Post: #1
Title: بصراحة ووفاء -حكايتى مع الدكتور حيدر ابراهيم على
Author: عبد المنعم التوم
Date: 10-14-2026, 10:57 AM
10:57 AM October, 14 2026 سودانيز اون لاين عبد المنعم التوم-Sudan مكتبتى رابط مختصر
بسم الله الرحمن الرحيم بصراحة ووفاء – حكايتى مع الدكتور حيدر ابراهيم على من واقع التجربة و الممارسة : فى عام 2021 على ما أذكر قادتنى الأقدار إلى عيادة طبيب أسنان بمنطقة إمتداد ناصر بالخرطوم .وكعادة اهل السودان ، لم يكن إنتظار الدور مجرد صمت وترقب ، بل تحول إلى جلسة نقاش تناولت التدهور الإقتصادى ، ومعاناة الأسر السودانية ، واسباب ظهور طبقة طفيلية من أصحاب الثروات التى اطلق عليها إعلاميا أسم ( القطط السمان ). خلال النقاش ، عرضت وجهة نظرى بشأن الإختلالات التى أصابت الإقتصاد السودانى منذ العام 1992 ، و السياسات المتعلقة بالنقد الأجنبى وحصائل الصادرات ، وكيف أسهمت فى تقديرى ، فى إضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها من العملات الحرة ، وفتحت ثغرات إستفادت منها مصالح خاصة على حساب الإقتصاد السودانى . لم يكن حديثى تنظيراً أكاديميا ، بل خلاصة سنوات من الخبرة والممارسة المصرفية ، مدعوما بأرقام ومنشورات رسمية صادرة عن بنك السودان ووزارة التجارة . وقد وجدت أفكارى تفاعلا وإستحسانا من الحاضرين . وسط ذلك النقاش تقدمت منى سيدة سودانية فى غاية الذوق و الرقى ، وأثنت على الحديث ، ثم طلبت رقم هاتفى ، موضحة أن زوجها يرغب فى لقائى و الإستماع على ما طرحته من أفكار إقتصادية . أعطتنى رقم هاتفه ، وقالت بكل تواضع إن اسمه حيدر ابراهيم . لم أكن أعلم اننى أمام موعد مع أحد أعلام الفكر السودانى ، الدكتور حيدر ابراهيم على ، عالم الإجتماع و المفكر المعروف . وكانت السيدة هى الأستاذة حياة ، زوجته الكريمة . لقاء لا ينسى ...... بعد نحو ثلاثة أيام ، رن هاتفى ، وكان المتحدث الدكتور حيدر بنفسه ، خاطبنى بلهجة سودانية ودودة ، ودعانى إلى مركز الدراسات السودانية ، بالقرب من الإتحاد الأوربى ، بشارع الجمهورية فى الخرطوم ، للإستماع إلى ماعرضته من أفكار فى جلسة عيادة طبيب الأسنان . شعرت يومها بأن فرصة ثمينة قد أتيحت لى ؛ فقد ظللت أنادى بإصلاح الإختلالات الإقتصادية منذ العام 2011 ، إنطلاقا من خبرتى العملية فى القطاع المصرفى ، وكنت آمل أن يسهم وصول هذه القضايا إلى شخصية فكرية مرموقة فى توسيع دائرة الوعى بها . فى الموعد المحدد عند الساعة الحادية عشر صباحا تماما ، وصلت إلى المركز . استقبلنى الدكتور بحفاوة وتواضع وإحترام ، وجلسنا فى مكتبه المتواضع ، مرتديا جلبابه السودانى . أخرج ورقة بيضاء وقلما ، وبدأ يدون ملاحظاته بعناية ، مسجلا ما أقوله دون مقاطعة أو إستعلاء . كان مستمعا من طراز نادر ، لا يتعامل مع المعرفة بإعتبارها حكرا على اصحاب الشهادات و الألقاب . لقد أدركت منذ اللحظات الأولى اننى امام عالم يعرف قيمة الإستماع ، وأن عظمة المفكر لا تكمن فيما يعرفه فحسب ، بل فى إستعداده ليتعلم من الآخرين . حين تتحدث الوثائق عن الاقتصاد ...... كنت قد أعددت نفسى جيدا للقاء ، وحملت نسخا من منشورات رسمية تدعم ما آطرحه من وقائع وملاحظات . تحدثت عن حصائل الصادرات وكيف إن السياسات و الإجراءات المتعلقة بها قد تسمح بإعادة توجيه عائداتها إلى عمليات إستيراد ، بدلا من تعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبى .وناقشتا المنشور المعروف برقم 20/20 ، وما يرتبط به من آثار على إدارة حصائل الصادرت و الرقابة على عائداتها . كما تناول حديثنا التعامل بالنقد الأجنبى فى بعض المؤسسات التعليمية ، ومايثيره ذلك من تساؤلات بشأن إيرادات التعليم الخاص ، ومدى إستفادة الخزينة العامة منها ، فضلا عن تحصيل بعض الجهات إيراداتها بالدولار فى وقت يتدهور فيه الجنيه السودانى ، فى إنتهاك صريح وعدم إعتراف بالعملة الوطنية . وايضا تطرقنا إلى تأجير العقارات بالعملات الأجنبية وكأن الجنيه غريب على وطنه ، لا عملة دولة يفترض أن تحميها مؤسساتها وقوانينها ، وعند هذه النقطة أشهد الله ، إبتسم الدكتور حيدر إبتسامة عريضة أمتزجت فيها المرارة بالمفارقة ، وأخبرنى أنه يسكن مع أسرته فى شقة بشرق الخرطوم ، وان ما لكها أصر على تحصيل الإيجار بالدولار ، بمبلغ 300 دولار شهريا ، يتولى ابنه المقيم فى استراليا دفعها ..! (وبضحكة ساخرة قال : من وين نجيب الدولار ونحن داخل السودان ...!!!) كانت تلك الحكاية مثالا حيا على أن الخلل الإقتصادى ليس مجرد أرقام فى التقارير ، بل واقع يعيشه الناس ، حتى المثقفون والمفكرون الذين يكرسون حياتهم لقضايا المجتمع . فكيف يستقيم أن تضعف العملة الوطنية ، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطن ، ثم تصبح بعض الأنشطة الاقتصادية أبوابا لتحصيل الدولار داخل البلاد ، بينما يُترك الجنيه السودانى لمواجهة مصيره وحده دون أدنى حماية من السلطات ؟..!وكيف تتحول الثغرات الإدارية و التشريعية إلى فرص للإثراء الخاص ، فيما تتحمل الأسرة فاتورة الإنهيار الإقتصادى ؟ إنها مفارقة تستحق التأمل : دولة تحتاج الى كل دولار لبناء احتياطياتها ودعم إقتصادها ، بينما تظل بعض السياسات عاجزة عن ضمان توجيه موارد النقد الأجنبى إلى القنوات التى تخدم المصلحة العامة. شهادة إعتز بها : بعد أن انتهيت من عرض افكارى ، نهض الدكتور حيدر من مقعدة وصافحنى بحرارة ، وقال كلمات لا تزال محفورة فى ذاكرتى : (والله يا أستاذ عبدالمنعم ، لقد تعلمت منك الكثير ، اشكرك على هذه المعلومات المفيدة ) ثم أبدى رغبته فى إيصال هذه المعلومات إلى رئيس الوزراء آنذاك ، الدكتور عبدالله حمدوك ، واوضح أن مركز الدراسات السودانية يمكن أن يتبنى هذه القضايا ، وينظم ورشا للإعلاميين بمختلف وسائلهم ، لتسليط الضوء على الإختلالات الإقتصادية ، وتوعية المجتمع بها ، و المساهمة فى محاصرة الفساد ومظاهر الإثراء الطفيلى . كانت تلك اللحظة بالنسبة إلى شهادة أعتز بها ؛ لا لمجرد أنها صدرت عن قامة فكرية كبيرة ، بل لأنها جسدت احترام المعرفة و الخبرة العملية ، أيا كان مصدرهما . فكم من صاحب لقب كبير يظن أن شهادته تغنيه عن الإستماع إلى الآخرين ، وكم من صاحب تجربة عملية يملك من الحقائق ما لا تجده فى عشرات الكتب ..!أما الدكتور حيدر ، فقد جمع بين المكانة الفكرية والتواضع الإنسانى ، ولم يجد حرجا فى أن يعترف بأنه تعلم من محدثه . من حكاية العيادة إلى صفحات الصحافة ........... مايمنح هذه الذكرى أهمية خاصة أن الدكتور حيدر نشر لاحقا مقالا تناول عددا من القضايا التى كانت حاضرة بقوة فى نقاشاتنا . ففى 11 سبتمبر 2021 ، نشرت صحيفة ( الشرق الاوسط ) مقاله المعنون ( ضرورة تنقية الجيوب الأخيرة للفلول : الجامعات ، البنوك ، والصحة ) تناول الدكتور فى المقال دولرة التعليم الخاص ، وانتقد التعامل بالدولار فى الجامعات على حساب العملة الوطنية ، ودعا إلى تجريم التعامل بالعملات الأجنبية فىى مجالات التعليم، بإعتبار ذلك من مقتضيات السيادة الوطنية ، كما تطرق الى إشكالية حصائل الصادرات ، وانتقد ما إعتبره قصورا فى إلزام المصدرين بإدخال عائداتها إلى الحسابات الرسمية ، واشار على المنشور المعروف برقم 20/20 وما رآه من آثار على الرقابة على عائدات الصادرات وإنتعاش السوق الموازية للعملات . ولا إدعى أن كل ماورد فى المقال كان ثمرة لقائنا وحده ؛ لكننى أعتز بأن هذه القضايا كانت محورا أساسياً فى حديثنا ، وأننى وجدت بعدها إهتماما منشورا بقضايا تمس جوهر الإصلاح الإقتصادى الذى ظللت أنادى به . لقد التقت فى تلك التجربة خبرة المصرفى العملية بإهتمام المفكر بقضايا المجتمع ، واصبحت المسائل التى يناقشها الناس فى عيادة طبيب أسنان جزءاً من نقاش عام تتناوله الصحافة وتُطرح فيه أسئلة السيادة و الإقتصاد و العدالة . وهنا تكمن قيمة الحوار الصادق :أن يتحول من حديث عابر إلى معرفة ، ومن معرفة الى وعى ، ومن وعى إلى مطالبة جادة بالإصلاح ومن هذا المنبر أتقدم بالشكر الجزيل لارملة المرحوم الاستاذة حياة التى كانت بقوة ملاحظتها سببا فى إكرامى ولقائى بهذا القامة وهذا العالم المفكر السودانى الكبير . رحيل العالم وبقاء القضية ...... إلتقينا بعد ذلك ثلاث مرات ، وبدأنا الاستعداد لمواصلة العمل على هذه القضايا . غير أن وعكة صحية ألمت بالدكتور حيدر ، فسافر للعلاج ، ثم إندلعت الحرب ، وإنقطعت سبل اللقاء ، ولم أره بعد ذلك . رحل الدكتور حيدرابراهيم على ، وبقيت ذكراه فى نفوس محبيه وتلاميذه وكل من عرف فيه صدق الإنتماء إلى الوطن ، والتواضع ، والحرص على المعرفة و الإصلاح . لم يكن بالنسبة إلىّ مجرد مفكر إلتقيته ، بل إنساناً منحنى فرصة الحديث ، وأحسن الإستماع ، وتعامل مع ما عرضته عليه بجدية وإحترام ، وكنت أتمنى أن تتاح لنا الفرصة إستكمال ذلك المشروع ، وأن نواصل معا العمل على كشف أوجه الخلل التى إستنزفت الإقتصاد السودانى واضعفت الجنيه الوطنى . إن مأساة السودان ليست فى ندرة الموارد ، ولا فى غياب العقول والخبرات ، بل فى استمرار إختلالات تتيح لبعض المصالح الطفيلية إستغلال الثغرات ، وتسمح بتغليب المكاسب الخاصة على المصلحة العامة . وتزداد المأساة حين يتداخل ذلك مع قصور مؤسسى ورقابى ، فتظل المعالجة مؤجلة ، ويظل المواطن يدفع الثمن من قوته ودوائه وتعليم أبنائه . ولعل أكثر ما يثير السخرية المريرة أن بعض المنتفعين من الفوضى يتحدثون عن إنقاذ الإقتصاد ، وأن من استفادوا من الثغرات قد يتصدرون المشهد للحدبث عن الإصلاح ، بينما يواجه المواطن وحده الغلاء وتدهور العملة وضيق المعيشة . تلك هى مأساة ( القطط السمان ) لا تشبع من ثغرات الإقتصاد ، ولا تترك للجنيه ما يستند إليه ، ثم تطلب من المواطن أن يتحلى بالصبر ، وكأن الصبر سياسة إقتصادية ، وكأن الجوع برنامج للإصلاح . أما نحن فسوف نواصل الكتابة والتنبيه والمطالبة بالإصلاح ، مستندين إلى الوثائق والخبرة والممارسة ، ومؤمنين بأن حماية موارد السودان وعملته الوطنية مسؤولية عامة لا يجوز إخضاعها لمصالح فئة أو نفوذ جماعة . فالإصلاح لا يتحقق بالشعارات ، وإنما بإغلاق الثغرات ، وإحكام الرقابة ، وتطبيق القانون ، ومسآءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الأضرار بالإقتصاد الوطنى . رحم الله الدكتور حيدر ابراهيم على رحمة واسعة ، وجزاه عن وطنه واهله خير الجزاء ، اللهم إن كان محسنا فزد فى إحسانه ، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ،واجعل قبرة روضة من رياض الجنة . خالص التعازى لأسرته الكريمة ولزوجته الاستاذة حياة ، ولأبنائه أنديرا ومظفر ، ولرفاقه وأصدقائه وتلاميذه ومحبيه ، وللسودان الذى فقد عالما جليلا كان يحمل همّه فى قلبه وفكره . وداعا دكتور حيدر ؛ رحلت الأجساد وبقى الآثر ، الافكار الصادقة لا تموت ، وسنظل نحمل شعلة وأمانة الإصلاح التى جمعتنا ، ونكشف مواطن الخلل ، ونقاوم الفوضى والفساد ، حتى يستعيد السودان عافيته ، ويعود للجنيه السودانى إعتباره وإزدهاره ، ويصبح الوطن لأهله جميعا ، لا مزرعة للقطط السمان ، ولا غنيمة للطفيلية وداعمى الفوضى . إلى رحاب الله ، ياصاحب القلب المتواضع والعقل الكبير تقديم/ عبدالمنعم على التوم 13 اكتوبر 2026
|
Post: #2
Title: Re: بصراحة ووفاء -حكايتى مع الدكتور حيدر ابرا�
Author: محمد حيدر المشرف
Date: 10-14-2026, 12:07 PM
Parent: #1
كتابة جميلة اضاءت جانب انساني جديد للراحل المقيم ..
|
|