لماذا يتطرف أبناؤنا؟
الرحيل المر: رحيل الدكتور/ الفاتح عمر مهدي إختصاصي طب وجراحة العيون
طريقة لاستعادة البوستات المهكرة بطريقة فردية يقوم بها كل عضو
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 08-03-2015, 06:10 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2008م الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!!
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-23-2008, 00:46 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    لا سلام من طرف واحد
    انني مفكر حر ولست سياسياً بمعنى انني لا انتمي لأي حزب سياسي لكنني أؤمن بمقولة سبق ان وردت على لسان الأستاذ عبد الباسط سبدرات وهي ان الإنسان بطبعه سياسي ولذلك سولت لي نفسي ان أطلق على الأستاذ سبدرات لقب حكيم الإنقاذ ان كان في الإنقاذ حكمة.
    وما دفعني للكتابة هذه المرة هو ما خطه قلم الأستاذ نبيل أديب في عموده المنشور بصحيفة الميدان الغراء بتاريخ 5 مارس 2008 تحت عنوان (الرجل الثاني) حيث ذكر ان الرجل الثاني وهو الرئيس الراحل أنور السادات قد نكص عن الخط الاشتراكي الذي رسمه الرجل الأول وهو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
    إذن لماذا يمجد الأخوان الجمهوريون الرئيس الراحل أنور السادات مع كونه قد حاد عن الخط الاشتراكي وسبب التمجيد هو توقيع الرئيس السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل حدث هذا والأخوان الجمهوريون يؤمنون باشتراكية الإسلام ومما لا شك فيه عندي هو ان الاشتراكية تمثل ذروة سنام القيم الإنسانية وبالتالي الإسلامية ومن يحيد عنها لا يستحق التمجيد.. أضف إلى ذلك ان الرئيس الراحل أنور السادات بتوقيعه على تلك الاتفاقية قد أوهن الأمة العربية باخراج أقوى دولها عن دائرة الصراع.
    ذلك ربما مرده إلى أمرين وهما ان دعوة الأستاذ الشهيد محمود محمد طه هي دعوة سلام ولأن الجمهوريين لا يرون في السلفيين الذين عارضوا الاتفاقية ثم إغتال أحدهم الرئيس الراحل أنور السادات خيراً.
    لكنني أذكر اخواني الجمهوريين بحقيقتين هما أدرى بهما من غيرهم وهما انه لا يوجد سلام من طرف واحد وليس في الوجود باطل مطلق.
    صلاح عباس وشي
    المحامي

    http://www.alsudani.info/index.php?type=3&id=2147527376&bk=1
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:36 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    الترابي والفكرة الجمهورية

    2006/01/23

    تعقيبا علي ما كتبه المحبوب مذكرات ـ اجتهادات الشيخ الترابي في القدس العربي العدد 5172 السبت الاحد 14 ينارير 2006 . كتب المحبوب الاتي عن حد الردة اما القضية التي يطبق عليها حد الردة فقد جاءت بعد محاضرة بجامعة الخرطوم حول قضايا تطبيق الشريعة عام 1979 تحديدا من تلامذة الفكر الجمهوري، الذين استنكروا اجتهاد الشيخ الترابي المرتد ردة فكرية بحتة لا يقتل واصــدروا ذات ليلة المحاضرة كتابا يحمل عنوان الترابي يخرج علي الشريعة باسم تحكيم الشريعة ، وهذا علي اي حال الرأي الذي تبناه غالب رموز الفكر الاسلامي المعاصر المستشار سالم الهنداوي والدكتور محمد سليم العوا والدكتور طه جابر العلواني :
    1 ـ اولا كان نقد الاخوان الجمهوريين لمشروع تطبيق ما يسميه الاخوان المسلمون الشريعة في عهد نميري والذي اضحي و قوانين سبتمبر 1983 لاحقا، وليس كان امر حد الردة، حيث لا يؤمن اصلا الجمهوريون بوجود هذا الحد في الشريعة الاسلامية الحقيقية التي طبقها الرسول في القرن السابع.. ولهم باع كبير في ذلك، بينما سلاح تكفير الخصوم هو من اكبر ممارسات الاخوان المسلمين الذين ينتمي اليهم المحبوب وشيخه.. والذي ترجمها عمليا اعدام الاستاذ محمود محمد طه صاحب الفكرة الجمهورية في 18 يناير 1985 بالتهمة عينها التي نفي الترابي اعدام صاحبها، وكان الترابي في تلك الفترة مستشارا لرئيس الجمهورية.
    2 ـ تمت ادانة الاستاذ محمود بتهمة اثارة الكراهية ضد الدولة في محكمة لموضوع يرأسه القاضي المهلاوي، لانه كتب منشورا يدين فيه التطبيق المشوه للشريعة.. تحت مواد امن لدولة (المادة 96أ و105ط).
    3 ـ وفي محكمة الاستئناف حول القاضي المكاشفي التهمة من اثارة الكراهية ضد الدولة الي ردة.
    4 ـ تم تنفيذ حكم الاعدام علي الاستاذ محمود رغم ان المادة 246 من القانون الجنائي تمنع اعدام الشخص الذي تجاوز السبعين سنة.. وكان عمر الاستاذ محمود انذاك 76 سنة فهو من موليد 1927 في مدينة رفاعة، وبذلك تجاوزوا حتي مواد القانون الجنائي، وبذلك يكون المحبوب تلميذ الترابي المخلص يريد اعادة تسويق شيخة في منبر القدس لعربي الصحيفة المحترمة لدي كل القوي المستنيرة في الوطن العربي.. وعليه ان يرد علي هذا السؤال؟
    اذا كان الشيخ الترابي مفكرا ملتزما بما يقول، فلماذا سكت عن هذه الجريمة الشنيعة في حق هذا الرجل الجليل الذي اعدم بسبب منشــــور والشيخ انذاك جزء من سلطـــة نميـــري وهو القائل سنة 1979 بعدم جواز قتل المرتد ردة فكرية بــــحتة، وبذلك خالف النص القرآني الذي يدعو لمطـــابقة القول مع الفــــعل قال الله تعالي (يا أيها الذين امنوا لما تقولوا ما لا تفـــعلون كبر مقتا عند الله ان تقــــولو ما لا تفعـــلون) صدق الله العظيم.
    ونهيب بقراء صحيفة القدس الاجلاء الذين يريدون معرفة المزيد عن الفكرة الجمهورية زيارة موقعها علي شبكة الانترنت www.alfikra.org .

    عادل الامين ـ اليمن
    [email protected]



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\01\01-23\r...لفكرة%20الجمهوريةfff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:37 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    وفاة بدر الدين مدثر عضو القيادة القومية لحزب البعث

    2006/01/27

    الخرطوم ـ القدس العربي :
    توفي امس في الخرطوم الاستاذ بدر الدين مدثر سليمان عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي وتورد القدس العربي سيرة مختصرة للاستاذ بدر الدين مدثر، فقد تخرج من جامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية القانون في سنة 1962م ويعتبر من المؤسسين لحزب البعث العربي الاشتراكي مع الاساتذة محمد سليمان الخليفة ومحمد بشير وشوقي ملاس. تعرض الاستاذ الي الاعتقال عقب انقلاب ايار/ مايو 1969م واستمر الاعتقال حتي العام 1974 م وبعدها غادر الي العراق بتوجيه من القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي وفي المؤتمر القومي العاشر للحزب عام 1978م تم انتخابه عضوا في القيادة القطرية ونائبا للامين العام للحزب. عاد الاستاذ الي السودان بعد الحرب العالمية ضد العراق بقيادة امريكا (..).
    وقد اصدر حزب البعث السوداني بيانا جاء فيه :
    توفي اليوم (امس) في الخرطوم الاستاذ بدر الدين مدثر سليمان عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي. منذ ان انتسب الفقيد الي حزب البعث اوائل الستينيات، واحدا من اول اثنين من السودان، كرس بدر الدين مدثر حياته كلية لعمل الحزب كمناضل ومنظم وقائد سياسي من الدرجة الاولي مستغنيا عن حياته الخاصة كلية. وحتي عندما غادر السودان الي العراق منتصف السبعينيات فإنه فعل ذلك نتيجة عجز الحزب وقتها عن تأمينه نظرا لتجاوز حجمه السياسي، وبالتالي التركيز الامني عليه، قدرات الحزب. ورد عنه في مقال كتبه عبد العزيز حسين الصاوي قبل بضعة اسابيع انه كان علي قائمة الاعتقال التحفظي ابان حكم الجنرال عبود كلما حانت مواعيد الذكري السنويه لاعياد النظام وهو بعد طالب جامعي وانه ذو همة وقاده وذكاء سياسي حاد وانه لم يكن ممكنا التغلب علي العقبات الخطيرة التي جابهت عملية تأسيس الحزب وكادت تقضي عليه في مهده، دون هذا الحضور الاستثنائي.
    وفي العراق واصل بدر الدين عملية تأسيس الحزب في السودان بدقة ومثابرة يومية حتي تجاوز هذه المرحلة الحرجة واضح بعد ذلك قوة سياسية فعالة الي درجة دفعت دكتاتورية نميري الي محاولة شل حركته عبر محاكمة فكر البعث الشهيره عام 1984 بنفس المواد التي اغتيل بها الشهيد محمود محمد طه. فقد كانت الخطة تستهدف ادانة فكر البعث بالكفر ودغم منتسبيه بالردة فإذا تنصلوا عنه قتلوا معنويا واذا رفضوا تعرضوا للموت. وفي الاطار القومي سرعان ما لفتت قدرات الاستاذ الراحل الاستثنائية الانظار فصعد الي اعلي مؤسسة بعثية وهي القيادة القوميه مؤديا دورا قياديا في تأسيس تنظيمات بعثية في اقطار مثل موريتانيا ومصر ضمن مهام اخري، حتي اصبح اهم شخصية غير عراقية في القيادة.
    ان حزب البعث السوداني اذ ينعي الي الشعب السوداني والامة العربيه هذا الفقيد الكبير بكل الحزن والاسي، فان دوره المتميز في تأسيس الحزب بالسودان سيظل محفورا في ذاكرتنا مقرونا بالامتنان والعرفان، فضلا عن سجاياه الشخصية الحميدة، رغم الخلافات التي نشأت مع الفقيد العزيز والقيادة القومية حول قضية التجديد الديموقراطي وادت الي انفصالنا عنها.
    نتقدم بعزائنا القلبي للاخوة في حزب البعث العربي الاشتراكي (القطر السوداني) وفي قيادة حزب البعث القوميه واعضائه في ارجاء الوطن العربي. ولا يفوتنا ان نزجي خالص عبارات المواساة ومشاعر المشاركة الوجدانية الصادقة لاسرة الفقيد، واشقائه وشقيقاته وابنته وبصورة خاصه والدته السيدة فاطمة التي وهبت اسرتها للحزب بسخاء نادر متحملة مشاق التقلبات الكبيره واخرها تدهور الحالة الصحية لابنها البكر حيث بقي الراحل الكبير منذ عودته من بغداد قبل ما ينوف علي العامين يعاني من مضاعفات خطيرة لضغط الدم والسكر. رحم الله الاستاذ بدر الدين مدثر سليمان واسكنه فسيح جناته.
    حزب البعث السوداني
    25 كانون الثاني (يناير) 2006



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\01\01-27\s...20لحزب%20البعث%20fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:38 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عن الشيخ الترابي وأزمة الحركة الإسلامية المعاصرة

    2006/04/25

    بمحض المصادفة توافقت الضجة التي أثارها الشيخ الدكتور حسن الترابي بآرائه الأخيرة في قضايا خلافية في الفكر الإسلامي مع صدور كتاب عن الفكر الإسلامي الحديث كنت أحد المساهمين فيه بفصل عنوانه حسن الترابي ومحدودية الحركة الإسلامية الإصلاحية الحديثة . محرر الكتاب المذكور (والذي يصدر هذا الشهر عن دار بلاكويل في أكسفورد) هو الدكتور إبراهيم أبوربيعة، المحاضر في معهد هيرتفورد بالولايات المتحدة وعنوانه:
    The Blackwell Companion to Contemporary Islamic Thought
    ويتناول الكتاب الذي ساهم في إعداده لفيف من الأكاديميين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم جوانب متعددة من الفكر الإسلامي المعاصر، ومساهمات أبرز الشخصيات المعاصرة فيه. وفي الفصل الذي قمت بإعداده تناولت بالتحديد الإنتقادات والجدل الذي أثارته اجتهادات الشيخ الترابي بدءاً من حكاية حديث الذبابة، وتشكيكه في صدقية بعض الصحابة وفي عصمة الأنبياء وموثوقية صحيح البخاري، وآرائه حول المرأة والردة وزواج المسلمة من الكتابي وغير ذلك. ومن الصعب بالطبع تلخيص كل ما ورد في ذلك النقاش الأكاديمي المفصل والمتعمق لمساهمات الشيخ الترابي وردود الفعل حولها في هذه العجالة، خاصة وأنها تعتبر تكملة لكتابين تناولت فيهما بشيء من التفصيل مساهمات الشيخ، هما ثورة الترابي (1991)، وكتاب الثورة والإصلاح السياسي في السودان (1995). ولكن يمكن هنا إعطاء بعض الإشارات التي تعين علي فهم بعض الجدل الدائر حالياً حول اجتهادات الشيخ، وهو جدل قديم جديد تنبع أهمتيه من أنه لا يعبر عن الإشكاليات التي تطرحها آراء فرد، بغير ما هو انعكاس لأزمة تواجه كل محاولات إحياء الاجتهاد في العصر الحديث.
    فالضجة التي ثارت حول رفض الترابي لحديث الذبابة تجسد في جوانبها المختلفة أزمة أي محاولة لتحديث الفكر الإسلامي في وجه النظرة التقليدية السائدة. ذلك أن حديث الذبابة يمثل حالة نادرة من تعارض نصوص إسلامية معتمدة (في هذه الحالة حديث ورد في صحيح البخاري) مع اكتشافات قطعية خرج بها العلم الحديث. فهناك إجماع بين العلماء علي أن الذبابة تنقل الأمراض فوق ما عرف بأنها تنقل القاذورات. وبالتالي فإن اتباع نصيحة الحديث المنسوب إلي الرسول صلي الله عليه وسلم بغمس الذبابة في الشراب الذي تقع فيه بدلاً من إخراجها تتناقض في ظاهرها مع صريح العلم، رغم أن الحديث المزعوم يقدم ما يشبه نظرية المضادات الحيوية بالقول بأن جسد الذبابة يحمل معه ما يشفي مما تحمله من أمراض. ولا بد من أن نذكر هنا أن الصراع بين الدين المسيحي كما كانت تعبر عنه المؤسسات الكنسية والعلم الحديث كان من أهم أسباب تراجع سلطة الدين في الغرب وهيمنة العلمانية علي الحياة.
    الحركة الإسلامية الحديثة سعت إلي تجنب مصير مماثل للإسلام بمحاولة إحياء الإجتهاد والتخلص من المقولات التي تتعارض مع العلم الحديث أو المفاهيم السياسية والاجتماعية الحديثة (الحريات، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، إلخ...)، إما بالتشكيك في صحة نسبة هذه المقولات إلي مصادر إسلامية موثوقة، أو بإعادة تفسيرها وتأويلها. وتميز موقف الترابي بأنه اتخذ موقفاً جذرياً، بدأ برفض سلطة حديث الذبابة جملة وتفصيلاً، وتدرج إلي ذلك بعد أن بدأ بالمنهج التقليدي، وهو التشكيك في صحة الحديث، وبالتالي التشكيك في اعتقاد سائد بين المسلمين السنة بصحة كل ماورد في صحيحي البخاري ومسلم (وهو موقف لا يشاركهم إياه الشيعة). وحجة الترابي هي أن البخاري بشر غير معصوم، ولا بد أنه أخطأ في إسناد بعض ما أورده. ولكن حتي لو كان البخاري علي حق في روايته، فإن من المحتمل أن يكون الصحابي الذي نسب إليه الحديث قد أخطأ فيما نقل أو لم يفهمه كما يجب. والصحابة أيضاً ليسوا بمعصومين، بل إن بعضهم قد سجل عليه كذب وتزوير. وحتي لو تجاوزنا عن هذا وأثبتنا أن السند صحيح وأن الصحابي المذكور قد نقل عن النبي صلي الله عليه وسلم بدقة وموثوقية، فإنه يحق لنا أن نرفض المقولة النبوية إذا كانت تتعلق بشأن دنيوي. فعصمة الرسول صلي الله عليه وسلم تتعلق بالتبليغ في أمر الدين، وهو القائل أنتم أعلم بشؤون دنياكم كما ورد في الحديث الذي نصح فيه المسلمين بعدم تلقيح النخل، وهي نصيحة اتضح أنها لم تكن صائبة.
    من الواضح أن الدافع الأساسي للإصلاحيين الإسلاميين المحدثين هو التعامل مع مطالب الحداثة، ومواجهة الانتقادات الصادرة من الغرب والعلمانيين من أبناء الإسلام، وهي انتقادات يستبطنها الإصلاحيون في أحيان كثيرة استبطانهم مبادئ مثل الإيمان بالديمقراطية أو حقوق الإنسان. ولهذا فإنهم يكونون في صراع مستمر مع أنصار النظرة التقليدية التي تري أن الإسلام يجب أن يؤخذ كما هو. ومن السهل علي الإسلاميين انتقاد ما يصفونه بأنه جمود تقليدي أو تفسير خاطئ للنصوص، أو غلبة موروثات غير إسلامية علي فهم الدين. ولكن الإشكال يأتي حين يواجهون نصوصاً صريحة تتعارض مع ما يقبلون به من أفكار حديثة، مثل الحرية الدينية مقابل حد الردة، أو مساواة المرأة مع الرجل مقابل النصوص حول وضعها وشهادتها وحقها في الميراث، إلخ. الحلول التي لجأ إليها معظم الإصلاحيين تمثلت في محاولة التركيز علي نصوص معينة دون أخري، وادعاء أولويتها. ولعل الحل الجذري الأبرز هو ذلك الذي لجأ إليه المفكر الراحل محمود محمد طه وحركته الجمهورية حين قرر نسخ كل النصوص القرآنية المدنية ومعها السنة وما تفرع عنها من موروث إسلامي والبدء من جديد في استحداث تشريع إسلامي من نقطة الصفر. ولكن الحل الجمهوري واجه إشكالين رئيسيين: الأول هو أنه حين كنس التشريع الإسلامي الموروث بأكمله بجرة قلم، أحل محله رؤية تتطابق مئة بالمئة مع المنظور الغربي الحديث في الحريات وحقوق الإنسان، وهو تطابق حري بأن يجعل أي دعوي من هذا النوع مشبوهة. والثاني أن مثل هذا الحل الجذري يحتاج إلي دعوي بسند سماوي جديد، وتصريح إلهي مباشر من إلهام أو نحوه. أي بمعني آخر إن الأمر يحتاج إلي وحي جديد ودين جديد، وهو تحديداً ما تضمنته الدعوي الجمهورية، وهو أمر يجعلها مشبوهة أكثر، خاصة عند أهل الحداثة الذين تستهويهم دعواها الأولي ولكن يصعب عليه تقبل محتواها الصوفي ـ الميتافيزيقي.
    الشيخ الترابي اتهم من قبل خصومه بأنه يقارب في دعاواه الإصلاحية الشطحات الجمهورية، ولكن الترابي لم يدع وحياً جديداً وإنما استصحب دعوي الحداثة الأكبر (ودعوي قدامي فلاسفة المسلمين حتي ابن رشد) من أن العقل الإنساني هو في حد ذاته مصدر سلطة قد تعلو أحياناً علي أي سلطة أخري دون سلطة الوحي، ويمكنها كذلك أن تعيد تفسير الوحي بما ينسجم مع متطلبات الحياة البشرية. من هذا المنطلق استخدم الترابي الأدوات الفقهية التقليدية، مثل التعمق في البحوث اللغوية والتاريخية، ونقد النصوص ومحاولة قراءتها قراءة جديدة ترفض القراءات التقليدية التي تلبست كما يري بمواريث تقليدية غير إسلامية، ترجع إلي حياة المجتمعات الإسلامية وقيمها السابقة علي الإسلام. علي سبيل المثال انتقد الترابي بشدة النزعة الأبوية في المجتمعات الإسلامية التقليدية وتغولها علي حقوق المرأة، بحيث أصبحت شــــؤون المرأة تكاد تكون الجانب الوحيد من الفقة الإسلامـــي الذي يرفض فيه التقليديون (علي غير ديدنهم) صريح النصوص التي تؤكد علي حقوق المرأة بدعوي أن ما كان يصلح للمجتمع النبوي ومجتمع صدر الإسلام لم يعد يصلح للمجتمعات اللاحقة التي لا يمكن أن تضاهي في صفائها الأخلاقي تلك المجتمعــات الطاهرة.
    الإشكال في منهج الترابي هو أنه واجه رفضاً من التقليديين دون أن يجد القبول عند الحداثيين والعلمانيين. فالحداثيون لا يقبلون بما هو دون الحل الجمهوري من تخلص بالجملة من الموروث الإسلامي الفقهي، أو علي الأقل يدعون لما يسميه الدكتور محمد أركون بـ نقد العقل الإسلامي ، أي عملية تفكيك تحلل الموروث الإسلامي من الخارج وتحكم عليه بأنه كان أسير واقع تاريخي معين لا بقاء له خارجه. وبالمقابل فإن التقليديين يرفضون اجتهادات الترابي جملة وتفصيلاً كما يرفضون منهجه. وقد كان الترابي يميل حتي وقت قريب إلي مداراة التقليديين، ولا يحفل كثيراً بنقد الحداثيين، وإن كان يتوجه بكثير من خطابه إليهم وإلي الغرب. فقد اضطر مثلاً إلي التراجع عن معظم أقواله حول زواج المرأة من كتابي وحد الردة والتشكيك في البخاري والعصمة النبوية أمام انتقادات التقليديين العنيفة. وقبل ذلك كان قد نشر كتيبه عن المرأة في مطلع السبعينات باسم مستعار في أول الأمر.
    وقد أدي هذا بدوره إلي ازدواجية في الخطاب. فقد كانت للشيخ الترابي حلقة داخلية صغيرة من الأنصار يخاطبها بصريح آرائه الفقهية، بينما كان يدخر خطاباً آخر لـ عوام الخلق . وقد نتجت عن هذا الوضع عدة نتائج، أولها بروز عقلية صفوية بين أعضاء هذه الحلقة الداخلية تشبه إلي حد كبير ما انتقد الإمام أبوحامد الغزالي عن فلاسفة عصره الذين كانوا يعتقدون التميز عن الأقران بفهم خاص للأمور يرتفع كثيراً عن فهم العامة. وأخذ يسود وسط هذه الصفوة المدعاة استخفاف كبير ببقية المسلمين وفهمهم للدين، بل وبكثير من تعاليم الدين. وهذا بدوره سلب الحركة الإسلامية سلاحها الأمضي في وجه خصومها من العلمانيين، والمتمثل في قدرتها علي تعبئة الجماهير وراء مواقفها بتوسل الشرعية الدينية. ولكن إذا كانت الحركة الإسلامية ترفض الموروث الديني كما هو فإنها تواجه نفس إشكال العلمانيين، بل إشكالاً أكبر، لأن العلمانيين علي الأقل لا يتدخلون في أمور الديــن ولا يسعـــــون إلي تغيير عقائد الناس بل يكتفون بتجاهل الدين ومقولاته أو التظاهر نفاقاً بالقبول بها. وهناك شواهد كثيرة علي أن العلماء التقليديين والجماهير الإسلامية تتقبل الإعراض عن الدين أكثر من تقبلها لما تري أنه تحريف للدين أو تغيير له. ولهذا واجهت الحركة الإسلامية بقيادة الترابي عزلة مزدوجة لأنها كانت تحارب العلمانيين والتقليديين في نفــس الوقت.
    التوجه الجديد للصفوة المحيطة بالترابي كانت له انعكاسات عملية، منها التنكر لتقبل الحركة الإسلامية التقليدية للديمقراطية، لأن الاحتقار للجماهير، بما في ذلك الجماهير المتدينة، يستتبع بالضرورة رفض الديمقراطية كمنهج. وقد ولدت هذه النظرة كذلك استخفافاً بكثير من القيم المتمثلة في الصدق مع الناس أو احترام حقوق العباد، ولعلها كانت مسؤولة إلي حد كبير لما وقع من انتهاكات وتجاوزات ميزت عهد ثورة الإنقاذ تحت رعاية الترابي. وهي بلا شك مسؤولة عما وقع للترابي علي يد تلاميذه الذين تعلموا منه الاستخفاف بالناس وبالقيم دون أن يكون لديهم ما كان له من العلم، فلم يجدوا بأساً في الإيقاع به وإنكار سابقته، لأنهم أصبحوا يرون أنفسهم فوق كل شريعة وعرف. ولا نزال نسمع من بعضهم تصريحات يستخفون بها بالعباد أفراداً وأحزاباً وأمة، إضافة إلي ما نعلمه مما يتداولونه في مجالسهم ويتناجون به من آراء خلاصتها أنهم قادرون علي حكم الشعب بالحديد والنار والكذب والنفاق وشراء الذمم، وأن الأمة بكل من فيها من شمال وجنوب وشرق وغرب ليس فيها فرد أو جماعة تستطيع تحديهم، وهو غرور أورد الترابي ما هو فيه، وسيكتشف تلاميذه قريباً أن شيخهم كان محظوظاً، لأن مصيرهم سيكون أسوأ بكثير.
    آراء الترابي الأخيرة وما ولدته من ردود أفعال لا يجب إذن أن ينظر إليها علي أنها إشكالية فرد أو جماعة، وإنما هي ورطة أمة لم تعد تجد في تراثها ما يكفي لمواجهة الحداثة، ولكنها تتمسك بهذا التراث علي علاته، وتقبل أن يزول هذا التراث جملة من أن يتعرض لتعديلات تضمن بقاءه. وهي أيضاً أزمة نخبة حديثة إما أنها أعرضت عن الإسلام إعراضاً أو أنها فشلت أخلاقياً وفكرياً في قيادة الأمة باتجاه إحياء الفكر الديني، فهي تتأرجح بين قيود التراث ومتاهات الخواء الأخلاقي الحداثي.



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\04\04-25\q...سلامية%20المعاصرةfff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:39 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    الحركة الوطنية لشرق السودان: الخروج من دار الأرقم

    2006/05/23

    ثمةُ قائلون لنا، انما بدأنا هذا الفعل السياسي الجديد، إنّكم لستم بمتجاوزينَ من هم قبلكُم من عُتاةِ المنشطِ السياسيِّ العريق وانكم ـ لعَمْرِنَا ـ ها هنا قاعدون! تلكَ ـ قِيلَ لنا ـ إنما هي موجةُ زَبَدِيّةٌ عابرةٌ و فهلوةُ آلِ نضالٍ انترنيتيّين زاهين ومعجبين بما لديهم من نرجسيّاتٍ سياسيّةٍ مهوّمةٍ، فحسب، لذا فهم لن يخرجوا ـ وإن فعلوا! ـ بمقدار ذراعين عن شأنِ طقطقةِ بضعةِ مثقّفين صفويّين (ولهم المكرمة لاعترافهم لنا بأننا مثقّفين علي الأقل !) علي لوحات حاسوبٍ مضيئةٍ يُنشّرونَ عليها فقّاعات حساسيّاتهم الشخصيّة وأوهامهم و عقدهم الموروثة عن شقاقات سياسيّة ماضية (وذاكَ قيلَ، خصوصاً، عن الصديق المبدع، ذي الفنون المتعددة ، طارق أحمد أبوبكر، الأمين العام للحركة الوطنية لشرق السودان، حيثُ جُرّدَ جهادُهُ وهمُّهُ كلّهُ إلي كليماتٍ بارداتٍ وقحاتٍ مُتّهماتٍ لهُ بأنه إنما مضي علي سبيلهِ الحاليّ هذا فقط ـ وتنبّهُوا لهذه الـ فقط ! ـ لتصفيةِ خلافٍ شخصيٍّ قديمٍ مع رفاقٍ لهُ، طيفيّين وسابقين، في قبيلة اليسار السوداني العتيدة.
    هكذا ـ فقط ولاغير ـ هم شافُوا شأنه، فهل في هذا أيّ إنصاف لهُ، أيّها القارئون ؟! أما الأدهي من ذلك، والذي كُتِبَ وقِيلَ عن رئيس الحركة القويّ الأمين، القائد أحمد محمد طّاهر حمد ، فلستُ خائضاً فيه، بل حسبي منه أن أقولَ أنّ القائد أحمد محمد طّاهر مُتمثِّلٌ، في سلوكهِ إزاءهُ، بِتَمامِ أدبِ الآيةِ القرآنيّةِ الكريمة القائلة: ـ وعبادُ الرّحمن الذين يمشون علي الأرضِ هوناً وإذا خاطبهم الجّاهلونَ قالوا سلاما ).
    هكذا قال عنّا، في البدءِ، الواهمُون (والاستعارةُ هنا من بحرِ شاعرنا مصطفي سند القديم). لكنّا نقولُ لهُم: ـ ألا فاستنيروا يا هؤلاء! ألا فاستنيروا يا هؤلاء! ألا فاستنيروا يا هؤلاء ! فإن لم تستنيروا فسيستبدلُ التاريخُ والنّاسُ بكُم أُنسيّينَ آخرينَ ذوي قُوّةٍ، وليسُوا ذوي عُنفٍ لآلهم وحرثهم، بلا ادّعاءٍ وسِعةٍ، يعملون. ولئن سئل الإنسان هنا عن معني القوّةِ كبديل تاريخيٍّ سياسيٍّ فعليٍّ لـ العُنف لأجاب بما أجابَ به، من قبل هنري ديفيد ثورو، في مقاله الموسوم حول واجب العصيان المدني، ثمّ ما أجاب به، أيضاً،إرث المهاتما غاندي العظيم حيثُ أُعْطِيَ عمل ثورو الفكريّ هذا عمقاً روحيّاً، أوّلاً، ثمّ اجتماعيّاً، من بعد ذلك (أو، علي الأدقِّ، مع ذلكَ )، ممّا كان له أثرٌ غيرُ منكورٍ في الواقع السياسيِّ العالميّ العريض وليس الهنديّ فحسب، ثمّ لنا أخيراً في ما فصّل فيه القول علي هذا السبيل الأستاذ والسّودانيِّ الشهيد محمود محمد طه ـ في مجمل ما كتبه عن الفرق بين القوة و العنف وعن الثورة الثقافية ـ تركةً سودانيّة حكيمةً وسديدة البصيرة، ومن شاءَ فليُراجع كلّ ذلك في مظانّه فلقد سئمنا من عديدِ الكتاباتِ الإنشائية عنا والإدانات التي لن تُجدي، معنا ومع من يتفهّمون أهدافنا، فتيلا.
    إبراهيم جعفر
    قيادي بالحركة الوطنية لشرق السودان



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\05\05-23\z...20دار%20الأرقم%20fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:41 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (4)

    2007/04/08

    حاوره: كمال حسن بخيتہ
    الدكتور منصور خالد مفكر وكاتب سوداني، غزير الانتاج خصوصا في شؤون السياسة، واستراتيجيات التنمية، ويملك قلما جزلا رشيقا مقروءا ومثيرا للجدل في آن واحد، وفضلا عن علمه وثقافته الموسوعية التي كثيرا ما يبهر بهما خصومه قبل مريديه وهم كثر في الجانبين ، فان الرجل خبير بخبايا واسرار وتطورات واشكالات السياسة السودانية التي خاض اتونها مفكرا ووزيرا ومعارضا شرسا لكنه في كل الاحوال كان دائما ولا يزال مشهودا له بالكفاءة.
    سطع نجمه عند العامة عندما تولي وزارة الشباب والرياضة في بداية العهد المايوي (نظام الرئيس الاسبق جعفر نميري) الا انه لدي خاصة المثقفين كان معروفا بينهم يتابعون انتاجه الفكري وكتاباته ومشاركاته في المؤتمرات الدولية، وما تنشره له الصحف من مقالات تحمل وجهة نظره وفكره. كان احد ابرز من تولوا مسؤولية وزارة الخارجية عندما كانت مايو في اوجها واعتبر حينذاك احد اعمدة النظام ومنظريه وفي العام 1979 انقلب د. منصور علي مايو بسبب اخطاء لم يتحملها ولا تتوافق مع ما يؤمن به من قيم وما يعتقد ويحمل من فكر وبدأ نقدها وتعريتها في كتابه (السودان والنفق المظلم)، ثم انضم الي الحركة الشعبية لتحرير السودان مستشارا سياسيا لجون قرنق ثلاثة عقود او اكثر. ظل د. منصور خالد شخصا مثيرا للجدل كسياسي وككاتب ومفكر متميز وجريء يختلف البعض حول افكاره وطروحاته لكن الجميع يعترف بقوة قلمه وجزالة تعبيره.
    ما هي علاقته بالامام عبد الرحمن المهدي والمحجوب وقبلهما عبدالله خليل؟ بمن تأثر في بدايات حياته وما هي الظروف التي اسهمت في تكوين شخصيته؟ وما علاقته بالنخبة او الصفوة؟... ما هو تأثير عمله بالامم المتحدة عليه، وماذا تركت الدراسة والعمل في الولايات المتحدة؟ كيف ينظر الي الداخل الي الصراع السياسي والبحث عن حل شامل واستقرار للسودان؟ ما هي المحددات التي يراها للسودان الجديد وماذا يأخذ علي قادة الاحزاب؟ وكيف يعيش حياته الخاصة؟ هذه الاسئلة وغيرها يجيب عنها د. منصور خالد في اول حوار معه يتطرق الي الخاص والعام في حياته.
    يكشف السياسي السوداني في ثنايا الحوار انه لم ينضم لأي حزب لأنه كان يهتم بالجانب الفكري الجدلي في السياسة وليس الجانب التنظيمي وان اهم منعطف في حياته هو انتقاله للعمل في الامم المتحدة ويكشف ان الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اضطر للاعتذار للسفير السوداني بعد ان اثار ازمة دبلوماسية صاخبة في واشنطن. هنا نص الحوار الذي اجريناه معه في القاهرة، وفي هذا الجزء من الحوار الاستثنائي معه يروي الدكتور منصور خالد ملابسات مشاركته في النظام المايوي، ما هي قناعاته التي دفعت به الي المشاركة؟ ما هي الإنجازات التي تحققت من وجهة نظره وما هي الإخفاقات؟ ثم لماذا خرج وعارض، ما هي الأسباب وكيف فسر ذلك مؤيدو النظام ومعارضوه؟ وقبل ذلك ما هي الظروف التي ولدت فيها مايو؟ ثم كيف انضم إلي الحركة الشعبية، وما هو تقييمه لدوره في الحركة ووجوده بها؟ ويجيب علي السؤال المهم: كيف انتقل من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار من المفكر المثقف الليبرالي إلي حركة بدأت ماركسية ذات اتجاه واحد؟
    وينتقل الدكتور منصور خالد في هذا الجزء إلي الحديث عن المفكر السوداني محمود محمد طه الذي اعدم شنقا علي يد نظام نميري وكيف قضي عشية الإعدام في داره في لندن التي تحولت إلي سرادق عزاء.

    مع حركة مايو واسبابها

    شاركت في نظام مايو ثم خرجت علي ذلك النظام ونقدته. حدثنا عن الدوافع والملابسات في المشاركة وفي المعارضة ؟
    تسألني عن مايو وفي حكايتنا، تلك فترة عامرة وتعيسة في آن. قلت رأيي في أوجه تعاستها، وأنا في قلبها دون ان أغمطها حقها. لم انتظر الساعة الحادية عشرة لانحاز الي جانب الشعب. صديقي الراحل الدكتور الزين النيل ـ عطر الله قبره ـ كان بارعا عندما كتب لي من قطر، عند نشر مقالاتي حول نظام مايو في صحيفة ( القبس) وهي المقالات التي أودعتها في كتاب (السودان والنفق المظلم)، كتب يقول (عفارم) لم تنتظر رحيل القائد لتخرج علينا بكتاب عن هذه المناسبة. اذكر فيها الزين الذي نشأ بيني وبينه ود وتقدير في مدرسة وادي سيدنا، كما اذكر شقيق روحه الدكتور حسن كشكش إذ قام كلاهما بتوزيع ذلك الكتاب في قطر حيث كانا يعملان. وعلي أي حال فقد أعلنت وما زلت أعلن بأني مسؤول عن كل ما دار في ذلك العهد، حتي فيما كان له فيه رأي نقيض، هذه مسؤولية أدبية وأخلاقية ولا مشاحة في ان يعترف المرء بأخطائه لان الاعتراف بالخطأ السابق في قول الشاعر ألكساندر بوب، يعني انك صرت أكثر حكمة.
    ماهي الأسباب التي تري انها كانت وراء مايو او عجلت بها ؟
    تجربة مايو لا يحكم عليها بمعزل عن الظروف التي ولدت فيها مايو ، ليس من فراغ. نزاعات الأحزاب كانت كصراع الديكة، دامية وعنيفة وكان أهل النظام بوعي بها. قال المحجوب لمايكل ستيورات وزير الخارجية البريطاني (ان الوضع في السودان سيقود إلي انقلاب عسكري في أسابيع إن لم تمد بريطانيا يد العون للسودان) راوي هذا الحديث هو صديق السودان والسودانيين غراهام توماس الذي رتب اللقاء. وقد أورد توماس الحديث في رسالة منه للسير جيمس روبرتسون نشرت في كتابه الذي صدر قبل بضعة أعوام وتضمن الرسائل المتبادلة بينه وبين روبرتسون، بيد ان مشكلة السودان يومذاك لم تكن هي الاقتصاد، وإنما كانت العوامل التي أدت إلي تدهور الاقتصاد. صراع الديكة وحرب الجنوب، الحرب كانت أكثر دموية وغباء من ذلك الصراع خاصة بعد ما توصل إليه الرأي المستنير من حلول لتلك الحرب عقب مؤتمر المائدة المستديرة. هذا هو البعد الداخلي، أما البعد الخارجي فهو هيمنة الفكــــر الشمولي علي المنطقة، الحزب الواحد، الاشتراكية العربية، الفكر القومي البعثي، الاشتراكية الإفريقية، بحزبها الواحد هي الاخري.
    هذا الواقع لم يلق بظلاله علي السودان فحسب، وإنما أناخ بكلكله عليه. هذه التجارب جميعها ثبت فشلها الا في بضع بلاد ما زالت تعيش خارج إطار التــاريخ المعاصر، ومع ذاك ما زال بعض الطاعنين في شمولية مايو يثابرون علي تمجيد ضلالات (شموليات أخري).
    إذا كان الواقع السياسي آنذاك والحالة الاقتصادية المتردية التي نبه إليها المحجوب ماذا قدمت مايو إذن لمواجهة ذلك ؟
    مايو أنجزت الكثير في ميدان التنمية المادية ـ طريق الخرطوم ـ بورتسودان، خط الأنابيب مصانع السكر و علي رأسها كنانة، جامعتا الجزيرة وجوبا، اكتشاف البترول إلي آخر القائمة. علي ان جميع هذه الإنجازات لم يكن يستأهل لتحقيقها إلغاء الديمقراطية والصـــــراع الدامي الذي صحب ذلك. علي ان إنجاز مايو الأكبر هو السلام بين الشمال والجنوب الذي نعم به السودان لعشر سنوات.
    إلي أين انتهي ذلك السلام؟ ألغاه نفس الرجل الذي أنجز في عهده، وما كان لحكـــــمه ان يستقر لولا الدفع الذي وجده من تحقيق الاتـــــفاق. لو كان مثل هذا الإنجاز قد تحقق في ظل نظام ديمقراطي مفتــــوح، فيه من الشـــــفافية بقدر ما فيه من المحاسبة لما جرؤ حاكم علي انتــــهاكه. الناقد الحصيف يتساءل لماذا استـــــطاع النظام الشمولي ان يحقـــق ما عجز عنه النظام الديمقراطي ؟
    الجواب هو عدم إدراك الحاكمين يومذاك للاولويات، فالصراع كان علي الديمقراطية بدون إدراك أن الديمقراطية والاستقرار السياسي سيظلان في كف عفريت ما دامت مشكلة الحرب معلقة. لو ادركوا تلك الأولوية ـ وتركوا الصراعات حول الحكم ـ لدامــــت الديمقراطية.
    مايو وضعت السلام علي رأس اولوياتها منذ تموز (يوليو) 1969ولكن بالقدر نفسه، رغم نجاح نظامها الشمولي باستقراره القمعي في حل المشكلة، فان طبيعته الشمولية اتاحــــت للذي يمسك بمفاتيح التحكم ان ينقــــض غزله بيده دون حسيب او رقيب. وعلنا اليوم بعد تجربة وبعد تجارب العالم التي تهاوت فيها الأنظمة الشمـــــولية من هانوي إلي الجزائر، ومن موسكو إلي بريتوريا أضحينا أكثر حكمة. وعل الله يهدينا أيضا إلي إدراك اولوياته حتي لا تــــقع واقعة ليس لها غير الله رافع. وقــــد أحسن التجـــمع مثلا عندما وضع قضية الحرب والسلام في قائمة اولوياته.

    عن الموقف السياسي

    ما زال موقفك السياسي يعتريه الغموض، أي انتقالك من منظر لنظام ديكتاتوري إلي داعية إلي الديمقراطية وحقوق الإنسان ومن العداء إلي الشيوعية واليسار عموما إلي قيادة (الحركة الشعبية لتحرير السودان) كيف تفسر تنقلك من موقف إلي آخر نقيض له تماما ؟
    سؤالك يحتاج إلي تفكيك، بل هو من الأسئلة التي تثير في المرء هرمون التوتر (الأدرينالين) فطريقة السؤال كثيرا ما تفرض الإجابة التي يبتغيها السائل، هذا أمر يصح في المحاكم، فقد تعلمت في تجاربي القانونية الا اوجه سؤالا للخصم لا اعرف جوابه، لان هدف المحامي هو إثبات واقعة يعرفها. اما بالسجال او الاستطلاع الفكري، فانا افكك السؤال لاكتشف او لاكشف عن التناقض الداخلي فيه وعن محتواه، وما ينبغي السائل او بالأحري من يعبر عنهم السائل. أنت مثلا تفسر عن الغموض بأنه الانتقال من رحاب التنظير لنظام مايو الدكتاتوري إلي الدعوة للديمقراطية وحقوق الإنسان. السؤال يفترض أيضا ان ثمة عداء فكريا بيني وبين الشيوعية واليسار عموما. ولهذا تعجب من انضمامي للحركة الشعبية التي تصنفها في خانة اليسار حسب نظرك:
    أولا: (دكتاتورية) مايو هذه تعود إلي اليوم الأول الذي خرج فيه (حارسنا وفارسنا) من الثكنات حتي انتهي إلي سدة الحكم وبدأت منذ أن تداعت (القوي الديمقراطية) جميعها إلي الميادين في 2 حزيران (يونيو) 1969لتبارك الوليد المايوي وتذود عنه بـ الروح والدم نفديك يا ثورتنا ، بين هؤلاء كان الشيوعي والبعثي والناصـــــري، ولعل البعثيين والناصريين هم الذين استــوردوا للسودان شعار (بالروح بالدم)، فان اختلف أي من هؤلاء مع نظام مايو لأنه انحرف من اليمين مع اليسار او انتقل من اعلي عليين إلي أسفل سافلين في تقديرهم فهذا لا يلغي الطبيعة (الدكتاتورية)، من البداية إلي النــهاية والدكتاتورية هي مناط اتهامك له.
    وبالتالي فان تصنيف اليسار واليمين هنا لا يعني شيئا مع ذلك علي المستوي الفكري، كانت مواقفي مع المدارس السياسية التي تحصر الإنسان في اطار مفهومي خانق هو الرفض الفكري، لا العداء، ولعل اللغة أيضا لها دور في تكييف نظرة المعلقين للأشياء، فالمقال السجالي يصور دوما في الصحافة العربية بلغة (شن فلان حملة عنيفة علي فلان) عقلية داحس والغبراء ما زالت تسيطر علي بعض الافهام.
    حسنا ما الذي يدفع المرء للانتقال من موقف إلي آخر مناقض له ؟
    تسأل عن القانون الذي يحكم الانتقال من موقع الي نقيضه ؟القانون هو التطور التاريخي، هو نمو الوعي، هو التحولات المستجدة، هو استكشاف خيبة التجارب الماضية. ولهذا يوجه مثل هذا السؤال ان كان ثمة سؤال عن الغموض الذي يكتنف المواقف ـ الي بوريس يلتسين أمين الحزب الشيوعي اللينيني لمدينة موسكو الذي صار داعية للديمقراطية وحقوق الإنسان، والي الناصريين أهل الحزب الطليعي الواحد الذين لا ترضيهم اليوم ديمقراطية مصر التعددية بما فيها من استقلال للقضاء وحريات للصحافة والنقابات، كما يوجه للبعثيين الذين انتقـــــلوا إلي مرابع التعـــددية. فانتقالي يا صديقي من مربـــع الي مربع كان منذ 1979 في مقالات لم يصدقها المعارضون فأسموها (مقالات مأذونة) ولم يقبلها رفاق مايو القدامي، إذ حسبوها زندقة. مثل هذا السؤال يعبر عن حيرة السائل.
    الاصطفائية في عرض الحقائق تعبر عن حيرة، فالسائل، فيما يبدو، مع الديمقراطية التعددية بلبراليتها السياسية ولكنه يتمني علي النفس اختزال ما يسميه قوي التخلف، وهو مع تحرير الاقتصاد ولكن ما زال به وله بالاشتراكية، عن تلك الحالة عبر الكاتب التونسي محمد الحداد يقول (انتقلنا من عهد النهضة إلي عهد الثورة، ومن عهد الثورة إلي عهد الحيرة).
    سؤالك الحقيقي عن الحركة الشعبية، واتجاوز من السؤال دلالاته المضمرة، فلو تحولت مثلا إلي حزب شمالي لما برز السؤال المضمر وهو كيف يجوز ان يلحق نفسه بحزب (العبيد) هذه هي الأوصاف التي تستحي من نفسها ولهذا يهمهم بها البعض في مجالسه الخاصة.
    دعني اقل لك بعد كل الذي قلت بأنني رجل متصالح مع نفسه، حريص علي مواريثه، مدرك لعبقرية بلاده المكانية والزمانية ، موضوعي في تقويمه للأفكار وللرجال، لا يري فيما جاء به البشر من فكر شيئا مطلقا او منزلا، كما لا يحكم علي الرجال بأصلهم وفصلهم وإنما برؤاهم وأفعالهم ، وشهادة الأفعال دوما اعدل من شهادات القال والرجال قال صديق شمالي لو جاء قرنق من ود الحداد لهرعنا جميعا إليه.
    ولو جاء من جبل الداير لحسبناه مهديا جديدا. هذه هي محنة السودان الحقيقية. دوري في الحركة ـ كما قلت ـ أن أنقذ بعض أهلي من أنفسهم، ولايظنّن احد ان بغيتي هي ان أكون حاكما للبحيرات. تسألني عن مستقبلي السياسي. مستقبلي الحياتي وليس السياسي فقط، رهين بسودان جديد مستقر، ولا استقرار الا بعد أن يتصالح السودان مع نفسه، فان لم يتحقق هذا فسيطول الأبد علي لبد.
    في تقديرنا السودان حقيقة جغرافية، نعني بذلك السودان الذي ارسي قواعده محمد علي باشا من التاكا وسواكن شرقا إلي دار فور غربا ومن غندوكرو جنوبا إلي حلف شمالا. وان كان السودان الجغرافي حقيقة فالسودان سياسي، خاصة فيما يتعلق بأمر شقه الجنوبي، وليس أدل علي ذلك من انه ظل متصارعا مع نفسه منذ الاستقلال في حروب ساخنة وباردة.
    سبب هذه الحروب هو العجز عن استيعاب معني الخصوصيات المثقلة التي ظـــــلت ترهق المجتمع السوداني من أقصــــاه إلي أقصاه ،العجز عن إدراك المعطيات الزمانية والمكانية والتاريخية يصبح مذهلا عندما نستذكر ان التوحيد بين شقي القطر ليس بمطلب جديــــد، بل كان واحدا من المطالب الرئيسية في مذكرة إبراهــــيم احمد. مذكرة المشكل عولجت بأسلوبين خاطئين، فعلي المستوي النــــظري كانت هناك استهانة بتلك الخصوصيات، وكان هنـــاك ظن بإمكانــــية إذابتها عبر القهر الثقافي لا المثاقفة الطبيعية، بالرغم من ان المثــاقفة كانت هي أداة تعريب الشمال كله.
    وقد جاء علي السودان حتي تراثه النوبي لونيته، وتراثه القبطي لنصرانيته، مثل ذلك التراث تتباهي به الأمم وتجليه علي العالمين. فالوثنية لم تدفع أهل مصر لاقتلاع آثار الفراعنة، والنصرانية لم تسقط الاخطل من ديوان العرب، ولم تمح اسم اسحق بن حنين من فهارس اعلامهم، ذلك نمط من الرجال تصدق عليه مقالة طه حسين عن احدهم: (هذا جاهل رضي بجهله ورضي جهله به).
    أما علي المستوي السياسي فكانت اداتنا هي التشاطر السياسي، ففي 12/12/1955 تجسدت استجابة احزاب الشمال كلها علي مطالبة ان يصحب اعلان الاستقلال اعلانا اخر بقيام نظام فيدرالي في اطار دولة موحدة في كلمات بسيطة: (سيؤخذ هذا الامر بعين الاعتبار عند وضع الدستور) احزاب الشمال التي ما زال بعض زعمائها يردد حتي اليوم (الجنوبيون عايزين شنو ؟) كانت تعرف حقا ما يريـــــدون، كما تعــــرف الطريق إلي الوحدة والســــلام والاستقرار منذ اليوم الأول.
    ويروي استانسلاوس بياساما في مذكراته التي نشرت بالسودان قبل بضعة أعوام قصة استدعاء عبد الرحمن المهدي له للقاء مع إسماعيل الأزهري وعبدا لله خليل وآخرين (وكان الأزهري رئيسا للحكومة القومية التي أعقبت الاستقلال وعبد الله خليل وزيرا للدفاع فيها) سأل الإمام عبد الرحمن استانسلاوس: (ما الذي يريده الجنوبيون ؟) قال استانسلاوس )نحن نطالب بنـــــظام فيدرالي ندير فيه شؤوننا الداخلية بأنفسنا في ظل سودان موحد) وكان للمهدي رد بليــــغ وتوجيه حاسم لأهل الحكم: (اذهبوا وأعطوهم ما يطالبون به، التركية لم تستطع قبرهم والإمـــام المهدي (أبوي) لم يستطع السيطرة عليهم، والإنكليز بالكاد حكموهم
    وحيث لم يعرف السودان حروبا باردة أو ساخنة كانت هناك استهانة بخصوصيات أخري، التهميش الاقتصادي في مناطق الشرق والغرب والوسط (جبال النوبة) وأعالي النيل الأزرق، تلك ظاهرة ذات جذور تحتاج إلي تفكيك، خاصة وقد كان الجنوب ـ غير المسلم يعاني من تهميش قصدي له من جانب الشمال المسلم. الفكرة خاطئة لان اقتصار التنمية علي الشريط النيلي أمر استوجبته في عهد الاستعمار اعتبارات تخص الاستعمار: توفر البنية التحتية في الشمال (السكك الحديدية والنقل النهري) التضاريس الجغرافية المواتية، القوي البشرية المؤهلة نسبيا، القرب من مراكز التصدير للخارج. تلك سياسة لم يستنكف الاستعمار عن الجهر بها. ففي واحدة من رسائل اللورد كرومر إبان الجلاء جاء فيها ان الحكومة ستمضي في تنمية الشمال في حين تقصر إنفاقها في الجنوب علي الاحتياجات الضرورية لصون الأمن وحفظ السلام.
    لهذا كانت مسؤولية الحاكمين في الشمال عن استشراء الحرب عظمية بسبب الحيلولة دون التمكين السياسي لأهل الجنوب في مطلع الاستقلال، و مسؤوليتهم اكبر في العجز عن توفير المناخ الصحي لتحقيق التمكين الاقتصادي للمهمشين علي امتداد القطر بسبب الإبقاء علي الخلل الهيكلي الموروث، ذلك الخلل ظل قائما حتي بعد أربعة عقود من الاستقلال مما جعل الحديث عن مسؤولية الاستعمار تكاد لا تخدع أحدا. وذريعة تسيء إلي من يتذرع بها، وأثبتت التجارب ان درجة الاستقرار الذي تتمتع به الدول حديثة العهد بالاستقلال رهين بدرجة معالجتها لمثل هذه الاختلالات عند الاستقلال.

    ليلة إعدام محمود محمد طه

    دهش كثيرون عندما كتب د.منصور عن الاخوان الجمهوريين في أواخر مايو، كيف بدأت علاقتك بالجمهوريين والي أين انتهت؟
    حركة الجمهوريون قادتني إليهم فحولة فكرية وخصائل شخصية، كثيرون كانوا يقدرون في الجمهوريين تلك الفحولة دون ان يشاركوهم الرأي، ناهيك عن الانضواء تحت تنظيمهم. من بين الخصائل التي حببتهم الي نفسي أدب الخطاب وتجويد الكتاب والتوافق المبهج بين السر والعلانية، ولربما كان مقتل محمود محمد علي يد نميري هو اكبر حدث حملني الي القطيعة البائنة معه.
    كنت في داري بلندن عشية إعدام الأستاذ أتابع ما يدور في السودان برفقة الحبيب الراحل الدكتور خليل عثمان والذي نمت بينه وبين الأستاذ علاقة وارفة، وتداعي علينا كثر لا يصدقون ما يسمعون: الأخ الراحل حسن بليل ، الأستاذ التجاني الكارب الأخ الراحل ابوبكر البشير الوقيع. قضينا ليلة محلوكة نسعي فيها بكل ما في وسعنا لحشد العالم لكي يقنع نميري بالكف عن السير في تنفيذ قراره. اتصلت بنائب الرئيس الاميركي جورج بوش، وسيمون تيل رئيسة البرلمان الاوربي، واحمد مختار امبو مدير اليونسكو والامير صدر الدين اغا خان في جنيف، والمستر ريتشارد لوس في البرلمان البريطاني، وكان لكل واحد من هؤلاء فضل علي السودان، وعلي النظام الذي يترأسه نميري شخصيا، الاجابة علي جميع هؤلاء كانت الرفض والتحايل، وضاعف من غضبي ما علمت به من بعد عن استهانة الرجل بكل الضغوط الاسرية عليه لكيما يقلع عن عدوانيته تلك، وفيما علمت ان رأس الرمح في تلك الضغوط الاسرية ـ الدكتور عبد السلام صالح ـ خرج غاضبا ومتوعدا ان لا يعود لدار نميري، وفي الصباح جاءنا الخبر الذي جعلنا جميعا نشرق بالدمع، حتي تحولت داري الي (بيت بكاء) لا ادري ما اصنع .
    احاول تهدئة خليل وهو ينشج بالبكاء كالطفل؟ ام اهدئ من روع ابي بكر صاحب القلب الذي قرضته الامراض ؟ ام اقول للتجاني حنانيك بعد ان فجعني بقوله (لم اكن اظن انه سيأتي علي حين من الدهر اقول فيه لا يشرفني ان اكون سودانيا الا اليوم)؟ ام انصرف عنهم جميعا لافعل ما افعله دوما في مثل هذه الحالات: اعتصر قلبي في وريقة؟ هؤلاء رجال لم يكونوا في يوم من الايام من منظومة الاخوان الجمهوريين، ما جمعهم بالاستاذ الشهيد هو رابطة الانسانية واحترام الفكر والمفكرين. كثيرون قد يقولون ان محمود لم يكن هو اول ضحية للنميري، فقد سبقته ضحايا لتحمل معه المسؤولية عما لحق بهـــــم ، بيد ان محمود لم يكن هو الامام الهادي الذي نازع نمـــيري السلطة، ولم يكن هو الشيوعيين الذين اتهموا ـ حقا وباطلا ـ بالانقلاب علي حكمه، واذلاله بحمله علي ان يخرج من داره خافر الرأس حافي القدمين، وليس هو قيادات الجبهة التي جيشت الجيوش للاطاحة بالحكم، جرم الرجل الذي لم يكن يحمل عصا يتوكأ عليها وهو الشيخ الذي انهكته السنون، انه ابدي الرأي في وريقة واحدة استنكر فيها ما يدور باسم الدين دون ان يصف السلطان بالبغي.
    وهو اقل ما كان يقتضيه المقام، تلك كانت هي القشة التي قسمت ظهر البعير وحملتني علي ان اقول: هذا جنون لا يستطيعه بشري الا بعون ربه. ولن يكون لي مع الرجل بعد اليوم لقاء حتي وان كان هو الممسك بمفاتيح الجنان




    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2007\04\04-08\0...20العربي%20%20(4)fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:43 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (اخيرة)

    09/04/2007

    حاوره: كمال حسن بخيتہ
    الدكتور منصور خالد مفكر وكاتب سوداني، غزير الانتاج خصوصا في شؤون السياسة، واستراتيجيات التنمية، ويملك قلما جزلا رشيقا مقروءا ومثيرا للجدل في آن واحد، وفضلا عن علمه وثقافته الموسوعية التي كثيرا ما يبهر بهما خصومه قبل مريديه وهم كثر في الجانبين، فان الرجل خبير بخبايا واسرار وتطورات واشكالات السياسة السودانية التي خاض اتونها مفكرا ووزيرا ومعارضا شرسا لكنه في كل الاحوال كان دائما ولا يزال مشهودا له بالكفاءة.
    سطع نجمه عند العامة عندما تولي وزارة الشباب والرياضة في بداية العهد المايوي (نظام الرئيس الاسبق جعفر نميري) الا انه لدي خاصة المثقفين كان معروفا بينهم يتابعون انتاجه الفكري وكتاباته ومشاركاته في المؤتمرات الدولية، وما تنشره له الصحف من مقالات تحمل وجهة نظره وفكره. كان احد ابرز من تولوا مسؤولية وزارة الخارجية عندما كانت مايو في اوجها واعتبر حينذاك احد اعمدة النظام ومنظريه وفي العام 1979 انقلب د. منصور علي مايو بسبب اخطاء لم يتحملها ولا تتوافق مع ما يؤمن به من قيم وما يعتقد ويحمل من فكر وبدأ نقدها وتعريتها في كتابه (السودان والنفق المظلم)، ثم انضم الي الحركة الشعبية لتحرير السودان مستشارا سياسيا لجون قرنق ثلاثة عقود او اكثر. ظل د. منصور خالد شخصا مثيرا للجدل كسياسي وككاتب ومفكر متميز وجريء يختلف البعض حول افكاره وطروحاته لكن الجميع يعترف بقوة قلمه وجزالة تعبيره.
    ما هي علاقته بالامام عبد الرحمن المهدي والمحجوب وقبلهما عبدالله خليل؟ بمن تأثر في بدايات حياته وما هي الظروف التي اسهمت في تكوين شخصيته؟ وما علاقته بالنخبة او الصفوة؟... ما هو تأثير عمله بالامم المتحدة عليه، وماذا تركت الدراسة والعمل في الولايات المتحدة؟ كيف ينظر الي الداخل الي الصراع السياسي والبحث عن حل شامل واستقرار للسودان؟ ما هي المحددات التي يراها للسودان الجديد وماذا يأخذ علي قادة الاحزاب؟ وكيف يعيش حياته الخاصة؟ هذه الاسئلة وغيرها يجيب عنها د. منصور خالد في اول حوار معه يتطرق الي الخاص والعام في حياته.
    يكشف السياسي السوداني في ثنايا الحوار انه لم ينضم لأي حزب لأنه كان يهتم بالجانب الفكري الجدلي في السياسة وليس الجانب التنظيمي، وان اهم منعطف في حياته هو انتقاله للعمل في الامم المتحدة، ويكشف ان الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اضطر للاعتذار للسفير السوداني بعد ان اثار ازمة دبلوماسية صاخبة في واشنطن. وفي هذا الجزء الاخير من الحوار الاستثنائي نحاول ان نسبر اغواره الخاصة، كيف يري مسيرة حياته وما هي اهتماماته الخاصة؟ نبهنا رثاؤه للفنان الراحل خوجلي عثمان الي الجانب الاخر من الدكتور. هل يستمع للغناء؟ هل احب ؟من هم اصدقاؤه واحباؤه الذين يصطفيهم ؟ وما موقعه من الذين يحرمون فن الغناء والرقص ؟ وكيف ينظر الي المرأة؟
    وفي ثنايا رده يقول: لو كان لي ان اعاود حياتي لحرصت علي ان اكون اقل اهتماما بالسياسة. ويضيف (ما اكثر الكبار من ورثة المرضي ممن لم ينعم الله عليهم بالستر من بهدلة الكبر). ويتحدث عن الغناء عند الراحل خوجلي عثمان فيقول انه كان يضفي علي حياتي نضارة يتباهج نوارها.
    ويقول الدكتور خالد للذين يمنعون الغناء: (احرقوا ديوان العرب ). ويتساءل مستنكرا: من اين أتي هؤلاء بتلك الطهرانية والسودان يمارس فيه الرقص المشترك؟
    نعلم انك انتبذت مكانا قصيا من مايو عام 1979وخرجت من السودان، وفي الخارج انتقدت مايو، وكتبت عن سلبياته، وحسبت معارضا لذلك النظام الا ان عودتك وزيارتك الخرطوم عقب انتفاضة ابريل اثارت زوبعة سياسية، طالب البعض فيها بمحاكمتك لانك كنت احد مفكري مايو، ماذا يقول د.منصور تجاه هذا الموقف وما هي تفاصيل تلك الزيارة؟
    ليس في الامر تفاصيل خافية، يا فتي الفتيان القصة اوردتها برمتها في كتاب النخبة . جئت الي السودان لغرض وخرجت منه بعد انتهاء ذلك الغرض، ولعلك تدرك بأنني في تلك اللحظة كنت اقوم بمهمة للامم المتحدة (اللجنة الدولية للبيئة والتنمية). ولهذا فلا سبيل لي ان ابقي بالسودان اكثر مما بقيت. جئت كما اوردت في الكتاب بدعوة من الاخوين امين مكي مدني وعمر عبد العاطي، هموم امين كانت تدور حول موضوع الجنوب وهموم عمر كانت تتعلق بما في يده من قضايا، ولربما رأي فيما نشرت ما يعين علي القاء اضواء كاشفة علي جوانب من تلك القضايا.وكان في استقبالي عند وصولي مندوب بعث به الاخ فارس حسن من المجلس العسكري.
    تشاورت مع من تشاورت معهم فيما أتيت من اجله، ولو كنت ابغي التخفي لما كان اول لقاء لي مع التلفزيون السوداني، ذهبت فيه الي حديث ناقد للاسلوب الذي انتهجه النظام يومذاك للاقتراب من مشكلة الجنوب، لا سيما قرار العودة الي اتفاق اديس ابابا ، في ذلك الحديث المتلفز قلت من الغريب حقا ان ينادي النظام، وقال علي وجه التحديد (اديس ابابا ماتت ودفنت)، وكان الخطاب قد اذيع عبر راديو الحركة الذي يسمعه العام والخاص، خلال يومين، فان لم يسمعه الذين يريدون حلا فهذا دليل علي عدم الجدية، وان سمعوه واغفلوه فذلك دليل علي الاستهانة.
    تلك مقدمة ضرورية ادلف منها لحديثك عن الاجواء السائدة يومذاك ضد منصور خالد والتي اقحم فيها العاملون بوزارة الخارجية دون سبب فالعاملون في اعلي مراقي الوزارة تلك كانوا من اقرب الناس الي واحبهم الي نفسي، و علي رأس اولئك السفير ابراهيم طه ايوب والسفير فاروق عبدالرحمن، الاجواء السائدة تآمرت علي خلقها اعتبارات عدة منها الفهم الخاطئ ومنها الحسد ومنها الهجوم الدفاعي.
    الانسان كائن غريب فمع ما حباه الله به من عقل لا يؤثرالتفكير الا بغريزته. ولا يحكم علي الوقائع والبشر الا بالانطباع ولا يري من الامور الا ظواهرها.ظننا في البيان والتبين الذي انبرينا له ما يوضح الامور لمن أخطأ الفهم. لا شك في ان هنالك من استدرك الخطأ بعد التمعن فيما كتبنا او عن طريق الحوار. اما من عجز وتعاجز عن الادراك لان عقله في اذنيه فقد تركناه وصحبه ينقون علي لا شيء كالضفادع في ظلمات الليل.
    صحيح ان نقيق الضفادع رتيب وسخيف، ولكنه لا يؤذي وعلي أي فكل هؤلاء قد عادوا بالخيبة من كل الغزوات ثم تفرقوا خدع مذع . الطائفة الثانية، طائفة غريبة فالحسد داء يبري جسم صاحبه ولا يضير المحسود في شيء. هؤلاء يحسبون ان النجاح لا يجني للمرء الا بفضل فرصة جاءت علي غير ميعاد فاهتبلها اهتبالا، ما دروا بأنا ظللنا، وما لبثنا ننهك اعيننا تحت اضواء المصابيح، تلك غواية لم تلجمنا عنها ـ بحمد الله ـ السنون. مفتاح النجاح يا صاحبي همة وجهد جهيد، ونحمد الله ان همتنا اعلي بكثير مما حققنا ودون ان يبلغ بنا الغرور ما بلغه بالمتنبي نقول معه واقفا تحت اخمص الانام.... اما الجهد الجهيد فسيبقي موصولا ما بقي فينا رمق .
    هذا عن اهل الهجوم الدفاعي الذين لم يرق لهم طرحي العقلاني لقضية المايوات الاربع. ومايو كم قلت ولا امل القول ليست هي نميري ولا الرواد وانما هي جموع المثقفين الذين تدافعوا اليها من كل حدب وصوب، ومن كل مدرسة او خلوة (فكرية) هذا تقرير للواقع لا تهمة ندفع بها احدا، خاصة وأنا واحد من هذه الجموع التي تدافعت لهذا لم اظن كما ظن البعض ان نيسان (ابريل) نهاية التاريخ ولهذا لم تفاجئني الانقاذ كما فاجأتهم.
    وعلي كل ليست هذه هي القضية. وانما القضية هي سيل الاتهام الجارف الذي لاحقنا به الي كوكدام من احكم الخصومة، حتي فيما لا علم له به. ابلغ رد علي اولئك هو حديث الاخ الراحل تون اروك تون : قال اروك (من النفاق بمكان ان تحتجوا علي وجود منصور خالد المايوي بين ظهرانينا، وهو الرجل ترك نظام نميري في عام 1979 في حين انكم نصبتم في الخرطوم رئيسا للسودان آخر وزير دفاع لنميري، وكان من كبار جيشه، قولوها صريحة ان الذي يؤذيكم هو وجود ود العرب هذا وسط العبيد) لم اقل كفي المؤمنين شر القتال، وانما نثرت كنانتي ووجهت ادني عيدانها صلابة لهؤلاء في كتاب النخبة ، فرادي ومجتمعين، تناولتهم كما تناول جرير خصومه، الاخطل والفرزدق.

    تقييم المسيرة

    من منظورك النقدي الراهن كيف تنظر الي مسيرة طبيعة حياتك؟
    احسبها طبيعية فكل مرحلة لها ظروفها وبواعثها ولربما لو كان لي ان اعاود حياتي من جديد لحرصت علي ان اكون اقل اهتماما بالسياسة لا سيما السياسة التي خبرتها بالسودان.
    خاصة في الحاضر اكثر منه في الماضي فأهل الماضي مع كل نقدي الاسترجاعي لممارستهم كان يردعهم خلق قويم حتي رحلوا عن الدنيا خفافا. كما كانوا ينأون عما يعيب. عن اولئك عبر الشيخ الصادق محمد احمد المرضي عندما شهد بعض صحبه يتساقطون في عهد عبود فقال قولة شهيرة : الله يسترنا من بهدلة الكبر .وما اكثر غيرهم من بلاطجة السياسة في احزاب اخري لا يحسن الواحد منهم الا الشر، مثله مثل عمرو بن العاص في قول عبدالله بن عباس: له يدان يد لا تنبسط بخير ويد لا تكف عن شر . هذا دون ان تكون لذلك الشرير بلاغة عمرو او دهاؤه الا ان حسبنا التشاطر البدائي ، دهاء سياسيا. هذا البعض يصدق عليه كثيرا قول الرئيس ريغان (السياسة هي ثاني اقدم مهنة) في التاريخ ومن تجربتي الخاصة بين المهنة الاولي والمهنة الثانية وجه شبه كبير.

    الفن والغناء

    كان امرا ملفتا عندما كتبت عن الفنان الراحل خوجلي عثمان مما بيّن ان لك علاقة وثيقة بمحيط الفن والفنانين. كيف تنظرالي موقع الفن ودوره في الحياة ؟
    صحيح كتاباتي عن خوجلي، كانت تعبيرا عن الحزن علي فقد صديق وديع باسلوب جائر وهمجي، كما كانوا ـ و مازال بعضهم ـ يضفون علي حياتي نضارة يتباهج نوارها، اما اكثرهم قربا لي فكان ابو داؤود ورفيقه برعي دفع الله، وخله الوفي علي المك. الفن الغنائي كما قلت واقول لعب دورا في توحيد اهل السودان لم تلعبه السياسة، والفن وحد الوجدان، والسياسة كما عرفناها عملت علي انشطاره. رويت من قبل قصة الحارس الذي يرافق قرنق. فتي من بور لا احسبه قد زار الخرطوم، كان يجلس في ركنه القصي يستمع لاغنية شدت انتباهي، فسألته من أي مكان جاء الفنان؟ قال حيدر بورتسودان، قلت لنفسي فوق كل ذي علم عليم، فما عرفت قبـــلها ان بورتسودان قد انجبت لها حيدرا فهذا الفـــــتي نموذج لكثير غيره في الشرق والغرب والجنوب، وحد الغناء وجدانهم، الغناء السوداني، لا الغناء العربي او الافريقي.
    ما هو رأيك في المواقف التي تعارض الفن، وتعمل علي قمعه خاصة فني الغناء والرقص في السودان؟
    سؤالك هذا يعود بي الي ما كتبت في رثاء خوجلي، بل رثاء الغناء السوداني كله بعد ما اصابه علي يد مهووسين سعوا لتمزيق اوصاله باسم الفضيلة والطهرانية، لهؤلاء قلت احرقوا ديوان العرب كله بما فيه من خمريات، اذ لم يبلغ أي واحد من شعراء الغناء السوداني في تشبيبه وخمرياته ما بلغه امرؤ القيس وابو نواس وبشار، وحتي ما يسمونه الرقص المختلط لا يسميه هكذا الا اصحاب العقول المخلاطة ، اسمه الرقص المشترك، ففكرة الاختلاط تعكس النظرة الدونية للمرأة، عند هؤلاء الرجل له المقام الاول حتي وان كان تيسا اقم (أي بدون قرون) والمرأة دونه حتي وان كانت في أدب مي زيادة وفدوي طوقان، تلك وايم الحق قسمة ضيزي .
    أسأل من اين اتي هؤلاء بتلك الطهرانية؟ امن السودان الذي يمارس فيه الرقص المشترك، النوبيون والمسيرية والشايقية في الشمال كما الزاندي والدينكا والاشولي في الجنوب ؟ او اتوا به من المواريث العربية -الاسلامية القصية، وهي التي عرفت الحرائر اللائي امتهن بعضهن البروز للرجال لمطارحتهم في الشعر، مثل سكينة بنت الحسين بن علي، او الغناء مثل عبلة بنت الخليفة المهدي العباسي، (عباسيو) السودان يريدون ان يكونوا اكثر هاشمية من حفيده علي، واكثر عباسية من حفيده عبدالله بن عباس. هذا طموح غريب وعملاق، وكلما امعنت النظر في مثل هذه الممارسات اقتنعت بأن اخوتنا هؤلاء لا يريدون للسودان بعد خمسة عشر قرنا من الهجرة الا ان تحكمه قريش كما قلت، هذا طموح آخر لم يذهب اليه عجيب المانجلك او عدلان.
    وكان السودان في عهدهما حديث عهد بالاسلام، من حقنا بالطبع ان نفاخر بالماضي التليد وان نستلهم منه العبر والدروس علي ان نستذكر ايضا ان ذلك الماضي كان مدركا لواقعه، ولهذا كان اكثر ثباتا في اطاره التاريخي، واذ نجيء اليوم لنمزق اوصال ذلك الماضي وننتقي منه ما نشاء لنفرضه علي واقع غير واقعه، ننتهي لا محالة الي مسخ الماضي التليد الي حاضر بليد.
    للمفكرين والساسة حياة خاصة يدور الكثير من القيل والقال حولها. بعضهم يحيطها بسياج وبعضهم يكشفها، بل يكتبها وينشرها للناس. حياتك الخاصة هل يمكن ان تكون موضوعا في كتاب ثم لماذا يكون الحب والموسيقي والغناء ـ عادة من اعمدة تلك الحياة ما موقع الحب في حياتك؟ هل احببت او انجرحت ؟ وهل ثمة فرق بين الحب في الخرطوم وفي بلاد برة؟
    بالطبع لكل منا حياته الخاصة التي لا يشاركه فيها الا من لا يريد لهم او لهن ان يشاركوه، وبالتالي لا يمكن ان تكون موضوعا يجلي علي عامة الناس ولعل هذا بجانب خشية الزهو هو الذي يحملني علي عدم الانصياع لمن يدعوني لتسجيل سيرة ذاتية. لو فعلت لقادتني الأمانة الفكرية لان اقول ما لا اريد قوله لعامة الناس، اولا لانه لا يعنيهم، وثانيا لأنه يتناول اخرين ربما لا يريدون لشؤونهم ان تكون مضغة في الافواه. قرأت الكثير من السير الذاتية وراعتني في بعضها صراحة كتابها، مثل الشيخ بابكر بدري الذي اورد ادق اسرار اسرته في مذكراته، وسعد زغلول الذي لم يستنكف الحديث عن ولعه بالمقامرة، وعن مجالس القمار التي كان يرتادها.
    هذا كان من امر الشأن الخاص، اما في العام فأنا متضامن مع نفسي، ولا ازدواجية في شخصيتي، هناك درس تعلمته من الاستاذ محمود محمد طه، وكنت اسعي اليه دوما للحوار معه حول بعض آرائه في القضايا العامة، سألته يوما عن اسس اصطفائه للاخ الجمهوري قال : ان يكون متمكنا من مهنته، لان الذي لا يفلح في مهنته لن يفلح في اقناع الاخرين بأي شيء اخر، وان يجيد التعبير عن نفسه، ويملك القدرة علي ضبط النفس وحسن الاستماع للآخر، لا يستفز ولا يستفز، اهم من هذا ان لايفعل في السر ما يستحي من فعله في العلانية، هذا ما اعنيه بالصدق مع النفس والطمأنينة الداخلية.

    الحب

    اقترب من سؤالك عن الحب بجانب الغناء والموسيقي، ثم سؤالك هل احببت ؟ السؤال الاخير من نوع الاسئلة التي يواجهها الصحافيون لراغب علامة وديانا حداد، فلتتجه به لهما او لاضرابهما. دعني اتناول الامر تناولا فلسفيا، القيم المطلقة عن الفلاسفة الاغريق ثلاث الحق والخير والجمال، والجمال هو الصفة المميزة، يلحظها المرء فتبعث في نفسه الرضا والبهجة، ولعل هذا يكون اكثر ما يكون في الطبيعة والمرأة، ووحدهما اللتان يلجأ اليهما الانسان هروبا من تعب الحياة. انا اهوي الطبيعة بتنوعها البيولوجي الخلاق، واهوي النبات بصورة خاصة، ولهذا احيط به نفسي في الدار والمكتب. النبات هو المخلوق الوحيد غير الجاحد، يعطيك بقدر ما تعطيه بل أكثر مما تعطيه. ليس هذا هو حال الحيوان، فقد يعضك كلب، وليس هو حال الانسان ـ بل أكون اكثر صدقا لو قلت ان الكلاب افضل من بعض الرجال بكثير وللامام الطبراني صاحب الكبير والاوسط في هذا المقال: ان الناس مسخوا خنازير فمن وجد كلبا فليتمسك به .
    اري المرأة اكثر تعبيرا عن انسانية الانسان، لان الانسان يخرج منها ولهذا فهي اكثر التصاقا به، وتقديرا له وتعبيرا عنه. لن اتركك دون حديث عن الحب، الحب عندما ينبثق لا يخضع للتنظير، رغم كل سياحتي الفكرية هذه، عنه قالت عبلة بنت الخليفة المهدي، وهي التي خبرت الحب وتغنت به: ليس امر الهوي بخطب يسير، انما الامر في الهوي خطرات محدثات، الامور بعد الامور، ثم نتساءل عن جراح القلب. وصورته في الاغنية السودانية وعن الحب في بلاد برة الحب لا وطن له، فالناس في هذا سواء، اما الجراح ـ كانت عند المحدثين مثل قولهم تجربتي ليه وانا كلي جراح ، او من سبقهم مثل قول القائل غور يا جرح ـ فتلك صورة خاطئة، ولعل لديوان العرب أثرا فيها، فسهام الحب حميمة وخز ولكنها لا تؤذي، لان الوخز طعن غير نافذ.



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=\today\08z70.ht...عربي%20%20(اخيرة)fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 04:00 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عبدالله عثمان
    - التسامح
    كتب الدكتور منصور خالد في كتابه ( النخبة السودانية وادمان الفشل- الجزء الثاني) مايلي " شهدنا في الفصل الماضي ما بلغه نظام النميري من ضعف رغم كل مظاهر الجبروت، وما انتهى إليه من زراية رغم كل مظاهر القداسة، منخوراً كمنسأة سليمان أصبح . فمنذا الذي يقدم على لكز الهيكل المتهافت؟ ومنذا الذي يتقدم لإزالة التمثال من قاعدته ومنذا الذي، كما يقولون، يجرأ على تعليق الجرس في رقبة القط؟ فمع كل عوامل ضعف النظام التي كانت بادية للعيان استمر خصوم النظام يتجادلون ويتصارعون في أمور ، حتى وإن افترضنا أهميتها النظرية ، إلا أنها كانت غير ذات موضوع في تلك الساعة . أشبه بفقهاء الزمان القديم كانو يتجادلون حول الملائكة : أذكور أم إناث في الوقت الذي كان يقضم فيه الطاعون كل من حولهم . والطاعون أرأف حالاً مما كان عليه أهل السودان في زمن الطوارئ كان الكل يترقب حدثاً من السماء في حين كان الوضع في انتظار سيراجيفوه أو قل تيموشواراه، سيراجيفو أو تيموشوارا كانت هي اغتيال محمود محمد طه ، الحدث الذي طعن السودان في خاصرته ، وطعن أهل السودان في واحدة من أمجد خصائصهم التسامح .
    عبدالله عثمان جامعة أوهايو




    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=\today\08z70.ht...عربي%20%20(اخيرة)fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 04:00 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عن الشيخ الترابي وخصومه مرة أخري: حرية التفكير وحرية التكفير ومعالجة الأمية

    2006/05/23

    صدق بعض ما تخوفت منه حين عالجت قبل حوالي الشهر في هذا الموقع الجدل الذي أثارته فتاوي الشيخ حسن الترابي القديمة المتجددة، حين أشرت إلي أن القضية معقدة وأحلت إلي تناولي لها في مكانها بشكل معمق باعتبارها تحدياً يواجه الفكر الإسلامي الحديث برمته، وهو ما لا تفي به التعليقات المختصرة من مثل ما تسمح به المساحة هنا واهتمامات القارئ غير المتخصص. ولكن هذا بالطبع لا يبرر الفهم المبتسر لما قيل فعلاً، خاصة من بعض من يظن بهم أنهم من أهل التخصص، ولا بعض اللبس الذي وقع فيه البعض، خاصة حين حاولوا تحويل النقاش إلي سجال حول آراء العبد الفقير إلي مولاه ومواقفه السياسية. ولا شك أنه مما يرضي غرور الكاتب أن يعتقد المعلقون بأن مناقشة آرائه هو تعادل في أهميتها مناقشة الموضوع تحت النظر، وهو آراء الشيخ الترابي.
    ولكن النقاش يتحول إلي إشكال في ظل الأمية الاختيارية التي فرضها البعض علي أنفسهم. أحد الكتاب مثلاً كرر وصفي بـ صاحب كتاب الثورة الترابية (ويقصد بالطبع كتاب ثورة الترابي: الإسلام والسلطة في السودان الذي صدر بالإنكليزية عام 1991)، مما يعني أنه لم يطلع حتي علي غلاف الكتاب فضلاً عن أن يكون قرأه. وهو بالطبع ليست لديه أدني فكرة عن الكتاب الذي كان ملخصاً لرسالة دكتوراه قدمت في جامعة غربية وكان المشرف عليها أستاذاً خبيراً بشؤون السودان غير معروف عنه أي تعاطف مع الحركة الإسلامية. فهي بالتالي نظرة موضوعية نقدية لتاريخ ومواقف الحركة الإسلامية السودانية تتسق تماماً مع مواقفنا المعروفة المنشورة في مئات المقالات في مجلة آرابيا وعلي صفحات القدس العربي وفي كتب ومجلات أكاديمية تسد الأفق.
    وبالتالي فإن تكرار الحديث بأن العبد الفقير إلي مولاه يواجه محنة أو مأزقاً بسبب التدهور الذي أصاب الحركة الإسلامية عامة والسودانية خصوصاً يعكس محنة ومأزق من فرضوا علي نفسهم الأمية ويريدون كما كررت سابقاً للكاتب أن يكتب ثم يقرأ نيابة عنهم، وهو دور للأسف لا نملك الوقت ولا الرغبة في القيام به. فلسنا وكلاء عن من فرضوا علي أنفسهم الأمية، خاصة في عصر الانترنيت الذي يكفي أن تجري البحث فيه عن اسم كاتب فتردك آلاف الصفحات عما كتب وما كتب عنه بكل اللغات. ونحن ننصح هؤلاء الإخوة بمداواة أميتهم بشيء من القراءة، أو أن يسألوا أهل الذكر كما يفعل الأميون الذين يحترمون أنفسهم قبل أن يخوضوا فيما ليس لهم به علم.
    القضية الأساسية التي أردنا معالجتها (وظللنا نعالجها من زوايا مختلفة لأكثر من أربعة عقود) هي المتعلقة بالفكر الإسلامي المعاصر، وهي أنه فكر يستصحب الحداثة والعقلانية الأوروبية المعاصرة في نظرته للتراث الإسلامي. والفرق بين الإسلاميين وخصومهم من العلمانيين هو أن الأخيرين يحاكمون التراث الإسلامي إلي التراث الحداثي الغربي، بينما يتخذ الإسلاميون موقف الدفاع عن التراث الإسلامي عبر محاولة المواءمة بينه وبين ما يصعب رده من مقتضيات الحداثة. ولكن موقف الإسلاميين الدفاعي يختلف أيضاً عن موقف التقليديين الذين يماثلونهم في بناء الخنادق الدفاعية في أن الحركات الإسلامية تحتضن بعض مظاهر الحداثة، بل تعتبر نتاجاً لها، وترفض بعض توجهات التقليديين المحافظة.
    هناك إذن فروق مهمة ولكنها قد تكون دقيقة بين الإسلاميين والعلمانيين والتقليديين، وتداخل كذلك بين هذه التيارات. وقطب الرحي في هذه العلاقة هم الإسلاميون، الذين يقاتلون في معركتين. فهم يشتبكون مع التقليديين علي أرضية الفكر الإسلامي وتأويل النصوص، ومع العلمانيين علي أرضية الحداثة وانتقاد أفكار وعقائد الحداثة من ماركسية وليبرالية وغيرها. وقد نتج عن هذا بعض الظواهر المثيرة للاهتمام، خاصة ما شهدناه في السودان وغيره من تحالفات بين العلمانيين والتقليديين ضد الإسلاميين، وهو مشهد تكرر في مناطق أخري. وبالمثل فإن التداخل بين هذه الفئات يجعل من الصعب القول أين يبدأ كل اتجاه وأين ينتهي الآخر. فهناك تقليديون ـ إسلاميون، وإسلاميون ـ تقليديون، كما نجد إسلاميين يقتربون كثيراً من العلمانيين. ويظهر هذا من الجدل المستمر حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية والتركي حزباً إسلامياً أم حزباً محافظاً تقليدياً. فقيادة الحزب تؤكد بدون مواربة أن الحزب علماني ليبرالي، بينما خصومه يتهمونه بأنه إسلامي يكتم إيمانه. ويبدو هنا أن القضية هي بالنوايا وما في القلوب.
    ولعل هذا هو لب القضية. فالخلاف بين الإسلاميين وخصومهم يتمحور حول الاجتهاد في إحياء تعاليم الإسلام وتوسيع العمل بها، مقابل الإعراض عنها أو التخفف منها بأكبر قدر ممكن. بمعني آخر الأمر يتعلق بخلاف بين من يريد اتباع الحد الأقصي من تعاليم الدين في ظل الحداثة مقابل من يريد اتباع الحد الأدني أو عدم اتباع أي شيء. وإذا كان هناك تداخل بين من يريدون المحافظة علي أكبر قدر من تعاليم الإسلام وبين من يريدون الأقل، فإن هناك بالطبع فرقاً واضحاً بين من يضعون أنفسهم في خندق الدفاع عن قيم الإسلام وتعاليمه، وبين من ينصبون المدافع لقصفه.
    ومن هذا المنطلق فإن الضجة التي ثارت حول أفكار الترابي التي طرحها مؤخراً تتعلق بمحاولة إعادة تصنيفه. فخصومه من التقليديين يرون أنه تحول إلي معسكر من يريد التخفف من كل ما يمكن التخفف منه من تعاليم الإسلام، بينما خصومه من العلمانيين رحبوا بما رأوا أنه اقتراب من معسكرهم، مع المطالبة بالمزيد، وخاصة التبرؤ من بعض مواقفه السابقة. وقد بلغ الأمر ببعض خصوم الترابي من التقليديين أن ذهبوا إلي تكفيره وإخراجه من الملة.
    وكنت قد كتبت قبل أكثر من عامين مقالة في القدس العربي رداً علي ما أورده بعض الكتاب السلفيين من زعم بأن الشيخ الترابي كان يبطن الكفر ويفتقد الإخلاص للإسلام، وهي دعوي تخالف ما عليه الرجل من تاريخ في المنافحة عن الإسلام والتضحيات في هذا السبيل، ناهيك عن ما هو معروف عنه من تمسك بتعاليم الدين في سلوكه الشخصي. وليس هناك علي كل حال ما يغري من لديه ضعف في الالتزام الديني أن يتظاهر بغير ذلك في عصر ما يزال القابض فيه علي دينه كالقابض علي الجمر، ناهيك أن يتصدي ذلك الشخص لقيادة معركة إحياء الدين.
    من هنا فإن من قادوا حملة تكفير الشيخ الترابي لم يحالفهم التوفيق. فإنه يحق لمن شاء أن يخالف الترابي اجتهاداته، ولكن لا يحق لهم التشكيك في عقيدته ونياته. ولا علاقة لهذا بما ذهب إليه البعض (عمر القراي في جريدة الصحافة علي سبيل المثال) من أن التكفير اعتداء علي حرية التعبير. فالقراي هنا يناقض نفسه حين يدافع عن حرية التعبير بينما يهاجم الذين يعبرون عن رأيهم الديني. فكما أشرت أيضاً في مقالة سابقة في القدس العربي فإن حرية التفكير تستتبع حرية التكفير. ذلك أن توضيح أسس العقيدة في كل دين يشتمل علي تحديد للإطار الذي يحدد حدود العقيدة وما هو داخلها وما هو خارجها. فأنظمة اللاهوت كما يقول محمد أركون هي نظم من الإقصاء المتبادل. والقائمون علي كل ملة من العلماء وغيرهم يرون أن من واجبهم التنبيه إلي ما يرونه خروجاً علي أسس العقيدة.
    وحدود كل ملة أو جماعة دينية تتحدد من داخلها وعبر الحوار (وحتي الاقتتال) بين أفرادها. ولكن لا توجد سلطة خارج الجماعة تحدد هذا الأمر. فالعقيدة الإسلامية هي ما تواضع عليه المسلمون وتوارثوه، كما أن اللغة العربية هي ما تحدث به العرب. علي سبيل المثال نحن معشر المسلمين نعتقد أننا مسيحيون أكثر من المسيحيين، وموسويون أكثر من اليهود، وأننا نمتلك الحقيقة النهائية حول طبيعة المسيح عليه السلام ورسالته. ولكن هذا لا يجعلنا مسيحيين أو يهوداً، لأن تعريف من هو مسيحي أو يهودي حسب أهل هذه الملل يستبعد من يقولون بقولنا عن المسيح، أو من يؤمن مثلنا بنبوة محمد صلي الله عليه وسلم. وبالمثل فإن من جاء بفهم جديد للإسلام يناقض ما تواضع عليه المسلمون (بغض النظر عن صحة مقولته أو عدمها) يقف خارج أرضية الإسلام بتعريفه المقبول. ومن حق من يري ممارسات تقع خارج سياج الملة أن يعلن ذلك، بل من واجبه. ولكن هذا حق وواجب يجب أن يستخدم بمسؤولية وحذر، لأنه قد يرتد علي من يمارسه كما جاء في الحديث.
    وليست لدي أي رغبة في الدخول في جدل لاهوتي حول صحة مذاهب بعينها، وخاصة حول الفكرة الجمهورية. ولكن الأخ القراي قد أراحني من ذلك حين رد علي نفسه بنفسه (كما فعل حين ناقض نفسه في أمر حرية التعبير) إذ أعطي نموذجا لهذا الفكر في تعليقه علي حديث تأبير النخل الذي فهمه المسلمون عبر العصور علي أنه كان حالة عبر فيها الرسول صلي الله عليه وسلم عن رأي في أمر دنيوي ثم رجع عنه بعد أن اكتشف أنه كان علي خطأ. وبحسب القراي فإننا والصحابة وكل أجيال المسلمين السابقة علي خطأ، بل وأسأنا الأدب مع الرسول صلي الله عليه وسلم حين اتهمناه بالجهل بأمر تلقيح النخل وهو ابن الصحراء. فالحقيقة هي أن الرسول كان يدعو صحابته الي مستوي رفيع من التوكل، حين دعاهم لاسقاط الاسباب، اعتماداً علي الله، وتوكلاً عليه، فقال لو لم تلقحوه لاثمر ، لان الله في الحقيقة، هو سبب الاثمار وليس التلقيح .. ولكن الاصحاب، لم يحققوا هذا المستوي من التوكل، فلم يثمر النخل .. ولهذا دعاهم مرة اخري، الي الاسباب، حين قال اذهبوا انتم اعلم بشؤون دنياكم !! أي ان دنياكم دنيا اسباب، ولهذا اذا لم تؤدوا الاسباب، سوف لن تجدوا نتائج، الا اذا ارتفعتم من الاسباب، الي رب الاسباب .
    هذا الفهم غاب كما ذكرنا عن كل أجيال المسلمين حتي فتح الله به علي القراي وشيخه بوحي منه، حيث لا توجد وسيلة اتصال أخري مباشرة ليصحح بها الرسول هذا الفهم الخاطئ. وهذا يعني أن الرسول صلي الله عليه وسلم كتم الرسالة وغش المسلمين حين لم يوضح لهم الأمر بهذه الصورة، وهي تهمة أسوأ بكثير من الجهل بإجراءات تلقيح النخل، مع العلم بأن معظم النباتات التي تحتاج إلي تلقيح تثمر بدون تلقيح بشري بسبب الرياح أو الطيور والحشرات وغيرها.
    وبالعودة إلي مسألة حرية التعبير فإن القبول بمبدأ حرية التعبير لا يعني الموافقة علي كل ما يقال، مثلما أن الاستشهاد بآية من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر لا يعني أن الكفر والإيمان سواء عندالله تعالي! فالذي يستمع للبعض هذه الأيام يكون معذوراً لو ظن أن الكفر مما يسمح به الله تعالي بل يدعو له! فعلي سبيل المثال نحن خالفنا إخواننا المسلمين هنا في بريطانيا حين طالبوا بإسكات سلمان رشدي، في الوقت الذي ندين فيه أشد الإدانة ما كتبه من إسفاف متعمد.
    تلخيصاً نقول إن القضية المحورية في الجدل الذي ثار أخيراً حول فتاوي الشيخ الترابي ليست هي قضية حرية الرأي، وهي مسألة مفروغ منها، وليست قضية إيمان الترابي من كفره. وليست هي من باب أولي قضية مواقف العبد الفقير إلي مولاه السياسية. القضية هي أكبر من كل ذلك، وهي الموقف من الوحي والعلاقة معه، وما هي مكانة العقل الإنساني في التلقي والتأويل، وكيفية التوفيق بين الكرامة التي أسبغها الله تعالي علي الإنسان وما وهبه من حرية وعقل، وما طلبه من الإنسان من طاعة وامتثال لما أمر به. وكل هذه أمور تستدعي تفكيراً متعمقاً من أهل الشأن بعيداً عن مكايد السياسة وطائفية المذاهب والأحزاب.



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\05\05-23\q...0ومعالجة%20الأميةfff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 04:02 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    اجتهادات الشيخ الترابي... عَوْدٌ عَليَ بدءِ

    2006/01/14

    المحبوب عبد السلام
    منذ عقود ظل الشيخ الترابي يطرح رؤيته في تجديد الفكر الاسلامي وفق اطار كلي أصولي، أتاحته له ثقافته الفقهية الشاملة وتخصصه في القانون الدستوري المقارن وعمله السياسي الناشط في مجالاتها كافة. فهو صاحب رؤية متكاملة في تجديد علم أصول الأحكام أو (أصول الفقه) كما يسميه الدارسون، لم تكن تتيسر له لولا نشأته الخاصة وخبرته الواسعة وخلواته الممتدة في أغوار المحابس والسجون، وهو أمر لم يتجدد في التاريخ الاسلامي منذ الامام الشاطبي (صاحب الموافقات)، اذ قدم أطروحته المتكاملة في الأصول منذ عام 1977 وظل يعبر عنها في جملة مساهماته النظرية والعملية: (قضايا الوحدة والحرية 1980، تجديد أصول الفقه 1981، تجديد الفكر الاسلامي 1982، الأشكال الناظمة لدولة اسلامية معاصرة (قطر 1982)، تجديد الدين 1984، منهجية التشريع 1987 وعلي ذات منهجه الذي يؤصل الشوري سبيلاً للعلم، فقد بسط أطروحته في (تجديد أصول فقه الأحكام) علي جملة من العلماء والمختصين إبان توليه منصب وزير العدل 1979 ـ 1983، وظلت الحلقات تعقد بمكتبه بديوان النائب العام وتدير المداولة والحوار حول المراجعة الشاملة للأصول التي حوتها 80 صفحة خرجت من سجن كوبر بعد سنوات الاطلاع والمدارسة والحوار في الداخل.
    ومهما تكن تلك الأطروحة ملتزمة مناهج الأصول ومصطلحات الفقه والقانون فان جذورها ممتدة في عبرة سيرة التاريخ الاسلامي وأصول دورة الاحياء والبعث ثم الخمول والموت أو النهضة والفترة، التي توالت علي المسلمين في الفكر والعمل منذ ميلاد الرسالة وحتي اخر أجيال المسلمين، بل وتقارن ذلك الي دورة تاريخ التجديد والبـلـَي في سيرة مشهور الأديان الكتابية السماوية لا سيما عبرة تاريخ اليهود والنصاري علي سنة القرآن الذي يكاثف ذكرها تصويباً لجليل موعظتها.

    الاجتهاد وحركة البعث المعاصرة

    فالاجتهاد في الأصول ـ فضلاً عن الفروع ـ هو ما دعي اليه غالب علماء حركة الدعوة والبعث المعاصرة، وصدر عنهم بذلك كثير من المساهمات والأطروحات، وخصصت الأعداد الأولي من مجلة المسلم المعاصر التي استهلت صدورها عام 1980 في الدعوة لهذا الهدف الكبير وجاءت الدعوة بأقلام أكبر الرموز (يوسف القرضاوي، جمال الدين عطية، محيي الدين عطية، أحمد كمال أبو المجد، عبد الحليم أحمد أبو شقة... الخ)، الا أن الدكتور حسن الترابي ظل أكثرهم مقاربة لهذه الدعوة وأوسعهم شمولاً وتأصيلاً لمواضيعها.
    واذا كان لكل فكرة سياقٌ ومناسبة يخل بها ويضرها أن تبتر عنه أو تجرد منه أو تؤخذ الي سياق اخر، فان الأفكار الأصولية يسيئها ويخل بها مرض التنطع والتفريع والتجزئة الذي أصاب المسلمين ـ كما أصاب اليهود والنصاري ـ، وتعرضت ـ بوجه خاص ـ مساهمات الشيخ الترابي واجتهاداته الكبيرة لكثير من التشويه بأسباب من هذه الأدواء، التي قد تتوهم الخطر الأكبر في الصغائر والفروع لاختلال فقه الأولويات عندها، أو التي تتنطع بدوافع ونيات يشوبها في الغالب خطل عظيم، اذ تخلط المواقف الاجتماعية والسياسية التي تميز بين المفكر الذي يبسط اجتهاده العلمي للمداولة الحرة والرأي المسؤول وبين قائد الحركة السياسية الذي يلتزم مواقف حزبه كما يلتزمها سائر الأعضاء، ولا تلزم اراؤه الفكرية حزبه ولوكان حزباً اسلامياً يوحد السياسة الي سائر شعاب الايمان، بل ان الحرب السياسية قد تدفع بدوائر الاستخبار المغلقة عن سعة حركة الفكر والحوار والاجتهاد الحر لِتـُخَلـِط الأحاديث العلمية ولو مشفوعة بِأسماء منسوبة الي المشيخة والعلم ولكنها مسكونة بالغيرة والحسد وعقد النقص وشهوات الشهرة والرئاسة والجاه. كما محض الغزالي الامام مجلده الأول في الاحياء لأمراض (طبقة) المُفتين والعلماء ـ شفاهم الله.
    فقد نشر الشيخ الترابي اجتهاده حول عودة المسيح ـ عليه السلام ـ عام 1982 في بحث ـ أصولي كذلك ـ لقي حظاً واسعاً من النشر داخل السودان وخارجه بعنوان (تجديد الدين) قـُدم في المنتدي الفكري بجامعة الخرطوم ونشر في مجلة جماعة الفكر والثقافة الاسلامية وظل ينشر منذ ذلك التاريخ، يقول الترابي:
    وفي بعض التقاليد الدينية تصور عقدي بأن خط التاريخ الديني بعد عهد التأسيس الأول ينحدر بأمر الدين انحطاطاً مضطرداً لا يرسم نمطاً دورياً، وفي ظل هذا الاعتقاد تتركز آمال الاصلاح أو التجديد نحو حدث معين مرجو في المستقبل يرد أمر الدين الي حالته المثلي من جديد. وهذه عقيدة نشأت عند اليهود واعترت النصاري، وقوامها انتظار المسيح يأتي أو يعود عندما يبلغ الانحطاط ذروته بعهد الدجال قبل أن ينقلب الحال بذلك الظهور، ولعلها تحريف للبشريات التي جاءت في الوحي القديم بمبعث عيسي ثم بمبعث محمد عليهما السلام.

    المهدي وعودة المسيح

    وقد انتقلت العقيدة بأثر من دفع الاسرائيليات الي المسلمين، وما يزال جمهور من عامة المسلمين يعولون عليها في تجديد دينهم، وفشوها هو الذي أغري كثيرين من أدعياء المهدية أو العيسوية، وبعضهم تحركه نية صادقة للاصلاح والتجديد لكنه بثقافته التقليدية وبتربية العامة الذين يخاطبهم لا يجد وجهاً لشرعية الخروج علي القديم الا بحجة المهدية النهائية. ولعل تلك العقيدة هي التي ألهت المسلمين عن القيام بعبء الاصلاح وأقعدتهم في كثير من حالات الانحطاط المستفز، مرجئة ينتظرون صاحب الوقت. ومهما يكن فان منطق العقيدة القرآنية حول تاريخ الدين لا يتيح مجالاً بعد النبي الخاتم لانتظار عاقبٍ يستأنف النبوة أو ينسخ من الشريعة السماحة التي تغري أهل الكتاب علي المؤمنين، بل هدي القرآن لخلف المؤمنين ان رأوا تغيراً أحالهم الي فسادٍ وذلٍ أن يردوا ذلك الي تـَغَيـُر ما بأنفسهم فيتوبوا الي الله فيتوب عليهم بالصلاح والعزِ انتهي.
    واذ يبدو الهم الأصولي الفقهي والاجتماعي التاريخي بيناً في قراءة الشيخ الترابي المتجددة للنصوص وفق السنن والسير في عبرة أهل الكتاب وعبرة المسلمين والتي تجلت عبر مللهم ونحلهم وشققتهم شيعة وسنةً الي اليوم، فان البحث في نزول المسيح أو خروج المهدي حفلت بها المباحث الاسلامية من لدن ابن خلدون (في المهدي أربعين حديثاً كلها ضعيفة ـ المقدمة ) الي أوان دورة التجديد التي حمل لواءها رشيد رضا وأستاذه محمد عبدة: يقول الشيخ رشيد رضا مجلة المنار، المجلد 28، ص 756 : ان الأحاديث الواردة في نزول عيسي عليه السلام كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها وأكثرها واردة في أشراط الساعة وممزوجة بأحاديث الدجال وفي تلك الأشراط لا سيما أحاديث الدجال والمهدي اضطراب واختلاف وتعارض كثير، والظاهر من مجموعها أنه يظهر في اليهود أكبر دجال عُرف تاريخ الأمم فيدعي أنه المسيح الذي ينتظره اليهود فيفتتن به خلق كثير، وفي اخر مدته يظهر المسيح الذي هو عيسي بن مريم ويكون نزوله في المنارة البيضاء شرقي دمشق ويلتقي بالمسيح الدجال بباب (لَد) بفلسطين وهناك يقتل المسيح الصادق المسيح الدجال بعد حروبٍ طويلة تكون بين المسلمين واليهود، فنزول عيسي عقيدة أكثر النصاري وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الاسلام بثها في المسلمين، وممن حاولوا ذلك بادخالها في التفسير وهب بن منبه الركن الثاني بعد كعب الأحبار في تشويه تفسير القرآن بما بثه من الخرافات. انتهي حديث الشيخ رشيد رضا الذي لا يختلف في قراءته وتأويلاته عن المغازي التي أشار اليها النص السابق للشيخ الترابي.
    أما الذين يستعظمون نقد كتاب البخاري وكتاب مسلم كأنه الكفر البواح فقد أصابتهم شعبة أخري من شعاب أمراض التنطع والجهل والغفلة وخلط الأولويات ـ فقد دخلت خيل نابليون الأزهر والمسلمون ممسكون بهما ـ تلتبس عليهم علوية القرآن وحفظه وعصمته دون أي كتاب آخر. وأشير في هذا المقام فقط لتيسير الأمر علي الباحثين المجدين الي تعليق الشهيد سيد قطب علي حديث البخاري ومسلم في السحر الذي أصاب النبي (ص)، يقول سيد قطب: وقد وردت روايات بعضها صحيح ولكنه غير متواتر أن لبيد بن الأعصم سحر النبي (ص ) في المدينة قيل أياماً وقيل أشهراً حتي كأنه يخيل اليه أنه يأتي النساء وهو لا يأتيهن وحتي يخيل اليه أنه فعل الشيء وأنه لم يفعله في رواية: ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله وكل قول من أقواله سنة وشريعة كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول (ص) أنه مسحور . (في ظلال القرآن، المجلد الأخير ـ تفسير سورة الفلق )، وهو نفس رأي الشيخ محمد عبدة الذي أكد أن مكية المعوذتين تنفي عنهما أي علاقة بالأحاديث الصحيحة التي تربطهما بالسحر المزعوم علي النبي (ص).

    المرأة

    ان الاجتهاد الاجتماعي الأكبر للدكتور حسن الترابي هو مساهمته الفذة في تحرير المرأة المسلمة وفق أصول القرآن وأصول السنة والسيرة، بعد أن استلبت شعار (التحرير) مناهج الفكر الغربي وأصول فلسفته المادية الاجتماعية، وحاولت مسخ المرأة المسلمة في الأخري الغربية. فالشيخ الترابي الذي أسس بجلاء أطروحته عن المرأة علي أصل التكليف المستقل لكل مؤمن كما هو لكل مؤمنة والمتماثل لكليهما وفق ظرفه وحاجته، بعد أن عُزلت المرأة المسلمة قروناً بأثر طغيان التقاليد علي السنن وألحقت تبعاً للرجل وأهملت عن كل كسب في العلم أو العمل. وقد صدرت النسخة الأولي من كتابه المعروف (المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع) في عام 1974 بعنوان اخر (رسالة المرأة)، وورد في تلك النسخة بالذات حديث (أبي داؤود) عن أم ورقة التي أذن لها الرسول (ص) في امامة أهل بيتها في الصلاة. وهو ذات الموقف الذي التزمه في كتابه الأخير السياسة والحكم الصادر عن دار الساقي عام 2003 ضمن أطروحة أكثر شمولاً، يقول الترابي في فصل (سلطة الأمارة والتنفيذ والادارة):
    الشرط الثاني الذي كتبه التاريخ علي الفقه كأنه حكم قاطع خالد هو الذكورة لولاية الأمارة العليا، وقد سبق البيان أن الذكر والأنثي في أصول الدين وتكاليفه سواء، الفضل لمن امن وعمل صالحاً. وأنهما لهما في سياق أسرة الزواج قسمة تكاليف متعادلة كلاً بما فضله الله علي الاخر، وأنهما في اطار السياسة في شركة موالاة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر أو مصابرة ومهاجرة وجهاداً وأيما ولاية علي أمر عام، ولأن الله فاضل ومايز بينهما لتأدية وظائف زوجيه ووالديه قد يخف التكليف أو يشتد بعد البوح السواء حتي لا يعوق في أيهما ما هو مهيأ له .
    ثم يقول الترابي في ذات السياق: ولكن فقهاء أحكام السلطان لم يتركوا تولية المرأة أمراً لتقدير شوري المسلمين يصرفونه غير مناسب، بل منعوه بحكم شرط الذكورة خالداً وبعضهم عمم الحكم لأيما ولاية أو قضاء، وقليل من أباح لها ولاية القضاء خصومات جنائية أو تعاملية وولايات العمالة الصغري التي عرفت منذ سنة عمر بن الخطاب مع الشفـاء، وغالبهم منع امامة الصلاة رغم الحديث الذي ولاها الامامة وهي أهل وأولي بها (السياسة والحكم ص 286)
    وللذين لا يعرفون سُنة عمر بن الخطاب مع الشَفاء فقد وَلاها شيئاً من أمر السوق. وأما الحديث الذي أورده أبي داؤود في كتاب الصلاة، باب امامة النساء: عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة أن الرسول (ص) لما غزا بدراً قالت له : يا رسول الله ائذن في الغزو معك أمَرِض مرضاكم لعل الله أن يرزقني الشهادة. فقال لها قري في بيتك فان الله عز وجل يرزقك الشهادة وكانت تسمي الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي (ص) أن تتخذ في دارها مؤذناً فأذن لها. قال عبد الرحمن وكان الرسول (ص) يزورها فجعل مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل بيتها، فأنا رأيت مؤذنها شيخاً كبيراً. (انتهي الحديث)

    إمامة المرأة

    فاجتهاد الشيخ حسن الترابي كما حملته كتبه الموثقة قديم قبل عقود من صلاة الدكتورة امنة ودود في أمريكا، قد يوافي رأي الامام الطبري في جواز الامامة الكبري للمرأة أو رأي ابن حزم الظاهري في جواز امامة المرأة لزوجها اذا كانت أحفظ منه وأقرأ للقران، وقد يوافي رأي الأستاذ أبو الأعلي المودوي صاحب كتاب (الحجاب) الشهير في أواخر العقد الخمسين الماضي عندما أيد ترشيح الحاجة فاطمة جناح شقيقة القائد الباكستاني محمد علي جناح علي قائد الانقلاب المشهور يحيي خان، وأوضح أن شرطي الامامة هما الدين والذكورة وأن الدين أولي وأن الحاجة فاطمة تستوفي شرط الدين وان لم تستوفِ شرط الذكورة، وأن يحيي خان يستوفي شرط الذكورة ولا يستوفي شرط الدين ودعي أنصاره من ثم للتصويت لها. وهو ـ كذلك ـ اجتهاد لا علاقة له بالمشروع الأمريكي الصهيوني، كما سارع منخذلة الشيوخ ممن حاولوا (اعادة اكتشاف العجلة وفق السنة). فالمشروع اليميني الأمريكي الديني يؤمن بعودة المسيح ويري في قيام دولة اسرائيل معجلاً لأوانه ولخراب اليهودية من ثم... أو كما استخفت الاثارة الصحافية اخرين فانتحلوا لاجتهاد الشيخ وصفاً (الصلاة المختلطة)، فرأي الشيخ الترابي حول صف الصلاة واضح قديم لمن يبتغي الحق دون الاثارة وفي أشد كتبه انتشاراً وشهرة، يقول الترابي في كتاب المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع ص16، طبعة مركز دراسات المرأة: ولا ينبغي أن يزدحم الرجال والنساء بحيث تتقارب الأنفاس والأجساد الا لضرورة عملية كما في الحج وحيثما وجد الرجال والنساء في البيوت أو الطرقات أو المجالس العامة يجب أن تتمايز الأوضاع شيئاً ما. لذلك تمايزت الصفوف في الصلاة لأن في صفها يتراص الناس مقاماً ومقصداً ولأنها موضعٌ يتوخي فيه التجرد الشديد من كل صارف عن ذكر الله. وقد اتخذ الرسول (ص) باباً خاصاً للنساء (أبو داؤود): وقد روي البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) اذا قام النساء حين يقضي تسليمه يمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم) انتهي.
    ان غالب خطاب الشيخ حسن الترابي ومحاضراته العامة قدمت في معاهد العلم العليا والجامعات، الا جمهور يُقدر فيه درجة أرقي من العلم والثقافة، فجاءت أغلبها تصوب نحو كليات المعاني وأصول القضايا، الا أن غالب الموضوعات التي شاعت في أحاديث الناس، كانت في مساحة الأسئلة التي تتاح للحاضرين بين يدي المحاضر، وأفصحت كذلك عما يشغل جمهورنا حتي المثقف عن أمهات القضايا والأسئلة وعبرت عما شاب فكرنا من قصور وتجزئة وذرية (كما يصف مالك بن نبي العقل المسلم المعاصر في كتاب مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي وكتاب مشكلة الثقافة وكتاب وجهة العالم الاسلامي وكلها مباحث جليلة في هذا الباب) كما عبرت عما يخالط نفوسنا من نفاق ورياء. فحديث الذبابة أو حادثتها الشهيرة جاءت في سؤال لسائل بعد محاضرة عن (تجديد أصول فقه الأحكام) بجامعة محمد بن سعود في مدينة الرياض السعودية في عام 1978، وكانت الاجابة في سياق مباحث أصول العلم الديني الشرعي وأصول العلم الديني الطبيعي ومساحات الاجتهاد فيهما، وهي قضية ظلت تطرح في كتب الأصول والفقه والمقاصد من قديم وحديث (الرسالة للشافعي، ورد واصل بن عطاء المعتزلي حول حجية المعقول علي المنقول، وأبو عبيدة القاسم بن سلام صاحب كتاب الأموال 242هـ، وحجة الله البالغة للكندهلوي).
    وكذلك ما يعرف بموضوع (زواج المسلمة من الكتابي) جاء في سياق رد علي سؤال لمسلمة أمريكية حديثة عهد بالاسلام، أسلمت دون زوجها وهي تطمح في اسلامه، وبينهما الأولاد والأموال والبيوت والشركات، وكان ذلك في محاضرة في مؤتمر حول الأسرة بمدينة لارسنغ بولاية ميتشيغن عام 1980، ولم يقطع الشيخ فيها برأي ولكنه قلـَب لها وجوه فقه المسألة كما يعرفها جيداً ودعاها للتفكير المستقل في قضايا مجتمع جديد يشبه مجتمع الاسلام الأول الذي كان ينتقل نحو الاسلام وليس مثل حاضر مجتمعات المسلمين المستقرة في الاسلام أباً عن جد. فالترابي لا يحيط رأيه بأي قداسة ولا يسميه فتوي، بل هو يعتبر كل فتوي اجتهادا أو وجهة نظر، ورأيه للمسلمة الأمريكية هو نفس الاجتهاد الذي أقره المجلس الاسلامي الأوروبي في عام 2003 وطلب الشيخ يوسف القرضاوي أن تذيل الفتوي بتقديره الشخصي وشكره للدكتور حسن الترابي، الذي سمع منه هذا الرأي قبل عقدين وأنه عثر عليه بعد ذلك في كتاب (اعلام الموقعين لابن القيم).

    حد الردة

    أما القضية التي يطلق عليها (حد الردة) فقد جاءت بعد محاضرة بجامعة الخرطوم (حول قضايا تطبيق الشريعة) في عام 1979،تحديداً من تلامذة الفكر الجمهوري الذين استنكروا اجتهاد الشيخ الترابي (المرتد ردة فكرية بحتة لا يقتل)، وأصدروا في ذات ليلة المحاضرة كتيباً يحمل عنوان (الترابي يخرج علي الشريعة باسم تحكيم الشريعة) وهو ـ علي أية حال ـ الرأي الذي يتبناه غالب رموز الفكر الاسلامي المعاصر (من المستشار سالم البهنساوي الي راشد الغنوشي مروراً بالدكتور محمد سليم العوا والدكتور طه جابر العلواني) ويخالفون به جمهور الفقهاء القديم.
    وكما اضطربت بالجاهلين والمرجفين الاجتهادات التأصيلية الفقهية للشيخ الترابي، اضطربوا ازاء مصطلحه الأصيل ولغته الفذة العميقة ولم يقدروا سعيه المجتهد في سبيل لغة (فصيحة جميلة)، أو كما قال في مقدمة كتابه المصطلحات السياسية في الاسلام: أصاب المسلمين بؤس في فقه حياتهم السياسية ومقاصدها ووسائلها ونظمها وعلاقاتها، وأخذت بعض الكلمات التي تشير بأصولها الصرفية الي توحيد ديني عام لكل شعاب الحياة، تطور الي دلالة خصوص يحصر عمومها الي محدود. فكلمة (فقه) ـ مثلاً ـ كان معناها الفهم العميق لايات الله في كتاب التنزيل، ثم علي الفهم الساذج في ذلك لا يبلغ حكمة الله، ثم علي الحفظ بغير شيء من الفهم .
    ومن ذلك ما توهمه البعض أن مصطلح (التوالي) الذي جانب به الشيخ الترابي الظلال غير التوحيدية لكلمة (التعددية)، فظنوه تحايلاً ابتدعه لمنع الأحزاب في دستور 1998، وهو مصطلح استعمله في كتاب (الايمان ـ أثره في حياة الانسان، 1973) و(بحث الاسلام والدولة القطرية، 1983) وكتاب (الحركة الاسلامية في السودان، التطور، الكسب، المنهج، 1989)، وهو ذات الأصل الذي استعمله اللبنانيون بغير كثير حرج وهم يقسمون ساحتهم السياسية الي موالاة ومعارضة. كما ظن اخرون أن مصطلح (الاجماع السكوتي) الذي تداول حوله فقهاء الأصول منذ القرن الثاني الهجري من نحت الدكتور الترابي، وان كان هو من بعثه واستعمله في سياق العملية الانتخابية المعاصرة بعضاً من نهجه في تأصيل اللغة وبث الحياة في مصطلحاته الدقيقة المهجورة. ان تفاصيل رؤية الشيخ حسن الترابي لجملة هذه القضايا، مظانها الحقة هي أدبه المكتوب وكتبه المنشورة، والتي يتعهدها قليل من الباحثين اليوم بالدراسة المعمقة ويعكفون عليها جماعات، كما كان الحال في سالف عهد الحركة الاسلامية السودانية، أو كما هو اليوم في بعض مدن أوروبا (السياسة والحكم 527 صفحة، التفسير التوحيدي للقران المجلد الأول 942 صفحة، المصطلحات السياسية في الاسلام 83 صفحة، أصول فقه الأحكام تحت التحرير ، الأعمال السياسية الكاملة تحت الطبع 500 صفحة وغيرها). ان النظر الموضوعي يؤكد أن الشيخ حسن الترابي أقل الناس حاجة لأصوات السمعة والشهرة فقد بلغ صيته الافاق وهواليوم مرجع وقدوة، ورغم العمر الممتد الذي قضاه محاضراً ومخاطباً وكاتباً، فهو أقل العلماء المفكرين ميلاً الي التفريع وتكثيف الشواهد أو التماس الأسماء أو نظم العنعنات، سوي كثافة ظاهرة غالبة لأي القرآن في أدبه المكتوب، وأن تناول اجتهاده والتفاعل معه يقتضي مسؤولية أكبر لا تجدي معها الأخبار الصحفية التي تلتمس الاثارة، فالترابي المفكر العظيم لا يبسط الريب والشكوك وانما يقدم عصارة علم كبير واطلاع مثابر مصابر ودراسة مجتهدة... لو أنهم يعلمون، لو أنهم يقرأون.





    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\01\01-14\z...َليَ%20بدءِ%20%20fff
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 04:03 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    والي المعارك والردود والهجوم العنيف الذي شنه الدكتور مصطفي محمود في مقاله بمجلة اكتوبر يوم الاحد الذي يكتبه تحت عنوان ـ تأملات ـ ضد الجماعات الاسلامية المتطرفة وتعسفها في التفسير والتضييق علي الناس وميل المتطرفين الي تكفير من يختلفون معهم والتفتيش في نفوسهم. وقال: ولقد كنت هدفا لتلك الموجة حينما اصدرت كتابي القرآن محاولة لفهم عصري فطلع من السودان كتاب أسود في حقي من تأليف محمود محمد طه يتهمني بالكفر والضلال، وقد شنق هو نفسه بعد ذلك بنفس التهمة، شنقه حكم قضائي في عهد النميري، ولم يكن الكتاب الوحيد الذي اتهمني بل تلاه عده كتب. واتهمت حينذاك بأني قادياني وبأني بهائي، واوقف الكتاب من التوزيع في مصر ثم افرج عنه بتدخل شخصي من الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الازهر حينذاك، والدكتور عبد العزيز كامل وزير الاوقاف والدكتور عبد العزيز كامل كان من الاخوان والشيخ عبد الحليم محمود كان صوفيا عالي المقام، ولولا هذان الرجلان المستنيران لظل كتابي الي الان في المخازن. ان التفتيش في الضمائر من عمل الله وحده ولا يجوز ان نتهم بالكفر من يقول لا اله الا الله .
    جريدة القدس اللندنية عدد 31/12/2002
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 04:04 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    منصور خالد وعبء المثقف السوداني

    د. عبدالوهاب الأفندي
    22/05/2007

    بيني وبين وزير الخارجية السوداني الأسبق والمفكر السوداني خلاف في الرأي والمواقف السياسية قديم، ولكن هذا لا يمنعني من متابعة كتاباته الغزيرة بكثير من الاهتمام، حتي لا أقول الإعجاب.
    ذلك أن هناك نوعا من الكتابة والتناول يرفع مستوي الحوار ويثري النقاش بما يطرحه من أفكار قائمة علي نظرة متعمقة للأمور، وبين التناول الفج للأمور في مناخ غلب علي الخطاب السياسي فيه الابتسار وقلة التفكر والتدبر والتنابز بالألقاب. وهناك علي ما يبدو شيء ما في الساحة السياسية السودانية يباعد بين أهلها وبين أي التفات إلي التفكر المتعمق في شؤون البلاد والعباد.
    وقد واجهت هذه الإشكالية حين كنت مشغولاً بإعداد بحوثي الدراسية حول الحركة الإسلامية في السودان، حيث أخذت أنقب عن الكتابات السياسية للأحزاب والشخصيات السياسية، فذهلت لفقر المكتبة السودانية في هذا المجال. فلم تكد توجد في تلك الفترة (منتصف الثمانينات) أي مؤلفات فكرية في مجال السياسة، سوي كراسات متفرقة (معظمها لحزب الأمة) ومحاضرات قليلة (للإسلاميين، وللشيخ حسن الترابي خصوصاً) وبضع مذكرات سياسية لأشخاص غاب معظمهم عن الساحة. حتي الحزب الشيوعي السوداني المفترض فيه أن ينتج كتابات ذات طابع أيديولوجي خلا مكانه في رف المكتبة السودانية إلا من كتابين، أحدهما تقرير المؤتمر الرابع (والأخير) للحزب الذي انعقد في عام 1967. الاستثناء الوحيد كان حركة الإخوان الجمهوريين التي أنشأها المفكر الراحل محمود محمد طه، والتي أثرت المكتب بكتب ورسائل عديدة في شرح أفكارها ومنطلقاتها، وإن كان معظم انتاجها يركز علي النواحي العقائدية والروحية أكثر منه علي القضايا السياسية. في ذلك الخضم كان هناك كتاب صغير للدكتور منصور خالد نشره علي شكل مقالات في الستينات ثم صدرت في مطلع السبعينات في كتاب بعنوان حوار مع الصفوة . وقد لفت اهتمامي أن ذلك النص كان (إذا تجاوزنا الصفوية المضمنة في العنوان) متقدماً علي زمانه بكثير، حيث تناول بتعمق التحديات السياسية والاقتصادية التي كانت تواجه البلاد حينها وسعي إلي إثارة النقاش حولها. وبحسب علمي فإنه كان أيضاً نصاً يتيماً، بحيث لم تكتب نصوص بنفس العمق في تلك الفترة، حتي من منطلق الرد عليه. ويجب أن نضيف أيضاً أن الدكتور نفسه لم يكتب إضافة إلي نصه ذاك إلا بعد أكثر من عقد من الزمان، بعد أن بدأت متاعبه مع نظام الرئيس النميري. كان هناك استثناء آخر نسبي، تمثل في مقالات عثرت عليها قبل ذلك بالصدفة في آخر عهدنا بالدراسة الجامعية وأنا أطالع مجلة الخرطوم الشهرية التي كانت تصدر في الستينات. كانت تلك المقالات لأستاذ جامعي انتقل بدوره للعمل في نظام النميري في تعاون وثيق مع الدكتور منصور خالد، وهو الدكتور الراحل جعفر محمد علي بخيت. في تلك المقالات (التي صدرت في مصادفة ذات مغزي في الأشهر القليلة التي سبقت انقلاب النميري في أيار (مايو) عام 1969)، تناول د. بخيت الأزمة السياسية المزمنة في السودان وما سببته من عدم استقرار، وخلص إلي نظرية مفادها أن السودان يفتقد إلي حكم مركزي قوي مثل الذي كان خبره علي أيام الحكم البريطاني. وقد وصف بخيت الحاكم العام البريطاني بأنه كان يشبه الشمس التي كانت تدور حولها أفلاك القوي السياسية السودانية المتشاكسة، فلما أفل انفرط عقد الكواكب وأصبحت تهيم علي غير هدي. وخلص إلي ضرورة إيجاد بديل تكون له نفس المواصفات، بحيث يوفر عنصر الثبات مقابل تقلبات السياسة.
    ولم يبلغ الأمر بالدكتور بخيت أن يطالب بنظام رئاسي قوي، بل اكتفي بالمطالبة بإعطاء الخدمة المدنية قدراً كبيراً من الاستقلال بحيث تمثل عنصر الثبات. ولكن حينما جاء الأمر إلي الواقع العملي فإن د. بخيت (ومعه د. منصور خالد ومجموعة صغيرة من الخبراء) حاولوا أن يجسدوا هذه الفكرة في دستور عام 1973 الذي أعطي الرئيس النميري صلاحيات واسعة، قام بعد ذلك باستخدامها في غير ما كان مصممو الدستور يأملون.
    ليس هذا مجال نقاشنا هنا علي كل حال، وإنما كان القصد أن نلفت إلي الحالات النادرة التي كان هناك من يطرح فيها للتداول العام أفكاراً ذات وزن وقيمة في قضايا السياسة والفكر. ولا يعني هذا أنه لم يكن هناك غير هؤلاء من يطرح أفكاراً مهمة وجريئة في المجالس الخاصة أو المحافل السياسية. فلا شك أن أعضاء الحزب الشيوعي كانوا يتداولون فيما بينهم حول شروط الثورة الاشتراكية، كما أن الإسلاميين كانوا يتداولون حول القضايا ااسلامية. وكان السياسيون كلهم يتداولون حول قضايا مثل الفدرالية والنظام السياسي في البرلمان وغيره. ولكنا نعني هنا الأفكار الناضجة والمتطورة التي كانت تطرح كتابة للتداول العام، والتي كانت قليلة إن لم تكن معدومة.
    ما أثار هذه التأملات هو أن الدكتور منصور خالد قد عاد في الأسابيع القليلة الماضية إلي خوض حلبة الجدال السياسي، أولاً في سلسلة من المقالات نشرها في جريدة الرأي العام السودانية حول اتفاقية السلام بمناسبة مرور عامين علي إبرامها، وثانياً في سلسلة المقابلات التي نشرت في القدس العربي في نيسان (أبريل) الماضي وأجراها معه باقتدار (وربما بتحفظ أكثر من اللازم) الصديق كمال حسن بخيت. ولا أريد في هذا المقال أن أناقش مقالات الرأي العام، أولاً لكثرة القضايا التي ناقشتها، وثانياً لغلبة الطابع الحزبي عليها، حيث أن د. منصور العضو القيادي في الحركة الشعبية كان يدافع إلي حد كبير عن موقف حزبه، وهو أمر لا غبار عليه، ولكن الدخول في جدال مع منتسبي الأحزاب يطول ويدخل المجادل في متاهات لا نربأ بأنفسنا عنها، ولكن لكل مقام مقالا.
    أما مقابلة القدس العربي فإنها تستحق وقفة لأن د. منصور خالد أجري فيها ما يشبه التقييم لمسيرته الفكرية والسياسية، فأصبحت أقرب إلي كتابة المذكرات، خاصة وأنه أفصح فيها عن رفضه لكتابة المذكرات، مستشهداُ في ذلك بفرويد الذي قال إن الناس لايستحقون إطلاعهم علي كل شيء. وفي تلك المقابلة تحدث د. خالد مطولاً عن تجاربه السياسية والعوامل والأشخاص الذين أثروا في تكوينه الفكري والمهني، وعن تقييمه لمسيرة السياسية السودانية، وبالطبع عن دوره الشخصي المثير للجدل كوزير في حكومة النميري وكقيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان (اعتذر عن الأول وتمسك بالثاني).
    وقد أصاب د. خالد في كثير من تحليلاته، وقد كان دقيقاً حين قال إن وقوع مثقفي الحركات الوطنية في براثن الطائفية لا يمكن تفسيره بالانتهازية وانما بـ الذريعية ، وأنصف الرعيل الأول السياسيين السودانيين، ولفت النظر إلي مناقبهم، حتي وهو يتهمهم بارتكاب أخطاء كبيرة ساهمت في الأزمات التي ماتزال البلاد تعيش ذيولها. وبحسب د. خالد فإن الخطيئة الكبري للسياسة السودانية تمثلت في العجز عن تطوير السودان الجغرافي واستخراج السودان السياسي منه عبر سياسية تستوعب مكونات السودان المتعددة. وقد ربط د. خالد بين هذا الخلل وما وصفه بالتوجه العروبي للسودان علي حساب هويته الافريقية. وفي هذا الصدد أشاد د. خالد بزعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، ودافع عنه ضد اتهامه بالانتماء الماركسي (في معرض الدفاع عن نفسه ضد تهمة الانتقال الفجائي من موقفه الليبرالي الموالي للغرب الذي اشتهر به إلي الانتماء إلي حركة ماركسية راديكالية)، بالقول بأن قرنق لم يكن ماركسياً بل كان سودانوياً، يسعي إلي تطوير هوية سودانية جامعة تكون أساساً للسودان الجديد. وقال في معرض تعليقه علي شعار الإسلام هو الحل الذي يطلقه بعض الإسلاميين بقوله: أنا أيضا أقول قد يكون الحل في الإسلام، ولكن أي فهم في الإسلام .
    وقد اعترف د. خالد بأنه قد ارتكب أخطاء في حياته السياسية، قائلاً إنه ينتمي إلي النخبة السودانية التي أدمنت الفشل وأن كتاباته التي انتقدت هذه النخبة تمثل نقداً ذاتياً، وإن كان دعا إلي التماس العذر له. وبحسب د. خالد فإن مشاركته في الحكم الدكتاتوري في عهد النميري يجب أن يفهم في إطاره الزمني، وأضاف: في واقع الامر الحكم علي موقفي هذا لا بد ان يتم بادراك الظروف التي احاطت به. ونحن كنا نعيش في عصر هو عصر ثورات، في كل المنطقة سواء كانت في الدول العربية او في افريقيا، فترات عصر الحزب الواحد، عصر الزعامات الكارزمية، كانت كل دولة في الوطن العربي، كانت كل دولة في افريقيا تبحث لها عن عناصر، ويعني كانوا كلهم يفكرون بالطريقة التي يفكر بها الفنان عبدالحليم حافظ الذي كان يغني (يا بطل هات لينا نهار)، يعني الكل يبحثون عن النهار وعلي يد بطل ، وطبعا هذا المنهج في التفكير قائم علي نظرية الاصلاح من اعلي الي اسفل وهذا نوع من الاصلاح لا يصطحب الناس، واثبتت التجارب انه يقود دائما الي كوارث .
    ولعلها مفارقة كبري أن د. خالد وصديقة د. بخيت قد دفعا الثمن الأكبر من الانتقاد، بل وما يشبه الشيطنة بسبب مشاركتهما في نظام النميري، رغم أن دورهما كان ينحصر أكثر في النواحي الإيجابية، مثل تحسين صورة السودان الخارجية وإصلاح علاقاته الدولية في حال د. خالد، وإصلاح الحكم المحلي في حال د. بخيت. ومع هذا فإن ما تعرضوا من هجوم كان أكبر بكثير من الهجوم الذي تعرض له رجال الجيش والأمن. ولعل هذا يعود من جهة إلي أن الجماهير تتوقع من المثقفين أن يلتزموا بمستوي أخلاقي عال، وربما يعود هذا إلي أن مساهمة رجال الفكر تكون أبرز في الإعلام. وقد تعرض د. خالد لمحاولة اعتقال عند عودته إلي السودان بعد سقوط النميري في حين كان يتوقع أن يكون موضع حفاوة وترحاب. ولعل هذا لعب دوراً في اختياره بعد ذلك بقليل إعلان انضمامه إلي الحركة الشعبية.
    ولكن إن كان د. منصور خالد قد أصاب في كثير مما أورده، فإن الصواب جانبه في تحليلات أخري، وهذا ما سنعود إليه إن شاء الله في مقالتنا القادمة.
    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\21e50.htm...0الأفندي&storytitlec
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:21 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عمر هواري، «الولايات المتحدة الامريكية»، 17/10/2006
    الأمر لا يعدو كونه صراع نفوس حول السلطة والمال. فهذه الحركة التي لم تقدم أي منهاج لتربية أفرادها على النهج الديني الذي تدعيه وتجاهر به والذي خول لها اضطهاد شعب بأكمله بحجة أنه يحتاج الى وصاية كوادرها. لكن بحمد الله تكشف كل شيء للشعب السوداني الصابر وعرف من أي طينة عجن هؤلاء. وحسنا أن صارت كوادر الجبهة توثق لهذا التاريخ المخزي فلعل ذلك يقنع ما تبقى من المتمسكين منهم بحلم الدولة الإسلامية المدعاة. وهذا تأكيد لبشارة الأستاذ محمود عن الاخوان المسلمين بأنه (سينتهي أمرهم فيما بينهم وسوف يقتلعون من أرض السودان اقتلاعا). جزيل الشكر للأستاذ محمد الحسن أحمد على قلمه الواعي الذي يستخدمه كمبضع لتشخيص وإزالة أمراض هذا التنظيم المهووس.


    http://www.aawsat.com/details.asp?section=19&issue=1017...يكتاتورية&state=true
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:22 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    وما سبقه إليه الشيخ محمود محمد طه (أُعدم 1985) في «الرسالة الثانية» من دعوة صوفية إلى عفة العقل لا فرض الحجاب، زدت عجباً بتكور الزمن لا انطلاقه كالرمح، ولم يترك الأولون في شرقنا للمتأخرين من حداثة مقالة!


    http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=395502&issue=10235
    _________________



    التعليــقــــات

    عيدالله عثمان - أوهايو أمريكا، «الولايات المتحدة الامريكية»، 07/03/2007
    فى السودان علق رجل عفيف اسمه محمود محمد طه في أعواد المشانق لأنه كان يحمل قلما وفكرا - يمجده العالم الآن ولا يذكر أحد إسم قاضيه وسينسى الناس بعد قليل في أي عهد قتل ولكن بكل التمجيد سيذكرون الشيخ الذي قال لا وكان عمره ستا وسبعين عاما حينها.


    http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&artic...e=409503&issue=10326
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:23 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)




    لندن: «الشرق الأوسط»

    «في السعي الى الذات العليا – دراسة نقدية في فكر محمود محمد طه»، كتاب صدر حديثاً (بالانجليزية) لمؤلفه د. محمد أحمد محمود، عن مطبعة جامعة سيراكيوز يونيفيرستي برس (سلسلة التاريخ الفكري والسياسي الحديث للشرق الأوسط) في 296 صفحة.

    ومحمود محمد طه ـ موضوع الكتاب ـ هو مؤسس «الحزب الجمهوري» السوداني الذي سعى في منتصف الأربعينات الى استقلال البلاد عن التاج البريطاني، والذي انبثق عنه في ما بعد التيار الفلسفي الإسلامي المعروف باسم «الفكرة الجمهورية» ثمرة لأفكار طه وتنظيراته لصياغة رؤية إسلامية جديدة. وقد وجدت هذه الدعوة صدى عميقا وسط بعض صفوة المتعلمين المستنيرين، خاصة طلاب المؤسسات التعليمية العليا في عقدي السبعينات والثمانينات. لكنها اصطدمت بالمؤسسة المحافظة وانتهت المعركة بين الطرفين بإعدام طه في 18 يناير (كانون الثاني) 1985.

    يتناول الكتاب موضوعه من حياة طه منذ مولده عام 1909 ببلدة رُفاعة في أواسط السودان مرورا بمرحلة شبابه مهندسا بمصلحة السكك الحديدية ونضاله السياسي والاجتماعي وخلوته بغرض التأمل، حتى خروجه بمشروعه الإسلامي الجديد. وتتابع فصول هذا المشروع فتقدم للقارئ دراسة عميقة لطبيعة المساهمة الفكرية لطه من ناحية وتقييم هذه المساهمة نقديا من ناحية أخرى. ويقوم منهج المؤلف على كشف علاقة الاستمرار والانقطاع بين مشروع طه الفكري والمصادر التراثية (خاصة الصوفية) والحديثة التي تأثّر بها. وفي معالجته التفصيلية لفكر طه يتناول نظريته الصوفية عن الصلاة ومنهجه في تفسير القرآن وموقفه في مسألة التخيير والتسيير وبرنامجه الحداثي في الاصلاح الجذري، ورؤاه في الشريعة وموقف الاسلام الحقيقي من العلم ومن الفنون.

    وفي التطرق لكل هذه الجوانب يحرص المؤلف على تأكيد وإبراز التوتر الذي يتسم به فكر طه في حركته بين قطبي الأصالة التراثية والحداثة.

    والمولف، د. محمد محمود، الذي يحاضر في قسم الأديان المقارنة بجامعة تفتز الاميركية، بوستون، تربطه معرفة وثيقة بمحمود محمد طه وبالكثير من طلابه، وبذا فهو يعكس للقارئ منظور الحركة الداخلي وصورتها عن ذاتها بالإضافة الى رؤيته لمنظورها الخارجي كباحث. وهو في كتابه هذا لا يكتفي بالتوغل في دنيا الفكرة الجمهورية وصاحبها، وإنما يتيح لنا الفرصة لقراءة مستنيرة في الوعاء الأكبر المتمثل في أحد أهم فصول التاريخ الفكري والسياسي الحديث في السودان، والقضايا الكبيرة الملحّة التي يثيرها التقاء الاسلام والحداثة في العالم اليوم.



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=19&issue=1027...حمود%20طه&state=true
    ___
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 03:23 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    كتاب عرب وأجانب يناقشون فكر وممارسات الحركات الإسلامية في مصر والسودان
    لندن: الخاتم عدلان
    كتاب «الإسلاموية وأعداؤها في القرن الإفريقي» (هيرست أند كومباني لندن، 2004)، يتكون من ستة بحوث ألف ثلاثة منها بالاشتراك كل من أليكس دي وال، وعبد السلام حسن عبد السلام، وبحث منفرد لكل من أليكس دي وال، ومحمد محمد صالح ورونالد مارشال. وحررها وكتب مقدمة الكتاب أليكس دي وال.
    يناقش الكتاب فكر وممارسة الحركات الإسلامية في وادي النيل والقرن الإفريقي، مركزا على التجربتين المصرية والسودانية. وسينعكس هذا التركيز على عرضنا للكتاب الذي نعتقد أنه مساهمة عميقة ومتفردة في نقد تجربة الحركات الإسلامية في هذا الجزء من إفريقيا.

    .يقول الكاتبان إن الترابي شارك في إنقلابين عسكريين، وكان المهندس الحقيقي للثاني، الذي كان يوجهه من منزله، أولا، ثم من مؤسساته، كما أنه كان منظر أكثر الحروب دموية في تاريخ السودان ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان التي سماها جهادا.. (ص:88 ـ 89) كما قاد ما يسمى بحفلات «عرس الشهيد» التي كانت تجبر فيها العائلات على الاحتفال بموت أبنائها. وأيد ما سمي بأحكام الشريعة على عهد نميري رغم ركاكة صياغتها، وحشد من أجلها كل أتباعه. أيد إعدام محمود محمد طه، بحكم الردة وسماه «الذبح العظيم». أشار الكاتبان إلى تناقضات فكره الذي يأخذ بالشمال ما يعطيه باليمين وأوردا الأمثلة على ذلك:



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=28&issue=9546...حمود%20طه&state=true
    ______
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:05 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:06 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الفصل الثامن: السماحة و التسامح أم العنف؟

    * (2) تم حذف الفقرة التالية من صفحة 117: «وعلى أية حال ، فإن صوت العقل اليوم يمثل الإتجاه السائد، الذي يدين الحكم بقتل المرتد، لكونه مخالفاً لسماحة الإسلام، ومن الشخصيات التي تمثل هذا الاتجاه، محمد أسد (2)، وفتحي عثمان الذي صرح بأن إعدام طه محمود طه مناف للإسلام، بدون أي تحفظ». الطريف أن طبعة العبيكان «الخاصة» أبقت، من المؤكد سهوا، كلام المؤلف الوارد في صفحة 120 الذي يؤيد الرأي المحذوف من أن حد قتل المرتد يتنافى مع سماحة الإسلام حيث ورد: «ليس من المعقول إطلاقا، أن الله يريد بالآية «لا إكراه في الدين» الحفاظ على الكرامة الأدبية والأخلاقية، وحرية الإلتزام الخلقي لغير المسلمين، وفي الوقت نفسه يرضى، سبحانه، للمسلمين الإكراه».




    http://www.aawsat.com/details.asp?section=28&issue=9049...حمود%20طه&state=true
    ____________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:07 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    انه لا يمكن ان نبخس جهود متنورين يجعلون وكدهم مقولة جوته الشهيرة: ما ترثه عن ابيك اكتسبه لكي تمتلكه. واذكر هنا احد الجهابذة الذي سعى ان يطور الفكر الاسلامي من ارضية اسلامية دونما نبذ للدين او عزوف عنه، انه محمود طه السوداني. لقد دفع الثمن غاليا، وكان نصيبه الشنق.




    http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&issue=9015&a...حمود%20طه&state=true
    _________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:07 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    نقد الإصولية وتحرير المرأة
    فريدة النقاش في «حدائق النساء»: معركة تحرر النساء لن يخوضها غيرهن وهي مرتبطة بتحرير المجتمع كله
    والمفكر السوداني محمود محمد طه والدكتور نصر حامد أبوزيد.
    وذكرت المؤلفة ان المصير المأساوي الذي واجه المفكرين السوداني محمود محمد طه الذي تم اعدامه والدكتور نصر حامد أبوزيد الذي حكم عليه بالردة وتطليقه من زوجته بالاضافة الى ما حدث لغيرهم على امتداد الوطن العربي عطل حركة الاصلاح الديني في المجالات كافة، فقد ظلت حرية الفكر والعقلانية والحريات الديمقراطية عرضة للعصف بها عند كل منعطف حاسم.



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=28&issue=8944...حمود%20طه&state=true
    ________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:09 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    «محمود»... مسرحية سودانية في لندن


    لندن: «الشرق الأوسط»
    تقدم جماعة فنون الأداء السودانية اليوم الجمعة عرضا مسرحيا باللغة العربية بقاعة «فينشر سنتر» الكبرى الكائنة في وورنينغتون رود بمنطقة لادبروك غروف غرب لندن. والعرض الذي يحمل اسم «محمود»، هو من تأليف واخراج عثمان جعفر النصيري.
    والنص يقدم في الذكرى السابعة عشرة للمحاكمة الشهيرة التي تمت في السودان لمحمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري اثر توزيع الحزب لبيان انتقد فيه التشريعات التي طبقها الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، ووصفها بأنها «لا اسلامية ولا عادلة». غير ان التهمة الموجهة لمحمود وأربعة من جماعته تحولت من تهمة «اثارة الكراهية ضد الدولة» الى محاكمة فكرية اتهم فيها محمود وتلاميذه «بالزندقة والخروج عن الدين الصحيح والردة». وقضت محكمة الموضوع باعدام محمود وتلاميذه الأربعة وأيدتها محكمة الاستئناف، كما أيدها رئيس الجمهورية. ونفذ حكم الاعدام امام حشد كبير من مؤيدي الحكومة على محمود طه الذي رفض مجرد التحدث الى المحكمة ووصف قضاتها بأنهم «ليسوا مؤهلين دينيا ولا اخلاقياً» كما رفض التعاون مطلقاً مع المحكمة ولاذ بالصمت فيما تنازل تلاميذه وقبلوا الاستتابة التي بثت عدة مرات على شاشات التلفزيون في يناير 1985.

    يشترك في التمثيل سلمى بابكر الريح وتؤدي دور المنادية، والزميل محمد المهدي عبدالوهاب ويؤدي دور قاضي محكمة الاستئناف وعز الدين طه وسيف الحلفاوي (الادعاء) وعاصم نورين في دور عبد اللطيف احد تلاميذ محمود المستتابين. ويشارك ايضا محمد عثمان عبد الحميد والقاضي السوداني السابق اسماعيل التاج وانشراح احمد ومواهب ميرغني وعادل مانديلا ومعتز سنجة.
    =



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=30&issue=8453...حمود%20طه&state=true
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:10 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:11 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    «إعدام محمود محمد طه» في لندن


    لندن: «الشرق الأوسط»
    تستمر في لندن حاليا بروفات مسرحية «محمود» التي ستقدمها جماعة الاداء الفني السودانية بقيادة المخرج وكاتب المسرحية عثمان جعفر النصيري يوم 18 يناير (كانون الثاني) المقبل في لندن.
    والمسرحية عن محاكمة المفكر السوداني محمود محمد طه. ويشارك في التمثيل سلمى بابكر ممثلة المسرح الجامعي السابقة، ومجموعة من الممثلين الهواة منهم عاصم محمدين وعز الدين طه ومواهب ميرغني وعثمان عبد الحميد ومحمد المهدي عبد الوهاب واسماعيل التاج وسيف الحلفاوي وعبد الباقي العوض.

    وقال الكاتب والمخرج النصيري لـ «الشرق الاوسط» انه سيقدم هذا العمل الفني في اليوم الذي حوكم فيه المفكر السوداني بالاعدام، مشيرا الى ان نص المسرحية استفاد الى حد كبير من محاضر القضاة والذين استتابوا المحاكمين بعد تنفيذ حكم الاعدام على قائدهم. واضاف: سيكون العرض مناسبة طيبة لاطلاق النشاط المسرحي والثقافي لجماعة الاداء الفني السودانية، لافتا الى ان المسرح والتمثيل يمثلان جانبا واحدا فقط من نشاطاتها.




    http://www.aawsat.com/details.asp?section=24&issue=8429&article=79
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:25 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    خالص جلبي
    ---------
    قانون تبادل الأدوار

    تقابل الأفكار الجديدة دوماً بالدهشة والرفض. أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب. فتقاوم بضراوة. أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ويتعطل العقل مقابل التشبث بالبنى الذهنية التقليدية. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. وهذا شيء طبيعي بسبب ضرورة تكرار المجتمع لإنتاج نفسه.
    وفي عام 1971 أعدم (محمود طه) في السودان بيد الطغمة العسكرية بتهمة الردة وكان الرجل مجددا ولم يكفر ولم يرتد ولكنها السلطة التي لا تتحمل النقد والمعارضة.



    http://www.aawsat.com/leader.asp?article=57209&issue=8324§ion=3
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:25 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    مصير الطغاة
    خالص جلبي
    ومات الحلاج صلبا في بغداد بكلمة اختلقت ضده بعد جلده ألفاً وقطعت اطرافه. ومات الحسين وجميع آل البيت معه ذبحا على يد يزيد الخليفة الاموي. وانهى المفكر السوداني محمود طه حياته وهو يتأرجح على حبل المشنقة بتهمة الردة. ماتوا جميعا لا لذنب فعلوه بل من اجل افكارهم ونشاطهم.





    http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=39426&issue=8212
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:26 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    لا تغضبوا: قراءة جديدة لصلاح الدين الأيوبي
    خالص جلبي
    ولعل كثيرين لا يعلمون عن صلاح الدين، أنه هو الذي وقع على إعدام الصوفي (السهروردي)، مذكرا بما حصل للحلاج، في قتل الناس من أجل أفكارهم. وعرض (ابن أبي أصيبعة) في كتابه (طبقات الأطباء) سيرة الشاب الحلبي، الذي قتله حاكم حلب الملك (الظاهر) أخو صلاح الدين، بعد أن أرسل إليه أنه قد أفسد عقيدة الناس، فأرسل إليه يأمره بقتل الرجل، وبفتوى من وعاظ السلاطين.

    =======
    التعليــقــــات
    وأنه لايوجد نص واحد في القرآن يفتي بقتل من غير رأيه أو بدل دينه ولو ثلاث مرات، وأن قتل السهرودري وفرج فودة ومحمود طه وسيد قطب من أجل آرائهم يحزن النبي، ويخون مباديء القرآن، ويخالف تعليمات الأنبياء، وأنه ضعف في مواجهة الفكر بالإرهاب، وهو خطأ فادح من صلاح الدين وغير صلاح الدين



    http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?article=299702&issue=9667§ion=3
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 05:27 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    مجموعات دينية سودانية «تكفر الترابي».. ومذكرة للرئيس تطالب بحماية «الفكر»
    الخرطوم: إسماعيل آدم
    واضاف البيان «ينبغي لولاة الامر ان يستتيبوه فان رفض يجب ان ينفذ فيه حد الشرع حماية لجانب الدين وان يحجروا عليه وعلى كتبه وان يمنع من المقابلات». وطالب الشيخ الامين الحاج رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان الرئيس عمر البشير بتشكيل محكمة خاصة اسوة بالتي شكلها الرئيس السابق جعفر نميري لمحاكمة محمود محمد طه زعيم الفكر الجمهوري، معتبراً ما جاء به الترابي من فتاوى اشد خطورة مما كان يردده محمود محمد طه. وابدى رئيس لجنة الدعوة بالرابطة الشيخ محمد عبد الكريم استعداد الرابطة التام الى مناظره الترابي امام الملء في اي مكان وزمان يختار.



    http://root.aawsat.com/details.asp?section=4&issue=10009&article=359761
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 07:39 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    أخبارهــم في كـل مكان
    * تقيم رابطة الفكر الإسلامي السلمي بجامعة أيوا في الولايات المتحدة، اليوم الأحد احتفالا بالذكرى السنوية الـ 19 لاعدام المفكر السوداني محمود محمد طه. ويقام الاحتفال بقاعة ريتشي ويحتوي على معرض توثيقي ولوحات وصور فوتوغرافية وكتب ومنشورات، كما تقدم في الاحتفال محاضرات وكلمات ويستمع الحاضرون لبعض الانشاد بمصاحبة موسيقى الفنان يوسف الموصلي. تشارك في الاحتفال حكومة طلاب جامعة أيوا وجمعية حقوق الانسان بالجامعة وقسم الدراسات العالمية بالجامعة وجمعية حقوق الانسان في مدينة أيوا والجمعية السودانية لخدمات المجتمع، ومركز بيزنت ريتش.



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=30&issue=9182&article=213219
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 07:40 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:01 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    المفكرة

    مدينة مونتري (كاليفورنيا) > تلاميذ وأصدقاء الفكر الجمهوري في مدينة مونتري (كاليفورنيا) أعلنوا عن قيام احتفال بالذكرى الثانية والعشرين لإعدام المفكر السوداني محمود محمد طه. يقام الاحتفال في يوم السبت 20 يناير (كانون الثاني) الحالي، ويشمل معرضاً للفكر الجمهوري، كما ستقام ندوات مفتوحة للحوار. ويبدأ المعرض الساعة التاسعة صباحا ويستمر حتى العاشرة في المساء بالقاعة الكبرى في مركز لميسا الاجتماعي:



    La Mesa Community Center (Ballroom) 1200 Spruance Rd Monterey, CA 93940 Tel: 831-582-9895


    http://www.aawsat.com/details.asp?section=54&article=400352&issue=10266
    _
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:01 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    . أحمد مصطفى الحسين، «الامارت العربية المتحدة»، 17/10/2006
    الدور التاريخي للانقاذ هو فضح دعاوى الإسلامويين التي سعا الجمهوريون لكشفها لنصف قرن فقد استطاعت الأنقاذ في فترة حكمها كشف التدين الزائف لهذه الجماعة.




    http://72.14.209.104/search?q=cache:hIEFX6tuxksJ:www.aa...ct=clnk&cd=438&gl=us
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:02 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    د.عوض النقر بابكر محمد، «المملكة العربية السعودية»، 16/05/2006
    نتفق مع الكاتب بأن أمة الاسلام في حاجة شديدة للاجتهاد والتجديد وفق معطيات التغيير الهائلة التي يشهدها هذا العصر، وللاجتهاد أسس شرعية متفقا عليها. ولكن تبقى المفارقة هي شخصية الترابي نفسها ولماذا تحفل بكل هذه التناقضات داخل السلطة وخارجها؟ وماذا يقول عن إعدام المفكر الاسلامي محمود محمد طه وهو الذى مهد السبيل إلى ذلك؟




    http://aawsat.com/leader.asp?section=3&issue=10031&article=363385
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:02 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    الصادق يوسف، «المملكة العربية السعودية»، 21/04/2006
    حاول البعض وفي غير هذا الموضع الربط بين ما يدعو له الداعية الإسلامي السوداني الشهيد محمود محمد طه وبين ما يقول به الشيخ حسن عبد الله الترابي . صحيح أن كلا الرجلين يدعو إلى تجديد الفكر الإسلامي إلا أن الفرق بين منهجيهما في التجديد فرق شاسع وكبير .
    والسؤال عبركم محال إلى الشيخ الترابي ليفسر لنا ما سر هذا التناقض الكبير بين أقواله وأفعاله؟



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=11&issue=10006&article=359248
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:03 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    وحضر جمهور غفير الاحتفال الذي اقامته «رابطة مصطفى سيد احمد» في اميركا الشمالية بالاشتراك مع المنظمة السودانية لحقوق الانسان بالولايات المتحدة احياء لذكرى الراحل وتقييم تجربته الفنية، كما اقامت منظمة حقوق الانسان معرضا توضيحيا لمناسبة محاكمة المفكر محمود محمد طه الذي حكم عليه بالاعدام بتاريخ 18 يناير (كانون الثاني) 1985



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=30&issue=8456&article=84108
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:04 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    جعفر نميري: السطوع والأفول

    يراه البعض قائدا والبعض الأخر ديكتاتورا.. تحالف مع الشيوعيين ثم انقلب عليهم وانقلبوا عليه


    الخرطوم: إسماعيل آدم
    يبدأ يومه بصلاة الصبح حاضرا في منزله الشعبي العتيق في حي «ودنوباوي» الشهير في مدينة ام درمان، ثم يقرأ في ذات الصلاة جزءا او جزءين من القرآن الكريم، قبل ان يحضر نفسه للخروج الى مكتبه في دار حزبه، الوليد المتعثر: «تحالف قوى الشعب العاملة» في شارع الجامعة، اشهر شوارع قلب الخرطوم. وهناك، يقول احد المقربين، من الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، الذي يصفه خصومه بالدكتاتور، وأنصاره بـ«القائد»، يلتقي نميري بأنصارالحزب اولاً، ثم اصحاب الحاجات ثانيا، ليفسح من بعد وقتا متسعا لرجال من حوله وهم: معاونوه في الدار؛ (اصدقاء، اوفياء، أصيلون)، كما يحلو ان يسميهم، حيث ظل نميري يردد طوال عهد حكمه الذي استمر 16 عاما ان المسؤولين في حكمه نوعان: «الأجير والاصيل».
    وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، يلملم «الرئيس المخلوع»، كما نعته بتلك الصفة قطاع واسع من الشعب السوداني اشياءه وحصيلة اليوم من الحكايات، وهي في الغالب اشواق ممتدة، وضروب من فعل الماضي، وكان واخواتها، ويقفل عائدا عبر شارع النيل في الخرطوم، ثم شارع الموردة في ام درمان، ليحط رحاله في منزله بـ«ودنوباوي»، وهو منزل والده الذي تربي فيه والذي يشرف على منزل ووالد زوجته بثينة خليل. نميري لا يعرف النوم في العصر، كما اعتاد اغلب السودانيين الذين يشغلون مناصب حكومية، او وظائف في الدولة. أحد المقربين منه قال لـ«الشرق الاوسط»: عندما كان قائدا للبلاد يعمل لاكثر من عشرين ساعة متصلة في اليوم الواحد، وعليه تراه في العصر. وبعد تناول وجبة الغداء، يعيد ترتيب هندامه، ويحضر نفسه لاستقبال الاهل والاصدقاء والاوفياء، وكل هذه القائمة.. واحيانا يخرج في مشاوير لقضاء واجبات اجتماعية من تعازٍ في سرادق العزاء، او مشاركة في مراسم زواج، او زيارة مريض.

    نميري، 76 عاما، لا يأكل كثيرا، ولكنه حريص على تناول الوجبات الثلاث، ويفضل «الصنف الواحد» من الطعام وبكميات قليلة. ويقول مقربون ان سبب قلة اكله يعود على الأرجح الى آلام شديدة يعانيها في احدي ركبتيه بسبب ضربة قديمة، وآلام اخرى في الحوض بسبب تعرضه لانزلاق اثناء تحركه من موقع الى آخر داخل منزله. وينفي مقربون منه ان نميري مصابٌ بمرض عضال، ويعزون حالة الارهاق التي تبدو على محياه الى تقدمه في السن، ولكن السودانيين كلما توجه نميري الى واشنطن، من عام الى عام، لإجراء فحوص طبية امتلأت مجالسهم بانه سافر للتداوي من مرض عضال، ويرددون بانه يواظب على الذهاب الى الولايات المتحدة لمراجعة عملية جراحية اجريت له في وقت سابق تتعلق بنظام ضخ الدم في جسمه، خاصة رأسه. منذ عودته من منفاه في القاهرة في 22 مايو (ايار) عام 1999، لم يغادر نميري نطاق العاصمة السودانية في حركته إلا مرات محدودة حيث طار بعد عودته بأسابيع ضمن وفد حكومي وسياسي كبير الى منطقة «هجليج» غرب البلاد ليشهد احتفالا اقيم هناك بمناسبة بداية الضخ التجاري للنفط السوداني نهاية عام 1999. كما زار مسقط رأسه (قرية ود نميري) شمال السودان في الاقل ثلاث مرات، لأداء واجبات اجتماعية. ومنذ عودته «الشجاعة» حسب انصاره او «المنكسرة» حسب خصومه، غادر نميري السودان الى اربع دول وهي: الى الولايات المتحدة لإجراء فحوص دورية درج على اجرائها من عام الى آخر هناك لأكثر من 30 عاما، والى القاهرة نحو ثلاث مرات للملمة باقي اشيائه في المنفى، ولوداع المصريين، ولاسباب صحية. كما زار كلا من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات،. ويلاحظ الناس في الخرطوم ان الرجل رغم سجل حكمه الملطخ بالتعذيب والقتل والإقصاء، يتجول طليقا في شوارع الخرطوم وحتى في رحلاته الداخلية والخارجية، إلا من حارس واحد، ويقول في هذا الشأن: «لست خائفا من أي شيء ولي حراسة من الدولة، مش حراسة لكن متابعة.. ولقد رفضت ذلك عدة مرات ولكنهم أصروا عليها». ويشبه المراقبون راهن الدكتاتور السوداني السابق نميري، الذي اقتلعته من سلطة قابضة، استمرت 16 عاما، عاصفة شعبية في السادس من ابريل (نيسان) عام 1985، يصادف هذا اليوم، بدكتاتور الكاريبي «اورليانو بوينديا»، وهو حاكم متسلط فَقَدَ سلطته. ورسم صورته تلك الروائي العالمي الكولمبي غابريال غارسيا ماركيز في روايته «ليس لدى الكولونيل من يراسله». ومن بين حالته الهستيرية ان دخل الكولونيل مطبخا بائسا في منزله البائس، في طرف المدينة، وملأ ابريق القهوة بالماء ووضعه على النار، ثم رفع علبة البن، ولكنه وجدها فارغة، إلا من بقايا ملتصقة على اطرافها، مما اضطر الى «كردها» بملعقة بعصبية واستياء بالغ، ووضعها بذات العصبية والاستياء على الماء المغلي. كما لم يجد من السكر في علبته غير قليل على الاطراف وضعه على الابريق، كمن يقذف بشيء في السلة، لتنتهيَّ العملية بفنجان قهوة مصنوعة من «البقايا».. وضعها على الطاولة وجلس يرتشفها ويبحر ويهيم في ذكريات الايام الخوالي، حين كان هو الاول والأخير في البلاد.

    وعلى نسق الكولونيل او الجنرال الذي ليس له من يراسله، يمارس نميري هذا الضرب من الحنين في منزله ومكتبه بدار «تحالف قوى الشعب العاملة»، وسرادق العزاء، مع من حوله ممن يطلق عليهم الاصيلين، و«انصاره من جماهير الشعب السوداني الموجودين في كل مكان». كما يعتقد في حديث لـ«الشرق الاوسط» إلياس الأمين احد «الاصيلين» المقربين من نميري، حتى الآن، وهو عضو سابق بالبرلمان في عهد نميري، ومدير مراسمه لسبعة اعوام. ويحرص الأمين على ان يسبق حديثه عن نميري بصفة «الزعيم القائد».

    ليست لدى نميري املاك خاصة او استثمارات يديرها داخل السودان او خارجه، كما يقول اعوانه. ففقط، لديه قطعة ارض غير مستثمرة في قرية «ودبلال» على بعد بضعة كيلومترات جنوب الخرطوم، ومنزل في مدينة «ود مدني» جنوب الخرطوم، وهي ثاني اكبر مدينة في السودان.

    وقال نميري في احد الحوارات الصحافية معه حين سألوه عن وضعه المادي، وماذا يمتلكا: «لي معاشي الشهري». وأضاف: «معاش رئيس الجمهورية معاش كويس ما بطال بيأكلني أنا وزوجتي». وكانما يشير نميري في هذا الخصوص الى تعديلات اجراها البرلمان السوداني العام الماضي في لائحة استحقاقات الرؤساء السابقين وجملة من المناصب الدستورية في البلاد، وصفها المعارضون بأنها جاءت «باهظة التكلفة على الميزانية العامة». وشملت اللائحة الى جانب نميري، كلا من الزعيم الراحل اسماعيل الازهري، والصادق المهدي، واحمد الميرغني، وأعضاء مجلس السيادة السابقين، ورؤساء البرلمان السابقين، وغيرهم. ويشير اعوان نميري ان الاخير يجد كل الدعم والعون من الرئيس عمر البشير، حيث يتفقد احواله من وقت لآخر عبر رسول ويقدم له كل التسهيلات. وتشيع المدينة ان نميري هبط إلى منفاه في القاهرة بأموال طائلة، ولكنه فقدها في اعوام وجيزة عبر استثمارات فاشلة تولاها بدلا عنه سودانيون ومصريون. ولم تبق له سوى شقتين في عمارة واحدة استولى عليهما احد اعوانه المقربين منه، ولكن «قبل ان يهنأ بهما انهارت العمارة على من فيها»، كما يقول إلياس الامين. واضاف «كِدت اصدق ان نميري في بحبوحة من العيش في القاهرة ولكن عندما زرته وجدت انه بلا مال ولا ولا شيء سوى الاصدقاء والاوفياء».

    يرتب نميري الآن، حسب مقربين، لانشاء كلية للدراسات الجامعية والدراسات العليا الاخرى، وهي ممنوحة له من الولايات المتحدة.

    ويقولون ان العمل يمضي على قدم وساق لاكمال انشاء الكلية في الاشهر المقبلة. وربما فتحت ابوابها خلال الاشهر المقبلة، وفقا لمقربين.

    ما سبق يعتبر آخر محطات نميري في«خطوطها» العامة والخاصة. لكن رحلته عموما كانت طويلة محفوفة بالمغامرات والقفز في الظلام، ولعب على كل الحبال، وطرق على اليمين ثم على اليسار، والسير احيانا بكوابح، واحيانا كثيرة من دونها، سلكها نميري خلال عمره الطويل الى ان صار وحيدا. ولد نميري في مدينة ام درمان في السادس والعشرين من ابريل (نيسان) عام 1930 من والدين هما: محمد نميري، وآمنة نميري اللذان قدما قبل زواجهما الى ام درمان من بلدة ود نميري في الشمال بالقرب من مدينة دنقلا من اجل لقمة العيش، وقبل ان يتزوج والده عمل جندياً في «قوة دفاع السودان» لكنه بعد الزواج ترك العمل في الجيش واختار العمل ساعياً في شركة سيارات. وعندما افتتحت الشركة فرعاً لها في واد مدني انتقل والده الى الفرع واستقر به المقام هناك مع اسرته التي باتت تتكون من الاب والأم وثلاثة ابناء هم: مصطفى، ونميري، وعبد المجيد الذي توفيَّ وهو في الرابعة والعشرين من عمره.

    قالت والدته يوما عندما سألها نميري عن سر اختيارها هي ووالده اسم جعفر لمولودهما الثاني، فقالت انها رأت في حلم اثناء حملها به بأنه اذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمناً بـ«جعفر الطيار» الذي هو جعفر بن ابي طالب شقيق الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه.

    ويضيف نميري «تذكرت ما قالته الوالدة هنا بعدما اصبحت رئيساً للسودان حيث انني في الاشهر الثلاثة الاولى من بداية الترؤس كنت احلم يومياً بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون: «شوفوا الزول ده (اي انظروا الى هذا الانسان) الذي يطير.

    ويتذكر نميري كيف انه عندما انتقل والده ووالدته من ام درمان الى ودمدني انه في بعض الاحيان كان يقود بعض حمير اهل الحي وينظفها في مياه النيل، وان هذا العمل جعله محبوباً بين الناس وعمق في نفسه اهمية التعاون. كما يقول «كنت البارز في الالعاب، وغالباً ما كنت أرأس فريق كرة القدم عندما نمارس اللعبة في حي ودنوباوي». وفي هذا الخصوص، يقول نميري في حواراته الصحافية: «اتذكر قساوة الحياة التي عشناها. وأتذكر في الوقت نفسه كيف ان مرتب والدي عندما احيل إلى المعاش لم يتجاوز تسعة جنيهات. وبسبب ضآلة هذا المرتب حرص والدي على ان يعلمنا. عشنا قساوة الحياة، ولكي يؤمن لي والدي فرصة الدراسة الكاملة فانه طلب من اخي الاكبر ان تتوقف دراسته عند المرحلة المتوسطة ويبدأ العمل».

    تدافع الاخوان لتحسين حال الاسرة الفقيرة، فعمل مصطفى، الاخ الاكبر براتب قدره اربعة جنيهات شهرياً، وأكمل نميري دراسته وتمكن من الالتحاق بالثانوية العليا مدرسة «حنتوب الثانوية»، ولكن نسبة للظروف المادية الصعبة التي تواجه الاسرة بصورة لا تسمح بتوفير مطالب دراسته، قرر نميري بعد اكمال المرحلة الثانوية الالتحاق بالقوات المسلحة بدلا من دخول الجامعة.

    ويقول في حديث مع فؤاد مطر في هذا الخصوص: «الذي شجعني على ذلك شعوري بأن التحاقي بالكلية الحربية سيؤمن لي دخلاً أساعد به عائلتي، وكان الدخل عبارة عن اربعة جنيهات ونصف الجنيه شهرياً للضابط حديث التخرج، أرسل نصفه الى والدي ووالدتي مع مبلغ آخر يرسله اخي الى الوالدين».

    التحق ابن الاسرة الفقيرة بالكلية الحربية عام 1949، وانتابه شعور مزدوج بالفرح في موقعه الجديد لسببين؛ الاول: عندما «قبض» اول راتب وقدره جنيهان ونصف الجنيه لطالب الكلية الحربية، وخروجه من دائرة الاتكال والاعتماد على الاخرين، فضلاً عن انه اصبح في امكانه تقديم المساعدة لاسرته الفقيرة، وذلك بالاضافة الى إشباع حبه للعمل الشاق والحيوية والرجولة الموجودة في الحياة العسكرية.

    ويروي نميري بأنه عندما تسلم المرتب للمرة الاولى اقتطع منه سبعين قرشاً ثم اشترى بجزء من المبلغ المتبقي حلوى ولُعُباً ومشى مسافة عشرة كيلومترات ليوفر ما كان يجب ان يدفعه مقابل الانتقال بالسيارة. ويضيف: «قدمت من هذا المرتب الحلوى واللعب الى اطفال العائلة الذين شعروا بأنهم ذاقوا حلاوة النقود التي حصل عليها ابن عمهم من الكلية الحربية». تخرج نميري في الكلية الحربية عام برتبة ملازم ثان، والتحق بالعمل في القيادة الغربية مركزها مدينة الفاشر. ويروي هنا: «عندما التحقت بالغربية شعرت بشيء من الهيبة بسبب ان العسكريين الذين يعملون في هذه المنطقة هم الاشد بأساً في السودان»، ثم تنقل نميري في عدة مواقع عمل في الجيش السوداني شمالا وجنوبا. واتهم عام 1955 بتدبير انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي القائم في البلاد في ذلك الوقت، غير انه «تبين للقيادة بعد التحقيق معه ان الامر ليس اكثر من وشاية وبعدما تبين لها ذلك حُفظ التحقيق».

    ولكن ظلت الجهات الامنية آنذاك ترصد لنميري تحركات ضد السلطة الحاكمة خاصة حكومة ما بعد ثورة اكتوبر التي اطاحت نظام الرئيس ابراهيم عبود، مما اضطرت السلطات اثر تواتر التقارير ضده الى نقله من الخرطوم الى كسلا بصورة اقرب الى النفي، ولكن رغم ذلك امرت حكومة الصادق المهدي المنتخبة بعد ثورة اكتوبر اقتياده من كسلا ووضعه في المحبس في احد معسكرات الجيش في الخرطوم. وجرى التحقيق معه حول محاولة انقلابية فاشلة قادها ضابط اسمه خالد الكد، وهو الراحل الدكتور خالد الكد، غير ان التحقيق لم يتوصل الى ما يجرِّم نميري في المحاولة الفاشلة. ولكن كل ذلك لا يعني ان نميري لم يكن يفكر بصورة سرية وجادة في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري لوضع حد لكل المخاطر وللتردي المتواصل للاوضاع في البلاد، وعليه عقد هو ومجموعته اجتماعات في الخرطوم وفي مدن اخرى. وبين معارض ومؤيد من الضباط للانقلاب انقض نميري على الحكومة المنتخبة وكان وقتها يعمل في المنطقة العسكرية بـ«جبيت» شرق السودان. ويَحكي نميري في ذكرياته ان محمد ابراهيم نقد، زميل دراسته في حنتوب والسكرتير العام للحزب الشيوعي جاء اليه في موقع ما في الخرطوم وأخذه الى منزل ليلتقي هناك بالقيادي الشيوعي والنقابي آنذاك الشفيع احمد الشيخ، وقال له الاخير: «انه يرى ان الظروف ليست مواتية على الاطلاق للقيام بحركة عسكرية». وبعد خروجه من المنزل، ساور نميري شعور بان خطة الانقلاب قد انكشفت، وعليه بدأ يسابق الريح والظروف لتنفيذ الانقلاب قبل إحباطه من جهة ما، وكان اللقاء قبل 48 ساعة على ساعة الصفر المحددة في الخطة. ويقول نميري في حوار صحافي سابق «كان لابد ان نمنع الحزب الشيوعي السوداني من الوشاية بالحركة فقدمنا ساعة الصفر «24» ساعة، وقمت بحركة تكتيكية حيث انني سألت عن منزل عبد الخالق محجوب وتوجهت اليه مساء اليوم الذي تم في فجره التحرك.. طرقت الباب ففتح احد الاشخاص سألته عن عبد الخالق، فنادي عليه، جاء عبد الخالق وصافحني وكان يرتدي ملابس منزلية، وقادني الى احدى الغرف في الداخل لم أتركه يتكلم، وبدأت الحديث على الفور فقلت له: «انني جئت لأبلغه بان تنظيم الضباط الاحرار نفذ الخطة واستولى على السلطة في الخرطوم.. ان منزلك محاصر وسيتم اذاعة البيان الاول خلال ساعات، كما انه تم الاستيلاء من جانب عناصرنا التي ترتدي الثياب المدنية على جميع المرافق الاساسية في العاصمة، وان اي تحرك او اتصال من جانبك او حتى الخروج من المنزل قبل السابعة صباح غد، سيُعرِّض حياتك الشخصية للخطر.. وحاول عبد الخالق ان يعلق، ولكني لم اعطه فرصة، وغادرت المنزل مرتاحاً الى النتائج حيث انني لاحظت على وجه عبد الخالق وأنا احدثه ملامح الخوف والفزع الشديد. وما دام رد فعله على هذا النحو، فمعنى ذلك انه لن يتحرك». توالت الأحداث سِراعا من بعد الى ان استولى نميري على السلطة بسهولة في صباح 25 مايو عام 1969. قبل نميري التعامل مع الحزب الشيوعي رغم انه يرى خلافات تسري في ساحة الحزب حول عملية الانقلاب نفسه، فيما تحمس فريق من الشيوعيين لنميري واطلقوا على انقلابه ونظامه «ثورية ماي». وغنى مغنيهم لنميري «يا حارسنا، ويا فارسنا، ويا نحنا.. ومدارسنا، كنا نفتيش ليك، جيت الليلة كايسنا». ثم غنى: «ابوعاج يا اخوي دراج المحن». و«بأدبيات الحزب الشيوعي والناصرية، نقض نميري كل برامج السنتين الاوليين من نظامه»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» الصادق المهدي، زعيم حزب الامة المعارض، وأحد ألدِّ اعداء نميري المعروف بكراهيته للاحزاب التقليدية المعروفة بالطائفية، وان ثورة كهذه تعني اجهاضاً مبكراً للحركة الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي السوداني. ولكن شقة الخلافات بين نميري والشيوعيين توسعت بعد اقل من عام، حيث يري فريق منهم؛ وعلى رأسهم سكرتير الحزب آنذاك عبد الخالق محجوب، وفاروق حمد الله، وهشم العطا، وبابكر النور، وبينهم من هو ضد الانقلاب مثل الشفيع احمد الشيخ؛ ان نميري قد ضل الطريق وتحول بين ليلة وضحاها الى حاكم متسلط، فخطط فريق من هؤلاء بقيادة الضابطين هشم العطا وفاروق حمد الله لتنفيذ انقلاب على الانقلاب باسم «الثورة التصحيحة».

    ويروي نميري في هذا الشأن: «في هذه الاثناء طلب السماح له بالسفر الى لندن للعلاج فسمحنا له، وطلب السفر الى نيروبي فسمحنا له، لكنه سافر من نيروبي الى لندن، وأقام فيها. وفي الوقت نفسه بدأ هاشم العطا يقوم بتحركات مشبوهة، وهو في الخرطوم ويتصل بالضباط، فقررنا وضعه تحت مراقبة اجهزة الامن». وبعد ايام من الاحداث المتوالية ولعبة القط والفأر، وقع الانقلاب ضد نميري في حوالي الثالثة بعد ظهر يوم الاثنين 19 يوليو(تموز) 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ«انقلاب هاشم العطا»، ولكن نميري وأعوانه احبطوا الانقلاب بعد اربعة ايام، «بسبب الخلافات التي سادت اضابير الحزب الشيوعي»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» أحد الشيوعيين المشاركين في نظام نميري، طلب عدم ذكر اسمه. وفي رواية لنميري حول تفاصيل الانقلاب، قال «أمضيت في الغرفة بالقصر الجمهوري ايام «19 ـ 20 ـ 21 ـ 22» يوليو أتأمل وأفكر في كل ما اقدمت عليه في حياتي ولم اجد نفسي نادماً على شيء فعلته حتى انني لم اندم على رفعي المراقبة عن هاشم العطا». ونصب نميري لمدبري الانقلاب المجازر في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، طالت بالاعدام كلا من: سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، هشم العطا، وفاروق حمد الله، والشفيع احمد الشيخ، وقائمة من المدنيين والعسكريين، وزُجَّ بالباقي في السجون، لتبدأ مرحلة العداء السافر الممتد بين الشيوعيين ونظام نميري.

    ثم دخل نميري في مواجهة مع زعيم الانصار في ذلك الوقت الامام الهادي من معتقله في «الجزيرة ابا» جنوب الخرطوم، وانتهت هي الاخرى بمجزرة ضد الانصار، طالت المئات بمن فيهم الامام الهادي الذي لاحقه جنود نميري وقتلوه على الحدود مع اثيوبيا شرقا. وبذلك وضعت احداث الجزيرة حجر أساس متينا لخصومة طويلة بين الانصار ونميري. وقضى نميري بسهولة على الانقلاب الثاني بقيادة الضابط حسن حسين في سبتمبر (أيلول) عام 1975، ويقول حوله «انها محاولة محدودة ومعزولة والدليل على ذلك ان الذين اشتركوا فيها كانوا عبارة عن اعداد قليلة من الجنود وصغار الجنود يجمعهم انتماؤهم العنصري الى منطقة واحدة». وفي عام 1976 خططت المعارضة السودانية من الخارج وتضم: الحزب الشيوعي وحزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد نميري بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه احبط، وقتل نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده، وأطلق على المحاولة «انقلاب المرتزقة». وفي خضم معاركه المباشرة مع خصومه في الاحزاب السودانية، لم ينس نميري اللعب بكل القوى التي تتيح له الفرصة للامساك بها. ويلخص الصادق المهدي في حديثه لـ«الشرق الاوسط» مسيرة نميري في انه «حاول ان يلعب كل الاوراق لأنه أصلا فارغ من اي مضمون آيديلوجي فأصابته موجة الانقلابات العسكرية التي اتسمت بها الدول العربية وقادها من يسمون انفسهم بالضباط الاحرار، فجاء على راس الشيوعيين واختلف معهم وعاملهم بوحشية واستهدى بمصر الناصرية ثم مصر الساداتية ولجأ الى الغرب وحاول ان يصالح الاحزاب وفشل، وهذا ما دفعه الى ولوج خط الاسلام بصورة لا تراعي ظروف السودان، فوقع الاستغلال المتبادل؛ هو يحتاج الى فكرة وهم يحتاجون الى واجهة، ولكن في خاتمة المطاف فشل التحالف مع الاسلاميين فدخل في صدام مع النقابات والأحزاب، فأسقطه الشعب عبر الانتفاضة في السادس من ابريل». ويضاف الى هذا ان نميري طوال الاعوام ما بعد انتهاء العلاقة بينه وبين الشيوعيين، رمى نفسه خارجيا في حضن الولايات المتحدة الى ان ذهب بغير رجعة.

    ويقول نميري في هذا الصدد «منذ 15 عاماً كنا قد وضعنا خطة لأن يصبح السودان أميركا افريقيا لأننا نملك الأرض والناس والإمكانات ولنا علاقات دولية واسعة». ويرصد الموالون لنميري ايجابيات الرجل في انه جلب السلام للسودان لمدة عشرة اعوام عندما وقع مع المتمردين في جنوب السودان اتفاقا في اديس ابابا عام 1972، ولكن نسفه بنفسه عام 1983 لتندلع الحرب من جديد بين الشمال والجنوب.

    ورى مؤيدوه انه هو الذي أنهى موجة لعطش التي كانت تسود الريف السوداني لعهود بعيدة عندما نفذ برامج محاربة العطش في السبعينات من القرن الماضي، وانه اخرج شباب السودان من بيت الطاعة العمياء للطائفية. ويحكي الياس الأمين في هذا الخصوص، ان نميري قال لهم انه سعيد بمظاهرات اندلعت ضده اواخر عهده عرفت بأحداث شعبان، ومنبع سعادته ان من بين المتظاهرين تلاميذ مدرسة في «الجزيرة ابا» المعقل الرئيسي لطائفة الانصار التي يرفضها نميري بقسوة، وان تلك الخطوة من التلاميذ تعني ان مايو حررت سكان الريف من الطاعة العمياء للطائفية.

    ويحسب له أنصاره انه أقام جملة مصانع للسكر ساهمت في دعم الاقتصاد السوداني. ويرد نميري على اسئلة الصحافيين في هذا الجانب بأنه «قد بنى وطناً عزيزاً سيداً». ويقول كنا «أكثر حكومة ديمقراطية أتت للسودان.. كان يمكن أن تزيد الديمقراطية فيها». أما خصومه، فيرون ان نميري هو الذي دمر السودان سياسيا واقتصاديا. وفي عهده بدأت رحلة تدهور النظام الاداري في السودان، وهو النظام الذي ساهم في بناء انظمة الكثير من الدول المجاورة قبل ان تطاله أيدي المخربين من نظام مايو. ويقولون انه ساق البلاد بدون فكرة محددة فوصل بها الى حدود الانهيار في كل شيء، ويتهمونه بممارسة العنف والارهاب ليس ضد المعارضين وانما ضد الذين يعملون معه من السياسيين. وتحكي مجالس الخرطوم ان نميري يعزل وزراءه فجأة عبر نشرة اخبار الثالثة ظهرا في الاذاعة السودانية بصورة درامية. ويُشاع بأنه يحتد في الحديث مع المسؤولين في حكومته يصل الى حد الضرب، ولكن نميري ينفي ما يشاع تماما، ويقول «انها فِرية.. انا اتخذ كل القرارات حسب الدستور والقانون». ويرى المعارضون ان من اهم الممارسات التي ساهمت في إسقاط حكم نميري محاولة ضرب النقابات، ثم ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل، واعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه بصورة بشعة، والتطبيق التعسفي للقوانين الاسلامية، عندما تحالف مع الاسلاميين بزعامة الدكتور حسن عبد الله الترابي وأطلق على نفسه «إمام المسلمين».

    على كل، سافر نميري في رحلة علاج الى واشنطن في الاسبوع الاخير من مارس (آذار) عام1985 ، فبلغت مسببات الغضب على نظامه درجاتها العليا. وخرج الناس الى الشارع تقودهم النقابات والاتحادات والاحزاب بصورة أعيت حيل أعتى نظام أمني بناه نميري في سنوات حكمه، فأعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، انحياز القوات المسلحة للشعب، حين كان نميري في الجو عائدا الى الخرطوم ليحبط الانتفاضة الشعبية، ولكن معاونيه نصحوه بتغيير وجهته الى القاهرة، لان «اللعبة قد انتهت». ومن آخر أقوال نميري في أمل إحباط النظام؛ تصريحات شهيرة أطلقها في القاهرة، جاءت فيها: «ما في زول يقدر يشيلني»، ولكن المنفى امتد اربعة عشر عاما، رقدت خلالها على طاولته اسئلة بلا اجابات، والدليل رده على سؤال ملح بعد عودته الى الخرطوم حول مَنْ الذي أسقط مايو هو: «لا.. أعرف!».



    http://www.aawsat.com/details.asp?section=45&issue=10356&article=413895
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:05 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    كيف نوفق بين حرية المعتقد في القرآن وحد الردة في السنة النبوية؟

    كتاب للشيخ طه جابر العلواني يقدم فيه اجتهاده حول قضية خلافية



    الدمام: حمد العيسى

    تعتبر قضية الردة من المواضيع الخلافية التي اشتد حولها النقاش في السنوات الأخيرة وذلك لصدور فتاوى وأحكام قضائية – بل وتهديدات مؤخراً - عديدة تعلن ردة بعض المفكرين والأدباء المسلمين. ولذلك شن الغرب حملات تشهير ضد الإسلام بصفته ديناً يعتدي – بزعمهم - على أعلى قيم العصر وهي الحرية. وإشكالية حد الردة في الإسلام تكمن في كون القرآن الكريم يدعو إلى حرية المعتقد بصورة واضحة لا تحتمل اللبس ولا التأويل: ?وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر?. ولكن السنة النبوية الشريفة توجد بها أحاديث تدعو إلى قتل المرتد، وهناك أيضا قضية حروب الردة. فكيف نوفق بين حرية المعتقد من جهة وحد الردة من جهة أخرى؟

    يطرح الشيخ الدكتور طه جابر العلواني في كتابه الذي يحمل عنوان «لا إكراه في الدين» اجتهاده في إشكالية حد الردة، التي يخشى الكثير من علماء الدين المعاصرين الاجتهاد فيها. والكتاب صادر عن «مكتبة الشروق الدولية» بالقاهرة، ويقع في 198 صفحة من القطع الكبير.

    الجدير بالتذكير أن معظم علماء الدين المحافظين والتقليديين ينتقدون اجتهادات بعض المفكرين المعاصرين في موضوع حد الردة نظراً لأنهم، كما يقولون، مجرد مثقفين لم يتخصصوا في الشريعة الإسلامية ولا يملكون الأدوات العلمية لجعل اجتهاداتهم تكتسب أية مصداقية. ومن هنا تكمن أهمية هذا الكتاب، لأن مؤلفه ليس مجرد مثقف عادي أو مفكر إسلامي غير متخصص، بل شيخ أصولي وعالم دين عراقي حاصل على الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر عام 1973. وهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس جامعة قرطبة بالولايات المتحدة، والرئيس السابق للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية. ومصدر قوة هذا البحث أنه لم يخضع للمؤثرات الليبرالية في تفسير مفهوم الحرية، بل استعمل المنهج الإسلامي الأصيل في التعامل مع الخطاب القرآني والنبوي.

    ويعترف العلواني بحساسية الاجتهاد في هذا الموضوع وخطورته، إذ يشير في المقدمة أنه أعد مسودة هذا الكتاب عام 1992 ولكنه تردد في نشره خوفاً على علاقات المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أمريكا الذي كان يرأسه آنذاك مع بعض المؤسسات الدينية المحافظة في العالم العربي. ولكنه بعد تركه رئاسة المعهد، وتقدمه في العمر، قرر نشر هذا البحث الجريء خوفا من كتمان العلم رغم ما قد يسببه له من إحراج شخصي مع تلك المؤسسات. ومن دون شك أن مثل هذا الاعتراف مؤسف للغاية، ويصور بدقة البيئة المحيطة بحرية الاجتهاد والبحث العلمي في القضايا الدينية.

    ويشير العلواني إلى أن حد قتل المرتد أصبح في حكم المجمع عليه رغم مخالفته لآراء فقهاء كبار لهم وزنهم مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وغيرهم. ولذلك فهو يشكك في دعوى الإجماع. ولولا تحديات الحضارة المعاصرة التي جعلت النقد والمراجعة خطوات منهجية لها صلاحية مطلقة في تناول أي شيء بالنقد والتحليل لما فُتح ملف الحديث والجدل حول هذا الموضوع في العصر الحديث منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مروراً بمحمود شلتوت ومحمد أبو زهرة إلى حسن الترابي وغيرهم في وقتنا هذا.

    ويؤكد العلواني أن قضية حد الردة بدأت سياسية، واستمرت سياسية، وستظل كذلك، والجانب الديني فيها ضئيل ولا يثار إلا لخدمة الجانب السياسي في الغالب. ويورد العلواني مجموعة من النماذج للتدليل على أن حد الردة كان سلاحا استغله بعض الحكام عبر السنين في وجوه معارضيهم وخصومهم، بمن فيهم بعض كبار العلماء الذين تصدوا لبعض الطغاة. ويسرد العلواني تجربة شخصية مهمة وذات مغزى ليبرهن على الاستغلال السياسي لحد الردة. فقد حاول الشيوعيون العراقيون القيام بمحاولة انقلاب ضد حكومة عبد السلام عارف البعثية عام 1963، لكن المحاولة فشلت، واعتقلت الحكومة البعثية خمسة آلاف شيوعي تقريبا. ثم قرر مجلس قيادة الثورة إعدامهم بتهمة الردة، وحدد يوم التنفيذ وجهازه. وأسندت المهمة إلى اللواء الركن عبد الغني الراوي، وكان اللواء الراوي من المصلين، فلما رأى ضخامة العدد الذي أُمر بقتله شعر بخطورة الأمر، وطلب من الحكومة الحصول على فتوى من كبار علماء البلد من السنة والشيعة. فاقترحت عليه الحكومة مراجعة السيد محسن الحكيم والإمام الخالصي بالنسبة للشيعة، ومفتي السنة نجم الدين الواعظ. وأفتى الثلاثة بوجوب إعدام الشيوعيين باعتبارهم مرتدين لأن السؤال صيغ لهم بخبث. وكان اللواء الراوي صديقا للعلواني ويتردد على المسجد الذي يخطب فيه الجمعة. وفي صباح يوم التنفيذ كان اللواء الراوي ما زال مترددا، فقرر استشارة العلواني. فكان رأي العلواني أن القضية «سياسية» لأن دستور حزب البعث في ذلك الوقت كان يؤمن بالماركسية اللينينية بتطبيق عربي، بل ويعتبر «الإرث والهبة كسبا غير مشروع» وهذا إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة. فإذا كانت المسألة مسألة ردة، فردة البعثيين لا تقل عن ردة الشيوعيين! واقتنع اللواء الراوي برأي العلواني، واعتذر عن تنفيذ حكم الإعدام، وأُسقط في يد الحكومة، ولم يُنفذ الحكم. وبعد أسابيع قليلة، كتب ميشيل عفلق نفسه مقالة، نشرت في جميع الصحف وأُذيعت بالراديو والتلفزيون، يدعو فيها الشيوعيين للانضمام إلى حزب البعث العراقي، والتحالف معه! وذكر عفلق في مقالته أن حزب البعث استطاع أن يحمي الرفاق الشيوعيين من مؤامرة رجعية خطيرة كانت تستهدف إبادتهم جميعاً!

    ويستعرض العلواني أشهر قضايا الردة في العقود الثلاثة الأخيرة. فيتطرق إلى قضايا محمود محمد طه، وسلمان رشدي، وفرج فودة، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، ونوال السعداوي، وأخيراً الأفغاني عبد الرحمن عبد المنان. وبسبب تلك القضايا – يقول العلواني - اشتد هجوم الغرب على الإسلام كدين متهم بهدر حقوق الإنسان. ويتساءل العلواني - بذكاء – قائلا: لو كان حد الردة قائما ومطبقا في بلاد المسلمين كلها، هل كان أولئك الذين تبنوا تيارات فكرية إلحادية أو مناقضة للإسلام ثم عادوا من أنفسهم ودون تدخل قضائي ليكتشفوا هويتهم، ويتبنوا من جديد نهج الإسلام، هل كان هؤلاء اليوم أحياءً يدافعون عن الإسلام؟ وهذا السؤال الجوهري هو ما دفع العلواني لدراسة حد الردة. وهو يؤكد أن قضية البحث الأساسية هي الردة الفردية المسالمة بمعنى: تغيير الإنسان عقيدته بطريقة مسالمة ليس فيها رفع للسلاح أو خروج على الجماعة أو دعوة لهدم الإسلام.

    ثم يناقش العلواني حقيقة الردة في القرآن الكريم. فيسرد ويفسر الآيات المتعلقة بهذه القضية. ومن ذلك يتضح أن حرية العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود، وأن القرآن المجيد لا يحتوي على حد للردة أو عقوبة دنيوية لها، لا إعدام ولا دون ذلك، ولم يشر لا تصريحا ولا على سبيل الإيماء إلى ضرورة إكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، وأن العقوبة على الردة هي عقوبة أخروية موكولة إلى الخالق لقوله تبارك وتعالى ?ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون?.

    ويتناول العلواني قضية الردة في السنة النبوية حيث يشير إلى أنه يستحيل عقلا وشرعا أن يأتي في السنة النبوية - الثابتة الصحيحة - شيء يناقض مبادئ القرآن الكريم، فضلا عن أن ينسخه. وإذا كانت مبادئ القرآن الكريم قد حددت بوضوح إطلاق حرية الاعتقاد، وأحاطتها بسائر الضمانات، وجعلت جزاء المرتد لله تعالى في الدار الآخرة، فلا يتوقع من السنة أن تأتي على خلاف ذلك. خاصة وأن هذا الأمر لم يرد في آية واحدة، أو اثنتين، بل جاء في ما يقارب مائتي آية بينة وكلها متضافرة على تأكيد حرية الاعتقاد. ونطالع سردا لعدد من وقائع الردة التي حدثت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وبعد الهجرة إلى يثرب لنخلص منها أن الرسول لم يقتل مرتدا أو زنديقا طيلة حياته إلا في حالة كونه مرتكبا لجريمة أو محاربا.

    ثم يعرض العلواني للسنة القولية وأشهرها حديث «من بدل دينه فاقتلوه» فيورده بكل طرقه ومتابعاته وأقوال العلماء فيه. ويخلص العلواني إلى أن هذا الحديث حديث آحاد يعد في المراسيل في الغالب، ولا يؤخذ على إطلاقه ومعناه الحرفي، بل يرتبط بواقعة محددة وهي مؤامرة اليهود التي ذكرها القرآن الكريم «وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون» بهدف تحطيم الجبهة الداخلية للمسلمين وزعزعة ثقتهم بدينهم، خاصة من هم حديثو عهد بالإسلام. وبدون مثل هذا التقييد، يؤدي الأخذ بهذا الحديث على إطلاقه إلى نسخ أو إيقاف العمل بما يقرب من مائتي آية قرآنية كريمة نصت على إطلاق حرية الاعتقاد، ونفي الإكراه على الدين، وعدم ترتب أي عقوبة على مبدل دينه في الدنيا إذا كان مسالماً ولم يرتكب جرائم أخرى كما ذكرنا سابقاً. وهذا ما لا يقبله العقل. ويستشهد المؤلف كذلك برد الرسول على من اقترح عليه قتل بعض المنافقين: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه».

    ثم يناقش العلواني مذاهب فقهاء جميع الطوائف الإسلامية ليخلص إلى أن هؤلاء الفقهاء كانوا يعالجون جريمة مركبة غير التي نعالجها اختلط فيها السياسي والقانوني والاجتماعي بحيث كان تغيير المرتد دينه يصاحبه خروج على المجتمع والقيادة السياسية والنظم التي تتبناها الجماعة.

    أما بخصوص حروب الردة، فيؤكد العلواني أنها كانت سياسية في المقام الأول. فهي لم تكن بسبب الامتناع عن أداء الزكاة فقط، بل لإلزام مواطنين هددوا وحدة الأمة وسيادتها واستقرارها على الخضوع للسلطة الشرعية.

    ويخلص العلواني في نهاية بحثه القيم إلى أن الإنسان المكرّم المستخلف المؤتمن أكبر عند الله وأعز من أن يكلفه ثم يسلب منه حرية الاختيار، بل إن جوهر الأمانة التي حملها، والتي استحق بها القيام بمهمة الاستخلاف، إنما يقوم على حرية الاختيار التامة الكاملة: ?لا إكراه في الدين?.

    http://www.aawsat.com/details.asp?section=19&issue=10452&article=427643
    ___
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-23-2008, 11:06 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    عبدالله عثمان جامعة أوهايو/أمريكا، «الولايات المتحدة الامريكية»، 20/10/2007
    مهما تسترت حركة الإخوان المسلمين بالشعارات البراقة، فهي لا تعدو قدرها من كونها تنظيما سياسيا يستغل الدين لأغراض سياسية محدودة وهم في ذلك يطوعون ويلتفون حول صحيح الأحاديث والعقائد لتخدم أغراضهم السياسية الضيقة وليس أدل على ذلك من تحالفهم الأخير مع محامية قبطية لأنهم أحسوا أنهم لا يمكن لهم الفوز في دائرتها!! ومن ألاعيبهم مثلا أنهم يربون أبنائهم على أن الغناء حرام ومزامير الشيطان الخ الخ ولكنهم لما أرادوا استقطاب الناخبين في الإنتخابات الأخيرة في مصر جوزوا استخدام المزمار لحشد الجماهير!!
    رجل عالم في السودان اسمه محمود محمد طه فضح ألاعيبهم هذه وبين للناس أنها ليست من الدين في شيء فعلقوه على أعواد المشانق!! ألم يقل زعيمهم حسن البنا في مذكرات الدعوة والداعية: (سنتوجه بدعوتنا الى المسئولين من قادة البلد، وزعمائه، ووزرائه، وحكامه، وشيوخه، ونوابه، واحزابه، وسندعوهم الى مناهجنا، ونضع بين أيديهم برنامجنا) (فان اجابوا الدعوة وسلكوا السبيل الى الغاية آزرناهم، وان لجأوا الى المواربة، والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حرب على كل زعيم) (ستخاصمون هؤلاء جميعا، في الحكم، وخارجه).

    http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=442143&issue=10553
    ____
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 00:37 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    صدور أول كتاب شامل عن محمود محمد طه وفكرته الجمهورية*
    صلاح حسن أحمد
    د. محمد أحمد محمود، في السعي إلى الذات العليا دراسة نقدية في فكر محمود محمد طه
    (بالانجليزية)* ، مطبعة جامعة سيراكيوز (سلسلة التاريخ الفكري والسياسي الحديث للشرق
    296 صفحة. ، الأوسط)، ديسمبر 2006
    محمود محمد طه، موضوع الكتاب، هو مؤسس "الحزب الجمهوري" السوداني الذي
    سعى في منتصف الأربعينيات إلى استقلال البلاد عن التاج البريطاني، والذي انبثق عنه
    في ما بعد التيار الفلسفي الإسلامي المعروف باسم "الفكرة الجمهورية"، ثمرًة لأفكار طه
    وتنظيراته لصياغة رؤية جديدة للإسلام. وقد وجدت هذه الدعوة صدى عميقًا وسط
    بعض صفوة المتعلمين المستنيرين، خاصة طلاب المؤسسات التعليمية العليا في عقدي
    السبعينات والثمانينات. لكنها اصطدمت، حتميًا، بالمؤسسة المحافظة وح  راسها من
    العلماء التقليديين والإخوان المسلمين الذين آلوا على أنفسهم مهمة اجتثاثها، وهو ما
    . صار لهم بإعدام طه بعد اتهامه بالردة في 18 يناير 1985
    يتناول الكتاب موضوعه من حياة طه منذ مولده عام 1909 ببلدة  رفاعة في أواسط
    السودان، مرورًا بمرحلة شبابه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، ونضاله السياسي
    والاجتماعي وخلوته بغرض التأمل، حتى خروجه بمشروعه الإسلامي الجديد. وتتابع
    فصوله مشوار هذا المشروع فتقدم للقارئ دراسة عميقة لطبيعة المساهمة الفكرية لطه
    من ناحية، وتقييم هذه المساهمة نقديًا من ناحية أخرى. ويقوم منهج المؤلف على كشف
    علاقة الاستمرار والانقطاع بين مشروع طه الفكري والمصادر التراثية (خاصة
    Société Soudanaise des Etudes et Recherches en Arts, Lettres et Sciences Humaines
    Sudanese Society for Research in Arts and Humanities
    الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
    www.sudaneseonline.com
    2
    الصوفية) والحديثة التي تأّثر بها. وفي معالجته التفصيلية لفكر طه يتناول نظريته
    الصوفية عن الصلاة ومنهجه في تفسير القرآن وموقفه في مسألة التخيير والتسيير
    وبرنامجه الحداثي في الإصلاح الجذري لرسالة الإسلام السياسية والاجتماعية (ما أطلق
    عليه الرسالة الثانية من الإسلام) ورؤاه في تحديث الشريعة وموقف الإسلام من العلم
    (خاصة نظرية التطور) ومن الفنون. وفي التطرق لكل هذه الجوانب يحرص المؤلف
    على تأكيد وإبراز التوتر الذي يتسم به فكر طه في حركته بين قطبي الأصالة التراثية
    والحداثة.
    Société Soudanaise des Etudes et Recherches en Arts, Lettres et Sciences Humaines
    Sudanese Society for Research in Arts and Humanities
    الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
    www.sudaneseonline.com
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 00:41 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    ماذا نفعل ب "مشكلة الشرق الأوسط"؟
    د. حسن موسى
    أعني ب "مشكلة الشرق الأوسط" ذلك الكتاب الذي أصدره "الحزب الجمهوري" في
    السودان عقب حرب يونيو 1967 . وأظنه من أول ومن أهم الكتب التي صدرت
    في السودان حول مشكلة الشرق الأوسط بعد حرب 67 . وصفة الأهمية تتأتى من كونه
    كتاب صادر عن جهة سودانية منظمة سياسيا (الحزب الجمهوري) تحاول أن تقف على
    مسافة نقدية من مجموعة المسلمات والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي عن العلاقة
    مع الآخرين في مشهد الواقع الذي شكلته الحرب الباردة.
    ورغم أن الكتاب يعالج أسئلة الصراع العربي الإسرائيلي وقضايا التحالفات السياسية
    ضمن ملابسات التحرر من الاستعمار والحرب الباردة إلا أن مركز الثقل الفكري فيه
    يتبلور عند سؤال الهوية.
    والكتاب يلح على سؤال الهوية كسؤال مفتاحي يمكن أن تحال إليه كل قضايا المجتمع
    العربي الأخرى، بما في ذلك قضية "قيام دولة إسرائيل في أرض فلسطين".
    ففي الفصل السابع من " مشكلة الشرق الأوسط" (أكتوبر 1967 )، يخلص الكاتب إلى
    تعريف " الحل الآجل" لمشكلة الشرق الأوسط من منظور قومي عروبي يموضع العرب
    أمام مهمة تاريخية في جلال ابتداع مدنية جديدة وإنقاذ العالم من قدر القسمة المريعة
    بين الانحدار الأخلاقي والتقدم التقني:
    " أول ما تجب الإشارة إليه هو أن العرب اليوم يواجهون تحديا حاسما، وليس هذا
    التحدي هو قيام دولة إسرائيل، في أرض فلسطين، بعد أن اقتطعتها، وشردت أهلها،
    وأعانها، على كل أولئك قوم آخرون، في طليعتهم الشيوعية الدولية التي تدعي صداقة
    العرب اليوم، وتتباكى على مأساتهم. . بل أن النظر العميق في حقيقة هذا التحدي
    ليظهر دولة إسرائيل وكأنها صديق في ثياب عدو. . أو أنها نعمة في ثوب نقمة.

    2
    وأما التحدي الحاسم الذي يواجه العرب فإنه يتمثل في أن منطق تطور الحياة البشرية
    المعاصرة في هذا الكوكب يقول للعرب أن عليكم، منذ اليوم، أن تدخلوا التاريخ في
    القرن العشرين، كما دخله أوائلكم في القرن السابع، فأشرقت بدخولهم على عالم يومئذ
    شمس مدنية جديدة. . أو أن تخرجوا عن التاريخ، لبقية التاريخ. . " إن العرب اليوم لا
    يوجهون التاريخ، ولا هم يسهمون في توجيهه، وإنما ينساقون خلفه ويعيشون على
    هامشه. . ". . " ويزيد في حسم التحدي الحاسم الذي يواجه العرب عدة أمور: منها
    أولا، أن المدنية الغربية، الآلية، الحاضرة قد أعلنت إفلاسها، ووصلت إلى نهاية
    مقدرتها التطورية، وعجزت عن استيعاب طاقة بشرية اليوم، وتطلعها إلى تحقيق
    الاشتراكية والديموقراطية في جهاز حكومي واحد. . ". . " وقد ع  مق إفلاس هذه
    المدنية، وعجزها،شعور البشرية المعاصرة بالحاجة إلى بزوغ شمس مدنية جديدة،
    تلقح الحضارة الغربية الآلية الحاضرة وتنفخ فيها روحا جديدا به يتسق التناسق بين
    التقدم التكنولوجي، والتقدم الخلقي. وبذلك تصبح المدنية الغربية الحاضرة قادرة على
    التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة
    الاجتماعية الشاملة. ".
    ومساهمة الأستاذ محمود في مساعي" تلقيح المدنية الغربية" وحقنها" بدم جديد"، (دم
    عربسلامي) يجدد شبابها، إنما تندرج في ما يمكن أن نسميه ب "نظرية صراع
    الحضارات". وهي "نظرية" تمخضت عنها آيديولوجيا المركزية الأوروبية العنصرية
    والاستبعادية التي تعتبر نفسها مستودعا طبيعيا لقيم حضارية جوهرية خارج التاريخ.
    وتستمد من هذه القناعة الخرقاء كل المسوغات التي تحتاجها للاستعلاء على الآخرين
    وقهرهم واستغلالهم . ومصيبة " نظرية صراع الحضارات " تتلخص في كونها تتصور
    الحضارات ككيانات صافية قائمة على استمرارية قيم حضارية ثابتة لا تعرف القسمة،
    قيم مستقلة بذاتها عن كل شائبة وكل تأثير أو تداخل مع غيرها من قيم الحضارات التي
    تعاصرها أو حتى تلك السابقة أو اللاحقة لها. وإذا كانت " نظرية صراع الحضارات"
    Société Soudanaise des Etudes et Recherches en Arts, Lettres et Sciences Humaines
    3
    التي تسقط على الظاهرة الحضارية مواقف الإنسان وبواعثه السلوكية، قد أورثتنا ذلك
    المقطع المشهور من شعر روديار كيبلنغ "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"
    Oh, East is East, and West is West, and never the twain shall meet, Till Earth
    and Sky stand presently at God’s great Judgment Seat;
    فهي قد ألهمت صامويل هانتنغتون، الأستاذ بجامعة هارفارد ومستشار الأمن القومي
    لدي الإدارة الأمريكية، بذل المبررات الأخلاقية والسياسية والاقتصادية التي تس  وغ لدول
    حلف شمال الأطلنطي إتخاذ مواقف عدائية تجاه " الآخرين "( في البلدان الإسلامية أوفي
    الصين) على أساس الإختلاف الحضاري، وقيل على أساس "أخوة الحضارة" حسب
    عبارة هانتنغتون:
    «frères de civilisation»
    S. Huntington, Le Choc des Civilisations, Odiljacob,1997,p. 439
    ووراء كيبلنغ وهانتنغتون تطول القائمة لتشمل تلاوين سياسية وثقافية ما أنزل الله بها
    من سلطان من صدام حسين الذي أعلن الحرب على " الفرس" باسم العروبة لأسامة بن
    لادن الذي أعلن الحرب على الغرب باسم الشرق مرورا بالهادي المهدي إمام طائفة
    الأنصار الذي الذي كان يعتبر السودان بمثابة" رأس الرمح" للغزو الإسلامي العروبي
    في أفريقيا، لغاية شعراء "الغابة والصحراء" والسودانويين من تشكيليي "مدرسة
    الخرطوم" بتنويعاتها العربانية والأفريقانية، وصولا لأصوليي نظام الإنقاذ الذين أشعلوا
    الحرائق في السودان باسم الحضارة العربسلامية ثم أنكروا "المشروع الحضاري"
    الإسلامي وتبرأوا منه بالكلية بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبين هؤلاء وأولئك جادت
    القرائح " الحضاروية" بتنويعات شتى على نظرية "صراع الحضارات": من مقولة "نهاية
    الغرب" أو "نظرية موت الحضارة المادية" لمقولة "حوار الحضارات" أو "حوار الأديان"
    لغاية تلقيح الحضارة الغربية الآلية بشيء من المحمول الروحي للإسلام. و"نظرية
    التلقيح" المتمدن، رغم أنها تنطرح هنا كتعبير سلمي "بوليتيكلي كوريكت" إلا أنها تنطوي

    4
    على بعد رسالي "إنقاذي" (في المعنى المحمود للعبارة) كما لو كان مصير الحضارة
    الإنسانية كله يتوقف على الموقف الذي يتخذه العربسلاميون، لا من الحضارات الأخرى
    عموما، وإنما من هذه الحضارة الراهنة المهيمنة، المسماة "غربية" و"آلية " على وجه
    التحديد.
    هذه الفكرة الطوباوية النبيلة، ظلت على الدوام تؤثّث خلفية كل التحليلات السياسية
    التي بذلها الجمهوريون لواقع العلاقات السياسية في الشرق الأوسط. ففي خاتمة كتاب
    "التحدي الذي يواجه العرب"، وهو الكتاب الذي أصدره الحزب الجمهوري في شهر
    سبتمبر 1967 ، أي بعد أسابيع من هزيمة الدول العربية في يونيو 1967 ، طرح
    الجمهوريون رؤيتهم للنزاع بين إسرائيل والدول العربية على منظور المواجهة
    الحضارية بين العرب ومن جهة والعالم من جهة أخرى. على زعم أن العرب هم الجهة
    التي عهدت إليها العناية الإلهية بتحقيق " دين التوحيد" الذي سيخلص الإنسانية من كافة
    شقاقاتها. والجمهوريون بهذه النظرة لا يقّلون عروبة عن القوميين العرب (ناصريين
    كانوا أم بعثيين) لأنهم رأوا في العرب جوهرا عرقيا أو و دينيا يصطفيهم كما
    اليهود لأداء مهمة لا يقدر عليها سواهم. و"شعب الله العربسلامي المختار" هنا يطرح
    نفسه خارج العالم وبالمقارنة مع العالم وقيل ضد العالم بدلا من أن يطرح نفسه
    في العالم وكجزء من العالم. جزء من "الناس".
    تقول خاتمة كتيب "التحدي الذي يواجه العرب":
    "إن هذه الآية التي صدرنا بها هذا السفر، وهي قوله تعالى:" ومن يبتغ غير الإسلام دينا
    فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، آية تطالب هذه الأيام بمظهرها على
    الأرض، وهي تطالب بمظهرها على أرض العرب أولا ريثما تنشر ظلها على سائر
    الأرض، وذلك أمر ما منه بد،وسيكون ظهورها في أرض العرب على أيدي العرب،
    فإذا ل  ج العرب عنها،والتمسوا لمشاكلهم الحل في غير الإسلام، فإن الخذلان هو
    نصيبهم. إن الله غيور على العرب بما جعلهم ورثة المصحف العربي، وعترة النبي
    العربي، فإذا انتصر الناس في هذه الأيام عن غير طريق الإسلام، فإن العرب لن

    5
    ينتصروا، في هذه الأيام، إلا عن طريق الإسلام. وعلى العرب أن يعرفوا أن "من لم
    يسر إلى الله بلطائف الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان، فما من الله بد."
    وفي هذا المنظور،منظور إنقاذ الحضارة الإنسانية بحالها، فنحن أبعد ما نكون عن
    الطموح السياسي البراغماتي الذي يريد حل النزاع العربي الإسرائيلي وحده بصرف
    النظر عن المخاطر التي قد تتهدد الحضارة الإنسانية.
    هذه الفكرة، فكرة إنقاذ الحضارة الإنسانية بحالها، بفضل البعث العربسلامي المرتقب،
    تطمس بصيرة التحليل الجيوبوليتيكي الذي يعبر عنه الكتاب في بعض صفحاته عندما
    يطرح المؤلف مشكلة الشرق الأوسط في إطار الواقع السياسي الذي خلقته الحرب
    الباردة. ذلك لأن الكتاب يب  سط الواقع المركب للحرب الباردة ويختزله لمجرد مواجهة
    بين عملاقين، رأسمالي وشيوعي، يستقطبان كل احتمالات الحركة والسكون ضمن
    مشهد الصراع العالمي.
    وذلك رغم أن خبرة الأستاذ الشخصية، السياسية والتاريخية في نظري الضعيف
    تفرض عليه بالضرورة رؤية التركيب اللاحق بواقع الحروب الساخنة والباردة
    وأمورها المشتبهات التي عاصرها في منطقة الشرق الأوسط . فتحت شروط الحرب
    الباردة أمكن تفكيك آلة الاستعمار الكلاسيكي في بلدان العالم الثالث سواء عن طريق
    الضغوط السياسية السلمية سواء عن طريق النضال المسلح الذي م ّ كن لبعض حركات
    التحرر أن تتقدم على درب التحرر مسنودة بحلفاء موضوعيين معادين للاستعمار
    والإمبريالية. تحت شروط الحرب الباردة تمكن الشعب الفيتنامي من هزيمة آلة القهر
    الطبقي للإمبريالية الأمريكية وبناء دولة السيادة الوطنية. وتحت شروط الحرب الباردة
    أمكن لبعض البلدان المتحررة أن تباشر بعض الإصلاحات المهمة في بنى الاقتصاد
    وإطلاق التنمية الاجتماعية التي استفادت منها أجيال ما بعد الاستقلال. ولا شك أن
    الفلاحين الفقراء الذين حصلوا على الأرض بفضل "الإصلاح الزراعي " الذي أجراه
    عبد الناصر، وأبناء الفقراء الذين استفادوا من مجانية التعليم يحفظون للزعيم المستبد

    6
    لا غلاط في ذلك أنه ف  رج عنهم بعض كرب الواقع الطبقي التعيس في مصر
    الباشوات.
    قلت أن البعد الآيديولوجي الإنقاذي يطمس بصيرة التحليل الجيوبوليتيكي لكتاب "مشكلة
    الشرق الأوسط" لأنه يموضع العرب، كل العرب، بدون فرز طبقي، في جهة غير
    الجهة التي فيها "العالم". ناهيك عن السعي المحموم لموضعة" العالم"، في هيئة" الغرب"،
    ككيان أصم لا يعرف الفرز الاجتماعي ولا تطاله طائلة التاريخ. وهذه الرؤية تحرم
    العرب، من أصحاب المصلحة في التحرر، من احتمال ملاقاة حلفاء موضوعيين خارج
    جغرافيا العالم العربي، وتحكم عليهم بالعزلة النهائية داخل" الحفرة" العربسلامية
    المجيدة. وعرب إسرائيل الذين يقاومون السياسات الصهيونية لليمين الإسرائيلي
    بالتحالف مع قطاع من اليسار الإسرائيلي على سبيل المثال لا بد أنهم يقدرون
    قيمة القرب الآيديولوجي الذي يربطهم بالشيوعيين الإسرائيليين بأكثر مما يقدرون
    قرابتهم العرقية والدينية مع أثرياء الرأسمالية الطفيلية العربسلامية المتحالفة مع أنظمة
    الاستبداد العربي التي تتعيش من المزايدة السياسية باسم القضية الفلسطينية.
    وعبر صفحات الكتاب يرسم المؤلف صورة المجتمع العربي ككتلة ص ماء غاشمة
    عديمة الخيال تتبع " القادة الق  صر" والمتقاعسين أو و المتهورين الذين يلهبون
    الجماهير بالخطب الرنانة ويجهلون كل شيء عن الأجندة الشريرة للقوى الدولية الكبرى
    التي تغرر بهم وتتظاهر بصداقتهم. وقد ك  رس المؤلف مساحة معتبرة من الكتاب الذي
    موضوعه " مشكلة الشرق الأوسط" لنقد مواقف جمال عبد الناصر وسياساته باعتباره
    المسئول الأول عن الكوارث التي لحقت بالعرب مثلما هو مكرس لنقد الأحزاب
    الشيوعية العربية والإتحاد السوفيتي. فعبد الناصر ما هو إلا ضحية لخداع الشيوعيين،
    والشيوعيون بدورهم ضحايا للتضليل الآيديولوجي الماركسي للإتحاد السوفييتي
    الذي"استعمر" عقول الشيوعيين العرب وأفسد بصائرهم.
    7
    وفي مشهد نقد الفكر الماركسي يطرح الكتاب مفهوما جديدا للاستعمار الجديد. وهو
    غير مفهوم " الاستعمار الجديد" (نيوكولونياليزم) المتعارف عليه في مجال دراسات
    الاقتصاد السياسي. ف "الإستعمار الجديد" في التعريف الجمهوري هو "الاستعمار
    الشيوعي الذي يسعى جاهدا اليوم لبسط نفوذه على العالم. وهو استعمار يسعى من
    الوهلة الأولى إلى استعمار العقول بأفكار هي غاية في السوء، وغاية في الخطورة،
    وليس غرضه المباشر الاستغلال الاقتصادي، وإنما غرضه المباشر، النهي، والأمر،
    والسيطرة، والاستغلال الاقتصادي يجيء من بعد ذلك بالتبعية. . ويخطئ كثيرا من
    يظن أن المادة هي أقصى ما تطلب النفس البشرية. . ذلك بأن إلتذاذ النفس البشرية
    بالسلطة يفوق إلتذاذها بالثروة"، وهكذا يؤول أمر ظاهرة اقتصادية وسياسية واجتماعية
    في تعقيد وتركيب الظاهرة الاستعمارية إلى نوع من هوى النفس البشرية الأمارة
    بالسوء التي تلتذ بالسلطة قبل الثروة،( ترى هل يمكن تفسير تضامن الشيوعيين
    السودانيين مع الأستاذ محمود ضد حكم محكمة الردة الأولى كنوع من الانسياق وراء
    التضليل الشيوعي المنظم أم هو خيار حر أصيل لدعم الديموقراطية في ساحة العمل
    العام السوداني؟). وما الذي يجعل رجلا في فطنة أستاذنا محمود النقدية وفي سعة حيلته
    الفكرية يقبل بهذا التحليل الساذج لمفهوم الاستعمار؟ ما الذي يدفع أستاذنا محمود
    القارئ الواسع الإطلاع لتجاهل أدبيات الاقتصاد السياسي التي حللت الظاهرة
    الاستعمارية وأفاضت في شرحها كل هذا التجاهل المثير للريبة؟هل يمكن لنا أن نتصور
    أن الأستاذ قد غفل وإنجرف وراء إغراء السهولة التي زينت له استباحة حرمة مصطلح
    " الاستعمار" بذريعة الكسب السياسي العاجل؟أم أن النص المكتوب في مفهوم الاستعمار
    خارج من قلم آخر غير قلم أستاذنا الدقيق ومن فكر آخر غير فكره الثاقب. وأنا أقول
    هذا الكلام لأني أعرف أن في النصوص الصادرة باسم الجمهوريين جزء مكتوب بشكل
    جماعي، وإن صدر تحت اسم الأستاذ محمود وبمباركته. وربما نفعنا الأصدقاء
    الجمهوريون الذين عاصروا كتابة "مشكلة الشرق الأوسط" بمعرفتهم بملابسات كتابة هذا
    النص.
    8
    وبخلاف مشكلة المصطلح السياسي يتكشّف الكتاب عن فهم متواضع لجيوبوليتيك
    الحرب الباردة. بالذات حين يتصور الحرب الباردة كخيار حر مبذول أمام الدول
    الصغيرة فتتبناه أو تلفظه. ذلك أن أحد أهم المآخذ التي يأخذها الكتاب على جمال عبد
    الناصر هي أنه زج ببلاده وبالبلدان العربية في أتون الحرب الباردة واستعدى على
    العرب القوى الكبرى في أوروبا وأمريكا وجعلها ألعوبة في يد حليف مخاتل من شاكلة
    الإتحاد السوفييتي إلخ...". وحين تدخل مصلحة دولة صغيرة في حلبة هذه الحرب
    الباردة، تهدر هذه المصلحة، ولا تعار أدنى إهتمام، وتصبح هذه الدولة الصغيرة كالنملة
    تحت أقدام الفيلة المتصارعة، لا تبالي الفيلة بمصيرها.
    وهذا يوجب على كل زعيم يستحق لقبه، من زعماء الدول الصغيرة، أن يسير مفتوح
    الذهن ليكسب لأمته مكانا تحت الشمس من غير أن يجرها إلى حلبة هذه الحرب
    المجنونة. . ". . "ذلك بأن كل ما لقي العرب وما يلقون، إلى اليوم، إنما مرده إلى أنهم
    قد أصبحوا، من جراء قصر النظر في تأميم قناة السويس، غرضا من أغراض الحرب
    الباردة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية".
    إن كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" يظل من الكتب المهمة التي أصدرها الجمهوريون لأنه
    يضيء منهج التفكير السياسي الجمهوري على الأقل في تلك الفترة بطريقة بريئة
    في إنتقائيتها، طريقة تؤشر لتغ  ول البراغماتية السياسية المغرضة حتى لا أقول
    "الانتهازية السياسية" على منطق الفكر الحر الذي لازم جهد التجديد الديني عندهم.
    وبعد، وقبل،
    ما زالت في الخاطر أسئلة كثيرة تتعلق ب "كعب آخيل " الميراث السياسي الجمهوري
    المسمى ب مشكلة الشرق الأوسط" ويا حبذا إعادة قراءة نقدية تجيء من طرف التلاميذ
    النظاميين للأستاذ ممن عاصروا الفترة التي كتب فيها هذا الكتاب فتستكمل ما غاب من
    الصورة العروبية للجمهوريين.

    http://sudaneseonline.com/sections/special-files/MMTaha/ustazMMtahap1.html
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 00:49 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    1
    محاولة للتعريف بمساهمة الأستاذ محمود محمد طه
    في حركة التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر
    د. عبد الله بولا
    دراسة نشرتها مجلة رواق عربي التي يصدرها "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان"، في عددها
    . الرابع الصادر في أكتوبر عام 1996
    ثمة مشكلات عديدة تواجه قضايا التجديد في حركة الفكر الإسلامي في هذا العقد الأخير من
    القرن العشرين بالذات. وهي مشكلات تتطلب مواجهة حقيقية للنفس وللواقع لكي يكون للفكر
    الإسلامي المعاصر فرصةٌ للمساهمة في صياغة، أو بالأحرى في إعادة صياغة العالم بالفعل
    لا بالأوهام الذاتية. والمواجهة الحقيقية للنفس وللواقع المعاصر التي تمكن الفكر الإسلامي من
    الارتقاء إلى مستوى "عالمية جديدة" وتؤهله لدورٍ فاعلٍ فيها ليست من قبيل الاحتيال
    الإيديولوجي السفسطائي على المفاهيم والمناهج والنصوص والوقائع التاريخية التي تشكل
    نسيج هذا الفكر، كما أنها ليست في تجميد تراثه وقسره على الإجابة على أسئلةٍ وإشكالياتٍ لم
    تكن ضمن مشاغله في زمانه التاريخي المحدد، مما هو اليوم شأن الغالبية العظمى من
    اجتهادات المفكرين الذين يسمون أنفسهم ب"الإسلاميين". إن المدخل "الوحيد الممكن"* لأي
    ثقافةٍ تطمح إلى المشاركة في صياغة العصر هو تجديد بنياتها، أي مفاهيمها وآلياتها لإنتاج
    المعرفة وقيمها الأساسية ومناهج تعبيرها وإدراكها لذاتها وللآخرين "من حولها" بغرض أن
    تستوعب حركة هذا الواقع ومستجداته وتستشرف آفاقها الممكنة. ولا سبيل، في اعتقادنا، إلى
    تجديد بنيات الثقافة إلا بمواجهةٍ نقدية لإنجازها التاريخي ومسلماتها المستقرة. وليس معنى
    المواجهة النقدية بالطبع الرفض أو التخلي والطرد، وإنما تعني النظر الفاحص للعناصر
    المكونة لإبداعية الثقافة في إطارها التاريخي وفهم فاعليتها وضروريتها وغائيتها في السلب

    2
    والإيجاب، لإعادة انطلاقها، بإكمال هدم ما انهدم أص ً لا من بنياتها وأصبح حجر عثرة في
    حركة جدلها الداخلي وجدلها مع الواقع المحيط. وهذا أمر يمكن أن يجر إلى الموت، ضمن
    ما يجر من عواقب أخرى على المجدد. بهذا الثمن وحده، أعني بامتلاك هذا الوعي بفداحة
    العبء الذي ينبغي على دعاة التجديد أن يحملوه، وبامتلاك الاستعداد النفسي والأخلاقي
    لتحمله، يمكن الحديث عن فتح أفق حقيقي لحركة للتنوير في الثقافة الإسلامية المعاصرة
    عمومًا، وفي حركة الفكر منها على وجه التخصيص. في هذا الإطار، تشكل مساهمة المفكر
    الإسلامي السوداني الشهيد الأستاذ محمود محمد طه ( 1909 1985 ) نموذجًا أصي ً لا من عدة
    وجوه سنعرض لها في سياق هذه الورقة.
    إنني أزعم أن الأستاذ محمود هو بين المفكرين الإسلاميين المجددين المعاصرين أكثرهم
    وأعمقهم إدراكًا لمأزق الفكر الإسلامي السلفي في مواجهة متغيرات الواقع المعاصر وما
    تطرحه من إشكالياتٍ متواترةٍ ومعقدة. ولقد كان عميق الإدراك بنفس القدر لقصور محاولات
    الكثيرين من دعاة التجديد و"بؤس" مفاهيمهم وقراءاتهم ( بل تأهيلهم واستعدادهم أص ً لا، وليس
    المقصود بالطبع تأهيلهم المعرفي الأكاديمي أو مواهبهم الشخصية) عن التصدي لمثل هذه
    المسئولية الجسيمة. فالدعوة للتجديد الجذري لبنياتٍ فكريةٍ قائمةٍ على سلفٍ مقدسٍ وتقاليدٍ
    مقدسةٍ أيضًا، قداسة تحميها وتحتمي بها سلطة دولةٍ استقر فيها الاستبداد نحواٍ من ألفٍ
    وثلاثمائة عام ونيف، (حتى أصبح الاستبداد بذاته واجبًا مقدسًا عند نفرٍ ممن يظنون أنهم
    حماتها وورثتها الوحيدون) أقول إن الدعوة للتجديد الجذري في مثل هذه الشروط ليست نزهة
    سعيدة. ولم يكن غريبًا في هذه الحال أن يتراجع معظم دعاة التجديد عن جوهر مشروعاتهم
    في مواجهة سيف الإرهاب السلفي المشرع فوق الرقاب، تراجع طه حسين وتراجع علي عبد
    الرازق، وتراجع خالد محمد خالد، وآخرون كثر غيرهم، وقد سبقني إلى ملاحظة ظاهرة
    التراجع هذه الصديق الدكتور نصر حامد أبوزيد (وهو من الذين رفضوا أن يتراجعوا).
    تراجعوا بدرجاتٍ متفاوتة عن جوهر مشروعهم التنويري: النقد الجذري لسلطة التراث
    وسلطة السلف واقتراح قراءةٍ جديدةٍ، أو بالأحرى فتح أفق بلا حدود لقراءات أخرى نقدية
    Société Soudanaise des Etudes et Recherches en Arts, Lettres et Sciences Humaines3
    للمناهج والمفاهيم للنصوص والمؤسسات والمأثور من نماذج السلوك والمناقب. ولعل أهم
    مستويات هذا التراجع ومظاهره لجوء الغالبية العظمى من دعاة التجديد إلى الإمساك بالعصا
    من منتصفها كناي ً ة عن المنحى التوفيقي. وهو توفيق لا ينبني على أساسٍ مفهوميٍ صلب ولا
    بنيةٍ استنباطية يعتد بها، وقد أقول أن هذه أص ً لا صفة كل منهجٍ توفيقي. وما أظنني بغير
    حاجة إلى التأكيد لمرةٍ أخرى بأن نقد سلطة التراث وسلطة السلف وسلطة النصوص شيء
    مخالف تمامًا للقول بالتحقير والزراية والطرد للتراث وللسلف من مشهد التجديد ومطلبه. بيد
    أن النوايا السيئة والقراءة السيئة كانت ولا تزال تتربص الدوائر بالخطاب المجدد وتجهد
    وتصر على إنطاقه بما لم ينطق به ولم يرد عنده حتى في الخواطر الخفية. ولعل في النماذج
    الحديثة جداً من القراءات الخبيثة المغرضة مما أورده نصر حامد أبوزيد في معرض
    توضيحه لبراءة خطابه المجدد من شبهة الرغبة في هدم التراث والإساءة إلى السلف ما يبرر
    إلحاحي هذا في التوضيح.( 1) فتقدير السلف والتراث شيء وتنصيبهما سلط ً ة مطلق ً ة وأزلي ً ة
    على الحاضر والمستقبل شيء آخر. وأظن أن هذا يكفي لدرء كل التباس لو أن أمر القراءة
    السيئة كان أمر التباسٍ وحسب .
    ولنذهب مباشرًة إلى موضوعنا الرئيسي. ما الجديد في مساهمة الأستاذ محمود محمد طه؟
    وفيم هو هام وجذري إلى هذا الحد الذي زعمته له؟
    يمكن القول أن مفهوم قيام الإسلام على رسالتين، رسالة أولى قامت على فروع القرآن،
    ورسالة ثانية تقوم على أصوله، هو المفهوم الرئيسي المؤسس في فكر الأستاذ محمود. وكلا
    الرسالتين مما بلغ النبي(ص)، بيد أنه فصل الأولى تفصي ً لا بينما أجمل الثانية إجما ً لا. ومناط
    تفصيل الأولى وإجمال الثانية أن الأولى إنما جاءت على قدر حاجة وطاقة مجتمع القرن
    السابع وما تلاه من مجتمعات لا تختلف عنه اختلافًا مؤثرًا في مستويات تطور وعيها
    ومؤسساتها الحقوقية والثقافية والإنتاجية والسياسية. بينما أرجئت الثانية إلى أن يجيء زمانها
    ورجالها ونساؤها( 2). وهذا المفهوم الذي سنفصل القول فيه لاحقًا، إنما هو نتاج ونموذج لما

    4
    أسميته آنفًا بالمواجهة الحقيقية للذات وللإشكاليات التي يطرحها الواقع المعاصر على الفكر
    الإسلامي، وعلى الفكر الإسلامي المتصدي لقضايا التجديد بالذات. فمن أرضية النظر النقدي
    الأمين والمخلص لحقائق الواقع المعاصر والقائم على احترامٍ عميقٍ لمقام الإنسان ولجهده
    المبدع وحقوقه الأساسية، وصل الأستاذ محمود إلى قناعةٍ رصينة بأن المنجز الإنساني
    الحضاري المعاصر في وجوهه المتصلة بحقوق الإنسان وضمان تفتحه وازدهاره وارتقائه قد
    فاق بما لا يقاس ما هو متضمن فيما لدى المسلمين المعاصرين من فهمٍ لدينهم، وفيما لديهم
    من تراث فكري وحقوقي وثقافي وسياسي، وفي ما استقر عندهم من ممارسات ومؤسسات
    تشكل مرجعيتهم في هذا الخصوص. فخرج على الناس بعد خلوة دامت عددًا من السنين،
    راض فيها نفسه رياضً ة قاسي ً ة بالعبادة والتأمل الفاحص والإطلاع الواسع العميق، بمقولات
    ،( جريئة وشجاعة فحواها أن "الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين"( 3
    وأن للإسلام "رسال ً ة ثانية" هي في مستوى حاجة القرن العشرين وطاقته، بل هي تتجاوز ذلك
    إلى مستوى قيادة التطور الإنساني في مراقيه التي لا نهاية لها، مراقيه في الواقع التاريخي،
    في ما يتحقق له به من مستويات الرفاه والحرية في هذه الحياة، ثم في الإطلاق، عند الله
    "حيث لا حيث" و"عند لا عند". وأظنني بحاجة إلى وقفةٍ هنا أوضح فيها أنه ليس من أغراض
    هذه الورقة التشيع لهذه المقولات أو معارضتها وإنما إبانة أصالتها وجدارتها بالاعتبار
    والمناقشة الجادة من وجهة نظر منطق التجديد ومنهجيته. لم يغالط الأستاذ* الشهيد حقائق
    العصر، كما أنه لم يراوغ واقع تخلف الفكر الإسلامي وقصور تراثه من المناهج والنصوص
    والوقائع عن الارتفاع إلى قامة إشكاليات العصر وطموحاته وتحدياته. وهذا في حد ذاته أمر
    جديد على مشهد محاولات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، من جيل الأستاذ، على أقل
    تقدير، وفي داخل دائرة الدعاة الذين ينطلقون من مرجعية دينية "صرفة". (وأعتقد أن تقديري
    في هذه النقطة متواضع جدًا وهو مما تفرضه عل  ي التقاليد الأكاديمية من تحفظ). هذه نقطةٌ
    منهجيةٌ هامة تتصل أساسًا بطرح المشكل. وكما نعلم أنه ليس من الصعب دائما أن نحل
    المشكلات ولكنه من الصعب أيضاً في كثيرٍ من الأحيان أن نطرحها طرحًا سليمًا وشجاعًا،
    وبصفةٍ خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع الدين المخيف. فحاجة الفكر الإسلامي، في نظر

    5
    الأستاذ محمود، ليست في مستوى معالجات موضعية وإنما هي في مستوى بعث الأصول،
    في مستوى إعادة تعريف الأصول والعمل بها. وهذا مشهد آخر من مشاهد أصالة مساهمة
    الأستاذ محمود. فبينما اكتفى معظم المجددين (وأنا أتحفظ مرة أخرى من أن أقول كلهم)،
    بالدعوة إلى بعث الأصول، من موقع التسليم بأن تعريف الأصول ناجز أص ً لا، انطلق الأستاذ
    من أن تعريف الأصول الذي بين أيدينا هو في الواقع ليس من أصول الإسلام في شيء.
    فأصول الإسلام عنده لا تلتمس في المفاهيم والشروط وطرائق الاستدلال وتحديد القضايا،
    التي وضعها السلف الصالح من الفقهاء المؤسسين، على جلال إنجازهم وضرورته في حدود
    حاجة وقتهم وطاقته، والتي اصطلح على تسميتها بالشريعة بإطلاق من باب الوهم أوسوء
    الفهم، وإنما تلتمس في مقاصد الدين النهائية: الحرية الفردية المطلقة والكرامة الإنسانية
    المطلقة، بل الكرامة المطلقة لجميع الخلق. كما أن الذي يحدد الحاجة إليها وضرورة بعثها
    وإمكانه ليس الرأي العارض المزاجي وإنما تهيؤ المكان والزمان موضوعيًا لاستقبالها. ولقد
    تهيأت الأرض في زماننا لاستقبالها بما بلغه المجتمع الإنساني المعاصر من مراقي التقدم
    الهائلة في المعارف والتقنية وسبل الاتصال، وهو في المقابل يحتاجها لما يضرب عليه من
    "الحيرة والفقر الروحي"، يكتب الأستاذ في معنى الاستعداد:"الإسلام عائد بعون الله وبتوفيقه
    ... هو عائد، لأن البشرية قد تهيأت له بالحاجة إليه وبالطاقة به ... وهو سيعود نورًا بلا نار
    لأن ناره بفضل الله ثم بفضل الاستعداد البشري المعاصر قد أصبحت كنار إبراهيم بردًا
    وسلاما".( 4) ويكتب في معنى الحاجة: "فإذا كانت الأرض اليوم بكل هذه الطاقة المادية
    الهائلة ثم بكل هذه الحيرة المطبقة على عقول الناس وقلوبهم. فقد أصبح لزامًا على ورثة
    الإسلام – على ورثة القرآن – أن يدعوا إلى الرسالة الثانية ..." ( 5) وعن الداعية أو"المأذون
    له" بالحديث في أمر الرسالة الثانية، فإن أمره لا يتقرر بالرأي المقتحم المرتجل وإنما هو في
    تعريف الأستاذ محمود "رجلٌ أتاه الله الفهم عنه من القرآن وأذن له في الكلام". وضوابطه
    تجويد العبادة واستقامة السيرة والسريرة وهي ثمار تظهر للناس واضحة ملموسة. ويضرب
    الأستاذ مثلا لذلك قول المسيح (ع س) "أحذروا الأنبياء الكذبة" قالوا "كيف نعرفهم؟" قال"
    ( بثمارهم تعرفونهم". ( 6

    6
    فما الأصول إذن وبأي منهجيةٍ ومعيارٍ نعرفها ونحددها ؟ الأصول هي معاني الحرية الكبرى
    في القرآن، "الحرية المطلقة" فيما يعبر الأستاذ، وفي ذلك يكتب: "الأصل في الإسلام أن كل
    إنسانٍ حر، إلى أن يظهر، عمليًا، عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق
    طبيعي، يقابله واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن
    التزام واجب الحرية صودرت حريته، عندئذ بقانون دستوري، والقانون الدستوري، كما
    سلفت الإشارة إلى ذلك، هو القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة
    وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة،(...) هذا الأصل هو أصل الأصول، وللوفاء
    به بدأت الدعوة إلى الإسلام بآيات الإسماح، وذلك في مكة، حيث نزلت "وادع إلى سبيل ربك
    بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله،
    وهو أعلم بالمهتدين" أخواتها، وهن كثيرات."( 7) وتشريع الرسالة الثانية كله مبني على مقصد
    الوفاء بغاية الحرية وتأسيسها مما جاء فيما يسميه الأستاذ بآيات الأصول، وهي الآيات التي
    ترسي القواعد الأساسية للوفاء بغاية الحرية: العدالة الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية
    والسياسية ...الخ التي تشكل القاعدة الموضوعية الضرورية للحرية. فليس الجائع حرًا ولا
    المظلوم والمقهور والخائف ولا الظالم والباطش ... الخ بأحرار بأي معنى من المعاني. آيات
    الأصول هي الآيات التي تبين مقاصد الدين النهائية في هذه المجالات، فالأصل الإسلامي في
    الاجتماع المساواة بين الناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأنواعهم من ذكور وإناث، ومحو
    التفاوت الطبقي والتراتب بينهم من أي شاكلةٍ كان. والأصل في الاقتصاد المشاركة في
    خيرات الأرض والإنتاج، ويسميها الأستاذ الاشتراكية دون لجاجةٍ أو تحفظ. وهوفي الحقوق
    العامة المساواة أمام القانون، المضبوطة بضماناتٍ دستورية تجعل المساواة حقًا عضوضًا لا
    منح ً ة ولا تلطفا. والأصل في السياسة الديمقراطية الكاملة. والأستاذ لا يرجم في ذلك بالرأي
    الفج، وإنما يقيمه على شواهد من القرآن السنة المؤكدة. فالآية الأصل في المساواة
    الاجتماعية" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن
    أكرمكم عند الله أتقاكم."( 8) وهي في العدالة الاقتصادية "يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"

    7
    ويفسر العفوبما زاد عن الحاجة الحاضرة.( 9) وآيات الأصول في المساواة الحقوقية " ولا
    تزر وازرة وزر أخرى" و"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا
    يره"( 10 ) ثم "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم
    عدا* وكل آتيه يوم القيامة فردا"( 11 ) فردًا، أي دون تمييز من جنسٍ أو نوع أو مكانة، في
    المسؤولية، ومن ثم في الواجبات والحقوق. وهي في السياسة وحق الاعتقاد والتعبير "فذكِّر
    إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
    فليكفر."( 12 ) والواقع أن هذا غيض من فيض من استشهاداته العديدة التي يوردها في سياقٍ
    محكمٍ من التحليل قلما يحسن مجاراته حتى أكثر تلاميذه موهب ً ة. ومن واجبي هنا أن أعترف
    بقصوري عنه. وأتمنى ألا أكون قد أخللت به إخلا ً لا شديدًا. وفي سياق منطقه المحكم يقرر
    الأستاذ أن نزول آيات الأصول إنما سبق نزول آيات الفروع لسببين. الأول طبيعي هوفي
    منطق الأشياء نفسه أن يجيء الأصل أو ً لا. والثاني تعليمي لكي يثبت بالدليل العملي القاطع
    قصور أمة البعث عن الإسلام في مستوى الأصول. يكتب الأستاذ: "وبعبارةٍ أخرى، بدئ
    بدعوة الناس إلى الإسلام (في مستوى أصوله) فلما لم يطيقوه، وظهر ظهورًا عمليًا قصورهم
    ( عن شأوه، ُنزِل عنها إلى ما يطيقون. والظهور العملي حجةٌ قاطعةٌ على الناس".( 13
    وثنائية الأصول والفروع هي عنصر أو قول توطئة أو قاعدة لثنائية أدق منها هي ثنائية
    معنى الإسلام نفسه عند الأستاذ. فالإسلام وإن كان واحدًا إلا أنه معنيان. المعنى الأول هو
    إسلام أمة البعث، إسلام الرسالة الأولى، ويكفي للدخول فيه النطق بالشهادتين كما هو معلوم،
    حتى إذا انطوى القلب على النفاق والكفر. نقرأ في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام": "فأنت
    حين تقرأ قوله تعالى "إن الدين عند الله الإسلام" يجب أن تفهم أن المقصود الإسلام الأخير،
    وليس، على التحقيق، الإسلام الأول، ذلك بأن الإسلام الأول ليست به عبرة عند الله، وإنما
    كان الإسلام الذي عصم الرقاب من السيف، وقد حسب في حظيرته رجال أكل النفاق قلوبهم،
    وانطوت ضلوعهم على بغض النبي وأصحابه ثم لم تفصح ضلوعهم عن خبئها، وذلك لأن
    المعصوم قد قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله

    8
    فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وأمرهم إلى الله".( 14 ) وفي هذا المعنى
    أيضا جاءت الآية "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في
    قلوبكم". ومن الواضح هنا أن هذا الإسلام هو مرتبةٌ أقل من الإيمان ربما قلت بكثير. ولن
    يستقيم عق ً لا أن يكون هذا هو نفس معنى الإسلام الذي يرد في نصوص أخرى من القرآن في
    معانٍ كبيرة من الإجلال والتبجيل. من ذلك مث ً لا: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا
    تموتن إلا وأنتم مسلمون". أو قول القرآن على لسان النبي "قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي
    ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين".( 15 ) فالنبي، فيما
    يوضح الأستاذ، طليعة أمة المسلمين بمعنى الإسلام الأخير الذي يجيء في مستوى بعض
    الأصول وهي "أمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى على مدى تاريخ المجتمع البشري
    الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم وخاتمهم، النبي الأمي، محمد بن عبد الله،
    عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم".( 16 ) ويتجلى هنا لكل من يعنى ببسائط المنطق وآليات
    البرهان أننا أمام حجاج ذي نفسٍ قوي يصعب شق غباره. كما أننا أمام شجاعةٍ فكريةٍ مذهلة
    لا تتهيب مواجهة تناقضات النص الظاهرة ومعالجتها بالفكرة الجريئة التي قد ترمي إلى
    التهلكة (وقد أدت بالفعل إلى استشهاد الرجل) حين فضل كثير من دعاة التجديد مراوغة مثل
    هذا التعارض في النصوص بحيل شتى دون جدوى .
    يذهب الأستاذ إلى المزيد من التوضيح لثنائية معنى الإسلام فيكتب: "الإسلام فكر يرتقي
    السالك فيه على درجات  سلَّمٍ سباعي أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها الإحسان، ورابعها
    علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد،
    ولكنه في هذه الدرجة يختلف عنه في الدرجة الأولية، اختلاف مقدار*، فهو في الدرجة
    الأولية انقياد الظاهر فقط، وهو في الدرجة الثانية انقياد الظاهر والباطن معًا .. وهو في
    الدرجة الأولية قول باللسان وعمل بالجوارح ولكنه في الدرجة النهائية انقياد واستسلام ورضا
    بالله في السر والعلانية.. وهو في الدرجة الأولية دون الإيمان، ولكنه في الدرجة النهائية أكبر
    من الإيمان .. وهذا ما لا يقوى العلماء الذين نعرفهم على تمييزه".( 17 ) قد تبدو هذه الفقرة

    9
    لدى الوهلة الأولى ضعيفة الصلة بموضوعنا الرئيس. إلا أنها في الواقع تقع في صميمه
    وتترتب عليها استنتاجات مهمة تتصل بموضوع التجديد ومكانة مساهمة الأستاذ محمود فيه
    وأصالة منهجه وتماسك بنيته الداخلية وسلامتها من الانتقائية والارتجال. فلا مخرج في
    الواقع من ورطات التعارض بين النصوص في مستويات الخطاب القرآني المتصلة بتعريف
    الإسلام بالحيل الذهنية الموضعية المجزأة والمحدودة النطاق وإنما يتطلب الأمر إنشاء بنيةٍ
    مفهوميةٍ كاملةٍ تتجاوز التعارض في صميمه، (أو تقره في صميمه كما يفعل غلاة المتشددين
    الظاهريين). وإلا فكيف يمكن أن نجمع في بنيةٍ مفهوميةٍ واحدة بين إسلام الأعراب وإسلام
    النبي دون أن نوجه للمنطق ضرب ً ة قاضية. إننا نملك الحق في الاتفاق مع الأستاذ محمود
    أومخالفته إلا أن اقتراحه سيظل يمثل احد المخارج الأصيلة جدًا من هذه الورطة. وهو
    مخرج يؤسس بنية مفهومي ً ة رصين ً ة للاستدلال تشكل دعام ً ة رئيسي ً ة من دعائم مشروعه
    التجديدي. ومع ذلك فقد كان جزاؤه على هذا الحل الأصيل الذكي التكفير والقتل (شنقًا عن
    76 عامًا)!! يتأسس على ذلك أنه في المستوى الثاني من الإسلام تسقط كل صور الإكراه
    الواردة في الشريعة الأولى أو، بعبارة أدق، ُتنسخ، فيما ُتنسخ آيات الفروع المقررة لها، وفيها
    عدد من الفروض التي اعتبرتها الشريعة السلفية أصو ُ لا .
    فيقول الأستاذ إن الجهاد ليس أص ً لا في الإسلام وإنما الأصل الدعوة بالموعظة الحسنة
    وبالنموذج السلوكي، وذلك لأسباب مبدئية أظنني أوضحتها، فض ً لا عن أسباب واقعية منها أن
    قهر الناس على الإيمان بالعنف (بالسلاح)، هو أمر غير مرغوب فيه أخلاقيًا وعرفًا في
    زماننا، كما أنه غير ممكن عمليًا. بالصعود إلى مستوى قيمة السلام، التي أصبحت قيمة
    أساسية في عصرنا، في مستوى المواثيق والمؤسسات المعرفية والحقوقية التي تبدع القيم
    السائدة القائدة والمثل العليا على الأقل، والتي هي الأصل في الإسلام، ُتنْسخ آية السيف "فإذا
    انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ..." الآية، وُتبعث آيات الإسماح من
    جديد. ذلك أن غلظة القلوب والعقول المفضية إلى سوء التصرف في الحرية هي التي أوجبت
    أحكام السيف ودخول العنف في وسائل الدعوة كما يقول الأستاذ. إن السيف في استخدام
    الإسلام له كان "أداة لطب النفوس" ، في رأي الأستاذ،وليس أداة للعقاب في ذاته. يكتب

    10
    الأستاذ "وكل ما يقال عن تبرير استعمال الإسلام للسيف هو أنه لم يستعمله كمدية الجزار،
    وإنما استعمله كمبضع الطبيب".( 18 ) ومع دقة هذا الحجاج، فهو يبدو لي غير متسقٍ مع
    وقائع التاريخ، في مستوى الممارسة الفعلية للمسلمين، على كل حال. وهذه ملاحظة أرجئ
    تفصيلها إلى مكانها من سياق البحث ضمن ملاحظات نقدية أخرى.
    والرق ليس أص ً لا في الإسلام. (وأقول استطرادا أن التفسير الذي يعطيه الأستاذ محمود
    لوضعية الرق في الإسلام الأول يبدو لي "أقل نصوعًا وإقناعًا" في كثيرٍ من جوانبه، بالمقارنة
    مع وضوح رؤيته النقدية في القضايا الأخرى المتصلة بمفهوم الحرية، ومن ثم فإنني سأورده
    كاملا بقدر ما يسمح الحيز، من باب الحفاظ على نفس مبدأ القراءة النقدية والإخلاص في
    تصوير حقائق الواقع وحقائق النصوص وهي عين الصفات التي حمدتها له). يكتب الأستاذ
    في هذا الموضوع الدقيق: "فالأصل في الإسلام الحرية، ولكنه نزل في مجتمعٍ الرق فيه جزء
    من النظام الاجتماعي والاقتصادي. وهو مجتمع قد ظهر عمليًا أنه لا يحسن التصرف في
    الحرية، مما أدى إلى نزع قيام أفراده بأمر أنفسهم، وجعل ذلك إلى وصيٍ عليهم، وقد رأينا
    أن هذا أدى إلى شرعية الجهاد، ومن أصول الجهاد في سبيل الله أن يعرض المسلمون على
    الكفار أن يدخلوا في الدين الجديد، فإن هم قبلوه، وإلا فأن يعطوهم الجزية، ويعيشوا تحت
    حكومتهم، مبقين على دينهم الأصلي، آمنين على أنفسهم. فإن هم أبوا عليهم هذه الخطة
    أيضًا، حاربوهم، فإذا هزموهم اتخذوا منهم سبايا، فزاد هؤلاء في عدد الرقيق السابق للدعوة
    الجديدة. والحكمة في الاسترقاق تقوم على قانون المعاوضة. فكأن الإنسان عندما دعي ليكون
    عبدًا لله فأعرض، دل إعراضه هذا على جهلٍ يحتاج إلى فترة مرانة، يستعد أثناءها للدخول،
    عن طواعية، في العبودية لله، ف  جعل في هذه الفترة عبدًا للمخلوق ليتمرس على الطاعة التي
    هي واجب العبد. والمعاوضة هنا هي أنه حين رفض أن يكون عبدًا للرب، وهو طليق،
    ( ومكنت الهزيمة منه،  جعل عبدًا للعبد، جزا  ء وفاقا. "ومن يعمل، مثقال ذرة، شرًا، يره". ( 19
    من الأفضل أن نؤجل التعليق على هذا حفاظا على وحدة السياق، واستميح القارئ عذرا في

    11
    مواصلة هذا الاستشهاد الطويل الذي سأستثمره لاحقًا، ضمن مآخذ أخرى في نقدي لهذه
    المساهمة التجديدية التي أجلها كثيرًا مع ذلك. يواصل الأستاذ: "وهكذا أضاف أسلوب الدعوة
    إلى الإسلام، الذي اقتضته ملابسة الوقت، والمستوى البشري، إلى الرق الموروث من عهود
    الجاهلية الأولى، رقًا جديدًا، ولم يكن من الممكن، ولا من الحكمة، أن يبطل التشريع نظام
    الرق، بجرة قلم، تمشيًا مع الأصل المطلوب في الدين، وإنما تقتضي حاجة الأفراد
    المسترقين، ثم حاجة المجتمع، الاجتماعية، والاقتصادية، بالإبقاء على هذا النظام، مع العمل
    المستمر على تطويره، حتى يخرج كل مسترق، من ربقة الرق، إلى باحة الحرية. وفترة
    التطوير هي فترة انتقالٍ، يقوى أثناءها الرقيق على القيام على رجليه ليكسب قوته من الكدح
    المشروع، وسط مجتمع تمرن أيضاٍ، أثناء فترة الانتقال، على تنظيم نفسه بصورة لا تعتمد
    على استغلال الرقيق، ذلك الاستغلال البشع الذي يهدر كرامتهم، ويضطهد آدميتهم، والذي
    كان حظهم التعس إبان الجاهلية. وهكذا شرع الإسلام في الرق، فجعل للرقيق حقوقًا
    وواجبات، بعد أن كانت عليهم واجبات، وليست لهم حقوق. ثم جعل الكفارات، والقربات،
    بعتق الرقاب المؤمنة، السليمة، النافعة. وأوجب مكاتبة العبد الصالح الذي يستطيع أن يفدي
    نفسه، وأن يعيش عيشة المواطن الصالح. وهو في أثناء ذلك يدعو إلى حسن معاملتهم فيقول
    المعصوم "خولكم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تطعمون، وأكسوهم مما
    ( تلبسون". ( 20
    والرأسمالية ليست أصلا في الإسلام عند الأستاذ، و"الأصل في الإسلام شيوع المال بين عباد
    الله، ليأخذ كل حاجته: وهي زاد المسافر، وذلك أمر يلتمس تطبيقه في حياة المسلم الوحيد في
    تلك الفترة، وهو النبي. ولكن الإسلام نزل على قوم لا قبل لهم به، فلا يعرفون إلا أن المال
    مالهم. وهم لم تكن عليهم حكومة تجعل على مالهم وظيفة يؤدونها، ولذلك فقد شقت على
    نفوسهم الزكاة التي  جعلت على أموالهم وكانت لدى التحاق النبي بالرفيق الأعلى، السبب
    المباشر في الردة. (...) وهذا هو السبب الذي جعل تشريع الإسلام في المال دون حقيقة
    مراده، وذلك تخفيفًا على الناس، وتدريجًا لهم، ودرءًا للمشقة عن نفوس أضمرت الشح.
    12
    وهكذا جاءت الزكاة ذات المقادير وجعلت ركنا تعبديا في حقهم، وذلك بمحض اللطف.
    يضاف إلى هذا الاعتبار الفردي اعتبار آخر، هو أن شمس الاشتراكية لم تكن قد أشرقت
    بعد".( 21 ) وربما كان من الإنصاف أن نوضح هنا أن الرجل كان كثير النقد لنماذج
    "الاشتراكية" التي كانت "قائمة"، وقد أخذ عليها، ضمن أشياء أخرى، غياب الديمقراطية عنها،
    وإن كان يحمد لها إرادة المساواة وإن لم توفق فيها.
    "وعدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أص ً لا في الإسلام والأصل في الإسلام المساواة
    التامة بين الرجال والنساء"( 22 ) وهذه في الواقع أصعب القضايا التي تواجه دعاة التجديد في
    الفكر الإسلامي المعاصر وهم طالما تلجلجوا فيها واحتالوا لها أفانين الحيل دون جدوى.
    ويبدو لي أن موقف الأستاذ محمود فيها قاطع وجذري ومتجاوز لكل المعالجات التوفيقية
    المطروحة الآن. وموطن جذريتها في منهج الأستاذ نفسه الداعي إلى نسخ النصوص
    المؤسسة للتمييز والعمل بالنصوص المؤسسة للمساواة باعتبارها الأصول والمقاصد النهائية
    للدين. وشتان بين هذا وبين من يريدون الاحتفاظ بالنصوص القائلة بدونية المرأة مع إثبات
    مبدأ المساواة!! ومع ذلك فسيكون لي بعض الملاحظات النقدية على رأي الأستاذ في هذا
    الشأن. يواصل الأستاذ: "ويلتمس ذلك في المسئولية الفردية أمام الله، يوم الدين، حين تنصب
    موازين الأعمال. قال تعالى في ذلك "ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها
    لا يحمل منه شيء، ولو كان ذا قربى، إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة،
    ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير"، وقال تعالى "اليوم تجزى كل نفس بما
    كسبت، لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب"، وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة" ولكن
    الإسلام نزل، حين نزل، على قوم يدفنون البنت حية خوف العار الذي تجره عليهم إذا
    عجزوا عن حمايتها فسبيت، أو فرارًا من مؤونتها إذا أجدبت الأرض، وضاق الرزق: قال
    تعالى عنهم "إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء
    ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون" ومن هنا لم يكن
    المجتمع مستعدًا، ولا كانت المرأة مستعدة ليشرع الإسلام لحقوقها في مستوى ما يريد بها من
    الخير، وكان لا بد من فترة انتقال أيضًا يتطور في أثنائها الرجال والنساء، أفرادًا، ويتطور

    13
    المجتمع أيضًا. وهكذا جاء التشريع ليجعل المرأة على النصف من الرجل في الميراث، وعلى
    النصف منه في الشهادة. وعلى المرأة الخضوع للرجل، أبًا وأخًا وزوجًا.. "الرجال قوامون
    على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم" والحق، أن في هذا
    التشريع قفزة بالمرأة كبيرة بالمقارنة إلى حظها سابقا، ولكنه، مع ذلك دون مراد الدين
    بها."( 23 ) وهذه أيضًا قفزة كبيرة، في طرح المشكلة على الأقل، تتجاوز، بما لا يقاس،
    مستويات الثأثأة واللجاج التي تسعى إلى إقناعنا بأن حظ المرأة موفور على تمامه في الشريعة
    السلفية على الرغم من وضوح النصوص القائمة على دونيتها. وهو لجاج لم تنج منه حتى
    أقلام مستنيرة جدًا. وفي نفس السياق يذهب الأستاذ إلى أن "الحجاب ليس أص ً لا في الإسلام
    والأصل في الإسلام السفور.. لأن مراد الإسلام العفة.. وهو يريدها عفة تقوم في صدور
    النساء والرجال، لا عفة مضروبة بالباب المقفول، والثوب المسدول. ولكن ليس إلى هذه
    العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم. وهذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق
    أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب، وكذلك شرع الحجاب. فكأن الأصل ما كان عليه آدم
    ( وحواء قبل أن يزلا (...) والسفور في الإسلام أصل لأنه حرية".( 24
    وهو يقدم تعليلاتٍ وشروحا مطولة فيمًا يراه من ذلك أسقطتها هنا نزو ً لا إلى مقتضيات
    الحيز، ويمكن إجمالها في أن الأستاذ يميز تمييزًا دقيقًا بين السفور والتهتك والابتذال الذي
    يجعل من جسد المرأة مجرد حليةٍ وأداةٍ للإمتاع مما نشهده في ذلك الفيض الهائل من
    موضوعات الدعاية والإعلان الصادرة عن مفهوم "المرأة الشيء" و"المرأة السلعة" في أفق
    الحضارة الرأسمالية السائدة .
    "والمجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أص ً لا في الإسلام، وتعدد الزوجات ليس أص ً لا في
    الإسلام، والطلاق ليس أص ً لا في الإسلام".( 25 ) كل ذلك في سياقٍ من التعليلات والشروح
    أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ذكية جدًا وتخبر عن منهجية نقدية تحليلية تركيبية فذة، وعن
    عقلٍ مفكرٍ ومثقفٍ من الطراز الأول سواء اتفقنا معه أو خالفناه.
    تمثل آلية التجديد وضوابطه المنهجية إشكالي ً ة عويصً ة في الفكر الإسلامي المعاصر.
    فبالإضافة إلى هالة القداسة المخيفة التي أحيطت بها المنهجية التي حددها السلف من الفقهاء

    14
    المؤسسين (وليس للسلف فيها من يد بالطبع)، والسطوة الخفية لمقولة قفل باب الاجتهاد،
    وربما أيضًا بسبب من ذلك، فإن أجندة المجددين الإسلاميين قد خلت من منهجٍ متكاملٍ
    لإجرائية التجديد. في هذا الإطار أيضًا تمثل مساهمة الأستاذ محمود، التي هي جزء لا يتجزأ
    من جهازه المفاهيمي، إضافة فريدة. يمثل المنحى الإجرائي عند الأستاذ محمود عنصرًا من
    بنية فكره العامة مقولاته الأساسية. فوجود مستويين من التشريع في الإسلام، مستوى الفروع
    ومستوى الأصول، والذي لا يناقض مبدأ واحدية الإسلام بقدر ما يؤكده، إنما هو عنده معن  ى
    يتصل برسالة الإسلام التاريخية المحددة التي بلغها النبي محمد مجمل ً ة في مستو  ى ومفصل ً ة
    في مستوى آخر كما أوضحنا، أو كما أوضح الأستاذ بعبارة أدق. ويبقى المعنى العام للإسلام
    أوسع من ذلك. وهذا الفهم متصل بمشروعية التجديد وإجرائيته عند الأستاذ. وهو يكتب
    موضحًا ذلك: "الإسلام دين واحد.. وهو دين الله الذي لا يرضى غيره.. قال تعالى فيه:
    "أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعا وكرها، وإليه يرجعون"
    (...) وبالإسلام جاء جميع الأنبياء من لدن آدم وإلى محمد.. قال تعالى في ذلك: "شرع لكم
    من الدين ما وصى به نوحًا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن
    أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه.. الله يجتبي إليه من يشاء،
    ويهدي إليه من ينيب..". "شرع لكم من الدين" هنا لا تعني الشرائع وإنما تعني "لا إله إلا
    الله".. ذلك بأن شرائع الأمم ليست واحدة، وإنما " لا إله إلا الله" هي الثابتة، وإن كان ثباتها
    في مبناها فقط، وليس في معناها.. وإنما يختلف معناها باختلاف مستويات الرسل.. وهو
    اختلاف مقدار أيضًا.. قال المعصوم في ثبات مبنى "لا إله إلا الله".. "خير ما جئت به أنا
    والنبيون من قبلي لا إله إلا الله.."( 26 ) لا أحسبني بحاجة إلى جهد كثير في إثبات قوة الَنَفس
    النظري لهذا التلخيص والاستخلاص البارع للفكرة من عناصر النص ومعطيات الواقع. هذا
    الاستخلاص البارع للقاعدة النظرية لتطوير التشريع وتجديده، في مستوى مشروعيته
    وتاريخيته وضرورته ومناهج إجرائيته معا، استخلاصًا مبرأً من الارتجال والتقحم. أقول هذا
    في إطار المنطق الداخلي للفكرة الدينية بالطبع. يتابع الأستاذ : "واختلاف شرائع الأنبياء
    الناتج عن اختلاف مستويات أممهم لا يحتاج إلى طويل نظر.. ويكفي أن نذكر باختلاف

    15
    شريعة التزويج بين آدم ومحمد. فقد كان تزويج الأخ من أخته شريعة إسلامية لدى آدم..
    وعندما جاء محمد أصبح الحلال في هذه الشريعة حرامًا.. أكثر من ذلك أصبح التحريم
    ينسحب على دوائر أبعد من دائرة الأخت.. قال تعالى في ذلك: "حرمت عليكم أمهاتكم،
    وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأمهاتكم اللاتي
    أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم
    اللاتي دخلتم بهن، وإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم.. وحلائل أبنائكم الذين من
    ( أصلابكم.. وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف.. إن الله كان غفورًا رحيما."( 27
    فتطوير التشريع الإسلامي يجد مشروعيته في تطور الشرائع الإلهية (الإسلامية) من لدن آدم
    وليس هو بدع ً ة ابتدعها مجددو اليوم. وليس من قاعدةٍ أصلب من هذه لمشروعية التجديد. بعد
    إرساء هذه القاعدة المتينة للاستنباط، والتي لم أورد إلا نذرًا يسيرًا من وجوهها المركبة في
    تحليل الأستاذ محمود الإستقرائي، أذهب إلى عرض وجوهٍ أخرى من تأسيسه لمشروعية
    التجديد وتحديد آلياته وضوابطه، فلنستمع: "فإذا كان هذا الاختلاف الشاسع بين الشريعتين
    سببه اختلاف مستويات الأمم، وهو من غير أدنى ريب كذلك، فإنه من الخطأ الشنيع أن يظن
    إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح، بكل تفاصيلها، للتطبيق في القرن
    العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع عن مستوى مجتمع القرن العشرين
    أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصي ً لا، وإنما هو يتحدث عن نفسه..
    فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين
    دفتي المصحف، قادرًا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في
    مضمار التشريع، ومضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفدت وتوقفت عند حد تنظيم
    مجتمع القرن السابع، والمجتمعات التي تلته مما هو مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين
    أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم..
    ومع ذلك فإن المسلمين غير مؤمنين بضرورة تطوير الشريعة. وهم يظنون أن مشاكل القرن
    العشرين يمكن أن يستوعبها، وينهض بحلها، نفس التشريع الذي استوعب، ونهض بحل
    مشاكل القرن السابع، وذلك جهلٌ مفضوح.

    16
    المسلمون يقولون أن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة.. وهذا صحيح.. ولكن كمالها إنما هو
    في مقدرتها على التطور، وعلى استيعاب طاقات الحياة الفردية، والاجتماعية، وعلى توجيه
    تلك الحياة في مدارج الرقي المستمر، بالغ ً ة ما بلغت تلك الحياة الاجتماعية، والفردية من
    النشاط، والحيوية، والتجديد.. هم يقولون، عندما يسمعوننا نتحدث عن تطوير الشريعة:
    الشريعة الإسلامية كاملة، فهي ليست في حاجة إلى التطوير، فإنما يتطور الناقص.. وهذا
    قول بعكس الحق تمامًا، فإنه إنما يتطور الكامل..(...) فالعشبة الضئيلة التي تنبت في سفح
    الجبل، فتخضر، وتورق، وتزهر، وتثمر، ثم تلقي ببذرتها في تربتها، ثم تصير غثا  ء تذروه
    الرياح، أكمل من الجبل الذي يقف فوقها عاليا متشامخًا، يتحدى هوج العواصف.. ذلك بأن
    تلك العشبة الضئيلة قد دخلت في مرحلة متقدمة من مراحل التطور مرحلة الحياة والموت
    مما لم يتشرف الجبل بدخولها - (...) وبالمثل، فإن كمال الشريعة الإسلامية إنما هو في
    كونها جسمًا حيًا، ناميًا، متطورًا، يواكب تطور الحياة الحية، النامية، المتطورة، ويوجه
    خطاها، ويرسم خط سيرها في منازل القرب من الله، منزلة، منزلة.. ولن تنفك الحياة سائرة
    إلى الله في طريق رجعاها، فما من ذلك بد.. "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا
    فملاقيه".. وإنما تتم الملاقاة بفضل الله، ثم بفضل إرشاد الشريعة الإسلامية في مستوياتها
    الثلاث: الشريعة، والطريقة، والحقيقة.. وتطور الشريعة، كما أسلفنا القول، إنما هو انتقال من
    نصٍ إلى نص.. من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم إلى نصٍ اعُتبر
    يومئذ أكبر من الوقت فنسخ..(...) فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي
    مرجأًة إلى أن يحين حينها.. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها
    الحكم، وتصبح، بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع
    منسوخ ً ة الآن.. هذا هو معنى حكم الوقت.. للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات
    الأصول.. وهذه هي الحكمة وراء النسخ.. فليس النسخ، إذن، إلغا  ء تامًا، وإنما هو إرجاء
    يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة من وراء
    النص(...) فالتطوير، إذن، ليس قفزًا عبر الفضاء، ولا هو قولٌ بالرأي الفج، وإنما هو انتقالٌ
    2) كان لا بد من إيراد هذه الاستشهادات الطويلة لعدة أسباب: منها من نص إلى نص." ( 8

    17
    درء سوء الفهم الذي قد يتولد من الابتسار الشديد، وهو"سوء فهم" كلف الرجل حياته، ومنها
    إكمال سياق الفكرة تحسبًا من قراءة متحيزة من جانبنا.. ومنها عرض منهجية بناء المفهوم
    عند الأستاذ وهي منهجيةٌ قلت بتميزها مما لزمني إثباته أو عرضه بوضوح على الأقل. هذا،
    في تقديري، منهج مكتمل الأدوات، ممسك بخيوط نسيج منطقه الداخلي إمساكًا شديد الانتباه لا
    مجال فيه للخاطرة المرتجلة التي تستر ارتجالها بالاستدراك المتراجع المسكون بالوساوس
    والحسابات والترضيات التاكتيكية الحسيرة الأفق. وأحسب أن هذا هو الأمر الرئيس الذي
    يخص الباحث المجدد، بصرف النظر عن مسائل الاتفاق والاختلاف أو"الخطأ" و"الصواب":
    أن يتأسس الخطاب التجديدي على منهجية متكاملة. ولست بحاجةٍ حقيقيةٍ لأن أستدرك فيما
    أعنيه باكتمال الفكرة وتكامل المنهجية فقد أغنت عن ذلك كلمة الأستاذ "إنما يتطور الكامل"،
    وفيما يليني، فإن منهجية هذا البحث والمفاهيم والمصطلحات التي يتأسس عليها تفصح بنفسها
    عما أعنيه بالتكامل والاكتمال في الفكرة والمنهج.
    وعلى هذا الفهم للاكتمال والتكامل تتأسس ملاحظاتي النقدية لمساهمة الأستاذ الجليلة.
    وسأقتصر هنا، نزو ً لا إلى مقتضيات الحيز، على ملاحظات جزئية، وأتمنى أن يغفر لي كونها
    أصول الموضوع: في قضية الحرية التي اعتبرها الأستاذ محمود "أصل الأصول" فأصاب
    بذلك كبد الحقيقة. لقد أبديت آنفا تحفظًا على ما أسماه الأستاذ بإمكان "تبرير استعمال السيف
    في الإسلام" بأنه قد استخدمه لا "كمدية الجزار، وإنما كمبضع الطبيب". وقد أرجعت تحفظي
    إلى كون هذه المقولة لا تقف مرفوعة القامة تمامًا أمام وقائع التاريخ الفعلية. وسأكتفي هنا
    بمثل حروب الردة وما صاحبها من الغلو في القتل والفتك على يدي صحابي جليل وقائد
    عظيم هو خالد بن الوليد، غلوًا لم يسلم من نقد واحتجاج بعض أجلاء الصحابة أنفسهم، ومثل
    مقتل عثمان على أيدي جماعة ضمت في عدادها بعض الصحابة الكبار. هذا فض ً لا عن الفتنة
    الكبرى التي أشهر فيها نفر من عظماء الصحابة السيف في وجوه بعضهم بعضا!! ولا أرى
    في هذا استعمالا للسيف كمبضع الطبيب. والمسألة تحتاج للنظر.
    وقد أبديت آنفا أيضا قلة قناعتي بمسوغات الرق في الإسلام كما جاءت في تحليل الأستاذ.
    فأقول أن الحجتين اللتين قدمهما الأستاذ في تفسير وضعية الرق في الإسلام ليستا في قوة

    18
    منطقه المتصل بمفهوم الحرية في بعده المنطلق من الأخذ في الحسبان برقي معارف الأمم
    وشرائعها. فالحجة الأولى التي تتأسس على مفهوم المعاوضة لا تنسجم مع الحقيقة التاريخية
    من أن الأمم التي أخضعها السيف وأجاز استرقاقها "حكم الوقت"، كانت على قدرٍ كبيرٍ من
    التحضر والتطور في معارفها وعقائدها وأنظمتها الاجتماعية، مع الاعتبار التام لنسبية
    مستوى تطورها التاريخي مما كان يمكن أن يغني عن اللجوء إلى منهج للمعاوضة في غلظة
    الرق في منحى تدريجها إلى الدين الجديد و"ترويض" عقولها وقلوبها على القبول به. والشاهد
    أن الحضارة الإسلامية لم تقم، في وجوهها المشرقة بالذات من فنون وعلوم ومعارف، دون
    أن تستند إلى تراث الرقي والتحضر الذي كان لهذه الأمم، ولن يكون من الافتراء والهوى أن
    أقول أن الغالبية العظمى ممن ساهموا في تأسيس وتطوير هذه العلوم والمعارف هم من بين
    الذين وطئهم عار الاسترقاق والولاء. إن حجة الأستاذ الرئيسة في دواعي تطوير التشريع
    هي الارتقاء الحضاري، وارتفاع مستوى الفهم والاستعداد للفهم لمطالب الدين الرفيعة، ولا
    أرى أن الاسترقاق كان ح ً لا مناسبا لتدريج أمم كان رقيها بالذات هو مصدر مساهماتها
    المتميزة في حضارة الإسلام. ولعلني أضيف أن "حجة" حكمة الاسترقاق بقرينة المعاوضة
    والمران على الطاعة لله بالتمرس والمران على الطاعة في حق من رفض أن يكون "عبدا
    للرب" ف  جعل "عبدًا للعبد جزاءًا وفاقا" لا تفسر، فيما لا تفسره وهو أكثر من أن يستوعبه هذا
    الحيز، أقول لا تفسر العناء النفسي الذي وقع على بعض ضحايا الرق من الصحابة الأجلاء
    مثل بلال وعمار ممن كان بعض الأصحاب أنفسهم يعيرونهم بأصولهم في سورات الغضب.
    صحيح أن التشريع لا يد له في استرقاق بلال وعمار وأمثالهم، ولا يد له في مثل هذه
    التجاوزات، إلا أنهم عانوا من ظلال التمييز المضمر في الخواطر الخفية مما هو عندي
    متصل بحسم التشريع أو التفسير في موضوع الرق. ويبدو لي أن حجة "الحكمة" التي قضت
    "بالإبقاء على نظام الرق" بقرينة كون الإسلام "نزل على مجتمع الرق فيه جزء من النظام
    الاجتماعي"، وبأن هذا مما كانت تقتضيه "حاجة الأفراد المسترقين، وحاجة المجتمع،
    الاجتماعية والاقتصادية"،( 29 ) تبدو لي أضعف من أختها. وسأستبعد من مناقشتي تما  ما
    "حاجة الأفراد المسترقين إلى الاسترقاق" في أي سياقٍ وردت وتحت أي حجة أتت. وأتوجه

    19
    إلى الشق الثاني من الحجة فأتساءل عما إذا كان اقتصاد المجتمع العربي قبل الإسلام يتأسس
    على الرق بالصورة التي كان يمكن أن تؤدي إلى انهياره لو أن تشريع الرق في الدين الجديد
    كان أكثر حسمًا، أو لنقل، أسرع تدريجا. لا يبدو لي أن آراء علماء تاريخ الاقتصاد السياسي
    المعاصرين تميل إلى تأكيد هذه الفرضية. وجملة القول عندي أن تبرير تشريع الرق عندي
    غير مقنع وهو بحاجة إلى قراءة نقدية أكثر تحريًا في وقائع التاريخ الفعلية في داخل دائرة
    المجددين ذوي المرجعية الدينية أساسًا. ولا شك في أن ملاحظتي بصورتها هذه مبتسرة جدا
    وأتمنى أن تتاح لي فرصة أوسع لتطويرها بالحوار.
    لست مقتنعا أيضا بحجاج الأستاذ المتصل بمقولة "المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة حتى
    في "الرسالة الثانية". (والأستاذ بالطبع لم يقل بمساواتهما في الرسالة الأولى أص ً لا). وستكون
    أولى ملاحظاتي لفت النظر إلى ذكورية خطاب الأستاذ نفسه. هذه الذكورية التي اجتهد في
    تفاديها أحد تلاميذه اللامعين (د.عبدالله النعيم) ( 30 ) فالرجال "يستأثرون" بالنصيب الأوفر بما
    لا يقاس في خطاب الرسالة الثانية نفسه ويبين ذلك بصورة قاطعة لمن يقرأ الكتاب. وأكتفي
    هنا بمثل يغني عن التفصيل من فرط قوة دلالته، يتساءل الأستاذ: "من هو رسول الرسالة
    الثانية؟ " ويجيب "هو رجل آتاه الله الفهم عن القرآن وأذن له في الكلام..."( 31 ) وهو يقول
    قبل ذلك في الإهداء "إلي الإنسانية ! بشرى .. وتحية. بشرى بأن الله ادخر لها من كمال حياة
    الفكر، وحياة الشعور، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتحية
    ( للرجل وهو يمتخض، اليوم، في أحشائها، وقد اشتد بها الطلق، وتنفس صبح الميلاد."( 32
    والرجل المعني هو رجل الرسالة الثانية، داعيتها "المأذون له"، وإنسانها المتخلق من قيمها
    وبها. وهذا قول يطاول قمم الشاعرية المجيدة ولكنه، مع ذلك، لا ينفي ذكورية الخطاب
    ويحرج منطق مقولة المساواة التامة بين الرجل والمرأة وهذه معضلة لم يتوفر للأستاذ، ولا
    لأي واحد من المجددين حلها بصورة متماسكة تمام التماسك، وإن ظل رأيه فيها متميزًا جدًا.
    ولقد كان لشقيقة كاتب هذه السطور، وكانت متدينة في يقظة ذهنية نقدية شديدة الحضور إزاء
    تعارض النصوص والتأويل، يقظة تجاور حدود التراجيديات الكبرى، أقول كانت لها دورات
    من النقاش عصية طويلة مع الأستاذ حول مقولة مساواة المرأة بالرجل في الإسلام. وأشهد

    20
    بأنه كان صبورًا طويل النفس في حواره معها بل سعيدًا بنقدها، وكان يعلق كلما بدرت عنها
    حجة عنيدة "ما شاء الله على هذا الذكاء يا زينب". ولم تقتنع شقيقتي حتى توفيت (عام
    1975 ). كان لي شرف حضور ذلك النقاش والمشاركة فيه. وقد كانت حجتها الأساسية أنه لا
    وجود للمساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام في مستوى بنية العقيدة نفسها، ولا وجود
    لتأويلٍ مقنع في مستوى ما لدينا من اجتهادات بما فيها اجتهاد الأستاذ نفسه. ذلك أن في قمة
    الخلق رجل، وفي قمة التطور رجل، في التصور الإسلامي العقيدي. كما أن الخطاب
    الإسلامي ذكوري في جملته مع استثناء قليل. وكانت إجابة الأستاذ (التي هي مبذولة أيضا في
    بعض كتبه) إن ذلك صحيح ولكنه لا يعني أن مطلق رجل أفضل من مطلق امرأة. فهذا لا
    يستقيم دينًا ولا عق ً لا ولا واقعًا. ثمة رجل في قمة مضمار المراقي إلى الله، هو النبي ولا
    مراء، وفي أصل البشرية رجل (وهو آدم بالطبع) بين هذا وذاك فالمساواة قائمة في الرسالة
    الثانية أمام الله، وفي تشريع الأصول. ولم أقتنع بتمام سلامة هذا المنطق. وبدا لي أن هذا
    التمييز "الخفي" وإن لن يكون له تأثير ملموس في مجرى التشريع في الواقع المباشر، على
    افتراض الاقتناع بمنطق الرسالة الثانية، إلا أنه ينطوي على معان من التراتب لا بد أن تترك
    أثرها في الخواطر الخفية. أضف إلى ذلك أن "طلائع أمة المسلمين" الذين يقول الأستاذ أنهم
    "جاؤوا فرادى عبر تاريخ المجتمع البشري الطويل والذين هم الأنبياء" كلهم من الرجال. لم
    يقو التأويل التجديدي حتى الآن، وحتى في مستوى هذه القمة الشامخة، على التحري في
    وجوه التاريخ عن مكان أكثر لياقة بالمرأة في ملحمة التطور المجيدة هذه. هل أقول مع
    الصديق الدكتور محمد أحمد محمود، أن مشكلة الخطاب التجديدي ذي المرجعية الدينية هي
    لا تاريخيته؟،( 33 ) هي إخلاصه للنص أكثر من إخلاصه لحقائق التاريخ الواقعية؟ هذا من
    غير شك جزء من المشكل. إلا أنه قول يصعب الجزم به في حق مفكر يقوم الإخلاص
    لحقائق الواقع في صلب بنية دعوته للتجديد. وقد أميل إلى ترجيح كون السبب قائمًا في أن
    مفهوم الوجود في فكر الأستاذ، الذي ليس هو فكر صوفي "تقليدي" ببساطة، وإن كان للفكر
    الصوفي فيه نصيب يقره هو بنفسه، لم يتجاوز مع ذلك، تجاوزًا بعيدًا، معنى الوجود الجاهز
    (الجاهز في واقعه النهائي) الذي يميز الميتافيزيقا، بصفة عامة، والميتافيزيقا الصوفية على

    21
    وجه الخصوص، حتى في مستوياتها الرفيعة، (وأنا بالطبع لا أستخدم مصطلح ميتافيزيقا هنا
    بالمعنى القدحى)، أقول أن مفهوم الوجود الجاهز المحكم الغائية، والمحكوم بها هذا، والذي لا
    مجال فيه للصدفة الصرفة والخطأ "الصرف" الاحتمال "المفتوح"، هومفهوم يفضي إلى مناطق
    مغلقة كثيرة محرمة على المنطق الإشكالي، هذا المفهوم هو الذي يلقي بثقله على مفهوم
    الواقع وأصالة حقائق الواقع في تحليل الأستاذ، (أقول ربما...). وكثيرًا ما كانت بعض
    مناقشاتي مع الأستاذ وتلاميذه، تنتهي في بعض القضايا البرهانية العصية إلى أن "هذا الأمر
    أمر ذوق"، أي لا تقوم فيه للبرهان قائمة. إلا أنني لم أشأ، في هذه الدراسة، أن أناقش خطابًا
    دينيًا خارج مرجعيته الأصلية، خاصة وأن الأمر يتعلق بالتعريف به ضمن مرجعيته أص ً لا.
    وقد أفعل خلاف ذلك في مجرى المناقشات التي قد تثيرها هذه الورقة. وحجة الذوق، على
    كل حال، أرقى وأكرم وأنبل بما لا يقاس، (وبما لا يقبل المقارنة أص ً لا)، من "حجة" التكفير
    والمتفجرات والمدافع الرشاشة.
    ملاحظتي النقدية الأخيرة، في هذا الحيز، تتصل بصدور الأستاذ عن مفهوم الدين الأفضل
    والصحيح الوحيد على الرغم من سعة فهمه لمعنى الدين ومعنى الإسلام وتقديره العميق
    للإبداعية الإنسانية في تعبيرها الفكري والفني والثقافي بكل صوره بما في ذلك إبداع القيم
    الأخلاقية حتى ما صدر منها عن مؤسسات لا تتصل بالدين اتصا ً لا مباشرًا، بل لعلني استند
    إلى أنه بنى بعض عناصر مفهومه لأهلية القرن العشرين وجدارته بالرسالة الثانية من
    الإسلام على إنجازات إنسانية في مستويات إبداع القيم الأخلاقية، وفي قمتها قيمة الحرية، لم
    تصدر من مواقع الفكر الديني وربما قلت ضده أحيانا. ومع ذلك يبقى مفهوم الدين الأفضل
    معضلة تحتاج إلى حل. تنطوي مقولة الدين الأفضل بطبيعتها، وبالضرورة، على اعتقاد
    ظاهر أو مضمر بأن الآخرين، ممن ليسوا من أتباعه إنما هم على ضلال، وتشكل أرضية
    ممكنة للتمييز.( 34 ) وهو تمييز يمكن أن يكون خفيًا جدًا فلا يتجاوز حركة ظلال الخواطر
    الباطنية المبهمة، وربما أقول لا يتجاوز مستوى دلالات الخطاب الإسقاطية البعيدة عن
    القصد. وهو، مع ذلك، يبقى تمييزًا. تمييزًا يصبح معه الحديث عن كرامة الإنسان بما هو
    22
    إنسان ومبدأ الاحترام "التام" لحرية الاعتقاد أمرًا مشوشًا، على الأقل، يحتاج من المجدد إلى
    نظر طويل. وهو، على التحقيق، نظر لا يسقط مساهمة الأستاذ الجليلة، ولن يفلح لو فعل.
    بقي علي أن أضيف أن مساهمة الأستاذ محمود محمد طه لم تقف بأصالتها عند حدود التجديد
    النظري بل امتدت إلى كافة مجالات العمل الحركي السياسي والتربوي المنظم. فقد كان تنظيم
    "الإخوان الجمهوريين" نموذجًا ممتازًا للجماعة الملتزمة المنضبطة النشطة. وكانت حلقات
    حوارهم التعليمية "ندوة الخميس" ومؤتمراتهم و"أركان النقاش في الشوارع والمؤسسات
    التعليمية" (وهي تقليد ابتدعوه ثم انتشر عنهم في الحركة الفكرية والسياسية في السودان)
    صورًا حي ً ة للممارسة الديمقراطية الراشدة. (تشرف كاتب هذه السطور بحضور الكثير منها).
    هذا على الرغم مما يمكن أخذه عليهم من بعض اضطراب في التحليل السياسي والمواقف
    المتصلة بمبادئ الديموقراطية. (في بعض لحظات فترة حكم النميري بالذات) مما ليس يسعه
    الحيز هنا. فض ً لا عن عدم خلو طرف أي حركة فكريةٍ أو سياسيةٍ في البلاد عن مثل هذه
    المزالق في وقت أو آخر. أما ملحمة الرجل الحقيقية فقد تمثلت بحق في وقفته الجليلة،
    المجللة بنصاعة الحق وأنوار الفداء العظيم، أمام قضاة السوء أو ً لا: فقد ظل يردد أمام
    المحكمة كلما عرضوه عليهم، أم ً لا في أن تلين قناته فينتزعوا منه نأمة من تنازل: "أنا أعلنت
    رأي مرارًا، في قوانين سبتمبر 1983 من أنها مخالفة للشريعة الإسلامية وللإسلام. أكثر من
    ذلك، فإنها شوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها  وضعت
    واسُتغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلي الاستكانة عن طريق إذلاله، ثم إنها هددت وحدة البلاد..
    هذا من حيث التنظير. أما من حيث التطبيق، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير
    مؤهلين فنيًا وضعفوا أخلاقيًا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة
    التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر
    والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين. ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون مع أي
    محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداًة من أدوات إذلال الشعب وإهانة
    الفكر الحر، والتنكيل بالمعارضين السياسيين".( 35 ) كان هذا حديث الرجل إلى المحكمة التي
    كان يعلم أنها أضمرت قتله أو إذلاله بالتراجع عن آرائه، حديث رجل  سلِّط على عنقه سيف

    23
    إرهابٍ مشرعٍ مديدٍ طوله ألف وثلاثمائة عام ونيف، فما زاغ بصره وما طغى، ولا أقول لم
    يرمش له طرف، بل لم يهتز منه ظل من خاطرة في أعمق أعماق طبقات وعيه الباطن:
    وقد كان فو ُ ت الموتِ سه ً لا *** فساقه إليه الحفا ُ ظ الم  ر والخل ُ ق الوع  ر!
    وأمام المشنقة ثانيًا: فعندما أحكموا حبل الموت حول عنقه وأزاحوا غطاء الرعب عن وجهه
    الوضيء وجدوا رجلا يبتسم لا ساخرًا ولا مستهزئًا بالموت بل موقنًا بالفداء الكبير مطمئنًا
    إلى "اختيار ربه" منسجمًا حتى "النهاية" مع منطقه التوحيدي وهذا أقصى ما يصل إليه
    الصدق. وهكذا فقد مضى "إلى الخلود بط ً لا ورائدًا وقائدًا رعيل الشهدا ورمز إيمان جديد
    ( بالفداء ... وبالوطن". ( 37
    أقول هذا وأنا جد قلق مستوحش من أن أكون قد أسأ ُ ت الوقوف في حضرة هذا "الشيخ"
    الجليل.
    هوامش
    . 1) أنظر "أبوزيد والخطاب الديني"، في قضايا فكرية. الكتاب الثالث والرابع. القاهرة 1993 )
    2) أنظر "الرسالة الثانية من الإسلام". وهو أكثر كتبه تفصي ً لا في الموضوع بطبيعة الحال. وقد أصدرت )
    المنظمة السودانية لحقوق الإنسان طبعة جديدة له (يناير 1996 ) بمناسبة الذكرى الحادية عشر لاغتيال
    الأستاذ. وهي النسخة التي نرجع إليها هنا.
    3) وهو عنوان كتاب صدر في هذا الموضوع، أمدرمان، (بلا تاريخ) )
    . 4) "رسالة الصلاة"، أمدرمان، بلا تاريخ (النسخة التي عندي منزوعة الغلاف في الواقع). ص 52 )
    .16- 5) الرسالة الثانية من الإسلام، ص ص 15 )

    24
    . 6) نفس المصدر، ص 20 )
    . 7) نفسه، ص 9 )
    . 8) نفسه ، ص 127 )
    . 9) نفسه، ص 120 )
    103 ، 10 ) نفسه، وقد وردت هذه الآيات في أكثر من موضع في هذا المعنى، انظر ص ص. 38 )
    11 ) نفسه ، ص. 83 )
    12 ) أوردها عبدالله النعيم، " م.م. طه وإشكالية التجديد، في م.م. طه وإشكالية التجديد"، مركز الدراسات )
    السودانية، الدار البيضاء ، 1992
    13 ) الرسالة الثانية، ص. 97 )
    . 14 ) نفسه، ص 91 )
    15 ) المصدر السابق، ص. 114 )
    16 ) نفس المصدر، ص. 24 )
    17 ) الرسالة الثانية، ص. 23 )
    18 ) نفسه، ص. 100 )
    19 ) نفسه، ص. 103 )
    20 ) نفسه، ص. 103 )
    21 ) نفسه، ص. 104 )
    22 ) نفسه، ص. 104 )
    23 ) نفسه، ص. 105 )
    24 ) نفسه ، ص. 109 )
    111- 25 ) نفسه ، ص ص. 107 )
    26 ) نفسه، ص ص. 16 وانظر أيضا ص. 84 )
    27 ) نفسه، ص. 17 )
    17- 28 ) نفسه، ص ص. 18 )
    29 ) الرسالة الثانية، ص. 103 )
    30 ) يحرص عبدالله على إثبات ضمير المؤنث بين قوسين في خطابه كناية عن شموله للجنسين، وهذا )
    حل معقول نسبيا في ظل الذكورية المسيطرة ل"جميع" اللغات.
    Société Soudanaise des Etudes et Recherches en Arts, Lettres et Sciences Humaines
    Sudanese Society for Research in Arts and Humanities
     م ا

    ن وا
    
    داب وا  ا  ث
    
    ت وا  را 
     دا
    
    ا 
    ا
    www.sudaneseonline.com
    25
    31 ) الرسالة الثانية من الإسلام، ص. 20 )
    32 ) نفس المصدر، نفس الصفحة. )
    33 ) أنظر دراسته "حرية الفكر بين السياق الإسلامي والسياق المعاصر". في محمود محمد طه رائد )
    68- التجديد الديني في السودان، مصدر سبق ذكره، ص ص 57
    34 ) أنظر في هذا الخصوص العرض الممتاز للمشكلة الذي قدمته الدكتورة فيوليت داغر في كتيب )
    بعنوان "الطائفية وحقوق الإنسان" مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. 1996
    35 ) النص المشهور (في السودان). وقد أخذته هنا عن مقدمة المنظمة السودانية لحقوق الإنسان للطبعة )
    الخاصة التي أصدرتها من كتاب "الرسالة الثانية ..." التي سبق ذكرها.
    36 ) قوانين سبتمبر 1983 هي القوانين الشهيرة التي سنَّها جعفر نميري على أثر "اللوثة الدينية" التي )
    اعترته في أواخر سنوات حكمه وقد كان مصممها الحقيقي ومحرك خيوط لعبتها من وراء الستار هو
    الدكتور حسن الترابي. وقد هللت لها كل الفرق "الإسلامية" وسمتها "قوانين الشريعة". إلا أن الأستاذ
    وتلاميذه رفضوا هذه التسمية وأسموها ب"قوانين سبتمبر" فصار ذلك مصطلحًا ثابتًا في اللغة السياسية في
    السودان.
    37 ) المقطع الشعري لمحمد المكي إبراهيم وهو شاعر سوداني مجيد جهلت أمره هو الآخر حركة التجديد )
    في الشعر العربي جه ً لا لا يليق. من ديوانه "أمتي" والمقطع ليس في الأستاذ محمود، وإنما قيل في أول
    شهيد لثورة أكتوبر السودانية 1964 (أحمد قرشي طه ولا علاقة لاسم جده بالأستاذ). وهو مما يناسب مقام
    كل شهادة عظيمة عامرة بالحياة.
    * استوحشت من عبارة "الوحيد الممكن" ولم أجد من حلٍ مناسب سوى وضعها بين
    مزدوجتين. ثم لا أزال منزعجًا منه فمعذرة.
    ** الأستاذ هواللقب الذي أطلقه عليه تلاميذه تمييزًا له عن الشيوخ التقليديين.
    *** لا يقر الأستاذ اختلاف النوع أص ً لا ويعتبره مناقضًا للتوحيد. وبهذا المعنى ينبغي أن
    ُتفهم إشاراته لاختلاف المقدار حيثما وردت.

    http://sudaneseonline.com/sections/special-files/MMTaha/ustazMMtahap1.html
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 01:57 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    "ماذا نفعل بمشكلة الشرق الأوسط"؟

    "تعقيب على د. حسن موسى
    بقلم: سعد عبدالله أبونورة
    مسقط - سلطنة عمان
    مقدمة:
    أخرج الدكتور الفاضل (حسن موسى) مقالاً بعنوان (ماذا نفعل بـ "مشكلة الشرق الأوسط") في الملف الخاص الذي أصدره منبر (سودان للجميع) بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لاستشهاد الأستاذ (محمود محمد طه) . ومن خلال قراءتي لمقال الدكتور حسن موسى تبين لي أن قراءته النقدية قد غلب عليها عدم التأني والانتقائية في فهم الاستقراء التاريخي والتحليل السياسي المطولين لموضوع الصراع العربي الاسرائيلي الذي انتهجه كتاب (مشكلة الشرق الأوسط) ، كما أنه قد قفز إلى نتائج غير موضوعية ، حين قال بأن (( مركز الثقل الفكري فيه يتبلور عند سؤال الهوية)) ، وذلك كمقدمة لتصنيفه للجمهوريين بأنهم ((بهذه النظرة لا يقلون عروبة عن القوميين العرب "ناصريين كانوا أو بعثيين" لأنهم رأوا في العرب جوهراً عرقياً أو ـ و ـ دينياً يصطفيهم كما اليهود لأداء مهمة لا يقدر عليها سواهم. و"شعب الله العربسلامي المختار" هنا يطرح نفسه خارج العالم وبالمقارنة مع العالم وقيل ضد العالم بدلا من أن يطرح نفسه في العالم وكجزء من العالم. جزء من "الناس")) .. وهو أمر غير صحيح على إطلاق العبارة ، لأنه ومنذ البداية وبالنسبة لأي قارئ جيد لفكر الأستاذ محمود محمد طه ، يعلم بأن محور هذا الفكر هو (الانسان) من حيث هو إنسان ، وهو فكر يتجاوز مرحلة (البشرية) ، بشرية عالم اليوم المتصارعة حول مفاهيم الدين والعرق والهوية والعنصر ، إلى مرحلة (الانسانية) التي لا يتفاضل فيها الناس بالعنصر والعرق والدين ، وإنما بموهبتي (القلب السليم والعقل الصافي) واللذين هما حظ كل إنسان من حيث هو إنسان وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها جميعاً من حيث هم ناس ، قبل أن تقوم ثقافات المجتمع البشري المختلفة بتشكيل وعيهم (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) .. فالفكرة الجمهورية وبشكل صارم ضد أي مفاهيم قومية أوعنصرية ، سواء كانت من جانب اليهود أو العرب أو الشعب الآري .. ويكفي استشهاداً في هذا الأمر وصف الأستاذ محمود في كتابه (مشكلة الشرق الأوسط) للعرب بأنهم ((يحاربون بالعنصرية العربية ، العنصرية الاسرائلية "الصهيونية" .. يهود يحاربون يهوداً!)) ويضيف الأستاذ محمود قائلاً في نفس الكتاب ((أمام عودة الإسلام عقبات كثيرة، نذكر منها إثنتين: دعوة القومية العربية، والدعوات السلفية الى الإسلام: فأما القومية العربية فقد أسلفنا طرفا من الحديث عنها، وقلنا أنها دعوة عنصرية في وقت خلّفت البشرية فيه الدعوات العنصريات وراءها، وأخذت تستقبل عهد الصراع الفكـري، والمذهبي. ويزعم أنصار هذه الدعوة أنها ليست عنصرية بحجة أنها دعوة لا تستعلي بعنصريتها على أحد، ولا هي تدعو لاضطهاد العنصريات الأخريات. وأمرهم في هذا جد يسير، فكونها لا تذهب في شطط العنصرية الى هذا الحد البشع لا ينفي عنها كونها عنصرية.. وقد ينفي عنها كونها عنصرية متطرفة.. ونحن لا نريد الدعوات العنصريات وان كانت موزونة، ومعتدلة وذلك لأنها لا تقوم على مذهبية)) كتاب مشكلة الشرق لأوسط ـ الفصل السابع .

    يشكل هذا النص قطيعة جذرية مع أي فكر عروبي أو اسلاموي سلفي ، وبشكل لا يبرر للدكتور حسن موسى توصيفه للجمهوريين بأنهم ((لا يقلون عروبة عن القوميين العرب "ناصريين كانوا أو بعثيين" لأنهم رأوا في العرب جوهراً عرقياً أو ـ و ـ دينياً يصطفيهم كما اليهود لأداء مهمة لا يقدر عليها سواهم. و"شعب الله العربسلامي المختار")) .. فعند الأستاذ محمود لا يوجد أصلاً شئ يسمى القومية العربية ، فهو ينقد هذا المفهوم بقوله (( والحق ان ليس للعرب فلسفة الا فلسفة تقوم على أديم الاسلام، فاذا زعم دعاة القومية العربية لها انها وحدة الثقافة ووحدة التاريخ ووحدة اللغة فقد وجب ان يذكروا ان العرب لم يكونوا شيئا مذكورا قبل الاسلام، فهم لم يكن لهم ثقافة، ولم يدخلوا التاريخ قبل ان يكونوا مسلمين، و كانت لغتهم لهجات قبلية متفرقة لم تتوحد الا بعد ان جاء القرآن بلغة قريش فوحدها – فالاسلام هو الذي أعطى العرب الثقافة، وهو الذي أعطاهم اللغة، وهو الذي جعل لهم تاريخا يذكر، اذا ذكرت تواريخ الامم)) ـ كتاب مشكلة الشرق الأوسط ـ الفصل الثالث ..

    الحل العاجل لمشكلة الشرق الأوسط

    يقفز الدكتور حسن موسى قفزاً للحديث عن (الحل الآجل) لمشكلة الشرق الأوسط في الصفحة الأولى من مقاله دون أي حديث عن (الحل العاجل) المطروح في الكتاب ، بالشكل الذي يوحي وكأن الأستاذ محموداً لم يطرح حلاً عملياً للمشكلة أسماه (الحل العاجل) وإنما هو قد طرح فهماً طوباوياً نبيلاً آجلاً يربط الحل النهائي لمشكلة الشرق ألأوسط بحل أزمة الحضارة الغربية المادية .. بل أن الدكتور حسن موسى قد تجافى التزام الموضوعية تماماً في عدم ذكره لتفاصيل (الحل العاجل) كما هو مذكور في الكتاب أو حتى الإشارة إليه ولو بكلمة واحدة ـ وهو الحل الذي اضطر العرب إليه اضطراراً من الناحية العملية ـ إذا أن ذلك من شأنه أن يفند الكثير مما ساقه الدكتور حسن موسى ، عن ما أسماه (الفكرة الطوباوية النبيلة ) التي (ظلت على الدوام تؤثث خلفية كل التحليلات السياسية التي بذلها الجمهوريون لواقع العلاقات السياسية في الشرق الأوسط) .. ويجهد الدكتور حسن موسى نفسه في الكثير مما بذله في هذا المقال ، في أن يثبّت لدى القارئ ذهنياً صورة التفكير الطوباوي النبيل لدى الأستاذ محمود والجمهوريين ، فيختار من العبارات ما يؤكد هذا المعنى ، حيث يقول مرةً (قلت أن البعد الآيديولوجي الانقاذي يطمس بصيرة التحليل الجيوبولوتيكي لكتاب "مشكلة الشرق الأوسط") ويقول حيناً آخراً (وفي هذا المنظور ، منظور انقاذ الحضارة الإنسانية بحالها ، فنحن أبعد من ما نكون عن الطموح السياسي البراغماتي الذي يريد حل النزاع العربي الاسرائيلي وحده بصرف النظر عن المخاطر التي قد تتهدد الحضارة الإنسانية).

    عليه فما هي تفاصيل (الحل العاجل) الواردة في كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" ؟

    في الفصل السابع من الكتاب وتحت عنوان (الحل العاجل) ورد الآتي :

    ((الحل العاجل

    ان على العرب ان يعلنوا للعالم على الفور انهم، إيثاراً منهم لعافية الدول ، وتضحيةً منهم في سبيل السلام العالمي، وابقاءً منهم على المنظمة العالمية العظيمة ، ورعايةً منهم لصالحهم هم انفسهم ، يقبلون التفاوض مع دولة اسرائيل ، تحت اشراف الامم المتحدة ، (ومجلس الامن بشكل خاص) وعلى ان يكون التفاوض على أساس قراري الامم المتحدة ، المتخذين في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 (قرارالتقسيم)، وفي الحادي عشر من ديسمبر عام 1948 (قرار إعادة اللاجئين) . وهما القراران اللذان التزمت بهما دولة اسرائيل لدى دخولها هيئة الامم ، وقد وردت الى ذلك الالتزام الاشارة في القرار الذي اتخذته الجمعية العامة في الحادي عشر من شهر مايو عام 1949، وهو القرار الذي يقضي بقبولها في الهيئة، وينص ((في ديباجته على ان اسرائيل قد تعهدت باحترام التزاماتها تجاه ميثاق الامم المتحدة منذ قيامها ، أي في الرابع عشر من آيار (مايو) عـام 1948، كمـا ينـص على التذكيـر بقـراري 29 تشـرين الثـاني (نوفمبر) عـام 1947 (قرار التقسيم)، والحادي عشر من كانون الأول (ديسمبر) عام 1948 (قرار إعادة اللاجـئيـن).)) عن كتاب ((قضايانا في الأمم المتحدة)) .. وسيكون هدف المفاوضة المباشرة مع اسرائيل تحت اشراف مجلس الأمن، الآتى :-
    1) انهاء حالة الحرب التي ظلت قائمة بين العرب واسرائيل ، والاعتراف لاسرائيل بحق البقاء في سلام ، وامن ، واحترام لسيادتها على أراضيها .
    2) احترام حق اسرائيل في المرور البري بالممرات المائية - خليج العقبة ، وقناة السويس .
    3) انسحاب القوات الاسرائيلية ، والسلطات الاسرائيلية ، من الاراضي العربية التي احتلتها اسرائيل على التوالى : في حروب 15 مايو عام 1948، و29 أكتوبر عام 1956، و5 يونيو عام 1967.
    4) ارجاع اللاجئين العرب الذين أخرجوا من ديارهم ، أثناء هذه الحروب ، أو بعدها ، وتعويضهم عن جميع ما تعرضوا له من خسائر . وتوطين من لا يرغبون منهم في العودة الى داخل الحدود الإسرائيلية ، في الأرض الفلسطينية ، التي خصصها مشروع التقسيم الأصلي للعرب ، مع تعويضهم أيضا.. وهذا يعني تنفيذ مشروع التقسيم الأصلي .
    5) ضمان مجلس الأمن (الامم المتحدة) لحدود الدولة العربية الجديدة ، التي تنشأ نتيجة لتنفيذ مشروع التقسيم الاصلي ، ولتأكيد هذا الضمان توقف ، على الفور، الهجرة اليهودية الى دولة اسرائيل ، وذلك لان زيادة السكان الناتجة عن استمرار الهجرة ستجعل اسرائيل مضطرة الى التوسع ، وقد تصبح مهددة بذلك لامن جيرانها ، وسلامة اراضيهم .
    6) تأخذ هيئة الامم على دولة اسرائيل تعهدا بالا تحاول أي توسع في أرض أي من الدول العربية المجاورة لها . فاذا جرت منها أية محاولة فان مسئولية ايقافها عند حدها تقع على عاتق المنظمة الدولية ، مجلس الامن والجمعية العامة .

    فاذا ملك الزعماء العرب هذه الشجاعة، وهي شجاعة سيحتاجونها لمواجهة شعوبهم ، (وذلك ، على كل حال ، أفضل من التضليل الذي يمارسونه الآن) فان موقف اسرائيل سيصبح ضعيفا.. ولكنها امام اغراء اعتراف العرب بها ، وامام الرأي العام العالمي ، في المنظمة وخارجها ، لن تجد بداً من الموافقة. فاذا ما أبرم الحل العاجل بصورة مرضية فقد أصبح على العرب ان يباشروا الحل الآجل .))

    فلو أن الدكتور حسن موسى قد أورد (الحل العاجل) المطروح في الكتاب والمذكور أعلاه ، لكان قد اتضح بأن هذا الحل يتوجه أيضاً إلى (حل النزاع العربي الاسرائيلي وحده بصرف النظر عن المخاطر التي قد تتهدد الحضارة الإنسانية) . ولكن ذلك لا يخدم غرض الدكتور حسن موسى من مقاله الرامي لوصف الأفكار الواردة في الكتاب بالطوباوية النبيلة وبعدم الواقعية ، لذلك تجاهل أي حديث أو إشارة للحل العاجل للمشكلة المطروح في الكتاب .

    والآن فلننظر ماذا فعلت حركة التحرر العربي ، في شقها الفلسطيني ، بالاقتراحات العملية التي قدمها الأستاذ محمود في (الحل العاجل) وبعد مرور ثلاثين عاماً من كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" ؟

    يورد موقع الهيئة العامة للاستعلامات ـ السلطة العربية الفلسطينية على الإنترنت حالياً البرامج السياسية للمنظمات الفلسطينية ، ومن ضمن هذه المنظمات يستعرض الموقع البيان السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، والتي كانت من المنظمات الماركسية المنخرطة في النضال الفلسطيني المسلح ضد اسرائيل والرافضة للتفاوض مع اسرائيل والتصالح معها ، والذي نورده أدناه :

    (( السلطة الوطنية الفلسطينية
    الهيئة العامة للاستعلامات
    مركز المعلومات الوطني

    البرنامج السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

    · المسألة الوطنية الفلسطينية هي في جوهرها مسألة التبديد القومي لشعب فلسطين واقتلاعه من وطنه وتقسيم واحتلال بلاده فلسطين وحرمانه من حقه الطبيعي في تقرير مصيره.
    · الحركة الوطنية الفلسطينية هي حركة وطنية تحررية مهمتها التاريخية في انجاز حل ديمقراطي جذري للمسألة الوطنية الفلسطينية بكل أبعادها .
    · ان تصاعد النضال الوطني التحرري للشعب الفلسطيني والشعوب العربية يؤدي الى فضح الطبيعة الوهمية للحل الصهيوني وينمي القناعة بان الطريق الوحيد الى السلام هو التعايش بين الشعبين في فلسطين ديمقراطية موحدة.
    · يتحدد الهدف المرحلي في انتزاع حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 وهي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف.
    · اعلان دولة فلسطين وربط سياستها الكاملة على الأراضي المعترف بها دولياً كأراضي فلسطين محتلة وفقاً لقرارات مجلس الأمن رقم 605 - 607 - 608 وهي أراضي الضفة الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة حتى حدود 4 حزيران 1967 .
    · دعوة حكومة اسرائيل الى اجراء مفاوضات لاقرار سلام دائم ومتوازن على أساس تطبيق قراري مجلس الأمن 242 - 338 الذين يقران مبادلة الأرض بالسلام والحل العادل لقضية اللاجئين والنازحين.
    · بناء اجماع وطني على الحدود الدنيا التي لايمكن ابرام أي اتفاق للحل بدون ضمانها وهي :
    أ. الانسحاب الاسرائيلي الكامل الى حدود 4 حزيران 1967 وتطبيق قراري مجلس الامن 242/338 .
    ب. ابطال الضم الاسرائيلي للقدس الشرقية عملاً بالقرار الدولي 478 والاعتراف بها عاصمة لدولة فلسطين المستقلة .
    ج. تفكيك الوجود الاستيطاني ورحيل المستوطنين عملاً بالقرار الدولي رقم 465 .
    د. الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بما يعني الاستقلال والسيادة الكاملة على أرضه الوطنية في الضفة الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة .
    هـ. التمسك بحقوق اللاجئين وفقا للقرار 194 الذي يكفل لهم حق العوده والتنفيذ الفوري للقرار 237 الخاص بعودة النازحين .

    · التأكيد على ان قيام الدولة المستقلة لن يشكل مساساً بحق اللاجئين في العودة وفقاً للقرار 194 .
    · تعزيز التعبئة الشعبية الشاملة ضد الاحتلال داخل الوطن باتخاذ الاجراءات التي تكفل ازالة عوامل الاحتقان والتوتر بين السلطة والشعب .
    · تأمين مقومات الصمود الاقتصادي للتحرر من اعباء بروتوكول باريس الاقتصادي .
    · استنهاض دور جماهير الشعب الفلسطيني في الشتات تاكيدا لوحدته في اماكن تواجده.
    · تعزيز التواصل والالتحام المصيري مع جماهير شعبنا داخل حدود الـ 48 ، باعتباره جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني .
    · التحرك على الصعيد العربي لضمان دعم الدول الشقيقة للخيار الوطني الفلسطيني .)).

    عليه فإنه في يومنا الحاضر هذا ومن الناحية العملية أصبحت الدول العربية (مبادرة الرياض) والمنظمات الفسطينية الماركسية والقومية منها ، على السواء ، تتبنى (الحل العاجل) للمشكلة وكما طرحه الأستاذ محمود قبل ثلاثين عاماً ، والذي يتضمن الاعتراف باسرائيل وقبول قرار التقسيم .

    ولقد كان الاستاذ محمود يريد للعرب ان لا يصلوا لهذه المذلة والمهانة ، وان لا يفقدوا مافقدوه من ارواح ابنائهم ، بأن يساوموا بالاعتراف بأسرائيل ، في وقت كان فيه للاعتراف قيمة في المساومة (عام 1967) ، وأنذرهم عاقبة الابطاء ، مما يفوت الفرصة ، ويفقد الاعتراف قيمته في المساومة ، فيضطروا للاعتراف بأسرائيل دون ان يقبضوا الثمن ، وهذا بكل أسف ، هو ماحدث بالفعل . يقول الأستاذ محمود في في الفصل السابع من الكتاب وتحت عنوان (المفاوضات المباشرة) ، وهو يرى ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل من حصول إسرائيل على اعتراف العرب بها كدولة دون أي ثمن يقبضه العرب بالمقابل :

    ((كما قلنا ، فان اعتراف العرب باسرائيل واقعيا ، وعمليا حاصل ، وكل المشاريع التي تقدم في المنظمة العالمية الآن ترمي الى تسجيل هذا الإعتراف . لا يختلف في ذلك أصدقاء العرب ، أو أصدقاء اسرائيل . ولعل كل ما هناك من اختلاف بين الفريقين هو هل يكون الجلاء قبل تسجيل هذا الاعتراف أم بعده؟؟ وهناك إصرار اسرائيل على التفاوض المباشر. وأمام هذه الإصرار فان اسرائيل ستكون مستعدة لتنازل كبير، قد لا يكون ممكنا بغير قوة المساومة التي يحملها هذا الاعتراف من جانب العرب ، ومن مصلحة القضية العربية الا تضيع قوة المساومة هذه بتمسك العرب بعدم الاعتراف اللفظي ، مع أن الاعتراف عمليا واقع ، ومع الزمن ، فان اسرائيل ستحصل على هذا الاعتراف ، بدون أن تدفع عليه ثمنا كافيا للعرب)) ..

    كما أشار الأستاذ محمود في الفصل السادس من الكتاب وتحت عنوان (الاعتراف باسرائيل من مصلحة العرب) لهذا الأمر أيضاً :

    ((ولكن العرب يرفضون هذا الاعتراف بدولة اسرائيل ، وهم ، ان اردت الدقة ، لا يرفضونه الا شكلا ، ولا يرفضونه الا قولا.. ولكنهم مضمونا ، وعملا ، لا يرفضونه.. هذا من أشد الامور مدعاة للاسف ، وهو في نفس الوقت من أدل الدلائل على جهل القيادات العربية ، وقلة حنكتها ، ذلك بان اسرائيل في فترة الاصرار على عدم الاعتراف بها قد تقوت ولا تزال تتقوى ، عسكريا ، وسياسيا ، ودبلوماسيا ، واقتصاديا ، وبشريا . ثم هى ستنال الاعتراف الكامل بها بعد ان تفرضه وبعد ان يكون العرب كما هو واضح الآن ، قد قدموه على أقساط ، وبعد ان يكون على ذلك قد فقد قيمة المساومة التي كان ولا يزال يحظى بها .. فكأن اسرائيل ستحرز اعتراف العرب بها بدون ان يقبض العرب من اسرائيل ثمن هذا الاعتراف )) .


    كان يمكن الإجابة وبكل بساطة على تساؤل الدكتور حسن موسى عن (ماذا نفعل بمشكلة الشرق الأوسط؟) بقولنا أن هذا التساؤل قد أجاب عليه التاريخ فاصبح مقترح (الحل العاجل) هو لب الحل السياسي للمشكلة الذي أجمعت عليه جامعة الدول العربية (مبادرة الرياض) ، واصبحت حتى المنظمات الفلسطينية الماركسيه تتبناه كبرنامج سياسي لها (البرنامج السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كما ذكرناه أعلاه) .. ولكن الإجابة ليست بهذه البساطة ، ذلك أنه عندما فكر العرب في التفاوض مع اسرائيل والاعتراف بها وقبول قرار التقسيم ، فقدوا قيمة المساومة الذي كان يمكن أن يتمتعوا بها في اللحظة الزمنية التاريخية الحرجة في عام 1967 حينما كانت اسرائيل مستعدة للتفاوض وقتها معهم . أما الآن فإن اسرائيل ترفض إطلاقاً موضوع عودة اللاجئين العرب للأراضي الاسرائلية ، وترفض التخلي عن القدس الشرقية ، كما أنها تقول بأن دولة فلسطين في حالة قيامها في قطاع غزة والضفة الغربية سوف لن تكون على كامل أراضي الضفة الغربية كما كان عليه الوضع في عام 1967 ، كما صرحت وزيرة الخارجية الاسرائلية (ليفني) قبل بضعة أيام .

    هل أخطأت نظرة الدكتور حسن موسى النقدية كل هذه الحقائق ، وهل يمكن القول ( أن رجلاً واسع الاطلاع) عارفاً بكل مآلات التطورات السياسية لقضية الشرق الأوسط مثله ، قد اشتبهت على بصيرته السياسية أن يرى في ما طرحه الأستاذ محمود من حل عاجل لمشكلة الشرق الأوسط أي واقعية براغماتية (بمعنى عملية) أثبتت الأحداث صحتها ، بالشكل الذي يسوغ له أن يقول عن منظور الحل المقدم في كتاب "مشكلة الشرق ألأوسط" (فنحن أبعد من ما نكون عن الطموح السياسي البراغماتي الذي يريد حل النزاع العربي الاسرائيلي وحده بصرف النظر عن المخاطر التي قد تتهدد الحضارة الإنسانية) .. ثم إن الدكتور حسن موسى يناقض نفسه بنفسه في وصفه للأفكار الواردة في الكتاب بأنها (طوباوية نبيلة) وينعى عليها قصورها عن (الطموح السياسي البراغماتي) ، حين يعمد مرة أخرى لوصف كتاب مشكلة الشرق الأوسط بأن منهجه براغماتي مغرض فيقول (إن كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" يظل من الكتب المهمة التي أصدرها الجمهوريون لأنه يضيء منهج التفكير السياسي الجمهوري على الأقل في تلك الفترة بطريقة بريئة في إنتقائيتها، طريقة تؤشر لتغول البراغماتية السياسية المغرضة حتى لا أقول "الانتهازية السياسية" على منطق الفكر الحر الذي لازم جهد التجديد الديني عندهم) . فبين قطبي التوصيف المتناقض والمتأرجح بين "البراغماتية" و"الطوباوية النبيلة" أخطأت نظرة حسن موسى النقدية أن ترى الحقيقة الموضوعية المجردة والمتمثلة في أن (الحل العاجل) الوارد في الكتاب ، هو مايسعى العرب والفلسطينيون جاهدين لتحقيقه الآن دون أن يظفروا من ذلك بأي طائل . ومن هذا المنظور ، منظور (الحل العاجل) الذي توافى عليه أخيراً كل من الدول العربية والمنظمات الفلسطينية ، فإن كتاب "مشكلة الشرق ألأوسط" ليس ("كعب أخيل" الميراث السياسي الجمهوري) كما خيٌل للدكتور حسن موسى ، وإنما هو الحجر الذي رفضه البناؤون في بادئ الأمر فأصبح "حجر الزاوية" ، كما قال السيد المسيح (الحجر الذي أباه البناؤون قد أصبح حجر الزاوية) ..

    تم الجزء الأول من التعقيب ويليه :
    الجزء الثاني .. الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني
    الجزء الثالث .. الحل الآجل لمشلكة الشرق الأوسط
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 01:58 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    2

    الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني

    عقب الحرب العالمية الثانية وما تمخضت عنه من تعاظم لنفوذ الاتحاد السوفييتي في أوروبا وبروز الكتلة الشرقية ، استعرت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، واصبحت الكثير من مواقف الاتحاد السوفييتي تمليها مقتضيات الصراع الاستراتيجي الدولي بينه وبين أمريكا على اقتسام وإعادة اقتسام مناطق النفوذ في العالم . وفي حقبة الحرب الباردة مارس الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه في المعسكر الاشتراكي عملاً دعائياً منظماً فحواه أنه يمكن لدول العالم الثالث أن تتجنب ويلات السير في ركاب طريق التطور الراسمالي ، وذلك بالسير في طريق التطور اللارأسمالي عن طريق التحالف مع المعسكر الاشتراكي . ومن هذا المنظور رفع الاتحاد السوفييتي شعارات التحالف والصداقة مع الكثير من الدول التي استقلت عن الاستعمار الغربي وحركات التحرر الوطني التي كانت تسعى وقتها للتحرر من الاستعمار الغربي . وعلى الرغم من الصورة الرومانسية الزاهية التي رسمها الاتحاد السوفييتي لنفسه كدولة اشتراكية تسعى لمساعدة دول العالم الثالث ، دون أي نزوع للهيمنة وبشكل يخلو من أي غرض استعماري لاستغلال هذه الشعوب واستغلال مواردها ، إلا أن هذه الصورة لم تكن مطابقة لواقع الأمر ، ولم تكن دوافع الاتحاد السوفييتي مبرأة تماماً عن الهيمنة والتحكم في مصائر الشعوب . كما أن هذه الدوافع النبيلة ، قد وجدت دوماً من يتشكك في مصداقيتها حتى داخل المعسكر الاشتراكي نفسه ، وذلك حين ارتطمت رغبة الشيوعيين المجريين بقيادة (إيمر ناجي) في تأسيس نموذجهم الاشتراكي الوطني في عام 1956 بجدار الهيمنة السوفييتية وتعرضت تلك التجربة للقمع العسكري العنيف من قبل الاتحاد السوفييتي . وتكررت نفس التجربة في ربيع (براغ) عام 1968م حين حاولت تشيكوسلوفاكيا تحت قيادة (الكسندر دوبتشيك) سلوك نفس التجربة ، فأطاحت الدبابات السوفيتية بذلك الحلم .. وفي كل الأحوال تم دمغ مثل هذه التجارب بالنزعات الشوفينية من قبل الاتحاد السوفييتي . ولم تجد الصين الشيوعية مفراً من سلوك طريقها الخاص في تطبيق الاشتراكية ، في تحدٍ واضح للهيمنة السوفيتية ، بل أنها قد عمدت إلى إدانة ما أسمته بالامبريالية السوفييتية الجديدة . وتأست ألبانيا تحت قيادة (أنور خوجة) بالنموذج الاشتراكي الصيني في قطيعته الكاملة مع الاتحاد السوفييتي .

    عليه فإن الصورة المثالية التي حاول الدكتور حسن موسى أن يضفيها على موضوعة تحالف ما يسمى بالأنظمة التقدمية العربية وحركة المقاومة الفلسطينية مع المعسكر الاشتراكي في ظل أجواء الحرب الباردة تعتبر صورة مغايرة للواقع الموضوعي في ذاك الوقت .. يقول الدكتور حسن موسى :
    (فتحت شروط الحرب الباردة أمكن تفكيك آلة الاستعمار الكلاسيكي في بلدان العالم الثالث سواء عن طريق الضغوط السياسية السلمية سواء عن طريق النضال المسلح الذي مكن لبعض حركات التحرر أن تتقدم على درب التحرر مسنودة بحلفاء موضوعيين معادين للامبريالية. تحت شروط الحرب الباردة تمكن الشعب الفيتنامي من هزيمة آلة القهر الطبقي للإمبريالية الأمريكية وبناء دولة السيادة الوطنية. وتحت شروط الحرب الباردة أمكن لبعض البلدان المتحررة أن تباشر بعض الإصلاحات المهمة في بنى الاقتصاد وإطلاق التنمية الاجتماعية التي استفادت منها أجيال ما بعد الاستقلال)

    ذلك هو بالضبط ما آمن به عبد الناصر وما آمنت به الأنظمة العربية وما آمنت به حركة المقاومة الفلسطينية ، فهي لم تفعل أكثر مما قاله الدكتور حسن موسى حين حاولت أن (أن تتقدم على درب التحرر مسنودة بحلفاء موضوعيين معادين للامبريالية) فكيف ساعدها هؤلاء الحلفاء (الموضوعيين المعادين للامبريالية)؟ في حرب يونيو 1967 دفع الاتحاد السوفييتي عبد الناصر دفعاً للحرب ، فنقل إليه معلومات خاطئة مفادها أن اسرائيل تحشد قواتها لغزو سوريا ، ثم في اللحظة الأخيرة طلب منه عدم البدء بالضربة ألأولى ، ليتلقى عبد الناصر هذه الضربة الأولى ، ويخذله السوفييت فيخسر الحرب . وهذا هو ما فعله السوفييت أيضاً في الحرب الخامسة في لبنان ، فيما تنقله لنا مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (التحدي الذي يواجه العرب) والتي صدرت في النصف الثاني من عام 1982 إبان الغزو الاسرائيلي للبنان ، والذي أدى لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان ، وإعادة تمركز قيادتها في تونس


    وكان الأستاذ محمود قد وجه الأخوان الجمهوريين لكتابة مقدمة جديدة لكتاب (التحدي الذي يواجه العرب) تستوعب الدروس المستقاة من الحرب الخامسة .. ورد في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (التحدي الذي يواجه العرب) في الصفحات من الصفحة رقم 5 إلى الصفحة رقم 8 ما يلي عن الحرب الخامسة بلبنان :

    ((فحسب ما نقلته مجلة (المجلة) عدد 126 الصادر بتاريخ 10 يوليو 1982 ، فإنه قد : (تعهد الاتحاد السوفييتي خلال الأسابيع التي سبقت الغزو الاسرائيلي المتوقع للبنان بدعم سوريا في حالة نشوب قتال مع اسرائيل ، بما في ذلك ، ارسال عسكريين سوفييت لتشغيل بطاريات صواريخ (سام) سوفييتية الصنع في سوريا نفسها) (وقد عكست هذه الوعود السوفييتية الثقة المتزايدة في لهجة السوريين الذين أعلنوا أنهم سيتدخلون في القتال إلى جانب الفلسطينين إذا غزت اسرائيل جنوب لبنان) ..
    هكذا هيأ الاتحاد السوفييتي أذهان السوريين إلى أنه سيدعمهم ، ولكنه وعندما نشبت الحرب بالفعل تخبرنا (المجلة) بأنه (ألقى بثقله الديبلوماسي من أجل الحيلولة دون نشوب مواجهة شاملة بين اسرائيل وسوريا في لبنان ، قد تتطور إلى حرب شاملة ، يعتقد السوفييت أن السوريين سيخرجون الخاسرين منها ، وركز جهوده على مساعي وقف اطلاق النار ، حتى لا يتورط بالوفاء بالتزاماته لسوريا بموجب معاهدة الصداقة والتعاون). إن الخذلان السوفييتي للعرب في الحرب الأخيرة بلبنان قد بدا واضحاً بصورة دفعت أصدقاءه أنفسهم لانتقاده .. فكما تخبرنا مجلة الحوادث ، 30 يوليو 1982 : (فقد ذهب عرفات أكثر من مرة إلى دار السفارة السوفييتية في بيروت الغربية ، حيث اجتمع مع السفير الكسندر سولداتوف ثم انقطع عن القيام بزيارات إلى هذه السفارة . إلى أن جاءه سولداتوف يعرض عليه الخروج من بيروت على ظهر سفينة حربية سوفييتية ، مما دفع عرفات إلى تحذير السفير السوفييتي من أنه قد يكون مضطراً إلى قطع علاقات المنظمة بالحكومة السوفييتية ، إذا تلقى عرضاً مماثلاً من موسكو..) ـ انتهى ـ كما أن الزعيم الفلسطيني نايف حواتمة والذي يتزعم منظمة (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) ، والتي يعتبرها السوفييت بمثابة الحزب الشيوعي داخل حركة المقاومة ، نقلت عنه مجلة الحوادث في العدد السابق المشار إليه الخبر التالي : (لا تزال التساؤلات تطرح حول سبب انتقاد نايف حواتمة ، زعيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، لكل من جبهة الصمود والتصدي والاتحاد السوفييتي بسبب الوضع في لبنان . ومرجع التساؤلات أن حواتمة ، كان من أشد المؤيدين للذين ينتقدهم) .. وتستطرد (الحوادث) قائلة : (كما تقول هذه المعلومات أن ياسر عرفات يتوسط بين المملكة العربية السعودية وبين الجبهة الديمقراطية ، بعد أن أعلن حواتمة أنه لم يعد ماركسياً بل اشتراكيا) .. انتهى .. هكذا اضطر حلفاء موسكو لانتقادها ، ويصل هذا الانتقاد ذروته في ما تنقله لنا ، مجلة (الحوادث) ، 9 يوليو 1982 عن ما فعله القذافي (رجل موسكو) بالمنطقة ، فتقول : (العقيد معمر القذافي غاضب جداً من الاتحاد السوفييتي بسبب موقفه اللامبالي من الغزو الاسرائيلي للبنان .. وقد استدعى العقيد سفراء معظم دول الكتلة الشيوعية ليقدم إليهم رأيه بشأن الموقف السوفييتي ..) وتواصل المجلة ، فتقول : (وقال لهم الرئيس الليبي : إن الصداقة بين القوى العربية التقدمية ودول الكتلة الاشتراكية في نفس الخطر الذي يحيط بالمقاومة الفلسطينية ، وهي على وشك الالتهاب بنفس الطريقة التي تكاد فيها بيروت أن تشتعل . وقالت مصادر ديبلوماسية أن المقابلة دامت خمس دقائق فقط طلب على اثرها العقيد أن يخرج السفراء من الاجتماع فوراً) .. انتهى

    ولم يستثر البرود السوفييتي تجاه الأحداث اللبنانية ، إلا الدور النشط والفعال لأمريكا طيلة فترة الحرب اللبنانية .. فعندما نقلت الأخبار أن أمريكا قد عقدت العزم على ارسال بعض قواتها ضمن قوات دولية أخرى ، لكي تساهم في (فصل القوات) بلبنان ، استشاط الزعيم السوفييتي بريجنيف غضباً وقال : (إننا نعترض بلا قيد أو شرط على ظهور قوات أمريكية على ألأرض اللبنانية ، وقد سبق أن أصدرنا تحذيراً بهذا الخصوص) .. راجع مجلة الحوادث ، 30 يوليو 1982 ـ الأمر الذي يثبت أن السوفييت لا ينظرون إلى الأحداث في المنطقة إلا من زاوية صراعهم الاستراتيجي مع أمريكا .. هذا بالإضافة إلى أن الاهتمام السوفييتي لم يتحرك تجاه الأحداث في لبنان بقدر تحركه نحو ما أثبتته المعارك من ضعف لفعالية الأسلحة السوفييتية في وجه الأسلحة الأمريكية الأكثر تقدماً خاصةً في مجال الإليكترونيات .. فقد نقلت الأخبار أن السوفييت بعد ضرب صواريخهم في حقل البقاع قد (قاموا بشحن عدد من هذه الوحدات المضروبة إلى بلادهم لاخضاعها إلى فحوصات مكثفة .. كذلك قام السوفييت بشحن دبابة مضروبة في لبنان من طراز تي ـ 72 لمعرفة لماذ استطاع الاسرائليون تدمير عدد كبير من هذه الدبابات المتطورة جداً) ـ راجع مجلة (المجلة) ، 10 يوليو 1982 ـ

    فلكأن السوفييت قد انزعجو لفشل اسلحتهم ، الأمر الذي يهدد سمعتهم عند أصدقائهم ، فهم يريدون للعرب أن ينهزموا ، ولكنهم لا يريدون أن يكون سبب الهزيمة هو ضعف فعالية أسلحتهم ، بصورة تهدد نفوذهم في المنطقة)) ـ انتهى النقل عن مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (التحدي الذي يواجه العرب) .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 02:00 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    3
    في هذا الجزء المتعلق بحركات التحرر الوطني والحرب الباردة أود أن اشير للمفكر الماركسي المعروف الدكتور صادق جلال العظم ، السوري الجنسية ، والذي قام ومن خلال استبطانه لتجربته في حركة المقاومة الفلسطينية بإعادة قراءة نقدية لمواقفه وموقف اليسار الفلسطيني . والدكتور جلال العظم حين يفعل ذلك إنما يفعله من موقع المؤسس والمشارك في نضال المنظمات الفلسطينية اليسارية ، فهو أحد المؤسسين لمنظمة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، كما أنه أحد المؤسسين لمجلة (شؤون فلسطينية) .. تحدث الدكتور صادق جلال العظم في الحوار الذي دار بينه وبين صقر أبوفخر والمنشور في كتاب (حوار بلا ضفاف) والذي قامت بنشرة المؤسسة العربية للدراسات والنشر في الطبعة الأولى للكتاب والتي نشرت في عام 1998م عن : (مدى خواء وديماغوجية منطق يساري عربي (وفلسطيني بصورة خاصة) كان لا يكل ولا يمل عن إعلامنا بأن (الامبريالية في أزمة) و(اسرائيل في مأزق) و(كامب ديفيد في طريق مسدود) وأن الاتحاد السوفييتي يعاني بعض المتاعب والمصاعب فقط ليتبين لاحقاً أن العكس تماما هو الصحيح ، أي أن الامبريالية هي التي تعاني بعض المتاعب والمصاعب فقط في حين أن الاتحاد السوفييتي هو العالق في الأزمة الحقيقية والغارق في المأزق الذي لا مخرج عنه والماشي في طريق مسدود إلى حدود الانهيار والتلاشي . وأقول بتواضع إني كنت أحتقر هذا المنطق أشد الاحتقار ولا أهتم به إلا من قبيل التنبيه الى ضرره البالغ واساءته الكبيرة. دعني أذكر أيضاً بمنطق يساري مشابه كان شائعاً في العالم العربي ولكنه كان يأخذ منحى الإرهاب الفكري من دون أن يقل عن الأول خواءً وديماغوجيةً وتعطيلاً لأي تفكير نقدي جدي ولأي تحليل موضوعي مستقل . كان يقدم هذا المنطق نفسه على شكل سؤال خطابي بسيط وتبسيطي وبديهي يقول : يتألف عالم اليوم من المعسكر الامبريالي وحليفته الرجعية العالمية في كل مكان ، من ناحية ، ومن المعسكر الاشتراكي وحليفته قوى التحرر الوطني العالمية في كل مكان أيضاً ، من جهة ثانية . وهل عندك أي شك في أي من المعسكرين سينتصر؟ وفي تلك الأيام من كان يجرؤ على التعبير العلني عن أية شكوك من هذا النوع ، أو عن مجرد الظن ، مهما كان ظنه افتراضياً بامكانية تحقق الاحتمال الآخر؟ طبعاً اصطدمت بهذا المنطق مراراً خصوصاً في كتاباتي ومحاضراتي عن السياسة الأمريكية في المنطقة وحقيقة توجهاتها وبواعثها وخلفياتها وآلياتها الأعمق) .

    وفي تعليقه على تجربته مع المقاومة الفلسطينية في عمان يرد الدكتور صادق جلال العظم على السؤال الموجه إليه من قبل صقر أبو فخر بقوله (( كان سؤالك (ماذا عن ذكريات عمان في تلك الفترة؟) . ذكريات سيئة ، في الحقيقة على الرغم من التفاؤل في البداية والتعلق بالمقاومة كخشبة خلاص .. الخ . تبين لي بسرعة أن المقاومة في العمق هي جزء من حركة التحرر العربي على العموم ، بتركيبها وقياداتها ومصالحها وعقليتها وعجرها وبجرها . وإذا كانت الحركة الأكبر قد هزمت أمام المشروع الصهيوني فلن يكون مصير الفرع بأفضل من الأصل . وهذا ما قلته بصراحة ووضوح ، في كتابي عن تجربة المقاومة في عمان . تعرضت وقتها لتهديدات جدية من قيادة فتح (كمال عدوان تحديداً) واضطررت للتواري عن الأنظار فترة (مرة ثانية الهرب من بيروت إلى دمشق حين تضيق الفسحة) . لكن الغارة الاسرائلية المشهورة على بيروت والتي استشهد فيها كمال عدوان ومعه كمال ناصر ومحمد يوسف النجار من قادة (فتح) غطت مشكلتي ومشكلة كتابي ، واكتفت (فتح) بعدها بشراء جزء منه لسحبه من الأسواق ومنع الناشر من إخراج طبعات لاحقة منه) .

    وفي تأكيد لا يخفى لما سبق أن نبه له الأستاذ محمود عن العرب بأنهم (يحاربون بالعنصرية العربية ، العنصرية الاسرائلية "الصهيونية" .. يهود يحاربون يهوداً) أشار الدكتور صادق جلال العظم إلى هذا الأمر بقوله (هذا تماماً ما فعلته حين وصفت علناً وعلى رؤوس الأشهاد ما كان يجري داخل منظمة التحرير بـ (الصهيونية الفلسطينية) في وقت مبكر وقبل الجميع وفي وقت كان يمكن ثمن هذا الكلام باهظاً حقاً . من يعترض على هذا النعت اليوم؟ حتى المنعوتين به لا يعترضون ، هذا إذا لم يفاخروا به . وإذا ثارت الدبابير من أعشاشها فلا بأس . وهنا آخذ (اعشاش الدبابير) والإثارة بمعانيها الأكثر إيجابية . فأنا أرى فيها جزءاً من حيوية حياتنا الثقافية والسجالية والفكرية والنقدية . دعني اذكر أن ادوارد سعيد هاجمني علناً بسبب طرحي مسألة نمو تيار الصهيونية الفلسطينية داخل منظمة التحرير ، وكنت فعلت ذلك في مقال نشرته بالانكليزية في أواسط الثمانينات ، ولم أجرؤ على نشره بالعربية . وأنا سعيد الآن أن أرى ادوارد سعيد وهو يوجه مدفعيته النقدية الثقيلة إلى الظاهرة ذاتها ويقطع كل صلة معها ، ولكن بعد خراب البصرة) .

    وفي إطار نفس الحديث عن الحرب الباردة والمنظور الذي كانت تنظر به حركات التحرر الوطني لدور الاتحاد السوفييتي كحليف لها في صراعها ضد الامبريالية ، أود أن اشير إلى سؤال صقر أبوفخر للدكتور صادق جلال العظم عن الدروس المستخلصة من فشل التجربة السوفيتية فيجيبه قائلاً (مصادر معلوماتي كانت المتابعة العادية للأحداث الدولية ولتطورات الحرب الباردة وتوتراتها وانعطافاتها وانعكاسات ذلك كله علينا وعلى منطقتنا وعلى العالم الثالث على العموم ) ويتحدث الدكتور صادق جلال العظم عن (مستوى دقة التحليلات الغربية على العموم والأمريكية خصوصاً للوضع الداخلي السوفييتي وصحة تشخيصاتها لمتاعبه ومعضلاته ونقاط ضعفه ومقاتله . كان اليسار عندنا لا يهتم بهذه التحليلات أو هو يعدها مجرد دعاية امبريالية ضد الشيوعية والسوفييت والعالم الثالث) . ويتحدث دكتور صادق العظم أيضاً عن (مدى معرفة الصحافة الغربية الراقية (لوموند) ، (النيويورك تايمز) ، (الواشنطن بوست) بأحوال الاتحاد السوفييتي الداخلية معرفة متقدمة دقيقة واقعية لا غش فيها . كنت أيضاً أميل إلى الاستخفاف بما تنشره هذه الصحف من معلومات ومعطيات وتحقيقات واستنتاجات وتنبؤات عن الاتحاد السوفييتي وعن نقاط قوته ونقاط ضعفه مع احساسي الدائم بأن (لا دخان بلا نار) في مثل هذه المسائل مهما بلغت رغبة الإعلام الغربي في تشويه صورة التجربة السوفييتية والتشنيع على الحركة الشيوعية عموماً . في الواقع نعرف الآن أن الإعلام الغربي كان يتعمد تضخيم قوة الاتحاد السوفييتي وجبروته وخطره (بالتعاون مع الأجهزة المختصة الأخرى) لأسباب داخلية وأغراض خارجية تتراوح بين زيادة الضرائب من أجل رفع مستوى الانفاق العسكري من جهة وبين التعبئة النفسية والأيديولوجية والثقافية من جهة ثانية وبين رص صفوف الحلفاء الأطلسيين والعالم ثالثيين في مواجهة الخطر شبه (التتاري) أو شبه (المغولي) الداهم من ناحية ثالثة . نعرف الآن أنه حين ألقى نيكيتا خروتشوف خطابه الشهير في الأمم المتحدة سنة 1960 وادعى أن مصانع بلاده الحربية بدأت تنتج الصواريخ العابرة للقارات في الوقت الذي تنتج مصانع أخرى عنده السجق والمقانق كان يكذب . كما نعرف الآن أن النخبة الأمريكية الحاكمة كانت تعرف جيداً يومها أن الأمين العام كان يكذب ويفاخر ويهول على مشهد ومرأى من العالم كله . ومع ذلك تصرفت المؤسسة الأمريكية الحاكمة كأن مزاعم خروتشوف وإدعاءاته صحيحة تماماً ، كما أقنع الإعلام الغربي العالم كله (بما فيه الشعب الأمريكي) نفسه بسلامتها ودقتها وصدقها وخطرها الحقيقي في الوقت نفسه) .

    ويتحدث أيضاً الدكتور صادق العظم عن (مدى فقدان النخبة الشيوعية السوفييتية نفسها كل ثقة بمؤسساتها ونظامها واقتصادها وأهدافها ودولتها ودورها وفقدانها كل ثقة بمقدراتها هي على البقاء ومقدرة الاتحاد السوفييتي على الاستمرار . ويبدو لي أن فقدان الثقة المتراكم هذا هو الذي يفسر جزئياً الطريقة الفجائية وشبه العجائبية التي انهار بها الاتحاد السوفييتي واضمحل . لقد تخلى عنه أصحابه فجأة في ليلة بلا ضوء قمر ، كما نقول ، وكأنهم اكتشفوا فجأة أيضاً بأنهم غير قادرين على حكم البلاد وإدارتها بالطريقة القديمة من جهة ، وأن البلاد صارت غير قابلة لآن تحكم وتدار بالطريقة ذاتها ، من ناحية ثانية) .

    فإذا كان الاتحاد السوفييتي يعاني من المصاعب والمتاعب وأن سكرتير الحزب الشيوعي السوفييتي يكذب ومنذ عام 1960 في تصويره بأن الأوضاع بخير وأن النخبة الشيوعية السوفييتية تعاني من فقدان الثقة بنفسها وأن فقدان الثقة هذا لم يحدث فجأة عند إنهيار التجربة ولكنه قد تراكم عبر الزمن ، فما فائدة التحالف مع (حليف مخاتل) كهذا ؟ لقد انساقت حركة التحرر الوطني العربية والفلسطينية أمام هذا الوهم بأن الأوضاع بخير وأنه ليس هنالك أي شك في أن معسكر الاشتراكية وحليفته قوى التحرر الوطني العالمية سوف ينتصر على معسكر الامبريالية وحليفتها الرجعية العالمية ، فنتجت عن ذلك هزيمة حركة التحرر الوطني العربية الأصل (الأنظمة العربية) ثم هزيمة حركة التحرر الوطني العربية الفرع (المقاومة الفلسطينية) .

    الاتحاد السوفييتي والاستعمار الجديد

    أود أن أختم الجزء الثاني من هذا التعقيب بالإشارة لما استغرب له الدكتور حسن موسى من وصف الأستاذ محمود لنزعات الهيمنة لدى الاتحاد السوفييتي بأنها شكل من الاستعمار الجديد ، وتساءل بأنه هل يمكن التصور بأن الآستاذ محمود قد استباح حرمة مصطلح (الاستعمار الجديد ) المتعارف عليه في مجال دراسات الاقتصاد السياسي بذريعة الكسب السياسي العاجل ، كما تساءل (ما الذي يجعل رجلاً في فطنة أستاذنا محمود النقدية وفي سعة حيلته الفكرية يقبل بهذا التحليل الساذج لمفهوم الاستعمار) والحقيقة أن الاستاذ محمود ليس هو أول من قال بذلك فقد سبقه إلى ذلك كثيرون ومن مواقع الماركسية اللينينية وغير اللينينية .

    فقد تحدث (ليون تروتسكي) رفيق لينين وهو يصفي حسابات الميراث السياسي للينين مع خصمه ستالين ، بأنه لا توجد أي اشتراكية في الاتحاد السوفييتي ، وقال في كتابه (الثورة المغدورة) : (لقد مر التطور الاقتصادي و الثقافي في الاتحاد السوفياتي حتى الان بمراحل عديدة دون ان يصل الى التوازن الداخلي – لا بل مازال بعيدا عن ذلك. و اذا اعتبرنا ان هدف الاشتراكية هو خلق مجتمع بلا طبقات مجتمع مبني على التضامن و على تلبية كل الرغبات بشكل متناسق فانه لا يوجد الى حد الان بهذا المعنى الاساسي اية اشتراكية في الاتحاد السوفياتي. صحيح ان تناقضات المجتمع السوفييتي تختلف اختلافا عميقا من حيث طبيعتها عن تناقضات الراسمالية لكنها ليست اقل عنفا. وهي تظهر في عدم المساواة المادية و الثقافية و في القمع و في تشكيل المجموعات السياسية و الصراع بين كتل الحزب.) ليون تروتسكي ـ الثورة المغدورة ـ دارالطليعة للطباعة و النشر – بيروت الطبعة الاولى العربية 1968 .

    وفي صبيحة العاشر من سبتمبر 1962 ألقى ماوتسي تونغ خطاباّ شهيراّ أهم ماجاء فيه : (إن الإنتكاسة والعودة إلى الرأسمالية أمر ممكن والتحريفية هي الخطوة الأولى على طريق الإنتكاسة , لقد انتصرت التحريفية في الإتحاد السوفياتي الذي غيّر لونه تغييراّ مخاتلاّ وسلمياّ فإذا كان هذا الجيل من أبنائنا سيعتنق التحريفية التي هي في الحقيقة الرأسمالية تحت إسم الإشتراكية , فإن أحفادنا سيثورون دون أدنى شك ,والسبب الرئيس في ذلك هو تغيير اختصاص الجماهير , لذلك لابد من الإلحاح دوماّ وأبداّ على موضوع الصراع الطبقي)

    كما أشار ماو إلى مصير التحريفية السوفياتية التي أعطت المثل السيْ للتجربة الإشتراكية بعد المؤتمر العشرين عام 1956 بقوله : ( إن الإتحاد السوفياتي الدولة الإشتراكية الأولى ستنحط بعد سيطرة التحريفيين الخروتشوفيين عليها إلى دولة أمبريالية معادية للشعوب وحركات تحررها وثوراتها المشروعة- - من مقررات المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني – نيسان 1969 )

    لاحظ هنا أن ماوتسي تونغ يصف الاتحاد السوفييتي بالمخاتلة وبأنه سينحدر إلى مرحلة الامبريالية والتي هي أعلى اشكال الاستعمار .. وطور ماوتسي تونغ منظومة جديدة من المصطلحات مثل ديكتاتورية البيروقراطية البورجوازية , أو رأسمالية الدولة البيروقراطية التي استولت على السلطة في الاتحاد السوفييتي بعد القضاء على علاقات الإنتاج الإشتراكية ، ودعمت الأنظمة الديكتاتورية المعادية لشعوبها التي رفعت شعار الإشتراكية كذباّ وتشويهاّ للإشتراكية .

    فمن هذه الناحية يمكن القول أن الاستاذ محمود ليس هو أول تحدث عن النزعة الاستعمارية للاتحاد السوفييتي ، وإذا ما حاولنا تقعيد وجهة النظر هذه وفقاً لأدبيات الاقتصاد السياسي ، يمكن القول بأن القاعدة المادية التي نشأت منها النزعات الاستعمارية للاتحاد السوفييتي تتأسس على علاقات إنتاج رأسمالية الدولة البيروقراطية ، التي سادت في الاتحاد السوفييتي .. وكما أشار ليون تروتسكي ومنذ أغسطس 1936 فإنه لا توجد أي علاقات إنتاج اشتراكية في الاتحاد السوفييتي . علماً بأن الاستاذ محمود وفي وقت متاخر نسبياً في عام 1967 اشار في (كتاب الرسالة الثانية من الاسلام) إلى الانتكاسة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي فقال (روسيا ، وهي تواجه الفشل اليوم في تحقيق الاشتراكية ، بله الشيوعية وتنكص على أعقابها ، إلى إجراءات هي أدخل في الرأسمالية منها في الاشتراكية ، تتوخى بها إيجاد حوافز للإنتاج جـديدة ، تعطي أكبر الدليل على أن المدنية الغربية الحاضرة بلغت نهاية تطورها المادي الصرف ، ووقفت عند نهاية الطريق المسدود وسيصبح لزاما عليها أن ترجع إلى مفترق الطرق ، حيث تبدأ بسلوك طريق آخر ، كانت شرة الثورة قد أذهلتها عن سلوكه منذ نصف قرن مضى) .

    كذلك يلاحظ الدكتور صادق العظم في كتاب (حوار بلا ضفاف) أن اشتراكية التجربة السوفييتية نفسها قد تكون مجرد الغطاء الأيديولوجي الضروري لتصنيع روسيا . يقول الدكتور صادق العظم ((هل كانت ثورة أكتوبر منطلقاً حقيقياً لتأسيس نمط إنتاج جديد هو نمط الانتاج الاشتراكي ؟ إذا كانت أنماط الانتاج (وعددها قليل في تاريخ البشرية) تنشأ تاريخياً وتنحل تاريخياً وتعيش طويلاً هل من الممكن تأسيس نمط إنتاج جديد إرادياً وبقرارات واعية ، أي هل يفبرك نمط الإنتاج فبركة؟ إلى اي حد كانت اشتراكية التجربة السوفييتية لا أكثر من الغطاء الأيديولوجي لعملية تصنيع روسيا وتحديث مجتمعها ورفعها إلى مصاف الدول الأوروبية المتقدمة ، عسكرياً على الأقل ، مهما كان الثمن . وحين تحقق ذلك لا بد من لفظ الغطاء المذكور ، بأجهزته ومؤسساته وتنظيماته ، لأنه استنفد أغراضه؟ بهذا المعنى تكون التجربة السوفييتية انتهت لأنها نجحت في إنجاز مهمتها التاريخية الحقيقية في تحديث روسيا وتصنيعها وليس لأنها أخفقت . إلى أي حد مثلت التجربة السوفييتية الطريق اللارأسمالية السريعة إلى التحديث والتصنيع والقوة العسكرية في مناخ مقاومة رٍأسمالية عنيفة وشرسة بدلاً أن تمثل الطريق إلى المجتمع الاشتراكي الجديد؟ إلى أي حد كان المنشفيك على حق تاريخياً (وليس سياسياً بالضرورة في لحظة الثورة) في اقتناعهم بأن إنجاز الاشتراكية في مجتمع روسي فلاحي متخلف مستحيل من غير استيعاب انجازات الرأسمالية والمجتمع البورجوازي ومؤسساته وقيمه) .

    ما نود أن نؤكده هنا هو أن حديث الاستاذ محمود عن الاتحاد السوفييتي باعتباره شكل من أشكال الاستعمار الجديد لم ينطلق من فراغ وإنما تسنده الكثير من دراسات الاقتصاد السياسي داخل أروقة الفكر الماركسي بمدارسه الأخرى والتي لم تقبل وجهة النظر الرسمية السوفيتية عن وجود اشتراكية في الاتحاد السوفييتي ، كما تسنده الممارسات العملية للاتحاد السوفييتي طيلة سنوات الحرب الباردة من نزوع للهيمنة والسيطرة على مصائر الشعوب ومواردها ، والتي قطعت علاقاتها الاقتصادية بالغرب وأصبحت جزءاً من ما يسمى بالسوق الاشتراكية .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 02:01 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    4
    الحل الآجل لمشكلة الشرق الأوسط

    طرح الأستاذ محمود تصوراً جديداً بالكلية لمقاربة موضوعتي (الحضارة) و(المدنية) في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) فقال عن تعريف (المدنية) :

    (المدنية غير الحضارة ، وهما لا يختلفان اختلاف نوع ، وإنما يختلفان اختلاف مقدار .. فالمدنية هي قمة الهرم الاجتماعي والحضارة قاعدته .
    ويمكن تعريف المدنية بأنها المقدرة على التمييز بين قيم الأشياء ، والتزام هذه القيم في السلوك اليومي ، فالرجل المتمدن لا تلتبس عليه الوسائل مع الغاية ، ولا هو يضحي بالغاية في سبيل الوسيلة . فهـو ذو قيـم وذو خلـق . وبعبارة موجزة ، فالرجل المتمدن هو الذي حقق حياة الفكر وحياة الشعور

    هل المدنية هي الأخلاق؟؟

    هي كذلك ، من غير أدنى ريب !! وما هي الأخلاق ؟؟ للأخلاق تعاريف كثيرة ، ولكن أعلاها ، وأشملها ، وأكملها هي أن نقول أن الأخلاق هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة . ولقد قال المعصوم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . ) فكأنه قال ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق ، ومن أجل ذلك قلنا أن محمدا عاش في أوج المدنية التي جاء بها الله عن طريقه ، ووصفه تعالى فيها بقوله ( وإنك لعلى خلق عظيم) .
    وحين سئلت عائشة عن أخلاق النبي قالت ( كانت أخلاقه القرآن ) ومعلـوم أن القرآن أخلاق الله ، وأخلاق الله إنما هي في الإطلاق ، ومن ههنا جاء التعريف بأن الأخلاق هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة ).

    أما بالنسبة للحضارة فقد عرفها الأستاذ محمود على النحو التالي : ( وأما الحضارة فهي ارتفاق الحي بالوسائل التي تزيد من طلاوة الحياة ، ومن طراوتها .. فكأن الحضارة هي التقدم المادي ، فإذا كان الرجل يملك عربة فارهة ، ومنزلا جميلا ، وأثاثا أنيقا ، فهو رجل متحضر ، فإذا كان قد حصل على هذه الوسائل بتفريط في حريته فهو ليس متمدنا ، وان كان متحضرا ، وانه لمن دقائق التمييز أن نتفطن إلى أن الرجل قد يكون متحضرا ، وهو ليس متمدنا ، وهذا كثير ، وأنه قد يكون متمدنا ، وهو ليس بمتحضر ، وهذا قليل ، والكمال في أن يكون الرجل متحضرا متمدنا في آن . وهو ما نتطلع إليه منذ اليوم) .

    أوردنا هذا النص الذي يميز بين (المدنية) و(الحضارة) كمدخل لمناقشة ما أسماه الدكتور حسن موسى نظرية (صراع الحضارات) والتي أدرج مساهمة الأستاذ محمود من ضمن تلاوينها ، وذلك حين قال : (ومساهمة الأستاذ محمود في مساعي" تلقيح المدنية الغربية" وحقنها" بدم جديد"، (دم عربسلامي) يجدد شبابها، إنما تندرج في ما يمكن أن نسميه ب "نظرية صراع الحضارات". وهي "نظرية" تمخضت عنها آيديولوجيا المركزية الأوروبية العنصرية والاستبعادية التي تعتبر نفسها مستودعا طبيعيا لقيم حضارية جوهرية خارج التاريخ. وتستمد من هذه القناعة الخرقاء كل المسوغات التي تحتاجها للاستعلاء على الآخرين وقهرهم واستغلالهم . ومصيبة " نظرية صراع الحضارات " تتلخص في كونها تتصور الحضارات ككيانات صافية قائمة على استمرارية قيم حضارية ثابتة لا تعرف القسمة، قيم مستقلة بذاتها عن كل شائبة وكل تأثير أو تداخل مع غيرها من قيم الحضارات التي تعاصرها أو حتى تلك السابقة أو اللاحقة لها) . ولقد بدا لي من قراءتي المتمعنة لهذا النص للدكتور حسن موسى ، أنه قد كان منقسماً ومتردداً بعض الشئ في توصيفه التقريري والتبسيطي هذا لمساهمة الأستاذ محمود . فهو يعلم مثلاً بأنه لا مساهمة الأستاذ محمود الفكرية ولا مواقفه العملية يمكن أن تنطوي علي أي شبهة عنصرية أو استبعادية ، كما أنها لم توظف أيديولوجياً أبداً كمسوغ ومبرر (للاستعلاء على الآخرين وقهرهم واستغلالهم) من أي جهة . ويتأكد هذا التردد والإنقسام لدى الدكتور حسن موسى حين يستثني لاحقاً مساهمة الأستاذ محمود من إندراجها ضمن تلاوين نظرية (صراع الحضارات) بقوله (و"نظرية التلقيح" المتمدن، رغم أنها تنطرح هنا كتعبير سلمي "بوليتيكلي كوريكت" إلا أنها تنطوي على بعد رسالي "إنقاذي" (في المعنى المحمود للعبارة) كما لو كان الحضارة الإنسانية كله يتوقف على الموقف الذي يتخذه العربسلاميون، لا من الحضارات الأخرى عموما، وإنما من هذه الحضارة الراهنة المهيمنة، المسماة "غربية" و"آلية " على وجه التحديد) . فالاستثناء الذي أورده الدكتور حسن موسى بقوله (رغم أنها تنطرح هنا كتعبير سلمي) هو مربط الفرس ، إذ أن ذلك يفصم جذرياً كل علاقة لهذه المساهمة بنظرية (صراع الحضارات) في نسختها (الآيديولوجيا المركزية الأوروبية العنصرية والاستبعادية) التي قدمت المبررات الأخلاقية لأمريكا ودول حلف الأطلسي لاتخاذ مواقف عدائية وعسكرية تجاه شعوب العالم المختلفة حضارياً عنها .

    أكثر من ذلك فإن مساهمة الأستاذ محمود في موضوعتي (الحضارة) و(المدنية) لا تنتمي وبشكل قاطع لنظرية (صراع الحضارات) من حيث أنها (تتصور الحضارات ككيانات صافية قائمة على استمرارية قيم حضارية ثابتة لا تعرف القسمة، قيم مستقلة بذاتها عن كل شائبة وكل تأثير أو تداخل مع غيرها من قيم الحضارات التي تعاصرها أو حتى تلك السابقة أو اللاحقة لها) كما قال الدكتور حسن موسى .. فالأستاذ محمود في كتاب (مشكلة الشرق الأوسط) يصف العرب بأنهم (قد تشربوا أخلاق المدنية الغربية ، وجاروا أهلها في مباذلهم ، فأفقدتهم اصالة دينهم ، ولم يبلغوا من أصالتها هي طائلاً ، فأصبحوا يعيشون على قشور من الاسلام ، وعلى قشور من المدنية الغربية) ، فهو بالتالي لا يتصور بأن للعرب والمسلمين اليوم كياناً حضارياً صافياً مستقلاً بذاته عن أي تاثير لقيم الحضارات الأخرى ، ثم هو لا يدعو لمثل هذا الكيان الصافي المستقل عن الحضارة الغربية ، وفكرة (تلقيح الحضارة الغربية) نفسها بكل ما تنطوي عليه من إضافة ومزج قيمة فكرية جديدة للحضارة الغربية لم تكن تمتلكها ، تعتبر مناقضة لمفهوم صفاء تكوين الكيانات الحضارية المستقلة والذي ذكره الدكتور حسن موسى أعلاه .. فمن أي منطلق أدرج الدكتور حسن موسى تصور الأستاذ محمود لهذا الأمر ضمن منظور (صراع الحضارات) ؟

    إيراد تعريف الأستاذ محمود للمدنية والحضارة ثم التأكيد على أن مساهمته الفكرية في هذا الجانب لا ترتبط بأي وشيجة فكرية بنظرية (صراع الحضارات) كان ضرورياً قبل أن نتحدث عن هذه المساهمة نفسها ونوضح أبعادها .

    يعتقد الأستاذ محمود أن الحضارة الغربية السائدة اليوم هي (حضارة) وليست (مدنية) . فهي (حضارة) من حيث ما حققته من تقدم مادي ومن اقتدار في ميدان الكشوف العلمية وتطويعها المادة لاخصاب الحياة البشرية . غير أنها ليست (مدنية) لافتقادها للقيمة الفكرية التي توجه هذا التقدم نحو المسار الذي يحقق التوفيق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة ، وذلك بالجمع بين تحقيق الاشتراكية وتحقيق الديمقراطية في جهاز حكومي واحد . لذا فإن فكرة تلقيح الحضارة الغربية ونفخ الروح في هيكلها المادي العملاق يعني أن يتم التناسق بين التقدم التكنولوجي والتقدم الخلقي (بفتح الخاء واللام) .. وافتقاد الحضارة الغربية للقيم يدل عليه دليلاً واضحاً الاستلاب والتشيؤ الذي يشوش على الفرد أي احساس بالسعادة في المجتمعات الغربية الاستهلاكية الكبيرة .. فأصبحت الآلة في هذه المجتمعات هي سيد الانسان ، وأصبح العمل نفسه لعنة تفتقد أي غائية إلا القدرة على المزيد من الاستهلاك المادي . عليه فقد فقد الفرد ذاته واستعاض عن الحرية بوهم الحرية لاختلال اساسي في ميزان القيم الموجهة له كفرد . ولا يمكن اصلاح هذا الخلل في ميزان القيم إلا بإعادة ترتيب الوسائل والغايات الموجهة للمجتمع ككل ، وذلك بأن نضع التقدم المادي في مقام الوسيلة والتقدم الخلقي (بفتح الخاء واللام) في مقام الغاية ، وبمعنى آخر فإن فكرة تمدين الحضارة الغربية التي طرحها الأستاذ محمود تعني أيضاً أن تكون القيمة الأساسية المشرجة في صميم بنية المجتمع هي تحقيق كل فرد لفرديته التي بها ينماز عن باقي أفراد القطيع البشري بتمليكه المنهاج الذي يمكنه من تحقيق فرديته ، ويعني ذلك بأن نضع المجتمع في مقام الوسيلة والفرد في مقام الغاية . فتلقيح الحضارة الغربية هو أن تنفخ فيها فلسفة إجتماعية جديدة تقوم بإعادة ترتيب الوسائل والغايات . فهل يمكن دحض هذا المسعى بالقول بأنه محاولة لحقن الحضارة الغربية بدم عربسلامي من جانب الدكتور حسن موسى ؟ فالعروبيون والسلفيون الذين نعرفهم مما يسميهم الدكتور حسن موسى بالعربسلاميين لا يقولون بهذا القول .

    من هذا المنظور صدر خطاب الأستاذ محمود المتوجه لتقديم حل آجل ونهائي لمشكلة الشرق الأوسط ، فهو حل يستهدي بفكرة تقديم فلسفة إجتماعية جديدة تتطلع لحل كل التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والعنصرية والتي هي الجذور الحقيقية للحرب وذلك على المستوى الكوكبي . وبمعنى آخر فأنت لكي توقف الحرب في الشرق ألأوسط بشكل دائم عليك أن أيضاً أن تعمل لحل التناقضات التي أدت للتراص والاستقطاب والنزاع على المستوى الدولي والذي جعل من مشكلة الشرق ألأوسط بؤرة اساسية من بؤر صراع القوى الكبرى .

    حين واجه كارل ماركس ، وهو الذي انحدر من أسرة يهودية تحولت للمسيحية فيما بعد ، موضوع الأشواق المشبوبة والتطلعات التواقة لليهود في ألمانيا لتحررهم من اضطهادهم الخاص كيهود استدل بقول برونو باور في كتابه (المسألة اليهودية) قائلاً (يطالب اليهود الألمان بالتحرر، فبأي تحرر يطالبون؟ التحرر كمواطنين، التحرر السياسي . يجيبهم برونو باو ليس ثمة من هو متحرر سياسيا في ألمانيا. نحن أنفسنا لسنا أحرارا، فكيف نستطيع تحريركم؟ أنتم اليهود أنانيون. حين تطالبون لأنفسكم كيهود بانعتاق خاص، عليكم أن تعملوا كألمان من أجل انعتاق ألمانيا السياسي، و كبشر من أجل الانعتاق البشري. و ألا تشعروا أن النوع الخاص لاضطهادكم و لذلًكم استثناء عن القاعدة و إنما هو تأكيد لها). فحل مشكلة اليهود لدى كارل ماركس لا يتأتى إلا من خلال حل مشكلة الجنس البشري برمته .

    يقودنا هذا المنطق إلى أن الأستاذ محمود حينما واجه إشكالية حل مشكلة الشرق الأوسط ، على مستوى الحل المطروح في (الحل الآجل) للمشكلة ، واجهها أيضاً من منطلق مشروعه الأيديولوجي الرامي لتحرير الإنسان من حيث هو إنسان والمتمثل في (الرسالة الثانية من الإسلام) .. ومن هذا المنظور فإن الحل النهائي لمشكلة الشرق الأوسط لا يتأتى إلا بتحقيق السلام على المستوى الكوكبي ، وتحقيق السلام كوكبياً لا يتم إلا عن طريق فلسفة اجتماعية (اقرأ الاسلام كما هو مطروح في مستوى الرسالة الثانية) تملك أن توفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة .. وهذا هو المقام العرفاني الذي صدر منه خطاب الأستاذ محمود الرامي للحل النهائي (الآجل) لمشكلة الشرق ألأوسط والمتوجه لكل العرب والمسلمين ، الذين يعتبرون أنفسهم طرف النزاع الأساسي في المشكلة .. هذا المقام العرفاني هو مقام يتجاوز التقسيم العقيدي والديني ويتسامى على الأفكار الشعوبية والعنصرية والتي كانت أحد أدوات الحرب الأساسية التي خاض بها كل من طرفي النزاع الحرب .. ولقد قال الأستاذ محمود نفسه عن هذا المقام العرفاني ما يلي (إن ما جئت به هو من الجدة بحيث أصبحت به بين أهلي كالغريب وبحسبك أن تعلم أن ما أدعو إليه هو نقطة إلتقاء الأديان جميعها، حيث تنتهي العقيدة ويبدأ العلم، وتلك نقطة يدخل منها الإنسان عهد إنسانيته، ولأول مرة في تاريخه الطويل..) . فالحل النهائي لمشكلة الشرق الأوسط هو تحقيق السلام على الأرض من خلال تطبيق الاسلام في مستواه العلمي ، وهو المستوى الذي يمثل نقطة التقاء جميع الأديان .

    غير أن الأستاذ محمود كان يدرك بأن الحلول المستقبلية الطموحة تتخلًق في قلب النظام القديم وتمر بعدة مخاضات قبل أن تتوفر لها فرصة التطبيق في المنعطفات التاريخية الكبيرة التي تعصف بالقديم وتشيد مكانه نظاماً عالمياً جديداً . لذ فهو لم يرهن حل المشكلة بحلها الآجل كحل استراتيجي نهائي ، وإنما طرح على المستوى التكتيكي حلاً عاجلاً يتمثل في الاعتراف باسرائيل وقبول قرار التقسيم ، بشكل يمكن العرب من الخروج من الحرب بشئ من الكرامة . لكن حتى في حالة تحقيق السلام تكتيكياً ، وذلك ببروز دولتين عربية ويهودية ، فإن الأسباب الحقيقية للحرب والمتمثلة في الصراعات الاقتصادية والدينية والعنصرية بين اليهود والعرب لا يمكن حلها إلا من خلال مشروع تحرر إنساني كبير يستهدي بفلسفة اجتماعية قادرة على حل التناقض الرهيب والمريع بين الطاقات الكبيرة للمجتمع الكوكبي الراهن وعجز أنظمته الاجتماعية عن استيعاب هذا الطاقات ، وهو حل كما أسلفنا لن يتوفر إلا لفلسفة تملك أن توفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة ، وهو ما عجزت عن تحقيقه كل من الرأسمالية والاشتراكية في تجلياتها التاريخية المعروفة .

    عليه فإذا اعتقد الدكتور حسن موسى بأن فكرة الحل الآجل في ما تنطوي عليه من دعوة لتلقيح الحضارة الغربية بفلسفة اجتماعية جديدة (تنطوي على بعد رسالي إنقاذي في المعنى المحمود للعبارة كما لوكان مصير الحضارة الإنسانية كله يتوقف على الموقف الذي يتخذه العربسلاميين لا من الحضارات الأخرى عموماً ، وإنما من هذه الحضارة المهيمنة المسماة غربية وآلية على وجه التحديد) ، فأنا لا استطيع أن أنكر عليه هذا الفهم لبعد الرسالية الإنقاذية ، (في المعنى المحمود للعبارة) ، فإن المفكرين الحقيقين واصحاب الأيديولوجيات ينبغي أن يكونوا معنيين بتغيير العالم وإنقاذه وليس تفسيره فقط ، وتلك هي رسالتهم في الحياة .. غير أنني أود أن أؤكد له بأن العربسلاميين ليس هم الحامل العنصري لهذا التغيير بالمعنى الذي كانت به البروليتاريا هي الحامل الطبقي للتغيير في الماركسية .. فالاستاذ محمود قد احتفظ دوماً لنفسه بمساحة نقدية تفصله عن المقام العقيدي الديني للعروبيين والسلفيين ، وذلك من مقامه العرفاني والفكري في المستوى العلمي من الاسلام .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 02:02 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    --------------------------------------------------------------------------------

    www.sudaneseonline.com
    Last Update 31 يناير, 2007 10:25:39 PM




    هوامش، أو تداعيات فِكرانيّة، على "ماذا نفعل بمشكلة اليسار السوداني؟!*"...

    إبراهيم جعفر
    [email protected]

    لا بُدَّ لي، يا أستاذ قُصيْ همرور، من بُدِّ أن أحمدَ فيكِ هذه القدرة على الإختِراقِ "التّنْكِيِّ" المباشر، هذه الجّرأة، المستقيمة واللا وجلة، على التحليلِ البصيرِ لخاصّةٍ نفسانيّةٍ سالبةٍ قد غيّمتْ، ولا تزالُ، حاسّة الشّوفِ الإنسانيِّ العميقِ في ذواتِ ومُخيِّلاتِ رهطٍ كبيرٍ من مفكّري وفنّاني ومثقّفي يسارنا السودانيّ العريض، الماركسيّ خصوصاً.



    كتب صاحبُنا الكينونيّ الديالكتيكيّ (بلى الديالكتيكيّ!) سورين كيركيجارد، في إمّا/أو:- شظيّةُ من حياةْ، الخَطْرَةَ الدّقيقَةَ/الرّقيقةَ التاليةْ:-



    "ليس ما أنشُدُهُ هنا أن أنفي أنّ اتّخاذَ الإنسانِ حياةً مركوزةً، في إطلاقيّتها، على البعد الجّماليِّ للوجودِ، خصوصاً عندما تكونُ تلك الحياةُ مُعاشةً عندَ قمّتها، يستطيعُ أن ينطوي على مُركّبٍ من المواهبِ الذهنانيّةِ، بل وأقولُ إنّ هاتيكَ قد تكونُ مُرَقّاةً، في ذاتِ الإنسانِ المعنيِّ، لدرجةٍ غيرِ عاديّةٍ، لكنّها تظلُّ مقيّدةً وفاقدةً للشفافيّةْ. بذاتِ المعنى (المستوى) قد يجدُ المرءُ، أحياناً، ضروباً معيّنةً من الحيواناتِ ذاتَ حواسٍّ شديدةَ النّجابةِ والنّفاذِ وعظيمةَ الحدّةِ والقوّةِ بدرجةٍ لا تُقاسُ بها الحواسّ الإنسانيّةُ، لكنّ تلك الحواسَّ تبقى، مع ذلكَ، أسيرةً للمنطلقاتِ المحدودةِ للغريزة" (إمّا/أو:- شظيّةٌ من حياةٍ (ص. 492-493)- الطبعة الإنجليزية- تحرير فكتور إريميتاد وترجمة مختصرة وتقديم وهوامش بقلم أليستير هانَيْ Alastair Hannay- دار بنجوين للنشر 1992).



    ما قالهُ سورين كيركيجارد (وقد ترجمتُهُ أنا هنا إلى العربيّةِ بمقدارِ المُتاحِ لي، حاليّاً، من الحساسيّة!)، في هذه الخَطْرَةِ، قد واتاهُ آناءَ حديثه عن مستوياتٍ كينونيّةٍ أساسيّةٍ للمعاشِ قد يتّخذُ الفردُ الإنسانيُّ أيّاً منها أساساً وجوديّاً (شعوريّاً وفِكْرَانِيّاً) لحياته في هذا العالمِ الزّمكانيِّ وهي، إجمالاً، المستوى الكينونيّ الجّماليّ والمستوى الكينونيّ الأخلاقيّ والمستوى الكينونيّ الدّينيْ. وفي فكرِ كيركيجارد، بحسبانهِ فيلسوفاً وجوديّاً متديّناً (حتّى لا أقولُ ’دينيّاً‘ أو ’مسيحيّاً‘)، تتدرّجُ تلك المستويات على هيئةِ مَرَاقٍ أنطولوجيّةٍ قاعدتُها المستوى الكينونيّ الجّماليّ (في بعدهِ الحسيّ المباشر)، ثمّ يليه المستوى الأخلاقي (في بعده القِيَمِيّ الكلّيِّ)، ثمّ، في قمّةِ تلك المراقي الأنطولوجيّةِ، يترسّخُ، عندَ كيركيجارد، المستوى الكينونيُّ الدّينيُّ الذي فيه يتمُّ تحقّقِ الذاتِ التامِّ وانفتاحها على الرّحيب، العميق، على المُطلقِ الذي هو أصلُها وجذرُها ومنتهاها.



    ليست، كما هو واضحٌ، هذه هي المناسبةُ الملائمةُ لتفصيلِ ما أجملناهُ أعلاهُ، بأقصى الإبتسارِ المُمْكِنِ، عن فكرِ سورين كيركيجارد الذي دعتهُ ثلّةٌ من الكاتبين عن تاريخِ الفلسفةِ، دونَ دقّةٍ وافيةٍ، باسم "أبَ الفلسفةِ الوجوديّةِ المعاصرة". لكنّني أتيتُ بذاكَ إلى فقط لأُبَيّنَ، بعموميّةٍ شديدةٍ، المُتعلَّقَ الذي كتب فيه "شيخ" سورين كيركيجارد كلامه السابق الذي اقتبسته وترجمته هنا، بقدرِ الممكن من الحساسيّة الحاليّةِ، كما سبقَ وقُلتْ.



    الشّاهدُ الذي يهمّنا، في حديثِ كيركيجارد السابق، هو أنّ المستوى الكينوني الجمالي (بتدرُّجاتِهِ الحسيّةِ المختلفة) لعيشِ الوجودِ يظلُّ أبداً، حينَ يتّخذُ بُعداً مطلقاً لمعاينة ومعاناة الوجود، من قِبلِ الذاتش المفردةِ، بُعداً ناقصاً في شأنِ إخبارهِ بمعنى الوجودِ (أو إضاءته له) ومقيّداً للذاتِ بواحديّتهِ التي هي، عندَ كيركيجارد، دون "واحديّتَيْ" المستويين الأخلاقيِّ والدّينيِّ لمعاينةِ ومعاناةِ الوجود.



    ولربطِ ذاكَ الشاهدِ بموضوعةِ حديثنا الحاليّةِ نقولُ إنّهُ يُومئُ، بعمقٍ، إلى أنّ أيَّ تأمّلٍ للوجودِ، للحياةِ، أو تفكّرٍ فيهِ، وفيها، يتّخِذ المنطلق الأساسيّ له بُعدَه، وبُعدها، الحسيّ، اليوميّ أو التّحتانيِّ الفيزيائيّ-الإجتماعيّ فحسب لا يُودِي بنفسهِ، عموماً و/أو في النّهايةِ، إلى أيِّ بصيرةِ نافذةٍ، بمعنىً عمقيٍّ وعموديٍّ، بخصوصِ عينِ ذاكَ الوجودِ، أو تلكَ الحياةِ، اللتين قد ’يُمارسُ‘ هو تأمّلهما.



    وأزيدُ على الرّبطَ إيّاهُ بقولي إنّ ما يُضاعفُ ذلكَ ويُعقّدُهُ، بل ويُفاقمُهُ، هو اتّكاءُ ذاكَ الموقف التّأمّليّ، أو التّفكُّرِيِّ (وأنا هنا أجتزئُ كلاماً من مقتبسِ كيركيجارد المترجم أعلاه)، على "مواهبٍ ذهنانيّةٍ مُرقّاةٍ، في ذاتِ متّخذها، بدرجةٍ غيرِ عاديّةٍ". ثمّ أُوغِلُ، بتداعٍ فكريٍّ ذي صلةٍ جليّةٍ بهذا لكلِّ ذي عينٍ "ثالثةٍ" بصيرةٍ، في حديثي (وحديثِ كيركيجارد) ذاكَ وأَصِلُهُ بخاطرتي القائلةِ، في جملةٍ واحدةٍ فحسبْ، إنّ تلكَ الوضعيّةَ كلّها، حين تكونُ ذاتٌ إنسانيّةٌ ما مقيّدةً بها بمقدارٍ وهيئةٍ أساسيّين، تتزايدُ في إشكاليّتها وسلبِها (بالمعنى الذي "تُبْخِسُ به أشياءَ النّاسِ ("الآخرين") الفكريّةِ دونَ مَحْصٍ شفّافْ) بمقدارِ تماديها في تصييرِ نفسِها رهينةً نفسيّةً وفكريّةً لأيِّ أيدولوجيا (أكرّر "أيِّ أيدولوجيا"!)، أو عقيدة، إنسانيّة تُرفِّعُ ذاتها لمستوى أيدولوجيّةٍ تفسيريّةٍ وتأويليّةٍ مطلقةٍ تنطوي، وإن تُنكرُ ذلكَ، في أُسّها الفلسفيِّ على أنّهُ، بمعنىً راديكاليٍّ وإقصائيٍّ أكيد، "ليس هناكَ حقيقةٌ أخرى غيرُ حقيقتِها"

    هاكَ (وهاكُمْ) بعضَ تفصيلٍ بيّنٍ لمعنى الكلامِ الأخيرِ أحسُّ أنّهُ واردٌ في هذه "اليوميّاتِ" القديمةِ، التي اختِرْتُ لها، أصلاً وبدقّةٍ، تسميةَ "طائفيّة العنصر والطائفيّة الفكريّة"، بيدَ أنّ ناشرها، في صحيفةِ "الجّريدةِ" السودانيّةِ (الجمعة 29/4/1988)، نشرها، ربّما بفعلِ خوفٍ مبَطّنٍ من كلمةِ "العنصرِ" هذه!) تحتَ اسمِ "القيدِ الأيدولوجيّ":-



    طائفيّةُ العنصرِ والطّائفيّةُ الفكريّة...



    إنّ علوّ قيم المادّةِ فوقَ قيمِ الرّوحِ طبع الحياةَ في السودانِ بطابعِ قبحٍ أخلاقيٍّ وجماليٍّ معاً إذ أنّ ولاة الأمر القائمين والمحتملين معاً قد تقيّد وعيهم إما بالقيدِ الطّائفيِّ، ونعني به طائفيّة العنصر والعلم الدينيّ الموروث وعبادة الشخصيات المقدّسة، وذلك قد ساقوا به رعاياهم منوّمينَ مغناطيسياً في الطريقش الذي هو ضدّهم وضدّ أنفسهم وتعميقها وتطويرها.



    أو قد يتقيّد وعي آخرين بقيدٍ أكثرَ "استنارةً"، فيما يبدو، من قيد طائفية العنصر ويبدو "أجلى" فهماً للأمورِ وأكثرَ سعةً في المواعينِ الفكريّةِ والشعوريّة وذلك هو ما أسمّيهِ القيد الأيدولوجي أو قيد الطائفيّة الفكريّةِ التي هي أخطرَ وأوغلَ أثراً في ذاتِ معتنقها من قيد طائفية العنصر إذ أنّ الأخيرَ قد يزولُ بوعيؤ ونظرة جديدة للعالم أو بتجديد نسيج الواعي الذاتي للشخص بالعالم بأشيائه وأحيائه فيما قد تتدعّم، على العكسِ من ذلكَ، الطائفيّة الفكريّة مستفيدةً من ذلك التقدّم ذاته في طريق الإستنارة والثقافة الذاتية فهذا (التّدعيم) يتحقق بحسب بحسب مجريات ردود فعل "معتادة" لميكانيزماتٍ نفسيّةٍ دفاعيّةٍ تقومُ على أساسِ وقايةِ النّظريّةِ من الحقائقِ التي تتكشّفُ للرائي عبرَ اختبارهِ الشخصيِّ الواقعيِّ، أي الدّاخليِّ، والذي يخصّ موقفه الذاتِيَّ هو، على التعيين، في الآنِ الذي حدثَ فيهِ. هنا تكونُ سلطةُ "سوءِ الطّويّةِ" المتقمصة صورة حسن الطويّة Faith of Bad Faith هي الميكانيزم النفسي الذي اختيرَ لـ(الدّفاعِ) عن الأيولوجية ضدّ "خصومها" الذين قد يكونوا تارّةً "مرتدّينَ وكفّاراَ" أو قد يكونوا "تحريفيين ومتواطئين (موضوعيّاً) مع الثقافة البرجوازية السائدة" فلا فرقَ ما دامت هناك عقدةٌ سايكولوجيّةٌ دفاعيّةٌ متشابهة في جوهرها وإن اختلفت في كثافة أو لطافة تجلّيها، في مدى اتّخاذها شكلاً فظّاً هجوميّاً ومدعوماً بنصوصٍ قًدُسيّةٍ قد انصهرت في روحِ الأمة المخاطبة، أو شكلاً مستنيراً (تقدّميّاً) يزعم لنفسه أنه الوحيد المسلّح بوعيٍ جديدٍ وبنظرةٍ جديدةٍ فليس هناكَ إلا حقيقةٌ واحدةٌ هي حقيقتُهُ!



    وهاتان الطائفيّتان، بعبارةٍ واحدةٍ ومليئةٍ، هما القوى الرّوحيّة (السَّلفِيّة) الأساسيّة التي تعملُ ضدّ الديمقراطيّةِ في نفوسِ معتنقيها (حتّى وإن بدوا أكثرَ الناس حماساً للديمقراطيّةِ وجعلوها علماً عليهم) فالحذر اليقظة الإستعداد ولنحرّر أنفسنا من سيادةِ أيِّ طائفيّةٍ، عنصريّةً كانت أو فكريّةً، حتى نكونُ ديمقراطيّيين حقّاً بالمعنى العميق الممتلئِ لهذه الكلمةِ الجّذريّةِ في ممارساتِ المعاشِ والمعادِ معاً:- ديمقراطيّة.



    أبريل 1984.

    إبراهيم جعفر.



    ******



    ألا ترى معي، يا أستاذَ قُصيَّ، من قبلٍ ومن بعدٍ، أنّ لكلّ ما تداعى به شخصيَ الفاني، آنفاً وفي جُملةِ هذا المقالِ، صلةٌ وثيقةٌ، وربّما تكونُ غير مباشرةٍ في غالبِ أو كثيرِ أحوالها، بسؤالِكَ الأساسيّ الذي جعلتهُ عنواناً لكتابتكَ تلكَ، ألا وهو (كما يقولُ قُدامى المعلّمين!) "ماذا نفعلُ بمشكلة اليسارِ السُّودانيْ؟!...؟!



    إبراهيم جعفر.

    الأربعاء، 24 يناير 2007.

    * ذلكم (أي "ماذا نفعل بمشكلة اليسار السوداني؟!") كان عنوان الإستعراض النقديّ والتّحليليّ الذي نشره- في هذا الشهر (يناير 2007) وفي معرضِ الردّ على مقالٍ للأستاذ حسن موسى بعنوان "ماذا نفعل بـ"مشكلة الشرق الأوسط؟!"...." [و قد عنى الأستاذ حسن موسى بذلك العنوان كتاب الأستاذ الشهيد محمود محمد طه الشهير المعنيّ بمشكلة الشرق الأوسط (1967)]- المفكّر والقاص السودانيّ الشّاب قصي همرور في "منبر الحوار الديمقراطيِّ" في موقع شبكة الإنترنيت السُّودانيِّ المنماز المسمّى "السُّودان للجميع":-



    www.sudaneseonline.com .
    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 02:13 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    وَلا صِرَاخُ العَالَمِ .. كُلِّهِ؟!

    الإثنين
    غداة إعدام الشهيد محمود ضحى السابع عشر من يناير عام 1985م، جاءني صديقي الموسيقار المغني أبو عركي البخيت مُشوَّش الشَّعر، مُجعَّد الثوب، مُسهَّد الرُّوح، متورِّم العينين، دامع الفؤاد، مُحتقباً عوده الفصيح، وشفافيَّته الثوريَّة، واختياراته الباذخة، ورهاناته التي لا تخيب قط، وجلس في ركن الغرفة يُسمِعني، كما (زرقاء اليمامة)، لحناً ظلَّ عاكفاً عليه طوال ليلة البارحة، وقد تجافى جنباه، في سبيل ذلك، عن مضجعهما، وجافت عيناه الكرى وجافاهما.
    ما كاد عركي يطلق لحنجرته العنان، ويتوغل في الاغنية ـ النبوءة، حتى أخذ الكون كله يستحيل، رويداً رويداً، إلى كرة من البللور، وعركي إلى كائن أثيري، وأنا نفسي إلى شبكة من الاعصاب العارية المشدودة، فقد اقشعرَّ بدني، وقفَّ شَعر رأسي، وتحشدت دمدمة العواصف في أذنيَّ، ووجيب (الجلجلة) تحت قدميَّ، وإذا بكلمات الفيتوري التي كان نضَّدها قبل ذلك بما يناهز العشرين سنة كأنْ لم تولد إلا في تلك اللحظة، بل كأنْ لم تولد إلا لأجل تلك اللحظة:
    ـ "أرضُكَ ظمأى/ والخريفُ شَحَّ هذا العامْ/ والمتسوِّلونَ يزحفون، والاقزامْ/ يُعَربدونَ في حُطام المَملكة/ يا ملِكاً مُتَوَّجاً على حُطامْ/ يا قائِداً بغَير مَعْرَكة/ هذا أوانُ المَعْرَكة"!
    ................................
    ................................
    والرصاصة التي شقت قلب القرشيِّ مساء الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964م لم تكن سوى قشَّة التاريخ التي قصمت ظهر بعير الطغمة النوفمبريَّة في نهاية سنواتها الستِّ العجاف، فقد ظلَّ ظهرُ ذلك البعير ينوء، أصلاً، تحت الحمولة الثقيلة للانتهاكات الفادحة التي ما انفكت تترى تباعاً مذ أجهزت تلك الطغمة على الديموقراطيَّة عام 1958م، فما كان محتاجاً لأكثر من تلك القشَّة، كي ينقصم نهائياً في ملابسات تلك الصدفة الموضوعيَّة التاريخيَّة بالتحديد، مساء (الأربعاء الرائعة) .. لا قبلها ولا بعدها. كان الأمر محتوماً ومقضيَّاً، ومع ذلك لم يكن بمستطاع أيٍّ من كان أن يحدِّد، على وجه الدقة واليقين، متى أو كيف يمكن أن يقع (الانفجار الكوني)!
    بذات القدر يخطئ من يظنُّ أن ثمَّة سبباً واحداً أحداً لانتفاضة أبريل الباسلة عام 1985م، والتي تتوَّجت بأكاليل نصرها المؤزَّر ساعة دكَّت سواعد الجماهير العارية عرش النميري صباح السادس الأغر، فيروح يفتش عن ذلك (السبب) المعرَّف بالألف واللام، تارة في فضيحة ترحيل اليهود الفلاشا الداوية إلى إسرائيل لقاء حفنة من دولارات الصهيونيَّة العالميَّة، وتارة أخرى في فوضى السياسات الاقتصاديَّة الطفيليَّة التي دفعت بملايين الناس إلى بيوت النمل ينبشونها بحثاً عمَّا يسدُّ الرمق، وتارة ثالثة في فرض قوانين سبتمبر الشوهاء ومحاكماتها الجائرة التي طالت، تحت مسمَّى (العدالة الناجزة)، مناضلين سياسيين، وقادة نقابيين، بل ومواطنين عاديين، قطعوهم من خلاف، وألهبوا ظهورهم بالسياط، وصادروا بيوتهم وأموالهم، وزجُّوا بهم في غيابات السجون، وفوق كلِّ هذا سحقوا إنسانيَّتهم، وداسوا على كرامتهم، ومُرِّغوا سمعتهم في الرغام، إذ لم تكن الصحف وأجهزة الاعلام المسموع والمرئي تكفُّ عن استباحة أسمائهم صباح مساء!
    لكن يخطئ أيضاً مَن لا يبصر شيئاً مِن جدل السببيَّة بين حدث الانتفاضة المجيدة ذاك وبين كلِّ تلك الحادثات، وأكثرها مأساويَّة إقدام ذلك النظام المتهرِّئ على إعدام الشهيد محمود، حيث قدِّر، لا للسودان فحسب، بل وللعالم بأسره، أن يبصر، في ذلك الضحى الكئيب، مشهد الشيخ السبعيني يعتلي مشنقته بالخطو الواثق، وبالروح المطمئن، وبالنفس الراضية المرضيَّة، وبابتسامة الفداء الصريحة تكسو محياه الوضئ، لتخلد، مرَّة وللأبد، في الذاكرة الجمعيَّة، وفي وجدان المبدعين الثوريِّين، مع غيرها من وقائع جحد الحقوق، وإهدار الحريات، ونهب الاقوات، وقطع الارزاق، وإشاعة الفساد، وانتهاج القمع، والتنكيل بالمعارضين، والتشريد من الخدمة، والمساس باستقلال القضاء، ومفاقمة الحرب الأهلية، وتهميش تكوينات الاطراف القوميَّة، وما إلى ذلك من (أسباب) كانت تلهب وجيب (الجلجلة)، حتى بلغت مراكمتها الكميَّة حدَّاً أصبح فيه وقوع أيِّ سبب إضافي بمثابة القشَّة التي ستقصم ظهر البعير حتماً، فما أن وقع حتى زلزلت أرض السودان زلزالها، وأخرجت في أفق الفعل الثوريِّ أثفالها، لتلفظ النميري ورهطه في مزبلة التاريخ إلى الأبد. و(أبريل)، من قبل ومن بعد، شكل متميِّز من أشكال الممارسة الديموقراطيَّة، مثلها، في ذلك، مثل فعل (الانتخاب) و(الاستفتاء) سواء بسواء، إذ أتاحت لـ (الاغلبيَّة)، مثلما يتيح لها هذان، أن تعبِّر عن إرادتها على أتمِّ وجه من التحضُّر. سوى أنها لم تكن محفل (عقد قران) يبدأ في ساعة بعينها لينقضي في ميقات معلوم، فيملك الداعون إليه أن يحدِّدوا موعده، أو يؤجلوه، أو يلغوه بالمرَّة! إنها أقصى فعل العبقريَّة الشعبيَّة، ومنتهى حراكاتها (العفويَّة) التي لا تجتمع على باطل، أبداً، إنتصرت أم انهزمت! ولقد أثبتت هذه العبقريَّة مضاء سدادها مرَّتين، خلال ما لا يربو كثيراً على العقدين، وأمام أعيننا هذي التي سيأكلها الدود!
    و(أبريل)، في الحقيقة، لم تحدث في (أبريل)، وإنما ظلت تحدث دائماً، على مدى سنوات (مايو) الستة عشر! فعلت ذلك بما يكفي ويزيد لتنبيه كلِّ من ألقى السمع وهو شهيد، بل ولإيقاظ كلِّ سادر في غِيِّه، لو كان النميري يسمع أو يعقل، ولتنبيه كلِّ من يحسب نفسه، في غفلة الوهم، استثناءً لا يُقاس عليه، ولا هو ينقاس على سواه!
    ................................
    ................................
    كانت (أبريل)، إذن، (حتمٌ)، رغم أنف شانئي الأيديولوجيا الأيديولوجيين! و(الحتمُ) إنما يُدرَك بالقراءة المستبصرة لمنطق التاريخ وجدله الراجح، لا بطيلسانات (السياسة السياسويَّة)، بالمصطلح الفرنسي، أو حسابات ميتافيزيقياها الخائبة التي لا تتأسَّس إلا على (قراءة الفناجيل) الفكريَّة و(ضرب الرمل) السياسي! وأوَّل مُدرَك من (حتم أبريل) أن حراك التغيير لا يُتعمَّل ولا يُصطنع من العدم. ولأن ذلك كذلك، فإن غاية عمل حُداته تعهُّد الوعي العام بالسقيا في صبر، ومواصلة رفده بعناصر استنارته في دأب، وهو ما يمكن أن يقع في جيل، جيلين، أو أكثر، فضلاً عن رصد أمزجة الجماهير بما يفوق مقياس (رختر) دِّقة وصرامة، في طقس إصغاء عميق لوجيب (الجلجلة) حتى لا ينحرف سهم التغيير عن الجادَّة، أو يميل، والناس في ضلال أهل بيزنطة يعمهون، عن الهدف، ليمسي المآل وبالاً، وتنقلب النعمة، بالنتيجة، إلى نقمة، فما أكثر ما انقلبت آمال التغيير التي أسئ قيادها، أو تركت لتنمو، كالسلعلع، وحدها في حقل (العفويَّة)، إلى هرج لا حدَّ له في الجغرافيا، ومآس لا عدَّ لها في التاريخ!
    أما الحكام ذوو الحصافة، مِمَّن حباهم الله نعمة البصر النافذ والبصيرة الحديدة، ولم يكن النميري ورهطه مِمَّن أوتوا من تلك الحظوظ شيئاً، فإن غاية ما ينبغي أن يضعوه نصب أعينهم من عِبَر التاريخ، ودروسه الكبيرة، هو تعظيم شعيرة الانتباه إلى ما يمكن أن تفضي إليه مراكمة الوجيب المتواتر لهذه (الجلجلة) بالذات، وإن اتسمت بالبطء، فيحرصون، الحرص كله، على اتقائها ولو بـ (شقِّ تمرة) من (العدل) يجعلونها في أساس (مُلكهم) .. وكفى بذلك رشداً سلطانياً!
    ................................
    ................................
    اللهم فاشهد ..
    وسلام على شهداء (أبريل) في الخالدين.

    الثلاثاء
    عدت من سفرة إلى خارج البلاد لأجد على مكتبي دعوة كريمة من المهندس أبو القاسم احمد، رئيس مفوَّضيَّة تعويضات دارفور التابعة للسلطة الانتقاليَّة الاقليميَّة، مرفقة بالقرارات الجمهوريَّة الصادرة بإنشاء المفوَّضيَّة، وبعض مستندات صندوق التعويضات، وذلك للمشاورة وإبداء الرأي حول مسائل بدت لي في غاية الأهميَّة والجديَّة، مثل المنهج الفكري والعلمي للتعويضات، والمبدأ الحاكم لتطبيقاتها فردياً وجماعياً، ودعم الصناعات التقليديَّة، وتشجيع الأسر المنتجة، وإلحاق المتضرِّرين بالاقتصاد القومي، والارتقاء بالقدرات الاقتصاديَّة للكليات الاجتماعيَّة، خصوصاً المرأة، فضلاً عن المعالجات البيئيَّة، والتعديلات المطلوب إجراؤها على القرار الجمهوري لفضِّ التداخل في الاختصاصات بين مجلس التعويضات وصندوقها ولجانها، وذلك لضمان حقوق المواطنين.
    رغم رأيي السالب في اتفاق أبوجا، والجراحة القيصريَّة المؤلمة التي أخرج بها ناقص الوزن، مشوَّهاً، مِمَّا أحوجه، منذ صرخته الأولى، إلى حاضنة طبيَّة خاصَّة تنقذه، بمعجزة، من موته المحقق، إلا أنني استشعرت، مع ذلك، واجب المشاركة، ولو بسهم متواضع في أيِّ مجهود يُبذل ليجعل لهذه (المعجزة) سبيلاً، وقلت في نفسي: "سيد الرايحة يفتح خشم البقرة"! هكذا، برغم تكاثر المشغوليات، وجلها (طواحين) تجعجع، لكن قلما يُرى لها (طحيناً)، ألفيتني أشرع في كتابة بعض الأفكار بنيَّة أن أبعث بها إلى المهندس أبو القاسم، مركزاً بالأساس على قضيَّة الارتباط بين (التعويضات) من جهة، والتي ينبغي ألا يقع تقديرها جزافاً كمحض عطيَّة مزيِّن، وبين (العدالة الانتقاليَّة) من جهة أخرى، والتي لا مفرَّ من أن تشكل أساس هذه (التعويضات)، بل وأساس (المصالحة الوطنيَّة)، من جهة ثالثة، والتي لا مستقبل بدونها لمتلازمتي (السلام) و(التحوٌّل الديموقراطي) من جهة رابعة.
    على أنه ما كادت تنقضي بضعة أيام حتى أصمَّ الآذان الدَّوىُّ الهائل لفضيحة حسابات السلطة الانتقاليَّة الإقليميَّة لدارفور، حيث أورد تقرير المراجعة الداخليَّة، بالجنيه القديم، أن (نثريَّة) رئيس السلطة بلغت 951,400,000 جنيه، و(صيانة) منزله 392,000,000 جنيه، و(تأسيس) مقرِّ السلطة بالخرطوم 559,244,000 جنيه، و(تكملة) صيانة بقيَّة مقرَّاتها 396,317,000 جنيه، في حين لم يخصَّص لـ (دعم معسكرات النازحين) كلها سوى 4,250,000 جنيه، ولـ (دعم النسيج الاجتماعي)، وما أدراك ما هو، إلا ما جملته 3,500,000 جنيه، ولـ (تبرعات) مني أركو، رئيس السلطة، ما لم يزد، زاده الله كرماً، عن 31,500,000 جنيه، ولـ (صيانة) جميع (مدارس) الإقليم ما لم يتجاوز 345,100,000 جنيه فقط! من جهة أخرى حصر التقرير جملة الصُرف على (الفصل الأوَّل/المرتبات) بأكثر من 11 مليار و720 مليون جنيه، وعلى (الفصل الثاني/التسيير) بمبلغ 7 مليارات و69 مليون جنيه، وعلى (الحركات الموقعة) بمبلغ مليار 280 مليون جنيه، إضافة إلى الصرف على (فعاليات/ تقرأ: إحتفالات تدشين السلطة) بمبلغ 265,665,000 جنيه، وأرقام أخرى كثيرة و(مفيدة) لمن أراد الوقوف بتثبت أدق على حقيقة ما جرى (الأيام، 24/3/0.
    وعلى حين كشف التقرير عن عمليات سحب على المكشوف، وعدم تعامل عن طريق الخزينة، وغيرها من التجاوزات لقانون الاجراءات الماليَّة والمحاسبيَّة، (إعترفت) السلطة، رسمياً، بـ (سوء إدارة) بعض مؤسَّساتها، و(تبديدها) للمال العام، دون أن تتخذ من الاجراءات ما يكفل وضع الأمر بين يدي القضاء (!) وتقدَّم أمينها العام باستقالته، إثر تعرُّضه لضغوط واستفزازات من مجموعات داخل السلطة نفسها (!) كما قرَّرت كتلتها البرلمانيَّة الدخول في اجتماع موسَّع مع أمانتها العامَّة ومفوَّضياتها للتحقيق في (تبديد) هذا المال وعدم توجيهه لمشاريع (التنمية) في دارفور (راجع: المصدر نفسه).
    عند هذا الحد باخت في نفسي حماستي الأولى لتلبية دعوة مفوَّضيَّة تعويضات دارفور، فأغلقت جهاز الكمبيوتر، وصرفت النظر عن الأمر برمته، إذ عن أيِّ (حقوق مواطنين) سيحدِّثنا المهندس أبو القاسم احمد، وعن أيَّة (عدالة انتقاليَّة) سنحدِّثه، و .. بلا خشُم بقرة بلا نيلة!

    الأربعاء
    يعلم الغاشي والماشي أن (الانتخابات) شأن يتصل، وثيقاً، بصميم الخيار السيادي لـ (الدولة)، وكذا كلُّ ما يتصل بها من عمليات، بما في ذلك (التعداد) وما يلزمه من آليات تشمل أجهزته ولجانه.
    ويعلم الغاشي والماشي أيضاً أن (التعداد)، الذي تعتزم (الدولة) السودانيَّة إجراءه نهاية الأسبوع القادم، شامل، أو هكذا ينبغي، لكلِّ الإقليم الذي يُفترض أن تنبسط عليه سيادتها، دونما استثناء لأيَّة بقعة، مهما تناءت أو صغرت.
    لذلك كله لم أستطع أن أفهم، على وجه الدقة، ما رمى إليه د. ياسين الحاج عابدين، مدير الجهاز المركزي للإحصاء، حين اعتبر أن (حلايب) التي تعيق السلطات المصريَّة عمليَّة التعداد فيها ".. هي قضيَّة دولة ولا علاقة للتعداد بها!"، أو كما قال (السوداني، 25/3/0.
    لا أتصوَّر، بالطبع، أن د. عابدين قصد، فعلاً، إلى القول بأن (التعداد) ليس من ضمن أعمال (الدولة)، فالجهاز نفسه الذي يتربَّع هو على سدته (شغل دولة)، أو، على حدِّ تعبيره، (قضيَّة دولة). لذا، ولأنَّ (الشينة منكورة) دائماً، فأغلب ظنِّي أن الرجل أراد أن يبعد عن أطراف ثوبه (شينة حلايب) التي أثارتها عمليَّة (التعداد) مجدَّداً، ليرمي بها جهات أخرى في (الدولة) لم يشأ، لسبب أو لآخر، أن يعيِّنها؛ ولو كنت مخطئاً .. فليصوِّبني!

    الخميس
    مع كلِّ ما ظلت (الانقاذ) تبدي من فصاحة في شجب (استكبار إسرائيل) على فلسطينيي القطاع، إلا أن في فمها ماء كثير، هذه الايام، إزاء تنكيل (الصينيين) بشعب (التبت)، مثلما كان هذا الماء دائماً في فمها إزاء ما ظلَّ (الروس) يفعلون بأهل (الشيشان)! ولات ساعة فارق بين (بوذيَّة) الأوائل وبين أن تكون في قيادة الأخيرين حركة (إسلامويَّة)، فالمحكُّ، حتف أنف الشعارات الطنانة، ليس أصلاً في نصرة (الاسلام) أو مناهضة (الاستكبار) على الضعفاء، إنما في استراتيجيَّة (تقديم السبت) انتظاراً لـ (نوال الأحد)، وخطة (شيِّلني واشيِّلك) التي يقتسمها، في مستوى العلاقات الدوليَّة، نظاما (الصين) و(روسيا) مع نظام (الانقاذ) بشأن عمايله هو نفسه في أهل (دارفور)! و .. حقاً إذا عُرف السبب بطل العجب!

    الجمعة
    من دارج قول الصحافة الثقافيَّة والفنيَّة في بلادنا صفة "العائد إلى أرض الوطن بعد غياب طويل" تطلقها على (كلِّ) مبدع ألجأته أوضاع القمع الظلاميَّة، أوَّل أمرها، مثلما ألجأت غيره، إلى مشارق الدياسبورا ومغاربها، لسنوات طوال، ثم ما لبث، حال وقوع الانفراج الدستوري الجزئي في السودان، منذ حين، أن صار يزور الأهل والأحباب في (الوطن الأصلي) مِن وقت لآخر.
    خلال تلك الفترة اكتسب نفرٌ من هؤلاء المبدعين (مواطنيَّة) أوطان جديدة، حيث لم يخلُ الأمر، في البداية، من طغيان (النزعة العمليَّة) التي غالباً ما تلوِّن خيار المقموع! لكن، مع الزَّمن، ومع التبدُّل النسبي في الأوضاع، جاءت لحظة الاختيار الحقيقي. غير أن بعضاً من هذا النفر لم يلتمسوا في أنفسهم رغبة صميمة في إنهاء (هجرتهم) المديدة، بل واصلوا تمسُّكهم بحالة (مواطنيَّتهم) الأخرى، مِمَّا رتب لهم عليها حقوقاً مستحقة، ولها عليهم واجبات لا فكاك منها. و(المواطنيَّة) حين تكتسب بمثل هذه النوايا إزاء إخوة جدد، وتاريخ جديد، وجغرافيا جديدة، ولغة جديدة، وثقافة جديدة، وبالجملة تركيبة نفسيَّة جديدة، هي إحساس نبيل بالانتماء ينبغي أن يُفسح له كي ينمو، في الدواخل، ويزهر، فلا تعود محض (رخصة) تمكن حاملها من (الإقامة الآمنة) في هذا البلد أو ذاك، أو (جواز سفر) يتيح له حريَّة التجوال هنا أو هناك، وإلا لأصبح السعي المحموم، بالإظفر والناب، لاكتسابها أو الاحتفاظ بها، حال تغيُّر الاحوال بما يتيح هامشاً معقولاً لطلاقة الاختيار، مجرَّد (انتهازيَّة) قميئة ما مِن أحد يحب لنفسه أن يُرمي بها، دَعْ أن يكون هذا الأحد مبدعاً!
    وهكذ، لو وقع ذلك الوصف الصحفي، كما قد يبدو بالفعل للوهلة الأولى، في مقام الرَّصد (البرئ) لسيرة غيريَّة، لأمكن هضمه شيئاً. سوى أنه ما ينفكُّ يشفُّ، من خلف غلالة (براءته) المزعومة هذه، عن ضرب من التواطؤ غير المفصح عنه على أمرين مختلفين، لكن باتجاهين متداخلين: فهو، بالاتجاه الأوَّل، إغواء مجَّاني لهؤلاء المبدعين بكون مجرَّد "غيابهم الطويل" هذا نفسه هو، في حدِّ ذاته، (قيمة مضافة) يجدر أن يُستقبل بها إبداعهم في (الوطن الأصلي)؛ وذاك ضلال نقدي بيِّن. ثمَّ هو، بالاتجاه الآخر، إلحاحٌ مُمضٌّ على تقرير انتمائهم، فقط، إلى السودان، أوَّلاً وثانياً وعاشراً وأخيراً، فلا يجوز أن يراودهم أوهى إحساس، مجرَّد إحساس، بما عدا ذلك؛ وهذا تشويش أخلاقي بالغ القسوة على سلاسة اندغامهم المطلوب في (أوطان جديدة) جُلُّ بُنات ثقافاتها (مهاجرون) مثلهم!
    ولعلَّ مِن نافلة القول أن نذكر بأننا إنما نتحدَّث عن (مبدعين/مواطنين) كاملي المواطنة، في تلك المهاجر، بقضِّ فضاءات تجربتهم الابداعيَّة والانسانيَّة المغايرة وقضيضها، لا محض رعايا أو (لاجئين) فحسب. ذلك أدعى لأن نرحمهم من أنانيَّة "حبِّنا القاسي" هذا، والذي لا قِبَلَ لهم بضغطه النفسي والفكري، فليسوا أوَّل ولا آخر من خاض، في هذه الحياة الدنيا، مثل هذا المخاض الرهيب!

    السبت
    إستوقفتني بإلحاح عبارة أطلقها د. نافع علي نافع، مساعد رئيس الجمهوريَّة ونائب رئيس الحزب الحاكم للشئون السياسيَّة والتنظيميَّة، في معرض حديثه عن الوضع في دارفور، من خلال الندوة التي عقدتها قناة المستقلة (المستقلة؟!) بالخرطوم في منتصف مارس المنصرم، قال: "لا أرى حرجاً في أن تقاتل الحكومة من يقاتلها، ولن يمنعنا (من ذلك) لا مجلس الأمن .. ولا صراخ العالم كله" (السوداني، 14/3/0.
    أولاً بالتبادي لا يملك أحد أن يلوم الرجل، أو يسأله كم ثلث الثلاثة، في باب التعقيب عليه. فمثل تقريره هذا لا يحتاج، أصلاً، لتصريح مخصوص، كونه يندرج، بطبيعة الحال، ضمن تحصيل الحاصل، وفي عداد المعلوم من (السلطة) بالضرورة، إذ ما من عاقل يمكن أن يطلب من (حكومة) ما أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء من يرفع السلاح في وجهها! بل إن منطق (رفع السلاح) نفسه ينطوي على إقرار ضمني ناتج عن وعي قبْلي (بتسكين الباء) لدى رافعيه ذاتهم بأن (الحكومة) إنما تحرسها، بالمقابل، (قوَّة مسلحة) لا بُدَّ من وضعها في الحسبان، فلا مناص من أن يعدوا لها ما يستطيعون من عُدَّة تكافئها، ساعة الدواس، إن لم تجاوزها، أو فلينفضوا أيديهم عن الأمر برمَّته. أما الحكومة فليس أمامها غير واحد من سبيلين: فإما أن تسعى في فضِّ نزاعهم معها سياسياً، أو تهئ نفسها لحربهم بما لا يعلم إلا الله مداه أو نتيجته!
    ورغم أن الخوض في هذا الشأن ليس من مطلوبات كلمتنا هذي، إلا أن التاريخ، مع ذلك، ومنذ انتفاضة العبيد المصارعين، بقيادة سبارتاكوس، ضدَّ الامبراطوريَّة الرومانيَّة عام 73 ق.م، مروراً بثورة الزنج، تحت قيادة على بن محمد، ضدَّ الدولة العباسيَّة، أواسط القرن الثالث الهجري، وحتى حركات الهامش المسلحة في جنوب السودان وشرقه وأخيراً في دارفور، ظلَّ يرشد الحاكمين، وبالأخص الذين يستمعون منهم دروس التاريخ فيتبعون أحسنها، إلى أن مثل هذه الحروب، بصرف النظر عن نتائجها، كفيلة باستنزاف مقدرات السلطة نفسها، دَع البلاد، وتبديد طاقاتها في ما لا طائل من ورائه. سوى أن ذلك كله، كما قلنا، شأن آخر!
    الشاهد أنه لا القوى الوطنيَّة، ولا الأمم المتحدة، ولا "صراخ العالم كله"، على حدِّ عبارة د. نافع، بمستطيع أن (يمنع) الحكومة، إن هي أرادت أن تسفه هذه الدروس فلا تعتبر بعبرها، من أن تمضي في مواجهة حركات دارفور المسلحة، بالقوَّة المسلحة، إلى يوم يبعثون، فليست تلك هي المشكلة في عبارة الدكتور. المشكلة أن هذه العبارة، وعلى حين تشي، من ناحية، بكونها تلوِّح بحُجَّة رفض الحكومة لـ "صراخ العالم" ضد (حقها) في إخماد أيِّ تمرُّد مسلح ضدَّها بالقوَّة المسلحة، إنما تحاول، من الناحية الأخرى، طمس حقيقة أن هذا (الصراخ) لا يستهدف، في واقع الأمر، ذلك (الحقَّ) المكفول في كلِّ الأحوال، بل كان، وما يزال، منصبَّاً، بكليَّاته، على الانتهاكات البشعة للقانون الانساني الدولي، والتي ما زال يروح ضحيَّتها ملايين (المدنيين) العُزَّل وسط حرائق النزاع المسلح في الاقليم.
    ولعلَّ أحدث وقائع هذا (الصراخ) ما ورد مؤخراً، في تقرير مشترك صادر في جنيف بتاريخ 20/3/08 عن المفوضيَّة العليا لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة وقوَّة حفظ السلام التابعة للمنظمة الدوليَّة والاتحاد الأفريقي، من وصف لأعمال العنف حيال المدنيين في قرى دارفور خلال الشهرين الماضيين، والتي حمَّل التقرير مسئوليَّتها للجانب الحكومي، بأنها تندرج في إطار "استراتيجيَّة عسكريَّة متعمَّدة"، مِمَّا أسفر عن سقوط 115 قتيلاً على الأقل، واضطرار أكثر من 30,000 شخص للنزوح، فضلاً عن تدمير ممتلكات المدنيين، خصوصاً الأشياء التي لا غنى عنها لضمان بقاء السكان، بالاضافة إلى تعرُّض مساكن، ومدارس، ومراكز طبيَّة، ومنشآت مياه، ومحلات تجاريَّة، ومخازن مواد غذائيَّة، ومكاتب منظمات غير حكوميَّة، إلى نهب، وتخريب، وإحراق في بعض الاحيان، بينما الناس بداخلها. كما أشار التقرير إلى عمليات اغتصاب ارتكبت، وإلى قصف أوقع عدداً غير محدَّد من القتلى في صفوف المدنيين، وإلى دعم جوي للهجمات العسكريَّة، وإسناد من مليشيات على الأحصنة والجمال، مِمَّا يشكل انتهاكاً للقانون الانساني الدولي وحقوق الانسان (المصدر نفسه).
    والآن، وفي ضوء التسليم الكامل بـ (حقِّ) الحكومة في أن "تقاتل مَن يقاتلها" مِن محاربين مسلحين ينازعونها السلطة، فإن السؤال الذي لا مفرَّ لمساعد رئيس الجمهوريَّة ونائب رئيس الحزب الحاكم من الاجابة عليه بوضوح، على خلفيَّة عبارته سالفة الذكر، هو: هل يا ترى تعتبر الأفعال المذكورة لازمة للحكومة، بالضرورة، أو مِمَّا يسمح لها به القانون أو الدين أو الأخلاق، وبدونها لا تستطيع أن "تقاتل مَن يقاتلها"، وبالتالي يحقُّ لسيادته "ألا يرى حرجاً" في ارتكابها، فلا يجوز أن يمنعهم (من ذلك) لا مجلس الأمن ولا "صراخ العالم كله"؟!
    ما لا تريد الحكومة أن تفهمه هو أن (حماية المدنيين) بآليَّة القانون الدولي لحقوق الانسان في أزمنة السلم، وبآليَّة القانون الانساني الدولي في أزمنة النزاعات المسلحة، أصبحت تشكل عنصراً أساسياً في خط التطوُّر الرئيس للقانون الدولي المعاصر، حيث ارتقت قواعده، عبر جدليات القانون والسياسة، من محض الاقتصار على صون (حقوق الدولة القوميَّة)، كما كان الأمر في السابق وفق مفهوم (السيادة) القديم الذي أسَّست له اتفاقيَّة وستفاليا لسنة 1648م، إلى الاهتمام بصون (حقوق الأفراد والشعوب)، خصوصاً أثناء النزاعات المسلحة. ومن ثمَّ تكفُّ علاقة الدولة بمواطنيها عن أن تكون محض (شأن داخلي) في ذات اللحظة التي يتسبب فيها سلوكها نحوهم في كوارث إنسانيَّة، خصوصاً حين تمتدُّ آثار هذه الكوارث إلى دول أخرى. لذا كان لا بُدَّ لقواعد القانون الدولي الحديثة مِن أن تقضي بالتدخل الدولي لأسباب إنسانيَّة، فى عصر تشبَّع بعالميَّة مبادئ حقوق الانسان، وبالمعايير الدوليَّة للديموقراطيَّة، مِمَّا يوجب على الدولة مراعاة التزامات محدَّدة تجاه مواطنيها، في أوقات السلم كما في أوقات الحرب، فإن هي أخفقت في الوفاء بها من تلقاء نفسها، تحتم على المجتمع الدولى إجبارها عليها.
    ولم تعُد مراقبة تطبيقات هذه القواعد الإنسانيَّة مقصورة، كما في السابق، على المؤسَّسات الدوليَّة الرسميَّة، إذ أن منطق التطوُّر نفسه فرَضَ أن تصبح المجتمعات المدنيَّة أكثر فاعليَّة في هذا السياق، وأن تشكل، كما نرى الآن، اصطفافاً شعبياً عالمياً ضاغطاً ينتظم فيه ملايين الناس من شتى الأقطار، وما لا حصر له من التنظيمات السياسيَّة، والمنظمات الطوعيَّة، والمراكز البحثيَّة، والجمعيات العلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، والمؤسَّسات الصحفيَّة والاعلاميَّة المستقلة، من مختلف المدارس والاتجاهات الفكريَّة الانسانيَّة والديموقراطيَّة.
    ويجدر أن نفتح هامشاً هنا لنؤكد أن تلك، في حدِّ ذاتها، وفي وجه مهم من وجوهها، ظاهرة إيجابيَّة تدفع بعولمة إنسانيَّة بديلَة تزيد من معدَّلات التقارب بين الشعوب، في مجابهة العولمة الرأسماليَّة التي لا همَّ لها سوى زيادة معدَّلات النهب لموارد البلدان الضعيفة، و(القولبة) لثقافاتها على النمط الغربي.
    ومع ذلك يجدر، أيضاً، ألا تكون ثمَّة أوهام حول أن اختلال ميزان القوة الدولي الراهن قد يغري بالالتفاف حول هذه الدلالات، وجعلها ذريعة لتمرير أجندات خفيَّة أو معلنة لهجمنة دوليَّة تتفاوت، خشونة ونعومة، بحسب الحال. على أن تغيير هذا الواقع لا يكون بإنكار (المبدأ) نفسه، بل بتعديل هذا الميزان المختل. ولأن هذا ميدان صراع سياسي دولي، فإن المناضلين الديموقراطيين، مِن كلِّ الجنسيات، لا يكتفون، فحسب، ببذل جهدهم من أجل أن تدرك شعوبهم مفاهيم هذا الصراع الأساسيَّة، أو أن تتقن التمييز، فقط، بين صالح ديناميكياته وطالحها، بل وأن تنهض بدورها المقدَّر فيه.
    وهكذا، فليس من الحكمة في شئ، حين يعلو "صراخ العالم"، أن تشيح الحكومة عنه بوجهها، لتسُدَّ أذناً بـ (طينة) وأخرى بـ (عجينة)!

    الأحد
    هل يشرِّفك، مقدار قلامة ظفر، أن تنتمي إلى مؤسَّسة يعمل بها 535 موظفاً، 3 منهم قضوا أحكاماً بالسجن في جرائم اغتصاب، و7 أوقفوا في جرائم احتيال، و19 حوكموا في جرائم شيكات، و29 اتهموا بإساءة معاملة الزوجات، و14 في قضايا مخدرات، و8 قبض عليهم متلبسين بجرائم سرقات، و84 اعتقلوا العام الماضي بسبب قيادة سياراتهم وهم في حالة سكر، و71 ممنوعون من الحصول على بطاقات ائتمانيَّة بسبب سوء سجلاتهم المصرفيَّة، و117 تسبب كلٌّ منهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إفلاس شركتين على الأقل، بينما لا يزال 21 ينتظرون المحاكمة بتهم مختلفة؟!
    قبل أن تجيب على هذا السؤال، نطرح عليك سؤالاً آخر: هل ستدهش إذا علمت أن هذه المؤسَّسة هي (الكنغرس الأمريكي) ذاته، وأن هؤلاء (البلطجيَّة) هم أعضاؤه الذين يشرِّعون، سنوياً، مئات القوانين الجديدة لإلزام (غيرهم) في الولايات المتحدة جادَّة السلوك السوي؟!

    روزنامة الاستاذ كمال الجزولي
    7 - 4- 2008
    صحيفة أجراس الحرية
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 02:14 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    فى لقاء له مع صحيفة "أجراس الحرية" اليوم 17 أبريل 2008 يقول السيد عبد العزيز الحلو: "ومن خلال تنظيم الشباب بدأ نشاطي السياسي مع العلم بأنني لم ألتحق بأى حزب سياسي موجود بالساحة السياسية السودانية، وللحقيقة كنت أتعاطف مع الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم، وتأثرنا كثيرا بأفكار الأستاذ محمود محمد طه باعتبار أن تلك الأفكار تحمل الكثير من معاني التحرر والإستنارة".. ص 5
    _________________
    صحيفة أجراس الحرية
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 04:07 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    محمد ابو القاسم حاج محمد
    شبهات التداخل ما بين العالمية الاسلامية الثانية والرسالة الثانية من الاسلام

    هناك دائماً متشابهات لا تضع الامور في ميزانها المحكم , فكما فهم البعض مفهوم ( الجمع بين القرائتين ) فهما تراثياً ورده الى مصادر ظنية مثل " ما فرطنا في الكتاب من شئ " او العلاقة بين الكون المسطور ( القرأن ) والكون المنثور ( الوجود ) غافلاً ارتباط الجمع بين القراءتين ( بجدلية الغيب والانسان والطبيعة ) وفق نهج تحليلي يأخذ بجدل الانسان وجدل الطبيعة بطريقة معرفية مستوعبة ومتجاوزة للمنطقية الوضعية الحديثة بكل افاقها النسبية والاحتمالية من جهة واللاهوت من جهة اخرى .
    أتى بعضهم برد محكم العالمية الاسلامية الثانية وجدليتها الى متشابه ( الرسالة الثانية في الاسلام ) لصاحبها ( محمود محمد طه ) علماً اني قد استبقت الامر في الطبعة الاولى حين قلت في صفحة 153 و 154 :
    ( الايمان المحمدي هو مقدمة البشرية لتعرف طريقها الى الله في المادة وفي الحركة دون حلولية ودون ما ورائية ودون ارتداد الى مبدأ المادة الناقصة . انها من اعظم المراحل واغناها في التاريخ الايماني للبشرية وقد جاء افتتاحها بعبارة ( اقرأ ) وانتهت الى الجمع بين القراءتين وهذا هو جوهر الحقيقة المحمدية الكونية .
    وهي حقيقة تورث والارث عن الاصل المتلقي اي عن محمد والذي يملك حق التوريث هو الله لمن يصطفي من عباده . ولها مواصفات شتى على انواع ثلاثة والثاني وسط بين اثنين أولهما ظالم لنفسه واخرهما سابق بالخيرات ( والذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه ان الله بعباده لخبير بصير * ثم اورثنا الكتاب الذي أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بأذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) ( سورة فاطر : الايات 31 -32 ) . وارث الحقيقة يخرج معجوناً في لحمة العصر . فعلاقة من يلي محمداً بالكتاب لا تكون علاقة نبوة ولا علاقة تجديد ولا علاقة رسالة ثانية ولا ثالثة وانما علاقة توريث يتفاعل فيها وحي الكتاب مع شخصية العصر حافظاً لاستمرارية الحكمة والمنهج الالهي " .
    ان من يفهم حكمة انقضاء مرحلة النبوات سيفهم تماماً ان الله قد جعل ارادته في اعادة اكتشاف القرأن وفهمه ضمن كل مرحلة من مراحل التطور البشري بما ينسجم والخصائص الفكرية لشخصية المرحلة الحضارية . وقد ضمن القرأن وحي كل مرحلة كنور تتضح به حكمة المنهج الالهي وتطبيقاته الكونية " .
    فالذين ظنوا ان ( رسالة ثانية ) تتنزل عليهم ليسوا ضمن منهجنا , ولسنا من انصار الاتجاهات الاشراقية ولو كانت معاصرة او اهتمت بتحديث المفاهيم الاسلامية وعصرنتها لتتكيف مع العقل الليبرالي وبطريقة انتقائية تعتمد على ( التأويل الباطني ) .
    قد قسم صاحب الرسالة الثانية القرأن الى فروع وأصول حيث جعل من الفروع أساساً لما سبق , ومن الاصول اساساً لرسالته هو الثانية , وكما كتب :
    ( الاسلام رسالتان : الفهم الجديد للاسلام اللي بتقدموا - الدعوة الاسلامية الجديدة - وهو انوا الاسلام فيهو رسالتين , رسالة اولى بتقوم على فروع القرأن , ودي مرحلية في كثير من صورها , وهذه الصورة ما اصبحت مناسبة لحاجةالناس اليوم , ورسالة ثانية بتقوم على اصول القرأن , ودي سنة النبي ( ص ) وعاشها هو وحده وما عاشتاه الامة المؤمنة في الوقت ذاك لانها اكبر من حاجتها , ونحن الجمهوريين بنقول انها مدخرة للناس اليوم ) - راجع كتاب محمود محمد طه في ( أصول القرأن ص2 و3 ) .
    بتحليل هذه الفقرة نجد ان صاحب الرسالة الثانية يطرح نفسه كباعث لآصول القرأن وليس فروعه في حين اننا نرفض جذرياً مفهوم تجزئة الفهم القرأني بين أصول وفروع , فالقرأن بالنسبة لنا كتاب منهجي يتمتع بخصائص الوحدة العضوية التي قضت باعادة ترتيبه خلافاً لترتيبه السابق استناداً الى أسباب النزول ,ولتاكيد هذه الوحدة العضوية للكتاب التي تعطي منهجيته لم نتعامل مع القرأن بالتمييز بين المكي والمدني . ونصوصنا المفارقة لصاحب الرسالة الثانية والنقيضة لها ايضاً واضحة جداً ,فقد قلنا في كتابنا العالمية الاسلامية الثانية ص 168 ما نصه :
    " ليس ثمة جديد يضاف ولكنه فهم للحديث المستجد في اطار الوعي المنهجي بالقديم المتجدد , ونتوقف هنا لما نسميه بوعي المنهج متسائلين لماذا بقيت كتب التفسير دون شرح القرأن شرحاً منهجياً متكاملاً ؟ ولماذا لم نرث هذه المدرسة بتمامها عن السلف الصالح ؟ ليس ثمة تقصير ولا لوم ولا عتاب .
    لو فصلنا مجموعة من سير خاصة المتلقين من الصحابة لأمكننا ان نكشف في حياتهم اثراً كبيراً طبعها به فهمهم للمنهج الالهي في الكون كله . ويلحق بهم في هذا المجال اخرون من رجال هذه الامة غير ان تحليل السيرة وصولاً الى الكشف عن كوامن الشخصية امر لم يعرفه العرب من قبل وهي من الامور المستحدثة في الذهنية العربية من خلال القصة والنقد . اما القرأن فانه يشتمل بطريقة فريدة على هذا المبنى من الفن الحضاري ولكن بأسلوب خاص ومتميز في التحليل ضمن السرد ( وراودته التي هو في بيتها ) بما يعني تحليلاً للحالة التي تمت ضمنها المراودة . فالامر ليس محض رغبة جنسية كما فهمه البعض .
    اذن منهجيتنا هي منهجية القرأن التي نشأت ضمنها التجربة المحمدية العربية , ولا ندعي أن ثمة جديداً يضاف , سوى محاولة الوعي بالقرأن في أطاره المنهجي الكلي على نحو كوني شامل بوصفه معادلاً للحركة الكونية , وكل دلالاتها .
    هذا الفهم ليس جديداً في ذاته ولكنه جديد في تناوله اي انه كان موجوداً في القرأن غير ان العرب لم يكن من شأنهم وطبيعتهم ان يتناولوه بشكله المنهجي الكلي ولا يعود الامر لنقص فيهم وكمال فينا وانما يعود لطبيعة مقومات تجربتهم وخصائص تكوينهم التاريخي والاجتماعي " .
    ثم ان اخطر ما توصل وانتهى اليه صاحب الرسالة الثانية بعد أن قسم القرأن الى أصول وفروع انه جعل ممن سبقه من الانبياء ( طلائع ) لرسالته هو الثانية , كما جعل خاتم الرسال والنبيين ( مبشراً ) بأمة الرسالة الثانية التي تأتي من بعده :
    ( وهذه أمة لم تجئ بعد وانما جاء - طلائعها فرادى - على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل , واولئك هم - الانبياء - وفي مقدمتهم سيدهم وخاتمهم , هو قد بشر بمجئ هذه الامة كما جاء برسالتها مجملة في القرأن مفصل في ( السنة ) محمود محمد طه في كتاب " تعلموا كيف تصلون " ص 16 .
    ان المتغيرات العصرية لا تفترض بالضرورة نشوء رسالات ثانية وثالثة ورابعة , والا للزم على كل مصلح او مجتهد ادعاء انه صاحب رسالة ثانية وثالثة وذلك منذ ان دخلت المنطقة الاسلامية في تفاعل مع عالمية الغرب الاوربي الوضعية والمركزية والخذة بهمينة العلم على مقولات العقل الطبيعي . وبداية في منتصف القرن التاسع عشر , فلماذا لا يكون اولئك الرواد من امثال الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وبن عاشور وبن ياديس وغيرهم وبما أثاروه من محاورات التجديد , هم اصحاب الرسالات الثانية اذا كانت مجرد المتغيرات العصرية هي الدالة عليها والباعثة لها ؟ فالمتغيرات العصرية لا تستلزم ( رسالة اسلامية ثانية ) ولا حتى ( عالمية اسلامية ثانية ) وانما تستلزم فقط اجتهاداً وتجديداً وتجدداً ؟ فلماذا قال محمود محمد طه بأنها (رسالة اسلامية ثانية ) ولماذا قلنا نحن بعاملية اسلامية ثانية وما هو الفرق بينهما ؟ وما هي علاقة ذلك بمتغيرات العصر التي لا تستدعي سوى الاجتهاد فقط .
    لم نقل بعالمية اسلامية ثانية رجوعاً الى المتغيرات العصرية , او تأسيساً عليها , ولم نجعل منها رسالة ثانية , وانما قلنا بها كدورة تاريخية ثانية للاسلام تعقب الدورة الاولى , ولكن ضمن شروط تحقق ( جدل تاريخي محدد ) يبتدئ ( بعالمةي الاميين ) ثم ( العالمية الشاملة ) للاسلام عبر تدافع ما بين العرب والاسرائيليين . وقد حدد القرأن هذا المسار التاريخي الجدلي والذي استهلك أربعة عشر قرناً بداية بطرد اليهود من المدينة المنورة ثم عودتهم الى الارض المقدسة .وقد شرحنا الامر في كتاب العالمية ص ( 175 - 176 ) ثم اكدنا في ص 258 :
    " وقد قضى الله أن تنتهي العالمية الاولى بعودة بني اسرائيل الى فلسطين ( المسجد الاقصى ) وانشائهم لدولتهم وامدهم الله كما قضى بأموال وبنين تتدفق عليهم من ارجاء كثيرة في العالم وجعلهم اكثر نفيراً . وكما يعتبر قيام دولة بني اسرائيل المظهر الاكثر عملية لانتهاء دورة تاريخية كاملة في التاريخ الحافل لهذه المنطقة الحضارية بالذات فأن مظاهر اخرى متزامنة تعتبر مظاهر عملية اخرى لانتهاء تلك العالمية وهي الارتدتا نحو الاقليمية وعناصر الانقسام والتحول نحو البدائل الوضعية والعودة الى الاصول الحضارية السابقة على الاسلام . كل هذه المظاهر ذات علاقات جدلية متفاعلة باتجاه اهزيمة الكبرى فليس غريباً اذن ان يعلن الرئيس المصري برنامجه للصلح مع اسرائيل وهو يخاطب الصحفيين مشيداً بحضارة مصر الضاربة الجذور ومتخذاً من الاهرامات الثلاثة خلفية لمظهره التلفزيوني .
    غير انه ومع انقضاء تلك المرحلة في شكلها التاريخي العالمي الا انها قد ابقت في داخلها وضمن موروثاتها امكانية الانطلاق نحو العالمية الاسلامية الثانية التي تأتي ضمن أفق تاريخي جديد ومغاير وضمن خصائص موضوعية متميزة . وتوالد العالمية الثانية عن العالمية الاولى هو دلالة قرأنية على تواصل الرسالة المحمدية باعتبارها خاتمة الرسالات وعلى امتداد القرأن بشكل مطلق في الزمان والمكان . وفي أطار العالمية الثانية سيتحقق قضاء الله ( فاذا جاء وعد الاخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) .
    ومع ان العالمية الثانية ترث في انطلاقتها عن العالمية الاولى مقومات الوجود والبقاء الكياني الا انها لا ترث عنها مفهومها السلفيس التطبيقي للقرأن ولا ترث عنها مفهومها التأويلي , بل تستعيض عن السلفية التطبيقية والتأويلية الباطنية بمفهوم منهجي جديد للقرأن في وحدته العضوية ودلالاته الكونية .
    ولا تأتي هذه الاستعاضة من قبل الاجتهاد الفكري التجديدي بل ترتبط بتجاوز التاريخ ومقومات التكوين للشروط الواقعية التي حكمت مرحلة تحويل العربي بالقرأن من الأطر البدوية ضمن خضائصها المحلية والى أطر اسلامية مغايرة . فالانسان العربي قد فهم القرأن ضمن خصائص تكوينه الموضوعية وقد كانت بسيطة ومتخلفة اجتماعياً وفكرياً بالقياس الى خصائص التكوين الحضاري العالمي الراهنة .
    اذن على أي المرتكزات بنى الشيخ محمود محمد طه فهمه للرسالة الثانية طالما انه لم يأخذ بجدل التدافع التاريخي بين العرب وبني اسرائيل , وقد كان هو من اوائل من نادى بالصلح مع اسرائيل في كتابه ( الصلح خير ) واول من ساند الرئيس المصري الراحل انور السادات ؟ وهذا ضد منهجنا كلياً .
    ثالثاً : يعتبر الشيخ انه يأخذ رسالته الثانية ( مباشرة ) عن الله وبلا واسطة وذلك عبر ( العلم اللدني ) وصلاة ( الصلة ) وبما تحقق له من عبودية :
    فعلى مستوى صلاة الصلة فانه يعرفها بأنها تتحقق في حال ( الشهود الذاتي ) حين ( يتم رفع حجاب الفكر ) :
    " وفي مقام الاستقامة يحصل ( التوقف الفكري ) . والتوقف الفكري هو ما يعرف برفع حجاب الفكر .. وبرفع حجاب الفكر هذا يتم الشهود الذاتي .. والشهود الذاتي هو ما اتفق للنبي الكريم .. في المعراج العظيم , بعد ان تخلف جبريل عن سدرة المنتهى .. وفي هذا المقام - مقام الشهود الذاتي - فرضت صلاة الصلة " - محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون ص30 .
    ويعتبر ان صلاة الصلة هي ذكر الله الحقيقي وما الصلاة الشرعية الا وسيلة لها , ففي تأويله للاية ( اتل ما اوحي اليك من الكتاب وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاءوالمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .
    يقول الشيخ محمود محمد طه :
    " ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " .. هذه هي الصلاة الشرعية .. ( ولذكر الله أكبر ) اشارة الى صلاة الصلة , فصلاة الصلة هي الصلاة ( الحقيقية ) اما الصلاة الشرعية فهي صلاة ( المعراج ) - محمود محمد طه -تعلموا كيف تصلون - ص 37 و 38 .
    ثم يعتبر ان صلاة الصلة هي صلاة الثلث الاخير من الليل ( التهجد ) , وهي الصلاة الحقيقية والاهم ويحولها من ( نافلة ) الى ( فريضة ) :
    " وصلاة الثلث من أهم صلاتك . وهي قد كانت مكتوبة على النبي , ولم يكن - الاصحاب - الا مندوبين اليها ندباً , غير مكلفين بها شرعاً .. وهي اليوم بفضل الله ثم بفضل حكم الوقت , قد أصبحت مكتوبة على هذه الامة المعاصرة , التي يطلب اليها ان تبتعث - سنة النبي - بعد اندثارها لترقى ببعثها الى مقام - الاخوان " - محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون - ص 58 .
    " نحن بشرية القرن العشرين , نحن بشرية الثلث الاخير من ليل الدنيا , ومعلومة قيمة الثلث الاخير من ليل النوم : أن ناشئة الليل هي أشد وطأ واقوم قيلاً " بنفس هذا القدر يجب ان نعلم قيمة الثلث الاخير من ليل الدنيا . وقيمة البشرية التي تعيشه .. فهذه البشرية هي الموعودة بأن تملأ الارض عدلاً , في وقتها كما ملئت جوراً , وهي الموعودة بتحقيق جنة الارض في الارض .. هذه البشرية المعاصرة هي بشرية ( اليوم الأخر ) الذي من اجل تحقيقه أرسل الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع في جميع حقب هذه الدنيا " محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون - ص 96 .
    ولكن ما هي خصائص هذه الامة , والتي حدد الشيخ زمانها بأنها ( أمة القرن العشرين والثلث الاخير من ليل الدنيا ) ؟ أنها في مصلحة امة اخوان النبي وليس أمة الصحابة وهي أمة افضل من امة الاصحاب :
    " أن مستوى جديداً من البشرية سيظهر على هذه الارض , وانما بظهوره تملأ الارض عدلاً كما ملئت جوراً , وهذه البشرية التي ستظهر في هذا المستوى الانساني الكبير - بمحض فضل الله - , أنما هم - أخوان النبي - الذي أشتاق اليهم حين قال وهو بين ( أصحابه ) : واشوقاه لأخواني الذين لما يأتوا بعد . قالوا : أولسنا أخوانك يا رسول الله ؟ قال : با أنتم أصحابي . قالوا : من اخوانك ؟ قال : قوم يجيئون في أخر الزمان , للعامل منهم أجر سبعين منكم . محمود محمد طه - تعلموا كيف تصلون - ص 96 و97 .
    ولكن هل فصلت السنة النبوية في تطبيقاتها على ( نسبية الواقع ) مطلق القرأن ؟ ان الاجابة دائماً لدى الشيخ ان السنة تقوم على ( اصول القرأن ) فيما طبقه الرسول على ( خاصة نفسه ) وبما يماثل ما سيكون عليه ( تطبيق الاخوان ) وليس الاصحاب , يقول الشيخ :
    " هناك الشريعة , والطريقة , والحقيقة , فأما الشريعة فهي قاعدة التكليف العام , وهي أدنى درجات التكاليف على المؤمن . واما الطريقة فهي النهج المؤكد الذي كان يلتزمه النبي في خاصة نفسه , وهي من ثم ( سنة النبي ) والسنة شريعة وزيادة , وأما الحقيقة فهي حالة القلوب التي تكون عليها المعرفة بالله نتيجة للعمل بالشريعة , او للعمل بالطريقة , حسب مقتضى الحال " . ونسب الشيخ للرسول ما قيل ( قولي شريعة , وعملي طريقة , وحالي حقيقة ) - تعلموا كيف تصلون ص 76 و77 .
    ثم جعل الشيخ من سنة النبي الأصل للمسلم اما الشريعة فهي للمؤمن :
    " الشريعة هي تكليف ( المؤمن ) وهي من ناحية الالزام قصاراه , وهي بالنسبة للمسلم تكليف في بداية امره , وهي بالنسبة اليه منفتحة على الطريقة , فالمسلم شريعته السنة " .
    فما مفهوم الشيخ بين المؤمن المرتبط بالشريعة والمسلم المرتبط بسنة النبي على مستوى ( الطريقة اولحقيقة ) ؟
    يقول الشيخ :
    " ان المسلم مطلوب منه الترقي المستمر , من نهج الشريعة الى نهج الطريقة الى نهج الحقيقة , وفي نهج الحقيقة اذا شدد وجود يدخل - في مقامات الشرائع الفردية فتكون شريعته طرفاً من حقيقته - وهذه هي ( العبودية ) " .
    ها قد وصل الشيخ الى مبتغاه - مقام ( الشريعة الفردية ) على مستوى بلوغ الحقيقة تذرعاً بسنة الرسول في ( خاصة نفسه) وهكذا انتفت مصدرية القران الذي سبق وان قال عنه أنه ( كتاب هذه الامة المبشر بها ) وانتفت حتى ضوابطه في مقام الشريعة الفردية .
    ويؤكد الشيخ هذا المعني نصاً ( 95 كيف تصلون ) :
    " أسمعوا قولي هذا فأن شريعة الاسلام في أصلها أنما هي شريعة فردية .. والقرأن يركز على الفردية , تركيزاً مستفيضاً .. وحين كانت شريعة الاسلام , في أصله فردية , كانت شريعته في الفرع جماعية , وما الشريعة الجماعية الا وسيلة للشريعة الفردية " .
    قد قضى الشيخ على ( عالمية الخطاب ) الاسلامي وعلى مفهوم الانتماء للامة والجماعة والتواصل مع تاريخها عبر ( التدافع ) مفككاً الأمة الى مستوى الفرد فاذا قلنا ان ذلك كله ناتج عن فهم باطني تأويلي خاطئ لسنة خاتم الرسل والنبيين ولمفهوم الرسالة نفسها ,فاه الأدهى من ذلك فهم الشيخ للقرأن والذي يحتوي على ( الضوابط الاساسية ) للفهم .. فكيف يفهم الشيخ القرأن ؟
    " كتاب الله في الأصل , وهو الأكوان جميعاً , وهو الانسان في المكان الاول لآن في الأنسان - جسمه وعقله - اجتمعت ايات الظاهر وايات الباطن .. يقول تعالى في ذلك ( سنريهم أياتنا في الأفاق وفي أنفسهم ) .
    جسم الانسان هو كتاب الله .. والقرأن المحفوظ بين دفتي المصحف والمقروء باللغة العربية , انما هو صورة لفظية وصوتية , وعلمية لهذا الكتاب العظيم .. و( المثاني ) انما تعني زوجين .. وأعلى الزوجين النفسان : نفس الرب ونفس العبد .. كما أن المثاني في القرأن تعني , المعنى البعيد عند الرب والمعنى القريب التي تدنى لتفهيم العبد " - تعلموا كيف تصلون - ص 3 و4 .
    ----------------------------
    *المصدر: العالمية الإسلامية الثانية


    http://www.balagh.com/mosoa/tablg/5q0oxqaq.htm
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 04:12 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    في الذكرى الثانية لوفاة المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد (التقييم: 0)
    بواسطة زائر في 3-12-1427 هـ
    الأخت الكاتبة
    رحم الله الأستاذ حاج حمد و غفر له زلاته و آجره على اجتهاداته. لا يمكن لأحد أن يبخس قيمة مفكرنا السوداني و تضحياته من أجل ما يعتقد، ثم سعة صدره و رحابة وجهه التي تعكس أخلاق و حكمة إخواننا السودانيين (عكس ما يحدث اليوم من حرب داخلية بينهم!). و لا يجد المرء في نفسه إلا التصاغر أمام إرادة الرجل في تعميق فكره و بث فكره و المجاهدة العنيدة في ذلك
    لكنني أجد في كتابة الأخت الفاضلة غمامة الهيمنة لفكر الأستاذ علي رأسها اختلط فيها العقل بالقلب و تغلب فيها فكر التأليه و التنزيه على النقد و عقلية الشيخ و المريد على فكر النقد و التشريح، و لعل موقف الاحتفاء هو الذي أملى نص المقال.
    أعتقد بأن لأعمال الأستاذ حاج حمد جذور و سوابق في أسس و منطلقات الباحث السوداني الراحل محمود محمد طه الذي كان أسبق في استعمال الرسالة الثانية من الإسلام و الذي أعدمه الرئيس النميري بتهمة الردة، و هو ما يحتاج إلى تحقيق و دراسة.
    كلما أرجوه من إخواننا بمدرسة أغادير أن يعقدوا ندوات لمناقشة فكر الأستاذ حاج حمد بما له و ما عليه و يدعو ا الأصدقاء و الخصوم على السواء و لا يسقطوا في نفس ما سقط فيها مناوئوهم من السلفية. فيصبحوا سلفيين بالمعنى اللغوي باتباع من يرونه سلفا.
    إنني شخصيا بحكم سماعي له لمحاضرتين و الاطلاع السريع على ما كتب -بسبب هموم التدريس و البحث العلمي- وجدت في نسيجه الفكري ثغرات لا تخفى على طالب علم و أكاديمي مبتدئ، استطاع أن يغطيها بالتلفيق الفكري البارع و الجامع بين المنطق والآيات القرءانية، و بين النص و التاريخ المكتوب، إني أتمنى من الله أن يلهمني و يقدّرني على الاطلاع الشامل على أعماله ثم وضع اليد على ما لم أستطع أن أستسيغه. و لعل زهدي فيما أنتجه الأستاذ الحاج حمد هو استحواذ اعتقادي بٍلَغْوية (من اللغو) الكثير منه من المنظور العملي و إحساسي بأنه طريق مسدود أو يؤدي إلى صحراء قاحلة من الضياع الفكري، مع اعتذاري الشديد لمريديه.
    أخوكم مصطفى حموش


    http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1634
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 04:15 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)




    مصرع القداسة على اعتاب السياسة
    هاني أبوالقاسم محمد
    [email protected]
    الحوار المتمدن - العدد: 853 - 2004 / 6 / 3


    الإهداء

    رسالة من القبر

    القبر بارد يا أمي أرسلي لي قميصا من الصوف..

    إلى هؤلاء الأحياء تحت الثرى … وأولئك الأموات الصابرين …
    كم مرة أوصيتكم أن يكون كفني هو العلم بألوانه الثلاث .. الأزرق، الأصفر،الأخضر –نيل يجري على الصحراء يحيلها جنة خضراء- ليس لأنني أحب هذا العلم فحسب ولكن لأترك مزيدا من القماش الأبيض ليكمل به بعض هؤلاء ثيابهم القصيرة.

    إليك يا أفلاطون…
    هل تذكر ذلك اليوم، عندما كنتم جميعا مقيدين داخل كهف. حين كسرت القيد لترى الحقيقة التي لم تر سوى ظلالها مطبوعة على جدران الكهف، هل تذكر حينما عدت لتخبرهم أن الحياة لديهم ليست سوى ظلال.. وأن عليهم أن يكسروا القيود لتتجلى لهم الحقيقة والحياة .. قتلوك عندها! لا بأس يا صديقي .. قليلٌ هم الذين كسروا القيد بعدك .. منهم من لم يعد .. أما الذين عادوا فقد قتلوا.

    إلى وطني …
    ما زلت أذكر مقولة سليمان عميرات .. لو خيرت بين الجزائر والديموقراطية، لاخترت الجزائر .. أما أنا فلو خيرت بين الوطن و … لاخترت الوطن حتما.

    إليكم أيها الكفرة …
    نعم حتى هؤلاء ، الذين لم يؤمنوا يوما بالحب .. لا تقتلوهم فإني لا أريد أن أراهم هنا.

    إليك أبتها الجميلة …
    أما زلت تعتقدين أنه ما زال للذكر مثل حظ الأنثيين؟

    إلى أبي …
    كانت صداقتك متعة لي ، وأنت يا أمي أرسلي لي قميصا من الصوف، لعلي أغطي هذا الجرح الذي ما زال ينزف منذ أن أطلقوا رصاص الجهل على عقلي فلم يصبه، فأطلقوا النار على قلبي.

    إليك يا أحلام …
    ما زلت أحث الخطى .. تاركا خلفي فوضى الحواس.

    ------------------------------
    ديباجة…
    لنا هنا وقفة قصيرة وهي ليست على أطلال الماضي ولا على منزل ليلى أو سعاد ولكنها وقفة على مفترق الطريق الذي نحن فيه، فإما السير إلى الأمام بخطوات واسعة دليلنا فيها بحث علمي ودرس متواصل وإما الرجوع إلى الوراء بخطوات أوسع …
    إن الصراع بين مختلف القوى في المجتمع يحتم على التغير الاجتماعي أن لا يتوقف أبدا، فإذا ما تباطأت قوى التقدم فالنتيجة الطبيعية هي الرجوع إلى الوراء. رغم أن قوى التخلف والرجعية لا تملك الكثير من أدوات التغيير في وجه القوى الحديثة إلا أن وجودها يصبح مؤثر جدا إذا ما تغيبت أو تقاعست القوى الحديثة عن دورها الفاعل وواجبها تجاه المجتمع.
    والحركة الاتحادية هي امتداد طبيعي للقوى الحديثة السودانية منذ نشأتها في مطلع القرن العشرين. سيرا منا في طريق الواجب تجاه الوطن وتجاه الفكر الذي نحمله وامتدادا لتلك المسيرة المستنيرة واقتباسا من نورها كانت لي هذه الورقة ..

    مدخل …
    إن الجدل الذي دار في الشارع السوداني حول إعلان القاهرة وما حواه من طرح عرف بعلمانية الخرطوم أعاد من جديد تسليط الضوء على قضية الدين والدولة. رغم ذلك لم يكن ذلك التسليط كافيا ليزيل الغمام الذي صنعه النظام حول القضية وبدلا من الرد الموضوعي أو النقد الفكري وجدنا أن النظام بدأ مباشرة في تزييف الحقائق وتلبيس الحق بالباطل .. بعد ذلك تسارعت الأحداث السياسية لتغطي على قضية الدين والدولة واتجه الشارع السوداني لمتابعة أوراق مشروع السلام -بتشعبه وكثرة أوراقه ووسطائه- بشيء من الحذر والفرح والخوف.

    الدين و الدولة …
    إن القيم الروحية مقوم أساسي من مقومات الثقافة في أي مجتمع. ولا يمكن لأي توجه تنويري أن يكون مجرد توجه رافض لهذه القيم. فالمحافظة على هذه القيم لا تتعارض أبدا مع ركائز الأفكار التنويرية بل إن هذه القيم تمثل سندا داعماً لبناء وامتداد القاعدة التنويرية. لكن الفهم المتحجر أو المتيبس لهذه القيم هو الذي تحاربه الاتجاهات التنويرية بمختلف مشاربها الفكرية. فالحرب إذا ليست ضد القيم في حد ذاتها كما يدعي أصحاب الفهم المتحجر من الأصوليين و العديد من أصحاب الاتجاهات الإسلاموية. لهذا فأننا نرى في الذين يتبنون مواقف رافضة لمجمل هذه القيم الروحية، حجر عثرة يقف في طريق المناهج التنويرية نفسها. وفي الطرف الأخر نجد أن الذين يرون في كل التجارب الإنسانية فكرا ضالا وافدا يتعارض مع القيم الروحية لمجتمعنا أو بعبارة أخرى يتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف كأهم مصدر من مصادر القيم الروحية في المجتمع السوداني، إنما يجهلون أن هذا الفكر إنما هو امتداد للفكر الإنساني الذي تأثر فيما تأثر بالإسلام و تلاقح مع الكثير من مفاهيم هذا الدين الحنيف. كما تأثر كذلك بالفكر اليوناني، الإغريقي والفارسي ومختلف المدارس الفكرية القديمة والحديثة. وقد رأينا جميعا كيف أن محصلة هذه التجارب والأفكار سمت بالإنسان فعلى سبيل المثال كيف أن الفكر الإنساني قد تخطى ودثر الرق والعبودية كمفاهيم تحط من قدر الإنسان.
    يقول الشيخ العارف محي الدين بن عربي: علماء السوء هم الذين أنكروا ما جهلوا وقيدهم التعصب عن مجرد سماع الآخرين وعن الإذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به. ويقول الإمام محمد عبده وهو أحد رواد الفكر التنويري في الإسلام "عندما بدأ الضعف يظهر بين المسلمين بسبب الجهل والجمود على القديم، حدث الغلو في الدين وثارت الفتن بين الناظرين فيه وسرت عدوى التعصب بينهم وسهل على كل واحد منهم لجهله بحقيقة دينه أن يرمي الآخر لأدنى شبهة بالكفر والزندقة وكلما ازداد جهلهم بدينهم ازداد نفورهم من العلم والنظر وساد فيهم الاعتقاد بالعداوة بين الفلسفة والدين" .
    كما أن الإسلام كرسالة سماوية أقر بالتجارب الإنسانية بل إنه وضع العديد من التشريعات والعبادات على أساسها فعلى سبيل المثال نرى أن الإسلام قد تبنى العديد من المفاهيم التي عمل بها العرب قبل الإسلام "كفضل يوم الجمعة والعناية بالإبل وتعدد الزوجات والاستجارة والجوار والاسترقاق والسبي والديّة" . هل نستطيع أن نتحدث عن علوم كالطب والفلك وغيرهما من علوم عند العرب إلا ابتداء من العصر العباسي؟ لماذا؟ السبب هو حركة الترجمة التي ازدهرت في العصر العباسي والتي عن طريقها عرف العرب ثمار العقليات الأخرى من علوم وفنون … إن الإسلام قد أطلق العنان للعقل، ولا يقيد العقل بكتاب ولا يقف به عند باب ويعطينا الشيخ محمد عبده مثالا .. فيما جاء في خبر من سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل السماوات والأرض؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: كان في عماء تحته هواء، والعماء عندهم هو السحاب. ويقول الإمام أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء أن العقل والدين شيء واحد، أحدهما أساس والأخر بناء فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان. فالدين الذي يوحد بين العقل والشرع لا بد أبد يكون منهاجه هو العلم نورانيا كان أم عقلانيا. ويقول الشيخ عبد الله بن المبارك: "كاد العلم أن يكون ثلثي الدين".
    كما أن الإسلام دين لا يعرف الطبقية الاجتماعية بل لا يعرف التمايز بين الناس إلا بالتقوى بالرغم من ذلك فقد اعترف الإسلام بطبقية واحدة هي طبقية العلم والمعرفة "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وقوله جل وعلى "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون".
    ويقول الشيخ محمد عبده في مقال له تحت عنوان"أصول الإسلام" أن الأصل الأول هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان وكيف أن القرآن أثبت وحدانية الخالق بالأدلة العقلية ((لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)) والعديد من الأدلة العقلية الأخرى. ويقول الأصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض ويقول أن في ذك طريقان الأول طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه والثاني طريق تأويل النقل حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. ويواصل الشيخ محمد عبده في الأصل الثالث قائلا بالبعد عن التكفير(وليس التفكير) ويقول إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان. أما الأصل السادس هو أن القتال ليس في طبيعة الإسلام بل طبيعته العفو والمسامحة ولكن القتال فيه لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله إلى أن يأمن شرهم. والأصل السابع أن الإسلام لم يوجب العداوة بين المسلمين ومخالفي عقيدتهم بل إنه أباح الزواج من الكتابيات وجعل من حقوقهن أن يتمتعن بالبقاء على عقيدتهن. بل أمر بمودتهم ما داموا ليسوا من أهل الحرب أملا وطمعا في هدايتهم.
    المقصود من هذا أن أشير إلى أن معالجة قضايا الإنسان في الحياة إنما تكون عن طريق المنهج العقلي وليس في ذلك مخالفة للشرع لأنه هو الذي أمر وأقر ذلك. وسيظل ابن رشد هو رائد المنهج العقلاني الإسلامي إذ يقول "أن الدين بالضرورة لا يضاد الحقيقة والبرهان العقلي، فان اختلف الدين مع العقل، فإن مصدر الاختلاف هو أن الذي يسمونه دينا إنما هو اجتهاد باطل أو تخريج فاسد للدين .. أو أن الذي يحسبونه علما إنما هو توهم أو خيال، ونحن نقطع قطعا بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فان ذلك الظاهر يقبل التأويل .. فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد عليه" .
    ويذكرنا التاريخ بالعديد من الحوادث التي تثبت أن تقديم العقل على النص ليس بدعة ابتدعها المفكرون في عصرنا هذا، فالسيرة النبوية تذكر لنا حديث الغامدية المحصنة التي زنت فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطبق فيها الحد فلم يطبقه إلا بعد أن وضعت حملها وأرضعته ووجدت من يكفله رغم أن النص القرآني لم يذكر ذلك. وإذا اعتبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم مصدرا تشريعيا حتى حين مخالفته للقرآن فلنا أن ننظر في التاريخ الإسلامي لنرى نماذج أوفر. فعمر بن الخطاب عليه السلام هو رائد تطبيق المنهج العقلاني حتى قبل أن يقول المنظرون بهذا المنهج فهو لا يرى في النصوص الشرعية قدسية بل يرى القدسية في القيم التي تعبر عنها تلك النصوص ومشهور عن عمر أنه رفع حد السرقة في عام الرمادة وهو عام فقر مر بالمدينة وكان بعض الناس يسرق ليطعم ويطعم أهله. وقدم خطبة الجمعة على صلاتها، فالجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق عليه السلام كانت تصلى ثم يجلس الناس للخطبة، وكذلك ألغى سهم المؤلفة قلوبهم وهم حديثي العهد بالإسلام بالرغم من النص الصريح في القرآن بأنهم يستحقون الزكاة. وكذلك اجتهاده حول مسألة الفيء الذي كان يذهب لآل الرسول صلى الله عليه وسلم والمجاهدين من الأنصار والمهاجرين فعندما اتسعت الفتوحات الإسلامية وكثر الفيء، قرر عمر أن يكون ذلك ملك للأمة أو الدولة لا كما أشار النص القرآني لأن جوهر الدين هو العدل والمساواة .. فوقف ضده العديد من كبار الصحابة وناصره يومها علي بن أبي طالب رغم سهمه في الفيء. أيضاً منع عمر بن الخطاب واليه على المدائن حذيفة بن اليمان كاتم سر الرسول صلى الله عليه وسلم منعه من الزواج بيهودية رغم وجود نص يحل ذلك إذ يقول عمر في كتابه لحذيفة : "إني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين". وكذلك أمر ابن الخطاب بعدم تطبيق حد الخمر على المقاتلين حتى يعودوا إلى ديارهم. وصادر عمر الأراضي التي لا يستثمرها أصحابها رغم الحديث "لا يحل مال إمرىء مسلم إلا بطيب نفسه" ورغم اعتراض أصحاب الأراضي إلا أنه مضى في حكمه حرصا على مصلحة الدولة والأمة.
    يقول ابن القيم"إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. فإذا ظهرت إمارات الحق، وقامت أدلة العقل ، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره" . ومهما كان المبرر العقلاني أو السبب الذي دفع عمر بن الخطاب لمخالفة النصوص القرآنية أو النبوية، حرصا على الدولة الإسلامية فإن ذلك لن يقودنا إلا لإدراك أن عمر بعمق إيمانه وقوته في الحق عمل بمنهج تقديم العقل على النص سواء كان النص من الكتاب أو من سنة المصطفى ليس لهوى في نفسه ولكن لأن العقل والمنطق يوجبان ذلك والدين يوجب ذلك على التوالي.
    أردنا من هذا العرض أن نؤكد أن فصل ظاهر الدين عن الدولة ليس بالنظرية الحديثة الوافدة إلينا من الغرب. فالفصل الغربي لسلطة الكنيسة عن كيان الدولة أتى بشكل قاطع وكلي في شكل ثورة حاربها رجال الدين الذين كانوا يتمتعون بتنفيذ السلطة الكنسية التي يرعاها الإقطاعيون والحكام في مقابل إيجاد سند ديني لسياساتهم القهرية المستبدة. أما في الإسلام فإن الدعوة إلى نظرة عقلانية للدين بدأت تظهر في صفوف رجال الدين أمثال ابن رشد والكندي وجمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده وقبلهم جميعا كان إمامهم هو عمر بن الخطاب. وقد أمنت على هذه الدعوة الكثير من الحركات التنويرية ويتضح هذا جليا في كتابات الكثير من الكتاب والمفكرين ورجال الدين والأكاديميين والمثقفين والقادة السياسيين في العصر الحديث أمثال: عرفات محمد عبد الله، محمد أحمد محجوب، روجيه جارودي، محمد أركون، فرج فودة، نصر أبو زيد، خليل عبد الكريم، علي شريعتي، محمود محمد طه، منصور خالد، محمد إبراهيم نقد، محمد أبو القاسم حاج حمد، حيدر إبراهيم. رغم تفاوت هذا المفهوم من مدرسة فكرية إلى أخرى إلا أن غالب هذه الاتجاهات الفكرية يرون أن التمسك بظاهر النص أو ظاهر الدين دون الاكتراث بالقيمة التي يقدمها النص إنما يجر مخاطر على الدولة وعلى الدين في المقام الأول.
    إن الحديث عن حزب إسلامي أو نهج إسلامي للدولة في الوقت الحالي لن يتمثل إلا في ثلاث صور الأولى أن تكون النظرة أصولية قمعية ديكتاتورية وهي مرفوضة أو أن تكون وصولية تسعى للوصول إلى رضا الشعب متلبسة لباس الدين زورا وبهتانا وهي مرفوضة أيضا. أو نظرة تحديثية كما يقول الصادق المهدي . وما زال أمام هذه درب طويل لأن هذه المناهج التحديثية ليست سوى مناهج فكرية جاهزة ألبست ثوبا أبيضا وأطلق عليها إسلامية.
    ويكمن الخطأ والخطر في تبني مفاهيم الدولة الإسلامية في نقاط عديدة منها أن هذه الحركات والأحزاب الإسلامية تبرر مواقفها السياسية باسم الدين، تارة بالتمسك بظاهر النص وتارة بتأويل النصوص الدينية بما يدعم مصالحها، فيما أن هذه المواقف لا تعبر سوى عن مصلحة هذه الجماعات أو الأحزاب وقد لا تمت إلى الدين بأي صلة. كذلك أن الحاكم يرى في نفسه جهة مفوضة من الخالق لتنفيذ سياسته التي شرعها (أي الخالق) ويرى في معارضيه السياسيين مجموعة من الخارجين عن أمر المولى عز وجل لأنه الممثل الشرعي والوحيد لهذا الرب في هذه الدولة وقد ظهر ذلك واضحا عندما اختلف علي بن أبي طالب عليه السلام مع معاوية بن أبي سفيان، حينما أشتد الخلاف بينهما حول قضية الحكم (السياسة). أنصار علي كانوا يقاتلون باسم الإسلام وكذلك فعل أنصار معاوية وكل فريق منهم كان يرى أنه يمثل وجهة الإسلام الصحيحة ويرى في الطرف الآخر خارج عن الخلافة الإسلامية المقدسة. وحدث أيضا أن قتل عبد الرحمن بن ملجم علياً إنقاذا -كما ظن- للمسلمين من التناحر والانقسام. كانت تلك الفتنة خلافا سياسيا لا دينيا أو شرعيا، فقد اجتمع علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن عباس ضد عائشة بنت أبي بكر وطلحة بن الزبير و الزبير بن العوام وفي الطرفين من هم مبشرون بالجنة. ونعلم جميعا أن هذا الصراع خسر فيه المسلمون الكثير من رجالهم الأشداء، كيف لا؟ وفيهم علي بن أبي طالب. حدث هذا مع رجال الصدر الأول من الإسلام -أفضل القرون- عندما زجوا بالدين في أزقة السياسة.
    وتستغل حركات الإسلام السياسي المنابر الدينية التي يتعامل معها الكثير من المسلمين باحترام شديد ويولونها في كثير من الأحيان الطاعة العمياء. مما يؤدي إلى تشويه العديد من المفاهيم الفكرية والمواقف السياسية دون وجود أي جانب عقلاني يدحض هذه المفاهيم أو المواقف لأن المتحدث في المنبر إنما يمثل الدين الذي شرعه الله –وهو في الحقيقة ينقل رؤيته أو رؤية حزبه إلى جمهور المصلين على أنها أمر الله-، على سبيل المثال في محاضرة ألقاها رجل من جماعة أنصار السنة في أحد المساجد، عن الفكر الإسلامي أعطى نبذة عن بعض المناهج الفكرية للمقارنة، منها الاشتراكية، تحدث قائلاً أن "الاشتراكية منهج فكري يدعو إلى الاشتراك في جميع أمور الدنيا وأن هذا المنهج دعا له كارل ماركس المفكر اليهودي وللأسف اعتنقه بعض عديمي الإيمان في عالمنا الإسلامي ومنهم من آمن بالاشتراكية لدرجة أنه يشرك رفاقه الاشتراكيين في زوجته" وتحدث عن الليبرالية قائلا "الليبرالية هي الحرية وهي المنهج الذي يدعو إلى حرية الإنسان وعدم عبوديته لكائن من كان حتى ولو كان الله، وتدعو الليبرالية إلى الحرية في جميع الأمور كحرية المرأة والحرية الجنسية … الخ" وفي النهاية نصح هذا الرجل الشباب بأن يبتعدوا عن هذه الأفكار الهدامة التي أعطاهم نبذة عنها، وكأنهم تعرفوا على حقيقتها. ومن الواضح ضحالة معرفة هذا الرجل عن هذه المناهج الفكرية التي ادعى أنه قدم عرضا لها. ولأنه رجل دين كان على الجميع أن يطيع أمر الله ويلتزموا بعدم الاقتراب أو الاطلاع على هذه الأفكار. فأي دين وأي منهج فكري هذا الذي يدعو معتنقيه أن لا يطلعوا على أفكار الآخرين خوفا أن ينقادوا خلفها؟؟ من المؤكد أن هذا المنهج يعي تماما ضعفه أمام حجة ومنطق هذه المدارس الفكرية فكان الحل الوحيد هو الهرب من المواجهة. ومن المؤكد أيضا أن العيب لا يكمن في الدين الإسلامي إنما يكمن في تفكير هؤلاء الذين يحرمون القراءة والاطلاع والمعرفة والعلم بدلا من قراءتها والرد عليها أو نقدها عقلانيا أو أيدلوجيا. ويدعون أن سلاحنا لمواجهة سطوة الغرب الاقتصادية والعسكرية والعلمية هو التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وهذا ليس تقليل من شأن الكتاب والسنة ولكن تقليل من شأن طريقة التفكير فكيف لنا أن نواجه حربا بأسلحة بيولوجية أو جرثومية ببنادق البارود أو الكلاشنكوف، يبدو هذا سخفا ومناقضة للواقع والمنطق. فلكي نحارب السطوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية يلزمنا السير في طريق العلم لكي تكون الحرب متكافئة وهذا لا ينافي تمسكنا بالدين بل أن ذلك ما يفرضه الدين علينا.
    وفي كثير من الدعوات التي تتبناها الجماعات الإسلامية، دعوة إلى الرجوع إلى دين السلف وإلى حال السلف الصالح، وهذا يخالف المنطق والعقل لأن حالنا لم يعد كحال السلف الصالح بل إن الدعوة يجب أن تكون لتطوير المنهج والفكر الإسلامي ودفعه إلى الأمام لا الرجوع به إلى الوراء ولهذا يبعث الله للمسلمين من يجدد أمر دينهم كما قال الحديث الشريف. ومن يسمع حديثهم يعتقد أن حال السلف كان جنة الله في أرضه متناسين أن السلف عندما اختلفوا سياسيا قتل بعضهم بعضا وقتلوا حفيد رسول الله وعقروا ناقة أم المؤمنين عائشة وقتلوا أول مسلم من الصبيان والراقد في فراش رسول الله ليلة الهجرة، وعذب حكامهم أئمة الفقه ورجال الدين لمجرد الاختلاف في رأي (نذكر كمثال لا للحصر تعذيب المأمون للإمام أحمد بن حنبل عليه السلام عندما اختلفوا حول خلق القرآن أم تنزيله) وسقطت دول السلف دولة تلو أخرى ليس لعدم صلاحهم أو لقلة معرفتهم بالدين ولكن لأنها محض سياسة … نحن لسنا في العالم الثالث لأننا أهملنا ديننا بل نحن مستضعفين لأننا أهملنا العلم والعقل والمعرفة والتجربة الإنسانية وهي نفس العوامل التي دفعت بالغرب إلى صفوف العالم المتقدم حين أخذوا بها وبقينا نحن في مكاننا إلى أن ندرك الحقيقة ونبدأ العمل. وهذه الدعوة ليست دعوة لترك الدين والعمل بالدنيا بل هي دعوة للعمل بالدنيا واستصحاب هذا الدين العظيم الذي يقدس العلم ويرفع الذين آمنوا وأوتوا العلم درجات. ونحن لا ننكر على من يفهم الدين ذلك الفهم المتحجر حقهم في أن يدعو لما يؤمنوا به ولكن الذي ننكره هو ادعاؤهم الحق في قسر الناس على اتباع ذلك باعتباره رسالة الإسلام التي لا معدى عنها ولا فهم للإسلام بسواها، وأن ما سواها هو الكفر والفسوق.
    ليس المقصود من هذا أن ألبس التنوير أو العلمانية ثوبا أبيضا أو أن أدعي أسلمتها إنما عملا بمنهج ديكارت القائل بأن جميع النظريات قابلة للشك المنطقي والمنهجي وإلى تحليلها وإعادة قراءتها ثم تركيبها ثم تطبيقها، حتى وإن كانت بديهيات أو مسلمات. وهذه بدورها لا تنطوي على ردة لأن الإسلام دين منطقي وعقلاني، فإذا ما أخضعنا عقلانيته للعقل فمن الطبيعي أن يتم تحليله وفهم أبعاده بصورة أفضل.

    صوفية الإسلام في السودان …
    التصوف علم يبحث عن الذات الأحدية، وأسمائه وصفاته وبيان مظاهر الأسماء والصفات وخفاياها ويبحث كيف الوصول إلى هذه الذات ومتصوفة الإسلام زادوا بيان حال وفضل ومعجزات وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وبيان فضل آله الطيبين وكذلك أهل الله من العلماء والفقهاء والمتصوفين وكيفية سلوكهم ومجاهدتهم ورياضتهم وبيان فضائل الأعمال والترغيب فيها. وربما كانت قصائد أبونا البرعي في مجملها تحوي هذا التعريف الذي لم أجد أفضل منه. ومن نفحات المتصوفة أن قال أحد العارفين: من كان نظره في وقت النعم إلى المنعم لا إلى النعمة، كان نظره في وقت البلاء إلى المبلي لا إلى البلاء فيكون في جميع حالاته غريقا في ملاحظة الحق، متوجها إلى الحبيب المطلق وهذه أعلى مراتب السعادة. ويقول الشريف الرضي: تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته لاحتجابها بأنوار عظيمة، وتحيروا في لفظ الجلالة كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين.
    ويقول الشيخ العارف الواصل محي الدين بن عربي المتوفى سنة 438 للهجرة:

    لقد صار قلبي قابلا كل صورة
    فمرعا لغزلان ودير لرهبان

    وبيت لأوثان وكعبة طائف
    وألواح توراة ومصحف قرآن

    أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه
    فالحب ديني وإيماني

    والحب هنا ليس حب قيس وليلى ولا حب جميل بثينة، بل هو الحب كقيمة في حد ذاته وهو حب العبد لله وحب الله لعبده .. الذي إذا جاءه بملء الأرض خطايا أتاه بملئها مغفرة ، وهو الحب الذي في قلب المسيح و قلب غاندي نحو الإنسانية والخير و الحق والجمال والمثل العليا، وحب الخير والحق والجمال إنما هو حب الله، وهو الحب الذي تحدث به أئمة الصوفية وتغنوا به. تذكرني هذه الأبيات بمقولة لمحمد أحمد المحجوب: إنما مثلنا الأعلى .. حفاظنا على ديننا الإسلامي وتمسك بتراثنا العربي مع تسامح شامل وأفق فكري واسع وطموح يجعلنا نقبل على دراسة الثقافات الأخرى.
    ويقول أحد الصوفية: إن الله خلق الإنسان على صورة أسمائه الحسنى فهو محل لظهور أحكام هذه الأسماء وصفاتها وقابل لتجليات الحضرة الربوبية، الإنسان هو العالم الصغير الذي فيه انطوى العالم الكبير وهو الكتاب الجامع والعالم الطبيعي صفحات لهذا الكتاب، يقول الله في حديث قدسي: "لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن".
    والمدارس الصوفية باختلافها كان لها الدور الأبرز في انتشار الإسلام في السودان، فقد اخترقت الحركات الصوفية الحواجز القبلية والإقليمية وتجاوزت بمسلكيتها الأخلاقية أطر التعصب ، وذكر الدكتور يوسف فضل في كتاب له عن الشلوخ، أن هناك العديد من الشلوخ نسبت إلى شيوخ الطرق الصوفية وتبعها مريدو الشيخ والمتبعون لطريقته وتشلخوا بها.
    كانت حملة عبد الله بن أبي السرح على دنقلا، بداية تعرض السودان للفتح الإسلامي ومع ذلك لم تتأثر حياة النوبة بالإسلام فقد عقدوا مع العرب اتفاقية البقط في دنقلا العجوز العاصمة المسيحية وقد ارتضى المواطنون فيها دفع الجزية للعرب. أما الذين اعتنقوا الإسلام فغالبا ما كان ذلك هربا من دفع الجزية لأن معظمهم عاد إلى ممارسة الطقوس المسيحية بعد ذهاب جيش ابن أبي السرح إلى مصر.
    وفي 1276 أرسل الظاهر بيبرس حملة أخرى قوية استطاعت هدم مملكة المقرة المسيحية وتدمير الكنائس في عاصمتها دنقلا العجوز. وهنا بدأ دخول العرب وبالذات الفارين من الحكم الأموي وأغلبهم كانوا من المتصوفة الذين دانوا بالولاء لعلي بن أبي طالب إبان حربه مع الأمويين في بداية دولتهم.
    اهتم الدعاة وجلهم من التجار والبدو الرحل والمهاجرين من الجزيرة العربية بنشر هذا الدين وهم ممن تنقصهم الثقافة الدينية العميقة فقد ركزوا على السمات العامة للدين دون التفاصيل المرهقة أو المقيدة .
    تكونت دولة الفونج بعد أكثر من 200 سنة بتحالف قبائل الفونج مع قبائل العبدلاب العربية الأصل ليشنوا هجوما على مملكة علوة -آخر المعاقل المسيحية في السودان- ودمروا عاصمتها سوبا حتى أطلق المثل (خراب سوبا). وإذا تحدثنا عهد دولة الفونج 1504-1821م وهي أول دولة أطلق عليها مسمى دولة إسلامية في السودان. فقد كان إسلامها لا يعدوا أن يكون اسميا فقط، إذ يقول محمد النور ود ضيف الله في طبقاته نصا يوضح علاقة السودانيين بالدين فيقول عن دولة الفونج أنه لم يشتهر في تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن ويقال أن الرجل كان يطلق المرأة ويتزوجها غيره في نهارها من غير عدة.
    بعد الاستقرار النسبي الذي حققته دولة الفونج اجتاحت الحركات الصوفية السودان بأكمله دون جنوبه ونهل السودانيون من تعاليمها بل فضلوها على المدارس الفقهية السلفية وكما يحلل ذلك محمد أبو القاسم حاج حمد قائلا كانت الصوفية (وليست الفقهية السلفية) هي التيار الوحيد القادر على تمثل واستيعاب الحالة الفكرية السائدة (قبل الإسلام في السودان) .. مفهوم الحكيم في الثقافة الإفريقية يسقط نقسه على شيخ الطريقة، دائرة الرقص تسقط نفسها على حلقة الذكر وما بها من إيقاع جماعي .. وعبر هذه الإسقاطات المختلفة تمثلت الصوفية في السودان أبعاد الروحية الدينية الإفريقية ثم استوعبتها في إطار الدين الإسلامي وتطورت بها إلى صورة فقهية أكثر تحديدا. فقد مدت الحركات الصوفية يدها فتناولت مفتاح الشخصية الإفريقية وهنا بالضبط فشلت تيارات السنية النصية وكان مقتل الظاهريين وفقهاء مصر في بداية دولة الفونج .
    وبعد استيلاء محمد علي باشا على مقاليد الحكم في مصر بدأ يمد عينيه إلى ما متع الله به الشعب السوداني من الأجسام والأراضي والكنوز وأرسل حملاته المسعورة لجلب الرقيق والخيرات حتى أسقط دولة الفونج في 1821م. وبدأت الدولة التركية السابقة كما يسميها السودانيين ولم يكن السودان وقتها بالنسبة لدولة محمد علي باشا في مصر سوى مصدرا للرقيق وأرض جباية للضرائب التي أنهكت كاهل المزارع والمواطن السوداني.
    أرسل السيد أحمد بن إدريس زعيم الأدارسة تلميذه محمد عثمان الميرغني الكبير سنة 1834م . من الطائف بالجزيرة العربية إلى مناطق غرب البحر الأحمر لينشر التعاليم الإسلامية هناك وقد لقي الميرغني حظا وافرا من القبول والمحبة والأتباع والمريدين هناك وتركز ذلك النفوذ الديني ما بين أسوان و دنقلا و أسرع الكثير من أهل النوبة وسلكوا طريقته. وانتشرت طريقته بعد وفاته بواسطة خلفائه وأبنائه لتصل إلى سواكن وكسلا وإرتريا و مصوع وجنوب غربي الحبشة. وقد عاصر الميرغني طوال حياته (1793م – 1853) صراعات الوهابيين السلفيين ذووا الفهم الحجري للدين الإسلامي، القادمين من الدرعية في نجد، ضد الحركات الصوفية وضد الأشراف في مكة والطائف و مختلف أرجاء الحجاز. وهذه الصراعات قد تكون أحد الأسباب الذي دفعت الإدريسي لإيجاد مناطق نفوذ غرب البحر الأحمر عبر تلميذه الميرغني لمواجهة الخطر السلفي الذي يتهدد الدعوة متمثلا في الدولة السعودية أو الحكم الوهابي السلفي النصي. والطريقة الختمية هي إحدى الطرق واسعة الانتشار في السودان ويبدوا واضحا أن الطريقة ومنذ دخولها السودان كانت معادية للاتجاه السلفي أو النصي المتحجر وهو السبب الذي أدى لدخول إمام الطريقة إلى السودان.
    وفي لبب وهي جزيرة بالقرب من دنقلا ولد محمد أحمد بن عبد الله سنة 1844م. فنشأ وترك صنعة أهله وكانت صناعة المراكب وأحب العلم الديني فدرس على يد العديد من المشايخ واشتهر بتقواه وورعه وزهده وحبه للخير ونصرته للحق. وفي شبابه تاقت نفسه إلى التصوف فتعلم عند الشيخ محمد شريف نور الدائم وهو أحد كبار قادة الطريقة السمانية في السودان ثم غادر إلى الجزيرة أبا ليكون مدرسة صوفية نهل منها أهل المنطقة واستقطبت الكثير من السودانيين.
    جمع الشيخ محمد شريف نور الدائم قادة الطرق الصوفية وكان فيهم المهدي، عارضا عليهم إنشاء سلطة بديلة للحكم التركي الذي أرهق العباد ظلما وضرائبا واستغلالا وتعذيبا، لكن الشيخ عبد المحمود نور الدائم اعترض على تلك الدعوة وكره هذا الرأي واعتبرها جريا وراء السلطة ووافقه العديد من المشايخ. ولهذا رفض محمد شريف دعوة المهدي إلى الدولة المهدية فيما بعد.
    وفي عام 1881م قال محمد أحمد بأنه هو المهدي المنتظر ودلل المهدي على مهديته بأحاديث نبوية ورؤية رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد أخبره بذلك كما دلل أيضا بأحاديث منقولة عن الشيخ ابن عربي والشيخ أحمد الإدريسي أستاذ الميرغني الكبير. وكتب ذلك إلى قادة الحركات والطرق الصوفية في أرجاء السودان وقام بزيارة بعضهم والتف عدد منهم حوله وتعلق أمل السودانيين في المهدي الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملأها الأتراك (التركية السابقة أو الحكم المصري التركي الذي بدأه محمد علي باشا) جورا وتعسفا وقهرا.
    والعديد من قادة الطرق لم يقبلوا الدعوة بصفتها خارجة عن الإطار الصوفي الداعي إلى الإصلاح بالتي هي أحسن. وقد كان قادة الصوفية في السودان يهربون من الحكم والسلطة كهروب الصحيح من المجذوم كما يقول حاج حمد. مع العلم أن المدارس الصوفية السودانية كانت تنهل من مصدر واحد ولعل كتاب الفتوحات المكية لابن عربي هو المصدر الأساسي لها. إلا أنهم اختلفوا حول قبول مهدية المهدي من عدمها وحول تسويس الحركة. وقد كانت دعوة المهدي التي تضمنت تكفير كل من لم يؤمن بمهديته سببا في إثارة الرأي ضده. كما أن المهدي انتهج نهجا دمويا لمحاربة أعدائه ومن لم يؤمنوا بمهديته مما أدى إلى المزيد من التباعد بينه وبين قادة الطرق الصوفية التي لم تنضوي تحت رايته.

    المثقف السوداني والمنهج التنويري …
    فارقت دولة المهدي الإطار الصوفي للدين وانتهجت نهجا راديكاليا شبيه بذلك الذي تلبسه الحركات السلفية حتى في أحكامها الفقهية، رغم أن قرارات الخليفة التعايشي الذي خلف المهدي المتوفى عقب فتح الخرطوم بأشهر، كانت قرارات في معظمها مأخوذة من رؤيته للمهدي أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو نبي الله الخضر في المنام وكان يدير أمر دولته بواسطة هذه التجليات الصوفية، إلا أن الفكر الصوفي لم يكن متمثلا في بنية الدولة المهدية الإدارية والتنظيمية والسياسية.
    ومع مرور الأيام تحولت أكبر الحركات الصوفية انتشارا في السودان الختمية والمهدية أو الأنصار إلى طوائف أكثر من كونها طرقا صوفية. وبدأ أرباب هذه الطوائف يخوضون المسرح السياسي في فترة الحكم المصري الإنجليزي فتارة هذا مع هؤلاء أو ذاك مع أولئك ليصونوا مصالحهم وأموالهم ونفوذهم في السودان. واصطدمت الطائفتان بعد ذلك بالقوى الحديثة الصاعدة في السودان لتقف الطائفية بجانب الاستعمار ضد القوى الحديثة التي تفاعلت مع الثورة الوطنية المصرية الرافضة للاستعمار. وبدأ المثقفون السودانيون ينتشون بانتصارات الثورة المصرية ويخططون ويحلمون لنظيرة لها في السودان فكانت جمعية اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف وهو ابن قبائل الدينكا الجنوبية.
    شنت الطائفتان حملات معادية للمثقفين ولجمعية اللواء الأبيض وثورة 1924. وقد كال حسين شريف رئيس تحرير جريدة حضارة السودان وهي الناطق الرسمي باسم علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي أي الناطقة باسم الطائفية والتي دعمها رجال الحكم البريطاني، كال رئيس التحرير للشعب الذي ثار بثورة 24 وانتفضت الخرطوم و بورتسودان و عطبرة. وكتب رئيس تحرير جريدة الطائفية تلك:إن البلاد قد أهينت عندما تظاهر أصغر وأوضع رجالها … إنها لأمة وضيعة تلك التي يقودها أمثال علي عبد اللطيف ..إن الشعب ينقسم إلى قبائل وبطون وعشائر ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ .. من علي عبد اللطيف هذا وإلى أي قبيلة ينتسب؟؟. ونسي الكاتب أن شرف علي عبد اللطيف ليس في انتسابه لقبيلة معينة بل في انتساب السودان كله لعلي عبد اللطيف. و حينها زمجرت الخرطوم وعلي عبد اللطيف في سجن كوبر وأخرجت أشعارها المخبوءة:
    ألا يا هند قولي أو أجيزي
    رجال الشرع أضحوا كالمعيز

    ألا ليت اللحى كانت حشيشا
    فتعلفها خيول الإنجليز

    وهكذا وقف المثقف في وجه الاستخدام المشين للدين الحنيف وكأنه يقول لا قدسية لمفهوم ديني يقف في وجه المنطق والعقل والوطن.
    واستطاع مد المثقفين رغم تشعبه وتخبطه الذي أراه طبيعيا، استطاع أن يجر الطائفية إلى مواقعه ليتبنوا النداء الوطني الداعي إلى حرية الشعب السوداني وجلاء المستعمر الأجنبي. ونظرة خاطفة إلى تاريخ استقلالنا تشهد بوطنية السيد علي الميرغني والإمام عبد الرحمن المهدي وكفى بالدموع شهيدا يوم رفع الزعيم إسماعيل الأزهري يدا بيد محمد أحمد محجوب، علم السودان ذا الألوان الثلاثة الأزرق والأصفر والأخضر، إعلان استقلال أمة كافحت وناضلت وبذلت من كل غال ونفيس من أجل حريتها.
    وهنا بدأ فصل آخر وهو دخول الطائفية إلى معترك السياسة السودانية وهو ليس فصل فحسب بل يلزمنا دراسة نفند فيها هذا الموضوع.
    مرت لتك الفترة وصراع الدين والدولة يدور في الخفاء فالمثقفين أمثال عرفات محمد عبد الله، أحمد خير، معاوية محمد نور ومحمد أحمد محجوب والهادي العمرابي وتوفيق صالح جبريل وأبناء مدرسة أبو روف الاتحادية الذين شكلوا جزءا هاما في جمعية ود مدني الأدبية والتي من خلالها أطلق أحمد خير الدعوة لإنشاء مؤتمر الخريجين. ومختلف الكتاب والأدباء الذين امتلأت صفحات مجلة النهضة ومجلة الفجر بكتاباتهم في الحرية وتحرير المرأة والقومية والاشتراكية ونقد العقلية التقليدية. وتبنت الفجر خط وطني متنابذ مع الطائفية والقبلية وساعيا بكل جهد لتمييز المثقف السوداني بمواقف الحداثة والتجديد.
    وليس أوضح من انفتاح المثقف السوداني على الثقافات الأخرى من سياسة طلاب كلية غردون في مواجهة قرار الاستعمار بإلغاء ألف وظيفة وتخفيض مرتبات الموظفين السودانيين فقد قرروا مقاطعة البضائع البريطانية وطالبوا المجتمع بمقاطعتها كما صاموا عن الكلام واعتصموا تماثلا مع دعوة غاندي القائمة على الكفاح السلمي والعصيان المدني. وانقسام مؤتمر الخريجين إلى قسمين أحدهم بقيادة أحمد الفيل والثاني بقيادة محمد شوقي. وقد سميتا مجموعتي الفيلست و الشوقست.. الشوقست أدانت الإضراب الذي تبناه طلبة كلية غردون خوفا من مزيد من البطش على يد الإدارة البريطانية وهرعوا إلى السيد عبد الرحمن المهدي ليقنع الطلاب بالعدول وكانت هذه أول بارقة لتبني المهدي لما سمي لاحقا بحزب الأمة. أما الفيلست فقد أيدوا الطلاب المضربين. بذلك اختار كل شق منهم درب مقاومته للمستعمر فقد مال الشوقست إلى الاستكانة والسلم أكثر حتى من دعوة غاندي أما الفيلست فقد جنحوا إلى المواجهة.
    وليس أوضح من أن الصراع كان قائما آن ذاك من مقالة محمد أحمد محجوب التي كان عنوانها "قضاء على حصون الرجعية" في مجلة النهضة والتي لقيت معارضة من أنصار الفكر التقليدي فكتب مواطن مقالة يصف فيها المقال بأنها كلمات محفوظة من بعض ملحدي الأمم الخارجة عن الأديان ويلقي اللوم على التعليم اللاديني ويوقع مقاله باسم رجعي من بورتسودان. وساند كاتب آخر من القضارف، رجعي بورتسودان في مقال سأل فيه الشباب عما جنوه من التعليم غير التفرنج والتقليد الأعمى قائلا وإن كانت هذه نتيجته بيننا ونحن الشبان فكيف تكون بين فتياتنا آلائي لم يهبهن الله عقلا؟ والله إنها لطامة كبرى.
    مصرع القداسة على أعتاب السياسة .. كان ذلك هو شعار الحزب الوطني الاتحادي ليأتي معبرا عن توجهاته الفكرية بكل وضوح، ولأرد به على كل الذين يتشدقون رغم جهلهم بأننا انحرفنا عن مسار الحزب. ولم يكن غريبا أن يكتسح الحزب في 1953م الانتخابات النيابية الأولى في تاريخ السودان بأغلبية مطلقة.
    أما بعد الاستقلال فقد عادت القضية إلى السطح بشكل واضح بالذات في الفترة التي تلت ثورة أكتوبر المجيدة. في خضم الحديث والنقاش حول دستور السودان. وشهدت تلك الفترة أكبر خطأ انتهجته الأحزاب في حق الديمقراطية والليبرالية السياسية باسم الدين، عندما كشرت جماعة الأخوان المسلمين عن أنيابها فرحة بل حق لها أن تحتفل عندما استطاعت أن تجر البرلمان إلى قرار حل الحزب الشيوعي وطرد أعضاءه من البرلمان وتبعها في ذلك الاتحاديون وحزب الأمة للمكاسب السياسية التي ستؤول لكل منهما. عندها خرج بيان اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ليثبت الطلاب وكعادتهم دوما أنهم صمام الأمان الوطني الذي يصون الديمقراطية وورد في لبيان:
    يا جماهير شعبنا لقد استطاعت بعض العناصر التي تقف في ضد التطور السلمي الديمقراطي لبلادنا أن تتسلل خلف شعار الدفاع عن الدين وتستغل هذا الحادث الفردي وتصور هذه القضية الأخلاقية كأنها نزاع سياسي ذلك لا لشيء إلا لضرب الديمقراطية وتصفيتها وكان أن خرجت مظاهرات تجوب شوارع العاصمة بتحريض من خطباء المساجد لا للدفاع عن الدين ولا لحماية البلاد ولا لحل مشاكلنا الخانقة بل فقط لمكسب حزبي رخيص وفرض طريق رفضته جماهير شعبنا منذ أكتوبر 1964. إننا نؤمن إيمانا جازما بأن الزج باسم الدين هي إساءة لمعتقداتنا لأنها تجعل من الدين مطية للأهواء والمطامع السياسية المنحرفة.
    والحادث الفردي الذي تحدث عنه البيان هو أن طالبا في معهد المعلمين كان قد أساء للإسلام وادعى أنه ماركسي. وبغض النظر عن كونه ماركسيا أم لا! فكما قال البيان هو حادث فردي أدى إلى طامة ديمقراطية في البلاد وتعدي على مفهوم الديمقراطية والليبرالية السياسية.
    وبعدها أتى نميري .. وبعد تخبط فكري وسياسي أتى ليطبق لنا قوانينه الإسلامية التي عزف الشعب حتى عن أن يسميها إسلامية فالإسلام منها براء، فسميت قوانين سبتمبر والتي صفقت لها الجبهة الإسلامية كثيرا لا لشيء إلا لأنها تعلم جيدا أن قوانينهم هذه لن تأتي إلا بالقوة ولن يقبلها الشعب السوداني بتعدديته وثقافته ووعيه. وأيضا أعادت الأحزاب الكرة مرة أخرى عندما أمنت للإمام نميري فعاد حزب الأمة بقيادة الصادق ليؤكد لنا أن الحديث عن منهج تحديثي مازال أمامه الكثير لكي يقف جنبا إلى جنب المدارس الفكرية الأخرى وكذلك فعل الميرغني. بقي الشهيد الشريف حسين الهندي ومعه جماهير الحركة الاتحادية ليشكلوا من جديد وبقيادة الشريف، الجبهة الوطنية الديمقراطية في نوفمبر 1979م، متحالفين مع القوى التنويرية أو اليسارية. ومن جديد جاءت الحركة الطلابية لتسجل شموخها فقد فاز التحالف الجديد في انتخابات جامعة الخرطوم في مارس 1980م، معلنين بذلك وقوفهم الصادق مع الديمقراطية رافضين أن ينخدعوا بأي شعار براق أو كذبة واهمة أو ينقادوا خلف القادة في اعوجاجهم الفكري ودخولهم في أزقة التاريخ والسياسة.
    وجاءت انتفاضة الشعب في 85م لتسقط الطاغية نميري وبعد عام من الحكم الانتقالي من جديد ترك المسرح للطائفية وكانت الجبهة الإسلاموية في صفوف المعارضة ريثما تحل مشكلات تنافسها مع الصادق المهدي حول شرعية التحدث باسم الصحوة الإسلامية وحول تبني نفس القوانين السابقة (قوانين سبتمبر) معدلة أو مستبدلة . أما الحزب الاتحادي الذي قاده مولانا محمد عثمان الميرغني عقب استشهاد الشريف حسين الهندي وهو في أوج حربه مع الطاغية نميري. فقد سار الحزب بموازاة الشارع السياسي ليخرج برنامج الحزب الاتحادي أيضا باسم الصحوة الإسلامية صافعا التوجه الفكري للحزب منذ نشأته ومنجرفا مع التيار السائد.
    أبرم الميرغني و قرنق اتفاق أديس أبابا في نوفمبر 1988م والذي قضى بتجميد قوانين سبتمبر وحل مشكلة السودان في جنوبه وعاد الميرغني ليستقبل بطلا في السودان، رغم تململ الصادق من الاتفاقية وخلافه مع الميرغني حول تنفيذها. وكان للصادق المهدي مبرران للاختلاف مع الميرغني والتحالف مع الجبهة الإسلاموية، الأول هو اعتقاده بأحقيته في حل أزمة كأزمة الجنوب نظرا لأحقيته وأهليته التاريخية لذلك والثاني أن برنامجه يدعو إلى صحوة إسلامية ويأتي تجميد قوانين سبتمبر عقبة في طريقها كما رأى. إلا أن الأمل لاح لجميع السودانيين. ففي فبراير 1989م وقع 29 حزب ونقابة (68 حزبا ونقابة كما ورد في الإنقاذ الأكذوبة .. الوهم - إسماعيل أحمد محمد ، وديع إبراهيم) على برنامج السودان الانتقالي والذي قرر التحضير للمؤتمر القومي الدستوري في 4/7/1989م. وهكذا كانت ستنتهي محنتان للشعب السوداني في آن واحد، حربه في الجنوب ومشكلة دستوره العالق منذ الاستقلال وكانت تلك الاتفاقيات محل إجماع الشعب السوداني ماعدا الجبهة الإسلامية القومية. لأن تلك الاتفاقية كان من شأنها أن تهدم الخطاب السياسي للجبهة الداعي للجهاد ضد زمرة الأوباش في الجنوب كما يقولون. وكان الانقلاب خيارا مصيريا للجبهة لأن عدمه يعني إنهاء الحرب ووضع دستور للسودان أي إنهاء وجود الجبهة في الساحة السياسية. وجاء الانقلاب على عجل حتى دون وجود خطة مدروسة للحكم بعده فعلى سبيل المثال بدأت بإحكام الرقابة على النقد إلى درجة تطبيق الإعدام بسبب التجارة في العملة لتتحول فيما بعد إلى سياسة السوق المفتوح والرأسمالية الفاضحة وكأن شيئا لم يكن. ولا حاجة لنا لتعرية النظام والحديث عن الانتهاكات التي قامت بها حكومة الجبهة باسم الإسلام وباسم إنقاذ الوطن فقد خبرنا سياسة بيوت الأشباح والتصفية الجسدية والمهنية والأكاديمية والاقتصادية… الخ. بالفعل لا حاجة لنا لتعرية النظام فهو يفعل ذلك بنفسه وإن ادعى جنوحه إلى الديمقراطية والتسامح والعدل في الفترة الأخيرة (كما يدعي) إلا أن الحق لا يقوم وأساسه باطل.
    لم يكن مشروع الإنقاذ سوى استكمالا لمسيرة الطاغية نميري أو بالأصح استكمالا لمسيرة الجبهة الإسلامية التي وسوست لذلك الطاغية إلى أن نصبته إماما وخليفة إسلام ووسوست له إلى أن أعدم الأستاذ محمود محمد طه الذي كان أيضا يدعو لنهج إسلامي تجديدي .. وأتت لتكمل مشروعها الذي وأده الشعب بانتفاضة أبريل. لهذا لم يكن غريبا أن تبدأ الجبهة بإعادة قوانين سبتمبر83 في 91م مرة أخرى وتعيد سياسية النظام العام على السلوك الشخصي والمظاهر العامة للمجتمع وتستمر في تعاطي إشكالية الجنوب بإضافة العنصر الديني، ضاربين بحق المواطنة عرض الحائط لينقسم الوطن إلى مسلمين وغير مسلمين. واستمرت حملت النظام لأسلمت المجتمع قسرا .. وكانت النتيجة طبيعية .. انحلال أخلاقي واجتماعي في ظل انضباط مظهري شوفيني .. ارتفاع ملحوظ في عدد حالات الإصابة بالإيدز في ظل تكتم من الأجهزة الرسمية.. تكدس رأس المال في أيدي رجالات الجبهة وتدني المستوى الاقتصادي للمواطن وإدعاء توفير كافة الخدمات والسلع رغم تردي أحوال المواطنين .. حتى الكهرباء التي صرنا ندفع ثمنها مقدما فإننا لا نجدها… كل ذلك وأكثر باسم الإسلام.
    وأتت حملت النظام التي شنها على إعلان القاهرة متناسيا تماما أن هذا ما احتفل به السودانيون قبيل الخاتم من يونيو 89م وأتى هو ليجهضه وليدعم الحرب لمزيد من الخراب ويجبر الشعب على حرب أصلا لا يطيقها ولا يريدها وما زال يبث دعواته باسم الجهاد ويسجل برنامج في ساحات الفداء لكسب المزيد من الشباب ليلقي بهم إلى التهلكة ويغرر بآمالهم وتطلعاتهم وعاطفتهم تجاه دينهم. ورغم ذلك اكتسح تحالف القوى الديمقراطية انتخابات جامعة الخرطوم حتى رغم حملات التكفير التي نالت بعض أعضاء التحالف، لكن الخطير في الأمر هو أن تنظيم أنصار السنة المحمدية حصل عدد مرتفع من الأصوات. وكان ذلك مؤشرا لتراجع الخطاب التنويري في الساحة هناك وهو ما دفعني بإلقاء هذه الورقة لإعادة تسليط الضوء على القضية.
    إن الذين يتحدثون عن أن نهج الإسلام السياسي في السودان هو سمة طبيعية في المجتمع السوداني إنما يجهلون أو يغالطون أنفسهم لأن تجربتي نميري والجبهة الإسلامية لم تطبقا إلا في إطار ديكتاتورية ترفض الآخر لأن وجوده يعني زوال دعوتهما. أو ربما أن السودان خلال عقدين من الزمان حكم بديكتاتورية إسلاموية أنست البعض من هو الشعب السوداني. والحديث هنا عن نهج الإسلام السياسي وليس عن الإسلام كقيمة روحية واجتماعية وأخلاقية في المجتمع السوداني. أقول هذا لكي لا أجد اسمي مدرجا في قائمة التكفير التي تبناها بعض الإسلامويون مؤخرا في الخرطوم وأهدروا دم عشرات الكتاب والصحفيين، لأنهم عجزوا أن يطلقوا رصاص الجهل إلى عقولهم فأرادوا أن يطلقوا النار على قلوبهم.

    -------------
    المراجع والهوامش:-
    - القيد الذي أدعو لكسره ليس قيد الدين..لأن الدين ليس قيدا أصلا .. إنما هو قيد التحجر والتخلف والرجعية التي تأتينا باسم الدين في أكثر الأحيان.
    - الهادي عثمان العمرابي - مجلة الفجر 1953.
    - الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية .. الشيخ محمد عبده.
    - الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية .. خليل عبد الكريم.
    - الشيخ أبو حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين المتوفى سنة 505 هـ.
    - د. منصور خالد . لا خير فينا إن لم نقلها.
    - النقل هنا هو النص أو ظاهر الشرع من قرآن أو سنة.
    - الشيخ محمد عبده .. الإسلام دين العلم والمدنية .. أصول الإسلام .. تحقيق د. عاطف العراقي
    - ابن رشد .. فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال
    - منصور خالد .. لا خير فينا إن لم نقلها.
    - أعلام الموقعين .. ابن القيم الجوزية.
    - الصادق المهدي .. الإسلام النظام العالمي الجديد .. إصدار مركز الإعلام الخارجي لحزب الأمة.
    - الكشكول .. الشيخ بهاء الدين محمد بن حسين العاملي المتوفى سنة 1031هـ.
    - حديث قدسي.
    - السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل .. محمد أبو القاسم حاج حمد.
    - مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي .. د. يوسف فضل
    - دولة الفونج أو سلطنة سنار أو السلطنة الزرقاء.
    - السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل
    - وهو من تنسب إليه الطريقة الميرغنية في السودان
    - الأدب الصوفي في السودان .. د. الطاهر البشير .. النص والترجيع من السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل .
    - السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل .
    - النهضة .. المصدر السابق
    - المصدر السابق.
    أرشيف ووثائق رابطة الطلاب الاتحاديين الديمقراطيين السودانيين – باكستان.
    الإنقاذ الأكذوبة .. الوهم – إسماعيل أحمد – وديع إبراهيم


    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=18911
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 04:22 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    محنة الإيمان المعاصر لدى حاج حمد


    يتضمن الملف ندوة نظمها الباحث العراقي طه جابر العلواني وآخرون بالقاهرة قبل أعوام لمناقشة بحث السوداني أبو القاسم حاج حمد «منهجية القرآن المعرفية وأسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية». كما توجد دراسة لحاج حمد عن «المبادئ التطبيقية لأسلمة العلوم». شاركت في الندوة أسماء إسلامية معروفة تكاد تجمع على أهمية الأفكار التي طرحها الرجل، لكنهم يجمعون كذلك على تعقيدها وتشابكها. لفت نظري في الندوة موقف محمد عمارة الأكثر وضوحاً وصرامة حيال حاج حمد، وجعلني أشعر بأن المواجهة بينهما تستعيد الصدام التاريخي بين الاتجاه النصوصي الظاهري حنبلياً وأشعرياً، والاتجاه العقلي والصوفي المتحرر في التعامل مع النص، رغم ان كلاً من الرجلين يحاول أن ينأى بنفسه عن هذا الانتماء الفكري. يقول عمارة في حديثه عن التفسيرات التي قدمها حاج حمد للنص القرآني، انها تفسيرات باطنية عرفانية. الأهم في موقف عمارة انه يدعو إلى قراءة جهود حاج حمد بوصفها ممثلة لمدرسة محددة تزعمها الشيخ السوادني محمود محمد طه (الذي أعدمه النميري بجريمة الارتداد)، وكتابه الشهير (الرسالة الثانية من الإسلام)، إلى جانب كتاب (العالمية الإسلامية الثانية) لحاج حمد (ص165). ويتهمه بأنه متأثر بالوضعية الغربية كما في تقسيمه لمراحل الوعي الإنساني. وبشكل إجمالي يأخذ عمارة على صاحبنا انه يدعو إلى تجاوز التراث وللسنة تحديداً، ويجد ان هذا لا يناسب ظروفنا كأمة فرض عليها القتال من قبل الغرب، وأمضى الأسلحة لهذه الأمة هو تراثها وحضارتها (ص169)؟



    أعتقد انه من غير المناسب مناقشة الملاحظة الأخيرة للدكتور عمارة، فهي ملاحظة سياسية ونحن نتحدث هنا عن أفكار علمية. خاصة وإنني لا أدري ان كانت (ظروفنا العسكرية) هي المعوق الأساسي لتجاوز التراث ونقده، أم ان لدى الدكتور مانعاً معرفياً موضوعياً. ولكن يهمني هنا التعليق على الصلة بين حاج حمد والراحل محمود محمد طه. لم أكن أعرف كثيراً عن الأخير حتى فترة قريبة حين حدثني عن أعماله بعض أساتذتنا، فقلت حينها ان حاج حمد في كتابه (العالمية) يذكر الرجل ويتبرأ منه ويدعو إلى تمييز عمله عن رسالة طه. يومها عدت إلى نص حاج حمد ثانية بعد ان اطلعت على نصوص طه نفسها[3] ولاحظت ان حاج حمد يظلم الرجل في سبيل تبرئة نفسه وهو استبق التهمة في الطبعة الأولى من كتابه (لاحظ ص115 من الطبعة الثانية) فراح يتحدث عن استقلالية منهجه وتميزه عن طه. وأقول ظلمه لأنه يصر في أكثر من مناسبة على ان الرجل يزعم انه يتلقى الرسالة الثانية للإسلام مباشرة من الله (العالمية، ص121و187). بينما لا نجد ما يرقى إلى خطورة هذا الزعم في نصوص طه أو تلك التي نقلها حاج حمد، وليس سوى حديث عن الشهود أو الكشف العرفاني المتداول بين المتصوفة على نطاق واسع. أحسب انه إنما تطرف في موقفه من الرجل إمعاناً في الدفاع عن نفسه، ورغم انني لا أود الخوض أكثر في هذا الموضوع، بيد ان انطباعي خلال قراءتي لأعمال طه وحاج حمد، هو ان الأخير يقدم نسخة مطورة بشكل متميز لأفكار محمود محمد طه، بفضل ما أتيح لحاج حمد من سعة اطلاع على الفكر الحديث تحديداً، الأمر الذي أدى إلى ظهور بعض الفوارق بينهما. يعرض حاج حمد عدة مبادئ تطبيقية لأسلمة العلوم، لكنه لا يتجاوز المفارقة القائمة في تحكيم نص جوهر قيمته قداسة الدلالة، على موضوع ذي طابع تكويني حقيقي، خاصة مع المجازات القرآنية التي يقرؤها بطريقة لا يمكن ان نستنتج منها قانوناً فيزيائاً[4]. كيف يمكن ان نطلق العنان لمجاز تمثيلي ليلعب دوراً في فلسفة العلم. ان حاج حمد يشترك في هذا مع الاتجاه السلفي الذي بدا أنه اختلف معه، كما ان هذا التوظيف للنص يتقاطع مع مقولة يتمسك بها حاج حمد كثيراً تقرر ان ثمة استلاباً لاهوتياً يوازي في خطره الاستلاب المادي الوضعي. بينما طريقته هذه في توظيف النص تفتح الطريق إلى استلاب العلم من خلال سيميولوجيا لاهوتية مكثفة. إذ ليس ثمة مبرر منطقي لاستدلالاته سوى المصدر الغيبي للدلالة بطابعها الافتراضي المجازي. ان ملاحظة طريقة الإمساك بدلالة النص تستدعي في هذا المجال لون التعامل المثالي الأفلاطوني بطابع تأملي صارخ يصلح ربما في مقاربة مفهوم في النقد الأدبي أو تصور لمعنى تجريدي، لكنه لا يمتلك قيمة كبيرة في نطاق المعرفة الرياضية أو فلسفة العلم والتفسير الاكتشافي، فهو على الأقل مما لا يمكن الاستفادة منه عملياً في مختبرات العلوم ومناهجها، ويظل بالتالي فرضية مجازية على أفضل التقادير، لا يمكن تقديمها كمبدأ في «فلسفة إسلامية للعلوم». سأتساهل مع نيتشه لو تحدث بهذه اللغة عن فلسفة الإرادة أو الفن، لكن من الواضح انه لا يحق لسارتر أو جبران خليل الحديث عن قانون فيزيائي بهذه الطريقة.



    لكن هذا لا ينفي أهمية الفكرة التي يود حاج حمد ان ينطلق منها في معالجته للنص القرآني. يقول: «ان من مهمات المنهجية المعرفية القرآنية ألا تتعاطى بعفوية مع عقلية التراث التفسيري الذي يستمد أصوله من الموروث التوراتي، الذي يستمد أصوله بدوره من الموروث الأسطوري البابلي، وإلا لاختلطت المعرفية القرآنية بأساطير الأولين وأغلقت دونها قدرات الوعي المنهجي». لكنني على الأقل، لم أجد عند حاج حمد في العديد من النماذج التفسيرية التي يقترحها، تجاوزاً منهجياً للنسق الأسطوري (المجاز، التخييل، التمثيل، التهويل)، مع انه يحاول أحياناً ان يتولى المصالحة بين التصور القرآني والعلم الحديث، وأحسب انه لم يعتمد خياراته ويفاضل بينها بوضوح، وهو ارتباك يعبر عن محنة الإيمان المعاصر وحيرته في آلية التوفيق بين المرويات الدينية ولغتها الخاصة، والمرحلة الراهنة من أداء العقل الإنساني. وغير بعيد عن أفكار حاج حمد، نجد الفيلسوف الإيراني حسين نصر مبشراً بنموذج «المعرفة والأمر القدسي» في حوار أجرته معه المجلة، وهو يستعير من التصوف مجازات يريد لها ان تبلور بديلاً لفلسفة العلم الحديث، ومعطيات ما بعد الحداثة التي يوظفها لنقد الحضارة الغربية.


    http://www.rifae.com/page.php?cat=13&id=25
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 03:35 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    حبابو عماد ... يا محمد عبد الرحمن العافيه اول ما قريت البوست ده فى الصباح قلته اطالبك بسحب كلمه جميل . لانه الحقيقه ما شفنا ولا سمعنا بجمهورى ما جميل تقول بنجروهم من الصندل . وقبلهم وحدهم ما بشبهوا الناس الثانيين لا بعرفوا مهاترات ولا لؤم ولا جشع ولا خباثه او مكر او حقد وقد يكون هذا سبب حسدنا لهم . والله يعلمنا منهم...ز
    التحيه ...
    شوقى ... شوقى بدرى

    http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=m...rd=95&msg=1103084589


    عماد بشري محمد احمد ...رجل بتهذيب المتصوفة وباخلاق

    الصالحين وبتواضع العلماء ، جمعتني به جامعة الخرطوم (كلية

    العلوم الادارية ) ، فكان نعم الصديق والرفيق ، قضيناها اربعة

    اعوام عجولة عجولة كانت ، كما البرق ذهبت ، وخلدت ذكريات

    بطعم الشهد ....

    رحبوا معي بتلميذ الاستاذ محمود محمد طه النجيب ، نختلف في

    الرؤي ونجتمع في عمق الالفة والمودة ، وفوق كل ذلك نجتمع في حب

    المصطفي عليه السلام ، فقد كان عماد بشري يحلق بنا في

    عوالم العرفان والانشاد النبوي الجميل ، انشدنا معه للنبي ولفاطمة

    الزهراء ، لابن عربي ولرابعة العدوية ، شربنا معه انخاب

    من الحب الالهي والنبوي الجميل ، ولم نخذله وانشدنا

    معه ايضا (شيء لله ياحسن ) ....


    رحبوا معي بالفتي الخلوق المهذب عماد بشري ، وافتحوا له

    الابواب ، فلمثله تفتح الابواب كيفما يشاء .....

    مودتي ...
    ===========
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 08:08 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    محمود محمد طه و تميمة الشفاء

    عبد الله الشقليني
    [email protected]

    (1)

    كتب الشاعر درويش :

    لملمت جُرحك يا أبي

    برموش أشعاري

    فبكت عيون الناس

    من حُزني ... ومن ناري

    وغمست خُبزي في التُراب

    ....................

    (2)

    وكتبنا :

    هذا زمان الطيف يُحْيي مَوات الأرض .

    هذا ربيع الصفاء ،

    يحمله الريح إلينا.

    يهُز جُذوع أشجارٍ

    لكَ تقرأ أسفاراً .

    تَمَهْلتَ الطريق إلى العُلا .

    مولدك المُنى يا سيد الغائبين ،

    يا عالياً في بُرجِك.

    اهتديت لتُهدي

    ومن ورائكَ الأحجارُ ،

    في تسبيحها حين تذكر رَبك ،َ

    تنظُرك َ بفرَح السُكون وتَبتهِج .

    (3)

    كُلنا لم نَعرفك حق عِرفانك إلا عند رحيلك الساطع ، حين توهج نجمك في ضُحى الجمعة العظيمة مرقتَ مروق السهم من بين أبناء جيلك. رميتَ القدح المُعلَّى وخير الطبقة التي أثرت من كدح الفقراء و من خير الزرع و الضرع .هُم تعلّموا وتيسرت لهم سُبل العيش الكريم وقليل منهم نذر حياته لرد الجميل .أنت مع القليل تبذُر للفلاح

    جئت أنتَ سيدي من بطن أمٍ ولدتكَ والمستعمر يدُق أوتاده سنوات من بعد كرري واستباحة أم درمان .

    (4)

    اعتاد العُباد على المحبس الفردي ففيه يتخفف المرء من أحمال الحياة ويبدأ التعميد من جديد.كنت سيدي من السباقين ومن بعد فك أسركَ الأول جلستَ جلوس المُخلصين للقراءة والتأمُل في رُفاعة وجَلَست معك المحبة تقرأ لك من الذكر الحكيم :

    {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء .....} فاطر28 .

    سألت ربك وانفتحت نعمة الفِكَر عليك . كان إيمانكَ هو القوي فتدفقت نُذر الخير مطراً مِدراراً. من هناك تفتَّح الذهن المُتقد واستبطنتَ التاريخ القديم والحاضر و وَلجتَ المُستقبل ونهلت من أعذب الموارد التي ينهل منها صِحابكَ المتصوفة وهم في الطريق . جلستَ للصفاء وحفرتَ بأظافر تقواكَ حتى انفتحت لكَ الآفاق .جالس أنتَ على بُساط الأرض . لباسكَ من لباس العامّة ومجلسكَ للعلماء مكاناً للترويح . فروحكَ السَمحة بوابة للنفوس العطشى لتغرف من الروح عندما يكون الإنسان مُتصالحاً مع نفسه .

    (5)

    لم تغب أنتَ عن رؤى الذين من حولكَ وكنتَ وسطاً مُبدعاً يرى العقيدة روحاً تُرفرف تُعيد للإنسان حيويته ومحبته للآخر . أوجزتَ رؤاكَ عن البدائل التي تحترم الفرد وتحترم الحرية . تحدثت عن علوم النفس البشرية وعن فكرتك غير المسبوقة في تأويل النصوص تمهيداً للفهم العميق للرسالة المُتسامحة التي احتجبتْ من ثِقل عظمتها عن عقول الذين عاصروا حياة النبوة ونَسَختها الشريعة فهي تُناسب أهل الزمن الماضي إلى أن جئتَ بنظرتكَ الثاقبة واكتشفت العقيدة وروحها بالتأويل، فكانت الرسالة الثانية .

    (6)

    عندما يجلس الذين ينتظرون الفيض الرباني عند الشروق أو المغيب تتبدى فتنة الشمس في ألقِ بهائها . تخرُج موجات تحت الحمراء لتُقِّوي الأجساد والأرواح . جلستَ أنتَ جلوس الصبر في خلوتكَ ساكناً مُتأملاً , دواخلكَ يصطخِبُ موجها وإلى الشواطئ تستريح . نهلتَ من زاد المتصوفَة و حيواتهم الضاربة في عمق التاريخ وهي تقول لك :

    ـ اركب رواحِلنا إن كنتَ ظمآن لترتوي .

    نهلتَ سيدي من الينابيع الصافية فخير الزاد التقوى . صبرت على الدُنيا وهي تُغريك بلباسها المُترَف ولم تستجب . على بساط الأرض حيث تدُب الكائنات تطلب رزقها جلستَ أنتَ تتأمَلْ .

    على وجهكَ كلما نظرنا يفتَّر بَسمك . عابدٌ أسعدته الدُنيا وغسلت نفسهُ من كل تاريخ الإنسانية الأسود وَعُدتَ طفلاً ملائكي الملمح والمشرب والمسكن والمسلك .ضرب ذهنك المُتقد الآفاق بأجنحة فراشٍ خُرافي يأمل أن ينظره ذو مِرِّّة حين يستوي على الأفق الأعلى . يلمحه بطرف ذاكرة النبوة حين تفيض على المُحبين . سِرتَ تطلُب الرُقي وكان النبي الكريم سائراً قبلكَ وعلى خطوه مَشيت .

    (7)

    على كفيكَ قمرٌ هُنا وشمسٌ هُناك ، تَحمَّل وجدانَك طريق المتصوفة بعقولهم النيِّرة . آن لمخاض الفتح المعرفي أن يكشِف الدروب التي تأمل أن ترتقي سُلم المجد الرباني . رحيلك البهي سيدي وأنتَ تتلألأ إشارة أن موعد التغيير قد حان أوانه . للذين يمشون على وقع الحافر من بَعدك ، عليهم خطوات لغسل ما تبقى من أثر غلظة ماضٍ ينتظر تثقيف السِنان برِقة الإنسانية .

    على الزهر الذي أينع في ذكراك تكوَّر الندى وتجمع السحاب في السماء يُظللنا من شمس الضُحى وهي تعتدل إلى الظهيرة .أفواج المُحبين والمندهشين جاءوا لوداعَكَ فالجلاد لم يكن في حُلة الرُعب يرتجِف مثل ما كان ذاك اليوم .أغمضَت الشمسُ أجفانها نذير عافيةٍ كصراخ الأمهات عند الطلق وإلى موالد الأنوار أطفالاً إلى المُستقبل و نفض العُقاب جناحيه وانتفض .

    أيها البهي الذي ينظرنا من العُلا : كنتَ تعُدّ العُدّة لتكملة النذر الذي نذرته على نفسِكَ و وهبتَ تلاميذك والقراء جميعاً مفاتيح كيف يرتقي المرء من أرضه وتُطل السماء بأنوارها علينا و تُزهر حقول الحياة .

    عبد الله الشقليني

    21 /10 / 2007 م

    اكتوبر 23 الفان وسبعة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 09:39 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)



    Last Update 23 اكتوبر, 2007 08:02:11 PM

    إلغاء عقوبة الإعدام بالسودان .. هل من ملتمس (1)

    عصمت عبد الجبار التُربي- سلطنة عمان
    [email protected]

    عقوبة الإعدام كعقوبة استئصالية هي أقصى عقوبة توقعها المجتمعات البشرية على الجاني, ويصادف العاشر من أكتوبر من كل عام الاحتفال باليوم العالمي ضد عقوبة الإعدام , لقد ألغت الولايات المتحدة هذه العقوبة لأول مرة في العالم عام 1786 ولازالت بعض ولاياتها تطبق هذه العقوبة, اليوم هناك 13 دولة افريقية ألغت هذه العقوبة كما ان بنين والمغرب أوقفت تنفيذ عقوبة الإعدام, بالطبع دول أوروبا كلها حوالي 27 دولة قد ألغت هذه العقوبة وبلغت عدد الدول التي ألغت هذه العقوبة في العالم 128 دولة ( المصدر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان )

    أما الدول العربية الوحيدة التي ألغت هذه العقوبة فهي دولة البحرين والمغرب وصلت الشوط النهائي لإلغائها , و كقانوني عملت داخل البلاد وخارجها في النيابة والمحاماة وعايشت من تبقت ساعات لإعدامهم وهم قابعون داخل غرفة (الليلة الأخيرة) فان يأس المحكوم عليه وخوفه يعديك مثل التثاؤب وتشعر بفراغ هائل وان قدميك لا تقويان على حملك وإذا رأيت الجلادين وهم يقودون المحكوم لنهايته المحتومة وقد انهارت قواه وهو يجرجرونه مثل حيوان قبل ذبحه لأدركت مدى وحشية هذه العقوبة , لذا آمنت بوجوب إلغاء هذه العقوبة غير الإنسانية وكتبت عدة مقالات في مختلف الصحف السودانية وجدت قريبا قصاصة لإحداها بتاريخ 7/7/1996 بجريدة أخبار اليوم السودانية الصفحة الأخيرة تحت عنوان (التحديق نحو الشمس) وفيها تنبيه لعدم إنسانية هذه العقوبة وطرق تنفيذها ومقارنة بين مصر والسودان في طريقة التنفيذ , وتقول منظمات حقوق الإنسان ان عدد ضحايا هذه العقوبة يقترب من الأربعة ألف شخص في العام .

    سأحاول في هذا المقال وما يليه توضيح حجج من يقولون بإلغائها ومن يقولون بإبقائها ورأي الشريعة الإسلامية في ذلك ونظرة لمستقبل هذه العقوبة بالسودان ومدى إمكانية إلغاؤها مراعياً الايجاز الشديد , أرجو بهذا ان أدير نقاشاً يشترك فيه من يرغب فالأمر لا يقتصر على القانونين فقط , وحبذا لو انتقل الحوار لدوائر الإعلام في السودان من مقدمي البرامج في الإذاعة والتلفزيون والصحف.

    لقد أثارت الدول الأوروبية ضجة بعد إعدام الرئيس صدام حسين وعدم الانضباط في تنفيذ العقوبة على برزان تكريتي حيث فصلت رأسه عن جسده وطار مسافة 30 متر , ونادت مجدداً بإلغاء عقوبة الإعدام في العالم كله.

    وهناك صراع فكري محتدم في الوقت الحاضر بين من يقولون بإبقاء عقوبة الإعدام وبين من ينادون بإلغائها , لقد أصبح إلغاء عقوبة الإعدام من الدستور هو احد شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي مثلا فهم يمارسون ضغوطا على تركيا لإلغاء عقوبة الإعدام إذا أرادت ان تدخل النادي الأوروبي .

    إذا فترضنا ان هناك جزيرة يعيش فيها شخصان واثر نشوب خلاف بينهما قام احدهما بقتل الآخر , فهل ننفذ عقوبة الإعدام إرضاء للعدالة فكما قتل يقتل , أم ان الأثر الاجتماعي هو الهام فطالما لا يوجد شخص آخر على الجزيرة فلا داعي لقتله , هذا سؤال فلسفي قديم .

    استندت معظم الآراء التي تطالب بالإبقاء على عقوبة الإعدام إلى اثر الردع العام الذي تحدثه هذه العقوبة فإذا كان الألم الذي تحدثه هذه العقوبة اكبر من اللذة التي يحصل عليها المجرم فإنه يكف عن ارتكابها.

    أما عند ((كانط )) الذي ابتدع نظرية العدالة المطلقة فإن الجاني يعاقب طبقا لما اقترفت يداه , فالجاني الذي يرتكب جرما خطيرا يؤدي إلى إزهاق أرواح الآخرين فإن اقل شي يمكن فعله تجاهه هو إزهاق روحه هو الآخر لتحقيق مقتضيات العدالة.

    وكثيرون يرون ان التكفير عن الجريمة هو الهدف الحقيقي للعقوبة ويعتقد الضمير الجماعي ان عقوبة الموت هي السبيل الوحيد لتكفير المجرم عن أفعاله .

    ويرى آخرون ان عقوبة الإعدام ضرورية لدفاع المجتمع عن نفسه ضد بعض الجرائم الخطيرة التي لا تحترم الحياة الإنسانية , ويضيفون حجة أخرى وهي قيام الدولة بإلغاء عقوبة الإعدام بصورة منفردة سوف تجذب مواطني الدول الأخرى المجاورين لها و لاسيما المجرمين منهم إلى النزوح إليها لارتكاب ما يشاءون من جرائم دون ان يتعرضوا للإعدام , ومن ضمن آراء المؤيدين للعقوبة ان إلغائها سوف يؤدي إلى إعادة النظر في بقية العقوبات الأخرى مثل السجن المؤبد والأشغال الشاقة كما يرون ان إلغاء العقوبة سوف يساوي في العقوبة بين الجرائم بغض النظر عن خطورتها كالسرقة وقطع الطرق - الحرابة- والحريق بظرف مشدد وهي جرائم كان يعاقب عليها بالسجن المؤبد فلا يتورع المجرم من ارتكاب جرائم أخرى مثل السرقة مصحوبة بالقتل ,ومثلا ماذا يضير مجرم محكوم عليه بالمؤبد من قتل زميل له بالسجن طالما انه يعلم انه لا جديد في الموضوع وسوف يستمر في السجن. (( انظر مؤلف د . ساس سالم الحاج, عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء ))

    وأخيرا يرى العديد من الباحثين ان التعاليم الدينية تبيح عقوبة الإعدام بل تطالب بتطبيقها وعدم إسقاطها ومن خلال التعاليم الدينية تستمد هذه العقوبة مشروعيتها فلا يستطيع المشرعون إغفالها أو إلغائها ما دامت التعاليم الدينية تنص عليها .

    أما القائلون بإلغاء عقوبة الإعدام فيرمون بسهامهم على عدة أوجه , سندهم الأول هو الدفاع عن الحياة نفسها واحترام الحياة الإنسانية مهما كانت النتائج , واقوي حججهم تتمثل في حصول أخطاء قضائية تؤدي بالمتهمين إلى حبل المشنقة دون ان يكونوا قد ارتكبوا فعلا الجرم المسند إليهم ورغم التقدم العلمي في مجال التحقيق الجنائي فان هذه الأخطاء تجد طريقها من حين لأخر , وتكمن المشكلة في عدم إمكانية إصلاح الخطأ القضائي المرتكب بعد تنفيذ الحكم الصادر على المتهم كما ان الإعدام بسبب الآراء السياسية يعتبر اكبر ثغرة في عقوبة الإعدام , ونحن في السودان قد عانينا من هذا , فمحاكمة المدنيين من قيادة الحزب الشيوعي السوداني أمام محكمة عسكرية عام 1971 ثم إعدامهم بعد ذلك أمر غير قانوني وكذلك إعدام الأستاذ محمود محمد طه بسبب أفكاره وآرائه كان جريمة القرن .

    ويذهب أنصار إلغاء عقوبة الإعدام إلى ان المجرم لا يفكر في العقاب الذي يوقع عليه , إذا عقد العزم على ارتكاب جريمة بحيث ان همه الوحيد يقتصر في هذه المرحلة على كيفية ارتكابها والطريقة التي يستطيع بموجبها إخفاءها بعد ارتكابها ان الردع الذي تحدثه عقوبة الإعدام ليس مطلقا ويتأثر به بعض الناس دون بعضهم الأخر , كما تقتضي قيمة هذا الردع دراسة حركة الإجرام في البلدان التي ما زالت تطبق عقوبة الإعدام وفي البلدان التي ألغت هذه العقوبة جزئيا أو كليا .

    ويذهب أنصار الإلغاء إلى التأكيد على ان معظم المجرمين لم تردعهم عقوبة الموت عن ارتكاب جرائمهم لان هناك دوافع عديدة قادتهم إلى ارتكابها دون حساب للعقوبة المنتظرة أو لأنهم يعتقدون في أنفسهم بأنهم يكونون بمنجاة منها , وأثبتت الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص ان هذه العقوبة لم يكن لها اثر في ازدياد الجرائم أو نقصانها , بل ان العكس كان صحيحا ففي البلدان التي ألغت عقوبة الإعدام جزئيا أو كليا تناقص فيها الجرائم الخطيرة .

    ان عقوبة الإعدام التي يخشاها الناس المحترمون الأسوياء الذين لا علاقة لهم بالجريمة أو العنف إلا أنها لا اثر لها بالنسبة للمجرمين ومرضى العقول وغير الأسوياء ومن هنا تفقد هذه العقوبة أي اثر لها وخصوصا وقد ثبت فعلاً انه عندما كان يتم تنفيذ عقوبة الموت علنا فإن الكثيرين الذين حضروها لم تردعهم عن ارتكاب جرائم القتل , وهذا النظر تؤيده أحكام الإعدام في إحدى الدول العربية التي تنفذ أحكام الإعدام في الأماكن العامة المفتوحة للجمهور نهاراً جهاراً بقصد الردع ويصل فيها ضحايا عقوبة الإعدام في العام عدد ضحايا حوادث السير مما أثار قلق منظمات حقوق الإنسان ومع ذلك لم تقل الجريمة .

    ان ما يتسم به عصرنا الحاضر من احترام متزايد لحقوق الإنسان طبقا للإعلانات الوطنية والدولية بخاصة ولاسيما في مجال المحافظة على حياته وعدم المساس بجسده ورفع أي تعذيب مادي أو معنوي يلحق ببدنه يشجع على المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام التي سيحدد حتما مستقبل بقائها أو إلغائها طبقا لاحترام حقوق الإنسان .

    ان أول من نادى بإلغاء عقوبة الإعدام هو ((بيكار يا )) صاحب نظرية المنفعة , (معاقبة المجرم إذا كان في ذلك منفعة للمجتمع( ووصفها بالوحشية وعدم فائدتها في القضاء على الجرائم ولم يناد بإلغائها بصفة نهائية ولكن طالب بالتقليل منها وحصرها على أفعال معينة ذات خطورة كبيرة وكان ذلك في القرن الثامن عشر .

    وهناك دول عديدة لم تلغ عقوبة الإعدام صراحة إلا أنها امتنعت عن تطبيقها ضمنا, فالمحاكم تنطق بها والتنفيذ لا يتم بموجبها واستخدام حق العفو ثم التوسع فيه لوقف تنفيذها.

    لقد كان أيضا للتعاليم المسيحية المتسامحة دورا كبيرا في إلغاء عقوبة الإعدام فالمسيح عليه السلام كان ضد عقوبة الموت وحواريه وأتباعه الذين نشروا تعاليمه من بعده سلكوا السبيل نفسه , اما الاسلام فلم ينادي بتطبيق عقوبة الاعدام وانما نادى بالقصاص في حالة القتل العمد والذي يمكن الاستغناء عنه بعقوبة الدية أي دفع تعويض في حالة تسامح اهل الضحية مع الجاني , اما في الجرائم الغير مقصودة فيكون الجزاء الدية فقط .

    ان حرمان المتهم من الحرية مدى الحياة كاف لان يدفع المجرم ثمن ما ارتكبت يداه , ويقول المحامي دريد بشراوي , ان قتل القاتل لا يعوض اهل الضحية خسارتهم الجسيمة لا تعوض ولو قتل القاتل لما بلسم ذلك الجراح ولا اعاد على اهل الضحية عزيزا مضى في لحظة قدر .

    ان التشريعات المتحضرة تنبذ فكرة الثأر , ان الغفران والتسامح هو وحده الذي يعيد راحة النفس لا الثأر ولا تشفي .

    اهل القتيل هم ضحايا لأنهم يتألمون بفقد حبيب غال ولكن بقتل القاتل نعمل على ايجاد ضحايا جدد يتألمون هم ايضاً بدورهم بسبب ما يلحق بسمعتهم من مس او اذى يصيبهم في الصميم وفي الكرامة وبسبب المعاناة التي سيلقونها تكفيراً عن جريمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل فلنوقف اذن القتل والقتل المضاد ( نواصل ) ...

    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-24-2008, 11:24 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    ورقة التوت
    سودانايل 27 اكتوبر 2007
    دفن الآباء أو الانتقام الفني من صورة الأمام المهدي

    خالد موسي دفع الله
    [email protected]

    أبتدر الأديب المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي علي صفحات الأهرام القاهرية سلسة مقالات حول النهضة والأنحطاط في ذكري الشاعرين حافظ وشوقي بمناسبة مرور ثمانية عقود علي وفاتهما.واستعرض حجازي في مقالاته ما أسماه ظاهرة دفن الآباء حيث ناقش بأستفاضة نظرية أدونيس في الأتباع والأبتداع،وتتبع نقده لأدباء عصر النهضة الحديثة خاصة شوقي وحافظ أبراهيم ، وهما حسب مقاييسه لا يعدوان أن يكونا مقلدين، حيث أن لغة شوقي حسب زعمه مشبعة بالكلاسيكية وتستقي من القاموس القديم وفيها صدي لديباجة المتنبي وصوره الشعرية. وحتي محاولته التجديدية نبعت من معارضته لخرائد القصائد العربية، كما أستهلك طاقته الشعرية في الأغراض القديمة الغارقة في المدح والوصف ، وأسقط ذات المعايير علي شاعر النيل حافظ أبراهيم. ولا أدري لماذا عمد الأديب حجازي الي محاكمة أدونيس وأسقاطاته النقدية بعد مرور ما يقارب الأربعة عقود علي كتابه المذكور الذي صدر عام 1969..ولا شك أن هذه الحفريات قد أرتقت بالهم الثقافي لمناقشة أخطر قضية ظلت تسيطر علي دائرة الجدل الأدبي وسط النخب المثقفة في العالم العربي.ألا وهي قضية الحداثة والأنحطاط والنهضة ودور الأدب في التعبير عن ملامح وخصائص هذه النهضة . وأضطر الأديب حجازي في مقالاته الي أستعراض فذلكة تاريخية متطاولة أشار فيها الي أن مصر ظلت لمدة 23 قرنا تحت الأستعمار الأجنبي ، أي أنها كانت فاقدة لشخصيتها الوطنية ، وأبداعها الثقافي المتوطن في وجدانها الأجتماعي . وبدلا من أن يناقش أدعاءات ومزاعم أدونيس عمد الي تفكيك الواقع التاريخي السابق للنهضة ..وقد شاع أن نهضة مصر الحديثة بدأت بأحتلال نابليون الي مصر ..وقيام دولة محمد علي حيث أزدهرت حركة البعوث العلمية والترجمة .. وقال أن النهضة تقوم علي شرطين الأول هو أكتشاف العالم والأتصال بحضارته مثلما فعل بعض المفكرين مثل أحمد فارس الشدياق في كتابه كشف المخبأ في فنون أروبا والطهطاوي في تلخيص الأبريز وخير الدين التونسي في أقوم المسالك.والشرط الثاني هو أحياء التراث القديم كما فعلت أروبا في أحياء التراث اللاتيني واليوناني .

    العودة الي التراث وأحياء الفنون القديمة كأحد شروط النهضة جاءت متلازمة مع حركة المقاومة الوطنية لأنها تشعل شرايين الثورة بالأدب المقاتل وشرارات الوعي الوطني...ويقف هنيهة مع أدونيس الذي يري أن حركة الشعر لم تعبر عن أصداء النهضة لأنها لم تنقل حركة الشعر من وضعها القديم الي موقف جديد متقدم..

    هذه الشنشنة التي تدور علي صفحات الأهرام تكتسب أهمية نوعية لأنها تناقش وتجادل في شروط النهضة وأسباب الأنحطاط، ولعل مما زاد أوارها هي النزعة الوطنية التي تلبست حجازي الذي عكف علي مراجعة الأطروحة النقدية لأدونيس بعد نيف وثلاثين عاما لأنه جرد مصر من دورها الريادي في قيادة النهضة ، وشكك في دور الطليعة والرواد من لدن البارودي وشوقي وحافظ حاملوا لواء نهضة الشعر الحديث.

    ظاهرة دفن الآباء عادت في أقوي صورها الي المشهد السوداني عبر الفن التشكيلي، وهو أقرب الفنون للأسقطات الأيديلوجية وتسنمت بعض التيارات الفكرية التي ترفض مسلمات التاريخ ، الدعوة لتبخيس أنجازات الآباء المؤسسيين للدولة السودانية الحديثة ، ولا شك أن هذا الشكل من التعبير الفني قد أستقي أفكاره المركزية من تيار الرفض الأجتماعي في تجلياته السياسية والثقافية والفكرية التي تري أن التاريخ المكتوب هو تاريخ زائف لا يعبر عن جوهر الحراك الأجتماعي ولا يعترف بالفسيفساء الديمغرافية التي أثرت التنوع التاريخي والمعاصر ، وأنكرت دور الفواعل الأخري التي تنتمي الي الهامش ، لذا فأن الراهن المعاصر هو تمثيل زائف للحقائق التاريخية ، وخيانة لصيرورتها الأجتماعية ، مما يستدعي أشتداد معاول الهدم الوطني وأعادة بناء وتشكيل الأمة السودانية علي قواعد جديدة من التصورات ، ولا يتم ذلك إلا بالتمثيل بصور الآباء المؤسسين للدولة السودانية الحديثة وأن دعا ذلك الي بقر بطونهم وتشقيق أكبادهم....

    ولعل أشهر من عبر عن هذا الخطاب بشكل صارخ هو الفنان التشكيلي خالد كودي الذي أكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة وأصقاع أروبا المختلفة لمثابرته الفنية وناشطيته السياسية، ومشاركته الفاعلة في معظم المعارض والفعاليات الفنية..وأعتماده علي تكنيك فني يستبطن في خطوطه والوانه تعبيرات صارخة وصادمة للوجدان السوداني..وهو تكنيك قديم أشتهر في منابر الجدل السياسي يقوم علي أحداث نوع عنيف من الصدمة تهز المسلمات والخبرة التاريخية المتراكمة وتقوم فلسفته علي السفور الفني الجارح وتعرية التاريخ الوطني وأسقاط لوازم ومقتضيات الستر الأجتماعي .

    علي ذات النسق شارك الفنان خالد كودي في أحدي مؤتمرات جمعية الدراسات بولاية بنسلفيانيا بعرض فني باذخ يحتوي علي عدة جداريات..وقد أبتدر معرضه الفني بعرض مبتكر رسم فيه القادة السياسيين عراة كما خلقهم الله من الرئيس البشير حتي رافع علم الأستقلال أسماعيل الأزهري، وأستثني من القادة عبد الخالق محجوب ونقد ومحمد عثمان الميرغني ومحمود محمد طه، وأبتدر عرضه مؤكدا أنه يبحث في تعرية التاريخ الوطني ، وأنه ينزع بلوحاته ثوب القداسة من الزعماء والقادة الذين خانوا وطنهم وشعبهم..وتوسطت العرض جدارية ضخمة للأمام محمد أحمد المهدي مع عدد كبير من النساء يشاركنه المخدع ويرقدن حوله ، و زين الجدارية بأوراق ووثائق من فترة المهدية السابقة..وفي التعريف بالمهدي قال أنه لم يكن بطلا قوميا كما حاول كتاب التاريخ أن يصوروه بل كان خائنا لوطنه ، و كان أكبر تاجر رقيق في المنطقة وأستدل علي هذا الزعم بالوثائق المنشورة في كتابات أبوسليم عن تاريخ المهدية و أملاك بيت المال الذي كان يحتوي علي سجلات بعدد وأسماء الرقيق في زرائب الأبيض وام درمان وغيرهما..وعن وجوه النساء في اللوحة الجدارية قال أن المهدي كان عاكفا علي الأستمتاع بملذاته الحسية وله أكثر من 100 عشيقة ،يتساقطن علي فراشه مثل فراشات النار ..وقال مذكرا أنه أراد فقط تعرية التاريخ الوطني وسحب ثوب القداسة عن أجساد زعمائه وقادته ، وأختتم عرضه بما أسماه النموذج الأمثل للأنسان السوداني وهو أنسان الهامش ..وكل ما عداه هباءا منثورا..ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أصور حجم الصدمة لدي زوار المعرض من الأمريكيين والسودانيين، ولعل تلك الصدمة الشعورية هو ما أراده الفنان فعلا..

    لقد لمست أتقانا فنيا بديعا في الخطوط والألوان والفراغات ، ولكن صدمني التهريج الفني الذي يتكئ علي فكرة فوضوية تزعم أن فكرة تعرية التاريخ تعني التعرية الحسية للجسد، إذ بأمكان الفنان المبدع أن يعري التاريخ دون تعرية الأجساد ، لأن تعرية التاريخ هي فكرة ملهمة تستعلي علي الترميز الفوضوي ويمكن التحليق بها في فضاءات رحيبة من الالهام المبدع..دون أن تسقط في وحل الهجائية والريطروقيا وله أن يسكب عصارة أبداعه علي أدانة كل تاريخنا الزائف ، وأن ينتقد بروية وحصافة كل الصيرورة التاريخية للأنسان السوداني ، وأن يسلخ جلد التجربة السياسية وله حق نصب المشانق الفكرية والثقافية لأدانة رموزها وسدنتها ، و ذلك نقد مبدع ومشروع ومحبذ وسط النخب المثقفة..ولكنني أقف بقوة ضد التمثيل الفني بصورة الأب المؤسس للدولة السودانية الحديثة founder of the nation و ضد أن تبقر بطنه وتلاك كبده في فضاء التاريخ وعلي رؤوس الأشهاد..بل وتمتد الأدانة لينكر جهاده البطولي الذي شهدت به الدنيا ، لا بل و أن تنكر دماء الشهداء الذين صنعوا لنا العزة والمجد والسؤدد.والآن ماذا تبقي لنا في تاريخنا الوطني..الذي بدلا من أن يكون مداعاة للفخر ، يراد لنا أن نطأطئ رؤسنا خجلا من خيباتنا وعارنا لأن الأمام المهدي تاجر رقيق وزير نساء.

    بهذه اللوحة تطل علينا ظاهرة دفن الأباء بصورة أكثر شراسة مما عهدنا ، بل وتمتد لتمس وجدان الأمة وترسم جرحا غائرا في عصب التاريخ و تستصرخ كل مسلماتنا التي عكفنا عليها بأظافرنا نحتا ورهقا..ولنا أن نجدد السؤال كما أفترعه أحمد عبد المعطي حجازي لمصلحة من يتم دفن الآباء... فالأمام المهدي لم يكن طائشا نزقا يستخدم السيف لأشباع ملذاته الحسية ولم يكن تاجر رقيق يشيد الدور ويكنز الذهب والفضة ، بل كان مجاهدا ، ومجددا وقائدا وفقيها وثائرا وبطلا قوميا وأبا مؤسسا للدولة السودانية الحديثة..

    هذه ليست أدانة شخصية للفنان خالد كودي الذي يختزن طاقة أبداعية هائلة ، وأداة فنية باهرة ، ويملك عصا الأدهاش بريشته وخطوطه والوانه في رحلة بصرية ساحرة ولكنها أدانة جمعية لمدرسة هذا التعبير الفني و التيار الفكري الذي يمارس الهدم الوطني ويجترئ للتمثيل بصورة الأمام المهدي ويغرس خنجر الأنتقام الفني في قلب تاريخنا الوطني ،لأن هذه الأطروحة الفنية هي أصدق تعبير عن التيار الفكري العامل لنسف الدعائم الوطنية والمسلمات التاريخية والداعي لتفكيك السودان وأعادة تشكيله من جديد لأنه حسب زعمهم ما يزال في مرحلة سيولة وتشكل ولم يصل الي مرحلة الصلابة النهائية،، فلا بد من مواصلة الهدم الوطني الذي لا يستقيم إلا بهدم فكرة مؤسس الدولة السودانية الحديثة والقائها في مذبلة التاريخ..ومرة أخري نجدد السؤال لمصلحة من يتم دفن الآباء

    _________________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-25-2008, 00:31 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    عبدالله عثمان
    جامعة اوهايو
    [email protected]

    مما يؤثر عن الأستاذ محمود محمد طه أن رجلا قد رآءه على أيام خلوته مرتديا ثيابا لم ير ذلك الرجل أنها ترقى لمستوى "الغردونى" الذى فى ذهنه، فلما رأى الأستاذ محمود منه ذلك أجاب على حيرة الرجل بـ :

    إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل!!

    وقد رأته حفيدة له بلباس السجن الخشن فى كوبر فتأثرت لذلك فسرى عنها أن هذا أشرف وأحسن لبس، ذلك لأنه إنما لبسه لأنه وقف وقفة الحق فى وجه السلطان الجائر فأكتسى بذلك الهيبة والجلال.

    كانت خلوة الأستاذ المعروفة بعد حادثة "الخفاض الفرعونى" الشهيرة فى رفاعة والتى حبس فيها الأستاذ محمود لعامين ثم لما خرج قال أنه رأى أن الناس تجعجع "فى أمر الدعوة للإسلام" فلم تطب له نفسه أن يجعجع فاختلى بها ليعرفها ويعيش فى سلام معها وينشرها للناس وقد فعل.

    وبعض ما عناه الأستاذ بـ "الجعجعة" هو أن الناس لا تفعل ما تقول ولذا فقد قال قولته المشهورة عن أن الإنجليز قد تخرج اليوم أو غدا ثم لا نجد أنفسنا أحرارا ولا مستقلين وانما استبدلنا الإنجليز بسودانيين فى أسلاخ "إنجليز"، وقد كان، فقد تدّثر الناس للناس بالصوف اللانكاسترى الفاخر، ولا يزالون، ثم هم بعد يخاطبون، وفى درجة حرارة قد تصل لخمس وأربعين، بذلك اللباس، أناس قد إهترأت "عراريق" الدمورية منهم!! وقد يستشهدون لهم بعدل عمر ويمنونهم بدولة عمر!!

    وقد لاحظ حامد درار – باحث سودانى فى شئوون الغذاء – أن الصفوة المتعلمة بعد خروج المستعمر قد نحت للتشبه بالمستعمر فيما يخص الطعام فأختفت "الكسرة" من موائدهم وحل محلها الخبز الأفرنجى. ويمكنك أن تقيس على ذلك الملبس والمسكن وما الى ذلك.

    وتأسيسا على ذلك، فقد كان من الواضح أن تلك الصفوة "الغردونية" قد خلقت وقتها حاجزا بينها وبين السواد الأعظم من السودانيين، إذ يتأفف السودانيون بطبعهم من مخالطة "الما متلم" فى "البساط الأحمدى" ولكن يقول حسن مكى ويقول غير حسن مكى أنهم كانوا يجدون "لقمة الكسرة" عن الأستاذ محمود محمد طه، أى كان منزله مفتوحا ويجيئه كل الناس بلا موعد. كان الأستاذ يقول أن يوم الويكاب دة يوم عيدنا!!

    ودعوة الأستاذ محمود الدائمة لـ "ساووا السودانيين فى الفقر الى أن يتساووا فى الغنى" عاشاها لحما ودما فلم يتميز عليهم فى شىء وقد نعى على رجال الدين تميزهم على عامة الشعب بملبس خاص اتخذوه لأنفسهم بل أنه ذهب ليبين لهم أن ليس فى ديننا شىء اسمه "رجال دين" وانما هذه بدعة أتتنا بعد أن حلت بنا النذارة "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه!! قالوا: أاليهود والنصارى؟؟ قال: فمن؟؟!!" ولقد تميز رجال الدين عندنا بما تميز به أولئك طمعا فى حظوة دنيوية تميزهم عن سائر الشعب بل أنهم ذهبوا لأكثر من ذلك وتجلببوا للإنجليز بكساوى الشرف التى أنعم بها عليهم لجليل خدماتهم له وقد نعى عليهم الأستاذ محمود ذلك وأسماها لهم "كساوى عدم الشرف"

    وقد خرج علينا مؤخرا قنصل سودانى بسفارة السودان بواشنطون مستنكرا كيف أن الفنان السودانى خالد كودى قد رسم لوحات لزعماء سودانيين عراة ولم يكن بين أؤلئك الزعماء الأستاذ محمود محمد طه!! عجبا لهؤلاء القوم فهم وكدهم أن ينفوا عن الأستاذ محمود "الزعامة" وأن يسقطوه من ذاكرة الشعب السودانى ولكن أن يأتى أحد ليبوئى الأستاذ مكانة سامقة يستحقها وأكثر ذهبوا يقولون (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الـ ....)!! هذا ديدنهم فى الكيل دائما بعدة مكاييل وعهدهم أنهم يطففون الكيل، فالأستاذ محمود لم يجرد من شىء يتدثر به لأنه ببساطة لم يتدثر بشىء لا يستحقه، ومن يطمع فى عراقى وهو يلبس أحسن منه!!! فالأستاذ محمود رجل قد اتسقت سيرته مع سريرته خيرا وبرا بالأحياء والأشياء لذا لن تجد فيه ما يشين الا لمقلة ترى النور ظلاما!!

    أولئك الناس الذين تلفعوا للناس بفاخر الثياب إنما تلفعوا بذلك على حساب نساء تأكل لحى الأشجار فى دارفور ورجال تقرحت أكبادهم لأنهم لا يجدون ما يأكلون لذا فهم عراة لأنهم قد تدثروا بدثار غيرهم وأنه "ما أغتنى غنى الا بجوع فقير" وقد طالب الفقراء بحقهم الآن فانتزعوه منهم!! ولكن الأستاذ محمود قد شارك "الفقرا" نبقتهم بل وقد آثرهم بها على نفسه وبه خصاصة ولذا فسيكسوه الناس كساء العز والشرف وقد قال هؤلاء الفقراء:

    الناس فى العروض ما تقيسا بى تبانا ما يغرك لباسم والعروض عريانة

    ============
    نقلا عن سودانايل 29 اكتوبر 2007


    الأستاذ محمود محمد طه: كل رداء يرتديه جميل
    ____________
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-25-2008, 00:31 AM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    الامام المهدي والفنان التشكيلي

    أجهل بالتاريخ أم جلد للذات بعد الانهيار

    د. عبد الله محمد قسم السيد السويد
    [email protected]

    ليس بغريب في حاضرنا الردئ والغريب أن يطل علينا بين الفينة والأخرى بعض الباحثين عن الشهرة ويطرقون أبواب التاريخ بحثا عن أقصر الطرق لتلك الشهرة فيجدونها في التشنيع بهذا الرمز أو ذاك الثائر وقتل شخصيته بهتانا وكذبا وافتراءا حتى وان مات جسدا. فهناك كاتب الآيات الشيطانية وهناك راسمي الكاريكاتورات وغيرهم ولكن الانسان السوداني المبدع كان بعيدا عن هذا المسلك حتى جاء الفنان خالد كودي في أحدي مؤتمرات جمعية الدراسات بولاية بنسلفيانيا كما يقول الكاتب خالد موسى في سودانايل، لينزع كما يقول ثوب القداسة من القادة في تاريخ السودان. ولكنه في حقيقة الأمر وكما جاء في لوحاته يسعى لهدم أسس المجتمع السوداني وسماحة الروح فيه والتي تقوم عليها أركان الدولة في السودان وبذلك ينهد البيت على من فيه بعد أن انهد في بلاد الصقيع الممثل للرمز والقدوة.

    في مقال له عن الفنان التشكيلي خالد كودي الذي يعمل جاهدا لقتل الشخصية القيادية في السودان خاصة المنتمية الى الثورة المهدية بما فيها قيادة تلك الثورة المتمثلة في الامام محمد احمد المهدي، تناول الكاتب خالد موسى اتهامات خالد كودي لثورة السودان الأولى في أفريقيا والعالم العربي وآسيا الصغرى والكبرى بقوله "..وقد أبتدر معرضه الفني بعرض مبتكر رسم فيه القادة السياسيين عراة كما خلقهم الله من الرئيس البشير حتي رافع علم الأستقلال أسماعيل الأزهري، وأستثني من القادة عبد الخالق محجوب ونقد ومحمد عثمان الميرغني ومحمود محمد طه، وأبتدر عرضه مؤكدا أنه يبحث في تعرية التاريخ الوطني، وأنه ينزع بلوحاته ثوب القداسة من الزعماء والقادة الذين خانوا وطنهم وشعبهم..وتوسطت العرض جدارية ضخمة للأمام محمد أحمد المهدي مع عدد كبير من النساء يشاركنه المخدع ويرقدن حوله، وزين الجدارية بأوراق ووثائق من فترة المهدية السابقة..وفي التعريف بالمهدي قال أنه لم يكن بطلا قوميا كما حاول كتاب التاريخ أن يصوروه بل كان خائنا لوطنه ، و كان أكبر تاجر رقيق في المنطقة وأستدل علي هذا الزعم بالوثائق المنشورة في كتابات أبوسليم عن تاريخ المهدية و أملاك بيت المال الذي كان يحتوي علي سجلات بعدد وأسماء الرقيق في زرائب الأبيض وام درمان وغيرهما..وعن وجوه النساء في اللوحة الجدارية قال أن المهدي كان عاكفا علي الأستمتاع بملذاته الحسية وله أكثر من 100 عشيقة ،يتساقطن علي فراشه مثل فراشات النار ..وقال مذكرا أنه أراد فقط تعرية التاريخ الوطني وسحب ثوب القداسة عن أجساد زعمائه وقادته ، وأختتم عرضه بما أسماه النموذج الأمثل للأنسان السوداني وهو أنسان الهامش ..وكل ما عداه هباءا منثورا.[1] هذا النص والذي قال به الفنان خالد كودي لا يحكي فقط عن الخواء الفكري والجهل الفاضح الذي يتحلى به فنان "السودان" بتراث وتاريخ السودان وهو يعمل كما يقول لتعرية التاريخ الوطني ولكنه بجانب ذلك يحكي عن حقد دفين وسوء نية لكل ما ينتمي الى هذا الشعب الكريم الأبي الذي يعمل على تنقية تاريخه. كان على هذا الفنان الجاهل بتراث هذا الشعب أن يقرأ عن ملابسات وأسباب انفجار ثورة السودان بقيادة الامام المهدي وأن يقرأ عن هذه الشخصية الفذة في التاريخ البشري الحديث من ناحية الطهر والنقاء والتقوى. كان عليه أن يقرأ كيف استطاع هذا الثائر كما سماه الكاتب والمؤرخ القدال، وأنصاره أن يزحف نحو الخرطوم وهو ينتقل من نصر الى نصر حتى تحقق له استقلال السودان. أهم النقاط التى احتوتها الفقرة أعلاه من حديث هو قوله لا فض فوه أنه لم يكن بطلا قوميا كما حاول كتاب التاريخ أن يصوروه بل كان خائنا لوطنه، و كان أكبر تاجر رقيق في المنطقة فما معنى الوطنية لديه ان لم تكن العمل الدؤوب المتواصل من أجل الوطن والمواطن وتقديم النفس والنفيس من أجل عزتها وكرامتها؟؟ ومن أين أتى ياترى هذا الفنان بأن الامام المهدي كان أكبر تاجر رقيق في المنطقة. فنهن نعرف من خلال المؤرخين والكتاب وعلى رأسهم المسعدتعمر أن الامام المهدي وأنصاره لم يبخلوا في بذل أرواحهم ودمائهم الزكية من أجل عزة السودان وتحريره من براثن المستعمر الغاصب رغم ترسانته العسكرية وعتاده الحربي التي تغذيها مصادر الامبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس وتدعمها طوابير الخسة والخيانة.

    فهل قرأت يا كلودي قبل أن تصدر اتهامك بخيانة الامام المهدي وعدم وطنيته عن اللوحات الفنية الرائعة التي صورها الكاتب حسن زلفو وهو يتحدث عن فنون الحرب والانقضاض على العدو لدى قيادات الانصار من أهل الهامش من أمثال الأمير عثمان دقنة وود النجومي وحمدان أبوعنجة ومحمود ود أحمد والزاكي طمل والآلاف الذين جندلوا قوات هكس باشا وغيره حتى قطعوا رأس قائدهم غردون وهو الذي يقول عنه الانجليز أنه من أعظم قياداتاتهم في القرن التاسع عشر وأحضر خصيصا من أجل قهر الامام المهدي وأنصاره الأشاوس. هل قرأت لتشرشل الجندي البريطاني وهو شاهد يتحدث عن البطولة والشجاعة والتضحية التي يتحلى بها الأنصار عندما سجلها في كتابه حرب النهر. هل قرأت عن هذه الثورة وقائدها الثائر في ملاحم البطولة التي صورها القدال في كتابة عن لوحة ثائر وهل اطلع على كتبه الأخرى وهو يتحدث عن التنظيم والادارة والتخطيط المالي لدى الامام المهدي ومن بعده خليفته الخليفة عبد الله. هل قرأ عن ورع الامام المهدي وتقوته وهو بين أقرانه في خلاوي القرآن كما صورها يراع المؤرخ محمد ابراهيم أبوسليم. وهل قارن بين هذه الثورة المنتصرة باذن الله مع مثيلاتها في العالم ليعرف أنها ثورة قامت على التقوى والطهر والنقاء والتضحية ونكران الذات وأنها سبقت الثورة التي قادها الرفيق الاله لدى أهل اليسار في أرض الصقيع وهي خاوية من التقوى والطهر حتى في مفهومها غير الاسلامي فانطبقت عليها نظرية الحتمية التي قامت عليها فانداحت وذهب ريحها وانقذفت من قبل أهلها في مذبلة التاريخ في عقر دارها. فما بال الآخرين من أهل الهامش العقائدي والآيديولوجي ولمصلحة من يريدون تعرية تاريخنا حقدا وكذبا وبهتانا وهم يصورون قادة النضال والتضحية عراة وغيرهم ممن لم يعرف لهم نضال كالذي بذله أهل المهدية وما زالوا يبذلون.

    أن التيار الفكري الذي يشتم من رؤية الفنان كلودي ما فتئ يمارس الهدم الوطني ويجترئ على الأمام المهدي وأنصاره بعد فشله المتواصل في ابعادهم عن ماضيهم التليد الزاخر بالوطنية والتضحية فجاء هذه المرة ولا أعتقد أن تكون الأخيرة في محاولاته المتكررة، ليغرس خنجر الأنتقام الفني كما يقول خالد في قلب هذه الثورة التي بغيرها لا يوجد وطن ولا مواطن في تاريخنا الوطني. والهدف كما تبرهن الأحدث المعاصرة في الساحة السياسية هز المسلمات التاريخية ومن ثم تفكيك السودان وأعادة تشكيله من جديد وفق بذرة لا تنتمي الى صلب هذا الوطن ولا عقيدته ولا تراثه. ألم تقرأ يا كودي لمحمد ابراهيم نقد وهو يتناول رؤية اليسار في ضوء التراث السوداني وأهمية هذا التراث في البنية الاجتماعية مستقبلا قبل أن يعمل على تعرية تاريخنا كذبا وبهتانا.

    هل قرأت يا فنان السودان كودي عن الرؤية الفكرية التي قامت عليها الثورة المهدية كما جاءت في كتابات القدال وأبوسليم وشبيكة والصادق الصديق عبد الرحمن وغيرهم قبل أن تحكم عليه باتهاماتك الباطلة. هل تعلم أن رؤيته تلك قامت معه وهو طفل يقرأ القرآن في الخلوى فيرفض تناول الطعام المقدم من المستعمر لأهل الخلاوي واستمرت الرؤية الفكرية تلك تنمو معه فترافقه في صباه فيبتعد عن الغش والخداع في صيده السمك في النيل. ولما أصبح رجلا كانت رؤيته الفكرية أكثر وضوحا فيما يختص بعلاقة الدين والدنيا وفي وحدة البلاد والعباد فأطلقها تجلجل في الآفاق حينما قال عن السلف الصالحين بأنهم رجال اجتهدوا في التراث الاسلامي والبشري وعلينا كرجال أن نجتهد في تراثنا، فاتجه اليه كل السودان بقبائله المختلفة والمتعددة في جوانبه الأربعة. هل قرأت تلك اللوحة الرائعة التي صورها فرانسيس دينق وهو يصف قيادات الدينكا والجنوب يومئذ وهم متجمعون حول الامام المهدي وينظرون اليه كالاله دينق لديهم في الصدق والعفاف والبذل والعطاء من أجل تحرير الانسان في السودان من العبودية والرق قبل أن تقول بأنه تاجر رقيق. ألم يكن أجدر بك وانت تعمل على اتهام شخص ما بأن تعرف قدر ذلك الانسان قبل أن تصدر اتهامك فما بالك اذا كان ذلك الشخص هو في قامة الامام المهدي الذي ان رفع يدا لم تكن تردها السماء الا مستجابة المطلب وقبل أن ينزلها يومئذ تتجاوب معه في لمح البصر مئآت الآلاف من لا يقيمون وزنا لدنيا فانية ويشترون الموت قبل أن يداس لهم شبر أرض أو تهان لهم عقيدة.

    ألا يجدر بالفنان الذي يصور فنه وفق رؤية فكرية ما أن يقرأ رؤية الآخرين ويستوعبها ويقارنها ليعرف مكانة من يريد تعريته أمام التاريخ بما يحمله هو من أفكار ومدى صدق رؤيته تلك في ضوء التجارب التي مرت بها تلك الثورة. فالشيخ محمد احمد قبل أن يصبح المهدي، كان مجددا للمفاهيم الدينية المتعلقة ببناء الدولة الاسلامية في اطارها السوداني. فقد كان مفهومه للدولة الإسلامية في ضوء الفكر الصوفي السائد وقتئذ يستند علي فهم تقاصر عن اللحاق به من أتي بعده ليس فقط في تطبيقه وانما التحديد الذي يحتويه. فقد رفض الإمام المهدي فقه السلف باعتباره اجتهادا توصلوا اليه حسب طبيعة ظروفهم الاجتماعية والزمانية واعتبره غير ملزم له وهو يسعى لجمع صف المواطنين بمختلف قبائلهم من أجل تحرير بلاده وذلك بسبب اختلاف هذه الظروف زماناً ومكاناً. فقد قال الامام المهدي للعلماء الذين حاوروه مستنكرين اعلانه الثورة ضد الحكم الأجنبي باعتباره حكم يقوم علي الاسلام " ولا تعرضوا لي بنصوصكم وعلومكم عن المتقدمين فلكل وقت ومقام حال ولكل زمان واوان رجال "[2] وصف الإمام المهدي لفقهاء السلف بأنهم "رجال ونحن رجال " يحمل المعني التجديدي المطلوب للزمان والمكان . أما عن الوحدة فقد كان السودان عند اندلاع الثورة المهدية ان لم تكن تعرف، تجمعات قبلية تختلف في ثقافاتها وأعراقها وتسيطر عليها قوي أجنبية تعمل علي التفريق بينها كلما دعت الضرورة. لذلك راى الامام المهدي توحيدها لمواجهة المستعمر يتطلب شعارا يرفض التمايز بين الناس على أساس العرق وفي نفس الوقت يؤسس لفكر يرفض قبول الذل والخنوع للحاكم الجائر وان تدثر بالاسلام. لم يكتفي الامام المهدي بذلك بل استفاد من الدور الذي يلعبه الدين في توحيد المجتمع خاصة أن الدين في ذلك الوقت لم يكن مصدر خلاف بين السودانيين.[3] لقد كان الامام المهدي جريئا في عرض ما يؤمن به من أفكار وحاسما ومصادما لكل من يعترض طريقه وهو يعمل على تطبيقها. تتمثل هذه الجرأة في رفضه العلاقة بين رجال الدين والدولة التركية حين رفض المساعدات التي تقدمها لرجال الدين مثل الطعام باعتبار أنه طعام غير شرعي يأتي من دولة غير شرعية. كما يتمثل الحزم في مخالفته وانتقاده لشيخه محمد شريف في حادثة ختان أبنائه متهما اياه بانه من اهل الدنيا ولا يعمل من أجل الدين. وهو بهذا الرفض لمساعدات الدولة ولنقده لشيخه وايمانه العميق بوطنه بجانب توحيده لقبايل السودان ضد الحكم الأجنبي يعتبر" قائدا ثوريا يملك مؤهلات (عصره) واستطاع أن يجسد الوعي الاجتماعي والسياسي وكيفهما في اطار الايديولوجية المهدوية التي استطاعت ان تحث انقلابا نوعيا في آلية الحكم ومنهج التشريع"[4]هل قرأت لعلي عبد الرازق وهو يتجدث عن الخلافة الاسلامية عام 1926 وهوخريج الأزهر لتدرك أن ما أتى به من أفكار حول الخلافة الاسلامية أن الامام المهدي خريج الخلاوي السودانية قد سبقه في رؤيته للخلافة بأكثر من أربعين عاما وقال بعدم وجودها في الاسلام. وأنه أي الامام المهدي كان أكثر صلابة وأقوى عزيمة وشكيمة حين أردف الفكر بالعمل وحارب الحكم التركي وذيله في مصر والمندثين وراءهما من بريطانيين فكان السيف في يده ويد أنصاره أصدق انباء من الكتب وكان في حده الحد بين الاستغلال والاستقلال. فأي خيانة تقصد هل لأنه حارب الترك والخديوية أم لأن صقره في الشرق عرى بعضهم وهزمهم شر هزيمة وهم يقدمون كل معلومة للمستعمر الأجنبي؟؟؟؟!!!

    لقد استخدم الامام المهدى الدين من أجل تحقيق أهدافه الوطنية وهو أمر طبيعى ومقبول في ذلك الوقت ولكنه لم يستخدم نصوصه المتعلقة بالمعاملات كنص جامد كما لم يستخدم شروح وتأويلات السلف كأمر مسلم به لا يأتيه الباطل مثل النص العقائدى. أخذ الامام المهدي من التراث والنص الديني ما يواكب ويعاصر زمانه وترك غيره مما يتعارض مع ظروف السودان الاجتماعية أو كما قال فهم رجال اجتهدوا فى النص ليواجهوا به حياتهم وهو اجتهد فى النص أيضا حسب حياته وظروفها. بمعنى آخر فان التراث الثقافى للمهدية كان امتدادا لمحاولات دولة الفونج فى خلق اسلام له طابعه السودانى المستند على دولة لها رموزها وأيديولوجيتها النابعة من الذات السودانية.أما مدخل الإمام المهدي في توحيد قبائل السودان في بداية دعوته فقد كان اللجوء إلى قبائل غرب السودان والتزاوج منهم باعتبار أن للزواج وقتئذ قيمة اجتماعية تتخطي الرجل والمرأة لتمتد عبر أسرتيهما إلى كل القبيلة وتلزم الجانبين بالمساندة والتضامن. فالامام المهدي لم يكن زير نساء كما تقول ولكن همه على بلده أكبر من أن تستوعبه عقلية مريضة لا ترى في المرأة الا ما يراه الحيوان بين رجلي الأنثى من نوعيته. لقد تزوج المهدى من كثير من قبائل السودان بهدف التقارب من جهة واضعاف روح العداوة والبغضاء بين القبائل من جهة ثانية. فمثلا تزوج الامام المهدي أولى زوجاته بنت عمه فاطمة من الدناقلة وأنجبت له نورالشام وأم كلثوم وعائشة ونفيسة وتزوج من الجزيرة فاطمة بنت أحمد شرفى وأنجب منها محمد الفاضل والبشرى وذينب وبعد وفاتها تزوج أختها عائشة وأنجبت له الكامل وتزوج النعمة بنت الشيخ القرشى وأنجب منها على وتزوج من فاطمة بنت حسين من تشاد وأنجبت منه الصديق الذى توفى مع الخليفة عبدالله فى أمدبيكرات وتزوج من الفلاته عائشة بنت ادريس وأصلها من الفولانى أتباع الشيخ عثمان دان فوديو ومن النوبة تزوج قبيل الله وأنجب منها نصرالدين ومن الفور (الدينكا) مقبولة وأنجب منها السيد عبد الرحمن ومن الدينكا أيضا تزوج نحل الجود وأنجب منها الطيب والطاهر.[5] بذلك يكون الامام المهدي قد تزوج من الدناقلة في الشمال ومن الجزيرة بوتقة انصهار قبائل السودان في الوسط ومن الفلاتة الفولاني والبرنو والفور في غرب السودان ومن الدينكا في جنوب السودان. هذه الزيجات المتعددة أفقيا والعميقة الأثر فى النفوس كان لها دور عظيم فى تكاتف "أولاد كل البلد" ما عدا قلة قليلة تمثلت في قيادة طائفة الختمية والتابعين لها. هذا التكاتف مع الامام المهدى كان يهدف الى تحرير السودان وارجاع السيادة فيه الى السودانيين بمختلف أعراقهم وثقافاتهم أولا ثم الدفاع عن الدين كرمز للأخلاق والفضيلة ثانيا وهو ما لم يكن ممكنا ان لم يتم تحرير السودان.

    ان تاريخ السودان لم يجد طريقه الى عقول الشباب في السودان فالحكومات الاستعمارية كان هدفها طمس الشجصية السودانية وابعاد روح المقاومة فيها كما أن الحكومات الوطنية المتعاقبة بما فيها تلك المحسوبة على الثورة المهدية فقد تجاهلت ذلك التاريخ باسم التوجه القومي تارة وبالاهمال المتعمد في أغلب الأحيان. لهذا فلا غرابة أن يقول قائل ما قيل في تلك الندوة النشاذ ويعرض في ذلك المعرض ما يتنافى مع الخلق الانساني عامة والخلق السوداني خاصة والذي انكره الغريب قبل الحبيب.

    خالد موسي دفع اللهwww.sudaneseonline.com , 2007-10-27 دفن الآباء أو الانتقام الفني من صورة الأمام المهدي

    [1]

    [2] منشورات الإمام المهدي .

    [3] للمزيد عن الفكر المهدوي انظر محمد ابراهيم ابو سليم الحركة الفكرية في المهدية مطبعة جامعة الخرطوم ط1، 1970و عبدالله علي ابراهيم الصراع بين المهدي والعلماء دار نوبار للطباعة، القاهرة 1994

    [4] أحمد ابراهيم ابو شوك منهجية التشريع المهدوي في السودان (1881-1885) كتابات سودانية. مركز الدراسات السودانيةالعدد 7 مارس 1999 القاهرة ص.ص 16-19

    رباح الصادق نساء أمدرمان 1995 مرجع سابق ص ص 33-34 الجدير بالذكر أن رباح حفيدة المهدى وبنت الصادق المهدى[5]
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |بيانات

04-25-2008, 02:45 PM

عبدالله عثمان



للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: الأستاذ محمود محمد طه: عم يتسآءلون؟؟!! (Re: عبدالله عثمان)


    اضمحلال المعرفة

    عدنان زاهر
    [email protected]

    نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية قبل عدة اسابيع موضوع يتعلق بالمعرفة فى السودان، و كان بعنوان "ثورة فى النشر تراجع فى القراءة - شذى مصطفى". الموضوع يتحدث عن تمدد مستبان و ملاحظ فى آليات النشر و الطباعة، يقابله انكماش و تراجع فى الاطلاع و القراءة.جاءت تلك النتيجة او الاستنتاج فى فقرتين من ذلك المقال و للفائدة اوردهما هنا ( فى الثمنينات كانت هنالك 186 مكتبة و الآن تقلص العدد ليصبح سبع مكتبات فقط فى الخرطوم. و تعتمد دور التوزيع على المعارض و الملفات الثقافية فى الصحف). فى ذات المقال أجاب صاحب احد دور الطباعة و هو يشير الى ابتعاد المواطن السودانى و عزوفه عن الكتاب ( أعلى نسبة طبع كتاب صدر حتى الآن لاتزيد عن 1000 نسخة ).

    المقال رغم تمخضه عن تلك النتيجة و اجراءه مقابلات مع بعض الشحصيات التى تعمل فى مجال الثقافة، الا انه لم يورد الاسباب التى ادت الى تراجع الاطلاع و بشكل كبير عما كان عليه فى الماضى. لاهمية الموضوع و لارتباطه بتطور السودان المستقبلى، احاول تناول بعض من تلك الاسباب فى هذا المقال.

    هذه الاحصائيات التى تتحدث عن تدنى الاطلاع رغم ازدهار النشر لا تدعو فى واقع الامر للدهشة رغم التناقض الشكلى الواضح، بقدر ما هى تدعو للأسف و الحزن و الانقباض.

    فى تقديرى و كمدخل لمناقشة الامر من زواياه المتعددة، لابد من العودة بخفة الى التاريخ ، باعتبار ايراد بعض حقائقه تعكس و توضح لما آل اليه الوضع فى الحاضر. أشتهر السودانيون فى الماضى بولعهم بالقراءة و الاطلاع، يقابل ذلك قلة فى التوثيق، الكتابة ثم النشر. ساتناول الشق الاول المتعلق بالعزوف عن القراءة و العودة مستقبلا للكتابة عن الشق الثانى. أزعم ان الميل المبكر للشعب السودانى للقراءة نتاج لاسباب تاريخية، سياسية، اجتماعية و ثقافية تتداخل و تتقاطع و تتمثل فى الآتى: 1-