حق الدهابة

حق الدهابة


10-17-2026, 04:30 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1792207825&rn=0


Post: #1
Title: حق الدهابة
Author: نصر الدين عشر
Date: 10-17-2026, 04:30 AM

04:30 AM October, 16 2026

سودانيز اون لاين
نصر الدين عشر-USA
مكتبتى
رابط مختصر



هذا الموضوع تم ضبطه بواسطة الذكاء الاصطناعي ...

راجت في الأسافير خلال الأيام القليلة الماضية أخبار المجزرة التي تعرّض لها المعدّنون السودانيون، المعروفون بـ«الدهابة»، جراء هجمات نُسبت إلى الطيران المصري. والأنكى والأمرّ أن هذه الحوادث ليست الأولى من نوعها، فيما يظل الصمت المريب لحكومة السودان مثيراً للغضب والاستنكار. فمصر التي اعتدنا أن نخاطبها بعبارة «مصر يا أخت بلادي»، تدفعنا هذه الأحداث إلى التساؤل بمرارة: هل ما زال يحق لنا أن نقول «مصر يا أخت بلادي»، أم أن ما يجري يجعلنا نقول: مصر يا قاتلة بلادي؟
في الحادثة الأولى، لم يصدر بيان رسمي يوضح ملابسات مقتل عشرات المعدّنين السودانيين في منطقة شمال الوادي، واكتفى البرهان بتصريح مخيب للآمال، قال فيه: «سمعنا في ناس قطعوا بيغادي وضربوهم، والناس ما تقطع بيغادي عشان ما تجيب لينا مشاكل». أي خطاب هذا الذي يُختزل فيه مقتل المواطنين في تحذيرهم من الذهاب إلى تلك المناطق؟ وأين مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها؟
أما الحادثة الأخيرة، التي تتحدث التقارير المتداولة عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا فيها، فقد التزمت الحكومة الصمت يومين قبل أن تعلن تشكيل لجنة للتحقيق تحت ضغط الشارع. يا سلام! لجنة تحقيق؟ وماذا ستفعل هذه اللجنة، ومتى ستكشف نتائجها؟ وإذا لم تكن الحكومة عاجزة عن حماية مواطنيها، فلماذا لا تتخذ موقفاً دبلوماسياً حازماً، وتستدعي السفير المصري لطلب توضيحات بشأن ما حدث؟ أين كرامة الإنسان السوداني يا برهان؟
لسنا بحاجة إلى اتهامات بلا أدلة، بل إلى دولة تدافع عن مواطنيها ولا تطوي مقتلهم بالصمت والبيانات الباهتة. كما أن الروايات المتداولة بشأن احتمال ارتباط ما يجري بمصالح تعدين مشتركة بين أطراف سودانية ومصرية تظل بحاجة إلى أدلة وتحقيق مستقل. لكن صمت الحكومة وغياب الشفافية يفتحان الباب أمام الشكوك، والثقة لا تُستعاد إلا بمصارحة الشعب وكشف الحقائق.
في أواخر الدولة العباسية، كان الخليفة المستعصم بالله، بحسب إحدى الروايات التاريخية، غارقاً في لهوه بينما كانت جيوش هولاكو تحاصر بغداد. وتروي الحكاية أن سهماً أصاب جارية كانت ترقص في مجلسه، كُتب عليه: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره، أذهب من ذوي العقول عقولهم». وبدلاً من أن يستفيق من غفلته، قيل إنه أمر بتشديد الحراسات وتكثيف الستائر حول القصر.
ولعل هذه الحكاية تستحضر صورة البرهان، وهو يلعب الكتشينة مع جنوده، بينما تتوالى المآسي في البلاد. وتتحدث تقارير متداولة عن مقتل نحو 200 شخص في شمال الوادي، ونحو 40 آخرين في ود الماحي جراء هجوم بمسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع، وهي أرقام تحتاج إلى تحقق مستقل. لكن السؤال يظل قائماً: أين التعاطف مع الضحايا؟ وأين الإحساس بمحنة شعب أنهكته الحرب والجوع والنزوح وانهيار مؤسسات الدولة؟
منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاث سنوات ونصف، تدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بصورة كارثية، واتسع الفقر، واضطر ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء. ومع ذلك، لا يزال البعض يردد فرية «معركة الكرامة»، وكأن الكرامة تُستعاد بالشعارات لا بحماية الأرواح وصون الحقوق.
لقد سقطت فرية الكرامة أمام مشاهد اللهو والترندات التي يقوم بها البرهان. واليوم، تتداول الأخبار أن البرهان بعث برسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أبدى فيها استعداده للتفاعل مع المبادرة الأميركية لإنهاء الحرب وصون كرامة الشعب السوداني.
عن أي كرامة تتحدث يا برهان؟
أنت الذي تعيّر معارضيـك بالاحتماء بالخارج والخيانة والعمالة، فلماذا تخاطب الخارج أنت أيضاً؟ ليس العيب في الاستعانة بالجهود الدولية لتحقيق السلام، بل في أن يظل الشعب آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن. إن كنت جاداً في إنهاء الحرب، فخاطب السودانيين بوضوح، وقدّم لهم ما يثبت أن هذه المبادرات ليست مجرد مناورة سياسية جديدة.
لقد ظل البرهان يلعب على التناقضات، وكأن مصير البلاد لعبة كتشنينة يمكن التحكم في أوراقها إلى ما لا نهاية. لكن أرواح المواطنين ليست أوراقاً للمساومة، ومستقبل السودان لا يجوز أن يظل رهينة الحسابات السياسية والعسكرية.
ومن يذيق الشعب السوداني هذا الكأس المرّ لن يستطيع الإفلات من مساءلة الناس والتاريخ. فاسأل عبود والنميري والبشير؛ فقد شربوا، من الكأس التي أذاقوا الشعب السوداني منها.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾