكرين، وما لا نعتقد انه يتوفر فى غير الإسلام كما يقدمه الأستاذ محمود محمد طه وقديماً قال السيد المسيح: (سمعتم انه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. أما انا فاقول لكم: أحبوا اعداءكم، وباركوا لاعنيكم، واحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويضطهدونكم، فتكونوا ابناء ابيكم الذى فى السموات: فإنه يشرق بشمسه على الاشرار والصالحين ..) .. وهذا قول رائع ولكن كيف السبيل إليه؟! كيف نحب اعداءنا؟! كيف نكون ابناء ابينا الذى فى السموات؟! ونحن نذكر هذا لنؤكد أهمية المعرفة، وأهمية المنهاج .. فإن ما يتطلع اليه فروم، ومن قبله السيد المسيح، وكل دعاة المحبة والسلام، لا يتأتى إلا بعد ان تتهيأ الأرض له بالحاجة له والطاقة به، عبر التطور الطبيعى فى صراع الحضارة.. وهذا أمر نرى انه قد تم فى وقتنا الحاضر، ولم يتم فى أى وقت قبله .. ثم بعد هذا التهيؤ لابد من الفكرة الشاملة المتسقة، ولابد من المنهاج العلمى والعملى، والبسيط فى نفس الوقت حتى يكون فى متناول كل فرد، مهما كان حظه من المعرفة ومن الذكاء .. وكل ذلك لا نعتقد انه يتوفر فى غير الإسلام، فى المستوى الذى نتحدث عنه .
    فالإسلام قد جعل الحب دينا يتعبد به .. وقد رأينا فيما تقدم من حديثنا عن الاسلام والمحبة، ان المحبة فى الإسلام هى الأصل الذى تقوم عليه حقائق التوحيد، كما تقوم عليه طبائع الأشياء فى الوجود .. وهى - المحبة - الأصل الذى تقوم عليه طبيعة النفس البشرية ، فى أصل فطرتها السوية التى فطرت عليها.. وهى فطرة ، وأن تغطت، إلا إنها لا تتبدل.. فمنطقة الحب فى سويداء القلب، حرم آمن من الخوف، ومن التبديل .. أما الكراهية والعدوان، والشر عموماً، فى المعرفة التى يعطيها الإسلام، فأمور مرحلية صحبت قصور النشأة البشرية، ولاتدخل معها مقام عزها وكمالها، حيث تنتقل النفس بفضل الله، ثم بفضل الدور الذى قامت به الكراهية والعدوان والحروب فى تطوير الحياة، تنتقل من الجهل إلى المعرفة، ومن الإستيحاش إلى الإستئناس ومن الكراهية إلى المحبة.

    والآن ما هو المنهج الذى به تتحقق المحبة فى الإسلام؟
    نحن هنا لسنا بصدد حديث جديد، وإنما نحن نواصل فى حديثنا السابق، عن طريق محمد ولكننا فقط نتناوله هنا من زاوية المحبة .. ويرى أريك فروم فى كتابه الذى تطرقنا له، أن المحبة تقتضى التركيز والحضور، ولا تقوم إلا على عقيدة، وهو لا يشترط للعقيدة أن تكون دينية، ولا أن تكون عقيدة فى إله.. ونحن نرى أن العقيدة أمر ضرورى للمحبة، ولكننا نعتقد أن العقيدة السليمة الشاملة التى تفضى إلى المحبة لا يمكن أن تكون إلا فى الدين .. بل أن العقيدة فى الدين لكى تفضى إلى المحبة، لابد أن تكون عقيدة مقنعة ومؤديه للعلم ولا تنتهى عند مجرد العقيدة.. ثم هى لابد أن تكون مصحوبة بالعمل، وفق منهاج، به يتم تخليص النفس من رعوناتها بالصورة التى تفضى إلى المحبة .. وكل ذلك لا نعتقد أنه يتوفر فى غير منهاج ((طريق محمد)) .. وقد جاء تقديم هذا المنهاج فى كتاب الأستاذ محمود محمد طه الذى يحمل نفس الإسم ، هكذا: (طريق محمد هو الطريق ، لأنه طريق المحبة الخصبة الخلاقة .. قال العزيز الحكيم عنه "قل إن كنتم تحبون الله ، فاتبعونى يحببكم الله".. بطريق محمد أصبح الدين منهاج سلوك به تساس الحياة لترقى الدرجات نحو الحياة الكاملة .. حياة الفكر وحياة الشعور .. ) .
    والطريق هو النهج العملى الذى يوصل سلوكه إلى الله، تبارك وتعالى، وليس إلى الله، تبارك وتعالى، وصول بالمعنى الذى يؤديه حرف الكلمة، وإنما المقصود بالوصول أن يكون حضور السالك مع الله ، أكثر من غفلته عنه.. فالطريق مران ورياضه، على التركيز، والحضور، و هذا ما كان يصبو إريك فروم إليه، فى بحثه عن المحبة، ولا نرى أن إليه من سبيل إلا هذا (الطريق) .. وقد جعلت الآية الكريمة التى وردت آنفاً ، من المحبة الوسيلة، والغاية معاً .. وبتقليد النبى فى سنته، بالصورة التى وردت الدعوة إليها فى كتاب (طريق محمد) يصب السالك نفسه فى قالب النفس التى اكتملت لها عناصر الصحة الداخلية، وإتسقت قواها الباطنية وتحررت من الأوهام والأباطيل، وسلمت من القلق، ويسعى وفق منهاج مرسوم، أن يتشرب شمائل أكمل من جسد المحبة فى الحياة، ويتأدب بأدبه .. والسير وفق هذا المنهاج إنّما هو سير وترقى فى النفوس من النفس "السفلى" وهى النفس الأمارة ، وهى تتنزل من النفس "الكاملة"- نسبية الكمال - وهى نفس (الإنسان الكامل) .. وهذه بدورها إنّما تنزل عن النفس (الكاملة) - مطلقة الكمال - وهى نفس (الله) .. وإنما سير العباد كله مجاهدة للارتقاء من النفس (الأمارة) إلى النفس (الكاملة) - إلى نفس الله .. هذا سير سرمدى، يقع البدء فيه، ولا يقع الفراغ منه .. وعلى هذا السير المجيد الإشارة بالآية الكريمة: (قل يا أيها الناس !! قد جاءكم الحق من ربكم، فمن إهتدى فإنّما يهتدى لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل) - سوره يونس آيه 108 - .. من إهتدى فإنما يهتدى إلى نفسه (العليا) - الكاملة - ومن ضل فإنما يضل فى متاهات نفسه (السفلى) - الأمارة - وطريق محمد إنّما هو (السنة) .. هو سنة (محمد) فى أوليات السير، ثم هو سنة (الله) فى أخرياته.. وهذه السنة إنّما هى الصراط المستقيم، الممدود ، رأسيا، بين النفس السفلى فى القاعدة والنفس العليا فى القمة، والمتمثل، أفقيا، فى نقطة التقاء طرفى الإفراط، والتفريط، أثناء تأرجح النفس (السفلى) إقرأ هنا (النفس اللوامة) بخاصة، والأمارة موجودة، بين هذين النقيضين .. نقطة إلتقاء هذين النقيضين، فى هذه القاعدة، هى (الحق) .. والحق يتطور يطلب الحقيقة .. وإلى هذه السنة النبوية الإشارة بقوله تعالى: (قد جاءكم الحق من ربكم) .. وروح هذه الآية إنّما هى الفاصلة، وهى قوله تعالى: (وما أنا عليكم بوكيل) .. وإنما كانت هذه الفاصلة روح الآية لعظيم مكانتها فى التأديب - تأديب النبى وتأديب أفراد الأمه - تأديب (المربى) وتأديب (المتربى)، ذلك بأن بها يقع على (المتربى) تحمل مسئولية عمله فى مضمار سيره إلى تحقيق فرديته، ويقع على (المربى) إخراج نفسه من بين (العبيد) و (ربهم) حتى لا يكون قاطعا لطريق الرب، وحتى تكتمل له هو عبوديته، فلا تكن له رائحة ربوبية على أحد من الخلق .. وفى هذا التأديب من لطف التأتى إلى رياضة النفوس البشرية ما يلحق بحد الإعجاز .. بل إنه لهو إعجاز القرآن الحقيقى .
    فى هذه الفاصلة إيجاز معجز لتفصيل ورد فى آيتين شهيرتين طالما تحدثنا عنهما فى عديد المواضع من كتبنا، هما (فذكر إنّما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر) ..
    والعمل وفق منهاج (طريق محمد) ليس هو مجرد أداء طقوس بصورة آلية باردة، وإنما يقوم على تقليد النبى عن ثقة به، وطمأنينة إليه، وتوقير، وتقديس، ومحبة له .. وهو إنّما يستمد فعاليته من خلق الصلة الحميمة بالنبى، ولذلك فهو منذ البداية عمل فى المحبة، وفى تنميتها، وإشاعتها فى كيان المقلد، وفى حياته، وذلك من خلال إتباع النبى فى إسلوب عبادته، وفى ما يطاق من إسلوب عادته، تقليداً واعياً، يكون المقلد فيه على يقين من أنه بتقليده هذا، للنبى، إنّما أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية .. والتقليد هو عمل فى العبادة وفى المعاملة، وقد كانت عبادته صلى الله عليه وسلم، الصلاة بالقرآن، فى المكتوبة، وفى الثلث الأخير من الليل، كما كان يصلى مع المكتوبة، عشر ركعات .. ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده ، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر. كما كان يدمن صلاة أربع ركعات عند زوال الشمس، ولم يكن يترك صلاة الليل فى سفر أو حضر، وقد تحدثنا عن الصلاة فى هذا الكتاب بما يغنى عن الإطالة هنا .. وكان يستعين على تجويد الصلاة بالصوم .. وقد كانت حياة النبى كلها خيرا وحضورا وفكرا، فى كل ما يأتى وما يدع، وكما كانت عبادته فكرا وتجديدا، لا عادة فيها، كذلك كانت عاداته بالفكر عبادة ووزنا بالقسط .. فكان فى جميع مضطربة على ذكر وفكر، فهو لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وكذلك كان نومه وأكله ولبسه، حتى كانت حركاته تجسيدا لمعانى القرآن، وكان من ثمرات صلاته وفكره وذكره فى جميع حالاته، حلاوة شمائله التى حببته إلى النفوس، ووضعته مكان القدوة ، إذ كان رءوفاً رحيما بكل المؤمنين، يواسيهم ويترفق بهم، وكان سمحاً لا يغضب قط لنفسه، وكان دائم البشر سهل الخلق .. أرأف الناس بالناس، وأنفع الناس للناس، وخير الناس للناس، .. وكان يسير بين أصحابه سيرة تشعرهم بقيمتهم وبكرامتهم، ويربيهم تربية الأحرار .
    فطريق محمد عبادة بالليل، وخدمة بالنهار.. خدمه لله بالليل ، وخلوة به ومناجاة له بحديثه، على تقلب وسجود .. وخدمه لخلق الله بالنهار، وبراُ بهم، وكلفا بتوصيل الخير إليهم، فى محبة وفى إخلاص وفى إيثار.. وبهذا الصنيع تصبح حياة الحى كلها عبادة، وإلى هذا يشير قوله تعالى: (قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم، دينا قيما، ملة إبراهيم، حنيفا، وما كان من المشركين * قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العاملين * لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين ) - سوره الانعام 162-163 - حياة، كل شئ فيها لله.. معاملة للحق فى الحق، ومعاملة للحق فى الخلق .
    ونحن هنا لا نملك أن نفصل فى نهج الطريق، ولا نحتاج لهذا التفصيل، إنّما الذى يعنينا فى هذا المقام، ربط الأمر كله بالمحبة، فالعمل فى الطريق هو كله، عمل فى إتباع السنه، حتى تصبح حالنا من حال النبى، من حيث حبه لله، وحبه لخلق الله، ورحمته بهم، وحرصه عليهم .. وهو الذى قال عنه تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)ـ سوره التوبه 128ـ .. هذا فى مقام رسالته، أما فى مقام ولايته فقد قال عنه تعالى: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) .
    والتقليد المثمر للنبى يقتضى محبته، والأدب معه، ولذلك أمر الله المؤمنين بالصلاة عليه (إن الله وملائكته يصلون على النبى، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) - سوره الاحزاب 56 - . كما أمرهم بالأدب معه (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) - سورة الحجرات 2 - .. ومحبة النبى أمر يكتسب بمعرفته ومعرفة كمالاته ، عن طرق الإطلاع على شمائله، وعن طريق أتباعه وتقليده، وهى معرفة فى قمتها لا تتحقق إلا بالتجربة الروحية .. كما أن محبة النبى تكتسب عن طريق معرفة قيمته لنا، وفضله علينا، فما من خير إلا والنبى بابه ووسيلته .. وقد فُصل، فى هذا الأمر، فى كتاب (أدب السالك فى طريق محمد) فليراجع فى موضعه .
    ولقد روى أن أحد الأصحاب سأل النبى: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: والله ما أعددت لها كثير صلاة ولا كثير صيام ، ولكنى أحب الله ورسوله .. قال النبى: "المرء مع من أحب" .. وهكذا رفعته المحبة لأن يكون مع الله ورسوله، رغم أنه لم يعد كثير صلاة، ولا كثير صيام !! وكمالات النبى ومعرفته بخيرنا، وحرصه علينا، تجعله أولى بنا منا، وفى ذلك يقول تعالى: (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ـسوره الأحزاب آيه 6ـ .. ومما يعكس حرص النبى على الآخرين وحبه لهم قوله: (لا يشتاك أحدكم الشوكة إلا وجدت ألمها).. وإذا عرفنا هذه القيمة للنبى، فإن ذلك لا يقتضى مجرد محبته، بل والفرح به وقد قال تعالى فى ذلك: (يا أيها الناس!! قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما فى الصدور، وهدى، ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله، وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)ـ سوره يونس آيه 57ـ .. "فضل الله" هو مقام ولاية النبى، و"رحمته"، هو مقام رسالته وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .. وقوله: (هو خير مما يجمعون) .. يعنى خير مما يجمعون من الحسنات، ومن الأعمال الصالحة ـ وبالطبع من حطام الدنيا من باب أولى - فالنبى خير لنا من أعمالنا الصالحة، وأكثر نفعا لنا منها، وأولى بنا منا، فإذا إستيقنت نفوسنا ذلك، وهذا يتم لها عن طريق المعرفة والإتباع، عندها تكون علاقتنا بالنبى لا تقوم على مجرد المحبة له، وإنما الفرح به أيضاً .
    وهكذا كان حال الأصحاب معه، فى حياته، وبعد مماته، وقد ورد عن السيدة فاطمة، إن النبى وهو فى فراش مرضه أسر إليها بشىء فبكت، ثم أسر إليها بشىء آخر فضحكت .. وعندما سئلت فيما بعد ذكرت أنه فى المرة الأولى أسر لها بأنة سيموت فى مرضه هذا، فبكت .. وفى المرة الثانية اسر لها أنها أول من يلحق به من آل بيته فضحكت.. وهكذا جعلها حبها للنبى تفرح بالموت لأنه يلحقها به.. وكذلك ورد عن بلال وهو فى احتضاره كان يقول: (غدا نلقى الاحبة محمدا وصحبه).. فهذا هو الحب الباقى .. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: (احبب من احببت فإنك مفارقه) .. فكل حب ، سوى حب الله ، وحب الآخرين فى الله ، هو حب منبت ولابد ان يفارقه صاحبه ، ولكن حب الله ، وحب الآخرين فيه هو حب خالد .
    وفى الإسلام الرباط وثيق بين المحبة، والأدب، فى نهج السلوك الدينى .. فالأدب يقتضى تأخير النفس وتقديم الآخر ـ المتأدب معه ـ وتقديم اعتباراته، وطاعته .. وكذلك المحبة .. فالمحب لا يمكن إلا أن يؤخر نفسه ، ويقدم محبوبه، ويقدم اعتبارات محبوبه .. ولا يوجد محب لا يطيع محبوبه عن رضا وسعادة بطاعته .. ولذلك فإننا دائما نربط بين الأدب، والمحبة، والطاعة بمفهومها الدينى .. وعن الطاعة جاء قول ابن المبارك .
    تعصى الإله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى القياس شنيع
    لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع


    نواصل ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-02-2007, 03:45 PM

Haydar Badawi Sadig
<aHaydar Badawi Sadig
تاريخ التسجيل: 04-01-2003
مجموع المشاركات: 8067

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Quote: تعصى الإله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى القياس شنيع
    لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع


    تحيتي ومعزتي، يا عمر، وتقديري لجهدك المتصل في وصلنا بمصادر الخير، استمراراً في القبض على جمر القضية.
    والتحية والمحبة والإجلال للأستاذ خالد الحاج وهو يحمل مشاعل الحرية، ويزيد نار الثورة الفكرية والثقافية اضطراماً.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-03-2007, 05:33 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    شكرا د. حيدر على المتابعة
    نفعنا الله جميعا بما نعلم
    وعلمنا ما ينفع
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-03-2007, 05:33 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    ثمرة المحبة:-
    مرة اخرى، وبعد كل هذا التطواف !! لماذا نحب؟! ما الفائده التى تعود علينا من محبتنا لله، ولرسوله، وللخلق اجمعين؟! أولا نقرر ان العمل الدينى كله يقوم على ان المنتفع من العمل فى المكان الأول هو الفرد، صاحب العمل، ثم المجتمع .. فالله تعالى ليس فى حاجة إلى ان يعبد أو يطاع !! هو غنى عن العالمين .. فالمنتفع بالمحبة فى المكان الأول هو المحب، ثم المحبوبون .. فعن طريق المحبة يحقق الفرد كمال حياته، وذلك بردها إلى أصلها، إلى الفطرة السوية، حيث سلامة القلب، وصفاء الفكر.. وهذه هى الحياة الكاملة، والتى ليس بيننا وبينها، إلا أوهامنا، وجهالاتنا و سخائم نفوسنا.. ونحن بالعمل فى العبادة، وفق منهاج (طريق محمد) إنّما نعمل على ازالة تلك الأوهام، والجهالات، وسخائم النفوس، التى صورت لنا الآخرين فى صورة الأعداء، فاخذنا نحارب من غير محترب، ولو رفع عنا حجاب نفوسنا لوجدنا من كنا نعدهم أعداء، هم فى حقيقتهم أصدقاء، ينبغى محبتهم .. فالمحبة هى سبيلنا إلى المعرفة الحقة ـ العلم بالله ـ وهى سبيلنا إلى الحياة الكاملة، الموصولة بمصدرها، الموصولة بالله ، تستمد منه فى كل حين، المزيد من الحياة، والمزيد من أسباب الحياة .. وعن طريق المحبة يتوفر الجهد الهائل الذى كان يصرف فى أسباب العداوات، ليصرف في إخصاب الحياة، وإثمارها، فتقوم حياة الجماعة على التوافق، والتكافل، والسلام .
    وقبل ذلك كله، وفوق ذلك كله، عن طريق المحبة، تتحقق لنا المحبة الخاصة، التى تحدثنا عنها، محبة الله لنا، وهى غاية الغايات .. وعنها يقول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) - سورة مريم آية 96 - وقد ورد فى الخبر أن الله تعالى قال لنبيه داؤود عليه السلام: (ياداؤود أبلغ أهل أرضى، أننى حبيب لمن أحبنى، وجليس لمن جالسنى، ومؤنس لمن أنس ذكرى، وما أحبنى عبد من قلبه إلا قبلته لنفسى، وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقى.. من طلبنى بالحق وجدنى، ومن طلب غيرى لم يجدنى .. أأهل الأرض !! هلموا إلى كرامتى وأنتسوا بى أوانسكم .. وأسارع فى محبتكم) .. وجاء فى الحديث القدسى (ما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلىّ مما أفترضته عليه، ومازال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ولإن إستعاذنى لأعذنه ، ولإن استنصرنى لأنصرنه، وما ترددت فى شئ أنا فاعله، كترددى فى قبض روح عبدى المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولابد له منه) .. هكذا عن طريق المحبة تصبح حياة الإنسان جميعها من حياة الله، بها يصبح الموت، عن يقين عند صاحبه، انتقال إلى حياة أوسع ، ولذلك يصبح أحب غائب إليه .. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء، و لا شهداء، ويغبطهم الأنبياء والشهداء قال رجل: فمن هم؟ وما أعمالهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: قوم يتحابون بروح الله عز وجل من غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها بينهم .. والله إن وجوههم لنور، وأنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذ حزن الناس) .. وهذه هى المحبة، هؤلاء هم أهلها !! "أناس ما هم بأنبياء، ولا شهداء، ويغبطهم الأنبياء والشهداء" و "وأن وجوههم لنور، وأنهم لعلى منابر من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس"!! ولعظيم مكانة المحبة هذه ، كان النبى يطلبها، فيدعو: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب ما يقربنى إلى حبك).

    الحب والمجتمع
    صلة الرحم:-

    قلنا أن أصل الحياة هو الشعور .. وحصيلة الشعور الحب .. والحياة فى تطورها، تطلب أن تكون كاملة، وأن تكون خالدة وسبيلها إلى ذلك هو أن تكون موصولة بمصدرها - موصولة بالله - منه تستمد حياتها، فتصير حياة فى الله، وبالله ، وهذه هى الحياة الحقيقية . الحياة الباقية ، فنحن أحياء بالقدر الذى به نحن حاضرون، وأموات بالقدر الذى به نحن غافلون، وكل حياة ، دون هذه الحياة، إنّما هى حياة مرحلية، تطلب ذلك المستوى من الحياة .. فالحب هو وسيلتنا لتكون حياتنا موصولة بالله، فهو بذلك وسيلتنا لكمال حياتنا .
    وهذه الصلة ، فى صورة من صور التعبير عنها، تسمى صلة الرحم .. فالرحم فى الأصل رحم الحياة .. الحياة بمعناها العام، والواسع، وليس بمعناها الإصطلاحى .. وهذه لايخرج عنها شئ فى الوجود ، فما من شئ إلا هو حى، سواء برزت فيه هذه الحياة، أو كانت فى حالة كمون .
    جاء فى الحديث عن أمر صلة الرحم، قوله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ..) والمعنى الواضح والمباشر للنسب هنا هو نسب الدم، ولكن معانى النسب تتداعى إلى أكثر من ذلك بكثير .. فالنسب الأصلى هو نسب الوجود، نسب الحياة بمعناها العام، فالخلق جميعهم إخوان وابناء دين واحد، هو دين الإسلام العام، الذى قال عنه تعالى: (أفغير دين الله يبغون!! وله أسلم من فى السموات، ومن فى الأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون؟!) ـ سورة آل عمران آية 83- .. فما من شئ إلا وهو مظهر للإرادة الإلهية .. فالخلق جميعهم اخوان فى الله، علم من علم وجهل من جهل .. وهذا هو نسبنا فى الحقيقة، وهو نسب يطالب بأن يوفى حقه .. وحقه هو المحبة فى الله.. محبة الأحياء، والأشياء.. وهذه المحبة تأخذ تعبيرها العملى، بأن نترك كل شئ أفضل مما وجدناه عليه، وأن نضع الأشياء فى مواضعها، وهذا هو معنى الحكمة - وضع الأشياء فى موضعها -
    وعن محبة الأحياء والأشياء ورد عن المعصوم قوله عن جبل أحد: (أحد جبل يحبنا ونحبه !!) .. وقال: (أكرموا بنات عماتكم النخيل)!! وكان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الأحياء والأشياء بصورة فيها كثير من التوقير، وكان يجعل لكل شئ ذاتية، وشخصية مستقلة ، ومن ذلك تسميته للأشياء، فهو كان يسمى دابته ، ويسمى إناء الوضوء ، وإناء الشراب .. . إلخ ، وهو من خلال هذه التسمية يتعامل معها، كأشخاص يتبادل معها المنفعة .. وهذا أمر طبيعى، فهو بحكم معرفته بالله، عندما يتعامل مع الأحياء والأشياء، إنّما يتعامل مع الله، فى خلقه، وهو القائل: (الدين المعاملة) ..
    وقد ورد عن أمر "صلة الرحم" فى الحديث القدسى: (أنا الله ، وأنا الرحمن ، خلقت الرحم ، وشققت لها من إسمى ، فمن وصلها ، وصلته ، ومن قطعها قطعته) .. وفى نفس المعنى يجئ قول المعصوم: (إن الرحم شجنة من الرحمن .. قال الله من وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته) شجنه هنا بمعنى مشتقة .. فالرحم مشتقة من إسم الرحمن، وقد سبق أن ذكرنا أن صفة الرحمن من الرحمة العامة التى وسعت كل شئ (ورحمتى وسعت كل شئ) .. وإشتقاق الرحم من الرحمن، تعنى فيما تعنى .. شمول الرحم لكل شئ، وضرورة الرحمة بكل شئ .. وهذا ما يقتضيه التخلق بأخلاق الله (تخلقوا بأخلاق الله إن ربى على صراط مستقيم) .. وفى هذا المعنى يجئ قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولاتبذر تبذيرا) - سوره الاسراء آيه 26 - .. القرابة الحقيقية هنا هى قرابة الأخوة فى الإسلام العام - وقرابة الدم بالطبع موجودة ، ومتضمنة - وعن التحذير من قطع الرحم جاء قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم ، أن تفسدوا فى الأرض ، وتقطعوا أرحامكم..) ـ سوره محمد آيه 22 ـ !!
    هذا من حيث الحقيقة.. الخلق جميعهم إخوان.. أبناء دين واحد.. وهم جميعهم من أصل واحد، ويحكمهم قانون واحد، هو الإرادة الإلهية .. وأصحاب مصير واحد .. أما من حيث الشريعة ، فتتنزل المعانى، إلى أن تأخذ الرحم دلالتها المعروفة فى الإصطلاح، رحم الأم الواحدة، فى الأسرة الواحدة الصغيرة التى ينتمى إليها الأخوان .. ثم الرحم فى مستوى العشيرة، ثم القبيلة، ثم القومية الواحدة، ثم الإنسانية جمعاء .. فالناس كل الناس، هم أبناء أب واحد وأم واحدة (يا أيها الناس إتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيراً ونساء .. وأتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا) - سوره النساء آيه 1 - .. واضح أن الأرحام التى نسأل عنها ، هنا فى هذه الآية، هى أرحام الإنسانية الواحدة ، التى ترجع إلى آدم وحواء، ولذلك قال "الأرحام" على الجمع، ولم يقل الرحم.. فصلة الأرحام فى جميع هذه المستويات مطلوبة بصورة مؤكدة، ومسئول عنها.. ولكن النهج العملى فى السلوك، فى الإسلام، يبدأ من البدايات البسيطة، والمباشرة، والعملية، ثم يتسع بإتساع المعرفة، والوسع (لا يكلف الله نفساً ، إلا وسعها) .. والبداية العملية فى صلة الرحم، والمحبة فى المجتمع، إنّما تكون من الأسرة .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-03-2007, 06:22 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الأسرة .. والحب:
    إن الأسرة، هى الوحدة الإجتماعية الأساسية، التى فيها يمارس الحب ويمتحن، ويمحص، لينمو، ويتسع، ليشمل القطاعات الأوسع التى ذكرناها آنفا .
    والأسرة إنّما تبدأ بالعلاقة بين المرأة والرجل فى الزواج، وفى هذه العلاقة، المرأة هى الأصل.. وهذا الحب، المتعلق بالمرأة هو الذى يتبادر إلى أذهان معظم الناس، متى ما ذكرت كلمة الحب، وعليه قامت معظم الأعمال الأدبية والفنية، فى كل تاريخ البشر وإلى اليوم، وهذا فى حد ذاته دليل على أهمية هذا الحب، وعلى مدى إنشغال الناس به.. والمرأة، فى العلاقة بين المرأة والرجل، هى العنصر الأكثر أهمية، والأكثر خطورة، ونحن هنا لإستشعار هذه الأهمية وهذه الخطورة، نورد حديث الأستاذ محمود عن المرأة، فى إفتتاحية باب المرأة بجريدة الجمهورية، فقد جاء فيه:
    (هذا باب المرأة .. وهو باب نحب أن يدخله الداخلون سجداً، وذلك لأنه يعالج شأناً هو أخطر شئون الأرض على الإطلاق، وهو المرأة .. والمرأة فى الأرض كالقلب فى الجسد. إذا صلحت، صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائره ..
    إن المرأة فى حقيقة النظام الإجتماعى المتمدين أولى بالعناية من الرجل إن صح أن هنالك أولية بينهما.. ذلك لأنه يتأثر بها أكثر مما يؤثر فيها، وإن خيل له غروره غير ذلك .. وحين تعرف المرأة سبل المكارم، تنشئ على سمتها الرجل طفلا، وتحمله على جادتها زوجاً، وتغريه بها فى جميع مسالك الحياة وهو أجنبى عنها ..
    إن حواء حين أغرت آدم ـ أغوته ثم لم يستعصم .. وهى لم تغره إلا وهى تبغى به الخير، ولكن جهلها كان وبالا عليه وعليها . وهو لم يستعصم عن غوايتها لأنها رسولة حياة تدعو إليها فى إلحاح متصل حتى لكأن كل جارحة من جسدها لساناً يلهج بالدعوة .. فآدم طالب حياة فى المكان الأول، وكل الناس طلاب حياة، فمن لم يستجب للحياة لايستجيب لشئ .
    ولو أن حواء عرفت سبيل الحياة، لكانت دعوتها لآدم دعوة صالحة لا غواية فيها، ولاعصيان .. ولو تعلمت حواءاتنا لرشد آدمونا .. فإنك إن تعلم إمرأة تعلم أمة، وإن تعلم رجلا تعلم فردا ..) .. هذا هو وضع المرأة من المجتمع، وضع القلب من الجسد .. وهذا هو وضعها من الرجل، فهى داعية حياة، ولا يستطيع الرجل أن يستعصم عن دعوة الحياة، ولذلك المرأة عنده، مرغوبة، و محبوبة.. وهذا يجعل حبها يطغى على صور الحب الأخرى، لأنه حب يرتبط بصورة مباشرة بالدعوة للحياة والتعبير عنها .. والغربيون يسمون الحب بين المرأة والرجل، بالحب الجنسى EROTIC LOVE ، وفى الحق فإن الجنس يمثل بعداً أساسياً ، من أبعاد الحب، ولكنه فى الأساس حب إنسانى، والجنس صورة من صور التعبير عنه، وهذا يقودنا مرة أخرى للحديث عن الجنس والسلام .. فالجنس هو من اكثر صور التعبير عن الحياة أصالة ، وإلى ذلك يرجع تأثيره الكبير على حياة المجتمعات والأفراد حتى أن عالم من علماء التحليل النفسى، مثل فرويد - جعله مركزاً لتصوراته للحياة، وللسلوك البشرى، ورد إليه أسباب العدوان والحروب .. وقد سبق أن ذكرنا أن أول كبت فى المجتمع وقع على الشهوة الجنسية، وكانت أول خطيئة مرتبطة به .. ولقد أخطأت الحضارة الغربية، خطأ فادحا، عندما رفعت القيود عن السلوك الجنسى، تحت إسم الثورة الجنسية، أو تحرير الغرائز.. وهذا العمل هو المسئول عن تفكك الأسرة فى المجتمعات الغربية، وهو المسئول عن الكثير من التفكك، والتمزق والقلق، الذى استشرى فى المجتمعات الغربية .. فلم تحقق (الثورة الجنسية) ما كان يصبو إليه أصحابها من سعادة، بل على العكس من ذلك، تسببت فى الكثير جداً من التعاسة، وعدم الإستقرار فى السلوك الفردى، والجماعى .
    لقد كتب بيتر مارين PETER MARIN عن (الثورة الجنسية) مقالا بمجلة (علم النفس اليوم - PSYCHOLOGY TODAY) نورد عنه هنا بعض المقتطفات، عن نتائج هذه الثورة .. فعن أهداف تلك الثورة عند مفكريها يقول: (كثير من الناس ينظرون إلى فكرة التحرير ـ سواء أكانت جنسية أو سياسية أو إجتماعية ـ على أنها مرادفة للسعادة أو الإشباع . وفى سياق الحرية الجنسية سواء وجدناها فى مؤلفات فرويد، أو فى مؤلفات تلك الكوكبة العنيدة من المتمردين جنسياً كما يمثلها رجال ونساء مختلفون، تمام الإختلاف، مثل "مرجريت سايمر" و "هافلوك أليس" و "جون كاوبريادز" و "فلهلم رايخ" فإن كل ما قيل لتأييد الحرية الجنسية يتضمن أنها سوف تعمل على تحويل، وإستعادة، جوانب الحياة العاطفية، والعلاقية جميعاً، ولما كان غياب الحياة الجنسية الناجحة يؤخذ على أنه علة المرض، والألم، فقد ترتب على ذلك أن وجود مثل هذه الحياة سيجلب السعادة حتماُ فى أعقابه، والسعادة الإجتماعية فى نهاية المطاف)1 .. ولكن هل جلبت الحرية الجنسية السعادة فعلا؟ يقول بيتر مارين: (إن الحرية الجنسية التى استقرت خلال العقدين الأخيرين لم تواكبها زيادة فى السعادة التى افترض كثير من الناس أنها سوف تعقب تحرير الأعراف (جمع عرف) الجنسية) 2 ويقول: (إننى أعتقد أنه لامحيص من أن نعترف جميعاً ـ آياً كان إحجامنا عن هذا الإعتراف ـ بأن هناك شيئا من الحق مع أولئك (الرجعيين) ـ إبتداء من زملاء فرويد، الذين ذهبوا إلى أن التغيرات العريضة المتعمدة فى أنظمة محرماتنا وترخصاتنا الجنسية سترخى العنان ـ بيننا ـ لكثير من المتاعب ، بقدر ما أزالت منها .
    فالحياة الجنسية التى كان ينبغى أن تبدأ بتعاطف شامل صادق، بين الرجال والنساء، وأن تعمقه، تبدو وكأنها أحدثت بيننا بدلا من ذلك طائفة مختلفة تمام الإختلاف من العواطف والسخط ، وخيبة الامل، والارتياب، والعداء، والاحساس بالخيانة، واحيانا بالإحتقار. وليست المسألة أن المرء لايستطيع أن يجد مشاعر طيبة فى نفوس كثير من الأشخاص أو بين العشاق، بل الأحرى أن عالم الجنس ككل يبدو ملوثاً إلى حد ما. والشعور العام إزاءه هو شعور بالحيرة، أو حتى الغضب، والغدر هو السائد فيه، أكثر من الإعتراف بالجميل ..)3 ويقول فى موضع آخر (ويبدو أن ما يعتقده معظمنا فى الوقت الحاضر هو أنه إذا أزيلت القيود التى تعوق السلوك، الإنسانى، فإن (الطبيعة) تؤكد نفسها على الفور، كما يملأ الماء مكاناً فارغاً، وننسى أننا نحمل معنا ـ فى أى نوع من أنوع الحرية ـ الماضى بغضه وقضيضه، وقيودنا الحضارية المؤيدة، وألوان ضعفنا، ومن ثم فإن الحرية ـ وهى هنا الحرية الجنسية ـ تضاعف من الاختيار ، ولكنها لا تضمن شيئاً، ولا تمنح شيئاً، وبقدر ماتتيح للتجربة أن تتنوع وتتسع، فإنها تعمل كذلك على تنويع الألم الذى يصاحب التجربة وعلى مضاعفته ..)4 .. ويقول: (ما أسمعه حولى فى كل مكان، شكايات وأوصافا لاحتياجات لا تلبى، وضروبا من خيبة الأمل ـ بأن أحدا قد غدر بهم أو خذلهم أو أنهم ليسوا كما ينبغى أن يكونوا، هذا هو التيار الذى يسرى خلال الكثير مما سمعته بوصفى معالجا نفسيا، أو مدرسا، أو صديقا، عندما يتحدث الرجال والنساء أحدهم عن الآخر، وكثير من هذه الشكاوى يتصف بالدقة، طبعا، لأننا نخذل بعضنا البعض الآخر بكل تأكيد ..) .. (لقد قطعنا شوطا طويلا فى طريق الثورة الجنسية وتركنا وراء ظهورنا أوهاما، وتوهمات كثيرة، ونحن نعرف الآن أكثر من ذى قبل عن صنوف الخيانة، والذنب، والبلبلة، التى نستطيع أن نتجاوزها، والتى لا نستطيع تجاوزها. بيد أن الشئ الذى لم نتعلمه ـ وهذا هو لب المشكلة ـ هو كيف نكون عطوفين أحدنا تجاه الآخر)5 ..
    وإذا تركنا بيتر مارين وذهبنا إلى قطب آخر من أقطاب التحليل النفسى فى الغرب (أريك إريكسون) فإننا نجد النتائج متشابهة فى الموقف من الثورة الجنسية والتحرر الجنسى، ففى حوار أجرته معه (أليزابيث هول) سألته: (أنت ترى مرحلة البلوغ الشابة بوصفها متمركزة حول الصراع بين "الحميمية" و "الانعزال" . هل تظن أن إفتتان الحضارة بالجنس الترفيهى الخالص يمكن أن يؤثر على قدرتنا الخاصة بعقد صلة حميمة واحدة؟) .. فأجاب: (أظن ذلك، فالموقف كما ترين قد حدث فى جزء منه بسبب سوء فهم التحليل النفسى: الفكرة القائلة بأنه لاينبغى عليك كبت أى شئ، وإنما يجب عليك إفراجها دائما، بحيث يصبح أهم شئ هو الترفيه التناسلى. وعندما نتحدث عن نمو (الحميمية) فإننا نركز على التبادل الناضج. أما مجرد الصلات الحميمة فإنها يمكن أن تشغل مرحلة من مراحل العمر، بل ان تشغل مراحل متكررة، ولكنها لا يمكن أن تكون الهدف النهائى للحياة الجنسية)2 ..
    ونحن هنا لا نستطيع متابعة آثار الثورة الجنسية وإخفاقاتها ولا نحتاج لذلك .. ولكننا نحب أن نقرر أن الحب بين المرأة والرجل، على أهميته العظيمة، قد ابتذل فى حياتنا المعاصرة.. ونمط الحياة المادية الذى أدت إليه الحضارة الغربية المعاصرة أدى إلى ابتذال الحب، وإلى إنحلاله فى جميع صوره ومستوياته . وللإلمام بالمزيد من جوانب إنحلال الحب فى الحضارة الغربية نحيل القارئ إلى كتاب أريك فروم (فن الحب THE ART OF LOVING) فهو من أجود ما كتب فى هذا الصدد .
    والأمر الذى يعنينا هنا هو إعادة الحب للحياة، وإشاعته، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حوله، حتى يكون الدعامة الأساسية التى يقوم عليها السلام .
    نعود إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، وإلى الأسرة .. قلنا أن أساس الأسرة هو علاقة الزواج بين المرأة والرجل، والمرأة والرجل معا يشكلان الوحدة الإجتماعية .. "الوحدة الإجتماعية ليست، الفرد، من رجل وإمرأة ، وإنما هى الزوج من رجل وإمرأة .. فإنه لا مفاوز الحياة ، ولا مراحل السلوك، تقطع بغير التعاون، والتساند، والحب المتبادل، بين شطرى هذه الوحدة" .. وقد جعل الله تعالى، هذه الوحدة (الزوجين) تقوم على الحب بصورة طبيعية، قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ـ سورة الروم آية 21 ـ .. (وجعل بينكم مودة ورحمة) هذا من طبيعة العلاقة الزوجية .. ولكى تؤدى العلاقة الزوجية ما هو مرجو منها، من إسعاد الزوجين، ومن خلق الأسرة الصالح ، لابد أن تقوم هذه العلاقة منذ البداية، على الحب، وعلى القيم - وهذا أمر يمكن مراجعة تفاصيله فى كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) - وكمال هذه العلاقة إنّما يأتى من كمال طرفيها، ونقصها إنّما يجئ من نقص طرفيها .. (فنحن عندما نعاشر زوجاتنا الفضليات المعاشرة الجنسية، النظيفة، الإنسانية، الرفيعة، إنّما يعاشر نقصنا نقصهن وهذا هو السبب فى قلة السعادة الزوجية الحاضرة، حتى أن كل الزيجات ، بعد الأيام القلائل الأولى التى تسمى بالتعبير العصرى "شهر العسل" لاتكاد تقوم إلا على المجاملة، والإحتمال، والعرض، لا الحب .. والعامة عندنا تقول: "الزواج أوله رغبه وآخره عرض" .. وقد يظن بعض الناس أن ما يقتل الحب بين الزوجين إنّما هو مشاكل الحياة المادية، ومسئولية الكسب ، والإعاله ، وتدبير المعاش للأسرة .. والحق أن هذه نتيجة، وليس سببا، وإنما السبب هو التنافر الذى ينشأ عندما يلتقى نقص الرجال، بنقص النساء.. وما هذا النقص إلا الانقسام الداخلى والتشويش الداخلى، الناشئ من قصورنا المباشر .. ذلك القصور الذى سببه التقاء الأنوثة والذكورة فى أبوينا، فجاءت المرأة خليطاً من الأنوثة والذكورة، ولكن حظ الأنوثة فيها أكبر.. وجاء الرجل خليطا من الذكورة والأنوثه، ولكن حظ الذكورة فيه أكبر من حظ الأنوثه.. فلا الأنثى أنثى كاملة.. ولا الذكر ذكر كامل.. وإنما قيمة التوحيد ـ كلمة "لا إله إلا الله" لنا أن تحقق لنا هذه التصفية والتنقية، فتتم وحدتنا فى بنيتنا بأن يجئ الرجل كامل الرجولة .. وتجئ المرأة كاملة الأنوثة ـ فإذا جاء هذا الطور من أطوار نمونا فإن السعادة تتحقق بالزواج بصورة هى "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" .. وهذا الطور ينتظرنا وسبيلنا إليه هو القرآن .. على أن يقوم تشريعنا الجماعى، والفردى، على أصوله، لا على فروعة ..) .. وهذا ما نبشر به فى أمر الزواج كقاعدة لتحقيق المحبة فى المجتمع .. ومن أجل هذا جاءت وصية الأستاذ محمود للرجال: (تسلطوا على النساء ‍‍‍‍!! ولكن لا يكن تسلطكم عليهن عن طريق الوصاية ، ولاعن طريق القوة ، ولاعن طريق الاستعلاء - استعلاء الذى ينظر من أعلى إلى أدنى - ولكن تسلطوا عليهن عن طريق الحب.. أحبوهن، وتعلقوا بالمكارم، والشمائل، والرجولة، التى تجعلكم محبوبين لديهن .. فإن المرأة إذا أحبت بذلت حياتها فداء لمن تحب ..)
    وعن طريق الزواج، المؤسس على القيم، يتم محض عاطفة الأمومة والأبوة، عند الزوجين، وتنميتها، وهى عاطفة إنسانية رفيعة، وهى رغم أنها عاطفة طبيعية، إلا أن عمقها، وإتساعها، يكون حسب كمال الزوجين .. ومن الطرف الآخر ، تنشأ عاطفة الحب، عند الأطفال، تجاه الوالدين، وتجاه بعضهم البعض، وهى تتأثر كثيراً بما عليه الوالدين من كمال، ومن حب، خصوصاً الأم.. ولقد سبق لنا أن تحدثنا عن دور الأم فى تنشئة الأطفال .. فالطفل يكاد يرضع الحب مع لبن أمه، والعكس صحيح .. ولكل ذلك قلنا أن الأسرة هى المدرسة الأولى، والأساسية، فى إقامة علائق الحب فى المجتمع، وفى تنميتها.. ومن هنا يجئ الإهتمام الكبير جداً، عند الأستاذ محمود بأمر المرأة وبأمر الأسرة، وهو إهتمام لا يسعنا هنا أن نفصل فيه.

    الحب والمجتمع الكبير:-
    لقد رأينا أن العالم قد توحد فى العديد من الوجوه، وهو لكى تكتمل وحدته لابد أن يتوحد فكريا، وشعوريا .. وكل عوامل الوحدة السابقة هى مقدمة، وإرهاص، لهذه الوحدة الفكرية والشعورية، والتى بها يصبح الناس، كل الناس، يفكرون ويشعرون قريبا من قريب، ووقتها يصبح الكوكب الأرضى، وكأنه الأسرة الواحدة، تعمره إنسانية متوحدة، جميع أفرادها متآخون متحابون، يعملون عملا واحدا فى إعمار الأرض، وتحقيق كرامة الناس كل الناس، عليها، فى محبة وتكافل .. وهذا أمر ليس ببعيد، بل هو ليس منه من محيص، فقد أكتملت شروطه المادية ـ كما ذكرنا قبل ذلك، وبقيت شروطه الروحية، وهى لابد كائنه .
    ولكى تسود المجتمع كله، أواصر المحبة والسلام، لابد أن ينظم على أساس من العدل، الذى يرعاه القانون، وتتوجه الأخلاق.. ولابد من محو عوامل الصراع، الإقتصادية منها والسياسية والإجتماعية.. وقد تحدثنا عن كل ذلك.. فالمساواة السياسية والمساواة الإقتصادية، والعدالة الإجتماعية، هى البناء التحتى لتحقيق المحبة.. أما البناء الفوقى، فهو السلوك الفردى، لكل أفراد المجتمع، الذى به يرعى الأفراد قيم المحبة والإيثار، عن قناعة، وعن علم، بل فى ذلك يتنافسون .. وهذا يقتضى تجاوز الروابط والعصبيات القديمة، سوى كانت فى مستوى القبيلة، أو الدولة، أو القومية، أو روابط الدم، أو روابط العقيدة .. وهذا التجاوز يعنى، توسيع دائرة المحبة، التى تحدثنا عنها فى مستوى الأسرة لتشمل كل الإنسانية، وهذا لايتم إلا عن طريق المعرفة، وعن طريق التربية .. وهو أمر لا نرى أنه يتوفر سواء فى الإسلام ومنهاجه فى المستوى الذى تحدثنا عنه .. وبمنهاج الإسلام، يتحول التنافس حول الدنيا، إلى تنافس فى الدين، وقيمه .. والتنافس حول الدنيا هو تنافس ضد الآخرين، فى حين أن التنافس فى الدين هو تنافس، فى خدمة الآخرين، وتقديم الخير إليهم، فى محبة وإيثار .
    ومحبة الله التى تحدثنا عنها، كثمرة للمحبة، لا تأتى إلا عن طريق محبة الآخرين (الخلق عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).. قال الخلق ولم يقل المسلمين، أو المؤمنين .. وعن الذين ما هم بأنبياء، ولا شهداء، ويغبطهم الأنبياء، والشهداء، جاء فى الحديث الذى سبق أن أوردناه أنهم (قوم يتحابون بروح الله عز وجل من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها) .. وهنا واضح تجاوز الدنيا "المال" وتجاوز رابطة الدم .
    وكما ذكرنا مراراً أن هذا الأمر لا يتم دفعة واحدة، فالمبتدئ يكره الشر، والشرير، ويكره الكفر، والكافر، والعارف يكره الكفر، ويحب الكافر، وكراهيته للكفر، هى من حبه للكافر ثم هو لا يلبث أن تتسع معرفته، فلا يكره شيئا ، لعلمه أن ملك مليكه تام، ولتخلقه بأخلاق الله، وقد ذكرنا أن الله يحب جميع الخلق .. وقد جاء فى الحديث القدسى لسيدنا داوود: (لو يعلم المدبرون عنى كيف إنتظارى لهم، ورفقى بهم، وشوقى إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلىّ .. هذه إرادتى فى المدبرين عنى فكيف إرادتى فى المقبلين علىّ ‍!! يا داؤود: أرحم ما أكون لعبدى إذا أدبر عنى وأجل ما يكون عندى إذا رجع إلىّ) .
    ومرة أخرى (ألا أدلكم على شئ إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)
    أما بعد فهذه دعوة للحب وتبشير به، على هدى الإسلام ووفق نهج سيد المرسلين، وإمام المحبين، رحمة العالمين، الذى نهجه هو نهج المحبة الخصبة الخلاقة .. وهى دعوة للحياة، وسلامة الفطرة، فالحب هو قانون الحياة الحقيقى، بل قانون الوجود.. هو الجاذبية التى تربط الأحياء، والأشياء، فيعود الأمر إلى ما هو عليه من الوحدة، فالحب هو أصل التوحيد، وهو منتهى الآمال وغاية الغايات (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) .. ومن أحبه الله نال فوق ما يبتغى، ويشتهى ، ودخل الخلود من أوسع أبوابه وأوكدها .
    لقد أظل عهد الحب، فودع الكراهية، فقد آذن ليلها بزوال .. بالإسلام أصبح الحب دينا ، يتعبد به آناء الليل وأطراف النهار، ونحن نوشك أن ندخل عهد الحب، عهد السلام، عهد الإسلام ووقتها سيلهج لسان حال كل الناس، ولسان مقالهم مع الشيخ الأكبر ويترنمون:
    أدين بدين الحب أنىّ توجهت ركائبه فالحب دينى وإيمانى
    هدانا الله جميعا سبل حبه وجعلنا موضع محبته وكلاءته .

    خالد الحاج عبد المحمود ـ رفاعة ـ 14/2/2007
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-03-2007, 07:48 PM

مختار مختار محمد طه

تاريخ التسجيل: 07-08-2006
مجموع المشاركات: 113

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الشكر لك اخى عمر
    ما احوجنا اليوم الى الاسلام الحق؟
    ----------------


    أما بعد فهذه دعوة للحب وتبشير به، على هدى الإسلام ووفق نهج سيد المرسلين، وإمام المحبين، رحمة العالمين، الذى نهجه هو نهج المحبة الخصبة الخلاقة .. وهى دعوة للحياة، وسلامة الفطرة، فالحب هو قانون الحياة الحقيقى، بل قانون الوجود.. هو الجاذبية التى تربط الأحياء، والأشياء، فيعود الأمر إلى ما هو عليه من الوحدة، فالحب هو أصل التوحيد، وهو منتهى الآمال وغاية الغايات (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) .. ومن أحبه الله نال فوق ما يبتغى، ويشتهى ، ودخل الخلود من أوسع أبوابه وأوكدها .
    لقد أظل عهد الحب، فودع الكراهية، فقد آذن ليلها بزوال .. بالإسلام أصبح الحب دينا ، يتعبد به آناء الليل وأطراف النهار، ونحن نوشك أن ندخل عهد الحب، عهد السلام، عهد الإسلام ووقتها سيلهج لسان حال كل الناس، ولسان مقالهم مع الشيخ الأكبر ويترنمون:
    أدين بدين الحب أنىّ توجهت ركائبه فالحب دينى وإيمانى
    هدانا الله جميعا سبل حبه وجعلنا موضع محبته وكلاءته .

    خالد الحاج عبد المحمود ـ رفاعة ـ 14/2/2007
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 02:04 AM

Osman Musa
<aOsman Musa
تاريخ التسجيل: 28-11-2006
مجموع المشاركات: 17308

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: مختار مختار محمد طه)

    ألموحد عمر سلام واحترام
    قلت بان ألكون ا لحادث فى صوره هو فى حركة لاتهدأ ولاتقف
    وانت يا سيد هوارى تتجلى ولاتهدأ ولاتقف عن مدنا وفى كل مجال
    وفى كل ميدان... دواية عامرة ويراع وعقل
    سلام
    اخيك عثمان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 03:43 AM

Asma Abdel Halim
<aAsma Abdel Halim
تاريخ التسجيل: 01-05-2006
مجموع المشاركات: 1028

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Osman Musa)

    سلام
    كلمت قرأت هذه القصيدة فهمتها بشكل مغاير لما فهمت أولا

    موقف الغيبة

    أحمد طه


    ها أَنتَ تُعاود غيبتَكَ الأولى
    والموتُ يطير بقلبكَ نحو الربّ،
    فتضحكُ
    في خفرٍ واستحياءٍ
    وتراوغُ جلاّديكَ
    وينتظرونكَ
    تفتحُ دفترَ أسفارِكْ
    ينتظرونكَ
    والمائدةُ اكتظّت بالورّاقين، فكيف
    تعدُّ لكلّ
    رغيفٍ جسدا
    ولكلّ كتابٍ أتباعاً ومريدينْ؟
    أم كيف تمدّ يديكَ لأنصاف الموتى؟
    والموتى ينتظرونْ
    كي تكتب أورادَ الفقراءِ، وأدعيةََ البررةِ
    لكنكَ كنتَ حزينا
    يسكن صوتُكَ أسفلتَ الطرقاتِ
    تعرف أن الموتَ الأولَ لا يسعُ الموت الثاني
    فتمهّلتَ لتجذبَ كلَّ الأستارِ، فكان
    حِجابُكَ
    تلك هي الرؤيا..
    آخرُ قنديل تطفئه الآنَ وأولُ أسفاركَ
    فابرحْ خرقةَ مولاكَ وجهّزْ أحصنتكَ
    ودفاترَ
    أسلافكَ
    وتهيّأْ للموت الثاني
    فالموتى ينتظرونْ.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 05:12 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Asma Abdel Halim)


    أختي العزيزة الدكتورة أسماء
    تحية ملؤها الروح والرياحين ..
    وشكرا على هذه القصيدة العجيبة فعلا .. هذه أول مرة اطلع عليها وهي تحمل في طياتها عمقا بائنا وأسرارا تفوح .. فمن يا تراه شاعرها أحمد طه هذا ومتى كتبها؟
    يسرني أن تكوني من المتابعات والمتابعين لهذا الخيط
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 05:06 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Osman Musa)


    أخي وصديقي الشاعر عثمان موسى
    أزكى تحية وأعطر سلام
    ياخي من خشمك ولي الله .. جعلنا الله جميعا من الموحدين لذواتنا من دواعي الإنقسام والخوف والجهل حتى نرد ذلك المورد الصافي الذي ما حجبنا عنه غير الرين الموروث والمكتسب ..
    كتابة الأستاذ خالد الحاجة كتابة عميقة وممدودة وتفعل في النفوس فعل السحر .. وأنا عندما أنقلها هنا أسعى لنقل الفرح الذي تدخله في نفسي عندما اطلع عليها ..
    جزيل الشكر على المتابعة والتعليق وللمقال بقية فأرجو أن تحرص على أن تكون معنا ..
    اللهم انفعنا بما علمتنا
    وعلمنا ما ينفعنا
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 04:59 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: مختار مختار محمد طه)


    أخي العزيز مختار
    تحية ملؤها الشوق والمحبة
    نعم ما أحوجنا اليه .. والى كلماته المجسدة ..
    عندما تنقشع سحابة الجهل والعماية الجاثمة فوق سماء عالمنا الصغير والكبير وتخفت أصوات الضجيج الصاخبة التي تملأ الآفاق فسنرى ذلك الضياء الأخاذ لامحالة وسنستمع الى صوته الرخيم بإنصات فنعيه .. فهو الرزق الذي نهرب منه ولكنه مدركنا.. وهل يملك المرء أن يهرب من رزقه أو ينفلت من أجله ؟!! ..
    عمر

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 06:03 PM

Asma Abdel Halim
<aAsma Abdel Halim
تاريخ التسجيل: 01-05-2006
مجموع المشاركات: 1028

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    سلام عمر
    أحمد طه شاعر مصرى مجيد ولكنه زاهد أيمازهد
    زوجته كلاريسا كانت تدرس فى أوهايو Athens وكانوا ساكنين نفس الحى معانا. أعطانى بعض داووينه ومجلة كان يحررهاأسمهاالجراد. وكنت معجبة للغاية بشعره. بالصدفة وجدت هذه القصيدة منشورة فى موقع شعر عربى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-03-2007, 06:19 PM

Dr. Ahmed Amin
<aDr. Ahmed Amin
تاريخ التسجيل: 20-02-2007
مجموع المشاركات: 7061

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    أخي العزيز عمــــر

    لك الشكر والتحيةعلى المجهود الرائع الذي تقوم به أسأل الله أن يجعلها لك رفعة في الدارين والشكر والتحية للأستاذ خالد الحاج صاحب القلم المميز والفكر العميق.
    .
    .
    .

    وهل من مزيد ......

    أحمد
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

07-03-2007, 00:29 AM

عبدالله عثمان
<aعبدالله عثمان
تاريخ التسجيل: 14-03-2004
مجموع المشاركات: 15440

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    سـر الحياة

    قديماً هام الناس بسر الحياة الأعظم .. هاموا بسر القدرة ، و بسر الخلود .. فجد الفلاسفة وراء ما أسموه بحجر الفلاسفة ، و بحث الكيماويون عما أسموه إكسير الحياة .. و حلم القصاصون بخاتم المنى، و بالفانوس السحري.. و لم يظفر أي من هؤلاء بشئ مما كانوا يبتغون.
    قل لهؤلاء جميعاً ، و لغير هؤلاء ، من سائر الناس، إن سر الحياة الأعظم ـ إن إكسير الحياة ـ هو الفكر .. الفكر الحر .. الفكر القوي، الدقيق ، الذي يملك القدرة على أن يفلق الشعرة ، و يملك القدرة على أن يميز بين فلقتيها.. و هذا الفكر إنما هو ثمرة العقل المسدد ، المروض، المؤدب بأدب الحق ، و أدب الحقيقة ...

    http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_id=19&chapter_id=3
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2007, 02:37 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    شكرا عزيزتي الدكتورة أسماء على المعلومات ..
    فمثل هذا الرجل المعبأ شعرا مبينا لا بد أن يكون من الزاهدين المقلين ..
    أرجو أن لقيتيه مرة أخرى أن تقرئيه عني كثير السلام

    عزيزي الدكتور أحمد
    يسعدني مرورك من هنا ويفرحني فرحك
    نسأل الله أن يجعلنا جميعا من المنتفعين بالقول الطيب والباحثين عن سبله

    عزيزي الأستاذ عبدالله عثمان
    شكرا على احيائنا بإكسير الحياة
    جعل الله حياتنا فكرا وذكرا
    عمر

    سنتابع سلسلة مقالات الأستاذ خالد الحاج
    بعد قليل

    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2007, 03:35 AM

على عمر على
<aعلى عمر على
تاريخ التسجيل: 13-12-2003
مجموع المشاركات: 2340

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    اخى العزيز هوارى
    زمان بتدكر انو كان فى ركن كان بقدم فيهو دالى
    والدنيا ليل شديد فى جامعة الخرطوم(النشاط)
    ولما غلب دالى كعادته الا خوان المسلمين بالحجه فى ركنوكعادتو
    قام الاخوان المسلمين عملو ركن نقاش بدوهو نص الليل ..
    واعتقد قدمو المرحوم
    محمد طه محمد احمد..وبداهو بقراية قرآن طوييييييييييلة
    فى محاولة للتشويش على ركن دالى
    المهم دالى بعد داك واصل عادى..
    اتدكرت الحادثه دى وانا بقراء فى مداخلات (اقصد مقاطعات)
    اخوانا محمد عثمان محمد طه..التشويشيه
    فواصل بالله عليك فنحن متابعون.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-03-2007, 02:56 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أخي العزيز علي عمر
    أطنان التحايا والمودة
    نحن ساعين لأكمال هذا الكتاب الشيق ولن يصرفنا عن ذلك صارف ..
    ويسعدني أنك من المتابعين ..
    واعتقد أن الجزء التالي عن "الحرية" سيعجبك
    عمر

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 25-03-2007, 04:02 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-03-2007, 02:59 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
    (6)
    الحرية


    جميع قضايا الوجود الانسانى، مرتبطة بتصحيح العلاقة بين الفرد والكون، والعلاقة بين الفرد والمجتمع.. وقد رأينا فى الحلقات السابقة، أن الاسلام، كما يدعو له الأستاذ محمود محمد طه، يعالج هذه العلاقة، فى بعديها، وفى جميع المستويات، من خلال التوحيد، كإطار للتوجيه، ونموذج للإرشاد.. فالحرية، فى الإسلام، مرتبطة بهذين البعدين، وبإطار التوجيه الذى يحكمهما.. ولذلك الحرية تقع على مستويين: مستوى العلاقة بين الفرد والكون، وهذه هى الحرية الأساسية، وهى الغاية.. ومستوى العلاقة بين الفرد والمجتمع، وهذا المستوى من الحرية، يقوم مقام الوسيلة، من المستوى الأول.. ونحن سنتحدث عن الحرية فى مستوييها، مستوى الحرية الفردية، وهى الأصل، ومستوى الحرية فى المجتمع، وهى الفرع.
    ومنذ قيام الحزب الجمهورى، كان يركز على الحرية تركيزا واضحا.. وقد رأينا فى الحلقة السابقة، أنه فى أول نشرة له فى ٢٦ اكتوبر ١٩٤٦م كان يدعو للفكر الحر، حيث قال: "ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شئ أكثر، ولا أقل من إعمال الفكر الحر.. إلخ".. وعلى الرغم من أن الحزب الجمهورى فى تلك الفترة، كان تركيزه الأساسى، على جانب الحماس فى الحركة الوطنية، إلا أن رؤيته لموضوع الحرية، وحرصه عليها، كانا واضحين منذ ذلك التاريخ، فقد جاء في نفس النشرة، قوله: "إن الحزب الجمهورى لا يسعى إلى الإستقلال كغاية فى ذاته، وإنما يطلبه، لانه وسيلة إلى الحرية، وهى التى ستكفل للفرد الجو الحر الذى يساعده على إظهار مواهبه الكمينة فى صدره ورأسه.. "
    وقد جاء فى أول دستور للحزب ١٩٤٦م أن المبدأ هو الجلاء التام للمستعمر.. والغرض: قيام حكومة سودانية جمهورية ديمقراطية حرة.. أما دستور ١٩٥١م للحزب، فالشعار فيه هو (الحرية لنا ولسوانا).. ولقد ظل هذا الشعار، هو الشعار الدائم .. أما المبدأ فى هذا الدستور، فهو (تحقيق العدالة الإجتماعية الشاملة، والحرية الفردية المطلقة) وقد ظل هذا المبدأ هو المبدأ الدائم للحزب.
    وحسب التوحيد، كإطار توجيه، جميع قضايا الإنسان مرتبطة ببعضها البعض، ومتداخلة، ومكملة لبعضها البعض.. فالحرية، مرتبطة رباطا لا فكاك له بالحياة، وبالفكر، وبالأخلاق، وهذه الوحدة والأتساق، هى ما ينبغى ملاحظته، فى حديثنا عن الإسلام عند الأستاذ محمود. لقد جاء فى ديباجة "أسس دستور السودان" الصادرة طبعته الأولى ١٩٥١م ما نصه: "المسألة الأساسية التى .. يجب أن يعالجها دستور أى أمة من الأمم هى حل التعارض البادى بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة، فإن حاجة الفرد الحقيقية هى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة هى العدالة الإجتماعية الشاملة: فالفرد ـ كل فرد ـ هو غاية فى ذاته ولا يصح أن أن يتخذ وسيلة لأى غاية سواه، و الجماعة .. هى أبلغ وسيلة الى انجاب الفرد الحر حرية مطلقة، فوجب اذن تنظيمها على اسس من الحرية والاسماح تجعل ذلك ممكنا" .. واضح من النص التمييز بين الحرية الفردية، التى هى غاية، والحرية فى المجتمع التى هى وسيلة .

    الحرية والطبيعة الانسانية:-
    يمكن تعريف الحرية تعريفا اجرائيا، بسيطا، وهى انها تعنى عدم القيد، او القسر .. يقول د. زكريا ابراهيم (قد إصطلح التقليد الفلسفى على تعريف الحرية بأنها إختيار الفعل عن رؤية مع عدم استطاعة عدم اختياره أو استطاعة إختيار ضده) ـ كتاب مشكلة الحرية ـ ويمكن أن نعتمد هذا التعريف، إلى أن تظهر لنا ابعاد قضية الحرية.. واضح من عبارة "اختيار الفعل" من التعريف أنها تتحدث عن إرادة الاختيار، فموضوع الحرية، هو الإرادة، والإرادة صفة وسط بين صفتين، هما العلم من أعلى، والقدرة من أسفل، وهى بما هى كذلك متضمنة العلم والقدرة.. وعندما تحدثنا عن الحياة، قلنا "عندما إرتقى الله تعالى بالحياة إلى مرتبة الإنسان، زاد على إرادة الحياة، عنصرا جديدا، هو إرادة الحرية، فهى إنما تختلف عن إرادة الحياة اختلاف مقدار".. فالعنصر الأساسى الذى تميزت به حياة الإنسان على الحيوان، هو إرادة الحرية.. (فالحياة الكاملة هى التى تعلم العلم الكامل، وتتخلق بمقتضاه.. وأكمل العلم ما يسوق إلى التخلق بالحرية، وانما من أجل الحرية، جعل الله، بحكمته، طريق تعلمنا يمر بمنطقة الاختيار، نحن نتعلم بين الخطأ والصواب وهو يعلمنا دائما حين نصيب وحين نخطئ، وقد جعل تعلمنا عن طريق الخطأ بالعقوبة، التى نجدها مترتبة على الخطأ.. فنحن نتمتع ﺑإرادة نشعر بحريتها، ولا نشعر بتوجيه الله إياها.. وقد أمرنا فى الشريعة بأن نسير بحريتنا هذه فى اختيار ما يختاره هو لنا.. ولما كنا أحرارا، فيما نشعر، لقد قام التكليف على أننا نتحمل مسئولية خطأ تصرفنا، حين نخطئ، أثناء ما نحن ندبر أمر أنفسنا، فإذا عجزنا عن هذا التدبير، وعظمت علينا مسئولية حرية التصرف، لجأنا إليه، فى عجز وضعف، به نستيقن بعد الممارسة أن إرادته حقيقية، وأن إرادتنا متوهمة..) ـ القران ومصطفى محمود ـ فعندما نسلم، إرادتنا المتوهمة، إلى إرادته تعالى، الحقيقية، تصبح إرادتنا من إرادته تعالى، فتصبح بذلك إرادة حقيقية ونافذة، يقول تعالى، فى الحديث القدسى (يا داؤود إنك تريد، وأريد.. وإنما يكون ما أريد.. فإن سلمت لما أريد كفيك ما تريد.. وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.. ) فالحرية مكون ﺃساسى فى الطبيعة الإنسانية، وبها استحق الإنسان أن يكون مفضلا على جميع خلق الله.. واستحق أن يكون خليفة الله تعالى فى الأرض.. فالحرية تقوم على حق الخطأ، وهو حق ليس مكفولا لبقية خلق الله.. كما هو مكفول للإنسان .. فالتعلم عن طريق الخطأ والصواب، هو ميزة الإنسان الأساسية.. فقد خلق الله تعالى خلقا علماء لا يخطئون، ولكنهم ليسوا أحرارا، ولقد نتج عن نقص حريتهم نقص كمالهم، أولئك هم الملائكة، فإن الله تعالى فضل عليهم البشر، وذلك لمكان خطئهم وصوابهم، أو قل لمكان طاقتهم على التعلم بعد جهل.. وإلى ذلك الإشارة بحديث المعصوم (إن لم تخطئوا ‬وتستغفروا فسيأت الله بقوم يخطئون ويستغفرون ، فيغفر لهم..) فكأن الخطائين المستغفرين هم موضع نظر الله من الوجود، لأنهم بذلك يعبرون إلى الحرية، وهى حظ الله العظيم.
    ولقد خلق الإنسان فى عالم الأمر كاملا وعالما، وحرا، وكانت حريته منحة، لم يدفع ثمنها، فإمتحنه الله تعالى ليرى كيف يصنع فيها، فقال : (يا آدم، أسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين). وعصى آدم وحواء ربهما، فاهبطا من الجنة.. وبهذه المعصية، دللا على عجزهما عن حسن التصرف في الحرية، فصودرت حريتهما.. ولما كانت معصية آدم عن نسيان، وعن ضعف عن مراغمة النفس، ولم تكن مكابرة كما هوالحال مع إبليس، فقدغفر له، يقول تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى، ولم نجد له عزما..) (ولقد عهدنا إلى آدم) يعنى أخذنا عليه عهدا، بأن يحسن التصرف فى حريته، فيختار الله دائما، (فنسى ولم نجد له عزما) نسى عهد الله، وضعف عزمه عن التزام واجب الحرية، فتهالك أمام رغبة نفسه، وبذلك أساء استعمال حريته فصودرت، معاوضة لفعله.. ولكن هذه المصادرة، لم تكن مصادرة دائمة، فقد غفر لآدم، بإعطائه حق الخطأ، وهذا يعنى أن حريته لم تصادر، مصادرة أبدية، فيقام عليه وصى إلى نهاية ذلك الأبد، كما فعل مع إبليس، وإنما أذن له فى إستردادها، وبدأ بممارسة ما يطيق منها، فهو يعمل فى ذلك بين الخطأ والصواب، فكلما أحسن التصرف فى الحرية التى لديه، أوتى مزيدا منها، وإن بدرت منه إساءة فى التصرف تحمل نتيجة سوء تصرفه بعقوبة معاوضة، ومقابلة للخطيئة، يراد بها شحذ قوى نفسه، حتى تتأهل، أكثر من ذى قبل، لتحمل واجب الحرية فى ذلك المستوى الذي بدر منه العجز عنه.. ثم أن هذه العقوبة يتجلى فيها اللطف الإلهى كما يليق به، فهو يجازي الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعفها حتى تخرج من الحصر، وهو لا يجازى السيئة إلا بمثلها، وقد يعفو عنها، وقد يبدلها حسنة، وقد يضاعفها، بعد ذلك أضعافا لا حد لها.. يقول تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا، الا من تاب، وآمن، وعمل عملا صالحا، فاولئك يبدل لهم سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما) .. ويقول تعالى (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما) .. فالعذاب هو ثمن الحرية، ويمكن الاستغناء عنه بحسن التصرف فى الحرية .. وهو ـ العذاب ـ يتم عن طريق قانون المعاوضة فى الحقيقة، والذى يقوم على قول الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، وهو قانون يعمل دائما على تنمية الخير، ومحو الشر، وذلك بسوق الحياة الى كنف الله الرحيم .. هذا فى حالة كون سوء تصرفه انما يقع على نفسه وحدها، دون غيرها من الانفس .. اما اذا كان سوء تصرفه، يقع وباله على الاخرين، فان حريته تصادر بقانون المعاوضة فى الشريعة .
    وحسن التصرف فى الحرية إنما يكون بان نريد الله، ولا نريد سواه فان نحن قمنا بذلك عن يقين مكتمل .. فكرا، وقولا، وعملا، فانه يمدنا بمزيد من حرية الارادة، وإن نحن اْسأنا التصرف فى حرية الارادة، فاردنا سواه، صادر حريتنا بما يعلمنا كيف نحسن التصرف فى مستأنف امرنا.. فحسن تصرفنا منه تعالى منة، وسوء تصرفنا منه حكمة، وهدف الحكمة ان يستعد المكان لتلقى المنة، ونحن لا نختار انفسنا عن الله الا لجهلنا، وليس الجهل ضربة لازب علينا، وانما نحن نخرج عنه الى العلم كل لحظة .. يقول تعالى (ياأيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه).. ويقول (افحسبتم انما خلقناكم عبثا، وانكم الينا لا ترجعون) وملاقة الله، والرجوع اليه، لا يكونان بقطع المسافات وانما بتقريب الصفات، من الصفات، بالخروج من الجهل، والدخول فى العلم به تعالى، وهو يقول: (هو الذى يصلى عليكم، وملائكته، ليخرجكم من الظلمات الى النور)
    من كل ما تقدم , يتضح ان الحرية فى اصل الطبيعة الانسانية وهى روح الحياة الانسانية .. فحياة بلا روح انما هى جسد بلا روح .. ويكفى أن تقول ان الحرية هى الفيصل بين حياة الانسان، وحياة الحيوان .. والمحك بالنسبة للحرية هو حسن التصرف فيها، اذ به وحده تتم الزيادة فى الحرية، فى حين ان ان سوء التصرف فى الحرية، يؤدى الى مصادرتها، فى حدود سوء التصرف هذا .. . وحسن التصرف فى الحرية هو الاخلاق .. فالاخلاق هى السبيل الوحيد لأن نكون احرارا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-03-2007, 04:08 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الحرية بين القيد والاطلاق:
    الاسلام يرى ان الاصل فى الحرية الاطلاق، واننا حين نتحدث عن الحرية، من حيث هى، وفى أى مستوى من المستويات، انما نتحدث عن الاطلاق، من حيث لا ندرى، ذلك بان الحرية المقيدة انما هى نفحة من نفحات الاطلاق، تضوعت على اهل الارض بقدر طاقتهم على احتمالها .. فكأن القيد ليس اصلا، وانما الاصل الاطلاق .. وهذا يمكن ان يفهم من مجرد التعريف الأولى للحرية بأنها عدم القيد .. فما القيد الا لازمة مرحلية تصاحب تطور الفرد من المحدود الى المطلق .. فالله تعالى وحده هو الحر حرية مطلقة، وحريتنا نحن من حريته، والمطلوب منا ان نسير من محدودية حريتنا الى اطلاق حريته، وهذا ما يعنيه التخلق باخلاق الله الوارد في قول المعصوم (تخلقوا باخلاق الله انربى على سراط مستقيم) وقوله تعالى (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون) .. فالاطلاق، بالنسبة لحريتنا نحن، اطلاق صيرورة، وليس اطلاق تحقيق.. فالحرية الفردية المطلقة بالنسبة للانسان، تعنى ان كل قيد هو قيد مرحلى ينبغى ان نتجاوزه، وغايتنا فى ذلك الاطلاق، والاطلاق لا يمكن الاحاطة به، والا اصبح محدودا، ولذلك السير فى مجال الحرية سير سرمدى ، ليست له نهاية .. بهذا المعنى الحرية فى الاسلام مطلقة، وهى حق لكل فرد بشرى ، من حيث انه بشرى، بصرف النظر عن ملته او عنصره، وهو حق يقابله واجب ، فلا يؤخذ الا به، وهذا الواجب هو حسن التصرف فى الحرية ، فلا تصبح الحرية محدودة الا حيث يصبح الحر عاجزا عن التزام واجبها .. وقد وظف الاسلام كل الوسائل لتحقيق حرية الانسان، بمعنى انه وظف كل الوسائل لتحقيق عودة الفرد الى ربه .. فهذه العودة انما هى الحرية نفسها، لان العودة، كما سبق أن ذكرنا، لاتكون بقطع المسافات، وانما بتقريب الصفات من الصفات، واعلى الصفات الحرية .. ومن وسائل العودة، والتى هى نفس وسائل الحرية: وسيلة الاسلام، ووسيلة القرآن، ووسيلة الجماعة .. والجماعة لها حرية، وهى بمثابة قاعدة الهرم حين تكون حرية الفرد هى قمته.
    ولما كانت الحرية، مسئولية، فهى بنت القيد الضرورى لها، فلا يمكن ان تتحقق الا من خلاله.. فالحرية مقيدة بحسن التصرف فيها، فاذا تم حسن التصرف، فهى تزيد وتزدهر، واذا تم العجز عن حسن التصرف، فتتم مصادرتها، فى حدود هذا العجز على ان المصادرة ، مصادرة مؤقتة، الغرض منها سوق الفرد ليحسن التصرف فى المرة القادمة .. ولذلك محك الحرية الاساسى هو حسن التصرف فيها، فهذا ما ينبغى ان يشغلنا، لانه هو سبيلنا الوحيد لحريتنا .. والذى يجعلنا عاجزين عن حسن التصرف فى الحرية، انما هو الجهل، ونحن لفرط جهلنا، نحن جهلنا، ونكره المعرفة الا اذا جاءت عن طريق يناسب هوانا، يقول تعالى: (كتب عليكم القتال، وهو كره لكم، وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وانتم لا تعلمون) .. "عسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم" تشير الى انانيتنا .. فنحن نحب انفسنا، ونحب كل ما يصدر عنها من حماقات. وكل فرد بشرى هو بالضرورة التكوينية انانى .. وكماله انما يكمن فى هذه النشأة الانانية، فهى التى تعطيه الدافع للعمل، كما تعطيه التطلع للكمال والسعى اليه..
    وانانية كل انانى على مستويين: مستوى الانانية الضيقة ، المتسفلة ، الجاهلة .. وهذه هى التى تقوم عليها حياة الحيوان فينا ، وهى تجعل الفكر خادما لاغراضها ، وهذا هو مستوى عقل المعاش الذى تحدثنا عنه .. والمستوى الثانى للانانية هو مستوى الانانية الواسعة ، المتسامية ، العاقلة.. وهذا هو مستوى حياة الانسان ، ومستوى عقل المعاد ، (النفس العليا) .. فالانانى الجاهل قد يرى مصلحته فى امور تخالف مصالح الجماعة ، واذا اقتضى الامر فهو قد يضحى بمصلحة الجماعة ليصل الى ما يظنه مصلحته هو .. وهذا ليس له من سبيل الى الحرية، الا بالتخلص من انانيته الجاهلة، حتى يحسن التصرف فى الحرية ، فيستحقها ، بحسب احسان تصرفه هذا، اما صاحب الانانية العالمة، فلا يرى مصلحته الا فى امور تستقيم مع مصالح الآخرين، وهكذا يعمل، وبذلك يحسن التصرف فى الحرية ، فهو دائما يسمو فى مراقيها .. ونهج الاسلام كله يقوم على التسامى من الانانية السفلى، الى الانانية العليا، وفى ذلك يقول المعصوم، مثلا (لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه) ويقول: (لايؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) هواه يعنى انانيته الجاهلة.. ويقول: (ان اعدى اعدائك نفسك التى بين جنبيك) .. "نفسك التى بين جنبيك" تعنى نفسك السفلى او نفسك الدنيا، حيث الانانية الجاهلة، فى مقابل نفسك العليا، او نفسك الاخرى، التى يرجع اليها كاف الخطاب فى "ان اعدى اعدائك".. فكأنه قال ان اعدى اعداء نفسك العليا ـ الانانية العالمة ، نفسك الدنيا ـ الانانية الجاهلة.. وفى هذا المعنى يجئ قوله تعالى: (ان هذا القرآن يهدى للتى هى اقوم)، يعنى النفس العليا، وكذلك معنى قوله تعالى: (من اهتدى فانما يهتدى لنفسه، ومن ضل انما يضل عليها) .. فما دمنا فى منطقة الانانية الجاهلة، فان حريتنا لابد أن تقيد، لمصلحة مجتمعنا، ولمصلحتنا نحن ايضا، ويجب ان يكون القيد وفق قانون دستورى، حتى لا يصبح مصادرة دائمة للحرية .. والقانون الدستورى هوالذى يوفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة، ولذلك هو وسيلة تنظيم الحرية فى المجتمع.

    الحرية فى المجتمع:
    مما تقدم يتضح ان الحرية فى الاسلام، تقع فى مستويين: مستوى الحرية فى المجتمع، وهذه تقوم مقام الوسيلة للحرية الفردية.. فهى تقتضى ان ينظم المجتمع بالصورة التى تعين كل فرد على تحقيق حريته الفردية، وهذه وحدها هى الحرية الحقيقية، وهى لا تتحقق بمجرد قيام المجتمع الحر، فلا بد لتحقيقها من المجهود الفردى.. والمجتمع الحر، فقط يهيئ المناخ الصالح، الذى يستطيع فيه كل فرد ان يعمل لتحيق فرديته.. فالحرية فى المجتمع حرية افقيه وفيها تنتهى حريتك، حيث تبدأ حرية الآخرين.. اما الحرية الفردية، فهى راسية فيها يتسامى الفرد على نفسه، فيعمل على التخلص من قيودها الداخلية والخارجية، بصورة دائمة .. ولا يوجد انفصال بين المستويين من مستويات الحرية، وانما هما يكملان بعضهما البعض والاولى منهما قاعدة للثانية .. وفى كلا المستويين، من مستويات الحرية ، الفرد هو المدار .. فالحر فى المستوى الاول، هو الذى يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط ان لا تتعدى ممارسته لحريته فى القول، او العمل، على حريات الآخرين فان تعدى تعرضت حريته للمصادرة، وفق قوانين دستورية .. واضح من هذا التعريف انه يتحدث عن الحرية الفردية فى اطار المجتمع .. والاساس فى الحرية فى جميع مستوياتها هو الفكر الحر، والمشار اليه بعبارة "يفكر كما يريد"، وهى عبارة تفيد ان فكره نابع من ارادته الحرة، فهو لا يقوم على املاء من الخارج، من المجتمع، ولا على املاء من الداخل، من النفس ورغائبها واهوائها.. فالحر فى هذا المستوى، هو من حقق وحدة ثالوث الفكر، بتطابق الفكر والقول والعمل، وهذا هو معنى العبارة يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول .. وهذا هو بداية اعادة الوحدة للبنية البشرية، وهو غرض التوحيد الاساسى، ولذلك هو يستهدفه منذ البداية .. فتوحيد القوى المودعة فى البنية البشرية انما يكون، بوحدة الفكر وآلية الاشارة بقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون).. فهذه الوحدة، هى بداية فض التعارض القائم بين العقل الواعى، والعقل الباطن، عن طريق فهم التعارض القائم بين الفرد والمجتمع، وبين الفرد والكون، وقد سبقت إلى ذلك الإشارة.
    والشرط فى تعريف الحرية، فى هذا المستوى الأول، والذى جاء فى العبارة "على شرط ألا تتعدى ممارسته لحريته فى القول، أو العمل على حريات الأخرين"، هو معيار حسن التصرف فى الحرية فى هذا المستوى، وهو الحد الأدنى بالنسبة لمعيار حسن التصرف في الحرية.. فمن عجز عن الوفاء بهذا الحد الأدنى، صودرت حريته فى المستوى الذى عجز فيه، بغرض حفظ حق الآخرين فى الحرية، وبغرض تربيته حتى يحسن التصرف، فيزاد له فى حريته.
    هذا التصور للحرية، يختلف بصورة جذرية، عن التصور اللبرالى لها، وجوهر الخلاف يجئ من غياب التصور السليم فى اللبرالية لعلاقة الفرد بالكون، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وبالتالى خطأ تصور الفردية.. فالفردية فى المفهوم اللبرالى، فى بعض جوانبها الأساسية تكاد تكون على النقيض من مفهوم الفردية فى الإسلام!!
    فالفردية فى المفهوم اللبرالى، تقوم، كما يقول جون إستيوارت مل على إعتبار أن "الإنسلن سيد نفسه، له مطلق الحرية على جسده وعقله" ـ رلجع كتاب "عن الحرية" وهذا هو العمل المعتمد، عمليا ونظريا، لمفهوم الفردية فى اللبرالية.. وهو معنى شديد الخطأ، وشديد الخطورة، على الفرد، وعلى المجتمع، وهذا ما ظهر بصورة عملية، من واقع الحضارة الغربية السائدة، وهو الأمر الذى سنناقشه فى موضعه، عندما نتحدث عن الحرية فى الحضارة الغربية.. فالمفهوم اللبرالي للحرية الفردية يقوم على أن "سلطة المجتمع التي يمثلها سيادة العرف، وسلطة الحكومة التي يمثلها القانون، هما ما يحملان على تقرير مبدأ واضح، وهو لايجوز التعرض لحرية الفرد الا لحماية الغير منه، أو لمنعه من الاضرار بغيره، فهو الغاية الوحيدة التي تبرر السلطة التي تحكمه، وتنتهي دونها كل غاية حتى وان كانت لحماية الذات، فلا يجوز ارغام الفرد على انتهاج سلوك معين بحجة حمايته من الاضرار بنفسه او ماله.." ـ مل ـ فالسلوك الفردي في المعايير اللبرالية، لا يدان لأنه سلوك خطأ في ذاته، وانما لاخلاله بحقوق الغير، يقول مل: "وهذه الأفعال اذا تجاوزت الذات الى الاخلال بحقوق الغير وقعت تحت طائلة الجزاء الأدبي، لا السلوك ذاته، ولكن لما يترتب عليها من أذى الآخرين" ويقول مل: "لا يتناول هذا المقال مايسمى حرية الارادة وهي تتعارض مع ما يدعى خطأ بفلسفة الضرورة، ولكن بحث في الحرية المدنية والاجتماعية.." .. ولكن الحرية المدنية والاجتماعية لا يمكن فصلهما عن حرية الارادة.. والمفارقة الأساسية، تأتي من أن اللبرالية، ترى أن الانسان سيد نفسه، له مطلق الحرية على جسده وعقله..؟! .. فالانسان "سيد نفسه" هذه لا يمكن التدليل عليها، بل الأدلة كلها ضدها.. فالانسان لم يوجد نفسه، ولم يكن له دور في ايجادها، فهو دخل الحياة دون ارادته، ويخرج منها دون ارادته.. وهو لم يوجد شعرة واحدة من من شعر جسده.. فهذه السيادة المزعومة لا تعطيه الحق في الاضرار بنفسه أو بماله.. فالأمر المنطقي، والموضوعي، هو أن الاضرار بأي نفس، هو اضرار يستوجب الجزاء، حسب طبيعة هذا الاضرار، لا فرق في ذلك بين النفس والغير.. فليس من حق الانسان أن يقتل نفسه مثلا، ولا يختلف الجرم في قتل نفسه، عن الجرم في قتل غيره، فالنفس واحدة.. وقد يتوهم اللبرالي أن من يقتل نفسه لا يمكن معاقبته، وذلك لأن الله عنده ليس في الصورة، وكذلك اعتبارات حياة اخرى، يتم فيها الجزاء.. وحتى المال ، الفرد ليس حرا في ان يتصرف في ماله كما يشاء، بأن يتلفه مثلا.. والخلل هنا ايضا في مفهوم الملكية.. فالمالك لايملك عين المال، وانما يملك المنفعة به، فالملكية هنا ملكية ارتفاق، وليست ملكية عين.. فالانسان عندما يموت تصير ملكية ماله لغيره.. ولا يمكن لانسان أن يحرق ماله مثلا، أو يمزقه، دون أن يعاقب.. فلو كانت الملكية ملكية عين، كان ينبغي الا يعاقب، حسب التصور اللبرالي للحرية..
    ونحن لنا الى مفهوم اللبرالي للحرية عودة، عندما نتحدث عن الحضارة الغربية، وسنرى أن ازمة الحضارة الغربية الأساسية هي ازمة حرية، وهذا هو نفس معنى قولنا ان ازمة االحضارة الغربية ، ازمة اخلاق.. فالحرية والاخلاق لا ينفصلان.. وازمة الحرية في الحضارة الغربية تتوكد في الممارسة العملية، بأكثر مما هي في التنظير الفلسفي، هذا مع أن التنظير الفلسفي نفسه شديد الخطأ.. والحرية في الغرب في أحسن أحوالها، لا تتعدى، ولا يمكن لها أن تتعدى، الحرية في المجتمع، وذلك بحكم قصور الاطار المرجعي.. فالحرية الفردية بالمعنى الذي نتحدث عنه في الاسلام، تكاد تكون غائبة تماما، هذا، مع أنها هي أصل الحرية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-03-2007, 04:03 AM

Omer Abdalla Omer
<aOmer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 02-03-2004
مجموع المشاركات: 3333

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    Omer, I wish you and the family very well
    Freedom and liberty is the essence of life….. it is the life! Keep feeding us up
    Omer Omer
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-03-2007, 11:12 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    أخي العزيز عمر عبد الله عمر
    أزكى سلام وأطيب تحية
    أرجو أن تكون أنت والأسرة الكريمة ومن حولكم أيضا بخير
    أتفق معك في أن "الحرية" هي "روح" كل شيء وهي وسيلة الحياة الكاملة التي لا تؤوفها آفة ولاينقصها منقص ..
    تسعدني طلاتك ومتابعاتك
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-03-2007, 11:13 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الحرية الفردية المطلقة:
    نذكر بأن الاطلاق هنا، اطلاق صيرورة.. قلنا أن الحرية في المجتمع هي وسيلة لانجاب الفرد الحر.. والفرد الحر هو من حرر عقله وقلبه من رواسب الخوف فنبه جميع القوى الكامنة في بنيته، واستمتع بحياة الفكر وحياة الشعور.. وهذه هي حياة الانسان، كما رأينا في حديثنا في الحلقة الخاصة بالحياة.. ولكي نحرر الانسان من الخوف ومن الأوهام والأباطيل، لا بد من تصحيح الصورة الشائهة، التي قامت في خلده عن الحياة، وذلك بأن نعطيه صورة صحيحة عن الحياة، وعن قانونها، وعن غايتها، وعن أصل الوجود المادي الذي يحيط به.. وأن نركز هذه الصورة الصحيحة في خلده، تركيزا تاما.. هذا امر ضروري، ولا يغني غناءه شئ، في سبيل انجاب الفرد الحر.. ولا عبرة بالتنظيم الاقتصادي، ولا باتاحة المساواة للناس جميعا، اذا لم يوجد المنهاج التعليمي السليم الذي يخدم غرضنا في تصحيح تلك الصورة .. فلا يتعدى، واجب الحكومة، وواجب المجتمع، تنظيم الحياة الخارجية، على شكل يمكن الفرد، من رجل وامرأة، من أن يجد فيه أقل عدد من الصعاب، وأكبر قدر من التشجيع، في سبيل جهوده الفردية، في نيل الحريةـ حرية العقل وحرية القلب، فيحقق حياة الفكر وحياة الشعور، وهي حياة الانسان.. وهذه الحياة لا تتحقق الا بالحياة وفق قوانين الحياة العليا.. فالوسيلة التي تفضي اليها يجب أن تقدم من اول وهلة، اسلوبا للحياة، واسلوبا للفكر، وفق قوانين الحياة العليا.. وهذا أمر لا توجد له وسيلة من وسائل المعارف البشرية، غير الدين، والدين الاسلامي بوجه خاص، ومستوى الأصول منه، مستوى السنة، بوجه أخص.. وهذا الأسلوب للحياة العليا هو ما اختطه القرآن، بين دفتي المصحف.. فأعلى الحياة العليا، هي حياة الله.. والقرآن اختط صورة لهذه الحياة، متنزلة لطاقة الانسان، وجعل تجسيدا لها في حياة النبي الكريم، عليه افضل الصلاة واتم التسليم، والذي قالت عنه السيدة عائشة: "كانت اخلاقه القرآن" .. وقال هو: (تخلقوا باخلاق الله ان ربي على صراط مستقيم)، وذلك اخذا من قوله تعالى: "(كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون).. (فالربانية) هي الحرية الفردية المطلقة.. وهذا طريق ميسور لأبسط الناس ويبدأ من بدايات بسيطة جدا، ولكن ليس للتسامي فيه حد.. فالتخلق بأخلاق الله، هو السبيل الى تحقيق الحرية الفردية المطلقة.. ولكن هذا التخلق نفسه يحتاج الى فهم، كما يحتاج الى منهاج عمل.. أما الفهم فيقوم على أن التخلق يعني تحقيق العبودية لله!!

    العبودية لله هي الحرية:
    العبودية لله هي تكليفنا الأصلي، والعبادة هي تكليفنا الفرعي.. العبادة هي الوسيلة، والعبودية هي الغاية من العبادة.. وهذا ما يفيده قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).. يعني ما خلقتهم إلا ليصيروا لي عبيدا بوسيلة العبادة. وبعبارة اخرى ما خلقت الجن والانس الا ليعبدوني كما امرتهم على لسان رسلي، ليصيروا بتلك العبادة لي عبيدا كما أمرتهم بلسان ذاتي، وذلك حين قلت في مقام عزتي: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا).. العبودية لله حرية، لأنها حرية من رق جميع العناصر لنا.. فالعبد لله، يتخلص من عبوديته للأشياء، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشراكة.. وهذا التخلص من العبودية للأشياء، التي تستعبدنا من دون الله هو الحرية.. وجميع الأشياء التي تستعبدنا، تقع داخل الزمن.. فالزمن أكبر قيد للحرية، ولا سبيل لحرية حقيقية، الا بالتحرر من سلطانه.. ثم إن عدو الحرية الأول والأساسي هو الخوف.. فهو الذي يطردنا من العيش في اللحظة الحاضرة، ويجعلنا موزعين بين وهم الماضي، ووهم المستقبل، وبذلك يجعل للزمن سلطان علينا.. والخوف هو الأب الشرعي، لجميع آفات السلوك، تلك الآفات التي تؤوف حريتنا، فتجعلنا عاجزين عن حسن التصرف فيها.. وحسن التصرف في الحرية هو معيار تحقيق الحرية.. والعبودية لله هي سبيل تحررنا من الخوف.. فهي تعطينا منذ البداية أن الأشياء لا تستطيع أن تتصرف فينا، إلا بشئ كتبه الله لنا، ولذلك لا معنى لأن نخاف من هذه الأشياء، لأنها لا تملك، ولا تستطيع أن تفعل شئ من عندها.. وهذا الأمر يبدأ بمجرد الإيمان، ولكنه يتوكد عن طريق العمل بالمنهاج، فيصبح يقينا.. ثم أن العبودية لله توكد عندنا الحقيقة العرفانية الكبرى التي تقول بأن الشر والعذاب ليسا أصلا في الوجود وإنما هما لازمة مرحلية، تصحب النشأة القاصرة، لترقيها في مدارج الخير، ومدارج الحرية.. والأصل في الوجود هو الخير، والخير المطلق.. فلكل مخلوق سابقتان: "سابقة في القضاء، وسابقة في القدر .. فأما السابقة في القضاء فهي خير مطلق لكل الخلائق، وأما السابقة في القدر فهي: إما خير، وإما شر، وأمرها مغطى على الناس، وقد تدل، على هذه السابقة، اللاحقة، وهي ما يكون عليه الإنسان في حياتـه اليومية من صلاح أو طلاح" وأمر الاطلاع على سر القدر، واستيقانه، هو تحقيق العبودية لله.. "وحين تطلع النفس على سر القدر، وتستيقن أن الله خير محض، تسكن إليه، وترضى به، وتستسلم وتنقاد، فتتحرر عندئذ من الخوف، وتحقق السلام مع نفسها، ومع الأحياء والأشياء، وتنقي خاطرها من الشر ، وتعصم لسانها من الهجر، وتقبض يدها عن الفتك، ثم هي لا تلبث أن تحرز وحدة ذاتها، فتصير خيرا محضا، تنشر حلاوة الشمائل في غير تكلف، كما يتضوع الشذا من الزهرة المعطار.
    ههنا يسجد القلب، وإلى الأبد، بوصيد أول منازل العبودية. فيومئذ لا يكون العبد مسيرا، وإنما هو مخير. ذلك بأن التسيير قد بلغ به منازل التشريف، فأسلمه إلى حرية الاختيار.." ـ الرسالة الثانية ـ (ثم هي لا تلبث ان تحرز وحدة ذاتها) هذه الوحدة هي ثمرة العمل بمنهاج التوحيد .. وهي، هي الحرية الحقيقية، وعن هذا المستوى من التحقيق يجئ قول الله تعالى: (لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين) فقوله تعالى "لهم ما يشاءون" يعني هم مخيرون وقوله "عند ربهم" يعني مقام العبودية، لأنه لا يكون عند الرب إلا العبد، وقوله " ذلك جزاء المحسنين" يعني بالمحسنين من أحسنوا التصرف في الحرية الفردية المطلقة، وذلك باستعمالها في تحقيق العبودية لله.. والعبودية هي ان تلزم صفاتك من العجز فيفيض عليك الله تعالى من صفاته في القدرة.. فقد رأينا في الحديث القدسي، قوله لسيدنا داؤود: (فإن سلمت لما اريد كفيتك ما تريد) .. وهكذا، في كل شئ.. فالعارف المجود للمعرفة، السالك في مدارج العبودية، يتخلص من الخوف البدائي العنصري ـ الخوف من الأشياء ـ وبذلك يتحرر.. وهو لا يخاف الله، لأن مخافة الله، تكون في بداية السلم، فعند العارف المجود الله لا يخاف، وإنما يحب، ويطمأن اليه، ويرتع في بحبوحة أنسه.
    ولمقام العبودية بداية، وهو مقام النفس الراضية، ولكن ليست له نهاية.. ويجب أن يكون واضحا، أن هذه الأمور، ليست ميسورة، بالصورة التي تبدو من الكتابة عنها.. فهي لابد فيها، من بعد فضل الله، من إدمان الفكر، وطول المران والرياضة والمجاهدة، باتقان العبادة بتجويد في تقليد المعصوم، وبالسلوك العملي في حسن معاملة الناس، والسعي في مصالحهم، حتى يتم تجويد "لا اله الا الله" تجويد تفريد، في اخلاص النية وحسن العمل وصفاء الفكر (اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) "الكلم الطيب" (لا اله الا الله) و"العمل الصالح" أعلاه الصلاة، ويشمل كل عمل صالح.. والصلاة تعني المعاملة ـ معاملة الرب بعدم الغفلة عنه.. والمعاملة مع الخلق بكف الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم، ثم بالاخلاص والنصح لهم، وتوصيل الخير اليهم.. وكل هذا ما يقوم عليه المنهاج، بصورة منهجية ومنظمة.. ونحن هنا لسنا بصدد التفصيل في أمر المنهاج.

    المواقع في سلم الحرية:
    بالنسبة لمواقع الناس في سلم الحرية، هنالك موقعان يعتبران خارج الحرية.. فالذي لا يعمل خوف المسئولية، هذا هو العبد، والذي يعمل ويتهرب من مسئولية عمله هذا فوضوي، وكلاهما خارج دائرة الحرية.. أما الحر فهو من يعمل ويتحمل مسئولية عمله.. والحرية هنا تقع في مستويين اساسيين، كما سبق أن ذكرنا، وهذان المستويان يتضمنان مستويات عديدة.. ولقد سبق لنا أن ذكرنا تعريف الحر في المستوى الأول، وهو الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط ألا تتعدى ممارسته لحريته في القول أو العمل على حريات الآخرين، فإن تعدت تعرضت حريته للمصادرة وفق قانون دستوري.
    والحر في المستوى الثاني هو الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون نتيجة ممارسته لكل أولئك الا خيرا، وبركة، وبرا بالناس.. ويلاحظ أن كلا التعريفين يتضمن وحدة الفكر والقول والعمل، ولكن في مستويين مختلفين.. والاختلاف انما يجئ من العلم الذي يتيح للثاني مقدرة على حسن التصرف في الحرية أكبر من الأول.. وهذا الاحسان يجعل له من القيم ما يكون فوق قوانين الجماعة، بحكم التزامه بقوانينه الداخلية ـ الأخلاق ـ فهو في مستوى من الاحسان، لا يحتاج معه الشرط بالا يتعدى على حريات الآخرين، ففي حقه هذا أمر غير وارد.. فأدنى مراتب الحرية الأولى العدل، وأدنى مراتب الحرية الثانية العفو، فصاحب هذه، لا ينطوي ضميره المحجب على ضغينة على أحد، فهو قد تحرر من مجرد الخاطر في الاعتداء على حرية الآخرين.. هو من أحسن التصرف في الحرية بحيث تحرر من ظاهر الإثم، وباطنه وفي حق هؤلاء يجئ قوله تعالى: (وذروا ظاهر الاثم وباطنه، إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون) .. وقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش، ما ظهر منها وما بطن) .. وقوله: (وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).. هؤلآء هم أصحاب الحرية الفردية المطلقة، الذين تجاوزا حجب الظلمات، وبدأوا مسيرتهم القاصدة، في تجاوز حجب الأنوار.
    أما اصحاب الحرية المقيدة فإن حديث المعصوم يعنيهم حين قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفوسهم حتى يقولوا أو يعملوا) .. فهؤلآء حسن تصرفهم في الحرية ـ وبالتالي حريتهم ـ يقع في القول وفي الفعل، ولا يتجاوز الى منطقة الضمير.. والجريمة انما تبدأ في الضمير فالأوائل جففوا منابع الجريمة، فانعتقوا من القيد، والأواخر لا يزال امامهم تجفيف المنابع.
    والحريتان متداخلتان، فالأولى منهما مرحلة إعداد للثانية.. والأصل، والأساس في كلا الحريتين، تحرير الفكر، وهو المعبر عنه (يفكر كما يريد)، وهي تعني تطابق الفكر والارادة.. فلا سبيل الى الحرية، في أي مستوى من مستوياتها إلا بتحرير الفكر، بالصورة التي تمكنه من أن يسوس النفس، برشد، وبإحسان، فينقلها من قيودها الى باحات الحرية الواسعة.. ومنهج الطريق (طريق محمد) عليه افضل الصلاة ، وأتم التسليم، هو برنامج يومي، متصل، في تحرير الفكر، وتربية النفس، وفق ما يعطيه التوحيد من تصور، وموجهات.. وقدوة التقليد صلى الله عليه وسلم قد خير بين أن يكون نبيا ملكا أم نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا.. والعبودية لله هي الحرية، فالملك تسلط على الآخرين، به تنقص عبودية العبد، وتنقص تبعا لذلك حريته.. وعن قدوة التقليد، جاء من كتاب (طريق محمد): (هذه نفس اكتملت لها عناصر الصحة الداخلية، واتسقت قواها الباطنية، وتحررت من الأوهام، والأباطيل، وسلمت من القلق، والخوف العنصري البدائي الساذج.
    ما احوج بشرية اليوم، كلها، الى تقليد هذه النفس التي اكتملت لها اسباب الصحة الداخلية، تقليدا متقنا يفضي بكل رجل، وكل امرأة، الى احراز وحدة ذاته، ونضج فرديته وتحرير شخصيته، من الاضطراب والقلق الذي استشرى في عصرنا الحاضر بصورة كان من نتاجها فساد حياة الرجال والنساء والشباب .. في جميع انحاء العالم) ..
    لا بد للحديث من أن يقف عند حد.. فأنا اقف هنا، ولا يزال في النفس شئ من امر الحرية. ولنا لأمر الحرية عودة.

    خالد الحاج عبد المحمود
    رفاعة في 3/3/2007

    (عدل بواسطة Omer Abdalla on 11-03-2007, 11:15 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-03-2007, 01:52 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
    (7)
    الأخلاق


    إن جميع القضايا التى نتناولها ، نحاول فيها رد الامور الى أصولها، ثم ربطها بالواقع .. والأصول التى نتحدث عنها، هى اصلين اثنين، هما: طبيعة الوجود والطبيعة الانسانية.. والطبيعة فيهما، فى الحقيقة طبيعة واحدة ، وإنما يجئ التفريق لضرورة التفهـيم، وتمييز الأشياء عن بعضها البعض.. فما من قضية من قضايا الوجود الإنسانى، إلا وهى مرتبطة بعلاقة الفرد بالكون، وعلاقة الفرد بالمجتمع.. وأى قضية يتم تناولها دون هذا المستوى ، تكون قضية منبتة، منقطعة الصلة عن أصلها، وعن جذورها، وهى لذلك لا تقوم إلا بصورة شائهة، وقاصرة قصوراً مزرياً، يفقدها قيمتها ومعناها .. وموضوع الأخلاق موضوع أساسى بالنسبة للوجود الإنسانى، فهى ـ الأخلاق ـ من أكبر لوازم هذا الوجود .. والحديث عنها لاينفصل عن حديثنا عن الحياة ، والفكر، والحرية .. وكجميع القضايا التى تناولناها، أو التى سنتناولها، الأساس فيها (التوحيد) كإطار توجيه ونموذج إرشاد.. والأخلاق، فى إطار واقعنا الحاضر ـ واقع سيادة الحضارة الغربية ـ تشكل جوهر حاجة الإنسانية، وقمة ما يفرضه الواقع من تحد .. فلا بد من تنـاولها فى الإطار الذى يستجيب لتحديات هذا الواقع، فيرتفع بها إلى المستوى الرفيع والدقيق، الذى يتناسب مع الواقع.
    نحب أن ندخل على موضوعنا ، من المنطلق الذى طرحه، المفكر الأمريكى د. ولتر ستيس Walter T. Stace ـ "1886-1967" من كتابه (الدين والعقل الحديث) ... وذلك لأنه فى تقديرنا، حدد المنطقة الجوهرية، التى يمكن الإنطلاق منها، وهى فى نفس الوقت تربط قضية الأخلاق بالواقع الحضارى، ربطاً أصولياً.. فهو قد تناول قضية الأخلاق من زاوية، ما أسماه، النظرة الدينية، والنظرة العلمية للعالم.. أو التفسير السببى، والتفسير الغائى، للأشياء .. وقد تابع المؤلف، العقل الحديث منذ القرن السابع عشر فى أوروبا، وإلى العصر الحديث .. فهو يقول: (عندما خلق الله العالم جعل لكل شئ غرضاً أو غاية، كما قلنا، ومن هنا سيطر التفسير الغائى للظواهر ـ الذى يفسرها من منظور الغرضية على إنسان العصر الوسيط ـ وهو يعارض فى العادة التفسير العلمى أى التفسير الآلى أو الميكانيكى، الذى يفسر الأشياء بتحديد أسبابها لا أغراضها .. ويمكن القول بأن التفسير العلمى أو الآلى هو نفسه تفسير الظاهر عن طريق القوانين الطبيعية لأن التفسير بالقوانين يعنى التفسير بالأسباب) .. ويقول (التفسير الآلى أو الميكانيكى ، يدفع الحدث من الخلف ، أما التفسير الغائى فإنه يجره من الأمام .. وقد ذهب مفكرون إلى أن هذين التفسيرين متعارضين) .. والمؤلف ، على خلاف هؤلاء المفكرين ، لا يرى تعارضاً بين التفسيرين.. وهو يرى ، على خلاف المفكرين الذين تعرض لهم ، وإختلف معهم ، إن الغائية ليست لاحقة ، وإنما هى سابقة ، فهى تبدأ من مجرد نية العمل .. ويرى ستيس ، ونحن نوافقه على ذلك ـ إن التفسير الغائى ، والآلى على جانب كبير من الأهمية لفهم تاريخ الفكر البشرى ، فأحد المتعارضات الأساسية بين العقل فى العصر الوسيط الأوروبى ، والعقل فى العصر الحديث ، هو أن الأول سيطر عليه الدين ـ الذى ارتبط بالغائية ـ بينما سيطر العلم الذى ارتبط بالآلية على الثانى ـ العقل الحديث ـ وهو يرى أن تصور العالم الذى تحكمه الغرضية ، ليس قاصراً على المسيحية، وإنما هو تصور قديم، تقوم عليه جميع الأديان .. ونحن نذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستيس، فنقول أن مستقبل الفكر البشرى، والحياة البشرية، مرتبط بالتوفيق والربط بين الفكر الغائى والفكر الآلى، على أن يوضع كل منهما فى موضعه، ويتم النظر إليهما نظرة تكامل، وليس نظرة تضاد، كما هو الحال عند مفكرى الغرب الذين تعرض لهم ستيس .
    ونحن هنا ، مايعنينا من كتاب ستيس هو الجانب المتعلق بالأخلاق .. فهو يقول فى هذا الصدد: (وهنالك فكرة أخرى ترتبط بالصورة الدينية الغائية عن العالم ـ التى سيطرت على عقل الإنسان فى العصر الوسيط ـ وهى القول بأن العالم يمثل نظاماً أخلاقياً ، وهى فكرة رغم عمومها ، بالغة الأهمية فى التاريخ العقلى والروحى للجنس البشرى . وهى تعنى الأخذ بوجهة النظر التى تقول أن القيم الأخلاقية موضوعية وليست ذاتية ، كما يقول فيلسوف مثل توماس هوبز عندما ذهب إلى أن الخير هو ما يسر الإنسان والشر هو ما يحزنه، وهى نظرةٌ لاتتفق بتاتاً مع العصر الوسيط ، حتى فى صورتها التى تطورت بعد ذلك إلى ما يسمى بالمذهب النسبى.
    إن القول بموضوعية الأخلاق يعنى النظر إلى القيم الأخلاقية على أنها لاتعتمد على رغبات البشر ومشاعرهم ، بل تعتمد على شئ خارج الذهن البشرى .. وأبسط أنواع الموضوعية هى القول بأن الخير والشر يعتمدان على إرادة الله..)
    ويقدم ستيس ثلاثة إعتراضات أساسية على القول بنسبية الأخلاق ، هى:
    1) لو كانت قيمة الشئ ذاتية ، لكان معنى ذلك أن الحكم بأن شيئاً ما له قيمة أو لا، مسالة ترجع إلى الذوق لا أكثر ولا أقل .
    2) تتضمن الذاتية القول بأن أى حكم قيمي لا هو صادق ولا هو كاذب .
    3) لو سلمنا بصحة النزعة الذاتية لاستحال القيام بأى مناقشة عقلية بصدد الموضوعات الأخلاقية والجمالية .
    ويرى ستيس أن موضوعات مثلاً ، كاستهجان الرق، وكراهية قتل الأطفال، أو وأد البنات أحياء ......إلخ لا هى مسألة ذوق فردى ، ولا هى تتوقف على رأى الجماعة .. وهو ينتهى إلى أن القيم الأخلاقية لابد أن تكون موضوعية ، ترتبط بالغرضية الكونية التى يفترض فيها الإستغلال عن أفكار البشر ورغباتهم .. وهو يرى أن (القول بأن العالم نظام أخلاقى ـ أن القيم الأخلاقية موضوعية ـ ليس مهيمناً فحسب فى فكر العصر الوسيط ، وإنما هو نظرة يعتنقها كل إنسان متدين ، عن وعى أو غير وعى ، فى أى مكان وأى زمان ، لأنها جزء جوهرى وأساسى من الموقف الدينى .. فالبسطاء من الناس يؤمنون بأن الخير لابد أن ينتصر وأن للحقيقة قوة داخلية تمكنها من الفوز على الباطل .. ويستند مثل هذا الاعتقاد على شعور غامض بأن العالم نظامي أخلاقي ..) .. ويرى ستيس أنه لا توجد أى رابطة منطقية بين الاكتشافات العلمية وأى مشكلة أخلاقية ، وأن نيوتن الذى يعتبر أبو العلم الحديث كان متديناً ، ورغم ذلك فإن سيادة نظرة العلم الحديث للكون ، هى السبب فى فقدان النظرة التى ترى النظرة الغائبة بالنسبة لحوادث الطبيعة ، وبالتالى فقدوا النظرة الموضوعية للأخلاق ، وسادت بينهم النظرة الذاتية واعتبار الأخلاق موضوع نسبى، وفى اعتقاده السبب فى ذلك سبب سيكولوجى، أكثر منه سبب عقلى . وهو يقول مثلاً: (إن أول شئ ينبغى ملاحظته هو أنه لاتوجد رابطة منطقية على الأطلاق بين المكتشفات العلمية وأى مشكلة أخلاقية.. أتكون واجباتنا اكثر صدقاً وأمانة وأشد إخلاصاً وعدالةً ـ لو أخذنا بقانون الحركة عند جاليليو بدلاً من قانون الحركة لأرسطو؟! ومع ذلك ، فعلى الرغم من أنه لا توجد رابطة منطقية ، فقد كان أثر المفاهيم العلمية الجديد سيئاً ، لأنها هدمت الإيمان بأن العالم يمثل نظاماً أخلاقياً .. لقد كان العقل الحديث، منذ نشأة العلم ، على إستعداد للسير بهذا الإتجاه ..)، ويعتقد المؤلف: (أن مفهوم القيمة يرتبط بمفهوم الغرض والغاية ، فما له قيمة ، لا بد أن تكون له قيمة لغرض ما، فإذا اعتقد الناس فى غرضية العالم فإن ماهو خير أخلاقياً "أوله قيمة أخلاقية" يرتبط بذلك الغرض ـ فاذا انهارت غرضية العالم إنهار معها القول بأن العالم نظام أخلاقى ولقد تسبب علم الطبيعة عند نيوتن بالفعل فى فقدان الناس للإيمان الحقيقى بالغرض من ظواهر الطبيعة ، ومن ثم فى موضوعية الأخلاق أو القول بأن العالم يمثل نظاماً أخلاقياً ، وهكذا إرتبطت القيم بأغراض البشر ، وذلك هو المذهب الذاتى أو ذاتية الأخلاق التى ترتبط بالنسبية ..!)
    وقد ناقش المؤلف أثر النتائج التى توصلت إليها ثورة العلم منذ القرن السابع عشر على ميدان الفلسفة.. فهو يرى أن الحقبة من العصر الحديث وحتى الفكر المعاصر تسيدتها فلسفات عبرت عن النظرة العلمية للعالم ، مع وجود فلسفات أخرى تمثل ردود أفعال لمصلحة النظرة الدينية، إلا أن هذه الأخيرة، كانت أضعف، ولا تمثل التيار العام، الذى ظل سائداًَ إلى اليوم، والذى تمثله الفلسفات مثل فلسفة ديكارت ، وهوبز ، وكونت ، وفاينجر والوضعيين المناطقة من امثال شليك وكارنب ....إلخ.. وهو يرى أن الجو العام ، في غير مجال الفلاسفة ، وعند المواطنين العاديين ، من الناحية العملية تسود فيه النظرة العلمية الآلية للعالم ، وتغيب إلى حد كبير النظرة الغائية ، وهو يرى أنه على الرغم من أن الأخلاق فقدت مرتكزها الأساسى، إلا أنها لم تنهار تماماً ولا يزال هنالك بعض التماسك فى الجانب الأخلاقى.
    نحن نوافق ستيس على أن النظرة الغائية للكون تمثل المبدأ الأساسى للأخلاق الموضوعية، إلا أننا نرى أنها شرط ضروري ولكنه ليس كافياً وحده.. فلكي تجد الأخلاق أساسها الموضوعى والعملي، والذى يولد الدافع الذاتى لإلتزامها ، لابد لهذه النظرة الغائية للكون، أن تكون مرتبطة بفهم محدد لطبيعة الكون، والطبيعة الإنسانية، يعطى الغايات الأخلاقية إطار التوجيه الضرورى لها، ويبعث على الإلتزام بها عن قناعة .. ونحن لا نجد هذا الإطار، ونعتقد أنه لا يمكن أن يوجد إلا فى الدين، أو فى إطار (التوحيد) الذى يقوم عليه الدين، كما بيناه فى كتاباتنا هذه .. وستيس لا يختلف معنا، من حيث المبدأ، فى هذا الأمر، بل على العكس هو يجعله حتمياً من حيث المبدأ ولكنه لا يملك تصوراً دينياً بعينه، وانما يتحدث عن الدين بصورة عامة، فهو يقول عن النظرة الدينية مثلاً: (ترى النظرة الدينية إلى العالم أن هنالك غرضاً فى تخطيط الأشياء ، لا بد أن تتلاءم معه الحياة الإنسانية بطريقة ما، يكون للحياة الإنسانية ذاتها معنى بوصفها جزءا من الخطة الكونية العامة. فالعالم يحكمه فى النهاية- مهما يعطى معنى هذه العبارة- لا قوى فيزيقية عمياء، بل قوى روحية تتصورها معظم الديانات تحت إسم الله.. وفضلا عن ذلك فإن العالم عبارة عن نظام أخلاقى ينتشر فيه الخير والعدالة رغم جميع المظاهر التى تدل على العكس..) هذا قول رائع، ولكنه يترك الأسئلة الأساسية بلا إجابة، وإجاباتها ليست مسئولية ستيس، فهو ليس صاحب دعوة دينية، وإنما هو فيلسوف، وإنما الإجابة على هذه الأسئلة تقع على عاتق صاحب كل دعوة دينية، إو غير دينية تطرح نفسها للناس.. فعلى، صاحب مثل هذه الدعوة أن يبين بجلاء نظرتها حول الغاية من الكون، ومعنى الحياة الإنسانية، وكيف تنسجم مع هذه الغاية، بل وطبيعة القوى التى أوجدت هذه الغاية، ودورها فى تحقيقها، وكيفية تحقيقها، والمنهاج العملى التى اختطته هذه القوى لتحقيق غاياتها إلى خلاف ذلك من الأسئلة الأساسية.. وكل هذه، هو ما نحن بصدده منذ البداية، فى كتاباتنا هذه، ولذلك ركزنا، ونركز، بشدة، على (التوحيد) كإطار للتوجيه، ونموذج للإرشاد، لأنه وحده فى تقديرنا، الذى يعطي الإجابات الشافية لهذه الأسئلة الأساسية، ويعطي الإطار لتوجيه الحياة الأنسانية والمعنى الذى يجعلها منسجمة مع الخطة العامة حسب عبارات ستيس.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-03-2007, 04:57 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    ماهى الأخلاق؟
    لقد طرح الأستاذ محمود القضية التى طرحها ستيس، فى حديثه عن ضرورة تواؤم الحياة الإنسانية مع الخطة الكونية للأشياء، حتى يكون للحياة معنى، طرحها بهذه الصورة، فى قوله: (إن الإضطراب الذى نشاهده فى عالم اليوم يرجع إلى أسباب كثيرة، ترجع جميعها إلى سبب أساسى واحد، هو مدى التخلف بين تقدم العلم التجريبى، وتخلف الأخلاق البشرية.
    إن العلم التجريبى الحديث قد رد مظاهر المادة المختلفة، التى تزخر بها العوالم جميعا، إلى أصل واحد، فإذا لم ترتفع قواعد الأخلاق البشرية إلى هذا المستوى، فترد جميعها إلى أصل واحد، فإن التواؤم بين البيئة الطبيعية، وبين الحياة البشرية، سيظل ناقصا، وسيبقى الإضطراب الحاضر متهددا الحياة الإنسانية، على هذا الكوكب بالعجز، والقصور، فى أول الأمر، ثم بالفناء والدثور، فى آخر الأمر..) – كتاب الإسلام- فالأصل الواحد الذى تقوم عليه طبائع الأشياء فى الوجود، هو الإسلام العام.. فجميع الأشياء مسلمة لله، ولن تنفك.. والإنسان فى الحقيقة، لا يختلف فى ذلك عن بقية العناصر، ولكن الله تعالى، بفضله وعنايته، أراد له أن يسلم فى الشريعة، عن رضى وقناعة.. وهذا هو الإسلام الخاص، إسلام العقول.. الإسلام العام متعلق بالإرادة الإلهية، وهى قانون الوجود الأساسى.. والإسلام الخاص متعلق بالإرادة البشرية.. وهذه هى الأمانة، التى قبلها الإنسان، دون بقية الخلائق.. فالإسلام الخاص هو رد الأمانة، إلى صاحب الأمانة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).. وأداء الأمانة هذا، هو رد الإرادة الحادثة، إلى الإرادة القديمة ، وهذه هى قمة الأخلاق، ومناطها فى جميع تفاصيلها.. وهى السبيل الوحيد لأن يعيش الإنسان حياته، وفق قانون الحياة العليا.. وتسليم الإرادة لله هو أمر عملى - أمر تجريبى - ولذلك سمى الأستاذ الدين "بالعلم التجريبى الروحى" .. فهو يقول: (ويمكن القول إذن بأن موضوع العلم التجريبى الروحى "الدين" هو الإرادة البشرية) .. وقد سبق لنا أن ذكرنا، أن الله تعالى عندما خلق الحياة فى مراتب النبات ، والحيوان، سيرها "بإرادة الحياة" ، وهى إرادة تعمل بدوافع البقاء للإحتفاظ بالحياة.. وقانونها إجتلاب اللذة ، ودفع الألم ، وأصبح تسيير الله تعالى للمخلوقات فى هذا المستوى من وراء حجاب "إرادة الحياة" التى تتمتع بما يسمى بالحركة التلقائية ، لأن دوافع حركتها ، وقوى حركتها كالمودعة فيها .. ثم لما إرتقى الله تعالى بالحياة إلى مرتبة الإنسان زاد عنصر جديد على إرادة الحياة ، هذا العنصر هو (إرادة الحرية) ، وهو عنصر يختلف عن إرادة الحياة إختلاف مقدار ، لا إختلاف نوع ، ثم سير الله تعالى البشر بإرادة الحياة، وإرادة الحرية معاً ، وبذلك أصبح تسييره إيانا غير مباشر، وتدخله فى أمرنا ، هو من اللطف، والدقة، بحيث تورطنا فى الوهم الأكبر بأننا نملك إرادة حرة ، مستقلة عن إرادة الله، تعمل وتترك من عندها .. وجاء دين الإسلام الخاص ليحررنا من هذا الوهم، وهو بتحريرنا يجعل من إرادتنا المتوهمة ، إرادة حقيقية، لأنها تصبح من إرادة الله الحقيقية.. ورد الإرادة هذا، للمريد الواحد، هو الذى يكون به رد الأخلاق إلى أصل واحد، وهو الذى به يتم التواؤم مع البيئة الطبيعية، والتى هى بدورها ، قد ردها العلم المادى التجريبى إلى أصل واحد ، حيث توصل إينشتين، فى نظريته ـ النسبية الخاصة ، الى التكافؤ بين المادة والطاقة أو القوى ـ وحين ينتهى بنا العلم التجريبى المادى إلى رد جميع ظواهر الكون المادية إلى وحدة هى "الطاقة" ، يبرز لنا من جديد ، العلم الروحى التجريبى ـ الدين ـ ليقودنا فى شعاب الوادى المقدس، الذى يقع وراء المادة ، ونستطيع بمواصلة البحث والإستقصاء ، فى العلم التجريبى الروحى ، أن نرى هل يمكن رد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت ظواهر الكون المادى إلى أصل واحد، ويتم الإتساق، والتلاؤم، بين سلوك البشر، وبين البيئة المادية التى يعيشون فيها، وينتهى بذلك القلق الحاضر ، ويعم الأرض السلام.
    يقول الأستاذ محمود ، من كتابه ـ الإسلام: (قلنا فى صدد هذا السفر ، أنا نريد أن نرى ، هل يستطيع العلم التجريبى الروحى أن يرد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما رد العلم التجريبى المادى ظواهر الكون المادى إلى أصل واحد، فيتم بذلك الإتساق ، والتلاؤم، بين الأخلاق البشرية، والسلوك البشرى ، وبين البيئة المادية التى يعيشون فيها ، وينتهى بهذا التلاؤم، هذا النشوز الذى بدد المساعى البشرية أيدى سبا،، وقطع أرحام الإنسانية بين الناس؟ ولعله قد إتضح ، شيئاً ما، أن الإسلام يقوم، منذ الوهلة الأولى، على تسليم الإرادة البشرية المحدثة، إلى الإرادة الإلهية القديمة "ومن يسلم وجهه إلى الله ، وهو محسن ، فقد إستمسك بالعروة الوثقى" وتجربتى الخاصة لم تدع لى مجالاً للشك فى صحة هذا الأمر. ومن ثم فإنه عندى أن جميع ظواهر السلوك البشرى، من خير وشر ، يرجع إلى أصل واحد هو "إرادة الله القدير" . وفى الحق، ليس الشر أصلاً ، وإنما الأصل الخير، وما الشر إلا نتيجة جهلنا الذى أوهمنا أننا نستقل بإرادة، فإذا إرتفع هذا الجهل بالتجربة الروحية ، فسيصبح عملنا تجويد الواجب المباشر، والإنشغال بإحسانه، وتجويده، عن التمنى، والتأسف، وبذلك نحقق السلام ، كل مع نفسه، ومن ثم يتحقق فى الأرض السلام.)
    فالأخلاق إذن أمر يتعلق بحسن التصرف ، فى الإرادة البشرية المحدثة، والمحدودة، إزاء الإرادة الإلهية القديمة، والمطلقة وذلك بالتخلى عن الوهم الذى يحيط بالأولى ، إبتغاء الثانية، ولما كانت الثانية مطلقة ، فقد جاء تعريف الأخلاق ، فى سبحاتها العليا بأنها حسن التصرف فى الحرية الفردية المطلقة.. فقمة الأخلاق هى أخلاق الله التى قال عنها المعصوم "أحسن الخلق خلق الله الأعظم" .. فالأخلاق البشرية تبدأ من بدايتها البسيطة، ولكنها تستهدف هذه الأخلاق الإلهية ، كما جاء التوجيه، "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربى على سراط مستقيم" وقوله تعالى "كونوا ربانيين ، بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون" .. وفى هذا الإطار يجئ تعريف الأستاذ محمود للأخلاق ، فى الإسلام .. فهو يقول مثلاً (الأخلاق فى الإسلام ليست هى الصدق، والأمانة ، ومعاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به ، إلى آخر هذه الفضائل السلوكية المحمودة .. وإنما هذه نتائج الأخلاق، وثمرتها، ولكن الأخلاق هى حسن التصرف فى الحرية الفردية المطلقة.. وحسن التصرف هذا بإزاء الخالق أولاً ، والخلق ثانياً، وفى نفس الأمر..) - أسئلة وأجوبة الأول - "بإزاء الخالق" بأن تتصرف وفق مرضاته.. وبإزاء الخلق ، بأن تحسن إليهم وتراعى فيهم حكمة خالقهم، من خلقهم .. وهنا تدخل الغائية ، فأنت لا تستطيع أن تحسن التصرف إزاء خلق الله ، إلا إذا علمت غايته تعالى، من خلقهم ، وهذه هى حكمته.. وهذا يجعل الأخلاق مربوطة ، ربطاً تاماً ، بالعلم، وبالمسئولية، يقول الأستاذ محمود: (فاذا اتضح لك ان الاخلاق هى حسن التصرف فى الحرية الفردية المطلقة، أصبحت الأخلاق مسئولية واضحة.. وأمام من؟ أمام الناس، وأمام نفسك ، وأمام الله، الذى يرى خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وفى آن واحد، وبغير تسلسل...) - اسئلة الأول -
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-03-2007, 03:26 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الأخلاق والطبيعة الإنسانية:-
    لقد سبق أن بينا أن الإنسان مفضل على جميع خلق الله، وأنه غاية الوجود، والوجود الحادث كله مسخر له، أى مسخر لأن يعينه على أن يحقق انسانيته.. وأفضلية الإنسان تجيء من طبيعة نشأته، التى تقوم على الحرية، فقد أعطاه الله تعالى حق الخطأ.. حق أن يعمل فيخطيء أو يصيب، فيتعلم من خطأه وصوابه، وبذلك أصبح تطوره مفتوحاً على الإطلاق .. ولقد سبق لنا، قبل قليل أن بينا علاقة الحرية بالأخلاق، فالأخلاق فى سبحاتها العليا ما هى إلا حسن التصرف فى الحرية.. وهذا يجعل إنسانية الإنسان هى القيمة الخلقية التى يتميز بها.. فالإنسان ، هو إنسان ، بالقدر الذى يتسامى به فى سلم تحقيق القيم الأخلاقية ، وهو بعيد عن الإنسانية، وقريب من الحيوانية، بقدر هبوطه فى سلم القيم الأخلاقية.. ولقد سبق لنا أن ميزنا بين الحياة الدنيا - حياة الحيوان فى الإنسان - والحياة العليا - حياة الإنسان - فليراجع فى موضعه.. يقول الأستاذ محمود عن علاقة الإنسانية بالأخلاق: (فأما الإنسانية فهى القيمة الأخلاقية التى تميز بها الإنسان عن الحيوان، وعن الملك.. فهنالك ، مثلاً، فى الحيوات العليا الحيوان، والإنسان ، والملك.. فالإنسانية صفة وسطى بين الحيوان ، والملك.. وهى نقطة إلتقاء الحيوان والملك.. وهى أكمل من كليهما، وذلك لمكان الحرية فيها، وهنا تجئ أهمية الأخلاق.. فان الأخلاق هى حسن التصرف فى الحرية الفردية المطلقة.. والحرية من حيث هى مقيدة، أو مطلقة ، إنما هى نفحة من الله تضوعت على أرض الإنسان . وإنما يجيء القيد، من عجزنا نحن عن التلقي عن المطلق.. فالحرية المقيدة انما هي تلقي نسبي عن الحرية المطلقة.. والحرية المطلقة هى الله .. لأنها صفته ولأنها أخلاقه .. ومن أجل ذلك قال المعصوم "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربى على سراط مستقيم" وقال تعالى: "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون" أى كونوا علماء وكونوا أحراراً بغير حدود للحرية .. وهذه هى الأخلاقية التى تسأل عنها أنت ، وهى ، هى التى جعلت الإنسان إنساناً، فوق مرتبة الحيوان ، وفوق مرتبة الملك ..) - أسئلة وأجوبة الكتاب الأول –
    وبداية الأخلاق - وهى نفسها بداية إنسانية الإنسان - هي ترويض العقل للشهوة.. وليس دون ذلك أخلاق!!
    يقول الأستاذ محمود: (لقد سلفت الإشارة إلى أن الإنسان، فى نشأته ، إنما هو برزخ بين الملائكة الأعليين ، والأبالسة الأسفلين.. هو نقطة إلتقاء النور والظلام - العقل والشهوة - ولقد قررنا أن العقل قد أمر بترويض الشهوة .. وعلى هذا قام التكليف، وبه ظهر الإنسان ، بعد أن لم يكن ..) - تعلموا كيف تصلون - فالتكليف هو الأخلاق ، وهو وسيلة تحقيق إنسانية الإنسان .. "وبدخول هذا القانون - قانون التكليف - إنقسم الإنسان .. وبدأ سيره نحو إنسانيته ، مبتعداً عن الحيوانية .. وكل مشقةٍ تحملها فى هذا الإتجاه ، إنما هى منزلة قرب من إنسانيته، تمثل فى حد ذاتها ، منزلة بعد عن حيوانيته.." وموضوع الإنقسام هذا ، موضوع هام جداً ، وينبنى عليه الكثير، ونحن سنتعرض له لاحقاً بشئٍ من التفصيل، عندما نتحدث عن الحضارة الغربية ..المهم أن نقرر الآن أن الحيوان متوحد بسبب غياب العقل عنده ، فهو تسيره إرادة الحياة وحدها .. أما الإنسان ، فبسبب ظهور العقل، ووظهور إرادة الحرية عنده ، فقد أصبح منقسماَ ، وفى صراع دائم بين الإرادتين، الأولى تشده نحو الحيوانية ، نحو الغرائز، والثانية، تشده، نحو إنسانيته ، نحو العقل والقيم.. ولقد سبق أن ذكرنا أن سبب الإنقسام الخوف، وهو على الرغم من أن به تمت بداية الدخول فى مرحلة البشرية إلا أن الأنسانية لا تتحقق إلا بالتخلص من الخوف ، وتحقيق الوحدة ، ولكنها وحدة تختلف كثيراً عن الوحدة عند الحيوان ، فهى تقوم على الجسد والعقل المتسقين، بدل العقل والجسد المتنازعين، التى تعيش فيها البشرية اليوم.. ولقد سبق لنا ، أن تحدثنا عن الحياة الدنيا والحياة العليا .. حياة الحيوان، وحياة الإنسان، وقلنا أن الفيصل بين الحياتين هو التخلص التام من صفات الحيوان ، فالإنسان ما دامت مسيطرة عليه صفات الحيوان ، خضع لها، أو قاومها ، فهو فى الحياة الدنيا .. والتخلص من صفات الحيوان، هو وظيفة المنهاج - وظيفة التربية .. والأمر فيه يبدأ من بدايات بسيطة ثم يتسامى ، هو يبدأ بالتحول من طاعة قانون النفس ، نحو طاعة قانون الروح .. فالنفس قانونها إبتغاء اللذة بكل سبيل ، وإجتناب الألم بكل سبيل أيضاً والروح قانونها الحلال والحرام، وهى تبتغى من النفس أن تستعصم عن اللذة العاجلة، إذا كانت حراماً، وذلك إبتغاء اللذة الآجلة الحلال، وفراراً من الألم المترتب على تعاطى اللذة الحرام سواء كان هذا الألم معجلاً، أو مؤجلاً.. وبذلك تدخل "القيمة" فى حياة الإنسان.. فالإنسان ، إنسان بقدر دقة، ورفعة، القيم التى يعيش وفقها.. فالتسامى فى الإنسانية إذن هو تسامى فى تحقيق القيم الإنسانية الرفيعة.. وهذا الأمر فى الإسلام ، يتم وفق تصور واضح ، وبصورة منهجية، منظمة ، يقوم عليها المنهاج، فى مراحل تطورية، تبدأ من النفس اللوامة، نحو النفس الكاملة .. وهذا ما سنوضحه فى موضعه عند الحديث عن المنهاج .. ولقد قصدنا فى هذا الجزء، أن نبين فى إيجاز علاقة الأخلاق بالطبيعة الإنسانية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-03-2007, 03:17 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الأخلاق والمجتمع:-
    الأخلاق هى موضوع الدين الأساسى ، وإلى ذلك الإشارة بقول المعصوم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .. وقوله الآخر "الدين المعاملة".. والعبادة معاملة.. هى معاملة مع الرب من أعلى ، بإقامة الصلة به تعالى، ومعاملة مع الخلق من أسفل ، بإقامة الصلة بهم - صلة رحم العبودية للمعبود الواحد - وقيمة العبادة للفرد العابد ، فهى وسيلة لتحقيق إنسانيته وتحقيق كمال حياته، وكذلك المعاملة هى للفرد المعامل.. هذا فى المكان الأول ، ثم هى لفائدة الجماعة فى المكان الثانى.. فالله تعالى غنى عن العالمين، فهو ليس فى حاجة إلى عبادتنا، ولا إلى عبوديتنا.. (فالعبادة مدرسة فيها نتلقى الطاقة التى بها نخلص لخدمة الناس، ونجعل المجتمع وسيطاً فيه نتحرك لنطبق محصول العبادة .. وبين تحصيل الطاقة والمعرفة بخدمة الناس وبين تطبيق هذه الطاقة ، وهذه المعرفة فى واقع حياتنا ، وفى مجتمعنا ، ننتظر من الله ثواب عبادتنا .. وهو ثواب ناجز وحاضر، وفورى ، نجده فى عقولنا بصفاء الفكر ، وفى قلوبنا بسلامة الطوية ، وفى أجسادنا بصحة الحواس والجوارح ..) - تعلموا كيف تصلون - والحد الأدنى فى المعاملة ، وهو نفسه الحد الأدنى فى الأخلاق ، هو كف الأذى ، لا بفعل ، ولا بقول ، ولا بخاطر.. والمطلوب الأساسى هو تنقية الخواطر من الشر ، وما المراحل السابقة إلا وسيلة لذلك ، ففى قوله تعالى مثلاً "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" إنما جاء الأمر بترك ظاهر الإثم فى مكان الوسيلة ، وجاء الأمر بترك باطن الإثم فى مكان الغاية.. ولا يدخل الإنسان مرحلة إنسانيته إلا بترك ظاهر الإثم وباطنه معاً .. وكل المراحل حتى مرحلة ترك باطن الإثم ، هى الجانب السلبى للأخلاق - جانب الترك - أما الجانب الإيجابى ، جانب الأخلاق الإنسانية ، فهو يبدأ بتوصيل الخير .. وتوصيل الخير يقتضى معرفة الخير أولاً ثم المعرفة بطرق توصيله والمقدرة على توصيله.. وهذه هى المرحلة الثانية من الحرية ، والتى ذكرنا أن عمل المعامل فيها يكون كله خيراً وبراً بالأحياء والأشياء .. يقول الأستاذ محمود: (قمة الصلاة أن تكون صلة بينك ، وبين الله، حتى تكون معه كما هو معك .. وهيهات .. وقمة المعاملة ان تنشأ الصلة ، بينك ، وبين الأشياء والأحياء ، فتتصرف فيها وانت تتوخى الحكمة التى ترضى خالقها ، فى تصريفها وهذه دائماً ممكنة ، فى مستوى من المستويات ، للعارفين الذين تبلغ بهم المعرفة منازل المحبة - محبة الأحياء ، والأشياء .. وبالمحبة نتحرر من الخوف ، ونتخلص من الحجب ، التى رسبها الخوف، فى صور عقد نفسية) - تعلموا كيف تصلون -
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

24-03-2007, 09:03 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    الأخلاق والقانون:-
    أعتقد أنه من الواضح بالنسبة للقارئ، الذى تابع هذه الحلقات التى كتبناها، أن الإنسانية، والحياة، والفكر، والحرية، والأخلاق، والحب، جميعها أمور متداخلة، ويكمل بعضها البعض، وأمر الإتساق فى دعوة الأستاذ محمود للإسلام، لابد من ملاحظته والوقوف عنده مليا.. فهو أمر يرجع فى الأساس إلى "التوحيد"، كإطار توجيه، ولذلك بدأنا به حلقاتنا فى الكتابة هذه.. وهو سيظل الأمر الأساسى، فى جميع القضايا التى يعالجها الإسلام، كما يدعو له الأستاذ محمود، وهذا موضوع تفرد، ليس له نظير، فيما نعلم فى أى فكر دينى أو غير دينى.. ومن يجد له نظيرا فليدلنا عليه!!
    إن أمر علاقة الأخلاق بالقانون، أمر يكاد يلحق بالبداهة.. ولكن الأمر المدهش، أن الكثير من أساطين الفكر القانونى، فى العالم، وعبر الحقب المتفاوتة، يرون أنه ليس للقانون صلة بالأخلاق!! ويمكن ان يقال، وبكل تأكيد، أن جميع أصحاب المدرسة الوضعية فى القانون، لا يرون أى علاقة للقانون بالأخلاق!! فقط الذين يرون علاقة للقانون بالأخلاق فى الفكر الغربى، هم أصحاب مدرسة القانون الطبيعى، وحتى هؤلاء رؤيتهم ضبابية.. ونحن هنا لا نود مناقشة هذا الأمر، ولكن موعدنا معه إن شاء الله، عندما نتحدث عن القانون.. وما يقال عن القانون أيضا يقال عن الإقتصاد، فهم يزعمون أن لا علاقة للإقتصاد بالأخلاق، ويدرسون هذا الهراء لطلاب الإقتصاد، حتى فى جامعاتنا فى السودان!! ونحن سنعلق على كل ذلك فى موضعه.
    فى الفكر الإسلامى، العرف ، والقانون، والأخلاق، ثلاثتها شئ واحد ، وتخدم غرضاً واحداً ، والإختلاف بينها فى الدرجة .. فالأعراف هى جرثومة القوانين، وقاعدتها، والقوانين قاعدة الأخلاق.. وثلاثتها تهدف إلى تربية الفرد، وتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع.. والإختلاف يجيء من أن الأخلاق التزام ذاتى، فى حين أن الأعراف والقوانين يقع فيها الإلزام من المجتمع، وتقع فيها العقوبة والإكراه.. وهذا لا يعنى أن مخالفة الأخلاق، لا تقع عليها عقوبة، وإنما يعنى أنها لا تقع عليها عقوبة من المجتمع، لا تقع عليها عقوبة فى قانون المعاوضة فى الشريعة، ولكن تقع عليها عقوبة، من قبل قانون المعاوضة فى الحقيقة، والذى يحكيه قوله تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" .. والقانون فى تطوره يستلهم الأخلاق، فكلما تطور المجتمع أدخل، طرفاًَ مما كان فى منطقة الأخلاق فى قانونه.. وعن دور التشريع فى التربية، يقول الأستاذ محمود: (ومما لاشك فيه أن التشريع، سواء كان تشريع عادة، أو تشريع عبادة، إنما هو منهاج تربوى، يرتفع ، بالمجتمعات وبالأفراد، من الغلظة والجفوة إلى اللطف والإنسانية) - الرسالة ثانية - وفى جميع الحالات، القانون لايمكن أن ينفصل عن الأخلاق.. فالأخلاق، أو قدر منها على الأقل، لازمة ضرورية للقانون، عندما يشرع، وعندما يطبق، وعندما ينفذ.. وسيادة حكم القانون تكون فى أحسن أحوالها، عندما يتطبع أفراد المجتمع على القانون، فيعيشونه كقيمة داخلية، يلتزمونها، لو كان هنالك قانون يعاقب، أو لم يكن.. وهذه هى الأخلاق.. وهذا هو مستقبل البشرية.. فسيجيء اليوم الذى يستغنى فيه الناس عن قانون الجنايات بالذات، لأن أخلاقهم قد ارتقت فوق مستواه.. وسيظل القانون موجوداً، ولكنه لن يحتاج لأن يطبق.. وعن سيادة حكم القانون، يقول الأستاذ محمود: (فإن إقامة حكم القانون فى حياة الجماعة العامة يتحقق على خير صورها إذا كان كل فرد يقيم حكومة القانون فى حياته الخاصة . ونحن لم نجد هذا الأسلوب التربوي إلا في القرآن، لأن القرآن في آن معا دستور للسلوك الفردي ودستور للسلوك الجماعي، وهو بذلك يكسب الفرد المقدرة على المواءمة بين حاجته وحاجة الجماعة التى يعيش فيها، فإنه يعلمه أن أبعد حاجاته منالاً، ليس إليها من سبيل إلا حب الجماعة، والتفانى فى إبغائهم الخير والإخلاص لهم فى السر والعلن، ومنهاج محمد النبى فى العبادة والسلوك هو الصورة الحية الماثلة من هذا الإسلوب التربوى) - أسس دستور السودان - وهذا يعنى ، كما سبق أن ذكرنا، أنه عن طريق الأخلاق، يرتفع الفرد من الأنانية السفلى إلى الأنانية العليا ، حيث لا يرى مصلحته إلا فى مصلحة الآخرين.
    أعتقد أننى ، وضعت الأسس العامة، لمفهوم الأخلاق، فى دعوة الأستاذ محمود للإسلام، وستصحبنا القضية، كما هو الحال ، بالنسبة لكل القضايا السابقة، فى بقية الحلقات، خصوصاً عندما نتحدث عن المنهاج ، وعندما نجرى المقارنة بين الإسلام والحضارة الغربية ، ووقتها ستظهر أبعاد قضية الأخلاق بصورة أعمق ، وأدق.


    خالد الحاج عبد المحمود
    رفاعة في 8/مارس/2007
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-03-2007, 05:30 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
    (8)
    الخير والشر


    قضية الخير والشر من قضايا الوجود الكبرى، مثل قضية الجبر والاختيار .. وهي قضايا لا يكفي فيها الفهم العقلي وحده، و لا يمكن ان تعالج بصورة جذرية خارج اطار التوحيد.. والتوحيد، يبدأ بالتصور النظري الذي يقوم على الايمان، وفي هذه المرحلة تكون هناك قناعة عقلية، ولكن يظل في النفس شئ، لا يزول إلا بعد دخول مداخل اليقين، التي تتحقق نتيجة للتسامي في العمل بمنهاج التقوى، بما يرسخ المعاني في النفس، ويجعل العلم تحققا.
    في الفهم الديني ثنائية الخير والشر، كجميع الثنائيات المتقابلة، الاختلاف فيها لا يكون اختلاف نوع، وانما هو اختلاف مقدار .. ودائما إحدى الثنائيتين أصل والأخرى فرع.. والأصل هو الباقي والدائم، أما الفرع فهو فاني، ينتهي في مرحلة النسبية .. وهذه هي القاعدة التوحيدية الأساسية، في التعامل مع الأضداد.. فكما قلنا، ونكرر الآن، في الديالكتيك الإسلامي، يقوم النقيضان على خلفية من الوحدة، هي الأساس، أما التناقض فهو مظهر، مرتبط بقصور ادراك العقول، ولخدمة هذا الادراك، فالعقول لا تدرك الأشياء إلا بأضدادها، لأن ادراكها يقوم على الثنائية.. أما الإدراك الوتري فهو ادراك القلوب.
    فالخير هو الأصل، والشر مظهر له، وطرف منه، وموظف لخدمته.. فالخير هو الغاية والشر وسيلته.. وقد دخل الشر في الوجود لحكمة تعليمية، هي أن ندرك الخير عن تجربة ونتطور في مراقيه.. فالشر هو ثمن الحرية، فإذا أحسنا التصرف في الحرية، يكون قد خدم غرضه وينتهي تماما، لعدم الحاجة اليه، ولزوال وهم العقول الذي تسبب في ايجاده.
    والآن لنرى الطرح الفلسفي لمشكلة الخير والشر.. يقول استيس: "فإذا كان الله هو المصدر النهائي لكل شئ، لكان معنى ذلك أنه المصدر النهائي للشر، لكن كيف يمكن أن يتسق ذلك مع خيريته الكاملة"
    كتب هيوم يقول: "إن اسئلة أبيقور القديمة لا تزال بغير جواب، فهل يريد الله أن يمنع الشر، لكنه لا يستطيع؟ لو صح ذلك لكان عاجزا، أم أنه يستطيع لكنه لا يريد؟ لو صح ذلك لكان غير خيّر.. أم أنه قادر ويريد في آن معا؟ وفي هذه الحالة من أين جاء بالشر؟" ـ الدين والعقل الحديث ـ ويرى استيس أن المشكلة في مثل هذه الأسئلة تجئ من النظر للكلمات بمعناها الحرفي.. فكلمات (قادر) و (يريد) و(يستطيع) عندما تستخدم في حق الله تعالى، لا بد من أن تكون دلالتها، رمزية، وليست حرفية.. والخطأ الثاني حسب استيس، يجئ من تصورنا لله، بنفس تصورنا لأنفسنا كبشر، ولذلك الكلمات تعني بالنسبة له تعالى، نفس ما تعنيه بالنسبة لنا.. وفي تقديري أن اعتراضات ستيس على أسئلة أبيقور، اعتراضات وجيهة، ولكن الاجابات الحاسمة لأسئلة أبيقور المذكورة، لا تجئ من قبل الفلسفة، وانما من قبل الدين، وهي بطبيعتها اسئلة متعلقة بالله وبالدين، والاجابة الدينية البسيطة المباشرة هي: أن الشر من الله، ولكن ليس عنده، والله تعالى فعلا يمنع الشر، بعد أن يؤدي وظيفته المرحلية التي أوجده من أجلها.. وأسئلة أبيقور مبنية على افتراض خاطئ، يقوم على انه طالما أن الشر ظل موجودا دائما في الماضي والى اليوم، فهو سيظل كذلك في المستقبل.. وهنا تكمن مشكلة الاطار المرجعي، فهو كفيلسوف يعتمد على العقل وحده، والعقل وحده لا يملك من امكانية ادراك المستقبل ما يمكنه من البت في استمرارية او عدم استمرارية الشر.. والدين يعتمد في هذا الأمر، على أمر أكثر من العقل وهو الوحي، وعلى التوحيد كإطار مرجعي، وكذلك من خلال الفهم الديني السليم، يستطيع العقل أن يدرك أن الشر مرحلي، وهو لا بد منتهي.. كما تتضمن اسئلة ابيقور، السؤال عن حكمة الشر.. اذا كان الله تعالى خير، ويريد الخير، فلماذا اوجد الشر!؟ وهذا يقودنا الى موضوع الغائية الذي تحدثنا عنه، في الحلقة الخاصة بالأخلاق.. وفي هذا الصدد يقول استيس: "إن مشكلة الشر تفترض وجود غرضية للعالم. فما نسأل عنه في الحقيقة هو الغرض من وجود الشر.. ما الغرض من وجود الألم والمعاناة؟ إذ يبدو أنها بلا غرض. فبسؤالنا لماذا يوجد الشر؟ يفترض أن للعالم غرضا، وما نريد ان نعرفه هو كيف يتناسب هذا الألم مع هذا الغرض ويعمل على تقدمه.." .. وبصورة خاصة ارجو ملاحظة عبارة (ويعمل على تقدمه) أي كيف يعمل الألم على تقدم الغائية الكونية؟ وإذا قررنا أن الغاية من الكون هي تحقيق انسانية الانسان، فكيف يعمل الألم على تقدم هذه الغاية؟؟ هذا ما سنجيب عليه ضمن مناقشتنا التالية لقضية الخير والشر.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 04:52 PM

Dr. Ahmed Amin
<aDr. Ahmed Amin
تاريخ التسجيل: 20-02-2007
مجموع المشاركات: 7061

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    فوووووق

    "وقل ربي زدني علما"
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-04-2007, 04:17 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    عزيزي الدكتور أحمد
    تحية طيبة
    شاكر لمتابعتك وحراستك للخيط
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-04-2007, 04:17 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أسئلة الأستاذ محمد عمر بشير:
    لقد توجه الأستاذ محمد عمر بشير بأسئلة للأستاذ محمود حول الخير والشر، هي أشبه بأسئلة أبيقور.. نورد منها هذا السؤال واجابة الأستاذ عليه..
    (يقول محمد عمر: "هل أريد بالشر التضحية الجزئية في سبيل خير الوحدة، أو المجموعة العامة؟؟ وألا سبيل هناك إلا بوجود الشر في حدود عامة لخير الكون الأكبر؟؟ إذا صح هذا الدفع عن وجود الشر، فإن السؤال لا يزال قائما: (أليس في الإمكان إستنباط عالم خال من الشر؟؟ فإن حصر الشر في مناطق معينة ليس بالإجراء الذي تقتضيه العدالة الإجتماعية.."..
    هذه جميعها أسئلة شيقة.. وقبل ان أشرع في الرد عليها أحب أن أقرر حقيقتين دقيقتين، هامتين، من لا يعرفهما لا يستطيع ان يدرك كبريات حقائق الوجود التي تعالجها هذه الأسئلة الشيقة.. فأما الحقيقة الأولى فهي: أن الكون كله موجود في كل جزء منه.. وأما الحقيقة الثانية فهي أن ليس في الوجود كائن، وإنما كل شيء فيه مستمر التكوين، ما خلا الله – "القوة، الخلاقة، الخيرة" -
    فبتقرير الحقيقة الأولى يزول اللبس القائم في قولك: "وهذه القوة!! أتنظر إلى كل جزئية، من جزئيات الطبيعة، على حدة، أم تنظر إلى الكون كله على أنه وحدة عظمى لا تتجزأ؟؟".. ذلك بأنه، في نظر تلك القوة، ليس هناك جزء، ولا كل، وإنما هو الكون، قائم، بتمامه، في أي جزء من أجزائه.. فهي حين تنظر ترى الشمس في الذرة، وما الكل، ولا الجزء، وما الكبر، ولا الصغر، إلا في الأوهام التي تمنى بها العقول القواصر، ويترفع عنها العقل المحيط، أو "القوة الخلاقة، الخيرة" على حد تعبيرك، وينتفي بتقريرها أيضا اللبس الماثل في قولك: "هل أريد بالشر التضحية الجزئية في سبيل خير الوحدة، أو المجموعة العامة؟؟ وألا سبيل إلا بوجود الشر، في حدود عامة، لخير الكون الكبير؟؟".. وإنما ينتفي اللبس لأنه بتكامل الكون، هذا التكامل الذي تقرره الحقيقة الأولى، يصبح من غير المعقول، أن تخدم مصالح الكل بإهدار مصالح الجزء.. ذلك بأن الكل، والجزء، في حقيقة الأمر، شيء واحد، وإنما وقع التفريق بينهما من وجهة نظرنا نحن.. وذلك نظر قاصر.. فإنه إنما تخدم مصالح الكل بخدمة مصالح الجزء، وفي نفس الوقت.. وههنا مزية تشريعية كبرى، وهي: أن أي تشريع نضعه، نحن البشر، لتنظيم كوننا لا يمكن أن يخدم حقيقة أغراضنا، في هذه الحياة، إذا ما أهدر حق الفرد في سبيل تحقيق حق الجماعة – على نحو ما تفعل الشيوعية مثلا.. ولنعد للموضوع.. ولنبدأ بأول السؤال: "كيف ينسجم وجود الشر، في صوره المختلفة، مع وجود قوة خلاقة (خيرة)؟؟ وكيف يمكن أن تكون القوة الفاعلة، البناءة، المحافظة، التي شملت بعنايتها كل شيء، هي علة الشر الهدام؟؟"..
    وهنا تفيدنا الحقيقتان المقررتان آنفا، فبأولاهما نعلم: أن وحدة الوجود لا تقر الثنائية المتمثلة في الخير والشر، وإنما الوجود خير محض، في حقيقته.. وما الثنائية إلا مظهر سببه أوهام عقولنا نحن.. ويكفي أن نقول أنه، حتى بعقولنا القواصر، قد استطاع الممتازون منا أن يدركوا إدراكا يقينيا، أن الخير موجود، حتى في الشر، وأن الموت، الذي هو أكبر الشرور، إنما هو، في الحقيقة، ميلاد جديد، في حيز جديد، نجهله نحن جهلا كبيرا..
    أما بثانيتهما فإننا نعلم: أن كل ما في الوجود، ما خلا الله، في تطور مستمر.. وهو، في تطوره، خاضع، كل الخضوع، لإرادة العقل المحيط: (الله).. أو قل: "القوة الخلاقة (الخيرة)" على حد تعبيرك أنت.. ثم أنه إذا ما ارتقى، في تقلبه، وتطوره، إلى مرتبة الإنسان المدرك لحقائق الوجود، إدراكا يقينيا، أصبح تطوره خاضعا لإرادة عقله هو، ذلك بأنه حين استيقن عقله من حقائق الوجود ما وصله بالعقل المحيط قد صار طرفا منه، أو صار هو إياه.. فهو، في ذلك المقام، لا يرى ثنائية الخير والشر، وإنما هو الخير المطلق..
    فالشر ليس اصلا، وإنما هو عارض سببه أوهام العقل القاصر، وسيزول باكتمال العقل، وبإحاطته بحقائق الوجود، إحاطة المستيقن، حق الإستيقان.. وذلك أمر آت، وقريب..
    "أليس في الإمكان إستنباط عالم خال من الشر؟؟" بلى!! ولكنه عالم غير كامل، لأنه لم يكتسب معرفته بالتجارب، وإنما هو قد ضربت عليه الهداية، ضربة لازب، وبذلك فقد الحرية، ومن ثم جاءه النقص.. ذلك بأنك لا تبلغ الكمال إلا ببلوغ الحرية الفردية المطلقة.. وأنت لا تبلغ الحرية الفردية المطلقة إلا بممارستها، وتحمل المسئولية عنها.. ولا يستقيم لك هذا إلا باضطرابك في محيط الثواب: (الخير)، والعقاب، (الشر)، حتى تنتصر، بترويض عقلك، على موجبات العقاب، فتنتصر بذلك على الشر.. وتعيش في عالم الخير المطلق، الذي ليس للشر إليه من سبيل..)
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-04-2007, 07:10 AM

Dr. Ahmed Amin
<aDr. Ahmed Amin
تاريخ التسجيل: 20-02-2007
مجموع المشاركات: 7061

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    up
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-04-2007, 09:14 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    كل مخلوق مرحوم:
    الوجود كله يقوم على الرحمة، ولقد سبق لنا أن أشرنا الى ذلك.. فكل مخلوق مرحوم.. هو مرحوم في الحال بالرحمة الرحمانية، والعذاب طرف منها.. وهو مرحوم في المآل بالرحمة الرحيمية، وهي خالية من العذاب.. يقول تعالى: (قال عذابي اصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شئ، فسأكتبها للذين يتقون..) ويقول: (فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة).. فالشر والعذاب وسيلة للهدى، وللطاعة، وعلى ذلك هما وسيلة للخير وطرف منه.. وقد سبق لنا أن تحدثنا عن قانون المعاوضة في الحقيقة، وهو قانون يسيّر به الله تعالى، الخلق اليه، وقد جاء عنه من أقوال الأستاذ: "وهو قانون يعمل دائما على تنمية الخير ومحو الشر، وذلك بسوق الحياة الى كنف الله الرحيم" .. "فالانسان مسير من البعد الى القرب.. ومن الجهل الى المعرفة، ومن التعدد الى الجمعية، ومن الشر الى الخير، ومن المحدود الى المطلق، ومن القيد الى الحرية" ..
    والتسيير في بدايته، هو رحمة في صورة عدل، وهو أكبر من العدل.."فالرحمة أكبر من العدل" .. فسبب العذاب هو جهلنا الذي يجعلنا نختار أنفسنا عن الله "وليس الجهل ضربة لازب علينا ، وإنما نحن نخرج عنه إلى العلم كل لحظة . فإن قلت فلماذا لم نخلق علماء ، فنكفى بذلك شر الجهل ، وسوء التصرف في الحرية ، وما يترتب على سوء التصرف من عقوبة؟ قلنا إن العقوبة هي ثمن الحرية ، لأن الحرية مسئولية ، والمسئولية التزام شخصي في تحمل نتيجة العمل ، بين الخطأ والصواب . ولقد خلق الله خلقا علماء لا يخطئون ، ولكنهم ليسوا أحراراً ، ولقد نتج عن عدم حريتهم نقص كمالهم ... أولئك هم الملائكة ، فإن الله فضل عليهم البشر ، وذلك لمكان خطئهم وصوابهم ، أو قل لمكان طاقتهم على التعلم بعد جهل ، وإلى ذلك الإشارة بحديث المعصوم (إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأت الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم) فكأن الخطائين المستغفرين هم موضع نظر الله من الوجود، لأنهم بذلك سيصيرون إلى الحرية ، والحرية المطلقة ، وهي حظ الله العظيم .. وكل مقيد مصيره إلى الحرية ، والحرية المطلقة في ذلك، وكل جاهل مصيره إلى العلم ، والعلم المطلق في ذلك أيضا . والله تبارك وتعالى يقول (يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) ويقول (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون) وملاقاة الله ، والرجوع إليه ، لا يكون بقطع المسافات ، وإنما يكون بتقريب الصفات ، من الصفات . ومن أجل ذلك قررنا أن التسيير خير مطلق ، وهو في حقيقة أمره خير ، في الحال ، وخير ، في المآل.
    وسيجئ وقت ينتهي فيه الجهل بفضل الله في التسيير" - الرسالة الثانية –
    "فالقدر منطقة ثنائية ، حيث الخير والشر ، والعلم والجهل ، ولكن القضاء منطقة وحدة ، حيث يختفي الشر ، ولا يبقى إلا الخير المطلق ، عند الله، حيث لا عند . وهذا ما يسمى عند أصحابنا بسر القدر، وهو أمر لم يكن عندهم مما يصح البوح به ، وذلك مراعاة لحكم الوقت ، وتأدبا بأدبه .
    وهناك سابقتان لكل مخلوق: سابقة في القضاء ، وسابقة في القدر .. فأما السابقة في القضاء فهي خير مطلق لكل الخلائق ، وأما السابقة في القدر فهي: إما خير ، وإما شر ، وأمرها مغطى على الناس ، وقد تدل ، على هذه السابقة ، اللاحقة ، وهي ما يكون عليه الإنسان في حياته اليومية من صلاح أو طلاح ، وأمر اللاحقة غير مغطى على أصحاب البصائر ، الذين يعرفون عيوب العمل بالشريعة ، وإرسال الله الرسل ، لكشف اللاحقة ، بتفصيل الشريعة ، وتغطيته تعالى السابقة في سر لوحه المحفوظ ، ألزم عباده الحجة ، وأوجب عليهم العمل بأوامر الشريعة ، ونواهيها، "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" - الرسالة الثانية -
    فبالطاعة والهدى، يتم تجاوز العذاب، وتجاوز الشر، الذي هو بطبيعته مرحلي.. وكل انسان مصيره الى الهداية، إن عاجلا أو لاحقا، لأن الله وتعالى ملتزم بهدايته، والهداية عليه تعالى وحده، فهو يقول: (إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى) فمن لم يهتد في الأولى، لا بد له أن يهتدي في الآخرة.. ومن يرد به الله تعالى خيرا يهده في الأولى، ولكن الهداية كائنة في حينها، ما في ذلك ريب.. ولذلك، ما من نفس إلا وهي خارجة من العذاب، وصائرة الى النعيم.. والنار نفسها، التي هي مكان العذاب، ووسيلته، والتعبير عنه، فانية، ومنتهية، عندما تؤدي وظيفتها، وهي سوق الخلق الى الله - الى الهداية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-04-2007, 09:28 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    النار فانية:
    إن الحديث عن فناء النار يجد معارضة شديدة، من السلفيين عموما، مع أنه أمر يلحق بالبداهة.. الصادقون منهم يجدون اشكالية في فهم فناء النار، لأن الحديث عنها في القرآن، جاء مرتبطا بالأبد، وهم فهموا الأبد، بمعنى الزمن الذي لا ينتهي، بمعنى السرمد، وهذا فهم غير صحيح، لأن الأبد زمن محدد.. وقد جاء عن النار قوله تعالى: (خالدين فيها أبدا) وجاء عنها قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) .. وديمومة السموات والأرض هذه، زمن محدد، هو الأبد.. فالسموات والأرض كانتا رتقا (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما..) ، فبالفتق ظهرت السموات والأرض، والفتق سيعود للرتق مرة أخرى (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا، إنا كنا فاعلين).. والآيات التي تتحدث عن جمع السموات والأرض عديدة.. فالأبد، أذن، هو الفترة من الفتق الى الرتق، وهو زمن محدد.. وبعده تفنى النار، وكذلك الجنة هي أيضا فانية، ولكن ببطء أكثر من النار، وكلما فنيت جنة تم الانتقال الى جنة أعلى منها، وهكذا سرمدا، وهذا معنى كون الخير مطلقا.. وفناء النار وردت حوله أحاديث نبوية كثيرة خصوصا في البخاري.. ولكنك ربما لا تجدها الآن!؟ لماذا؟! لأن الطبعات الجديدة، تعرضت لتنقيح!! ونستميح القارئ عذرا، فنعلق على هذا الموضوع.. كنت قد اطلعت على أحاديث عديدة، في نسخة قديمة للبخاري خاصة بعمنا المرحوم عبد الله أب سالف برفاعة، ومنها الحديث المشهور "يضع الرحمن رجله على النار فتقول غط غط، وينبت مكانها شجر الجرجير" وهو شجر شديد الخضرة.. وحاولت أن أرجع لهذه الأحاديث في كتب البخاري، فلم أجدها!! خصوصا الكتب المطبوعة في مصر والسعودية.. فاكتشفت أن جميع هذه الكتب منقحة!! وفي واحدة من الطبعات الصادرة من مصر، جاء في المقدمة أن الكتاب نقحه طائفة من العلماء!! وذكر هؤلآء العلماء أنهم أبعدوا من البخاري الأحاديث التي لا تتمشى مع العقل!! وذكروا كمثال انهم أبعدوا حديثا جاء فيه أن رجلا ركب على بقرة، أو حمل عليها، فقالت البقرة: "ليس لهذا خلقنا"!! فاعتبر هؤلآء الفقهاء أن هذا الحديث لا يتمشى مع العقل فأبعدوه!! والسؤال لايتمشى مع عقل من!؟ إذا كان كل انسان يجعل من نفسه حكما على عقل النبي صلى الله عليه وسلم، أوعلى القرآن، فلا شئ يبقى لا من الحديث ولا من القرآن، .. ببساطة لولا أن هؤلآء القوم يعتبرون أنفسهم أوصياء على خلق الله، وعلى دين الله، كان يمكن ترك الأحاديث كما اوردها صاحبها، ثم يعلقوا عليها ما شاؤوا.. وإذا كان ليس من العقل أن تتكلم بقرة، فليس من العقل ايضا أن يتكلم النمل، أو أن يتكلم الطير!! وكلام النمل والطير وارد في القرآن.. وحسب منطق هؤلآء القوم، لو وجدوا الفرصة، لنقحوا القرآن بما يتمشى مع عقولهم هم!! قال تعالى: (قالت نملة: يأيها النمل ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها) وهذا لايعني فقط أن النمل يتكلم، بل وأن الانسان يمكن أن يفهم كلامه، وجاء عن سيدنا سليمان، من القرآن، قوله تعالى: (علمنا منطق الطير).. أكثر من ذلك كل شئ متكلم!! يقول تعالى: (وقالوا لجلودهم، لم شهدتم علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ)!! - نحن سنعود لهذا الأمر عندما نتحدث عن اللغة- المهم أن نقول هنا إن عمل الفقهاء، في تنقيح كتب الأحاديث، عمل غير أخلاقي، ويقوم على وصاية غليظة من جهلاء، في معارف الدين والدنيا.. ومن أسباب التشديد على الناس، ومحاولة إخفاء النصوص التي تتحدث عن سعة الرحمة، أنهم يزعمون أن هذه الأحاديث تجعل الناس يتكاسلون عن العمل!! هل هذا الذي عرفتموه أنتم، يفوت على حكمة النبي الكريم؟! وما الذي يجعلكم أنتم عندما تعرفون هذه النصوص، لا تتقاعسون عن العمل، ويجعل الآخرين يتقاعسون!؟
    المهم لكي أتحصل على بخاري غير منقح بحثت كثيرا، ولم أتمكن من الحصول عليه، إلا عن طريق الأخ حسن شرف الدين، وجده بعد جهد مضني بمكتبة واحدة، باستانبول بتركيا، فكانت آخر نسخة بالمكتبة، والنسخة مكتوب في أولها "هذه الطبعة موافقة لطبعة العامرة باستانبول سنة 1315هـ" .. فعلى المثقفين أن يعوا هذا التزييف الموبق الذي يتم لكتب التراث الاسلامي، ويقفوا ضده، ويرفضوا هذه الوصاية الغليظة.
    ذكرني هذا بقول أحد الأطفال زجرته أمه في عمل عمله، وقالت له: "الله بوديك النار" فرد الطفل: "إنتو قايلين الله فقري زيكم كده؟!" واهم من يظن أن هذه الأجيال يمكن أن تعود للدين عن طريق الوصاية الجاهلة.
    نرجع الى حديثنا عن فناء النار، فالأمر محسوم بالتوحيد.. فالنار لا يمكن أن تكون باقية بقاء الله، تعالى الله عن ذلك تعالى الله علوا كبيرا.. ولذلك نبهنا في الحلقة الأولى إلى التوحيد كإطار توجيه ونموذج ارشاد.. وقد جاء في تلك الحلقة: "والحركة، في الوجود الحادث، تقوم على الفناء والبقاء، أو الموت والحياة، وكلاهما وجهان لشئ واحد.. فدائما، الذي يفنى، أو يموت، الجانب الكثيف الغليظ، أو الجانب الأقل استجابة لدواعي الحياة، بالنسبة للأحياء.. يقول تعالى: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).. أو يقول: (ولا تدعو مع الله، إلها آخر، لا إله إلا هو، كل شئ هالك، إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون) لقد ذكرنا أن لكل شئ في الوجود، قاعدة وقمة، والقاعدة تمثل المادة، والقمة تمثل الروح، والاختلاف بينهما اختلاف مقدار.. فالقاعدة فانية، أي متحركة، متغيرة تطلب القمة، والقمة ليست باقية على صورة واحدة، وإنما هي أيضا متحركة- فانية - تطلب نقطة مركز الوجود.. فكلمة "هالك" أو "فان" في الآيات تعني متغير.. وعبارة "ويبقى وجه ربك" من الآية، تعني يبقى البقاء النسبي، الوجه الذي يلي الله من الأشياء، وهو قمة هرم كل شئ.. ويبقى البقاء المطلق، وجه الله المطلق – الذات-" .. فالنار هي الوجه البعيد عن الله، ولذلك فانية بصورة أسرع، ولاتبقى إلا لفترة الأبد.. هذا، وكل حالة شر أو عذاب هي ملطفة باسم الله (اللطيف).. يقول الأستاذ محمود: "والخطأ ، كل الخطأ ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقا ، فجعل بذلك الشر أصلا من أصول الوجود ، وما هو بذاك . وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة ، لا مكان فيها للحكمة ، وعن ذلك تعالى الله علوا كبيرا." - الرسالة الثانية –
    وقد حذف بعض المعارضين، من النص عبارة "عن ذلك تعالى الله علوا كبيرا"، ومنهم عبد الحي يوسف، وهو عمل ، بالاضافة على دلالته على رقة الدين، وضعف الخلق، يدل دلالة كبيرة، على شدة الغباء، فما تركوه من النص يتناقض بصورة حادة، مع ما أرادوا أن يصلوا إليه، وهو قولهم: "مخلوق يصف خالقه بالحقد..".. فالنص كله يعبر عن سعة الرحمة الإلهية، وأي جزء تحذفه منه، لا يمكن أن يجعل بقية النص عكس ما وضع له!! ولكنهم لشدة غبائهم، يعتقدون أن كل القراء، في مستوى غبائهم.. ولنفرض جدلا أن هذا التحريف، جاز على القراء، هل هو يجوز على الله!؟ ها هنا تكمن رقة الدين، فهم ينطبق عليهم قول الله تعالى: (ولكن ظننتم، أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم، أرداكم فأصبحتم من الخاسرين) .. فهم، لولا سوء الظن هذا بالله، لعلموا أن الله مطلع على ما يعملون، فلم يهلكوا أنفسهم بهذه الصورة؟!.. ولعلموا أيضا، أن الباطل مهما فعل، لن يستطيع في النهاية أن ينتصر على الحق.. ولو كانوا يظنون أن الفكرة الجمهورية باطلة، لعرضوا منها، ما يعتبرونه باطلا، دون الحاجة لأن ينسبوا لها، من عندهم، ما ليس منها.
    نحن نرى، أن حديثنا عن الخير والشر لا يكتمل إلا بالحديث عن الشيطان، الذي يعتبر رمز الشر وتجسيده، ومصدر الغواية التي توجب العقاب.. والشيطان في وقتنا الحالي يجد من يعبدونه بصورة مباشرة، ويقيمون لعبادته المعابد، والرموز الدينية، مثل النجمة الخماسية، كما يؤدون في عبادتهم طقوسا دينية معينة، مثل كل الأديان الأخرى.. ولكن ليس هذا أخطر ما في الموضوع، فهؤلآء مهما كان شأنهم فهم قلة قليلة.. وأخطر ما في الموضوع، عبادة الشيطان، غير المباشرة، بطاعته فيما يأمر به من شر، ومن مفارقة القيم، بما يحط من إنسانية الإنسان.. وعبدة الشيطان بهذا المعنى الأخير، في وقتنا الحالي، هم الأغلبية الساحقة من أهل الأرض.. وستتضح أبعاد هذا الأمر بصورة جلية عندما نتحدث عن الحضارة الغربية.
    حديثنا التالي، عن الشيطان، منقول عن كتاب "العصر الذهبي للإسلام أمامنا".. ورغم ورود اشارات هنا وهناك، لمواضع في الكتاب، إلا أننا نعتقد أن ذلك لا يشكل أي مشكلة بالنسبة للقارئ.. كما سيكون هنالك بعض التكرار، نعتقد أنه يفيد في توكيد المعنى الذي نريده.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-04-2007, 04:03 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الشيطان:
    الاسلام لا يرى نهاية للتاريخ.. وفيه، ما دورة الحياة الدنيا - من الفتق الى الرتق مرة اخرة - الا دورة واحدة، من دورات الحياة.. والسير فى الحياة سير سرمدى، لانه سير من المحدود الى المطلق، و المطلق لا يدرك بصورة نهائية، وإلا اصبح محدودا، ولذلك حركة الانسان فى التطور، فى الكمالات، حركة سرمدية لا انتهاء لها.. اما قمة الكمال، الذى سيتحقق على الارض، فى هذة الدورة من دورات الحياة، حسب تصور الاسلام، الذى نطرحه، فتتحقق بالعهد الذهبى الذى نتحدث عنه.. وفى هذا العهد يتم اشباع حاجات الانسان فى مستوى رفيع، وتقفز الحياة البشرية درجة فى سلم التطور، تشبه القفزة التى تمت بالانتقال من مرحلة الحيوان الى مرحلة البشر الحاليين.. ويستمر هذا الكمال الى ماشاء الله له ان يستمر من الزمن، ثم يحدث الهبوط عنه بالتدريج، الى ان يصل الى صورة من الانحطاط، تصل قاع هذه الدورة، فتقع ساعة التخريب، وعندها يتم الرتق بعد الفتق، وتبدأ دورة جديدة، من دورات الحياة، هى الحياة الاخرى، ولن تتوقف دورات الحياة على الاطلاق.. والمرحلة التى نحن مقبلون عليها، حسب هذا السناريو، هى مرحلة اليوم الآخر.. وهو آخر ايام الدنيا، وأول ايام الآخرة.. ونحن لنا الى ذلك عودة.. فى هذه المرحلة سيتم انتصار الخير على الشر.. وهذا يعنى ضمن مايعنى، الانتصار على الشيطان.. وانتصار الخير، لا يعنى نهاية الشر الذى يمثله الشيطان وحسب، وانما يعنى الى جانب ذلك، وفوق ذلك، الترقى درجات، فى سلم التطور، فى القرب من الله.. فمرحلة الانتصار على الشيطان بالصورة التى يتصورها الناس، مرحلة قريبة.
    الناس، عندما يتحدثون عن الشيطان، يتحدثون عن شياطين الجن فقط.. وهذا تصور جد ناقص، وضار.. فالشيطان داخلنا - داخل كل واحد منا - وخارجنا.. والشر هو علاقة بين شيطان الداخل و شيطان الخارج، فيها شيطان الداخل هو الأهم، وهو الأخطر.. والانتصار على الشيطان فى الداخل، وفى الخارج، يتم فى الداخل اساسا، والخارج يتبع.. فبقدر انتصارنا على الشيطان فى الداخل، يتم انتصارنا عليه فى الخارج، ولا سبيل للانتصار على شياطين الجن فى الخارج، الا سبيل الانتصار على الشيطان داخل النفس البشرية.
    لقد سول الجهل، لكثير من النفوس، عبر تاريخ البشر، اشراك الشيطان مع الله، وتصويره وكأنه إله - إله الشر - بل هو فى كثير من اساطير الشعوب صور كذلك فعلا.. ويرجع ذلك الى التصور الخاطئ، بأن الشر اصل فى الوجود، مثل الخير.. وهذه (المانوية) نجد صور منها حتى اليوم، عند اصحاب ارفع ديانات التوحيد - المسلمون -
    الواقع ان الشيطان موظف فى مملكة الله - هو موظف صغير، وضعيف، وصغره، وضعفه ياتى، من صغر، وضعف، دور الشر مقارنة بالخير.. فالشر، كما ذكرنا، مرحلى، ويقع تحت هيمنة الخير، وهيمنة قوى الخير، وموظف لاغراض الخير، ولايستطيع ان يفلت من هيمنة الخير عليه.
    من الذين تعرضوا لقضية الشيطان، د. جلال العظم.. فقد تعرض لها فى كتابه (نقد الفكر الديني)، في اطار نقده للدين.. ود. جلال العظم، في كتابه هذا، ينطلق من تفكيره كماركسي، ويفترض فيه انه يطبق منهج التفكير الماركسى الذى يقوم على النظرية المادية فى المعرفة، او ما اسماه هو (الفكر العلمى التحليلى)، الذى يرفض الفكر (الغيبى).. والعظم فى كتابه هذا، يرفض الله، والملائكة، والجن، وابليس، على اعتبار انها موجودات غير مادية، فهى عنده لا وجود لها فى الحقيقة.. فهو يقول، عن الله تعالى، مثلا: "يقول اصحاب هذا المذهب ان العقل الانسانى قاصر عن ان يعرف طبيعة الإله وعن أن يحيط به ولو إحاطة جزئية. إنه عاجز عن تصوره، وعن التعبير عن طبيعته، عبر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله: (كل ما خطر ببالك فهو خلاف ذلك). توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف: اولا هل بامكاني ان اقيم اية علاقات جدية بينى وبين هذا الإله الذى تتجاوز طبيعته تجاوزا مطلقا منطقي و مشاعري وأفكارى ومثلي وآمالى؟ هل بامكانى إن أجد عزاءْ في إله جل ما اعرف عنه هو انه مهما خطر فى بالى من افكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافا مطلقا؟ ان وجود مثل هذا الاله، وعدم وجوده سيان بالنسبة لى. ان هذا الاله ليس الا تجريدا فارغا من كل معنى ومحتوى..".. إن أفكار د. العظم هذة ليست اكثر من مغالطات، ركيكة، ليست لها علاقة بالفكر الدينى الذى ينتقده، فالمطلق الذى يتحدث عنه، تجلى فى تجسيد، هو هذا العالم واحداثه، ثم هو ارسل رسل ملائكة ورسل بشر.. وكل الدين قائم على خلق العلاقة بالله، التى ينفى د. العظم امكانيتها، بل العظم نفسه، وفى اقواله هذه، لا يستطييع الخروج عن العلاقة بالله.. و لكن العبرة بالادراك، وهذا ماجاء الدين من اجله.. وانا هنا لست بصدد مناقشة افكار د.العظم، وإنما أنا بصدد موقفه من قضية الشيطان.. فكونه ينكر وجود الله، والملائكة، والجن، هذا ينسجم مع طبيعة افكاره المادية كماركسى.. والأمر المنطقي أن يناقش انطلاقا من موقفه المبدئي هذا.. ولكنه ذهب ليناقش تفاصيل قضية، هو ينكر جميع أركانها، وبصورة تفتقر الى أبسط الجد الذي يليق بالمفكرين.. فابليس عنده ليس كائنا موجودا، وهو لا يتحدث عنه ككائن موجود، وانما )كشخصية ميثولوجية).. فهو يقول: "انني لا اريد معالجة قصة ابليس باعتبارها موضوعا يدخل ضمن نطاق الايمان الديني الصرف، ولا اريد ان اتكلم عنه باعتباره كائنا موجودا، وحقيقيا، وانما اريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية ميثولوجية ابدعتها ملكة الانسان الخرافية وطورها وضخمها خياله الخصب" ص 126 وحتي في هذا المستوى، كان تناول، العظم للقضية، تناولا ضعيفا ومتهافتا.. هو بعيد كل البعد عن موضوعية دارسي الميثولوجيا، وما تقوم عليه دراساتهم من استخراج القيم الموضوعية، من تحليل الدلالات الرمزية.. وقد بني العظم كل تحليله، علي قضية هو لا يفهم ابعادها، وهي قضية الامر التكويني، والامر التشريعي.. وقد اشار للقضية بقوله: "التمييز بين الامر الالهي وبين المشيئة او الارادة الالهية، فالامر بطبيعة الحال اما ان يطاع وينفذ وإما ان يعصى، وللمأمور الخيار في ذلك. أما المشيئة الالهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات، لانها بطبيعتها لا ترد، وكل ما يتعلق بالمشيئة الالهية واقع بالضرورة" ص 60 ويقول: "لذلك باستطاعتنا القول بان الله امر ابليس بالسجود لادم ولكنه شاء له ان يعصي الامر، ولو شاء الله لإبليس ان يقع ساجدا لوقع ساجدا لتوه اذ لاحول ولا قوة للعبد علي رد المشيئة الإلهية" ص 61.. ورغم هذا القول الواضح إلا أن العظم اعتبر (التوحيد) هو طاعة للامر التكويني – المشيئة - التي قال بنفسه انها لا تعصى ولا يمكن ان تعصى من أي مخلوق من المخلوقات. وذهب، انطلاقا من هذا الخطأ الاساسي يمجد إبليس ويعتبر انه هو من حقق التوحيد، وليس آدم.. هذا مع انه هو نفسه يقول ان الطاعة والمعصية تقع في إطار (الأمر التشريعي) وليس (المشيئة).. فهو يقول: "لا شك ان ابليس خالف الامر الالهي عندما رفض السجود لأدم غير انه كان منسجما كل الانسجام مع المشيئة الالهية ومع واجبه المطلق نحو ربه".. ومن هنا يجئ الخلط.. فالواجب يتعلق بطاعة الامر التشريعي، وليس المشيئة.. فالمشيئة مفروضة، ولا اختلاف بين الخلائق في طاعتها.. فالملائكة الذين سجدوا، كانوا ايضا مطيعين للمشيئة، وفضيلتهم على ابليس انهم مطيعين للمشيئة وللامر التشريعي معا.. يقول العظم "لو وقع ابليس ساجدا لادم لخرج عن حقيقة التوحيد وعصي واجبه المطلق نحو معبوده" ص 61 .. هو يقصد (بواجبه المطلق) طاعة المشيئة.. وهو بنفسه ذكر أنها لا تعصى.. الواجب هو طاعة الامر التشريعي.. وليس لإبليس أي فضيلة في طاعة الامر التكويني، وهو في ذلك لا يختلف عن بقية الملائكة، ولا عن ادم وحواء او عن أي شئ اخر في الوجود.. يقول العظم: "في الواقع يعتبر اختيار ابليس سؤلا هاما جدا هو: هل تكمن الطاعة الحقيقية في الاذعان للأمر أم الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق ام لواجبات الطاعة الجزئية؟" هذه اسئلة لا معني لها، ولا ضرورة لها.. بداهة الطاعة الحقيقية في الاذعان للأمر، فالمشيئة اساسا، لا مجال فيها للحديث عن المعصية.. ومن هذا التخليط ذهب العظم، ليقول: "نستنتج إذن ان موقف ابليس يمثل الاصرار المطلق علي التوحيد في اصفي معانيه، وانقي تجلياته" ص 61.. وما موقف الملائكة الآخرين، وادم وحواء، أليسوا هم جميعا مطيعين للمشيئة!؟ فمن أين تأتي الفضيلة لإبليس، من دونهم، في هذا الأمر!؟ ويقول العظم: "أراد الله للملائكة ان يقدسوه وان يسبحوا باسمه، لذلك كان السجود لادم وقوعا في ما يضيفه اهل الشرك الي الذات الصمدية مما هي منزهة عنه، اذ السجود لغير الله لا يجوز علي الاطلاق لانه شرك" ص 61.. ولكن كيف يأمر الله بما لا يجوز في حقه!؟ كيف يأمر الله بالإشراك به!؟ أنت لا تدري شيئا في هذا الامر.. ولو كنت تعرف شيئا عن التوحيد، لعلمت ان السجود، المامور به، ليس سجود عباده، وانما هو سجود تسخير، لان سجود العبادة لغير الله شرك، والله تعالي لا يأمر بالشرك.. وقد ذهب العظم في تحليل مطول لقضية ابليس، كله تحليل خاطئ ومتهافت، ويقوم علي هذا الفهم المغلوط الذي ذكرناه.. يقول العظم: "بعبارة أخري واجه ابليس الرب وهو يناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة، فذهب ضحية هذا التناقض، وضحية الموقف الذي اختاره ووقفه" ص 69..
    التناقض إنما هو في ذهنك انت، وفي طبيعة التفكير المادي، الذي تتلمذت عليه.. فالمخلوق لا يعرف مسبقا، مشيئة الرب، فهذه بالنسبة له غيب، وانت ترفض الغيب بصورة مبدئية، بما فيه الرب نفسه ، ولكنه يعرف ارادة الرب التي يجئ بها الامر التشريعي الظاهر، وعلي هذه يقوم التكليف، ويقع الحساب.. وقد تعامل العظم مع اكبر قضية تواجه الفكر البشري، في تاريخه - قضية الجبر والاختيار- تعامل ماركسي، متعصب لعقيدته، في قضايا السياسة.. فذهب ليجعل من ابليس بطلا تراجيديا ومن ادم انتهازي!! فهو يقول: "اذا استرسلنا في مقارنة موقف ادم بموقف إبليس نجد انه إذا كان إبليس أول بطل مأساوي في الكون، كان ادم أول انتهازي، لأنه رفض اتخاذ موقف محدد بين الأمر والمشيئة رغبة منه بالنجاة كيفما تمت الأمور"!! ص 63 .. مرة أخرى، لا يوجد موقف بين الأمر والمشيئة، هما ليسا أمرين.. المشيئة تتضمن الأمر التشريعي، الذي ما هو إلا ظهور لها، في مخاطبتها العقل.. فعلي الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق، وعلي الأمر التشريعي تقوم حكمة التعليم .
    نحن إنما تعرضنا هنا لرأي د. العظم، لأنه يختلف عن كل ما يقوم عليه التراث البشري، تقريبا، من إن قضية الشيطان، قضية تتعلق بالخير والشر ، مع انه لا ينفي هذا الوجه للقضية، وإنما ذهب في المجال الذي ذهب فيه لدحض التفكير الديني حسب زعمه.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-04-2007, 04:11 PM

bent-elassied
<abent-elassied
تاريخ التسجيل: 10-03-2003
مجموع المشاركات: 659

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    عمر
    مشكور علي هذه المعلومات و البوست الممتاز


    دمتي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-04-2007, 04:20 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    والآن لنرجع إلي موضوعنا، عن الشيطان، وعلاقته بالخير والشر يقول المعصوم: (إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالصوم).. ويقول تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم)..فالشيطان داخلنا وخارجنا.. خارجنا هو الروح الشرير، الذي لا يأمر بخير.. وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره.. ففي الآية الكريمة أعلاه الشيطان مقابل عقل المعاش، والرحمن مقابل عقل المعاد.. والشيطان إنما هو داخلنا لأننا خلقنا من الطين المحروق بالنار ، في حين خلق الشيطان من النار.. (خلق الإنسان من صلصال كالفخار* وخلق الجان من مارج من نار).. ويتهذب عقل المعاش عن طريق المنهاج، كما ذكرنا، ويتم التحول نحو عقل المعاد، وبذلك يبدأ الانتصار على الشيطان في الداخل.. وبالقدر بالذي نحقق به عقل المعاد، ويتم الانتصار علي الشيطان في الداخل، يتم الانتصار علي الشيطان في الخارج في نفس الوقت.. وإذا حققنا عقل المعاد في المستوى الذي يكون متحررا من الرغبة، ننتصر علي الشيطان في الخارج تماما، ولا يكون له علينا سلطان، وفي ذلك يجئ قوله تعالي: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من الغاوين)..
    (قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض، ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر 39-42.. وقوله تعالى: (فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * انه ليس له سلطان على الذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون).. فإنما سلطانه على أوليائه، وهم الذين يزين لهم عقل المعاش، من المطامع، والشهوات والاهواء، مايجعلهم يستجيبون له.. اما عباد الله، من المؤمنين، الذين على ربهم يتوكلون، فلا سلطان له عليهم.. فكيد الشيطان ضعيف، لان منطقته الاساسية هى منطقة حجب الظلمات، وهذا أمرها هين على العباد المجودين.. يقول تعالى، عن ضعف كيد الشيطان: (فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفا).. فالشيطان موظف صغير في مملكة الله، وهو صاحب وظيفة مؤقتة، وليست دائمة.. وهو، كجميع بقية خلق الله، مسخر للانسان، إلا أن تسخيره فى جانب الخطأ.. وقد ذكرنا ان حق الخطأ هو ما ميز الانسان، على الملائكة، من اعلى، وعلى الشياطين، من اسفل، وبه تميز الانسان بالحرية، وبإمكانية التطور المفتوح. لقد ورد عن المعصوم، قوله عن سيدنا عمر بن الخطاب: (ما سلك عمر واديا إلا وسلك الشيطان غيره).. ان هزيمة الشر، وقوى الشر، أمر محسوم بل هو قريب فالله تعالى متكفل بهداية عباده (إن علينا للهدى، وإن لنا للآخرة والأولى).. فمن لم تتم هدايته في الأولى، لا بد أن تتم في الآخرة فالهداية أمر لابد ان يحدث فى حينه.. والهداية أمر مستمر دائما، فالله تعالى قد هدى الحياة مسيرتها منذ البداية، وهو لا يزال يهديها، ولن ينفك.. وهو إنما يهدى الحياة عن طريق قانون المعاوضة فى مستوى الحقيقة، ومستوى الشريعة.. فقانون المعاوضة فى مستوى الحقيقة وهو الارادة التى قهر الله بها العوالم فابرزها وسيرها الى الكمال.. وهذا القانون هو قانون الحق، الذى قال تعالى عنه: (وما خلقنا السموات والارض ومابينهما لاعبين * ما خلقناهما الا بالحق ولكن اكثرهم لايعلمون).. فالحق هو هذا القانون، وهو يقوم على القصاص، الذى تحكيه الآيتان: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).. وقانون المعاوضة فى مستوى الشريعة يسير مصاقبا لقانون المعاوضة فى مستوى الحقيقة، وهو يقع على ثلاث مستويات، ويحكيه قوله وتعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان، وايتاء ذى القربى).. والعدل هو القصاص فى مستوى (العين بالعين، والسن بالسن).. و(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).. والإحسان هو العفو عن المسئ: (من تصدق به فهو كفارة له).. وإيتاء ذى القربى، تعنى صلة الرحم، التى تحدثنا عنها، وقلنا انها رحم العبودية للمعبود الواحد، وتشمل جميع الأحياء والأشياء.. وهذه المستويات الثلاثة تحكيها ايضا الاية: (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لايحب الظالمين) قوله (جزاء سيئة سيئة مثلها) هو مستوى العدل من درجة التناصف، وإنما سماه سيئة ليرغب عنها، حيث أمكن ذلك (ولمن صبر وغفر، ان ذلك لمن عزم الامور) وأما قوله (فمن عفا) فهو مستوى الإحسان بترك المسئ، وهو فوق العدل. وأما قوله (وأصلح) فهو يعني الرحمة بالمسئ، والتعطف عليه، والمحبة له، وذلك قمة الصلاح والاصلاح، وهو اعلى قانون المعاوضة فى الشريعة.. وتشريع الاسلام، سواء كان تشريع عبادات، أو تشريع معاملات، إنما هو منهاج تربوى يرتفع بالمجتمعات، لتحقيق قانون المعاوضة في المستويات التي ذكرناها، فيرتفع بالمجتمعات والافراد من الغلظة، والجفوة، الى اللطف والإنسانية.. وبذلك تكون هزيمة ابليس، وهزيمة الشر، وقوى الشر.. فقانون المعاوضة، فى الحقيقة المراد به تسيير العوالم الى الله عن طريق الجسد.. فهو يقوم على الارادة.. وقانون المعاوضة، فى مستوى الشريعة، مقصود به تسيير البشر الى الله عن طريق العقل - عن طريق الحرية.. والأمر كله، فى جميع مستوياته، يقوم على الرحمة التي وسعت كل شئ.. والرحمة تقع فى مستويين: الرحمة الرحمانية وهذة تشمل الوجود كله، وكل مخلوق بها مرحوم.. وفيها يدخل العذاب.. والرحمة الرحيمية، وهى الرحمة الخالية من العذاب.. فالرحمة الاولى، تقع في منطقة الارادة والرحمة الثانية تقع فى منطقة الرضا.. يقول تعالى: (واكتب لنا فى هذة الدنيا حسنة، وفى الآخرة، إنا هدنا اليك.. قال: عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شئ، فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون) الأعراف 156..
    (رحمتى وسعت كل شئ) هذه الرحمة الرحمانية.. و(فسأكتبها للذين يتقون) هذه هى الرحمة الرحيمية.. فكل مخلوق مرحوم حالا بالرحمة الرحمانية ومآلا بالرحمة الرحيمية، عندما يصبح من الذين يتقون، وماله من ذلك بد، فالله تعالى ملتزم بهدايته.. وقد كتب الله تعالى، على نفسه الرحمة (قل سلام عليكم.. كتب ربكم على نفسه الرحمة) الانعام 54 .. والفضل فوق الرحمة. يقول تعالى: (قل بفضل الله، وبرحمته، فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون) يونس 58.. (خير مما يجمعون) يعنى من الحسنات، وأعمال البر.. وحتى العقوبة، هى فى الواقع، رحمة رحمانية، ومحاطة باللطف، إذ يتجلى فيها الله باسمه اللطيف.. والله تعالى يجازي بالحسنة عشر امثالها، وقد يضاعفها حتى تخرج عن الحصر، وهو لا يجازي بالسيئة الا مثلها، وقد يعفو عنها، وقد يبدلها حسنة، وقد يضاعفها بعد ذلك اضعافا لاحد لها.. ومجرد النية الحسنة، تكتب حسنة، والسيئة لا تكتب الا اذا تم عملها، ولم يتم العفو عنها.. يقول تعالى: (والذين لايدعون مع الله الها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرم الله الا بالحق، ولايزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا * الا من تاب، وآمن، وعمل عملا صالحا، فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما) الفرقان 68-70 ويقول تعالى: (هو الذى يصلي عليكم وملائكته، ليخرجكم من الظلمات الى النور، وكان بالمؤمنيين رحيما) الأحزاب -43 -
    من كل ما تقدم، نصل الى أن الشر ليس أصلا فى الوجود، وانما هو فرع، ومرحلى، وأن القوى الموظفة للشر، ومنها الشيطان، ذات وظيفة مرحلية، ينتهى دورها فى الشر، بانتهاء حكمة دخوله فى الوجود.. والشيطان وهو تجسيد الشر فى الخارج، تكون دولته، فى الاوقات التى يكون فيها عنصر التدين عند البشر ضعيفا.. ويضعف دوره فى الاوقات التى يكون فيها عنصر التدين سائدا وقويا.. ولكل ذلك، فان المرحلة القادمة، والتي يصل فيها عنصر التدين قمته، تصفد فيها الشياطين، بنور المعرفة، وانتصار الخير وبذلك تدركها الرحمة في مستوى من المستويات.. ولكن للشيطان جولة اخرى، ليعد الله تعالى به الارض لساعة التخريب، الساعة الكبرى .. وبعدها لن يكون للشيطان دور فى الشر وتنتهى وظيفته المرحلية.



    خالد الحاج عبد المحمود
    رفاعة في 27/3/2007
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-04-2007, 04:24 PM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    أختي الدكتورة بنت الأسيد
    تحية طيبة
    شكرا على المرور والتعليق .. تسرني متابعتك
    عمر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-05-2007, 05:14 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
    محاولة للتعريف بأساسيات دعوته

    (9) اللغـة

    اننا نرمي من حديثنا هنا، عن اللغة، أن نجعل منه مدخلا للحديث عن النص الديني، في القرآن، وفي السنة.. فدعوة الأستاذ محمود للاسلام، كلها تقوم على القرآن، وعلى السنة.. والسند النصي فيها واضح بصورة جلية.. بل هو واضح بالصورة التي يمكن معها أن نقول، أنه يستحيل غيره، في الفهم الديني السليم!!
    والحديث عن اللغة، لا يخرج عن اطار التوحيد، الذي تدور حوله جميع حلقات هذه الكتابة.. وقد ذكرنا مرارا، أن جميع قضايا الانسان، ترجع الى أمرين، هما: علاقة الفرد بالكون، وعلاقة الفرد بالمجتمع.. فهل اللغة ينطبق عليها هذا الأمر!؟
    قد يكون واضحا للجميع، علاقة اللغة بالفرد والمجتمع.. ولكن ربما يستبعد الكثيرون، أن تكون للغة علاقة بالكون.. وفي تقديري، أن سبب استبعاد هذا الأمر، عند من يستبعدونه، أن اذهانهم عند الحديث عن اللغة، تنصرف الى لغة الكلام، عند البشر!! ولكن من منظور التوحيد، كل شئ في الوجود هو لغته!! بما في ذلك الكون المادي، والحياة في مستوياتها المختلفة، وأحداث الوجود في كل تفاصيلها، وتنوعها!! وجميع صور هذه اللغات هي مما يمكن فهمه، بل والمطلوب فهمه.. كل ما هنالك وسائل التعبير في هذه اللغات، تختلف من لغة الى لغة، وهذا بالطبع ينطبق على لغة الكلام عند البشر.. وبفضل الله علينا، وعلى الناس، أن العلم، في وقتنا الحاضر، قد تطور، بالصورة التي أعانت على ادراك العديد من صور اللغة والكلام، خلاف لغة الكلام عند البشر مما لم يكن في السابق مما يمكن أن يحسب في المجالات التي تدخل فيها اللغة.. ولذلك مفهوم اللغة اتسع، اتساعا هائلا.. وهو في الاسلام، أوسع مما هو في العلم الحديث، بما لا يقاس..
    وأهم من ذلك، أنه في مجال التفسير الغائي، الاسلام هو الوحيد الذي يعطي امكانية فهم هذه اللغات.. فالاسلام يردها جميعا الى اصل واحد، ويعطي المنهاج العلمي، والعملي، لفهمها.
    من الأفضل ان ندخل على موضوعنا من خلال تعريف للغة، يعين على ادراك ما نحن بصدده من أمرها.. يمكن تعريف اللغة بأنها: أي وسيلة تواصل بين طرفين، تقوم بنقل رسالة ما.. فكرية كانت، أو شعورية، أو عاطفية، ويتم تلقيها بأي حاسة من الحواس.. وبهذا المعنى الواسع أي شي في الوجود يوظف لخدمة التواصل، بالصورة المذكورة في التعريف هو لغة.. ولذلك الكون كله يمكن أن يكون لغة، وهو كذلك فعلا!! .. ويمكن أن يقال، أن العنصر المشترك بين جميع اللغات هو (الرمز).. والرمز دائما، لكي يؤدي رسالته في التواصل، وما ينبني عليه، ينبغي فك شفرته، أو تحويله، أو تفسيره، لمعرفة الرسالة المتضمنة فيه او التي يشير اليها.. فالرمز اللغوي يتكون من بعدين: البعد المادي، وهو صورة الرمز، والبعد المعنوي، وهو دلالته، أو الوظيفة المستخدم من أجلها.. ومما تقدم يتضح أننا نعتبر التواصل والدلالة، يشكلان الوظيفة الأساسية للغة ـ وإن كان للغة وظائف أخرى ـ وهما معا مجال ارتباط اللغة بالفكر، وبالمعرفة.
    ولغة الكلام عند البشر، هي أرقى أنواع اللغات، وهي خلاصة تتطور اللغة عند الأحياء.. والفرق بينها، وبين اللغات الأخرى، هو كالفرق بين البشر، والأحياء الأخرى، التي هي دونه في سلم التطور.. ونحن طالما أننا بصدد الحديث عن القرآن، وهو كلام الله، لابد لنا أن لا نجعل حديثنا قاصرا على لغة البشر فقط، لأن الله تعالى متكلم بجميع الألسن، فما من شئ في الوجود إلا هو من كلماته!! ولذلك سنتناول بصورة موجزة، اللغة عند الكائنات الحية، دون البشر.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

23-05-2007, 05:15 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    لغة الأحياء دون البشر:
    بفضل الله علينا ، وعلى الناس، فإن العلم الحديث قد تطور، بالصورة التي بها اصبح معروفا، عند كل المتابعين، وجود لغات عند الأحياء، دون البشر.. والكثير من هذه اللغات ، قد تم فك شفرتها، وهذا ما يغنينا عن التفصيل هنا.
    يحدثنا العلماء المختصون، أن المركبات العضوية بصفة عامة، يمكن تغيير خواصها، باجراء تغيير طفيف في تركيب جزيئاتها.. مما يجعلها تصلح صلاحية كبيرة لنقل الرسائل والمعلومات.. فلم يعد غريبا ذكر أن تبادل المعلومات، والرسائل، داخل جسم الانسان، والأحياء الأخرى، إنما يتم في الحقيقة عن طريق مثل هذه المواد الكيميائية.. فالمخ يسيطر سيطرة تامة على الجسد عن طريق الرسائل الكهروكيمائية التي يرسلها ويتلقاها على الدوام.. كذلك فإن اغلب الأعمال الحيوية الهامة التي تدور داخل خلايا الكائنات الحية، انما تسيطر عليها بعض الجزيئات الكيميائية التي تتميز بتركيب خاص، أو التي تحمل في تركيبها هذا قدرا هائلا من المعلومات، في شفرة كيميائية فريدة من نوعها، تحدد نوع تركيب المواد الكيميائية الأخرى التي تنتج داخل الخلية الحية، وكذلك تحدد طبيعة هذه المركبات ووظائفها وتحدد نوع الكائن الحي نفسه وطبيعته.. ويبدو من ذلك ان هنالك لغة كيميائية خاصة تربط جزيئات الخلية، كما تربط بين مختلف الخلايا في الكائن الحي، وان جميع الأوامر، والتعليمات التي تتلقاها هذه الجزيئات، وهذه الخلايا، انما تصدر منها واليها على هيئة جزيئات كيمائية محددة التركيب، تشبه المفردات اللغوية الى حد كبير، وتقوم بوظائفها.
    ولرؤية بدائع لغة الشفرة الحيوية داخل الجسم الحي، يمكن الرجوع الى المعلومات العلمية المتعلقة بالوراثة، وتلك المتعلقة بالمناعة..
    منذ مايو 2000 عندما اعلن فريق من العلماء، انه قد تم وضع الخريطة الوراثية للانسان( الجينوم) ، اصبح الحدث العلمي الكبير، شغل الناس الشاغل، وما يعنينا منه هنا، علاقته بموضوع اللغة، فهو دلل بصورة قاطعة أن كل كائن حي عبارة عن (كتاب)!! ونحن يعنينا بصورة خاصة ( كتاب) الانسان أكبر الكتب، وأعظمها بكل المقاييس.. فنحن نكتفي هنا بايراد نص موجز للدكتور مصطفى معرفي فهو يقول: "ومن هذا المنظور يمكن تعريف الكائن بأنه كتاب، مكتوب بلغة ابجديتها اربعة حروف فقط، يمثل كل منها شكلا من اشكال القواعد النتروجينية، ويجب التذكير بأن ابجدية اللغة هذه واحدة لجميع الكائنات الحية، بدءا من الكائنات وحيدة الخلية، مرورا بعالمي النبات والحيوان، وانتهاء بالانسان.. لكن مجلد الحياة للكائنات وحيدة الخلية ابسط من مجلدات حياة الكائنات الأخرى، وأكثرها تعقيدا وسماكة مجلد حياة الانسان. مخطط حياة الكائن وحيد الخلية يشبه كتابا بسيطا للأطفال، مقارنة مع مخطط حياة الانسان، الذي يمثل موسوعة كاملة في هذه المقارنة.
    وقد يبدو غريبا للوهلة الأولى أن التنوع الكبير في اشكال الحياة يستند الى لغة ثوابتها حروف اربعة فقط، لكن بقى أن نتذكر أن انجازات الحاسبات الحديثة، تستند الى لغة ذات عنصرين فقط.. وبذلك فإن لغة الـ DNA تزيد أضعافا مضاعفة عن امكانات لغة الحاسب الآلي. ولكي نقرب الصورة الى الأذهان، لو تصورنا كتابة الشفرة الوراثية بلغة الحاسب الثنائي لوجدنا أن عدد المعلومات التي يحملها الكروموزوم الواحد يساوي ضعفي عدد أزواج القواعد النتروجينية الموجودة في السلم الحلزوني المزدوج الشكل DNA . أما باستخدام لغة الحروف الأربعة فإن عدد المعلومات على الكروموسوم الواحد يرتفع الى اربعة اضعاف عدد القواعد النتروجينية كما ان كل كروموسوم يحتوي على خمسة الف مليون زوج من القواعد النتروجينية، علاوة على أن الخلية الواحدة للانسان تحتوي على ستة واربعين كروموسوما ـ واذا حسبنا المعلومات التي يمكننا كتابتها على الكروموسوم الواحد وجدنا انها تبلغ عشرين الف مليون كلمة، تشكل بمجموعها قصة حياة انسان ما، محددة صفاته الجسدية والنفسية والعقلية والعاطفية"!! ـ مجلة عالم الفكر، المجلد 35
    ولكل مجموعة من الكائنات الحية، لغة خاصة، تتفاهم بها فيما بينها.. وقد تم بفضل الله علينا، وعلى الناس دراسة العديد من لغات الكائنات الحية، وفك بعض شفرتها.. ووسائل اللغات عند الكائنات الحية عديدة ومتباينة..بل إن المجموعة الواحدة، من الكائنات الحية، عندها العديد من وسائل التعبير الخاصة بها.."فبالنسبة للنمل مثلا، من المعروف ان النملة مزودة بنظام متطور من الغدد يتوزع على جميع اجزاء جسدها.. وقد امكن التعرف على وظيفة بعض هذه الغدد، فهي تعتبر المصدر لعديد من المواد الكيميائية التي تستخدم في عمليات الاتصال وتبادل المعلومات والرسائل بين مختلف أفراد المستعمرة.. ومن اهم افرازات تلك الغدد المادة الكيميائية التي يتركها النمل على الأرض أثناء سيره، والتي تستخدم لعديد الأغراض.." .. وكما هي الحال عند النمل كذلك عند النحل، وعند كل الكائنات الحية.. فللنحل لغته، منها مثلا، مادة تستخدمها ملكة النحل لتنظيم دورة التكاثر في الخلية ولاجتذاب الذكور نحوها.. والشغالات في مجتمع النحل تطلق مادة (الجرانيول) عند عثورها على مصدر جديد للطعام.. كما أن رقصة النحل الشهيرة إنما هي وسيلة للتعبير عن وجود مصدر للرحيق.. وعند الأحياء هنالك مواد تستخدم لدفع العدوان، ومقاومة الدخلاء، أو طلب النجدة لذلك.. وتعتبر جاذبات الجنس من اهم مفردات اللغة التي يستخدمها افراد مملكة الحيوان.. لمن اراد معرفة المزيد في هذا المجال، يمكن مراجعة كتاب (لغة الكيمياء عند الكائنات الحية) ، د. أحمد مدحت اسلام
    أما بالنسبة للاسلام، فإن موضوع شمولية اللغة، ودلالتها، فيذهب الى آماد ابعد، وأعمق بكثير مما يذهب اليه العلم الحديث.. ففي القرآن يقول تعالى: (وما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه، إلا أمم أمثالكم) ..وجميع هذه الأمم لها لغاتها التي تتواصل عن طريقها.. ويقول تعالى: (وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي انطق كل شئ، وهو خلقكم أول مرة، واليه ترجعون) .. فكل شئ في الوجود متكلم، ناطق.. والله تعالى هو المتكلم، عبر كل شئ، وبكل شئ.. فكل شئ من حيث وجوده، وحكمة وجوده، ووظيفة وجوده، هو من كلمات الله.. وجميع هذه الكلمات وجميع هذه اللغات، هي مما يمكن للانسان ان يفهمه، بل هي مما ينبغي للانسان ان يفهمه حتى يفهم عن ربه، ما يعينه على العمل وفق مرضاته تعالى، في التعامل إزاء خلقه.. يقول تعالى: (وإن من شئ الا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فمن يفقه عن الله، يفقه تسبيح كل شئ، فما من شئ إلا وهو داع الى الله بلسان فصيح.. ولذلك فإن أول الرسل، هم رسل العناصر.. فالعناصر، جميعها، رسل ربها، تحمل رسالاته الى خلقه، وهذا يجري في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة.. فالعناصر، جميعها، اشارات لها دلالات، عميقة ومتنوعة.. وهي لا تصمت اطلاقا عن الدعوة لربها، والتسبيح بحمده، فهم من فهم، وجهل من حهل.. والمعنى الأساسي وراء كل هذه اللغات، والكلمات، والاشارات، في تعددها واحد، هو الله.. فمعنى الشئ هو دلالته، فكل ما في الوجود يدل على الله، ويشير اليه، ويعبر عن حكمته.. فالخلق جميعهم هم مظهر ارادة الله، وعبرهم تتجلى ارادته، وتتبدى حكمته.. وقد سبق لنا أن ذكرنا، أن الكون، في الاسلام، صنع من مادة الفكر!! هو علم الله، متنزل الى ارادته، ثم الى قدرته.. فكل جزء من الكون، وكل حركة فيه، أو سكون، هي تعبير عن معنى، يمكن ادراكه، وينبغي ادراكه.. فالطبيعة ليست صامتة، كما يعبر التشكيليون.. يقول الشاعر:
    متكـلم، هو وحده متـكلم هذي الحوادث كلها كلمـاته
    فكما ذكرنا، في التوحيد، الله تعالى هو الفاعل الأصلي، وكل من عداه هو الفاعل المباشر.. فكذلك الله تعالى، هو المتكلم الأصلي، وكل من عداه، هو المتكلم المباشر.. وكما ينبغي، توحيدا، رؤية الفاعلين، كذلك ينبغي رؤية المتكلمين، وهذه من تلك.. فحسب المصطلح، الله تعالى، هو المتكلم في الحقيقة، وغيره من خلقه هم المتكلمون في الشريعة، وينبغي العمل وفق الحقيقة والشريعة معا، وفي نفس الوقت.
    وعن تعليم الله تعالى، لعبيده المقربين، لغات غير البشر، نورد قول سيدنا سليمان من القرآن حيث جاء فيه، قوله تعالى: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير).. وجاء قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادي النمل، قالت نملة: يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها، وقال: رب اوزعني ان أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي، وأن اعمل صالحا ترضاه ، وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين).. ولا يحسبن أحد أن هذه القدرات قد خص بها سيدنا سليمان، ولن تكون لغيره وإنما هي قدرات انسانية خص الله بها أحد عباده، وهي موجودة بالامكان عند كل انسان، تبرز عنده، متى تأذن الله بذلك
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-06-2007, 05:34 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    لغة الكلام عند البشر
    قلنا إن لغة الكلام عند البشر، هي أرقى اللغات، وأكثرها تطورا، وهي التي تعنينا بصورة خاصة، هنا، ونحن نمهد للحديث عن القرآن، والنص الديني بصورة عامة.
    ولقد تطورت الدراسات اللغوية، مؤخرا في إطار الحضارة الغربية السائدة، تطورا كبيرا.. وهو تطور فيه الكثير مما هو مفيد ولكن معظمه غث، شديد الغثاثة، فقد ظهرت العديد من النظريات اللغوية، والدراسات النقدية، التي تزعم لنفسها (العلمية)، مجاراة لمناهج العلم المادي التجريبي، وطبيعته المادية. ولقد كانت المحاولة، منذ وقت مبكر، قائمة لربط النقد الأدبي، بالمعارف الانسانية المختلفة، من فلسفة، وعلم نفس، واقتصاد، وسياسة، وانثربولوجيا... الخ، وكل ذلك ترك آثاره على اللغة، وعلى النص، الأمر الذي ادى في بعض الجوانب الى اشكالية حقيقية في الغرب، انعكست على عالمنا الشرقي.. لقد ظهرت في الخمسينات من القرن الماضي، الحاجة الى نظرية تعين على تفسير النصوص، والتعامل النقدي معها، وظهر تعارض واضح بين العلم التجريبي، والابداع الأدبي والفني.. وقد لخص (فنسنت لينش)، التعارض بين هذين المحورين، في مجال البعد الأدبي بقوله: "تستطيع تصور تاريخ المشروع النقدي أو التفسيري، باعتباره حركة دائمة بين علم صارم يحاول الوصول الى قواعد بنائية، وفن يرفض الانضباط ويحتفي بالقرآءة الخلاقة"
    تعتبر (الشكلية الروسية) عند كثير من النقاد هي بداية التحول في التعامل النقدي، مع النصوص الابداعية، في بداية القرن العشرين، على اعتبار انها ادت الى تحول جذري في المعايير النقدية، تتمثل في التحول من (ماذا) يقول النص، الى (كيف يقول النص ما يقوله)؟ وكثير من النقاد يعتبرون مدرسة (النقد الجديد) و (الشكلية الروسية) تقومان على النقد الشكلاني formalist .. ثم ظهرت مدارس (البنيوية الأدبية) التي افرزتها الحداثة الثقافية، ومذاهب (التلقي والتفكيك) التي أفرزتها ما بعد الحداثة، والى مدرسة (النقد الثقافي) الحديثة.. وقد قامت المدارس الحداثية، وما بعد الحداثية على الغموض المفرط.. وأصبحت هنالك صور من (الموضة) النقدية، والتعامل مع النص بصورة متحررة من كل قيد.. وصلت الفوضى، الى حد اعلان (موت الكاتب).. وكان كل هذا يجد صدى عند مثقفينا، ويردد بعضهم صور (الموضة) التي ترد من الغرب، بصورة ببغاوية... واشتهر في هذا الجانب بالذات (دريدا) و(ليمون بارت) وآخرين غيرهم.. ونحن هنا لسنا بصدد متابعة هذا الأمر، ويمكن لمن شاء أن يرجع الى كتابات د. عبد العزيز حمودة و د. مصطفى ناصف.
    إن الذي يعنينا بصورة خاصة هو التطور الايجابي في الدراسات اللغوية، فنحن هنا نتعامل مع اللغة في اطار محدود، هو التمهيد للحديث عن النص الديني، واهمية اللغة للفكر.. فاللغة عند البشر مرتبطة ارتباطا وثيقا بالفكر وبالمعرفة، حتى أنه يبدو وكأنه لا فكر بدون لغة!! وفي هذا المعنى يقول د. مصطفى ناصف: " لنقل اذن أن اللغة لا تنفصل عن عمل الذهن.. التفكير عمل لغوي، وحين نفكر نقوم بعمل من صميم العربية نظام كلماتها هو نظام تفكيرنا، وربما لا يكون هو نظام غيرنا من الذين يكتبون ويتحدثون بلغة أخرى".. ويقول: "اللغة هي جهد الانسان في التعرف والادراك والتمييز.. إننا ننمو من خلال اللغة، وإن لغة المتحضر تسهم في تحضره، كما تسهم لغة البدوي في بداوته، عقولنا من بعض النواحي، هي لغتنا.. لذلك وجود كلمة أو غيابها في لغة أمرا ذي بال" ـ اللغة والتفسير والتواصل ـ
    ونحن وإن كنا نرى بعض المبالغة في اقوال د.مصطفى ناصف، الا أنه لاشك عندنا أن اللغة وسيلة اساسية من وسائل المعرفة، كما انها في بعض الأحيان، وسيلة أساسية من وسائل الحجب عن المعرفة!!
    ومن بعض ايجابيات الدراسات اللغوية الحديثة، انها تتجه بالنقد للبلاغة في الأساليب اللغوية التقليدية، والتي تنصرف الى الشكل، دون المعنى.. يقول د. مصطفى ناصف: "يقوم الفكر الحديث على تجاوز مفهوم اللغة في البلاغة التقليدية.. فقد كانت البلاغة التقليدية تقوم على اساس أكثر بساطة مما ينبغي، ففيها لدينا لغتان: أحداهما مجردة، والثانية منمقة.. واللغة المجردة هي اللغة العادية (المأمونة)، واللغة المنمقة، لغة الشعر، تنمق أو تحسن اللغة الأولى.. وبعبارة واضحة إن لغة الشعر لا تضيف إضافة جوهرية، ولا تغيرالموقف السابق، ولا تمحوه، وإنما تقوم بعملية طلاء حتى يخيل الينا أننا تجاوزنا اللغة الأولى"
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-06-2007, 05:35 AM

Omer Abdalla
<aOmer Abdalla
تاريخ التسجيل: 03-01-2003
مجموع المشاركات: 3083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: خالد الحاج: الأستاذ محمود في الذكرى الحادية والعشرين محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (Re: Omer Abdalla)


    الكلمة:
    نحن هنا لاتعنينا قضايا علم اللغة الحديث، ومدارسه المختلفة، ولا مصطلحاته الفنية.. ولذلك سنبدأ بالحديث عن (الكلمة) كأساس للغة، رغم الاختلاف في ذلك مع بعض اللغويين.. فالكلمة في المفاهيم التقليدية للغة، تقوم الى حد كبير على مفهوم الثبات، والدلالة الواضحة المحددة، وفي كثير من الحالات الدلالة الواحدة.. فعلماء البلاغة، وغير قليل من علماء الشعر، ينظرون الى الكلمة باعتبارها نظاما مغلقا له اسواره، وهكذا نعود في فهم الكلمات الى تسجيلات العلماء.. صحيح أن بعض الكلمات تحتفظ بدلالات لها حظ من الثبات، ولكننا نسرف اذا اعتقدنا ان معظم الكلمات التي نستخدمها، ونتحاور حولها، ونصنع منها ثقافتنا، لاتتحرك، وتتحول في الخفاء.
    كل شئ في البلاغة التقليدية كان يقوم على الزعم بأن الكلمات لها معاني ثابتة.. لكن علم اللغة في الفكر الحديث، هو عالم التقاطع والتواصل.. فالثبات لا وجود له، والقيام عليه، أمر أصبحنا نعاني منه في حياتنا المعاصرة، خصوصا في عالمنا العربي والاسلامي، وبصورة أخص في التعامل مع النصوص الدينية.. وعن ثبات وحركة المعنى جاء من أقوال د. صلاح فضل: "فإذا عدنا الى نظرية سوسير في اللغة باعتبارها منطلقا لبلاغة الخطاب الجديد، وجدناه يتصورها على أنها نسق من العلامات غير السببية، كل شئ فيه علاقة وتخالف وهو يعني بذلك أن أي دال من الدوال لايؤدي وظيفته بوصفه صوتا له دلالته المباشرة على الشئ أو معنى ما.. بل بوصفه في جوهره مختلف عن غيره من الدوال".. ومعنى هذا أن معاني الكلمات تتوقف على موقعها من الجمل، واختلافها عن غيرها، وهذا يؤدي الى طرح الفكرة الشائعة منذ ارسطو القائلة بأن لكل كلمة معنى جعلت له. وأهم من ذلك فإن هذه