أظهرت دراسة أُجريت في تنزانيا أن المرضى الذين خضعت فحوصات عيونهم للتحليل بواسطة برنامج ذكاء اصطناعي حصلوا على النتائج في غضون 30 ثانية، مقارنة بمتوسط انتظار بلغ 23 يوماً للحصول على النتائج عند فحصهم من قبل طبيب.
يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من اعتلال الشبكية السكري، وهي حالة تؤدي فيها مستويات السكر المرتفعة في الدم إلى تلف الأوعية الدموية الدقيقة في شبكية العين.
ويمكن أن تؤدي هذه الحالة إلى فقدان دائم للبصر إذا تُركت دون علاج؛ إذ يعاني نحو ثلث المصابين بالسكري في أفريقيا - والبالغ عددهم 23 مليون شخص - من هذه المضاعفات.
في مراحله المبكرة، قد لا تظهر أي أعراض لاعتلال الشبكية السكري، ولذا توصي منظمة الصحة العالمية المصابين بالسكري بإجراء فحوصات منتظمة للعين لضمان تلقي العلاج عند الضرورة.
وفي إطار هذه الدراسة الجديدة، التي نُشرت في دورية "لانسيت للصحة العالمية" (Lancet Global Health)، قام الباحثون بتوزيع أكثر من 2000 مريض بالسكري - ممن يراجعون العيادات في منطقتي كليمنجارو وأروشا بتنزانيا - عشوائياً إلى مجموعتين: إحداهما تتلقى الرعاية المعتادة للفحص، والأخرى تخضع لنوع جديد من الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
أظهرت النتائج أن اثنين من كل خمسة مشاركين لديهم تغيرات في العين تستدعي الإحالة إلى رعاية متخصصة. وبالنسبة للمجموعة التي خضعت للفحص باستخدام الذكاء الاصطناعي، توجه 36% منهم إلى عيادة العيون المركزية في غضون ثمانية أسابيع، مقارنة بـ 18% فقط في مجموعة الرعاية التقليدية.
وقال الدكتور جوستوس رويزا، من مركز كليمنجارو الطبي المسيحي وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن معظم السكان في المناطق التي أُجريت فيها الدراسة يعملون في الزراعة، مضيفاً: "إنهم يعتمدون على حاسة البصر".
وأشار إلى أن الآثار الاقتصادية للعمى تطال الأسرة بأكملها، مستشهداً بحالة ابنة أحد المرضى التي "اضطرت لترك المدرسة لمساعدة والدتها".
وفي كلا مساري التجربة، خضع الأشخاص المراجعون للعيادات الصحية المحلية لعملية تصوير للجزء الخلفي من العين. في ظل إجراءات الرعاية المعتادة، كانت الصور تُرسل إلى أخصائيين لتقييمها لاحقاً، وكان المريض يتلقى مكالمة هاتفية أو رسالة نصية لإبلاغه بما إذا كان بحاجة إلى زيارة العيادة للمتابعة؛ وقد بلغ متوسط الفترة الزمنية بين إجراء الفحص وظهور النتائج 23 يوماً.
أما في النصف الآخر من التجربة، فقد استُخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور العين فوراً، حيث ظهرت النتائج "في غضون 30 ثانية"، وتم إبلاغ المرضى فوراً بما إذا كانوا بحاجة إلى إحالة طبية.
وقال الدكتور تشارلز كليلاند، طبيب العيون والباحث السريري في كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة، إن التشخيص الفوري عبر الذكاء الاصطناعي أتاح للمرضى فهماً أفضل لدلالات نتائج الفحص، وذلك من خلال "تقديم استشارة مباشرة وجهاً لوجه في موقع الفحص، مما يمنحهم الفرصة لطرح الأسئلة وفهم خيارات العلاج والشعور بالدعم أثناء تلقي الرعاية".
ومن المتوقع أن يرتفع عدد المصابين بالسكري في تنزانيا من مليوني شخص إلى سبعة ملايين بحلول عام 2050.
وأضاف كليلاند أن تنزانيا تعاني من نقص في أخصائيي العيون المدربين، وتشير النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تخفيف بعض الضغط عن هذه الكوادر الطبية، وذلك بهدف "تحسين فرص الحصول على رعاية تخصصية والمساعدة في الوقاية من فقدان البصر الذي لا يمكن علاجه".
وتخطط الحكومة التنزانية حالياً لتوسيع نطاق تطبيق نظام الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع.
شرح مبسط للمقال
يتناول هذا المقال كيف ساعد الذكاء الاصطناعي الأطباء في تنزانيا على اكتشاف مرض خطير في العين بسرعة تفوق بكثير النظام التقليدي.
يُعرف هذا المرض باسم "اعتلال الشبكية السكري". diabetic retinopathy
اعتلال الشبكية السكري = تلف في الأوعية الدموية الدقيقة في الشبكية (الطبقة الحساسة للضوء في الجزء الخلفي من العين) ناجم عن ارتفاع مستويات السكر في الدم بسبب مرض السكري.
إذا تُرك المرض دون علاج، فقد يؤدي في النهاية إلى فقدان دائم للبصر.
ماذا فعلت الدراسة؟
درس الباحثون حالة أكثر من 2000 مريض بالسكري في منطقتين بتنزانيا:
كليمنجارو
أروشا
قُسّم المرضى إلى مجموعتين:
1. الطريقة التقليدية
التقاط صور للعين.
إرسال الصور إلى أخصائيين.
مراجعة الأخصائيين للصور لاحقاً.
تلقي المرضى مكالمة هاتفية أو رسالة نصية في حال اكتشاف مشكلة.
متوسط فترة انتظار النتائج:
23 يوماً
2. طريقة الذكاء الاصطناعي
التقاط صور للعين.
تحليل الذكاء الاصطناعي للصور فوراً.
ظهور النتائج في غضون 30 ثانية تقريباً.
إبلاغ المرضى فوراً بما إذا كانوا بحاجة إلى علاج متخصص. النتائج الرئيسية
عانى حوالي 40% من المشاركين من تلف في العين بدرجة خطيرة تستدعي الإحالة إلى رعاية متخصصة.
من بين المرضى الذين احتاجوا إلى متابعة طبية:
راجع 36% ممن خضعوا للفحص عبر الذكاء الاصطناعي عيادة الأخصائي في غضون ثمانية أسابيع.
بينما فعل ذلك 18% فقط ممن خضعوا للنظام التقليدي.
بعبارة أخرى:
ضاعف الذكاء الاصطناعي من معدل وصول المرضى فعلياً إلى العلاج المتخصص.
لماذا كان الذكاء الاصطناعي مفيداً؟
لم تكن الميزة الأكبر مقتصرة على السرعة فحسب.
في ظل النظام القديم:
يغادر المريض العيادة.
ينتظر أسابيع للحصول على النتائج.
قد تفوته المكالمات.
قد لا يدرك مدى خطورة الحالة.
قد لا يراجع الطبيب للمتابعة أبداً.
في ظل نظام الذكاء الاصطناعي:
يحصل المريض على النتائج فوراً.
يشرح مقدم الرعاية الصحية المشكلة وجهاً لوجه.
يمكن للمريض طرح الأسئلة. تتم الإحالة فوراً.
وهذا يزيد من احتمالية اتخاذ المرضى خطوات فعلية للعلاج.
لماذا يُعد هذا الأمر مهماً في تنزانيا؟
تواجه تنزانيا:
مشكلة متزايدة تتعلق بمرض السكري.
نقصاً كبيراً في عدد أخصائيي العيون.
وجود العديد من المجتمعات الريفية. يعمل العديد من سكان المنطقة التي شملتها الدراسة في مجال الزراعة.
بالنسبة للمزارعين:
تُعد قوة الإبصار أمراً بالغ الأهمية للعمل.
ويمكن أن يؤدي فقدان البصر إلى القضاء على دخل الأسرة.
وهذا يوضح أن فقدان البصر لا يؤثر على المريض فحسب، بل يمتد تأثيره ليشمل الأسرة بأكملها.
أهمية أوسع نطاقاً
تسلط الدراسة الضوء على دور مستقبلي هام للذكاء الاصطناعي في مجال الطب.
يعتقد الكثيرون أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل الأطباء.
لكن هذه الدراسة تشير إلى أمر مختلف:
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كأداة سريعة للفحص الأولي، بينما يركز الأطباء جهودهم على المرضى الأكثر احتياجاً للرعاية المتخصصة.
لم يقم الذكاء الاصطناعي بإجراء جراحة أو تقديم علاج، بل اقتصر دوره على تحديد المرضى المعرضين لمخاطر عالية بسرعة تفوق بكثير مسار العمل التقليدي.
ويُعد هذا الأمر مفيداً بشكل خاص في البلدان التي تعاني من نقص في الأطباء المتخصصين.
التحليل
1. الفائدة الحقيقية تكمن في سرعة الوصول للخدمة
يركز عنوان المقال على المقارنة بين "30 ثانية و23 يوماً".
لكن النتيجة الأهم حقاً هي:
حصول عدد أكبر من الأشخاص على رعاية متخصصة.
فالتشخيص السريع لا قيمة له إذا لم يتلقَّ المرضى العلاج في نهاية المطاف؛ وتشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تحسين كل من سرعة التشخيص ومتابعة الحالات.
2. الذكاء الاصطناعي مفيد للغاية في المناطق التي تفتقر للأطباء
في الدول الغنية، قد يتوفر بالفعل عدد كافٍ من المتخصصين لمراجعة الفحوصات الطبية (مثل صور الأشعة) بسرعة مقبولة.
أما في البلدان التي تعاني من نقص في الخبراء، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية بشكل كبير.
وقد يكون هذا هو المجال الذي سيحدث فيه الذكاء الاصطناعي أكبر أثر طبي خلال العقود القادمة.
3. الوقاية أقل تكلفة من علاج مضاعفات فقدان البصر
إن علاج أمراض العيون المرتبطة بالسكري في مراحلها المبكرة أقل تكلفة بكثير من التعامل مع حالات فقدان البصر لاحقاً.
إذ يمكن أن يؤدي فقدان البصر إلى:
فقدان الوظيفة
فقدان الدخل
أعباء الرعاية الأسرية
ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية
لذا، قد تجد الحكومات في الفحص المعتمد على الذكاء الاصطناعي خياراً جذاباً من الناحية الاقتصادية ومفيداً من الناحية الطبية.
4. أفريقيا تواجه تحدياً متزايداً يتعلق بمرض السكري
يشير المقال إلى أنه من المتوقع ارتفاع عدد المصابين بمرض السكري في تنزانيا من مليوني شخص إلى 7 ملايين بحلول عام 2050.
وهذا يعني أن الطلب على فحوصات العيون سيزداد بشكل هائل.
ودون الاستعانة بالتقنية، قد تجد أنظمة الرعاية الصحية صعوبة بالغة في مواكبة هذا الطلب المتزايد.
تعريفات مبسطة لمصطلحات طبية وعلمية
المصطلح المعنى المبسط
الذكاء الاصطناعي (AI) Artificial Intelligence (AI) برمجيات حاسوبية قادرة على تمييز الأنماط واتخاذ القرارات
السكري Diabetes مرض ترتفع فيه مستويات السكر في الدم بشكل مفرط
اعتلال الشبكية السكري Diabetic retinopathy تلف في العين ناجم عن مرض السكري
الشبكية Retina نسيج حساس للضوء يقع في الجزء الخلفي من العين
الفحص الاستقصائي (المسح) فحص الأشخاص للكشف عن المرض قبل ظهور الأعراض
لم تكن الشمس قد أشرقت تماماً بعد عندما بدأ القرويون في الاصطفاف للحصول على البيض عند البوابة المعدنية لمنزل "شميم هاريد".
وعادةً ما تنفد الكمية المتاحة لذلك اليوم بحلول الظهيرة، إلا أن الناس يواصلون القدوم والسؤال عما إذا كان قد تبقى أي شيء.
وتقول "شميم" -وهي أم لطفلين وتقيم خارج العاصمة الملاوية ليلونغوي- إن الطلب مرتفع لدرجة أن مشاحنات قد تنشب بين الواقفين في الطابور.
يتميز البيض الذي تبيعه بأنه أرخص ثمناً وأكثر طزاجة من ذلك المعروض في الأسواق.
وتوضح قائلة: "يكاد الناس يتشاجرون للحصول على البيض؛ إنه مشهد مؤلم".
وتضيف: "يُعد البيض أرخص مصدر للبروتين الصحي يمكنهم الحصول عليه، كما أن شراءه من هنا أفضل لهم من أي مكان آخر".
ينتج قطيعها المكون من 1400 دجاجة حوالي 1000 بيضة يومياً، لكنها تعتقد أنها قادرة على بيع ثلاثة أضعاف هذه الكمية.
يعاني سكان ملاوي على نطاق واسع من الفقر وما ينجم عنه من سوء تغذية، ويُعتبر البيض أرخص مصادر البروتين الحيواني في السوق؛ فهو أقل تكلفة بكثير من لحوم الأبقار أو الدجاج أو الأسماك.
وتُعد مشكلة سوء التغذية المنتشرة ضارة بشكل خاص للأطفال الصغار؛ فإذا لم يحصلوا على العناصر الغذائية التي يحتاجونها خلال السنوات الثلاث الأولى الحاسمة -بدءاً من مرحلة وجودهم في الرحم- فقد تستمر الآثار السلبية معهم طوال حياتهم.
إذ قد ينتهي بهم المطاف بقامة أقصر ومستوى نمو عقلي أقل كفاءة نتيجة لعدم تكون أدمغتهم بالشكل السليم. وقد أظهرت الدراسات أن هذا الأمر يجعلهم أكثر عرضة للأداء الدراسي الضعيف، وانخفاض الدخل، والوقوع في براثن الفقر، فضلاً عن زيادة احتمالية إصابتهم بالأمراض في مراحل لاحقة من حياتهم.
وللوقاية من ذلك، لا تقتصر الحاجة على ضمان تغذية جيدة للرضع فحسب، بل تتطلب أيضاً تغذية سليمة للأمهات الحوامل. قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن 36 في المائة من الأطفال في ملاوي، ممن هم دون سن الخامسة، يعانون من التقزم، وهو ما يُعرف بضعف النمو والتطور الناجم عن سوء التغذية.
ويعاني نحو 13 في المائة منهم من نقص الوزن، بينما يعاني 3 في المائة من الهزال، أي أنهم يعانون من نحافة مفرطة تشكل خطراً على صحتهم.
ويمكن رصد هذه العلامات في مركز "نسارو" الصحي القريب في منطقة "كابودولا"، وهو مبنى مشيد من الطوب الأحمر الذي يماثل لون التربة المحروقة.
وتقوم الممرضات بفحص الرضع النحيلين بحثاً عن مؤشرات سوء التغذية، وذلك من خلال وزنهم أو قياس محيط أذرعهم النحيلة.
وعادةً ما توزع العيادة أكياساً من عصيدة الذرة المدعمة بالعناصر الغذائية على الأطفال الذين يتبين أنهم يعانون من نقص الوزن؛ إلا أنهم لو توفرت لديهم أنظمة غذائية أفضل، أو كانت لديهم القدرة المالية على شرائها، لما احتاجوا إلى هذه المكملات الغذائية.
وقد يكون البيض -كذلك الذي تبيعه السيدة "هاريد"- جزءاً من الحل.
كما تتزايد الأدلة العلمية التي تشير إلى أن البيض قد يكون وسيلة فعالة للغاية للحد من سوء التغذية في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وقد خلصت مراجعة علمية -خضعت لتدقيق الأقران- لدراسات سابقة متفرقة، ونُشرت في شهر مايو في "مجلة الصحة الغذائية" (Journal of Nutritional Health)، إلى أن "التدخلات الغذائية القائمة على البيض يمكن أن تحسن المؤشرات الغذائية المتعلقة بالوزن لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولا سيما مؤشرات الوزن مقابل العمر والوزن مقابل الطول (المعروفة بـ Z-scores)".
وتشير هذه النتائج إلى أن إدراج البيض في النظام الغذائي للأطفال يمكن أن يسهم في تعزيز نموهم البدني.
وفي دراسة أخرى نُشرت مؤخراً بتمويل بريطاني وتناولت مشكلة سوء التغذية في أفغانستان، وُجد أن استهلاك الحليب أو البيض أو البقوليات يوفر حماية ضد التقزم.
وخلصت الدراسة إلى أن "الحليب والبيض أظهرا أقوى الروابط الوقائية فيما يتعلق بحالات سوء التغذية الحاد، والتقزم، ومعدلات الإصابة بالأمراض، والفقر الغذائي".
ومع ذلك، ثمة تفاوت هائل في مدى توفر البيض ومعدلات استهلاكه حول العالم.
ففي المملكة المتحدة، يبلغ متوسط استهلاك الفرد نحو 209 بيضات سنوياً، وفي الولايات المتحدة يصل هذا الرقم إلى حوالي 260 بيضة، بينما يبلغ في الهند نحو 100 بيضة.
أما في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإن هذا الرقم أقل بكثير. في ملاوي يبلغ العدد نحو 30، وفي إثيوبيا يبلغ نحو 13.
ويعود ذلك جزئياً إلى انخفاض كفاءة إنتاج البيض في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، مما يجعل البيض باهظ الثمن وشحيحاً.
تجوب طيورٌ هزيلةٌ وقويةُ البنيةِ الساحاتِ الخلفيةَ في العديد من القرى، لكن بيضها صغير الحجم وقليل الإنتاج.
يتطلب إنشاء مشاريع أكبر توفير رأس المال، وأعلاف عالية الجودة، ودجاج بياض جيد، وبرامج للتحصين (التطعيم).
تُعد مجموعة الدجاج التي تمتلكها السيدة "هاريد" جزءاً من برنامج تنموي يهدف إلى زيادة توافر البيض -لمكافحة سوء التغذية- وتحقيق التنمية الاقتصادية في آن واحد.
يهدف برنامج "Egg Hub" (مركز البيض) -الذي تديره مؤسسة "Sight and Life" البحثية والإنسانية ومقرها سويسرا- إلى تعزيز تجمعات من المزارع الصغيرة التي تضم ما بين 1000 و5000 طائر حول مركز رئيسي.
وتقول الدكتورة صوفيا أسكاري، المديرة الإدارية للمؤسسة، إن ميزة هذا النموذج تكمن في توفيره سبل عيش كريمة وفرص اقتصادية، فضلاً عن دوره في الحد من سوء التغذية.
وتضيف قائلة: "عندما ينظر الناس إلى قضية سوء التغذية، فإنهم يركزون دائماً على العلاج. ولكن إذا ضمنت حصولهم على غذاء جيد في المقام الأول، فلن تكون هناك حاجة للعلاج".
فبدلاً من الاعتماد على الأعمال الخيرية، يوفر هذا المركز فرصاً اقتصادية؛ كما أنه يتميز بكونه نموذجاً مستداماً، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل تقليص الكثير من المساعدات الدولية.
وتؤكد قائلة: "هذه المراكز لا تخلق حالة من الاعتمادية، بل تخلق فرصاً حقيقية".
يُتيح المركز للمزارعين المحليين -الذين يتم اختيارهم بعناية- الحصول على قروض وأعلاف عالية الجودة وسلالة دجاج "ديكالب" (Dekalb) القادرة على إنتاج ما يصل إلى 300 بيضة سنوياً. كما يحصل المزارعون على خدمات تحصين لقطعانهم وتدريب مالي، وبمجرد بدء العمل الفعلي، يتولون تغطية تكاليف الأعلاف والنفقات التشغيلية بأنفسهم.
انطلق البرنامج في ملاوي، حيث وصل بحلول عام 2024 إلى التعاون مع 85 مزارعاً ينتجون 8.6 مليون بيضة سنوياً، وقد توسع نطاق العمل ليشمل إثيوبيا والسنغال أيضاً.
تقول "فاني متوسو" -وهي أم لسبعة أبناء وتبلغ من العمر 49 عاماً-: "يستفيد المجتمع المحلي من استهلاك البيض، كما أنني وجدت مشروعاً تجارياً عاد عليّ بالنفع". فبفضل هذا المركز، أصبحت تمتلك قطيعاً خاصاً يضم 1200 طائر في مزرعتها الواقعة على مسافة قصيرة بالسيارة خارج العاصمة ليلونغوي.
وبعد تلقي الدعم الأولي من البرنامج، أصبحت مزرعتها الآن مكتفية ذاتياً؛ فهي تحقق أرباحاً وتغطي نفقاتها الخاصة، وتخطط للاستثمار في المزيد من الدجاج بجهودها الذاتية. تبيع السيدة بيضها لمتجر محلي وللقرويين في الجوار، وتتمتع بأسلوب مقنع وجذاب في البيع.
وتقول: "تكمن الفائدة في أن تناول الأطفال للبيض يمنحهم بروتيناً جيداً ويجعلهم أذكياء ونبهاء. كما أن تناول الأم للبيض يضمن نمو الجنين بصحة جيدة".
وذكرت ماري فوستر (28 عاماً)، التي تقيم على بعد بضع مئات من الأمتار، أن معدل استهلاكها للبيض ارتفع من مرة واحدة أسبوعياً إلى ثلاث مرات منذ بدء تشغيل مزرعة السيدة متوسي.
وأضافت يونيس مافوتو (16 عاماً)، وهي أم لطفل يبلغ من العمر 11 شهراً يُدعى "تراست لوبرت": "يعتمد الأمر على توفر المال لدينا، لكنني غالباً ما أتناول البيض الآن أربع مرات في الأسبوع".
وتابعت: "أنا أفضل البيض المسلوق، بينما يفضله طفلي مخلوطاً مع العصيدة".
وأشارت قائلة: "قبل إنشاء مركز توزيع البيض هنا، لم نكن نتناوله بشكل متكرر على الإطلاق".
وقدّر تقييم أُجري عام 2024 لأداء المبادرة في ملاوي أن حصة الفرد الشهرية من البيض بالقرب من مراكز التوزيع قد تضاعفت ثلاث مرات، حيث ارتفعت من بيضتين إلى سبع بيضات.
وخلال المرحلة التجريبية، انخفضت أسعار البيض بنسبة 40 في المائة مقارنة ببيض الدواجن التي تُربى في المنازل (التربية المنزلية).
وقبل بدء تشغيل هذه المراكز، كان 12 في المائة فقط من السكان المجاورين يتناولون البيض مرتين أسبوعياً، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 51 في المائة بعد ذلك.
ترك كالكيدان نيغوسي وظيفته كمدير للتسويق في شركة "هاينكن" للبيرة في إثيوبيا لينضم إلى مشروع "مراكز البيض" (Egg Hub) التابع لمنظمة "سايت آند لايف" (Sight and Life) في أفريقيا.
وقال: "في السابق، كنت أتقاضى راتباً، لكنني لم أكن أشعر بغاية حقيقية في أعماقي. أما الآن، فأنا أرى التحسن؛ إذ يمكن رؤية الأطفال وهم يتناولون البيض، كما ألمس الفائدة التي تعود على الأسر".
يمتد نموذج "المراكز" أيضاً إلى رواندا، التي أدركت الإمكانات الكبيرة للبيض في تحسين النظام الغذائي ومكافحة سوء التغذية.
ففي عام 2024، تبنت الحكومة نهجاً مشابهاً للحملة الإعلانية البريطانية التي أُطلقت في خمسينيات القرن الماضي تحت شعار "ابدأ يوم عملك بتناول بيضة"، وشجعت الآباء على منح أطفالهم بيضة واحدة يومياً.
وفي القرى والبلدات المحيطة بوسط ملاوي، حيث طُبِّق المشروع التجريبي لمراكز توزيع البيض، يرى السكان المحليون فرصاً وإمكانات واعدة أكبر بكثير.
يدير "كوزمو برايسون" متجر "كاريمباكاتا" في المركز التجاري بمنطقة "نسارو"، ويبيع نحو 15 طبقاً من بيض المربية "فاني متوسو".
وعندما زارت صحيفة "التلغراف" المتجر، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحاً، ولم يتبقَّ سوى أربع بيضات.
وقال برايسون: "يدرك الزبائن أن البيض مفيد لصحتهم، وبإمكاني بيع كميات أكبر بكثير".
فتحت السلطات السودانية تحقيقاً رسمياً في حادث إطلاق نار أدى إلى مقتل مصريين وإصابة ثالث في السوق المحلية جنوب العاصمة الخرطوم، مؤكدة أن الحادث «جنائي فردي» وتتعامل معه بكل حزم وفقاً لأحكام القانون.
وقالت الشرطة السودانية في بيان، مساء الاثنين، إنها ألقت القبض على المتهم وتم ضبط سلاح الجريمة.
وفقاً للبيان: «أقدم مواطن، وبصورة فردية، على إطلاق أعيرة نارية تجاه مجموعة من المواطنين. وأسفر الحادث عن وفاة مواطنَين مصريين اثنين وإصابة مواطن مصري آخر» تم نقله إلى مستشفى السلاح الطبي بمدينة أم درمان لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.
وناشدت قوات الشرطة السودانية المواطنين بعدم الانسياق وراء الشائعات وتداول معلومات غير صحيحة.
وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت، الاثنين، أنها تتابع باهتمام بالغ حادث إطلاق نار من أحد المسلحين على عدد من سائقي الشاحنات المصريين، حيث لقى سائقان مصرعهما، فيما أصيب آخر.
وأوضحت في بيانها أنها على تواصل مع السلطات السودانية للوقوف على ملابسات الحادث، والاطمئنان على صحة المواطن المصاب، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات لنقل المتوفَّين إلى أرض الوطن في أسرع وقت ممكن.
وتأتي الحادثة عقب أنباء عن مقتل وإصابة العشرات من المُعدِّنين السودانيين في قصف جوي استهدف منطقة جبل العقيدات للتنقيب عن الذهب في أقصى شمال البلاد مع الحدود المصرية.
ووجَّه رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بتشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة بالأمر. وقال في بيان إن قيادتي السودان ومصر على تواصل منذ وقوع الحادث، لحماية الأرواح ومعرفة الملابسات واطلاع الرأي العام، والحفاظ على العلاقة بين الشعبين.
في السياق نفسه، تواصلت ردود الفعل الرسمية إزاء استهداف المعدّنين. وأكد رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، التزام الحكومة بدعم الجهود الرامية إلى الوقوف على جميع الملابسات وكشف الحقائق المتعلقة بها.
وكتب في تدوينة على منصة «إكس»: «إن سلامة المواطنين السودانيين وكرامتهم تظل أولوية وطنية راسخة». وتابع: «نؤكد أهمية استمرار التنسيق مع جمهورية مصر العربية الشقيقة في إطار العلاقات الأخوية التاريخية الراسخة التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين».
وقال المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، أمجد فريد، على «إكس»: «منذ وقوع الحادث، استمرّت الاتصالات بين الحكومتين السودانية والمصرية على أعلى المستويات، قدّم خلالها الجانب المصري روايته الرسمية، التي تختلف في جوانب عدة عن الأخبار المتداولة».
بدوره، طالب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في منشور على صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك»، بالإسراع في إعلان نتائج التحقيق، وكشف المتورطين ومحاسبة المسؤولين؛ داعياً إلى تحقيق العدالة، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.
وفي المقابل، أدان ائتلاف «قوى إعلان المبادئ» المناهض للحرب، ما سماه بالاعتداء الذي قال إنه يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة السودان وحرمة أراضيه. وطالب في بيان صحافي الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة بتشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة ومحايدة لتقصّي الحقائق، وتحديد هوية الطائرات المنفِّذة وحصيلة الضحايا.
وتُعدّ المناطق في محيط جبل العقيدات والجبل الأحمر في الوادي الشمالي من مواقع التعدين الأهلي للذهب في شمال السودان، حيث يعمل آلاف المعدّنين التقليديين. وتمتد أنشطة التعدين فيها حتى منطقة أوسيف في ولاية البحر الأحمر بشرق البلاد.
+++++++++++++++++++++++++++++++
تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان
دعوات للتهدئة وتجنب «ملاسنات» رقمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي
تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان
دعوات للتهدئة وتجنب «ملاسنات» رقمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي
نُشر: 16:53-13 أكتوبر 2026 م ـ 02 جمادي الأول 1448 هـ
تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان، على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود بين البلدين، وكذلك حادث مقتل مصريَّين في الخرطوم.
ودعت نخب مصرية وسودانية للتهدئة وتجنب «الملاسنات» عبر منصات التواصل الاجتماعي لصون العلاقات الثنائية، وأكد مراقبون من الجانبين «خصوصية العلاقات المصرية - السودانية»، وأشاروا إلى أن «محاولات الوقيعة بين البلدين يستفيد منها طرف آخر».
ودعا الجيش المصري إلى «عدم الانسياق خلف الشائعات المضللة والأجندات الخارجية التي تستهدف زعزعة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والسوداني»، وأكد في إفادة للمتحدث العسكري العقيد أركان حرب أحمد عتمان، مساء الاثنين، «عمق الروابط التي تجمع الأمتين المصرية والسودانية على المستويين السياسي والشعبي».
وجاء بيان المتحدث العسكري في وقت تداول فيه ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بالسودان مشاهد مصورة بمناطق تعدين على الحدود، زعموا قيام طائرات عسكرية مصرية بقصفها مما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى.
غير أن بيان المتحدث العسكري المصري أشار إلى شروع «عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية في تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبَّرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية»؛ وأشار إلى أن الحملة جاءت بعد «إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية، لفرض كامل السيادة داخل الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».
وتتخذ الحكومة المصرية إجراءات أمنية مشددة لمواجهة «التنقيب غير الشرعي» على المعادن. وأعلن الجيش المصري، في شهر أغسطس (آب) الماضي، بدء المرحلة الثانية من الحملة المكبَّرة لمجابهة ظاهرة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية، وأشار وقتها في إفادة للمتحدث العسكري إلى «تكثيف عمليات التمشيط والمداهمة للمناطق التي يثبت قيامها بتلك الأعمال»، فيما جاءت المرحلة الأولى ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
بموازاة ذلك، تعرّض عدد من سائقي الشاحنات المصريين، في مدينة الخرطوم لإطلاق نار، الاثنين، ما أسفر عن مقتل سائقَين وإصابة ثالث.
وفي إطار متابعة الخارجية المصرية للحادث، أجرى السفير المصري في الخرطوم ياسر سرور اتصالات مع السلطات السودانية التي أفادت بتمكنها من إلقاء القبض على مرتكب الحادث، حسب إفادة للخارجية المصرية، الاثنين.
وكلف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي سفير مصر في الخرطوم بـ«سرعة التواصل مع السلطات السودانية، للوقوف على ملابسات الحادث، والاطمئنان على المواطن المصاب»، إلى جانب «اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل المتوفيين للقاهرة».
وأمام حالة الجدل التي صاحبت هذه الحوادث على منصات التواصل الاجتماعي، دعا إعلاميون ومستخدمون لهذه المنصات من مصر والسودان إلى «التهدئة وتجنب أي محاولات للوقيعة بين الشعبين».
ويرى مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، أن «هناك أطرافاً خارجية تستهدف إثارة الفتن ما بين القاهرة والخرطوم، وتوظيف الحوادث الأخيرة للوقيعة بين الشعبين». وأشار إلى أن «الرواية التي تحاول الزج باسم مصر في استهداف مناطق التعدين داخل السودان خرجت من (قوات الدعم السريع)»، عادّاً أن ذلك «يستهدف ضرب العلاقة بين السودان وأبرز الدول الداعمة للجيش السوداني».
وأشار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الحوادث الأخيرة تستهدف أيضاً إظهار عدم الأمان داخل السودان، وعدم وجود سيطرة على مناطق التعدين»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع الحوادث الأخيرة يقتضي مزيداً من التنسيق بين البلدين، وإتاحة المجال للجان التحقيق للوقوف على أسباب هذه الحوادث»، مع ضرورة «تعزيز التنسيق الأمني بين القاهرة والخرطوم لضبط الحدود المشتركة».
وأعلن مجلس السيادة الانتقالي في السودان أنه «شكَّل لجنة لتقصي الحقائق، بشأن (الحادث الأليم) الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان».
ونبَّه مستشار رئيس الوزراء السوداني مصلح نصار الرشيدي «إلى وجود مخطط يستهدف العلاقات بين البلدين مسنود بغرف إعلامية موجّهة تسعى إلى زعزعة أمن واستقرار البلدين والإضرار بالعلاقات التاريخية بينهما»، ودعا الشعبين إلى «ضبط النفس وتفويت الفرصة على المتربصين»، حسبما نقلت وكالة الأنباء السودانية، الثلاثاء.
وهناك تنسيق رفيع بين السلطات المصرية والسودانية، وفق سفير مصر الأسبق لدى السودان حسام عيسى الذي قال إن «الاتصالات الأخيرة بين وزيري الخارجية تشير إلى أن هناك جهوداً مستمرة بين البلدين للوقوف على أسباب الحوادث الأخيرة» إلى جانب التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، وحماية سيادة البلدين، وتجنب أي محاولات للوقيعة بين الشعبين.
وشدّد وزير الخارجية المصري عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم، خلال اتصال هاتفي الاثنين، على «الاحترام المتبادل الذي يجمع البلدين، بما في ذلك احترام سيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها»، وأكدا «الاهتمام المتبادل لدى البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات»، حسب بيان الخارجية المصرية.
وأشار عيسى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة التفرقة بين حق الحكومة المصرية في تأمين حدودها وسيادتها من جماعات مسلحة تخترق الحدود وتحمل جنسيات مختلفة غير السودانية، وبين مسار العلاقات الثنائية سياسياً وشعبياً»، مؤكداً أن «العلاقات الشعبية بين البلدين تاريخية وأزلية، والشعب المصري استضاف آلاف السودانيين في فترة الحرب شأنهم شأن المصريين».
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
إذا قررت السعودية محاربة الحوثيين، فبإمكان الولايات المتحدة تقديم المساعدة
ما رأيكم في تحالف إقليمي مناهض للحوثيين يضم إسرائيل والإمارات؟
إذا قررت السعودية محاربة الحوثيين، فبإمكان الولايات المتحدة تقديم المساعدة
ما رأيكم في تحالف إقليمي مناهض للحوثيين يضم إسرائيل والإمارات؟
بقلم هيئة التحرير
12 أكتوبر 2026، الساعة 5:45 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة
أدت الهجمات الصاروخية وبواسطة الطائرات المسيرة التي شنها الحوثيون في اليمن خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى وضع السعودية في حالة من الصدمة والاضطراب. فقد خلت أجواء الرياض من الحركة الجوية بعد ضربة استهدفت المطار الدولي يوم السبت وأسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين، تلاها هجوم يوم الأحد أدى إلى مقتل شخص آخر. والآن، حانت لحظة الاختبار للسياسة الأمريكية.
ورداً على سؤال يوم السبت حول احتمالية الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، قال الرئيس ترامب: "قد نفعل ذلك. سندرس الأمر". ومع ذلك، يبدو أن آخر ما يرغب فيه قبل انتخابات التجديد النصفي هو التصعيد العسكري. وربما يكون هذا التردد هو ما تراهن عليه إيران وميليشيات الحوثي التابعة لها، التي تتلقى منها السلاح والتمويل.
يمكن للولايات المتحدة أن تترك السعودية تواجه "المحور الإيراني" بمفردها، لكن ذلك سيكون بتكلفة استراتيجية باهظة؛ إذ تترقب المنطقة ما ستفعله واشنطن عندما تتعرض الركيزة الأساسية لنظام تحالفاتها الخليجية للهجوم.
لا يتطلب الأمر منح الرياض "شيكاً على بياض"، كما أن النقص في الصواريخ الاعتراضية الأمريكية يحد مما يمكن للرئيس ترامب تقديمه على صعيد الدفاع. غير أن هذه المعركة لن تُحسم بالدفاع وحده، أو بمواصلة لعبة "ضرب الخلد" (أي محاولة التصدي العشوائي والمستمر) لمقذوفات الحوثيين. وهذا يشير إلى ضرورة التحول نحو الهجوم، حيث تتوفر مخزونات أفضل من الذخائر، وتبرز الحاجة إلى المساعدة الأمريكية لتدمير صواريخ الحوثيين أرض-جو.
كما أن الدعم الاستخباراتي الأمريكي الفوري (في الوقت الفعلي) -وإن كان يتم بشكل أكثر تكتماً- لا يقل أهمية؛ فالهجوم الذي تشنه الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية يضع الحوثيين بالفعل تحت الضغط على طول الساحل الغربي لليمن وممر البحر الأحمر، إلا أن وتيرة التقدم فيه بطيئة.
وبإمكان الولايات المتحدة أيضاً مواصلة جهودها الدبلوماسية لحشد تحالف إقليمي مناهض للحوثيين، يضم إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة. لا يقتصر تهديد الحوثيين على المملكة العربية السعودية فحسب، بل يمتد ليشمل المنطقة وحركة الملاحة الدولية، إذ يعملون كجزء من استراتيجية إيرانية أوسع. ورغم أن الصراع بين الحوثيين والسعودية يسبق الحرب الحالية التي تقودها إيران، إلا أن هذه الحرب وضعت السعودية في مرمى النيران المباشرة؛ ولعل إيران تعتقد أنها حددت "الحلقة الأضعف" في التحالف الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
لم يكن من الضروري أن تسير الأمور على هذا النحو؛ فقد تمثّل الخطأ الغربي الأصلي في كبح جماح التحالف السعودي-اليمني في وقت كان فيه الحوثيون في موقف دفاعي. ووسط المخاوف الإنسانية الدولية بشأن سقوط ضحايا مدنيين، ضاعت فرصة هزيمة هذه الجماعة التي تعمل بالوكالة لصالح إيران خلال عامي 2018 و2019. ثم جاءت إدارة بايدن الجديدة في فبراير 2021 لتقطع كافة أشكال الدعم -سواء كان عسكرياً أو استخباراتياً أو لوجستياً- عن الهجوم الرامي لمواجهة الحوثيين.
وفي مسعى لاستيعاب النفوذ الإيراني، أقدم جو بايدن حتى على إلغاء تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية؛ وهي جماعة ترفع شعار: "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". وحينها، أبرمت السعودية اتفاقاً لاسترضاء الحوثيين، تضمن ضخ أموال لتسهيل عملية السلام، إلا أن هذه الخطوة -على غرار الأموال القطرية في غزة- لم تنجح، إذ استغل الحوثيون تلك الهدنة لإعادة تسليح أنفسهم.
لقد أنفقت السعودية 83 مليار دولار على الدفاع في عام 2025، وهو مبلغ يفوق ما أنفقته إسرائيل أو إيران. والآن، وفي ظل تعرضها لهجمات مباشرة، يتعين على الرياض أن تقرر ما إذا كانت تمتلك الإرادة للرد؛ فإذا لم تفعل ذلك، ستتضرر طموحات التحديث التي يتبناها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ لن يرغب الكثيرون في الاستثمار في دولة أصبحت هدفاً سهلاً ومتكرراً للهجمات.
ولا يبدو أن شريكي ولي العهد الجديدين في "ميثاق مكة" -تركيا وباكستان- متحمسين لتقديم المساعدة رغم امتلاكهما جيوشاً ضخمة، مما يترك خيار اللجوء إلى الولايات المتحدة قائماً كالمعتاد. إن الدعم الأمريكي لا يعني الحلول محل السعودية، بل مساعدتها على تولي زمام القيادة؛ فدفع ولي العهد نحو إبرام اتفاق آخر مع الحوثيين لن يؤدي إلا إلى ترسيخ المكاسب التي حققتها الميليشيا، تمهيداً للحرب القادمة. قد يبدو التحدي الذي يمثله الحوثيون غامضاً، إلا أن الرهانات كبيرة بالنسبة للسعوديين والشرق الأوسط والولايات المتحدة؛ إذ بات هذا الملف مرتبطاً بحملة الرئيس ترامب ضد إيران وآماله في توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام" المبرمة بين إسرائيل ودول عربية، لتشمل المملكة العربية السعودية يوماً ما. وفي ظل الوضع الراهن، تبدو الكفة راجحة لصالح الحوثيين.
نُشر هذا المقال في النسخة المطبوعة بتاريخ 13 أكتوبر 2026 تحت عنوان: "إذا قرر السعوديون القتال، فبوسع الولايات المتحدة تقديم المساعدة".
تدافع هيئة التحرير عن الأسواق الحرة والشعوب الحرة؛ وهي المبادئ التي تبلورت -إن جاز التعبير- في عام 1776، ذلك العام الفاصل الذي شهد صدور "إعلان الاستقلال" بقلم توماس جيفرسون ونشر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث. وعليه، فإن الصحيفة تواصل -على امتداد القرن الماضي وما يليه- دعم التجارة الحرة والسياسات النقدية السليمة، ومعارضة الضرائب المصادرة للأموال والمراسيم التعسفية للملوك وغيرهم من دعاة النزعة الجماعية، فضلاً عن تأييد الاستقلالية الفردية في مواجهة الديكتاتوريين والمتسلطين، وحتى في وجه نزوات الأغلبية العابرة.
+++++++++++++++++++++++++++++
روسيا وإيران وسياسة ترامب الخارجية القائمة على "الصدمة والترويع"
روسيا وإيران وسياسة ترامب الخارجية القائمة على "الصدمة والترويع"
يسعى الرئيس للتوفيق بين دعاة ضبط النفس والصقور بما يخدم أهدافه الاستراتيجية.
12 أكتوبر 2026، الساعة 5:21 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة
بعد ما يقرب من ست سنوات في البيت الأبيض وأكثر من عقد في قلب السياسة الأمريكية، لا يزال دونالد ترامب قادراً على مفاجأة العالم. ففي الأسبوع الماضي وحده، ألمح إلى شن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، وصرح بأن الولايات المتحدة ستشتري وقود الديزل من روسيا في وقت كان فيه المسؤولون الأمريكيون يحذرون الأوروبيين من احتمال قطع إمدادات الأسلحة، كما أعلن عن "هدنة في مجال الطاقة" بدت وكأنها فاجأت كييف، وتحدث علناً عن احتمال استئناف الأعمال العدائية ضد الحوثيين، ودعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى التنحي.
تعكس موجة النشاط الدبلوماسي الأخيرة للرئيس قناعاته بشأن إيران وروسيا، وأهمية الطاقة، وعدم أهمية أوروبا. فهو ينظر إلى إيران باعتبارها تهديداً للولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويعتقد أن امتلاك إيران لسلاح نووي أو هيمنتها على موارد الطاقة في الخليج الفارسي من شأنه أن يهدد المصالح الأمريكية. كما يؤمن بأن الوقود الأحفوري سيظل عنصراً رئيسياً في القوة الجيوسياسية والاقتصادية، ويريد للولايات المتحدة أن تلعب الدور المهيمن في منطقة الخليج.
وبالمثل، يعتقد السيد ترامب أن الولايات المتحدة وروسيا تتشاركان مصالح متداخلة تتمثل في منع موسكو من التحول إلى شريك تابع لبكين، ومواجهة التشدد الإسلامي السني، وإدارة أدوار كل منهما كمنتج رئيسي للطاقة. كما يشترك ترامب وفلاديمير بوتين في ازدراء ما يتفقان على اعتباره "انتحاراً حضارياً" يتبناه الليبراليون الأوروبيون المعاصرون. ومن هذا المنظور، لا ينبغي لواشنطن وموسكو أن تختلفا بسبب أمور تافهة مثل الطموحات القومية لأوكرانيا أو تذمر مؤيديها الليبراليين في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، يدرك السيد ترامب أن تحالفه السياسي منقسم إلى جناحين: جناح يدعو إلى ضبط النفس وجناح "الصقور"؛ إذ يطالب الصقور بانتهاج سياسات صارمة تجاه كل من روسيا وإيران. يريد دعاة ضبط النفس (أو عدم التدخل) أن تُصلح الولايات المتحدة علاقاتها مع موسكو وأن تبتعد عن شؤون الشرق الأوسط.
لقد سعى السيد ترامب إلى التوفيق بين حدسه الشخصي ورغبات قاعدته الانتخابية من خلال اتباع سياسة منقسمة؛ ففي حين أنه لم يمنح أي طرف كل ما يريده، إلا أنه منح "الصقور" (دعاة التشدد) نفوذاً أكبر فيما يتعلق بالسياسة تجاه إيران، بينما راعى في الوقت نفسه مشاعر دعاة ضبط النفس فيما يخص روسيا. وبينما يضع في حسبانه احتمال نشوب حرب أطول وأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط، يريد السيد ترامب إرضاء حلفائه من دعاة ضبط النفس عبر محاولة أكثر جرأة لبناء علاقات مع موسكو. وتُعد قدرته على تصوير دبلوماسيته مع روسيا على أنها مسعى لتأمين وقود أرخص -مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي- ميزة إضافية.
ولكن، مهما بدت هذه التوليفة من السياسات معقولة بالنسبة للبيت الأبيض، فإن الرأي العام لا يحبذ فكرة الحرب مع إيران وما يترتب عليها من ارتفاع في أسعار الوقود، كما أنه لا يرحب بمهادنة روسيا. إن إرضاء الصقور في الخليج ودعاة ضبط النفس بشأن روسيا قد يوزع الأعباء بالتساوي على مكونات تحالف ترامب، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن هذا التحالف آخذ في الانكماش؛ إذ يبدو أن رئاسة ترامب تدخل مرحلة جديدة قد تكون -من وجهة نظره- أقل إرضاءً.
إن الثقة في شخص ترامب -وليس الأيديولوجيا- هي التي تحافظ في نهاية المطاف على تماسك تحالف "اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA) المتباين الأطياف. ففي نظر المؤمنين به، يستطيع ترامب إغلاق الحدود والقضاء على الحكومات المعادية لأمريكا في أنحاء نصف الكرة الغربي، كما يمكنه وقف تهريب المخدرات وتفكيك عصاباتها، وإعادة توطين الصناعة بما يطلق العنان لعصر ذهبي من الرخاء للعمال اليدويين. وبإمكانه أيضاً وقف زحف الانحلال والعلمانية، والتصدي لتدخلات البيروقراطيين ودعاة العولمة المعادين لأمريكا. قد تبدو أساليبه غريبة أو حتى مستهجنة أحياناً، لكن لا أحد غيره يستطيع تحقيق ما يحققه.
وللحفاظ على هذا السحر، يتعين على ترامب إبقاء أنظار الأمريكيين والعالم مشدودة إلى مشهد "عرض ترامب" (Trump Show)، كما يجب عليه تقليص الفجوة بين الوعود البراقة والنتائج التي لا بد وأن تكون مخيبة للآمال.
تُسهّل الحروب المهمة الأولى لكنها تعقّد الثانية؛ فالصراعات توفر مادة درامية جذابة، ولا أحد يدرك ذلك أفضل من ترامب، غير أن الحروب تظل أيضاً أموراً يصعب تطويع صورتها إعلامياً أو التحكم في تداعياتها. رغم جهود الرئيس، لا تزال الحرب بين روسيا وأوكرانيا تشهد تصعيداً مستمراً. ورغم مزاعمه بشأن ضعف إيران وعجزها، تظل أسعار البنزين والديزل مرتفعة، وتتواتر التقارير حول تعرض القواعد الأمريكية في الخليج لخطر الصواريخ الإيرانية؛ مما دفع أنصاره للبدء في التساؤل: أين هي تلك "اللمسة السحرية"؟
تبدأ حالة خيبة الأمل ببطء، لكنها سرعان ما قد تنتشر وتتسع رقعتها. وفي ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى انتخابات نصفية صعبة تنتظر الجمهوريين، وتزايد المخاوف من تحوله إلى رئيس "بلا سلطة فعلية" (أو ما يُعرف بـ "البطة العرجاء")، فضلاً عن تأثير أسعار الفائدة ومعدلات التضخم على الناخبين، قد يواجه السيد ترامب أصعب سنوات مسيرته المهنية الطويلة؛ وقد تكون هذه معركة يخوضها وحيداً، إذ لا يقتصر الأمر على رغبة خصوم أمريكا في رؤيته يفشل، بل يشاركهم في ذلك العديد من حلفائنا أيضاً.
تُتيح السياسة الخارجية القائمة على مبدأ "الصدمة والترويع" أملاً في تحقيق اختراقات من شأنها تعزيز موقف الرئيس. لذا، ينبغي للعالم أن يستعد لمزيد من صدمات ترامب؛ إذ لا يوجد لديه أي دافع لتهدئة الأوضاع.
نُشر المقال في النسخة المطبوعة الصادرة بتاريخ 13 أكتوبر 2026 تحت عنوان "استراتيجية ترامب القائمة على الصدمة والترويع".
بناءً على التقارير المتاحة حالياً، إليكم ما يبدو أنه يحدث:
القصة الأساسية
فتش عملاء فيدراليون من "تحقيقات الأمن الداخلي" (HSI) منزل النائبة الديمقراطية في الكونغرس، إلهان عمر -وهي من أبرز منتقدي الرئيس دونالد ترامب- في واشنطن العاصمة. وقد أكدت وزارة العدل الأمريكية أن العملاء نفذوا مذكرة تفتيش مصرح بها قضائياً كجزء من تحقيق فيدرالي جارٍ.
لم تعلن الحكومة علناً عن التفاصيل الكاملة للتحقيق، لكن تقارير متعددة تشير إلى ارتباطه بمزاعم تتعلق بأوراق الهجرة الخاصة بعمر، والتي يُقال إن والدها أنجز بعضاً منها حين كانت طفلة.
لماذا يثير الأمر كل هذا الجدل؟
هناك روايتان متناقضتان:
1. وجهة نظر عمر والديمقراطيين
ترى عمر أن المداهمة ذات دوافع سياسية وتأتي ضمن حملة طويلة تشنها ضدها إدارة ترامب وحلفاؤه. وقد وصفت الأمر بأنه محاولة "لتحويل أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية إلى سلاح" ضد الخصوم السياسيين، وصرحت قائلة:
"لن يتم إسكاتي".
وصف كبار الديمقراطيين في مجلس النواب المداهمة بأنها "مثيرة للقلق للغاية" وتُعد "استغلالاً جامحاً للسلطة"، معتبرين أن عمر كانت هدفاً لترامب والنشطاء المحافظين لسنوات.
2. وجهة نظر إدارة ترامب / القائمين على التحقيق
تكتفي وزارة العدل بالقول إنه تم تنفيذ مذكرة تفتيش مصرح بها قانوناً كجزء من تحقيق جنائي فيدرالي، ولم يعلن المسؤولون المعنيون عن أي أدلة أو توجيه اتهامات.
وحتى وقت إعداد التقارير المشار إليها، لم تُعلن أي اتهامات ولا يزال التحقيق جارياً.
لماذا تُعد هذه القضية حدثاً سياسياً بارزاً؟
هناك عدة عوامل تجعل هذا الأمر متفجراً:
تُعد عمر واحدة من أشهر الخصوم السياسيين لترامب. هي مواطنة أمريكية متجنسة من أصل صومالي، وغالباً ما كانت محوراً لنقاشات الهجرة. وقعت المداهمة قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. يرى بعض الديمقراطيين في ذلك استخداماً لأجهزة إنفاذ القانون ضد خصم سياسي، بينما يجادل آخرون بأن المسؤولين المنتخبين لا ينبغي أن يتمتعوا بحصانة من التحقيقات الجنائية.
تحليلي
في هذه المرحلة، تكمن الحقيقة الجوهرية في أن مذكرة التفتيش لا تعني الإدانة أو توجيه الاتهام؛ فهي تعني ببساطة أن المحققين أقنعوا القاضي بوجود أساس قانوني كافٍ لإجراء التفتيش. لم يُعلن بعد عما إذا كان التحقيق سيسفر في النهاية عن أدلة تثبت ارتكاب مخالفات.
وعلى الصعيد السياسي، يتعامل كلا الطرفين مع الحدث باعتباره ذا دلالة رمزية:
إذ يرى أنصار عمر في الأمر محاولة محتملة للترهيب السياسي. بينما يرى أنصار ترامب فيه دليلاً على أن المزاعم الموجهة ضد عمر تخضع أخيراً للتحقيق.
وستتوقف الأهمية الفعلية للأمر على طبيعة الأدلة التي قد يكشف عنها التحقيق، إن وُجدت. وفي الوقت الراهن، فإن المعلومات المتوفرة حول ردود الفعل السياسية تفوق بكثير المعلومات المتاحة عن القضية ذاتها.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
عاملون في مختبر بمعهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى بروسيا. الصورة: معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى / أسوشيتد برس.
بصفتي عالمة، إليكم ما يثير قلقي بشأن حالة الإصابة المشتبه بها بالطاعون في روسيا
البروفيسورة ديفي سريدهار
بصفتي عالمة، إليكم ما يثير قلقي بشأن حالة الإصابة المشتبه بها بالطاعون في روسيا
ديفي سريدهار
الاثنين 12 أكتوبر 2026، الساعة 15:12 بتوقيت بريطانيا الصيفي
آخر تحديث: الاثنين 12 أكتوبر 2026، الساعة 17:35 بتوقيت بريطانيا الصيفي
يسلط صمت روسيا بشأن وفاة عاملة في مختبر الضوء على حقيقة أن الاستعداد للجوائح لا قيمة له إذا تم حجب المعلومات المتعلقة بالتهديدات.
في مجال الاستعداد للجوائح، يميل العلماء إلى التركيز على التحديات التقنية: تحديد مسببات الأمراض، وتشخيص العدوى، وفهم تأثيراتها، وتطوير اللقاحات والعلاجات. وتَعِد كل خطوة من هذه الخطوات بتحقيق تقدم بفضل الابتكار البشري والاستثمار والتخطيط. فعلى سبيل المثال، تجمع منظمة الصحة العالمية الخبراء لتحديد التهديدات الناجمة عن الأمراض الناشئة وترتيب أولوياتها، وجمع الأدلة اللازمة للاستعداد لها. غير أن الاستعداد يعتمد على ما هو أكثر من مجرد الابتكار العلمي.
وكما أظهر الأسبوع الماضي، فإن السياسة تشكل عاملاً ضخماً ومؤثراً - وإن كان يُتجاهل الحديث عنه أحياناً - في كل هذا المشهد. لم يكن بوسع أحد أن يتوقع أننا سنتحدث عن "الطاعون الرئوي"، وأن وفاة عاملة مختبر واحدة في روسيا ستتصدر عناوين الأخبار العالمية. قد يبدو الأمر وكأنه مبالغة في رد الفعل؛ فمنظمة الصحة العالمية تتعامل شهرياً مع آلاف المؤشرات المحتملة لوجود أمراض حول العالم. لكن ظروف هذه الحالة غير عادية نظراً لغياب الشفافية من جانب السلطات الروسية بشأن ما حدث، فضلاً عن المخاوف المستمرة المتعلقة بأبحاث الأسلحة البيولوجية.
توفيت عاملة المختبر، البالغة من العمر 28 عاماً، بعد إصابتها بالتهاب رئوي حاد. كانت تعمل في "معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون" - الذي تأسس عام 1934 - والذي يدرس الطاعون وغيره من مسببات الأمراض الخطيرة، بما في ذلك الجمرة الخبيثة والكوليرا، كما تحوم حوله شائعات تفيد بتورطه في أبحاث الأسلحة البيولوجية. وقد كتب البروفيسور أشيش جا - الذي شغل سابقاً منصب منسق استجابة البيت الأبيض الأمريكي لجائحة كوفيد-19، وشاركني رئاسة لجنة معنية بوباء إيبولا - على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: "تقدر الاستخبارات الأمريكية أن العلماء الروس يواصلون تطوير قدراتهم في مجال الأسلحة البيولوجية. وتعمل هذه البرامج في سرية تامة؛ فلا أحد من الخارج يفتشها، ولا يوجد لدى أي شخص في الداخل حافز كبير للاعتراف بوقوع خطأ ما". علاوة على ذلك، أشارت التغطية الإعلامية المحلية الأولية إلى أنها توفيت جراء الإصابة بالطاعون الرئوي عقب حادث مختبري، ربما بسبب انكسار أنبوب اختبار. ينجم الطاعون الرئوي عن بكتيريا (يرسينيا بيستيس)، ويمكن أن ينتقل عبر الجهاز التنفسي، كما أنه قاتل دائماً إذا لم يُعالج. ومع ذلك، يمكن علاجه بنجاح كبير إذا أُعطيت المضادات الحيوية خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من ظهور الأعراض، أو حتى قبل ظهورها في حال إعطائها بعد التعرض للعدوى مباشرة. وإذا كانت تعلم أنها تعرضت للعدوى، فلماذا لم تتلقَّ العلاج في الوقت المناسب؟ (يُعد الطاعون الرئوي مرضاً مختلفاً عن الطاعون الدبلي الأكثر شيوعاً، والذي ينتقل عن طريق لدغات البراغيث).
ورغم نفي السلطات الصحية الروسية أن تكون الحالة إصابة بالطاعون وإصرارها على أنها حالة التهاب رئوي مجهول المصدر، إلا أنها سارعت بوضع نحو 200 شخص ممن خالطوا العاملة في المختبر تحت الحجر الصحي. وأفادت السلطات بأنه لم يتم رصد أي مسببات أمراض عالية الخطورة وأن عمليات المراقبة قد انتهت. وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية بياناً يشير إلى احتمال وجود حالة ثانية مرتبطة بالأولى، لكن روسيا نفت ذلك. ولا يزال سبب الوفاة غير مؤكد.
لقد حثت منظمة الصحة العالمية الحكومة الروسية على تقديم المزيد من المعلومات - بما في ذلك تأكيد التشخيص وتفاصيل التحقيقات، وسبب وضع هذا العدد الكبير من الأشخاص في الحجر الصحي، ومعلومات إضافية عن الحالة الثانية - إلا أنها لم تتلقَّ هذه المعلومات حتى الآن.
من ناحية، لو كان هذا المرض ينتشر بشكل أكبر، لكانت قد ظهرت حالات إضافية بحلول هذا الوقت. لقد توفيت العاملة في المختبر في 2 أكتوبر، وتشير عمليات فحص المخالطين وإنهاء الحجر الصحي للمحتجزين إلى أن أي انتشار محتمل للمرض قد تمت السيطرة عليه حتى الآن. ومع ذلك، ونظراً لأن فترة حضانة المرض تتراوح بين يوم واحد وثلاثة أيام، فإن استمرار المراقبة يظل أمراً مهماً.
هناك ثلاثة سيناريوهات افتراضية في حال افترضنا أن المرض كان الطاعون الرئوي: يتمثل السيناريو الأول في تعرض العاملة للبكتيريا عن طريق الخطأ أثناء إجراء الأبحاث، وعدم إدراكها للأمر أو عدم إخبارها لأحد خوفاً من العواقب، وبالتالي لم تطلب العلاج على الفور؛ مما أدى إلى فوات الوقت المناسب للعلاج بحلول الوقت الذي ظهرت عليها الأعراض.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تعرض العاملة لسلالة بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية. قد يبدو هذا الكلام أشبه بنظرية مؤامرة، إلا أن أكاديميين بارزين أثاروا مخاوف بهذا الشأن، مستندين إلى تاريخ برنامج الأسلحة البيولوجية السوفيتي واحتمالية تعديل مسببات الأمراض وراثياً لأغراض عدائية.
ثالثاً، أشار دان سينجر (المدير السابق في البيت الأبيض المعني بمكافحة التهديدات البيولوجية) إلى احتمال أن يكون العامل في المختبر قد تلقى لقاحاً قديماً؛ وهو لقاح لا يتوفر إلا في روسيا نظراً لعدم حصوله على اعتماد منظمة الصحة العالمية أو معظم الدول الأخرى. ويُصنَّف هذا اللقاح ضمن فئة اللقاحات الحية الموهَّنة، أي أنه يحتوي على نسخة مُضعَّفة من البكتيريا، غير أنه لا يوفر الحماية دائماً وقد يتسبب أحياناً في الإصابة بالمرض.
باختصار، نحن لا نعرف حقيقة ما حدث نظراً لعدم كفاية المعلومات الواردة من السلطات الروسية. ولتكوين فهم دقيق للأحداث، يحتاج المحققون إلى الاطلاع على الأدلة المخبرية والسريرية، بما في ذلك بيانات التسلسل الجيني، وتحديد هوية العامل الممرض، وتفاصيل الأبحاث التي كان يجريها العامل المعني. وفي غياب هذه المعطيات، لا يتبقى لنا سوى التكهنات، في حين أن الموقف يتطلب يقيناً علمياً ثابتاً.
بصفتها عضواً في منظمة الصحة العالمية، تقع على عاتق روسيا التزام قانوني دولي بمشاركة المعلومات مع المنظمة. وتغطي اللوائح الصحية للمنظمة على وجه التحديد الأحداث "غير العادية وغير المتوقعة"، فضلاً عن تلك التي لها تأثير خطير على الصحة العامة وتنطوي على خطر كبير لانتشار المرض دولياً، أو التي قد تؤثر على حركة التجارة أو السفر. ولكن للأسف، وكما هو الحال مع معظم القوانين الدولية، لا توجد آلية فعلية لفرض الامتثال؛ إذ يعتمد الأمر على التعاون الواسع بين الدول، انطلاقاً من إدراك أن مشاركة المعلومات حول انتشار الأمراض تصب في المصلحة العليا لجميع الأمم.
كما مارست الحكومة الأمريكية ضغوطاً على روسيا للحصول على إجابات، حيث صرح دونالد ترامب بأنه سيبحث الوضع مع بوتين. وطلبت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً مزيداً من المعلومات بموجب اللوائح الصحية الدولية؛ والمفارقة هنا تكمن في أن الولايات المتحدة كانت قد انسحبت من منظمة الصحة العالمية في يناير 2026، لكنها الآن تستند إلى الإطار الدولي الذي تخلت عنه سابقاً.
بصفتي عالمة تتابع هذه التطورات، أدرك تماماً أنه رغم إمكانية عقد مؤتمرات بحثية ولقاءات للخبراء لتطوير وسائل تشخيص أفضل، وتسريع عمليات التسلسل الجيني، وابتكار لقاحات أكثر فعالية وعلاجات متاحة، إلا أن أياً من هذه الإنجازات لا يمكن أن يعوض الفشل في مشاركة المعلومات اللازمة لتحديد هوية العامل الممرض في المقام الأول. فالاستعداد للأزمات يمثل تحدياً سياسياً بقدر ما هو تحدٍ علمي، ودون شفافية، سيكون المآل هو التقدم خطوة واحدة للأمام مقابل التراجع خطوتين إلى الوراء.
تشغل البروفيسورة ديفي سريدهار منصب رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في جامعة إدنبرة.